Verse. 4101 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

اَمِ اتَّخَذُوْا مِنْ دُوْنِ اللہِ شُفَعَاۗءَ۝۰ۭ قُلْ اَوَلَوْ كَانُوْا لَا يَمْلِكُوْنَ شَـيْـــــًٔا وَّلَا يَعْقِلُوْنَ۝۴۳
Ami ittakhathoo min dooni Allahi shufaAAaa qul awalaw kanoo la yamlikoona shayan wala yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» بل «اتخذوا من دون الله» أي الأصنام آلهة «شفعاء» عن الله بزعمهم «قل» لهم «أ» يشفعون «ولو كانوا لا يملكون شيئا» من الشفاعة وغيرها «ولا يعقلون» أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك؟ لا.

43

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ} أي بل اتخذوا يعني الأصنام وفي الكلام ما يتضمن لم؛ أي {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لم يتفكروا ولكنهم اتخذوا آلهتهم شفعاء. {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً} أي قل لهم يا محمد أتتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يملكون شيئاً من الشفاعة {وَلاَ يَعْقِلُونَ} لأنها جمادات. وهذا استفهام إنكار {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} نص في أن الشفاعة لله وحده كما قال: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] فلا شافع إلا من شفاعته {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28]. {جَمِيعاً} نصب على الحال. فإن قيل: {جَميعاً} إنما يكون للاثنين فصاعداً والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة مصدر والمصدر يؤدّي عن الاثنين والجميع {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} نصب على المصدر عند الخليل وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. {ٱشْمَأَزَّتْ} قال المبرد: انقبضت. وهو قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت. وقال المؤرِّج أنكرت. وأصل الاشمئزاز النفور والازورار. قال عمرو بِن كُلْثوم:شعر : إذا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّتْ وَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا تفسير : وقال أبو زيد: اشمأَز الرجل ذعر من الفزع وهو المذعور. وكان المشركون إذا قيل لهم «لا إِلٰه إِلا الله» نفروا وكفروا {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان حين ألقى الشيطان في أمنية النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءته سورة «والنجم» تلك الغَرَانِيقُ الْعُلَى وإن شفاعتهم تُرْتَجَى. قاله جماعة المفسرين. {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي يظهر في وجوههم البشر والسرور.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ذاماً للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئاً من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ من الحيوان بكثير، ثم قال: قل، أي: يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه من شفعاء لهم عند الله تعالى، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: هو المتصرف في جميع ذلك، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلاً بعمله، ثم قال تعالى ذاماً للمشركين أيضاً: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} أي: إذا قيل: لا إله إلا الله وحده، {ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} قال مجاهد: اشمأزت: انقبضت. وقال السدي: نفرت. وقال قتادة: كفرت واستكبرت. وقال مالك عن زيد بن أسلم: استكبرت؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الصافات: 35] أي: عن المتابعة والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر، ولذلك قال تبارك تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} أي: من الأصنام والأنداد قاله مجاهد، {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: يفرحون ويسرون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } بل {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي الأصنام آلهة {شُفَعَاءَ } عند الله بزعمهم؟{قُلْ } لهم {أَ} يشفعون {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً } من الشفاعة وغيرها {وَلاَ يَعْقِلُونَ } أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك؟ لا.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَاء } أم هي المنقطعة المقدّرة ببل، والهمزة، أي: بل اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء تشفع لهم عند الله {قُلْ أَوَلَوْ لَّوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } الهمزة للإنكار، والتوبيخ، والواو للعطف على محذوف مقدّر، أي: أيشفعون، ولو كانوا الخ، وجواب لو محذوف تقديره تتخذونهم، أي: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم، ومعنى لا يملكون شيئاً: أنهم غير مالكين لشيء من الأشياء، وتدخل الشفاعة في ذلك دخولاً أوّلياً، ولا يعقلون شيئاً من الأشياء؛ لأنها جمادات لا عقل لها، وجمعهم بالواو، والنون لاعتقاد الكفار فيهم أنهم يعقلون. ثم أمره سبحانه بأن يخبرهم: أن الشفاعة لله وحده، فقال: {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً }، فليس لأحد منها شيء إلا أن يكون بإذنه لمن ارتضى، كما في قوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255]، وقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28]، وانتصاب {جميعاً} على الحال، وإنما أكد الشفاعة بما يؤكد به الاثنان، فصاعداً؛ لأنها مصدر يطلق على الواحد، والاثنين، والجماعة، ثم وصفه بسعة الملك، فقال: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: يملكهما، ويملك ما فيهما، ويتصرف في ذلك كيف يشاء، ويفعل ما يريد {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لا إلى غيره، وذلك بعد البعث. {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } انتصاب {وحده} على الحال عند يونس، وعلى المصدر عند الخليل، وسيبويه، والاشمئزاز في اللغة: النفور. قال أبو عبيدة: اشمأزت نفرت، وقال المبرد: انقبضت. وبالأوّل قال قتادة، وبالثاني قال مجاهد، والمعنى متقارب. وقال المؤرّج: أنكرت، وقال أبو زيد: اشمأزّ الرجل ذعر من الفزع، والمناسب للمقام تفسير اشمأزت بانقبضت، وهو في الأصل: الازورار، وكان المشركون إذا قيل لهم: لا إلٰه إلا الله انقبضوا، كما حكاه الله عنهم في قوله: {أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 46]، ثم ذكر سبحانه استبشارهم بذكر أصنامهم، فقال: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } أي: يفرحون بذلك، ويبتهجون به، والعامل في "إذا" في قوله: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ } الفعل الذي بعدها، وهو: اشمأزت، والعامل في إذا في قوله: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } الفعل العامل في إذا الفجائية، والتقدير: فاجئوا الاستبشار وقت ذكر الذين من دونه. ولما لم يقبل المتمردون من الكفار ما جاءهم به من الدعاء إلى الخير، وصمموا على كفرهم، أمره الله سبحانه: أن يردّ الأمر إليه، فقال: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }، وقد تقدّم تفسير فاطر السماوات، وتفسير عالم الغيب، والشهادة، وهما منصوبان على النداء، ومعنى {تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ }: تجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءته، فإنه بذلك يظهر من هو المحقّ، ومن هو المبطل، ويرتفع عنده خلاف المختلفين، وتخاصم المتخاصمين. ثم لما حكى عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر الله، والاستبشار عند ذكر الأصنام ذكر ما يدلّ على شدّة عذابهم، وعظيم عقوبتهم، فقال: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } أي: جميع ما في الدنيا من الأموال، والذخائر {وَمِثْلَهُ مَعَهُ } أي: منضماً إليه {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: من سوء عذاب ذلك اليوم، وقد مضى تفسير هذا في آل عمران {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } أي: ظهر لهم من عقوبات الله، وسخطه، وشدّة عذابه ما لم يكن في حسابهم، وفي هذا وعيد عظيم، وتهديد بالغ، وقال مجاهد: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات، وكذا قال السدّي. وقال سفيان الثوري: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم، وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعاً شديداً، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ }، فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. {وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ } أي: مساوىء أعمالهم من الشرك، وظلم أولياء الله، و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية، أي: سيئات كسبهم، وأن تكون موصولة، أي: سيئات الذي كسبوه {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: أحاط بهم، ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ } الآية قال: قست، ونفرت {قُلُوبٍ } هؤلاء الأربعة {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } أبو جهل بن هشام، والوليد بن عقبة، وصفوان، وأبيّ بن خلف {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } اللات، والعزى {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }. وأخرج مسلم، وأبو داود، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته: «حديث : اللَّهم ربّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحقّ بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبُ...} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: انقبضت، قاله المبرد. الثاني: نفرت. الثالث: استكبرت.

ابن عطية

تفسير : {أم} هنا مقطوعة مما قبلها، وهي مقدرة بالألف وبل، وهذا تقرير وتوبيخ، فأمر الله تعالى نبيه أن يوقفهم على الأمر وعلى أنهم يرضون بهذا مع كون الأصنام بصورة كذا وكذا من عدم الملك والعقل. والواو في قوله: {أو لو} واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ومتى دخلت ألف الاستفهام على واو العطف أو فائه أحدثت التقرير. ثم أمره بأن يخبر بأن جميع الشفاعة إنما هو لله تعالى. و: {جميعاً} نصب على الحال، والمعنى أن الله تعالى يشفع ثم لا يشفع أحد قبل شفاعته إلا بإذنه، فمن حيث شفاعة غيره موقوفة على إذنه بالشفاعة كلها له ومن عنده. وقوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده} الآية، قال مجاهد وغيره: نزلت في قراءة النبي عليه السلام سورة النجم عند الكعبة بمحضر من الكفار، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته، فقال: {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، إنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى} تفسير : [النجم: 19] فاستبشر الكفار بذلك وسروا، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان، أنفوا واستكبروا و {اشمأزت} نفوسهم، ومعناه تقبضت كبراً أو أنفة وكراهية ونفوراً، ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] شعر : إذا عض الثقاف بها اشمأزت وولته عشوزنة زبونا تفسير : و: {الذين من دونه} يريد الذين يعبدون من دونه، وجاءت العبارة في هذه الآيات عن الأصنام كما يجيء عمن يعقل من حيث صارت في حيز من يعقل، ونسب إليها الضر والنفع والألوهية، ونفي ذلك عنها فعوملت معاملة من يعقل. و: {وحده} منصوب عند سيبويه على المصدر، وعند الفراء على الحال.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء} يعني الأصنام {قل} يا محمد {أولو كانوا} يعني الآلهة {لا يملكون شيئاً} أي من الشفاعة {ولا يعقلون} أي إنكم تعبدونهم وإن كانوا بهذه الصفة {قل لله الشفاعة جميعاً} أي لا يشفع أحد إلا بإذنه فكان الاشتغال بعبادته أولى لأنه هو الشفيع في الحقيقة وهو يأذن في الشفاعة لمن يشاء من عباده {له ملك السموات والأرض} أي لا ملك لأحد فيهما سواه {ثم إليه ترجعون} أي في الآخرة. قوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت} أي نفرت وقال ابن عباس انقبضت عن التوحيد وقيل استكبرت {قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} قيل إذا اشمأز القلب من عظم غمه وغيظه انقبض الروح إلى داخله فيظهر على الوجه أثر ذلك مثل الغبرة والظلمة {وإذا ذكر الذين من دونه} يعني الأصنام {إذا هم يستبشرون} أي يفرحون والاستبشار أن يمتلئ القلب سروراً حتى يظهر على الوجه فيتهلل.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أم اتخذوا من دون الله شفعاء‏} ‏ قال‏:‏ الآلهة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏قل لله الشفاعة جميعا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وإذا ذكر الله وحده اشمأزت‏}‏ قال‏:‏ انقبضت قال‏:‏ هو يوم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ‏{‏والنجم‏} ‏ عند باب الكعبة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ قال‏:‏ قست ونفرت قلوب هؤلاء الأربعة الذين لا يؤمنون بالآخرة‏:‏ أبو جهل بن هشام، والوليد بن عتبة، وصفوان، وأُبيّ بن خلف ‏ {‏وإذا ذكر الذين من دونه‏} ‏ اللات والعزى ‏{‏إذا هم يستبشرون‏}‏‏ . وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة‏} ‏ قال‏:‏ نفرت قلوب الكافرين من ذكر الله سبحانه وتعالى قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت عمرو بن كلثوم الثعلبي وهو يقول‏:‏ شعر : إذا غض النفاق لها اشمأزت وولته عشورته زبونا تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة‏} ‏ قال‏:‏ استكبرت ونفرت ‏ {‏وإذا ذكر الذين من دونه‏} ‏ قال‏:‏ الآلهة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ} أي بل أتَّخذ قُريشٌ {مِن دُونِ ٱللَّهِ} من دُون إذنِه تعالى {شُفَعَاء} تشفعُ لهم عنده تعالى؟ {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} الهمزةُ لإنكار الواقع واستقباحِه والتَّوبـيخِ عليه أي قل أتَّتخذونهم شفعاءَ ولو كانُوا لا يملكون شيئاً من الأشياء ولا يعقلونَه فضلاً عن أنْ يملكوا الشَّفاعةَ عند الله تعالى أو هي لإنكارِ الوقوع ونفيه على أنَّ المرادَ بـيانُ أنَّ ما فعلوا ليس من اتَّخاذِ الشُّفعاءِ في شيء لأنَّه فرعُ كونِ الأوثان شفعاءَ وذلك أظهرُ المحالاتِ فالمقدَّر حينئذٍ غيرُ ما قُدِّر أوَّلاً وعلى أي تقديرٍ كان فالواو للعطفِ على شرطيةٍ قد حُذفتْ للدلالة المذكورةِ عليها أي أيشفعون لو كانُوا يملكون شيئاً ولو كانُوا لا يملكون الخ وجوابُ لو محذوفً لدلالةِ المذكور عليه وقد مرَّ تحقيقُه مراراً. {قُلْ} بعد تبكيتِهم وتجهيلِهم بما ذُكر تحقيقاً للحقِّ {لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً} أي هو مالُكها لا يستطيعُ أحدٌ شفاعةً ما إلاَّ أن يكونَ المشفوعُ له مرتضَى، والشَّفيعُ مأذوناً له وكلاهما مفقودٌ ههنا. وقولُه تعالى {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تقريرٌ له وتأكيدٌ أي له ملكُهما وما فيهما من المخلوقاتِ لا يملك أحدٌ أنْ يتكلَّم في أمرٍ من أمورِه بدونِ إذنِه ورضاه {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يومَ القيامةِ لا إلى أحدٍ سواهُ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيفعل يؤمئذٍ ما يريدُ {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} دون آلهتِهم {ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} أي انقبضتْ ونَفَرتْ كما في قوله تعالى: { أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} تفسير : [سورة الإسراء: الآية 46] {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} فُرادى أو مع ذكرِ الله تعالى {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} لفرطِ افتتانهم بها ونسيانِهم حقَّ الله تعالى، ولقد بُولغ في بـيان حالَيهم القبـيحتينِ حيثُ بـيّن الغايةُ فيهما فإنَّ الاستبشارَ هو أنْ يمتلىءَ القلبَ سُروراً حتَّى ينبسطَ له بَشَرةُ الوجهِ، والاشمئزازُ أنْ يمتلىءَ غيظاً وغمَّا ينقبضُ منه أديمُ الوجهِ. والعاملُ في إذا الأولى اشمأزَّت، وفي الثَّانيةِ ما هو العاملُ في إذا المفاجأةِ تقديرُه وقتَ ذكرِ الذين من دُونه فاجأوا وقتَ الاستبشارِ.

التستري

تفسير : قوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ}[43] قال: أم اتخذوا طريق البدعة في الدين قربة في الدين إلى الله، على أن ينفعهم ذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ} [الآية: 43]. قال سهل: أى اتخذوا طريقة البدعة فى الدين قربةً إلى الله فلم ينفعهم ذلك.

القشيري

تفسير : أي أنهم - وإن اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاءَ بِحُكْمِهِمْ لا بتعريفٍ من قِبَلِ الله أو إخبار - فإِنَّ اللَّهَ تعالى لا يقبل الشفاعةَ من أحدٍ إِلاَّ إذا أَذِنَ بها، وإِنَّ الذي يقولونهْ إنما هو افتراءٌ على الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام اتخذو} نزلت فى اهل مكة حيث زعموا ان الاصنام شفعاؤهم عند الله فقال الله تعالى منكرا عليهم ام اتخذوا اى بل اتخذ قريش فام منقطعة بمعنى بل والهمزة {من دون الله} من دون اذنه تعالى {شفعاء} تشفع لهم عنده تعالى وهى الاصنام جمع شفيع. والشفع ضم الشىء الى مثله والشفاعة الانضمام الى آخر مسائلا عنه واكثر ما يستعمل فى انضمام من هو اعلى رتبة الى من هو ادنى ومنه الشفاعة يوم القيامة {قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} الهمزة لانكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه والواو للحال عند الجمهور والمعنى قل يا محمد للمشركين أفتتخذون الاصنام شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الاشياء ولا يعقلونه فضلا عن ان يملكوا الشفاعة عند الله ويعقلوا انكم تعبدونهم: يعنى [توقع شفاعت مكنيد از جمادات وحال آنكه ايشان ازقدرت وعلم بى بهره اند]. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اتخاذ الاشياء للعبادة او للشفاعة بالهوى والطبع لا بامر الله ووفق الشرع يكون ضلالة على ضلالة وان المقبول من العبادة والشفاعة ما يكون بامر الله ومتابعة نبيه عليه السلام على وفق الشرع وذلك لان حجاب العبد هو الهوى والطبع وانما ارسل الانبياء لنفى الهوى لتكون حركات العباد وسكناتهم بامر الحق تعالى ومتابعة الانبياء لا بامر الهوى ومتابعة النفس لان النفس وهواها ظلمانية والامر ومتابعة الانبياء نورانية والشهوات ظلمانية ولكن العبد اذا عبد الله بالهوى والطبع تصير عبادته ظلمانية فاذا جامع زوجته بالامر على وفق الشرع تصير شهوته نورانية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَمِ اتخذوا} أي: قريش {من دون الله شفعاء}، فيزعمون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، أي: إنهم اتخذوا ـ على زعمهم ـ من دون الله شفعاء بحكمهم، لا بتعريف من قِبل الله وإخبار، فإن الله لا يقبل الشفاعة من أحد إلا بإذن منه، وإن الذين يقولون ذلك افتراء على الله. {قُل أَوَلَوْ كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون}، الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، والتوبيخ عليه، أي: قل: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئاً من الأشياء ولا يعقلون شيئاً، فضلاً عن أن يملكوا الشفاعة عند الله تعالى. {قُل} تبكيتاً وتجهيلاً لهم: {للهِ الشفاعةُ جميعاً} أي: هو مالكها، ولا يقدر أحد أن يتصدّى لها، إلا أن يكون المشفوع له مرتضىً، والشفيع مأذوناً، وكلاهما مفقود في أصنامهم، ثم قرر اختصاصه بالشفاعة بقوله: {له ملكُ السماوات والأرض} أي: له التصرف فيهما، وفيما فيهما من المخلوقات، لا يملك أحد أن يتكلم في أمر من أموره بدون إذنه ورضاه، {ثم إليه تُرجعون} يوم القيامة، لا إلى أحد سواه، فيفعل يومئذ ما يريد. قال النسفي: {له ملك السماوات والأرض} اليوم {ثم إليه تُرجعون} يوم القيامة، فلا يكون المُلك في ذلك اليوم إِلاّ له، فله المُلك في الدنيا والآخرة. هـ. الإشارة: الشفاعة إنما تكون لأهل الجاه عند الله، والجاه يعظم بحسب التوجه، والتوجه يعظم على قدر المحبة، والمحبة على حسب العناية السابقة، {يُحبهم ويُحبونه} فبقدر أنوار التوجه تعظم أنوار المواجهة، وبقدر أنوار المواجهة تتسع المعرفة، وبحسب المعرفة يكون الجاه، وبقدر الجاه تتسع الشفاعة، حتى إن الواحد من الأولياء يشفع في وجود بأسره من أهل زمانه، إما عند موته، أو عند الحساب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علامة أهل الشرك، فقال: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ}.

الجنابذي

تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ} ام منقطعة متضمّنة للاستفهام او مجرّدة عنه، او متّصلة محذوف معادلها والتّقدير اتّخذوا من دون الله آلهة يعبدونها ام اتّخذوا {مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ} لهم اتتّخذونهم آلهةً او شفعاء {أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً} ممّا يملك {وَلاَ يَعْقِلُونَ} بمنزلة بل لا يعقلون.

اطفيش

تفسير : {أَمِ اتَّخَذُواْ} أم منقطعة فيها اضراب واستفهام انكار والواو لقريش* {مِن دُونِ اللهِ} أي من دون اذنه وقيل غير الله {شُفَعَآءَ} آلهة يشفعون لهم كما قالوا (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ولا يشفع غير الله الا أن ارتضاه الله وأذن له وارتضى المشفوع له. {قُل أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} الهمزة محلها بعد الواو وداخلة على محذوف كما مر أي يشفعون ولو كانوا... الخ وتعبدونهم ولو كانوا... الخ، والضمائر للشفعاء

اطفيش

تفسير : {أمْ} منقطعة للاضراب الانتقالى، بمعنى بل، والاستفهام الأنكارى {اتَّخذوا مِن دُون الله} من دون رضائه واذنه، ولا يشفع عنده إلا من أذن له، أو دون الله بمعنى غير الله {شُفَعاء} ترفع عنهم عذاب الآخرة، أو شفعاء فى أمور الدنيا والآخرة، أو المراد آلهة شفعاء {قُل أولو كانُوا لا يمْلكُون شيْئاً ولا يعْقِلونَ} أيشفعون مع أنهم جماد لا يملكون شيئا، ولا يعقلونه، ولا علم لهم بشىء، أو يقدر أيشفعون لو كانوا يملكون ويعقلون، ولو كانوا لا يملكون شيئا، ولا يعقلونه، والحكمة فى ذكر الله سبحانه آلهتهم بألفاظ العقلاء ومجاراته لهم فى ذلك، لا بألفاظ السوء أن لا يشتد نفارهم، ويزداد كفرا جريا على طريقة قوله تعالى: " أية : وجادلهم بالتي هي أحسن" تفسير : [النحل: 125] وليس ذلك تعظيما للأصنام، ولا من باب المداهنة، ويجوز تقدير: قل أتتخذونهم شفعاء، ولو كانوا، وجواب لو يغنى عنه ما قبله، كما فى أتجىء ولو لم يجىء زيد، والأصل ألو لم يجىء زيد تجىء، فقدم تجىء.

الالوسي

تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ } أي بل اتخذ قريش ـ فأم ـ منقطعة والاستفهام المقدر لإنكار اتخاذهم {مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَاء } تشفع لهم عند الله تعالى في رفع العذاب، وقيل: في أمورهم الدنيوية والأخروية، وجوز كونها متصلة بتقدير معادل كما ذكره ابن الشيخ في «حواشي البيضاوي» وهو تكلف لا حاجة إليه. ومعنى {مِن دُونِ ٱللَّهِ } من دون رضاه أو إذنه لأنه سبحانه لا يشفع عنده إلا من أذن له ممن أرضاه ومثل هذه الجمادات الخسيسة ليست مرضية ولا مأذونة ولو لم يلاحظ هذا اقتضى أن الله تعالى شفيع ولا يطلق ذلك عليه سبحانه أو التقدير أم اتخذوا آلهة سواه تعالى لتشفع لهم وهو يؤل لما ذكر. {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } أي أيشفعون حال تقدير عدم ملكهم شيئاً من الأشياء وعدم وعقلهم إياه، وحاصله أيشفعون وهم جمادات لا تقدر ولا تعلم فالهمزة داخلة على محذوف والواو للحال والجملة حال من فاعل الفعل المحذوف. وذهب بعضهم إلى أنها للعطف على شرطية قد حذفت لدلالة {لَّوْ كَانُواْ لاَّ يَمْلِكُونَ } الخ عليها أي أيشفعون لو كانوا يملكون شيئاً ويعقلون ولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، والمعنى على الحالية أيضاً كأنه قيل: أيشفعون على كل حال، وقال بعض المحققين من النحاة: إنها اعتراضية ويعني بالجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام متعلقاً به معنى مستأنفاً لفظاً على طريق الالتفات كقوله: شعر : فأنت طلاق والطلاق ألية تفسير : وقوله:شعر : ترى كل من فيها وحاشاك فانيا تفسير : وقد تجىء بعد تمام الكلام كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر»تفسير : وفي احتياج أداة الشرط في مثل هذا التركيب / إلى الجواب خلاف وعلى القول بالاحتياج هو محذوف لدلالة ما قبل عليه وتحقيق الأقوال في كتب العربية. وجوز أن يكون مدخول الهمزة المحذوف هنا الاتخاذ أي قل لهم أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئاً من الأشياء فضلاً عن أن يملكوا الشفاعة عند الله تعالى ولا يعقلون.

ابن عاشور

تفسير : {أم} منقطعة وهي للاضراب الانتقالي انتقالاً من تشنيع إشراكهم إلى إبطال معاذيرهم في شركهم، ذلك أنهم لما دمغتهم حجج القرآن باستحالة أن يكون لله شركاء تمحّلوا تأويلاً لشركهم فقالوا: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زُلفى}تفسير : [الزمر: 3] كما حكي عنهم في أول هذه السورة، فلما استُوفيَت الحججُ على إبطال الشرك أقبل هنا على إبطال تأويلهم منه ومعذرتهم. والاستفهام الذي تشعر به {أم} في جميع مواقعها هو هنا للإِنكار بمعنى أن تأويلهم وعذرهم منكَر كما كان المعتذَر عنه منكراً فلم يقضوا بهذه المعذرة وطَراً. وقد تقدم في أول السورة بيان مرادهم بكونهم شفعاء. وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم مقالةً تقطع بهتانهم وهي {أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون}. فالواو في {أولو كانوا} عاطفة كلام المجيب على كلامهم وهو من قبيل ما سُمّي بعطف التلقين في قوله تعالى: {أية : قال ومن ذريتي}تفسير : في سورة البقرة (124)، ولك أن تجعل الواو للحال كما هو المختار في نظيره. وتقدم في قوله: {أية : ولو افتدى به}تفسير : في سورة آل عمران (91). وصاحب الحال مقدر دل عليه ما قبله من قوله: {اتخذوا من دون الله شفعاء}. والتقدير: أيشفعون لو كانوا لا يملكون شيئاً. والظاهر أن حكم تصدير الاستفهام قبل واو الحال كحكم تصديره قبل واو العطف. وأفاد تنكير {شيئاً} في سياق النفي عموم كل ما يُملك فيدخل في عمومه جميع أنواع الشفاعة. ولما كانت الشفاعة أمراً معنوياً كان معنى ملكها تحصيل إجابتها، والكلام تهكم إذ كيف يشفع من لا يعقل فإنه لعدم عقله لا يتصور خطور معنى الشفاعة عنده فضلاً عن أن تتوجه إرادته إلى الاستشفاع فاتخاذهم شفعاء من الحماقة. ولما نفى أن يكون لأصنامهم شيء من الشفاعة في عموم نفي مِلْك شيء من الموجودات عَن الأصنام، قوبل بقوله: {لله الشفاعة} أي الشفاعة كلها لله. وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم ليعلموا أن لا يملك الشفاعة إلا الله، أي هو مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحقِّ. وتقديم الخبر المجرور وهو {لله} على المبتدأ لإِفادة الحصر. واللام للملك، أي قَصر ملك الشفاعة على الله تعالى لا يملك أحد الشفاعة عنده. و {جميعاً} حال من الشفاعة مفيدة للاستغراق، أي لا يشذ جزئي من جزئيات حقيقة الشفاعة عن كونه مِلكاً لله وقد تأكد بلازم هذه لحال ما دل عليه الحصر من انتفاء أن يكون شيء من الشفاعة لغير الله. وجملة {له ملك السموات والأرض} لتعميم انفراد الله بالتصرف في السماوات والأرض الشامل للتصرف في مؤاخذة المخلوقات وتسيير أمورهم فموقعها موقع التذييل المفيد لتقرير الجملة التي قبله وزيادة. والمراد المُلك بالتصرف بالخلق وتصريف أحوال العالميْن ومن فيهما، فإذا كان ذلك المُلك له فلا يستطيع أحد صرفه عن أمر أراد وقوعه إلى ضد ذلك الأمر في مدة وجود السماوات والأرض، وهذا إبطال لأن تكون لآلهتهم شفاعة لهم في أحوالهم في الدنيا. وعطف عليه {ثم إليه ترجعون} للإِشارة إلى إثبات البعث وإلى أنه لا يشفع أحد عند الله بعد الحشر إلا من أَذِنه الله بذلك. و {ثم} للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل، ذلك لأن مضمون {إليه ترجعون} أن لله ملكَ الآخرة كما كان له ملك الدنيا وملك الآخرة أعظم لسعة مملوكاته وبقائها. وتقديم {إليه} على {تُرجَعُون} للاهتمام والتقوِّي وللرعاية على الفاصلة.

د. أسعد حومد

تفسير : (43) - أَمْ أَنَّ المُشْرِكِينَ اتَّخَذُوا الآلِهَةَ التِي يَعْبُدُونَهَا شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ؟ فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَتَتَخِذُونَ هَذِهِ الأَصْنَام شُفَعَاءَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ لاَ تَمْلِكُ لَكُمْ نَفْعاً وَلاَ ضَراً، وَلاَ تَعْقِلُ أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهَا؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ} [الزمر: 43] استفهام إنكاري. يعني: ما كان يصح أنْ يتخذوا من دون الله شفعاء، فالحق ينكر عليهم بعد أن استمعوا إلى كل هذه الحجج والبراهين، ثم يتخذون من دون الله شفعاء، ولماذا الشفعاء من دون الله؟ قالوا: لأن الذي يعبد غير الله يُرجِّي نفسه بأنه مُتدين، والتديّن طبيعة في النفس البشرية من أخْذ الله عليها العهد في {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..} [الأعراف: 172]. لذلك جاء الرسل مُذكِّرين أي: يُذكّروننا بهذا العهد الأول الذي غفلنا عنه واقرأ: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. فالحق سبحانه وتعالى ينكر عليهم أنْ يتخذوا الشفعاء من دون الله، ويدعوهم أن يرتجعوا عن هذا الأمر المؤسف، لأن اتخاذ الشفعاء من دون الله أمر فيه تناقض لأنهم شفعاء عند مَنْ؟ عند الله، كما قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] إذن: اتخذوا الشفعاء ليشفعوا لهم عند الله، فلماذا لا يتجهون إلى الله مباشرة دون واسطة؟ ثم إن الشفاعة لا تُقبل إلا بشروطها، وليس كل مَنْ أحبَّ أن يشفع تُقبل شفاعته، فالشفاعة ليستْ بمرادك، بل يُشترط في الشفاعة أنْ يأذن الله للشافع أنْ يشفع، وأنْ يرضى عن المشفوع له، وأنْ يكون من أهل التوحيد، إذن: هذه الشفاعة التي يرجونها شفاعة باطلة ولا تُقبل عند الله. لكن لماذا لا يتوجَّهون إلى الله بالعبادة دون واسطة؟ قالوا: لأن للحق سبحانه وتعالى في عبادته تكاليف قد تشقّ على النفس، وللمنهج قيود افعل كذا ولا تفعل كذا، وهم يريدون تديناً بلا تكاليف، وآلهة بلا منهج وبلا أوامر، صحيح أنهم يعبدون الأصنام على هواهم. لكن إنْ حزبهم أمر وضاقتْ عليهم السبل في أنفسهم لجئوا إلى الله الإله الحق، إذن: أُوبُوا إلى الله قبل ألاَّ ينفع المآب. وكلمة الشفاعة منها الشفع والوتر، الشفع أنْ تضم وتراً إلى وتر، فيصيران شفعاً. يعني: زوجاً. وقلنا: إن المستشرقين وقفوا عند آيتين من كتاب الله في مسألة الشفاعة، وحاولوا أنْ يثيروا حولهما شبهة عدم بلاغة القرآن، وهما قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 48]. والأخرى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 123]. وقالوا: أي الآيتين أبلغ من الأخرى؟ فإنْ كانت إحداهما بليغةً فالأخرى إذن غير بليغة، ثم ما الحكمة من التقديم والتأخير في الآيتين، والمعنى واحد؟ وهذا كله من هؤلاء نتيجة عدم فَهْم اللغة، وعدم وجود الملكة التي تتذوَّق وتفهم عن الله. ونقول: أنتم أهملتم صدر الآية {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ} تفسير : [البقرة: 48] فعندنا نفسان: نفس جازية أو شافعة، ونفس مُجزيٌّ عنها أو مشفوع لها، فأيّهما الشافعة وأيهما المشفوع لها، إنْ أردتَ النفس المشفوع لها فالمشفوع لها تقدم العدل أولاً فلا يُقبل منها فتستشفع بمَنْ يشفع لها. وهذا قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 123] فإنْ أردتَ النفس الشافعة، فالشافع يتقدم بشفاعته أولاً، فإنْ لم تُقبل شفاعته قدَّم العدل، يقول: فلان هذا كم تطلب منه وأنا أدفع عنه. إذن: الآيتان بليغتان كُلٌّ حَسْب المعنى المراد منها. استُهلَّت هذه الآية {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ..} [الزمر: 43] بـ (أَمْ)، وهي تفيد عطف ما بعدها على ما قبلها، كأننا قلنا: أكان ذلك أمِ اتخذوا؟ والكلام السابق هو قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ..} تفسير : [الزمر: 42] فإذا كنتم قد وُدِعْتم بقوة حياتكم وقدرتكم على الحركة والأسباب والتحوّل فاعلموا أن الله يعطي لكم نموذجاً للموت ينتظركم من خلال النوم الذي تباشرونه. هذا الموت وأنتم في يقظة شيء، وحين تنامون شيء آخر، فالذي يقدر على سَلْب الحياة من التميّز والوعي والحركة مع الخارج (أي مع الغير) قادر على أنْ يسلبها جميعا؛ لأن النوم يسلب منك الحركة والتميز مع الغير، وإنْ بقيتْ لك الحركة في ذاتك كحركة القلب والرئتين والأمعاء .. الخ فإذا كان الله قد قدر على هذه الجزئية فيك، فهو سبحانه يقدر على الأخرى وهي الموت. فالمعنى: أأمنتُم ذلك؟ وإنْ لم تأمنوه وسوف تموتون وتلقوا الله، فلماذا تتخذون الشفعاء؟ وما الذي طمأنكم لذلك؟ وما رصيدكم في اتخاذكم الشفعاء؟ يعني: أحصل ذلك أم اتخذتم شفعاء؟ قلنا: الشفيع من الشَّفْع، وهي أن تضم شيئاً إلى شيء، فيصير زوجاً بعد أنْ كان وحده، والله سبحانه يريد أنْ يُنهي هذه المسألة، وأنْ يُبيِّن لهم بطلانها، فقال لهم: إن الذين تدعُون من دون الله لا يملكون أنْ يشفعوا وإنْ ملكوا الشفاعة كما تَدْعُون الملائكة، وكالذين يدعون عيسى أو العُزَير فهم لا يرضون بها ولا يشفعون لكم. وإنْ كانوا من الجمادات فهم أقرب منكم إلى الله وأعلم منكم بأصول الشفاعة، فهي لا بُدَّ أنْ تتأبى عليكم وتكرهكم، وإنْ كنتم تملكونها وتنتفعون بها؛ لأن هذه الجمادات مُنسجمة مع الكون مُسبِّحة لخالقها فلا تقبل إلا مُسبَحاً، وما انقادتْ لكم هذه الجمادات إلا لأن الله سخَّرها لكم، وجعل لكم إرادة تسيطرون بها عليها بمراد الله وأمره كما سيطرتم على جوارحكم، سيطرتم على اللسان فقلتم به كلمة الكفر، وسيطرتم على الأيدي، فبطشتُم بها وظلمتم .. الخ. فهؤلاء جميعاً لا يرضوْنَ أنْ يشفعوا لكم لأنكم مخالفون لهم في المنهج؛ لذلك يكرهونكم فكيف يشفعون لكم، لذلك قال تعالى: {أية : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [الدخان: 29]. فأثبت للسماء وللأرض بكاءً، فإنْ كانت لا تبكي على هؤلاء المخالفين فهي ولا شكَّ تبكي على المناقضين لهؤلاء المتفقين معها في العقيدة والمنهج، إذن: فالسماء والأرض وغيرهما من الجمادات لها تمييز وإلا ما بكتْ على أهل الطاعة ولم تَبْكِ على أهل المعصية. حتى نحن في التعبير الأدبي نقول: فلان نَبَتْ به الأرض يعني: كرهتْ إقامته عليها، لماذا؟ لأنه متمرد على الله مخالفٌ لمنهجه وهي مُسخَّرة مُسبِّحة؛ لذلك إنْ مات لا تبكي عليه. بل لسان حالها يقول له: أراحنا الله منك، أراح الله منك البلاد والعباد. وقد فسَّر لنا الإمام علي رضي الله عنه هذه المسألة حين قال: إذا مات المؤمنُ بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب. أي: المكان الذي يُرفَع فيه عمله الصالح، كما قال سبحانه {أية : وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10] وأما موضعه في الأرض فمُصلاّه. إذن: الذي جعلهم يتكلون ولا يخافون من الموت أنهم اتخذوا الشفعاء، وظنوا أنهم يدافعون عنهم، لكن (نقبهم على شونة) لأن الشفاعة ليستْ بمراد الشافع إنما بمراد المشفوع عنده، وهو سبحانه الذي يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له. لكن هل يحتاج مَنْ رضي الله عنه إلى شفاعة؟ قالوا: الإنسان قد تكون نواحي الخير فيه قليلةً، لكن يتوفر لهذا القليل شرطُ الإخلاص فينميه ويُثمِّره ويجبر الله عنده هذا النقص بأنْ يأذن لأحد المحبوبين عنده أن يشفع له .. وهذه الشفاعة ما شرعها الحق سبحانه إلا ليقبلها ويلطف بها. لذلك قالوا: إياك أنْ تحتقرَ عملاً صالحاً مهما كان يسيراً، فمَنْ يدريك لعله يكون سبباً في نجاتك. وورد في الحديث: "حديث : إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته" تفسير : فلا تحقرنَّ طاعة ما فقد غفر الله لرجل سَقَى كلباً يلهث من شدة العطش، وسقاه بجهد واحتيال حين لم يجد شيئاً يخرج به الماء فخلع خُفُّه وسقى به الكلب. ولو سقى هذا الرجل إنساناً لقُلْنا إنه سقاه لعلة، أو له عنده جميل، إنما سقى كلباً. وهذا يدل على أن العمل فيه إخلاص، لأنه لا ينتفع من الكلب بشيء، إنما تأصل السقاء في نفسه، فهو يحبه بصرف النظر عن المسْقى، فالرجل طُبع على الخير ولا يعنيه لمن يُقدم هذا الخير. الثانية: "حديث : وأخفى غضبه في معصيته"تفسير : فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فكما أنك لا تحقر طاعة قد يكون فيها نجاتك، كذلك لا تحقر معصية فقد يكون فيها هلاكك. الثالثة: "حديث : وأخفى أسراره في خلقه"تفسير : ؛ فلا تحقِرنّ خلقاً ما. وقوله سبحانه: {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ} [الزمر: 43] أي: هؤلاء الشفعاء {لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43] يعني: كيف تطلبون شفاعتهم، وهم على هذا الوصف؟ {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44] لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه، يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له، فالشفاعة كلها لله وحده، لأن {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44]؛ فالمتكبّر المتأبّى على منهجي سيرجع إليّ. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ...}.

الجيلاني

تفسير : وبعدما سمع قريش كمال قدرة الله، واستقلاله بالتصرفات الواقعة في ملكه وملكوته حسب إرادته واختياره، ينبغي لهم أن يوحدوه سبحانه، ويتخذوه وكيلاً، ويجعلوه حسيباً وكفيلاًن مع ذلك لم يتخذوه {أَمِ ٱتَّخَذُواْ} أي: بل اتخذوا من تلقاء أنفسهم {مِن دُونِ ٱللَّهِ} أولياء من الأصنام والأوثان، وسموهم {شُفَعَآءَ} عنده سبحانه، لذلك يعبدونهم كعبادته {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {أَوَلَوْ كَـانُواْ} أي: أتتخذون الأصنام والأوثان شفعاء أيها الحمقى، وتستشفعون منهم، ولو كانوا {لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً} من جلب النفع ودفع الضر {وَلاَ يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43] ويدركون مقاصدهم أصلاً؟! وما هو إلا وهم باطل، وخروج عن مقتضى العقل الفطري. {قُل} لهم يا أكمل الرسل بعدما لاح عندك غباوتهم وضلالهم على وجه العظة والتذكير؛ لعلهم يتنبهوا: {لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} أي: مطلق الشفاعة، مختصة لله، مستندة إليه أصالة، كائنة من عنده، لا يسع لأحد من أهل العناية أن يشفع لمجرم عنده سبحانه إلا بإذنه، وكيف لا يكون كذلك؛ إذ {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: ماظهر من العلويات والسفليات، وما بينهما من الممتزجات، بلا تصرف فيها بالاستقلال والاختيار، بلا مزاحمة أنداد وأغيار {ثُمَّ} لو وقعت شفاعة من أحد ممن أذن له الرحمن، ورضي له قولاً، فإنما هي أيضاً آيل إليه سبحانه؛ إذ {إِلَيْهِ} لا إلى غيره من العكوس والأظلال {تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44] رجع الأضواء إلى الشمس. {وَ} من شدة قساوة المشركين وجهلهم بالله {إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد المستقل بالألوهية والربوبية {وَحْدَهُ} على ما كان بلا مشاركة أحد معه في الثبوت والوجود {ٱشْمَأَزَّتْ} أي: انقبضت وضاقت {قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} بالانكشاف التام في النشأة الأخرى، والمفني لأظلال السوى والعكوس مطلقاً {وَإِذَا ذُكِرَ} آلهتهم {ٱلَّذِينَ} يدعونهم {مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] أي: فاجؤوا عند ذكر آلهتهم إلى البسط والاستبشار. {قُلِ} يا أكمل الرسل عند يأسك عنهم وعن إيمانهم وتنبههم، مسترجعاً إلى ربك، مفوضاً أمور عباده إليه، سيما هؤلاء المعاندين: {ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} ومظهرهما من كتم العدم بالإرادة والاختيار، يا {عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} على التفصيل؛ بحيث لا يعزب عن حيطة علمك مثقال ذرة من ذرائر ما لمع عليه برق وجودك بمقتضى جودك {أَنتَ} بذاتك حسب شئونك وتطوراتك {تَحْكُمُ} وتقضي {بَيْنَ عِبَادِكَ} هؤلاء وبيني {فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} معي في أمور الدين القويم المنزل من عندك، والكتاب المبين طريق توحيدك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينكر تعالى، على من اتخذ من دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم. { قُلْ } لهم - مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة-: { أَوَلَوْ كَانُوا } أي: من اتخذتم من الشفعاء { لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا } أي: لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بل وليس لهم عقل، يستحقون أن يمدحوا به، لأنها جمادات من أحجار وأشجار وصور وأموات، فهل يقال: إن لمن اتخذها عقلا؟ أم هو من أضل الناس وأجهلهم وأعظمهم ظلما؟. { قُلْ } لهم: { لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } لأن الأمر كله للّه.وكل شفيع فهو يخافه، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا أراد رحمة عبده، أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع، رحمة بالاثنين. ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: جميع ما فيهما من الذوات والأفعال والصفات. فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها، وتخلص له العبادة. { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل، ومن أشرك به بالعذاب الوبيل.

همام الصنعاني

تفسير : 2635- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ}: [الآية 43]، قال: هي في الآلهة اتخذناها لتشفع لَنا.