Verse. 413 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَـنَۃٌ تَـسُؤْھُمْ۝۰ۡوَاِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَۃٌ يَّفْرَحُوْا بِھَا۝۰ۭ وَاِنْ تَصْبِرُوْا وَتَتَّقُوْا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُھُمْ شَـيْـــًٔـا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ بِمَا يَعْمَلُوْنَ مُحِيْطٌ۝۱۲۰ۧ
In tamsaskum hasanatun tasuhum wain tusibkum sayyiatun yafrahoo biha wain tasbiroo watattaqoo la yadurrukum kayduhum shayan inna Allaha bima yaAAmaloona muheetun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن تَمْسَسْكُمْ» تصبكم «حسنة» نعمة كنصر وغنيمة «تسؤهم» تحزنهم» «وإن تصبكم سيئة» كهزيمة وجدب «يفرحوا بها» وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلم توالوهم فاجتنبوهم «وإن تصبروا» على أذاهم «وتتقوا» الله في موالاتهم وغيرها «لا يضركمْ» بكسر الضاد وسكون الراء وضمها وتشديدها «كيدهم شيئا إن الله بما يعلمون» بالياء والتاء «محيط» عالم فيجازيهم به.

120

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين، فبيّن تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء (ماساً) على سبيل التشبيه فيقال: فلان مسّه التعب والنصب، قال تعالى: {أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } تفسير : [ق: 38] وقال: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ } تفسير : [الإسراء: 67] قال صاحب «الكشاف»: المس ههنا بمعنى الإصابة، قال تعالى: {أية : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } تفسير : [التوبة: 50] وقوله {أية : مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } تفسير : [النساء: 79] وقال: {أية : إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } تفسير : [المعارج: 20، 21]. المسألة الثانية: المراد من الحسنة ههنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والأُلفة بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب، والقتل والنهب والغارة، فبيّن تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم. المسألة الثالثة: يقال ساء الشيء يسوء فهو سيء، والأنثى سيئة أي: قبح، ومنه قوله تعالى: {أية : سَاء مَا يَعْمَلُونَ } تفسير : [المائدة: 66] والسوأى ضد الحسنى. ثم قال: {وَأَن تَصْبِرُواْ } يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم {وَتَتَّقُواْ } كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {لاَ يَضُرُّكُمْ } بفتح الياء وكسر الضاد وسكون الراء، وهو من ضاره يضيره، ويضوره ضوراً إذا ضرَّه، والباقون {لاَ يَضُرُّكُمْ } بضم الضاد والراء المشددة وهو من الضر، وأصله يضرركم جزماً، فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة، اتباعاً لأقرب الحركات وهي ضمة الضاد، وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير تقديره: ولا يضركم كيدهم شيئاً إن تصبروا وتتقوا، قال صاحب «الكشاف»: وروى المفضل عن عاصم {لاَ يَضُرُّكُمْ } بفتح الراء. المسألة الثانية: الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، وابن عباس فسّر الكيد ههنا بالعداوة. المسألة الثالثة: {شَيْئاً } نصب على المصدر أي شيئاً من الضر. المسألة الرابعة: معنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين. وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات، وإليه الإشارة بقوله {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2، 3] إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره، وقال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه، ومن قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم أهله. المسألة الثانية: إطلاق لفظ المحيط على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه، وذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالماً بكل الأشياء قادراً على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها، ومنه قوله {أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } تفسير : [البروج: 20] وقال: {أية : وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 19] وقال: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } تفسير : [طه: 110] وقال: {أية : وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء عَدَداً } تفسير : [الجن: 28]. المسألة الثالثة: إنما قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ولم يقل إن الله محيط بما يعملون لأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه، أعني وليس المقصود ههنا بيان كونه تعالى عالماً، بينا أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى ومجازيهم عليها، فلا جرم قد ذكر العمل، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} قرأ السُّلَميّ بالياء والباقون بالتاء. واللفظ عام في كل ما يحسُن ويسوء. وما ذكره المفسرون من الخِصْب والجَدْب وٱجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف. والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدّة العداوة والحِقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لا سِيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة؛ ولقد أحسن القائل في قوله:شعر : كلّ العداوةِ قد تُرجَى إفاقتُها إلاّ عداوة مَن عاداك مِنْ حسدِ تفسير : {وَإِن تَصْبِرُواْ} أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين. {وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} يقال: ضاره يَضُوره ويَضِيُره ضَيْراً وضَوْراً؛ فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى، فكان ذلك تسليةً للمؤمنين وتقويةً لنفوسهم. قلت: قرأ الْحَرَميّان وأبو عمرو «لاَ يَضْركُمْ» من ضار يضير كما ذكرنا؛ ومنه قوله «لاَ ضَيْرَ»، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء، وكانت أولى بالحذف؛ لأن قبلها ما يدل عليها. وحكى الكسائيّ أنه سمع «ضَارَه يَضُورُه» وأجاز «لا يَضُرْكُم» وزعم أن في قراءة أبَيّ بن كعب «لا يَضْرُرْكُم». (وقرأ الكوفيون: «لا يضركم» بضم الراء وتشديدها من ضَرّ يَضُرّ). ويجوز أن يكون مرفوعاً على تقدير إضمار الفاء؛ والمعنى: فلا يضركم، ومنه قول الشاعر:شعر : مَـن يَفْعـلِ الحسنـاتِ اللَّهُ يَشْكُـرُها تفسير : هذا قول الكسائي والفرّاء، أو يكون مرفوعاً على نية التقديم؛ وأنشد سيبويه:شعر : إنـك إن يُصـرَعْ أخـوك تُصْـرَعُ تفسير : أي لا يضرّكم أن تصبروا وتتقوا. ويجوز أن يكون مجزوماً، وضمت الراء لالتقاء الساكنين على اتباع الضم. وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل مجزوم، وفتح «يَضُرّكم» لالتقاء الساكنين لخفّة الفتح؛ رواه أبو زيد عن المفضّل عن عاصم، حكاه المهْدَوِيّ. وحكى النحاس: وزعم المفضل الضبيّ عن عاصم «لا يضُرِّكم» بكسر الراء لالتقاء الساكنين.

البيضاوي

تفسير : {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} بيان لتناهي عداوتهم إلى حد حسدوا ما نالهم من خير ومنفعة، وشمتوا بما أصابهم من ضر وشدة، والمس مستعار للإِصابة {وَأَن تَصْبِرُواْ } على عداوتهم، أو على مشاق التكاليف. {وَتَتَّقُواْ } موالاتهم، أو ما حرم الله جل جلاله عليكم. {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } بفضل الله عز وجل وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولأن المجد في الأمر، المتدرب بالاتقاء والصبر يكون قليل الانفعال جرياً على الخصم، وضمه الراء للاتباع كضمة مد. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب {لاَ يَضُرُّكُمْ } من ضاره يضيره. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ } من الصبر والتقوى وغيرهما. {مُحِيطٌ } أي محيط علمه فيجازيكم مما أنتم أهله. وقرىء بالياء أي {بِمَا يَعْمَلُونَ }، في عداوتكم عليم فيعاقبهم عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِن تَمْسَسْكُمْ } تصبكم {حَسَنَةٌ } نعمة كنصر وغنيمة {تَسُؤْهُمْ } تُحْزِنْهم {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ } كهزيمة وجدب {يَفْرَحُواْ بِهَا } وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلِمَ توالونهم؟ فاجتنبوهم {وإِن تَصْبِرُواْ } على أذاهم {وَتَتَّقُواْ } الله في موالاتهم وغيرها {لاَ يَضُرُّكُمْ } بكسر الضاد وسكون الراء[يضِرْكم] وضمهما وتشديدها [يضُرّكم]{كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ } بالياء والتاء {مُحِيطٌ } عالم فيجازيهم به.

ابن عطية

تفسير : "الحسنة والسيئة" في هذه الآية لفظ عام في كل ما يحسن ويسوء، وما ذكر المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم وغير ذلك من الأقوال، فإنما هي أمثلة وليس ذلك باختلاف وذكر تعالى "المس في الحسنة" ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن، لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه، فدل هذا المنزع البلغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة وقد قال الشاعر: [البسيط] شعر : كلُّ العداوةِ قَدْ تُرجى إزالَتُها إلاّ عداوةَ مَنْ عَادَاكَ مِنْ حَسَدِ تفسير : ولما قرر تعالى هذا الحال لهؤلاء المذكورين، ووجبت الآية أن يعتقدهم المؤمنون بهذه الصفة، جاء قوله تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم، وشرط ذلك بالصبر والتقوى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: "لا يضِرْكم" بكسر الضاد وجزم الراء وهو من ضار يضير بمعنى ضر يضر وهي لغة فصيحة، وحكى الكسائي: ضار يضور، ولم يقرأ على هذه اللغة، ومن ضار يضير في كتاب الله {أية : لا ضير} تفسير : [الشعراء: 50] ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : فَقِيلَ تَحْمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنّها مُطَبَّعَةٌ مَنْ يأتِها لا يَضِيرُها تفسير : يصف مدينة، والمعنى فليس يضيرها، وفي هذا النفي المقدر بالفاء هو جواب الشرط، ومن اللفظ قول توبة بن الحمير: شعر : وَقالَ أُنَاسٌ لا يُضِيرُكَ نَأْيُها بَلَى كلُّ ما شقَّ النُّفوسَ يَضِيرُها تفسير : وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: "لا يضُرُّكم" بضم الضاد والراء والتشديد في الراء، وهذا من ضر يضر، وروي عن حمزة مثل قراءة أبي عمرو، وأما إعراب هذه القراءة فجزم، وضمت الراء للالتقاء، وهو اختيار سيبويه في مثل هذا إتباعاً لضمة الضاد، ويجوز فتح الراء وكسرها مع إرادة الجزم، فأما الكسر فلا أعرفها قراءة، وعبارة الزجّاج في هذا متجوز فيها، إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة، وأما فتح الراء من قوله "لا يضرَّكم" فقرأ به عاصم فيما رواه أبو زيد عن المفضل عنه، ويجوز أيضاً أن يكون إعراب قوله، "لا يضركم"، رفعاً إما على تقدير، فليس يضركم، على نحو تقدم في بيت أبي ذؤيب، وإما على نية التقدم على "وإن تصبروا" كما قال [جرير بن عبد الله]: [الرجز] شعر : يَا أقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أَخْوكَ تُصْرَعُ تفسير : المراد أنك تصرع، وقرأ أبي بن كعب: "لا يضرركم" براءين وذلك على فك الإدغام وهي لغة أهل الحجاز وعليها قوله تعالى في الآية {إن تمسسكم} ولغة سائر العرب الإدغام في مثل هذا كله، و"الكيد" الاحتيال بالأباطيل وقوله تعالى: {أية : وأكيد كيداً} تفسير : [الطارق: 16] إنما هي تسمية العقوبة باسم الذنب، وقوله تعالى: {إن الله بما يعملون محيط} وعيد، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدر والسلطان، وقرأ الحسن: "بما تعملون" بالتاء، وهذا إما على توعد المؤمنين في اتخاذ هؤلاء بطانة، وإما على توعد هؤلاء المنافقين بتقدير: قل لهم يا محمد.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ...} الآية: الحَسَنَةُ والسيِّئة؛ في هذه الآية: لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ: ويجبُ على المؤمن أنْ يجتنب هذه الأخلاقَ الذَّميمة؛ وَرُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ»، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ (رضي اللَّه عنه)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ»تفسير : اهـــ. والكَيْد: الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى: {أية : وَأَكِيدُ كَيْداً} تفسير : [الطارق:16] من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب. وقوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} هذا ابتداءُ عتْبِ المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ ٱجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ؛ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، علَىٰ رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يَوْمَ الخمِيسِ، ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدبِّر وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم النَّاس وٱستشارهم، وأخبرهم أنه كان يَرَىٰ بقرًا تُذْبَح، وثَلْماً في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم: أرى ألاَّ نخرج إلَىٰ هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ٱبْنُ سَلُولَ: أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا، مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالحِجَارَةِ مِنَ الآطامِ، فَوَاللَّهِ، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلَىٰ عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ٱخْرُجْ بِنَا إلَىٰ عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعَوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّىٰ بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا: أَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا؛ حَتَّىٰ يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حَتَّىٰ قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ٱبْنُ سَلُولَ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، ٱعْتَزَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى المَسِيرِ إلَىٰ مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فَٱنْخَزَلَ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ٱبْنُ سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكُمْ لاَ تَلْقَوْنَ قِتَالاً، ومَضَىٰ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سبْعِمِائةٍ فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَىٰ، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَنَهَضُوا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّىٰ أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ وَرَاءَ المُسْلِمِينَ، وَأسْنَدَ هُوَ إلَى الجَبَلِ، فَلَمَّا ٱضْطَرَمَتْ نَارُ الحَرْبِ، ٱنْكَشَفَ المُشْرِكُونَ، وَٱنْهَزَمُوا، وَجَعَلَ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ يَشْدُدْنَ فِي الجَبَلِ، وَيَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِيلُهُنَّ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ لَهُمْ: لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هُنَا، وَلَوْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ: ٱتَّقُوا اللَّهَ وَٱثْبُتُوا؛ كَمَا أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا، وَخَالَفُوا، وَٱنْصَرَفُوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْخَيْلِ، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ مِنْ خَلْفِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ كَانَ الرُّمَاةُ، فَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ، وَوَقَعَ التَّخَاذُلُ، وَصِيحَ فِي المُسْلِمِينَ مِنْ مُقَدِّمَتِهِم، وَمِنْ سَاقَتِهِمْ، وَصَرَخَ صَارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخَاذَلَ النَّاسِ، وَٱسْتَشْهَدَ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعُونَ، وَتَحَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَعْلَى الجَبَلِ، وَتَحَاوَزَ النَّاسُ».تفسير : هَذَا مختصرٌ من القصَّة يتركَّب عليه تفسيرُ الآياتِ، وأمْرِ أُحُدٍ مستوعَبٌ في السِّيَرِ، وليس هذا التعليقُ ممَّا يقتضي ذكْرَهُ، و {تُبَوِّئُ}: معناه: تُعَيِّنُ لهم مقاعدَ يتمكَّنون فيها، ويثْبُتُون، وقوله سبحانه: {مَقَـٰعِدَ}: جمعُ مَقْعَدٍ، وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة قولك: مَوَاقِف، ولكنَّ لفظة القُعُود أدلُّ على الثبوتِ، ولا سيَّما أنَّ الرماة إنما كانوا قُعُوداً، وكذلك كانَتْ صفوفُ المسلمين أولاً والمُبَارِزَةُ والسَّرعَان يَجُولُون. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ}، أي: ما تقولُ، وما يقالُ لك وقْتَ المشاورة وغيره، و {هَمَّتْ}: معناه: أرادَتْ، ولم تَفْعَلْ، والفَشَل: في هذا الموضع: هو الجُبْن الذي كاد يلحق الطَّائفتين، ففي البُخَاريِّ وغيره، عَنْ جَابِرٍ، قال: نزلَتْ هذه الآيةُ فينا؛ إذ همَّت طائفتان في بَنِي سَلِمَةَ وبَنِي حَارِثَةَ، وما أحب أنها لم تنزلْ، واللَّهُ يقولُ: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}.

ابن عادل

تفسير : قرأ العامة {تَسُؤْهُمْ}، بالتأنيث؛ مراعاةً للفظ "حَسَنَةٌ". وقرأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بالياء من تحت؛ لأنّ تأنيثها مجازيّ، وقياسه أن يقرأ "وَإن يصبكم سَيئةٌ" بالتذكير - أيضاً - لكن لم يبلغنا عنه في ذلك شيء. والمس: أصله باليد، ثم يُسَمَّى كل ما يصل إلى الشيء ماسًّا، على سبيل التشبيه، يقال: فلان مسَّه العصب والنصب، قال تعالى: {أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تفسير : [ق: 38]. وقال الزمخشري: المسّ مستعار هاهنا بمعنى: الإصابة، قال تعالى: {أية : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ} تفسير : [التوبة: 50]. وقال: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} تفسير : [النساء: 79]. والمراد بالحسنة - هنا: منفعة الدنيا، من صحة البدن، وحصول الخِصْب والغنيمة، والاستيلاء على الأعداء، وحصول الألْفَة والمحبة بين المؤمنين. والمراد بالسيِّئَة: اضدادها، والسيئة: من ساء الشيء يَسيءُ - فهو سيِّءٌ، والأنْثَى سيئة - أي: قبح، ومنه قوله تعالى {أية : سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} تفسير : [المائدة: 66]، و السوء ضد الحسن، وهذه الآية من تمام وَصْف المنافقين. فصل قال ابو العباس: وردت الحسنةُ على خمسةِ أوجُه: الأول: بمعنى: النصر والظفَر، قال تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [آل عمران: 120] أي: نَصْر وَظفَر. الثاني: بمعنى: التوحيد، قال تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [الأنعام: 160] أي: بالتوحيد. الثالث: الرَّخَاء: قال تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 78] أي: رخاء. الرابع: بمعنى: العاقبة، قال تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [الرعد: 6] أي بالعذاب قبل العاقبةِ. الخامس: القول بالمعروف، قال تعالى: {أية : وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} تفسير : [الرعد: 22] أي: بالقول المعروف. فصل والسيئة - أيضاً - على خمسة أوجه: الأول: بمعنى: الهزيمة - كما تقدم - كقوله: {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} [آل عمران: 120] أي: هزيمة. الثاني: الشرك، قال تعالى: {أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} تفسير : [الأنعام: 160] أي: بالشرك. الثالث: القحط، قال تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [النساء: 78] أي: قحط، ومثله قوله: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} تفسير : [الأعراف: 131]. الرابع: العذاب، قال تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ} تفسير : [الرعد: 6]. الخامس: القول الرديء، قال تعالى: {أية : وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} تفسير : [الرعد: 22]. قوله: {وَإِن تَصْبِرُواْ} أي: على طاعة الله، وعلى ما ينالكم فيها من شدة، وغَمٍّ، {وَتَتَّقُواْ} كلَّ ما نهاكم عنه، {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ}. قرأ نافع وابنُ كثير وأبو عمرو: "يَضِرْكُمْ" بكسر الضاد، وجزم الراء في جواب الشرط، من ضاره يضيره ويقال - أيضاً -: ضاره يضوره، ففي العين لغتان، ويقال ضاره يضيره ضَيْراً، فهو ضائر، وهو مضير، نحو: قلته أقوله، فأنا قائل، وهو مقول. وقرأ الباقون: {يَضُرُّكُمْ} بضم الضاد، وتشديد الراء مرفوعة، وفي هذه القراءة أوجه: الأول: أن الفعل مرتفع، وليس بجواب للشرط، وإنما هو دالٌّ على جواب الشرط، وذلك أنه على نية التقديم؛ إذ التقدير: لا يضركم إن تصبروا وتتقوا، فلا يضركم، فحذف فلا يضركم الذي هو الجواب، لدلالة ما تقدم عليه، ثم أخر ما هو دليل على الجواب، وهذا تخريج سيبويه وأتباعه، إنما احتاجوا إلى ارتكاب ذلك، لما رأوا من عدم الجزم في فعل مضارع لا مانع من إعمال الجزم، ومثله قول الراجز: شعر : 1599- يا أقْرَعُ بْنَ حَابسٍ يَا أقْرَعُ إنَّكَ إنْ يُصْرَع أخُوكَ تُصْرَعُ تفسير : برفع "تصرع" الأخير -. وكذلك قوله: [البسيط] شعر : 1600- وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ يَقُولُ: لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ تفسير : برفع "يقول" - إلاَّ أن هذا النوع مطّرد، بخلاف ما قبله - أعني: كون فعل الشرط والجزاء مضارعين - فإن المنقول عن سيبويه، وأتباعه وجوب الجزم، إلا في ضرورة. كقوله: [الرجز] شعر : 1601-..................... إنَّك إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ تفسير : وتخريجه هذه الآية على ما تقدم عنه يدل على أن ذلك لا يُخَصُّ بالضرورة. الوجه الثاني: أن الفعل ارتفع لوقوعه بعد فاء مقدَّرة، وهي وما بعدها الجواب في الحقيقة، والفعل متى وقع بعد الفاء رُفِع ليس إلاَّ كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95]. والتقدير: فلا يضركم، والفاء حذفت في غير محل النزاع. كقوله: [البسيط] شعر : 1602- مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ تفسير : أي: فالله يشكرها، وهذا الوجه نقله بعضهم عن المبرد، وفيه نظر؛ من حيث إنهم، لما أنشدوا البيت المذكور، نقلوا عن المبرد أنه لا يُجَوَّز حَذْفَ هذه الفاء - ألبتة - لا ضرورة، ولا غيرها - وينقلون عنه أنه يقول: إنما الرواية في هذا البيت: [البسيط] شعر : 1603- مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ تفسير : وردوا عليه بأنه إذا صحَّت روايةٌ، فلا يقدح فيها غيرُها، ونقله بعضُهم عن الفراء والكسائي، وهذا أقرب. الوجه الثالث: أن الحركة حركة إتباع؛ وذلك أن الأصل: "لاَ يَضْرُرْكُمْ". بالفك وسكون الثاني جَزْماً، وسيأتي أنه إذا التقى مِثْلان في آخر فعل سكن ثانيهما - جَزْماً، أو وَقْفاً - فللعرب فيه مذهبان: الجزم: وهو لغة تميم. والفك: وهو لغة الحجاز. لكن لا سبيل إلى الإدغام إلا في متحرك، فاضطررنا إلى تحريك المِثْل الثاني، فحَرَّكْناه بأقرب الحركات إليه، وهي الضمة التي على الحرف قبله، فحرَّكناه بها، وأدْغمنا ما قبله فيه، فهو مجزوم تقديراً، وهذه الحركة - في الحقيقة - حركة إتباع، لا حركة إعراب، بخلافها في الوجهين السابقين، فإنها حركة إعراب. واعلم أنه متى أدغم هذا النوع، فإما أن تكون فاؤُه مضمومةً، أو مفتوحةً، أو مكسورةً، فإن كانت مضمومة - كالآية الكريمة. وقولهم: مُدَّ - ففيه ثلاثة أوجه حالة الإدغام: الضم للإتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين، فتقول: مُدَّ ومُدُّ ومُدِّ. وينشدون على ذلك قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1604- فغُضّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا تفسير : بضم الضاد، وفتحها، وكسرها - على ما تقرر - وسيأتي أن الآية قُرِئَ فيها بالأوُجه الثلاثةِ. وإن كانت فاؤه مفتوحةً، نحو عَضَّ، أو مكسورة، نحو فِرَّ، كان في اللام وجهان: الفتح، والكسر؛ إذ لا وَجْهَ للضمِّ، لكن لك في نحو فِرَّ أن تقول: الكسر من وجهين: إما الإتباع، وإما التقاء الساكنين، وكذلك لك في الفتح - نحو عَضَّ - وجهان - أيضاً -: إما الإتباع، وإمَّا التخفيف. هذا كله إذا لم يتصل بالفعل ضمير غائب، فأما إذا اتصل به ضمير الغائب - نحو رُدَّهُ - ففيه تفصيل ولغات ليس هذا موضعها. وقرأ عاصم - فيما رواه المفضَّل -: بضم الضاد، وتشديد الراء مفتوحة - على ما تقدم من التخفيف - وهي عندهم أوجه من ضم الراء. وقرأ الضحاك بن مزاحم: "لا يَضُرِّكُمْ" بضم الضاد، وتشديد الراء المكسورة - على ما تقدم من التقاء الساكنين. وكأن ابْنُ عَطِيَّةَ لم يحفظها قراءةً؛ فإنه قال: فأما الكسر فلا أعرفه قراءةً. وعبارة الزجَّاج في ذلك متجوَّز فيها؛ إذْ يظهر من روح كلامه أنها قراءة وقد بينا أنها قراءة. وقرأ أبيّ: "لا يَضْرُرْكُمْ" بالفكّ، وهي لغة الحجاز. والكيد: المكر والاحتيال. وقال الراغب: هو نوع من الاحتيال، وقد يكون ممدوحاً، وقد يكون مذموماً، وإن كان استعماله في المذموم أكثر. قال ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصله من المشقة، من قولهم: فلان يكيد بنفسه، أي: يجود بها في غمرات الموت، ومشقاته. ويقال: كِدْتُ فلاناً، أكيده - كبعته أبيعُه. قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 1605- مَنْ يَكِدْنِي بسَيِّىءٍ كُنْتُ مِنْهُ كَالشَّجَى بَيْنَ حَلْقِهِ وَالْوَرِيدِ تفسير : و "شَيْئاً" منصوب نصب المصادر، أي: شيئاً من الضرر، وقد تقدم نظيره. ومعنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى، واتقى عما نهى الله عنه، كان في حِفْظ الله، فلا يضره كيد الكائدين، ولا حِيَلُ المحتالين. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قراءة العامة {يَعْمَلُونَ} - بالغيبة، وهي واضحة. وقرأ الحسن بالخطاب، إما على الالتفات، والتقدير: إنه عالم، محيط بما تعملونه من الصبر والتقوى، فيفعل بكم ما أنتم أهله، وإما على إضمار: قُل لهم يا محمد. وإنما قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ولم يقل: إنَّ اللهَ محيط بما يعملونَ؛ لأنهم يُقدِّمون الأهم، والذي هُمْ بشأنه أعْنَى، وليس المقصود - هنا - بيان كونه تعالى عالماً، بل بيان أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى، ومجازيهم عليها، فلا جرم قدّم ذكر العمل.

البقاعي

تفسير : ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجاً ليصل إلى المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله: {إن تمسسكم} أي مجرد مس {حسنة تسؤهم} ولما كان هذا دليلاً شهودياً ولكنه ليس صريحاً أتبعه الصريح بقوله: {وإن تصبكم} أي بقوة مرها وشدة وقعها وضرها {سيئة يفرحوا بها} ولما كان هذا أمراً مبكتاً غائظاً مؤلماً داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطاً بشرط التقوى والصبر فقال: {وإن تصبروا وتتقوا} أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى {لا يضركم كيدهم شيئاً} ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي ذال الجلال والإكرام {بما يعملون محيط *} أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله، والمعنى على قراءة الخطاب: بعملكم كله، فمن صبر واتقى ظفرته، ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه. ولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقاً ومفهوماً محتاجاً إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم سبحانه وتعالى بالوقائع التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى وعدمه عند العمل بالمفهوم، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور والسرور عد المساءة، وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات، مشيراً إلى ذلك بواو العطف على غير مذكور، مخاطباً لأعظم عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة، تهييجاً لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف فقال تعالى: {وإذ} أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم واتقيتم فنصرتم، وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ثم في بدر، ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك، واذكر إذ لم يصبر أصحابك فأصيبوا، وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ {غدوت} أي يا خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين! {من أهلك} أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين. وقد نزلوا بأحد في أواخر يوم الأربعاء، أو في يوم الخميس لقتالكم. وبنى من {غدوت} حالاً إعلاماً بأن الشروع في السبب شروع في مسببه فقال: {تبوىء} أي تنزل {المؤمنين} أي صبيحة يوم السبت, وعبر بقوله: {مقاعد} إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم تقدم إلى كل أحد بالثبات في مركزه، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئاً إلا بأمره لا سيما الرماة، ثم ذكر علة ذلك فقال: {للقتال}. ولما كان التقدير: وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال، أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ومنهم كلام كثير خفي وجلي بقوله: {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته {سميع} أي لأقوالكم {عليم *} أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه، ولعله خص النبي صلى الله عليه وسلم بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضاً لهم مع ما تقدمت الإشارة إليه على المراقبة تعريضاً لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [آل عمران: 100]، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريباً، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر، ودل ذكرها على المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان: المساءة بالحسنة، والفرح والمسرة بالمصيبة، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان الأول، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة، وهي هنا عدم الاحتياج إلى ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه، وما تقدم من كونه غير صريح الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدراً - كما ترى - بعد محكمة ستذكر، وأطلق سبحانه وتعالى - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر فيهم ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة وباتت وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه صلى الله عليه وسلم وحرست المدينة الشريفة، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة فاستشارهم في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة: البقر المذبوحة، والثلم في سيفه، وإدخال يده في الدرع الحصينة، وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة المكث في المدينة، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء والصبيان من فوق الأسطحة، وكان عبد الله بن أبيّ المنافق على هذا الرأي، فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه - يلحون عليه صلى الله عليه وسلم في الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على استكراههم له صلى الله عليه وسلم وهو يأتيه الوحي، فلما خرج إليهم أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال: "حديث : ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ". تفسير : وفي رواية "حتى يلاقي" فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ففرغ مع غياب الشمس، ورآه المشركون حين نزل بهما، واستعمل تلك الليلة على حرسه محمد ابن مسلمة، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل، ثم أدلج من سحر ليلة السبت، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه، وحانت صلاة الصبح في الشوط وهم بحيث يرون المشركين، فأمر بلالاً رضي الله عنه فأذن وأقام، وصلى بأصحابه صلى الله عليه وسلم الصبح صفوفاً، فانخزل عبد الله بن أبيّ بثلث العسكر فرجع وقال: أطاع الولدان، ومن لا رأي له وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا! وتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ابن عبد الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلاً - يناشدهم الله في الرجوع، فلم يرجعوا فقال: أبعدكم الله! سيغني الله نبيه صلى الله عليه وسلم عنكم، ورجع فوافق النبي صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين، ثم ثبتهم الله تعالى؛ ونزل صلى الله عليه وسلم الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه وقال: "حديث : لا يقاتلن أحد حتى نأمره! "تفسير : وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له أو عليه، حتى قال لهم: "حديث : إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا" تفسير : وبرز صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل، وفعلوا ذلك واحداً بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم، وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا, فلما وقع الصحابة رضي الله عنهم في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم، فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة رضي الله عنهم من ورائهم وهم ينتهبون، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس: إن محمداً قد قتل، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال، فاستمر يحاول بهم العدو، والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب، وصرف الله العدو، فدفن النبي صلى الله عليه وسلم الشهداء وصف أصحابه رضي الله عنهم فأثنى على الله عز وجل ثناء عظيماً، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني. ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلاً عن المصارحين بالمصارمة متصفون بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سبباً في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة، ولذلك افتتحها سبحانه وتعالى بقوله - مبدلاً من {إذ غدوت} دليلاً على ما قبله من أن بطانة السوء لا تألوهم خبالاً وغير ذلك -: {إذ همت طائفتان} وكانا جناحي العسكر {منكم} أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس {أن تفشلا} أي تكسلاً وتراخياً وتضعفاً وتجبناً لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا، كما رجع المنافقون {والله} أي والحال أن ذا الجلال والإكرام {وليهما} وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما، أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره سبحانه وتعالى لتضعفا بخذلانه {و} الحال أنه {على الله} أي الذي له الكمال كله وحده {فليتوكل المؤمنون *} أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها: والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك، فالأمر بالتوكل ثانياً دال على وجوده أولاً، وإثبات الولاية أولاً دال على الأمر بها ثانياً، وفي البخاري في التفسير عن جابر رضي الله عنه قال: فينا نزلت {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل: {والله وليهما}.

ابو السعود

تفسير : {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} بـيانٌ لتناهي عداوتِهم إلى حدِّ أنْ حسَدوا ما نالهم من خير ومنفعة وشمِتُوا بما أصابهم من ضر وشدة. وذكرُ المسِّ مع الحسنة والإصابة مع السيئة إما للإيذان بأن مدارَ مساءتِهم أدنى مراتبِ إصابةِ الحسنةِ ومناطَ فرحِهم تمامُ إصابةِ السيئةِ، وإما لأن المسَّ مستعارٌ لمعنى الإصابة {وَأَن تَصْبِرُواْ} أي على عداوتهم أو على مشاقّ التكاليفِ {وَتَتَّقُواْ} ما حرّم الله تعالى عليكم ونهاكم عنه {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ} مكرُهم وحيلتُهم التي دبّروها لأجلكم، وقرىء لا يضِرْكم بكسر الضاد وجزم الراء على جواب الشرط من ضارَه يضيرُه بمعنى ضرّه يضُرّه، وضمةُ الراءِ في القراءة المشهورة للإتباع كضمة مَدّ {شَيْئاً} نُصب على المصدرية أي لا يضركم شيئاً من الضرر بفضل الله وحفظِه الموعودِ للصابرين والمتقين ولأن المُجِدَّ في الأمر المتدرِّبَ بالاتقاء والصبرِ يكون جريئاً على الخصم {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} في عداوتكم من الكيد {مُحِيطٌ} علماً فيعاقبهم على ذلك. وقرىء بالتاء الفوقية أي بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهلُه. {وَإِذْ غَدَوْتَ} كلامٌ مستأنفٌ سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدمِ الصبرِ والتقوى للضرر، على أن وجودَهما مستتبِعٌ لما وُعِد من النجاة من مضرَّة كيدِ الأعداءِ وإذْ نُصبَ على المفعولية بمضمر خوطب به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة مع عموم الخطابِ فيما قبله وما بعده له وللمؤمنين لاختصاص مضمونِ الكلامِ به عليه السلام أي واذكر لهم وقت غُدُوِّك ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئةِ عن عدم الصبرِ فيعلموا أنهم إن لزِموا الصبرَ والتقوى لا يضرُهم كيدُ الكفرةِ، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغةِ في إيجابها كُرْهاً واستحضارِ الحادثةِ بتفاصيلها كما سلف بـيانُه في تفسير قولِه تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ} تفسير : [البقرة، الآية 30] الخ والمرادُ به خروجُه عليه السلام إلى أُحد وكان ذلك من منزل عائشةَ رضي الله عنها وهو المرادُ بقوله تعالى: {مِنْ أَهْلِكَ} أي من عند أهلِك {تبوئ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي تنْزِلُهم أو تهيِّـيءُ وتسوّي لهم {مَقَـٰعِدَ} ويؤيده قراءتُه من قرأ تبويءُ المؤمنين، والجملة حالٌ من فاعل غدوتَ لكن لا على أنها حالٌ مقدرةٌ أي ناوياً وقاصداً للتبْوِئة كما قيل بل على أن المقصودَ تذكيرُ الزمانِ الممتدِّ المتسعِ لابتداء الخروجِ والتبْوِئة وما يترتب عليها إذْ هو المُذكِّرُ للقصة، وإنما عُبّر عنه بالغدو الذي هو الخروجُ غُدوةً مع كون خروجِه عليه السلام بعد صلاةِ الجمعةِ كما ستعرفه، إذْ حينئذٍ وقعت التبوئةُ التي هي العُمدةُ في الباب إذِ المقصودُ بتذكير الوقت تذكيرُ مخالفتِهم لأمر النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وتزايُلِهم عن أحيازهم المعيَّنةِ لهم عند التبوئة وعدمِ صبرِهم، وبهذا يتبـين خللُ رأي من احتج به على جواز أداءِ صلاةِ الجمعة قبل الزوال، واللام في قوله تعالى: {لِلْقِتَالِ} إما متعلقةٌ بتبوِّيء أي لأجل القتالِ وإما بمحذوف وقع صفةً لمقاعدَ أي كائنةً. ومقاعدُ القتالِ أماكنُه ومواقِفُه فإن استعمالَ المقعدِ والمقامِ بمعنى المكانِ اتساعاً شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى: {أية : فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } تفسير : [القمر، الآية 55] وقوله تعالى: {أية : قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} تفسير : [النمل، الآية 39]. روي أن المشركين نزلوا بأُحد يومَ الأربَعاءِ فاستشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه ودعا عبدُ اللَّه عبدِ اللَّه بنِ أُبـيِّ بنِ سَلول ولم يكن دعاه قبل ذلك، فاستشاره فقال عبدُ اللَّه وأكثرُ الأنصار: يا رسولَ الله أقِم بالمدينة ولا تخرُجْ إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبْنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدَعْهم فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مَحبِس، وإن دخلوا قاتلهم الرجالُ في وجوههم ورماهم النساءُ والصبـيانُ بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبـين، وقال بعضُهم: يا رسول الله اخرُجْ بنا إلى هؤلاء الأكلُبِ لا يرَوْن أنا قد جبُنّا عنهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إني قد رأيت في منامي بقراً مُذَبَّحةً حولي فأوّلتُها خيراً ورأيت في ذُباب سيفي ثُلَماً فأولتُه هزيمةً، ورأيتُ كأني أدخلتُ يدي في درعٍ حصينةٍ فأولتُها المدينة، فإن رأيتم أن تُقيموا بالمدينة فتدعوهم»تفسير : فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدرٌ وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ: اخرُجْ بنا إلى أعدائنا، وقال النعمانُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه: يا رسول الله لا تحرِمْني الجنةَ فوالذي بعثك بالحق لأدخُلَنَّ الجنة ثم قال بقوليْ: أشْهِدُ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهِ وأني لا أفِرُّ من الزحف، فلم يزالوا به عليه السلام حتى دخل فلبِس لاَءْمتَه فلما رأَوْه كذلك ندِموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحيُ يأتيه وقالوا: اصنعْ يا رسولَ الله ما رأيت، فقال: «حديث : ما ينبغي لنبـيَ أن يلبَسَ لاَءْمتَه فيضعَها حتى يقاتل» تفسير : فخرج يومَ الجمعة بعد صلاةِ الجمعةِ وأصبح بالشِّعب من أحُد يوم السبْتِ للنصف من شوالٍ لسنةِ ثلاثٍ من الهجرة فمشىٰ على رجليه فجعل يصُفُّ أصحابَه للقتال فكأنما يقوّم بهم القِدْحَ إن رأى صدراً خارجاً قال: «تأخَّرْ»، وكان نزولُه في عُدوة الوادي وجعل ظهرَه وعسكرَه إلى أحُد وأمَّر عبدَ اللَّه بنَ جُبـيرٍ على الرماة وقال لهم: انضَحُوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرَحوا من مكانكم فلن نزالَ غالبـين ما ثبتم مكانَكم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكم {عَلِيمٌ} بضمائركم والجملةُ اعتراضٌ للإيذان بأنه قد صدر عنهم هناك من الأقوال والأفعال ما لا ينبغي صدورُه عنهم.

القشيري

تفسير : الإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة، الراجعين إلى أحوال أهل العادة؛ لا يعجبهم أن يكون لمريد نفاذ، وإذا رأوا فترةً لقاصِد استراحوا إلى ذلك. وإنَّ الله - بفضله ومِنَّته - يُتِمُّ نورَه على أهل عنايته، ويَذَرُ الظالمين الزائغين عن سبيله في عقوبة بعادهم، لا يبالي بما يستقبلهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن تمسسكم حسنة} اى تصبكم ايها المؤمنون حسنة بظهوركم على عدو لكم وغنيمة تنالونها وتتابع الناس فى الدخول فى دينكم وخصب فى معاشكم {تسؤهم} اى تحزنهم حسدا الى ما نلتم من خير ومنفعة {وان تصبكم سيئة} مساءة باخفاق سرية لكم او اصابة عدو منكم او اختلاف يكون بينكم او جدب ونكبة {يفرحوا بها} يشمتون مما اصابكم من ضرر وشدة وذكر المس مع الحسنة والاصابة مع السيئة للايذان بان مدار مساءتهم ادنى مراتب اصابة الحسنة ومناط فرحهم تمام اصابة السيئة {وان تصبروا} على عداوتهم او على مشاق التكاليف {وتتقوا} ما حرم الله عليكم ونهاكم عنه {لا يضركم كيدهم} مكرهم وحيلتهم التى دبروها لاجلكم. والكيد حيلة لطيفة تقرب وقوع المكيد به فيها {شيأ} نصب على المصدرية اى لا يضركم شيأ من الضرر بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولان المجد فى الامر المتدرب بالاتقاء والصبر يكون جريئا على الخصم {ان الله بما يعملون} فى عداوتكم من الكيد {محيط} علما فيعاقبهم على ذلك. والاحاطة ادراك الشىء بكماله. فينبغى للمرء ان يجانب اعداء الله ويصبر على اذاهم فانه امتحان له من الله مع انهم لا يقدرون على غير القدح باللسان كما قال تعالى {أية : لن يضروكم إلا أذى} تفسير : [آل عمران: 111]. والطعن لم يتخلص منه الانبياء والاولياء فكيف انت يا رجل وكلنا ذلك الرجل شعر : توروىازبر ستيدن حق مييج مهل تانكيرند خلقت بهيج رهايى نيابدكس ازدست كس كرفتاررا جاره صبرست وبس تفسير : وفى قوله تعالى {أية : لا تتخذوا بطانة من دونكم} تفسير : [آل عمران: 118]. اشارة الى ان الحامل لاسرار الرجل ينبغى ان يكون من جنسه معتمدا عليه مؤتمنا وربما يفشى الرجل سره الى من لم يجربه فى كل حاله فيفتضح عند الناس شعر : ان الرجال صناديق مقفلة ومفاتيحها الا التجاريب تفسير : فلا تغتر بظاهر انسان حتى تعرف سريرته. قال الامام الغزالى ولا تعول على مودة من لم تختبره حق الخبرة بان تصحبه مدة فى دار أو موضع واحد فتجربه فى عزله وولايته وغناه وفقره او تسافر معه او تعامله فى الدينار والدرهم او تقع فى شدة فتحتاج اليه فان رضيته فى هذه الاحوال فاتخذه أبا لك ان كان كبيرا او ابنا ان كان صغيرا او اخا ان كان مثلا لك واذا بلغك من الاخوان غيبة او رأيت منهم شرا او اصابك منهم ما يسوءك فكل امرهم الى الله ولا تشغل نفسك بالمكافاة فيزيد الضرر ويضيع العمر لشغله. ومن بلاغات الزمخشرى ما قدع السفيه بمثل الاعراض وما اطلق عنانه بمثل العراض اى المعارضة: ونعم ما قيل شعر : اصبر على مضض الحسو د فان صبرك قاتله والنار تأكل نفسها ان لم تجد ما تأكله تفسير : فالمجاملة من سير الصالحين. وكان ابراهيم بن ادهم فى جماعة من اصحابه فكان يعمل بالنهار وينفق عليهم ويجتمعون بالليل فى موضع وهم صيام فكان يبطىء فى الرجوع من العمل فقالوا ليلة تعالوا بنا نجعل فطورنا دونه حتى يعود بعد هذا اسرع فأفطروا وناموا فلما رجع ابراهيم وجدهم نياما فقال مساكين لعلهم لم يكن لهم طعام فعمد الى شىء من الدقيق هناك فعجنه وأوقد النار وطرح الملة فانتبهوا وهو ينفخ فى النار واضعا محاسنه على التراب فقالوا له فى ذلك فقال قلت لعلكم لم تجدوا فطورا فنمتم فاحببت ان تستيقظوا والملة قد ادركت فقال بعضهم لبعض ابصروا أىّ شىء عملنا وما الذى به يعاملنا شعر : بدى را بدى سهل باشد جزا اكر مردى احسن الى من اساء تفسير : قال ذو النون رحمه الله لا تصحب مع الله الا بالموافقة ولا مع الخلق الا بالمناصحة ولا مع النفس الا بالمخالفة ولا مع الشيطان الا بالعداوة فليسارع العبد الى تحصيل حسن الخلق وتوطين النفس على الصبر على المكاره حتى يفوز مع الفائزين. قال بعضهم كنت بمكة فرأيت فقير اطاف بالبيت واخرج من جيبه رقعة ونظر فيها ومر فلما كان بالغد فعل مثل ذلك فترقبته اياما وهو يفعل مثله فيوما من الايام طاف ونظر فى الرقعة وتباعد قليلا وسقط ميتا فأخرجت الرقعة من جيبه واذا فيها واصبرلحكم ربك فانك بأعيننا. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى وصيته لابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان استطعت ان تعمل لله بالرضى فى اليقين فافعل والا ففى الصبر على ما تكره خير كثير ومقاساة المجاهدات ومخالفة النفس وترك الشهوات واللذات والتزام الفقر والصبر على المكروهات من ديدن السلف الصالحين واهل النفس الامارة وان كان يبدو من فمه علامات البغض لأمثال هؤلاء الاخيار لكنه فى الحقيقة يعود ضرره الى نفسه والمرء بالصبر على ما جاء به من مكاره اعتراضه الفاسد يكون مأجورا ومثابا عند الله تعالى وتباين الناس بالصلاح والفساد وغير ذلك خير محض يعتبره العاقل ويزكى نفسه به فيا أيها الصلحاء ان الاشرار متسلطون على الاخيار بالطعن وقصد الاضرار ولكن المتقى فى حصن الله الملك الجبار.

الطوسي

تفسير : قرأ عمرو، ونافع، وابن كثير {لا يضركم} خفيفة. الباقون مشددة الراء. وهما لغتان ضاره يضيره، وضره يضره ضراً بمعنى واحد. قوله: {إن تمسسكم} حسنة فالمراد بالحسنة ها هنا ما أنعم الله عليهم به من الألفة والغلبة باجتماع الكلمة، والمراد بالسيئة المحنة باصابة العدو منهم لاختلاف الكلمة، وما يؤدي إليه من الفرقة هذا قول الحسن، وقتادة والربيع وابن جريج. وقوله: {وإن تصبروا وتتقوا} يعني تتقوا الله بامتناع معاصيه، وفعل طاعاته {لا يضركم كيدهم} فالكيد المكر الذي يغتال به صاحبه من جهة حيلة عليه ليقع في مكروه به، وأصله المشقة تقول: رأيت فلاناً يكيد بنفسه أي يقاسي المشقة في سياق المنية، ومنه المكايدة لايراد ما فيه المشقة. والمكيدة الحيلة لايقاع ما فيه المشقة. وقوله: {لا يضركم} مبني على الضم نحو مذ ولو فتح أو كسر لكان جائزاً في العربية وزعم بعضهم أنه رفع على حذف الفاء بتقدير، فلا يضركم وأنشد: شعر : فان كان لا يرضيك حتى تردني الى قطري لا أخالك راضيا تفسير : وهذا ضعيف، لأن الحذف إنما يجوز، لضرورة الشعر والقرآن لا يحمل على ضرورة الشعر. وقوله: {إن الله بما تعملون محيط} معناه عالم به من جميع جهاته مقتدر عليه.

الجنابذي

تفسير : {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} وجه آخر لردعهم عن موالاتهم {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} وهذه حالة العدوّ وحقّه العداوة لا الموالاة {وَإِن تَصْبِرُواْ} عن موالاتهم مع خوفكم عن ايذائهم وعلى ايذائهم ان آذوكم {وَتَتَّقُواْ} الله فى موالاتهم او تتّقوا عنهم بان تكونوا على حذرٍ منهم حتّى لا يصل اليكم اثر احتيالهم {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} فثقوا بالله ولا تكلوا على موالاتهم فى دفع مضرّاتهم {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فى موضع التّعليل قرء بالخطاب وبالغيبة.

اطفيش

تفسير : {إِنْ تَمْسَسْكُمْ}: تصبكم شبه الإصابة بمس جسم جسماً آخر. {حَسَنَةٌ}: ما يستحسن من المنافع، كالنصر والظفر، وغنيمة، وسعة المعيشة، ودخول الناس فى الدين. {تَسُؤْهُمْ}: تغمهم وتحزنهم. {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ}: كآبة عدو منكم، أو من مالكم، أو ضيق معيشة واختلاف بينكم، ونحو ذلك من المكاره. {يَفْرَحُواْ بِهَا}: وذلك بيان لتناهى عدواتهم إلى أن حسدوهم على خير وشمتوا بهم إذ أصابهم شر. {وَإِنْ تَصْبِرُواْ} على أذاهم وعلى طاعة الله. {وَتَتَّقُواْ}: تخافوا الله تعالى، وتحذروا ما نهاكم عنه كاتخاذ البطانة دونكم. {لاَ يَضُرُّكُمْ}: من ضاره - بتخفيف الراء - يضيره من معنى الضر وذلك قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو ويعقوب، وقرأ غيرهم بضم الضاد وضم الراء مشددة وضمها إتباع للضاد فهو مجزوم بسكون المقدر، ومنع لظهور حركة التخلص من التقاء الساكنين، وكأنه ضمه للاتباع، فقرأ عاصم فى رواية الفضل عنه بالتشديد، والفتح للراء مع ضم الضاد، وهو كذلك لكن كانت فتحة للتخفيف. {كَيْدُهُمْ}: مكرهم. {شَيْئاً}: مفعول مطلق، أى لا يضركم كيدهم ضيراً، إما بفضل الله تعالى وحفظه الموعود للصابرين والمتقين، وذلك إرشاد من الله تعالى لنا، إلى أن نستعين على كيد العدو بالصبر والتقوى، قالت الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك، فازدد فضلا فى نفسك، ويجوز أن يكون المعنى: لا يؤثر فيكم مكرهم، لأنكم قد استعددتم له الجد فى الأمر والتدريب بالصبر، وإذا فعلتم ذلك، ومن صفة ذلك لا يطاوع خصمه، ولا يؤثر خصمه فيه، بل تكون له جرأة عليه. {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ}: من الصبر والتقوى، وغيرهما. {مُحِيطٌ}: بعلمه فيجازيكم به خيراً، أو تعلمون من خير أو شر، أو تقصير أو اجتهاد، فيجازيكم بما أنتم أهله، وقرىء يعملون - بالتحتية المثناة - أى يعمل الكفرة فى عداوتكم، فيعاقبهم عليه.

اطفيش

تفسير : {إن تَمْسَسْكُمْ} تصلكم، تشبيهاً بمس اليد {حَسَنةٌ} إما أن تخرج عن الوصفية فيكون بمعنى منفعة أو نعمة من أمور الدنيا، كنصر وغنم وخصب وإما أن بتقى عليها، وكأنه قال: خصلة حسنة، وهى ما ذكر من خير الدنيا {تَسُؤْهُمْ} تغمهم وتكدر عليهم حالهم وتحزنهم {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيَّئةٌ} مضرة، أو خصلة سيئة كما مر من شر الدنيا {يَفْرَحُوا بِهَا} هذا آخر أوصافهم، فمن قوله: وإذا لقوكم إلى هنا أوصاف لهم كما قبله، كأنه قيل: بلغوا الغاية فى عداوتكم، فكيف توالونهم، فاجتنبوهم، المس أقل من الإصابة، فإذا ساءهم أقل خير نالكم فغيره أولى، وإذا فرحوا بمصيبة عظيمة فغيرها مما هو أعظم أولى، ولذلك غير بالمس فى موضع، وبالإصابة فى آخر {وَإن تَصْبِرُوا} على عداوتهم ومضراتهم ومشاق التكليف {وَتَتَّقُوا} ربكم، بترك موالاتهم وما حرم الله {لا يَضُرُّكُمْ} بحفظ الله الموعود للصابر المتقى، ويتوسط أخذ الحذر، وهو من الله أيضاً {كَيْدُهُمْ} أى احتيالهم فى إيصال المكروه إليكم {شَيْئًا} أى ضيرا، لضعفه، مع مالكم من الأجر عليه فى الآخرة {إن اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} من الكيد وسائر المعاصى {مُحِيطٌ} علماً، فيجازيهم.

الالوسي

تفسير : {إِن تَمْسَسْكُمْ } أيها المؤمنون {حَسَنَةٌ } نعمة من ربكم كالألفة واجتماع الكلمة والظفر بالأعداء {تَسُؤْهُمْ} أي تحزنهم وتغظهم {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } أي محنة كإصابة العدو منكم واختلاف الكلمة فيما بينكم {يَفْرَحُواْ } أي يبتهجوا {بِهَا } وفي ذلك إشارة إلى تناهي عداوتهم إلى حد الحسد والشماتة، والمس قيل: مستعار للإصابة فهما هنا بمعنى، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ }تفسير : [التوبة: 50] وقوله سبحانه: {أية : إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } تفسير : [المعارج: 20-21] والتعبير هنا بالمسّ مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن في التعبير، وقال بعض المحققين: الأحسن والأنسب بالمقام ما قيل: إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن لأن المسّ أقل من الإصابة كما هو الظاهر فإذا ساءهم أقلّ خير نالهم فغيره أولى منه، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت ويرق الحاسد فغيره أولى فهم لا ترجى موالاتهم أصلاً فكيف تتخذونهم بطانة؟! والقول بأنه لا يبعد أن يقال: إن ذلك إشارة إلى أن ما يصيبهم من الخير بالنسبة إلى لطف الله تعالى معهم خير قليل وما يصيبهم من السيئة بالنسبة لما يقابل به من الأجر الجزيل عظيم بعيد كما لا يخفى. {وَإِنْ تَصْبِرُواْ } على أذاهم أو على طاعة الله تعالى ومضض الجهاد في سبيله {وَتَتَّقُواْ } ما حرم عليكم {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ } / أي مكرهم وأصل الكيد المشقة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب {لاَ يَضُرُّكُمْ } بكسر الضاد وجزم الراء على أنه جواب الشرط من ضاره يضيره بمعنى ضره يضره، وضم الراء في القراءة المشهورة لاتباع ضمة الضاد كما في الأمر المضاعف المضموم العين كمد، والجزم مقدر، وجوزوا في مثله الفتح للخفة والكسر لأجل تحريك الساكن، وقيل: إنه مرفوع بتقدير الفاء وهو تكلف مستغنى عنه {شَيْئاً } نصب على المصدر أي لا يضركم كيدهم شيئاً من الضرر لا كثيراً ولا قليلاً ببركة الصبر والتقوى لكونهما من محاسن الطاعات ومكارم الأخلاق ومن تحلى بذلك كان في كنف الله تعالى وحمايته من أن يضره كيد عدو، وقيل: لا يضركم كيدهم لأنه أحاط بكم فلكم الأجر الجزيل وإن بطل فهو النعمة الدنيا فأنتم لا تحرمون الحسنى على كلتا الحالتين وفيه بعد. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ } من الكيد. وقرأ الحسن وأبو حاتم تعملون بالتاء الفوقانية وهو خطاب للمؤمنين أي ما تعملون من الصبر والتقوى {مُحِيطٌ } علماً أو بالمعنى اللائق بجلاله فيعاقبهم به أو فيثيبكم عليه.

ابن عاشور

تفسير : زاد الله كشفا لِما في صدورهم بقوله: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم} أي تصبكم حسنة والمسّ الإصابة، ولا يختصّ أحدهما بالخير والآخر بالشرّ، فالتَّعبير بأحدهما في جانب الحسنة، وبالآخر في جانب السيِّئة، تفنّن، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : الذي يتخبطه الشيطان من المس}تفسير : في سورة البقرة (275). والحسنة والسيِّئة هنا الحادثة أو الحالة الَّتي تحسن عند صاحبها أو تسوء وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشَّرعي. أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ: بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله {لا يَضِركم كيدهم شيئاً} أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً. وفي الحديث: «حديث : لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم»تفسير : . وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: {لا يضركم} ـــ بكسر الضاد وسكون الراء ـــ من ضارُه يضيره بمعنى أضرّه. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ـــ بضم الضاد وضم الراء مشدّدة ـــ مِن ضرّهُ يضُرّه، والضمّة ضمّة إتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلّص من التقاء الساكنين: سكون الجزم وسكونِ الإدغام، ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثةُ وجوه في العربية: الضمّ لإتباع حركة العين، والفتح لخفّته، والكسر لأنَّه الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين، ولم يُقرأ إلاّ بالضمّ في المتواتر.

د. أسعد حومد

تفسير : (120) - وَلِشِدَّةِ عَدَاوَةِ هَؤُلاءِ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَسُوؤُهُمْ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنينَ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ - نَصْرٌ أَوْ رِبْحٌ أوْ خِصْبٌ - كَمَا يَسُرُّهُمْ مَا يَنْزِلُ بِالمُؤْمِنينَ مِنْ بَلاَءٍ وَسُوْءٍ وَهَزِيْمَةٍ. وَيَنْصَحُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِالتَّحَلِّي بالصَّبْر والتَّقْوى، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ لِلنَّجَاةِ مِنْ كَيْدِهِمْ وَأذَاهُمْ، لأنَّهُ مُحِيطٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَكُلُّ شَيءٍ بِمَشِيئَتِهِ وَقَدَرِهِ. تَمْسَسْكُمْ - تُصِيبُكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والقرآن كلام الله وله - سبحانه - الطلاقة التامة والغنى الكامل، والعبارات في المعنى الواحد قد تختلف لأن كل مقام له قوله، وسبحانه يحدد بدقة متناهية اللفظ المناسب .. إنه هو سبحانه الذي قال: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ}تفسير : [المعارج: 19-23]. وهو سبحانه الذي قال: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 79]. إنه جل وعلا يتكلم عن المس في الشر والخير، ومرة يتكلم عما يحدث للإنسان كإصابة في الخير أو في الشر، وفي الآية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلافاً في الأسلوب فسبحانه يقول: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} [آل عمران: 120] إنه لم يورد الأمر كله مَسًّا، ولم يورده كله "إصابة" إنه كلام رب حكيم وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام لا يقوله إلا رب حكيم. ولنتعرف الأن على "المس" و"الإصابة" بعض العلماء قال: إن المس والإصابة بمعنى واحد، بدليل قوله الحق:{أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً}تفسير : [المعارج: 19-21]. ولكننا نقول إن المس هو إيجاد صلة بين الماس والممسوس، فإذا مس الرجل امرأته، فنحن نأمره بالوضوء فقط, لأنه مجرد التقاء الماس بالممسوس والأمر ليس أكثر من التقاء لا تحدث به الجنابة فلا حاجة للغسل، أما الإصابة فهي التقاء وزيادة؛ فالذي يضرب واحداً صفعة فإنه قد يورم صدغة، فالكف يلتقي بالخد، ويصيب الصدغ، وهكذا نعرف أن هناك فرقاً بين المس والإصابة، وحين يقول الحق: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [آل عمران: 120]. فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة، وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير .. وفي حياتنا اليومية نجد من يمتلئ غيظاً لأن خصمه قد كسب عشرة قروش، وقد يجد من يقول له: لماذا لا تدخر غيظك إلى أن يكسب مائة جنيه مثلاً؟ ومثل هذا الغيظ من الحسنة الصغيرة هو دليل على أن أي خير يأتي للمؤمنين إنما يسبب التعب والكدر للكافرين. فمجرد مس الخير للمؤمنين يتعب الكافرين فماذا عن أمر السيئة؟ إن الحق يقول: {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} [آل عمران: 120] إن الكافرين يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين مع أنه كان مقتضى الإنسانية أن ينقلب الحاسد راحماً: شعر : حسبك من حادث بامرئ ترى حاسديه له راحمينا تفسير : يعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحماً له ويقول: والله أنا حزنت من أجله. إذن فلمّا تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان أهل الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق يقول: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [آل عمران: 120] والحسنة هي أي خير يمسهم مساً خفيفاً، {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [آل عمران: 120]، فأنت مهما كادوا لك فلن يصيبوك بأذى. إن المطلوب منك أن تصبر على عداوتهم، وتصبر على شرّهم، وتصبر على فرحهم في المصائب، وتصبر على حزنهم من النعمة تصيبك أو تمسك، اصبر فيكون عندك مناعة؛ وكيدهم لن ينال منك اصبر واتق الله: لتضمن أن يكون الله في جانبك، {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} [آل عمران: 120]. وما الكيد؟ الكيد هو أن تبيت وتحتال على إيقاع الضرر بالغير بحيث يبدو أنه كيدٌ من غيرك، أي تدبر لغيرك لتضره. وأصل الكيد مأخوذ من الكيد والكبد، وهما بمعنى واحد، فما يصيب الكبد يؤلم؛ لأن الكبد هو البضع القوي في الإنسان، إذا أصابه شيء أعيى الإنسان وأعجزه، ويقولون: فلان أصاب كبد الحقيقة أي توصل إلى نقطة القوة في الموضوع الذي يحكي عنه. وما معنى يبيتون؟ قالوا: إن التبييت ليس دليل الشجاعة، وساعة ترى واحداً يبيت ويمكر فاعرف أنه جبان؛ لأن الشجاع لا يكيد ولا يمكر، إنما يمكر ويكيد الضعيف الذي لا يقدر على المواجهة، فإن تصبروا على مقتضيات عداواتهم وتتقوا الله لا يضركم كيدهم شيئاً؛ لأن الله يكون معكم. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]. وساعة ترى كلمة "محيط" فهذا يدلك على أنه عالم بكل شيء. والإحاطة: تعني ألا تشرد حاجة منه. وها هي ذي تجربة واقعية في تاريخ الإسلام؛ يقول الحق فيها مؤكدا: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] وعلى كل منا أن يذكر صدق هذه القضية.