Verse. 4224 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

قُلْ اِنَّمَاۗ اَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوْحٰۗى اِلَيَّ اَنَّمَاۗ اِلٰــہُكُمْ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ فَاسْتَقِيْمُوْۗا اِلَيْہِ وَاسْتَغْفِرُوْہُ۝۰ۭ وَوَيْلٌ لِّـلْمُشْرِكِيْنَ۝۶ۙ
Qul innama ana basharun mithlukum yooha ilayya annama ilahukum ilahun wahidun faistaqeemoo ilayhi waistaghfiroohu wawaylun lilmushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه» بالإيمان والطاعة «واستغفروه وويل» كلمة عذاب «للمشركين».

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي لست بمَلَك بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع. {يُوحَىٰ إِلَيَّ} أي من السماء على أيدي الملائكة {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} {فـ} ـآمنوا به و{فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: استقم إلى منزلك؛ أي لا تعرج على شيء غير القصد إلى منزلك. {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي من شرككم. {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} قال ابن عباس: لا يشهدون «أن لا إلٰه إلا الله» وهي زكاة الأنفس. وقال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة. وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. قرَّعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال الفراء وغيره: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيهم هذه الآية. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا يستغفرون. الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة؟ قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته(واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته) ألا ترى إلى قوله عز وجل: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [البقرة: 265] أي يثبتون أنفسهم، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم؛ وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرِن بالكفر بالآخرة. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال ابن عباس: غير مقطوع؛ مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته؛ ومنه قول ذي الإصبع:شعر : إِنِّي لَعَمْرُك ما بابي بِذِي غَلَقٍ على الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِممنونِ تفسير : وقال آخر:شعر : فَتَرَى خَلْفَها مِنَ الرَّجْعِ والْوَقْـ ـعِ مَنِينا كأَنَّهُ أَهْبَاء تفسير : يعني بالمَنِين الغبَار المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضاً ومقاتل: غير منقوص. ومنه المَنُون؛ لأنها تنقص منَّة الإنسانِ أي قوّته؛ وقاله قطرب؛ وأنشد قول زهير:شعر : فَضْل الجِيادِ على الخيلِ البِطاءِ فَلاَ يُعْطِي بِذلِك مَمْنُوناً ولا نَزِقَا تفسير : قال الجوهري: والمنّ القطع، ويقال النقص؛ ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}. وقال لبِيد:شعر : غـبْـسٌ كَـوَاسِـبُ لاَ يُـمَـنُّ طَـعَـامُـهـا تفسير : وقال مجاهد: «غَيْرُ مَمْنُونٍ» غير محسوب. وقيل: «غَيْرُ مَمْنُونٍ» عليهم به. قال السدي: نزلت في الزَّمْنى والمَرْضَى والْهَرْمَى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل، {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي: لسالف الذنوب {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} أي: دمار لهم وهلاك عليهم، {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وكذا قال عكرمة، وهذا كقوله تبارك وتعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا } تفسير : [الشمس: 9 ــــ 10] وكقوله جلت عظمته: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ } تفسير : [الأعلى: 14 ــــ 15] وقوله عز وجل: {أية : فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [النازعات: 18] والمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك، وزكاة المال إنما سميت زكاة؛ لأنها تطهره من الحرام، وتكون سبباً لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقاً إلى استعماله في الطاعات، وقال السدي: { وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} أي: لا يؤدون الزكاة، وقال معاوية بن قرة: ليس هم من أهل الزكاة. وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم. وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير، وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة، وكان مأموراً به في ابتداء البعثة، كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 141] فأما الزكاة ذات النصب والمقادير، فإنما بين أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعاً بين القولين؛ كما أن أصل الصلاة كان واجباً قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئاً فشيئاً، والله أعلم. ثم قال جل جلاله بعد ذلك: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال مجاهد وغيره: غير مقطوع ولا مجبوب؛ كقوله تعالى: {أية : مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} تفسير : [الكهف: 3] وكقوله عز وجل: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 108] وقال السدي: غير ممنون عليهم، وقد رد عليه هذا التفسير بعض الأئمة؛ فإن المنة لله تبارك وتعالى على أهل الجنة، قال الله تبارك وتعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَـٰنِ} تفسير : [الحجرات: 17] وقال أهل الجنة { فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَـٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إلا إن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } بالإِيمان والطاعة {وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ } كلمة عذاب {لّلْمُشْرِكِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء،وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره، مع وجوب الزكاة عليه، أكثر مما يعذب من لم تكن الزكاة واجبة عليه، قاله ابن عيسى. الثاني: معناه انهم لا يزكون أعمالهم، قاله ابن عمر. الثالث: معناه لا يأتون به أزكياء، قاله الحسن. الرابع: معناه لا يؤمنون بالزكاة، قاله قتادة. الخامس: معناه ليس هم من أهل الزكاة، قاله معاوية بن قرة. قوله تعالى: {لهم أجْرٌ غير ممنون} فيه أربعة تأويلات: أحدها: غير محسوب، قاله مجاهد. الثاني: غير منقوص، قاله ابن عباس وقطرب، وأنشد قول زهير: شعر : فَضْل الجياد على الخيل البطاء فما يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا تفسير : الثالث: غير مقطوع، قاله ابن عيسى، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته، قال ذو الأصبع العدواني: شعر : إني لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق ولا خيري بممنون تفسير : الرابع: غير ممنون عليهم به، قاله السدي.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ} قرأ ابنُ وثابٍ والأعمش: "قَالَ" فعلاً ماضياً خبراً عن الرسول. والرسم يحتملهُما. وقد تقدم مثل هذا في الأنبياء وآخر المؤمنين. وقرأ الأعمشُ والنَّخعيُّ يوحي بكسر الحاء؛ أي الله تعالى، والمعنى إنَّما أنا بشر مثلكم أي كواحد منكم لولا الوحيُ ما دعوتكم {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} قال الحسن ـ رضي الله عنه ـ عَلَّمَهُ الله التواضع. قوله: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} عُدِّي بإلى؛ لتضمنه معنى توجَّهُوا والمعنى وجِّهُوا استقامتكم إليه بالطاعة ولا تَمِيلوا عن سبيله "واستغفروه" من ذنوبكم. قوله: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: الذي لا يقولون لا إله إلا الله، وهي زكاة الأنفس. والمعنى لا يُطَهِّرون أنفسهم من الشِّرك بالتوحيد، وهو مأخوذ من قوله: "وَنَفْسٍ ومَا زَكَّاهَا". وقال الحسن وقتادة: لا يقرِّون بالزكاة ولا يرون إيتاءَها واجباً. وكان يقال: الزكاة قَنْطَرَةُ الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك. وقال الضحاك ومقاتل: لا يُنفِقُون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. فصل احتج من قال: إن الكفار مخاطبُون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى توعدهم بأمرين: أحدهما: كونهم مشركين. والثاني: لا يؤتون الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين تأثير عظيم في حق وصول الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم ايتاء الزكاة من المشرك تأثير عظيم في زيادة الوعيد وهو المطلوب. فصل احتج بعضهم على أن مانع الزكاة كافر بهذه الآية فقال: إن الله تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر وهو قوله: "وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ" وذكر بعدها ما يوجب الكفر وهو قوله: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} فلو لم يكن منع الزكاة كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً؛ لأن الكلام إنما يكون فصيحاً إذا كانت المناسبة مرعيةً بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ حكم بكفر مانعي الزكاة. قال ابن الخطيب: والجواب أنه ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وهما حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة، فلم يلزم حُصُول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة والله أعلم. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ غير مقطوع، من قولك: مننتُ الحبلَ أي قطعتُهُ، ومنه قولهم: "قَد مَنَّهُ السَّفرَ" أي قطعه وأنشدوا: شعر : 4352 ـ فَضْلَ الجَوَادِ على الخَيْلِ البِطَاءِ فَلاَ يُعْطِي بذلك مَمْنُوناً وَلاَ نَزِقَا تفسير : وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص منة الإنسان وقوته، وأنشدوا لذي الإصبع العُدواني: شعر : 4353ـ إنِّي لَعَمْرُكَ مَا بَابِي بِذِي غَلَقٍ على الصَّدِيقِ ولا خَيرِي بِمَمْنُونِ تفسير : وقيل: غير ممنون به عليهم؛ لأن عطاء الله لا يُمَنُّ به إنما يَمُنُّ المخلوق. وقال مجاهد: غير محسوب وقال السُّدِّيّ: نزلت هذه الآية في المَرْضَى والزَّمنى والهَزْمَى إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجرُ كأصح ما كانوا يعملون فيه. روي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مَرِضَ، قيل للملك الموكل به: اكتُبْ له مثل عمله إذا كان طليقاً حتى أطلقه أو اكفته إليَّ ". تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} الآية قرأ ابنُ كثير أينكم لتكفرون ـ بهمزة وبعدها ياء محققة ساكنة بلا مد ـ والباقون ممدوداً مشدد النون. وهو استفهام بمعنى الإنكار، أي كيف تكفرون بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأنداد الخسيسة أنداداً لله مع أنه تعالى خلق الأرض في يومين، وهما يوم الأحد ويوم الاثنين، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين، فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة كيف يعقل الكفر به، وإنكار قدرته على الحَشْر والنَّشر؟. فإن قيل: مَن استدل بشيء على إثبات شيء فذلك الشيء المستدل به يجب أن يكون مسلماً عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض إنا يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوة، فلا يعقل تقرير المقدمة عليهم، وإذا امتنع تقريرها عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد مذاهبهم. فالجواب: إثبات كون السموات والأرض مخلوقةً بالعقل مُمكنٌ، وإذا أمكن ذلك أمن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم. وحينئذ يقال: الكافر كيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القادرة وبين الصَّنم الذي هوة جمادٌ لا يضرُّ ولا ينفع في المعبودية والإلهية؟ بقي أن يقال: فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أثر. قال ابن الخطيب: بل له أثر في هذا الباب، وذلك أن التورية مشتملة على هذا المعنى، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب فكفار مكة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني فاعتقدوا كونها حقاً، وإذا كان الأمر كذلك حَسن أن يقال لهم: إن الإله الموصوفَ بالقدرة على خلق هذه الأشياء العظيمة في هذه المدة اللطيفة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكاً له في المعبودية والإلهية؟! فبهذا التقدير حسن الاستدلال. قوله: "وَتَجْعَلُونَ لَهُ" عطف على "لَتَكْفُرُونَ" فهو داخل في حيز الاستفهام وقوله: {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ذلك الموجود الذي علمتَ من صفته وقدرته أن خلق الأرض في يومين (هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم فكيف أثبتم له أنداداً من الخشب والحجر؟ ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقاً للأرض في يومين) ثم أخبر أنه أتى بثلاثة أنواعٍ من الصُّنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك، فالأول قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} وهذا مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الموصول، للفصل بينهما بأجنبي، وهو قوله: "وَتَجْعَلُونَ" فإنه معطوف على قوله: "لتكفرون" كما تقدم. والمراد بالرواسي الجبال. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: "من فوقها" ولم يقتصر على قوله {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} كما اقتصر على قوله {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ}تفسير : [المرسلات:27] وقوله {أية : وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ}تفسير : [الأنبياء:31] وقوله: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ}تفسير : [الرعد:3]. فالجواب: أنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التَّحتانيَّة هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال: خُلِقَتْ هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه أنَّ الأرض والجبال أثقالٌ وكلها مفتقرة إلى مُمْسِكٍ وحافظٍ وما ذاك الحافظ المدبِّر إلا الله سبحانه وتعالى. النوع الثاني: قوله "وَبَارَكَ فِيهَا" أي في الأرض بما خلق من البحار والأنهار والأشجار والثمار. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: يريد شقَّ الأنهار، وخلق الجبال وخلق الأشجار والنار، وخلق أصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات. النوع الثالث: قوله {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} قيل: المعنى وقدر فيها أقوات أهلِها ومعايشهم وما يصلحهم وقال محمد بن كعب: قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان. وقال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر. وعلى هذا فالأقوات للأرض لا للسكان، والمعنى أن الله عزَّ وجلَّ قدر لكل أرض حظَّها من المطر. وقيل المراد من إضافة القُوت إلى الأرض كونها متولدة في تلك الأرض وحادثة فيها؛ لأن النحاة قالوا في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة، وإلى محله أخرى، فقوله {وقدر فيها أقواتها} أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدناً لنوع آخر من الأشياء المطلوبة بمعنى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في ذلك البلد وبالعكس فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات واكتساب الأموال. قوله: {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} تقديره: في تَمَام أَرْبَعَةِ أيام باليَوْمَيْنِ المتقدمين. قال الزجاج: في تتمَّة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. وقال الزمخشري: في أربعة أيام فلذلك المدة خلق الله الأرض وما فيها كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستويةً بلا زيادة ولا نُقصانٍ. قال شهاب الدين: وهذا كقولك: بَنَيْتُ بيتي في يوم وأكملته في يومين أي بالأول. وقال أبو البقاء: أي في تمام أربعة أيام، ولولا هذا التقدير لكانت الأيام ثمانيةً يومان في الأول، وهو قوله: {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} ويومانِ في الآخر وهو قوله {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} وأربعةُ في الوَسَطِ وهو قوله {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}. فإن قيل: إنه تعالى لما ذكر خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعدَ عن الشُّبهة وعن الغلط فَلِمَ تَرَك التصريح وذكر الكلام المجمل؟. فالجواب: أن قوله "في أربعة أيام سواء" فيه فائدة زائدة على ما إذا قال: خلقت هذه الثلاثة في يومين؛ لأنه لو قال: خلقت هذه الأشياء في يومين لم يُفِدْ هذا الكلام كون اليومين مُستغرقين بتلك الأعمال؛ لأنه قد يقال: عملتُ هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، أمَّا لما ذكر خلق الأرض، وخلق هذه الأشياء ثم قال: في أربعة أيام سواء دلَّ على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقةً في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نُقصانٍ. قوله: "سواء" العامة عل النصب، وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي استوت قاله مكي وأبو البقاء. الثاني: أنه حال من "ها" في أقواتها، أو من "ها" في "فيها" العائدة على الأرض أو من الأرض قاله أبو البقاء وفيه نظر لأن المعنى إنما هو وصف الأيام بأنها سواء، لا وصف الأرض بذلك وعلى هذا جاء التفسير. ويدل على ذلك قراءة سَواءٍ ـ بالجر ـ صفة للمضاف، أو المضاف إليه، وقال قتادةُ والسُّدي سواء معناها سواء لمن سِأل عن الأمر، واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال تعالى. إلا أن ابن زيد وجماعةً قالوا شيئاً يَقْرُبُ من المعنى الذي ذكره أبو البقاء فإنهم قالوا معناه مستوٍ مهيَّأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر بالسائلين عن الطالبين. وقرأ زيدُ بنُ علي والحسنُ وابنُ أبي إسحاق وعيسى ويعقوبُ وعمرُو بن عُبيدٍ: سَواءٍ بالخفض على ما تقدم. وأبو جعفر بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه على خبر ابتداء مضمر، أي هي سواء، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، وقال مكِّي: هو مرفوع بالابتداء وخبره للسائلين؛ وفيه نظر، من حيث الابتداء بنكرة من غير مُسوَّغ. ثم قال: بمعنى مستويات لمن سأل فقال: في كَمْ خلقت؟ وقيل: للسائلين لجميع السائلين لأنهم يسألون الرزق وغيره من عند الله تعالى. قوله "للسائلين" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق بسَوَاء بمعنى مستويات للسائلين. الثاني: أنه متعلق بقدَّر، أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين. الثالث: أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟. قوله (تعالى): {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} أي عمد إلى خلق السماء. وقال ابن الخطيب: من قولهم: استوى إلى مكان كذا إذا توجَّه إليه توجُّهاً لا يلتفتُ معه إلى عمل آخر وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج. ونظيره قولهم: استقام إليه وامتدَّ إليه، قال تعالى: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} [فصلت:6] والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السموات بعد خلق الأرض ما فيها من صارفٍ يصرفُهُ عن ذلك. والدُّخان: هو ما ارتفع عن لهبِ النار. ويستعار لما يرى من بُخار الأرض عند جدبها وقياس جمعه في القلة أَدْخِنَةٌ وفي الكثرة دُخْيَان، نحو: غُرابٍ وأغربة وغِرْبَانٍ وشذوا في جمعه على: دَوَاخِن، قيل: هو جمع داخِنةٍ تقديراً على سبيل الإسناد المجازيّ، ومثله عثانٌ وعواثِن. وقوله: و "هِيَ دُخَان" من باب التشبيه الصُّوري؛ لأن صورتها صورة الدُّخانِ في رأي العين. فصل قال المفسرون: هذا الدخان بُخار الماء وذلك أن عرش الرحمن كان على الماء قبل خلق السموات والأرض، كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود:7]. ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطراباً فأزْبَدَ وارتفع، وخرج منه دُخانٌ فأما الزَّبدُ فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدثَ منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السَّموات. فإن قيل: قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} يُشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}تفسير : [النازعات:30] يشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض!. فالجواب: المشهور أن يقال: إنه تعالى خلق الأرض أولاً، ثم خَلَقَ بعده السماء، ثم بعد أن خَلَقَ السماء دحى الأرض، وبهذه الطريق يزول التناقض. قال ابن الخطيب: وهذا الجواب عندي مُشكِلٌ من وجوه: الأول: أنه تعالى خَلَقَ الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود، إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة ثم إنه تعالى قال بعد ذلك: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض، وبعد أن جعلها مدحُوَّةً وحينئذ يعود السؤال. الثاني: أنه ورد أنَّ الدلائل الهندسية دلَّت على أن الأرض كرةٌ في أول حدوثها إن قلنا: إنها كرة، والآن بقيتْ كرة أيضاً فهي منذ خقلت كأنها مدحُوَّةٌ، وإن قلنا: إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال: إنها كانت مدحُوَّةً قبل ذلك، ثم أزيل عنها هذه الصفة وذلك باطل. الثالث: أن الأرض جسمٌ في غاية العِظم والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحوًّا، فالقول بأنها كانت غير مدحوةٍ ثم صارت مدحوة قولٌ باطل. والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت من موضع الصّخرة ببيت المقدس فهو كلام مشكل لأنه إذا كان المراد أنها على عظمها خلقت من ذلك الموضع ثم خلق بقيةُ أجزائها، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولاً فهذا يكون اعترافاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً عن تخليق السماء. الرابع: أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين، وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام، فإذا حصل دَحْوُ الأرض بعد ذلك فقد حصل هذا الدحو في زمانٍ آخر بعد الأيام الستة فحينئذ يقع تخليق السموات والأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل. الخامس: أنه لا نزاع في أن قوله تعالى بعد هذه الآية: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} كناية عن إيجاد السموات والأرض، فلو تقدم إيجاد السموات لكان قوله تعالى: {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} يقتضي إيجاد الموجودات ,انه محال باطل. هذا تمام البحث عن هذا الجواب. ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق السماء قبل الأرض، وتأول قوله: {ثمَّ استوى إلى السماء} ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دُخان قبل أن يخلق الأرض، فأضمر فيه كان كما قال تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}تفسير : [يوسف:77] معناه إن يكن سرق، وقال تعالى: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا}تفسير : [الأعراف:4] (والمعنى) فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي قال ابن الخطيب وهذا عندي ضعيف، لأن تقدير الكلام ثُمَّ كان قد استوى إلى السماء. هذا جمع بين الضدين لأن كلمة "ثُمَّ" تقتضي التأخير، وكلمة "كان" تقتضي التقديم، والجمع بينهما يفيد التناقض، وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه. والمختار عندي إن يُقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن يقال: الخلق ليس عبارةً عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران:59] فلو كان الخلق عبارةً عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجدَهُ من تراب، ثم قال له كن فيكون وهذا محال فثبت أن الخلق ليس عبارةً عن الإيجاد والتكوين، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير في حق الله هو كلمته بأن سيُوجدُهُ. وإذا ثبت هذا فنقول قوله: خلق الأرض في يومين معناه أنه قضى بحدوثِهِ في يومين، وقضاء الله أنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فَقَضَاءُ الله بحُدُوثِ الأرض في يومين قد تقدم على إحداثِ السَّماء وحينئذ يزول السؤال. قوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}. وقرأ العامة "ائتيا" أمراً من الإتيان "قَالَتَا أَتَيْنَا" منه أيضاً. وقرأ ابن عباس وابن جبيرٍ ومجاهدٌ "آتِيا" قَالَتَا آتينا ـ بالمد فيهما ـ وفيه وجهان: أحدهما: من المؤاتاة وهي المُوافقة، أي ليوافق كل منكما الأخرى لما يليق بها. وإليه ذهب الرازي والزَّمخشريُّ، فوزن "آتِيَا" فاعلا، كقاتِلا، و"آتيْنَا" وزنه فاعلنا كقاتلنا. والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء، فوزن "آتِيَا" أفْعِلاَ كأكرما، ووزن "آتينا" أَفْعَلْنَا كأَكْرَمْنَا. فعلى الأول يكون قد حذف مفعولاً، وعلى الثاني قد حذف مفعولين؛ إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما مَنْ أمركما، قالتا أَعطيناهُ الطاعة. وقد منع أبو الفضل الرازي الوجه الثاني فقال: آتينا بالمَدِّ على فاعلنا من المؤاتاة بمعنى سارعنا، على حذف المفعول به، ولا يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء لبعد حذف مفعوليه. قال شهاب الدين: وهذا هو الذي منع الزمخشري أن يجعله من الإيتاء. قوله: {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} مصدران في موضع الحال، أي طائعتين أو مُكْرهتين. وقرأ الأعمش "كُرْهاً" بالضم، وتقدم الكلام على ذلك في النساء. قوله: "قَالَتَا" أي قالت السماءُ والأرض، وقال ابن عطية: (رحمة الله عليه) أراد الفرقتين المذكورتين، جعل السموات سماءً والأرضين أرضاً كقوله: شعر : 4354ـ أَلَمْ يحْزُنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَوْمِي وَقَوْمِكَ قَدْ تَبَاينتا انقِطَاعاَ تفسير : عبر عنهما "بتَبَايَنَتَا". قال أبو حيان وليس كما ذكر لأنه لم يتقدم إلا ذكر الأرض مفردة والسماء مفردة فلذلك حسن التعبير بالتثنية. وأما البيت فكأنه قال: حَبْلَي قَوْمِي وَقَوْمِكَ، وأنث في تَبَايَنَتَا على المعنى؛ لأنه عنى بالحبال المودة. قوله: "طَائِعِينَ" في مجيئه مجيء جمع المذكورين العقلاء وجهان: أحدهما: أن المراد يأتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم، فلذلك غلَّب العقلاء على غيرهم، وهو رأي الكسائيِّ. والثاني: أنه لما عاملهم معاملة العقلاء في الإخبار عنهما، والأمر لهما جمعهما كجمعهم، كقوله: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف:4] وهل هذه المحاورة حقيقة أو مجازاً وإذا كانت مجازاً فهل هو تمثيلٌ أو تخييلٌ؟. خلاف. فصل ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإيمان فأطاعُوهُ وهذا ليس بمستبعد كما أن الله تعالى أنطقَ الجبالَ مع داود ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقال: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}تفسير : [سبأ:10] وأنطق الأيدي والأرجل، فقال: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النور:24] وقوله: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [فصلت:21]ٍ وإذا كان كذلك فكيف يستبعدُ أن يخلقَ الله تعالى في ذات السموات والأرض حياةً وعقلاً ثم يوجه التكليف عليهما؟ ويؤكد هذا وجوه: الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره، إلا إن منع منه مانع، فههنا لا مانع. الثاني: أنه تعالى جمعهما جمع العقلاء فقال: {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}. الثالث: قوله: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}تفسير : [الأحزاب:72] وهذا يدل على كونها عارفة بالله، عالمة بتوجه تكليف الله تعالى. وأجاب ابن الخطيب عن هذا القول: بأن المراد من قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} الإثبات الى الوجود والحدوث والحصول، فعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة، إذ لو كانت موجودةً فذلك لا يجوز، فثبت أن حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة، ولا عارفة للخطاب، فلم يَجُزْ توجُّه الأمر عليها. فصل روى مجاهدٌ وطاوس عن ابن عباس أنه قال: قال الله للسموات والأرض أخرجا ما فيكما من المنافع ومصالح العباد، أما أنتِ يا سماءُ فأطلعي شَمْسَكِ وقَمَركِ ونُجُومكِ، وأنت يا أرض فشقَّقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتكِ، وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعاً، وإلا ألجأتكما إلى ذلك (حتى) تفعلا (ه) فنقول: فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله: أتينا طائعين حدوثهما في ذاتهما، بل يصيرُ المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما، وهذا باطل؛ لأنه تعالى قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} وذلك يدل على حُدُوثَ السماء إنما حصل بعد قوله: {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}. فصل اعلم أن المقصود من هذا الكلام إظهار كمال القدرة، والتقدير ائتيا شئتما ذلك أو أَبَيْتُما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شِئْتَ أو أبيتَ، ولَتَفْعَلُنَّهُ طَوْعاً أو كَرهاً. وقيل: إنَّهُ تعالى ذكر السماء والأرض، ثم ذكر الطوع والكره فوجب أن ينصرف الطوعُ إلى السماء والكرهُ إلى الأرض، وتخصص السماء بالطوع لوجوه: أحدهما: أن السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف تُشْبِهُ حيواناً مطيعاً لله عزَّ وجلَّ بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال، تارة تكون ساكنةً، وتارة تضطربُ. وثانيها: أن الموجود في السماء ليس إلا الطاعة، قال تعالى: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [النحل:50] وأما أهل الأرض فليس كذلك. وثالثها: أن السماء موصوفة بكمال الحال، وقيل: إنها أفضل الألوان وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير ومكانها أفضل الأمكنة، وهو العُلُوُّ، وسُكَّانُها أفضل الأجرام، وهي الكواكب المنيرة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة، واختلاف الأحوال وتغيير الذات والصفات فلا جرم عبَّر عن تكوين السماء بالطَّوْعِ وعن تكوين الأرض بالكره. قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} في نصب "سَبْعَ" أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مفعول ثانٍ "لقَضَاهُنَّ"؛ لأنه ضمّن معنى صيَّرهُنَّ بقضائه سبع سموات. الثاني: أنه منصوب على الحال من مفعول "فقضاهن" أي قضاهن معدودةً، وقضى بمعنى "صَنَعَ" كقول أبي ذؤيب: شعر : 4355ـ وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ تفسير : أي صنعها. الثالث: أنه تمييز؛ قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسَّراً بسبع سمواتٍ على التمييز يعني بقوله "مبهماً"، أنه لا يعود على السماء، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى بخلاف كونه حالاً أو مفعولاً ثانياً. الرابع: أنه بدل من "هُنَّ" في "فَقَضَاهُنَّ" قاله مكي، وقال أيضاً: السماء، تذكَّر وتؤَنَّثُ، وعلى التأنيث جاء القرآن، ولو جاء على التذكير لقيل: سَبْعَةَ سمواتٍ. وقد تقدم تحقيق تذكيره وتأنيثه في أوائل البقرة. فصل قال أهل الأثر: إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعةٍ من يوم الجُمُعةِ فخلق بها آدم، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. فإن: قيل: اليوم عبارة عن النهار والليل، وذلك إنما يحصل بطُلُوعِ الشَّمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصوم اليوم؟. فالجواب: معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلكٌ وشمس لكان المقدار مُقدَّراً بيوم. وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه. قوله: {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا}. قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار، وجبال البرد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقال قتادة والسُّدِّيُّ: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس والجمعة، قال السدي: ولله في كل سماء بيت يُحَجُّ إليه ويطوف به الملائكة، كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبة. قوله: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} وهي النيرات التي خلقها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسرٍّ معين وطبيعة معينة لا يعرفها إلا الله تعالى. قوله: "وَحِفْظاً" في نصبه وجهان: الأول: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظاً. والثاني: أنه مفعول من أجله على المعنى؛ فإن التقدير: خلقنا الكواكب زينةً وحِفظاً، قال أبو حيان "وهو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عن السَّهْلِ البَيِّن". فصل المعنى وحفظناها من الشياطين الذي يسترقون السمع، ثم قال: "ذلِكَ" أي الذي ذكر من صُنْعَةِ "العَزِيزِ" في ملكه "العَلِيمِ" بخلقه فالعزيزُ إشارة إلى كمال القدرة، والعليمُ إشارة إلى كمال العلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة‏} قال‏:‏ لا يشهدون أن لا إله إلا الله‏.‏ وفي قوله ‏ {‏لهم أجر غير منون‏}‏ قال‏:‏ غير منقوص‏. وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة‏} ‏ قال‏:‏ لا يقولوا لا إله إلا الله‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏{‏الذين لا يؤتون الزكاة‏} ‏ قال‏:‏ كان يقال الزكاة قنطرة الإِسلام، من قطعها برىء ونجا ومن لم يقطعها هلك‏.‏ والله أعلم‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [الآية: 6]. قال ابن عطاء فى قوله: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} فى ظاهر الأحكام ومحل الاتباع أمثل لكم سبل الشريعة وأحكام الدين وأكملكم بوحى من ربكم أنه إله واحد فمن صدقنى واتبع سنتى فقد وصل الى الرضوان ومن خالفنى وأعرض فقد أعرض عن طريقة الحق فأنا بشر مثلكم فى الظاهر ولست مثلكم فى الحقيقة ألا تراه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنى لست كأحدكم إنى أبيت عند ربى فيطعمنى ويسقينى يطعمنى ربى ويسقينى ربى ". تفسير : قوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ} [الآية: 6]. قال بعضهم: الاستقامة مساواة الأحوال مع الأفعال والأقوال وهو أن لا يخالف الظاهر الباطن ولا الباطن الظاهر فإذا استقمت واستقامت أحوالك فاستغفر من رؤية استقامتك واعلم أن الله هو الذى قومك لأنك استقمت.

القشيري

تفسير : إنما أنا بَشَرٌ مثلكم في الصورة والبِنْية، والذات والخِلقة. والفرقَانُ بيني وبينكم أنَّه يُوحَى إليَّ أنما إلهكم إله واحد؛ فالخصوصية مِنْ قِبَلِه لا مِنْ قِبَلِي، ولقد بَقِيتُ فيكم عمراً، ولقيتموني دهراً.. فما عثرتم مني على غير صواب، ولا وجدتم في قولي شوب كذاب. وأمري إليكم أن استقيموا في طاعته، واستسلموا لأمره... وطوبى لِمَن أجاب، والويلُ لِمَنْ أصرَّ وعاب!.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ} اى استقيم فى اقبالكم اليه بنعت التفريد عن الاكوان والحدثان وعن وجودكم واصبروا فى ساحة كبريائه حين اشهدتم انوار عظمته وجلاله حتى يجرى عليكم احكام الفناء فى بقائه وقميص الاستقامة لم يخط للحدثان لذلك قال عليه الصلاة والسّلام استقيموا ولن تحصلوا وقال شيبتنى هو واخواتها لما فيه من قوله فاستقم فاذا وقع عليكم العلم بمعرفته فاستفغروه من ادراككم وعلمكم به ومعاملتكم ووجودكم فى وجوده فانه تعالى أعظم من درك الخليقة وتلاصق الحدثان بجناب جلاله قال بعضهم الاستقام مساراة الاحوال مع الافعال والاقوال وهو ان لا تخالف الظاهر الباطن والباطن الظاهر فاذا استقمت واستقامت احوالك فاستغفر عن رؤية استقامتك واعلم ان الله هو الذى قومك لا انك استقمت.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل انما انا بشر مثلكم يوحى الىّ انما الهكم اله واحد} اى ما الهكم الا اله واحد لا غيره وهذا تلقين للجواب عما ذكره المشركون اى لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بينى وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الاعمال والاديان كما ينبئ عنه قولكم فاعمل اننا عاملون بل انما انا بشر وآدمى مثلكم مأمور بما امرتم به حيث اخبرنا جميعا بالتوحيد بخطاب جامع بينى وبينكم فان الخطاب فى الهكم محكىّ منتظم للكل لا انه خطاب منه عليه السلام للكفرة كما فى مثلكم. وفى الآية اشارة الى ان البشر كلهم متساوون فى البشرية مسدود دونهم باب المعرفة اى معرفة الله بالوحدانية بالآلات البشرية من العقل وغيره وانما فتح هذا الباب على قلوب الانبيا بالوحى وعلى قلوب الاولياء بالشواهد والكشوف وعلى قلوب المؤمنين بالالهام والشرح كما قال تعالى {أية : أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه} تفسير : كما فى التأويلات النجمية. قال الحسن رضى الله عنه علمه الله التواضع بقوله {قل انما انا بشر مثلكم} ولهذا كان يعود المريض ويشيع الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد وكان يوم قريضة والنضير على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه اكاف من ليف [عجب كاريست كه كاه مركب وى براق بهشتى وكاه مركب خركى آرى مركب مختلف بود اما درهردوحالت راكب يك صفت ويك همت ويك ارادت بود اكر بر براق درسرش نخوت نبوت واكر برحمار بود برخسار عز نبوتش غبار مذلت نبود] شعر : خلق خوش عود بود انجمن مردم را جون زنان خودمفكن برسر مجمر دامن تفسير : {فاستقيموا اليه} من جملة المقول والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ايحاء الوحدانية فان ذلك موجب لاستقامتهم اليه تعالى بالتوحيد والاخلاص فى الاعمال وعدّى فعل الاستقامة بالى لما فيه من معنى الاستواء اى فاستووا اليه بذلك. والاستقامة الاستمرار على جهة واحدة {واستغفروه} مما كنتم عليه من سوء العقيدة والعمل. وفى المقاصد الحسنة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : استقيموا ولن تحصوا" تفسير : اى لن تستطيعوا ان تستقيموا فى كل شىء حتى لا تميلوا وقال "حديث : شيبتنى هود واخواتها" تفسير : لما فيها من قوله فاستقم. قال بعضهم اذا وقع العلم والمعرفة فاستغفروه من علمكم وادراككم به ومعاملتكم له ووجودكم فى وجوده فانه تعالى اعظم من ادراك الخليقة وتلاصق الحدثان بجناب جلاله. وقال بعضهم الاستقامة مساواة الاحوال مع الافعال والاقوال وهو ان يخالف الظاهر الباطن والباطن الظاهر فاذا استقمت استقامت احوالك واستغفر من رؤية استقامتك واعلم ان الله تعالى هو الذى قومك لا انك استقمت {وويل} [وسختى عذاب} {للمشركين} ترهيب وتنفير لهم عن الشرك اثر ترغيبهم فى التوحيد

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر "سواء" رفعاً. وقرأه يعقوب خفضاً. وقرأه الباقون نصباً. فمن رفعه فعل الاستئناف. ومن خفضه جعله نعتاً للايام. ومن نصبه فعلى المصدر. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار {إنما أنا بشر مثلكم} لحم ودم، ومن ولد آدم، وإنما خصني الله بنبوته وأمرني برسالته وميزني منكم بأني {يوحى إلي أنما إلهكم} الذي يستحق العبادة {إله واحد} لا شريك له في العبادة {فاستقيموا إليه} أي استمروا على وجه واحد في الطاعة له وإخلاص العبادة له على ما تقتضيه الحكمة {واستغفروه} أي واطلبوا المغفرة من جهته لذنوبكم. ثم اخبر فقال {فويل للمشركين} الذين اشركوا بعبادة الله غيره من الاصنام والاوثان ووصفهم بانهم {الذين لا يؤتون الزكاة} وقال الحسن: معناه لا يؤتون ما يكونون به ازكياء اتقياء من الدخول فى دين الله. وقال الفراء: الزكاة فى هذا الموضع ان قريشاً كانت تطعم الحاج وتسقيهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله. وقال قوم: إنما توعدهم على ترك الزكاة الواجبة عليهم لأنهم متعبدون بجميع العبادات ويعاقبون على تركها وهو الظاهر. وقال الزجاج: معناه وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بأن الزكاة واجبة. وإنما خص الزكاة بالذكر تقريعاً لهم على شحهم الذي يأنف منه أهل الفضل ويتركون ما يقتضي انهم ان يعملوه عملوه لاجله. وفي ذلك دعاء لهم إلى الايمان وصرف لهم عن الشرك. وكان يقال: الزكاة قنطرة الايمان فمن عبرها نجا. وقال الطبري: معناه الذين لا يعطون الله الطاعة التي يطهرهم بها ويزكي أبدانهم، ولا يوحدونه. وقال عكرمة: هم الذين لا يقولون: لا إله إلا الله. وقد بينا أن الأقوى قول من قال إن الذين لا يؤدون زكاة اموالهم، لان هذا هو حقيقة هذه اللفظة {وهم بالآخرة هم كافرون} معناه وهم مع ذلك يجحدون ما أخبر الله به من الثواب والعقاب فى الآخرة. ثم اخبر الله تعالى عن المؤمنين فقال {إن الذين يؤمنون بالآخرة} أي يصدقون بأمر الآخرة من الثواب والعقاب {وعملوا الصالحات} أي الطاعات {لهم أجر غير ممنون} أي لهم جزاء على ذلك غير مقطوع، بل هو متصل دائم، ويجوز ان يكون معناه انه لا أذى فيه من المنّ الذي يكدر الصنيعة. ثم امر النبي صلى الله عليه وآله ان يقول لهم على وجه الانكار عليهم بلفظ الاستفهام {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} أي تجحدون نعمة من خلق الارض فى يومين {وتجعلون له أنداداً} أي تجعلون له اشباهاً وامثالا فى استحقاق العبادة. ثم قال الذي يستحق العبادة {ذلك رب العالمين} الذي خلق الخلائق وملك التصرف فيهم. وقوله {وجعل فيها رواسي من فوقها} أي وخلق فى الأرض جبالا راسيات ثابتات فوق الارض {وبارك فيها} بما خلق فيها من المنافع {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال "حديث : إن الله خلق الارض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء والعمران والخراب يوم الأربعاء فتلك أربعة ايام وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم"تفسير : . وقال الحسن والسدي: وابن زيد {قدر فيها أقواتها} أي ارزاقها. وقال قتادة: معناه قدر فيها ما فيه صلاحها. قال ابو عبيدة: الأقوات جمع قوت وهي أرزاق الخلق وما يحتاجون اليه. وقيل: إنما خلق ذلك شيئاً بعد شيء فى هذه الأربعة ايام لتعتبر به الملائكة وقيل: لاعتبار العباد فى الاخبار عن ذلك إذا تصوروه على تلك الحال. وقال الزجاج: الوجه فيه تعليم الخلق التأني في الامور وألا يستعجلوا فيها بأن الله تعالى كان قادراً على ان يخلق ذلك فى لحظة. لكن خلقها فى هذه المدة لما قلنا. وقال قوم إنما خلق ذلك فى هذه المدة ليعتبروا بذلك على انها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح وبوجوه الاحكام إذ لو كان صادراً عن مطبوع او موجب لحصلت في حالة واحدة. وقال الزجاج: {في أربعة أيام} معناه في تتمة اربعة أيام. وقوله {سواء للسائلين} قال قتادة والسدي: معناه سواء للسائلين عن ذلك لأن كلا يطلب القوت ويسأله. وفي قراءة عبد الله {وقسم فيها أقواتها} ومعناه خلق في هذه البلدة ما ليس في هذه ليتعايشوا ويتجروا. ومن نصب (سواء) فعلى تقدير استوت سواء واستواه لمن سأل في كم خلقت السموات والارض؟ فقيل في اربعة أيام سواء لا زيادة ولا نقصان.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} فى جواب تهديدهم {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ} لا اقدر {مِّثْلُكُمْ} على ما لا يقدر عليه البشر حتّى افعل بكم ما اريد لكن بينى وبينكم فرقٌ وهو انّه {يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} او المعنى قل لهم: انّما انا بشرٌ من جنسكم ولست خارجاً من جنسكم حتّى لا تكونوا مناسبين لى فيستوحش قلوبكم او لا تفهموا لسانى فينصرف قلوبكم عنّى، وادعوكم الى التّوحيد الّذى لا يضرّكم شيئاً ان كان لا ينفعكم {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} واخرجوا من اعوجاجكم {وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} اقتصر على نفى اتيان الزّكاة اشعاراً بانّ المشرك ليس اشراكه الاّ من انانيّته الّتى ينبغى ان تطرح فانّ اصل اتيان الزّكاة هو طرح الانانيّة والاعطاء منه فى طاعة الله، ومن بخل بطرح الانانيّة بخل باعطاء المال والقوى والجاه، ولو اعطى لم يكن اعطاؤه اعطاءً للزّكاة بل كان ممّن قال الله: {أية : كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} تفسير : [البقرة:264] {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} وقد فسّر الاشراك بالاشراك بالولاية، عن الصّادق (ع) اترى انّ الله عزّ وجلّ طلب من المشركين زكاة اموالهم وهم يشركون به حيث يقول: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}؟ قيل: جعلت فداك فسّره لى، فقال: ويلٌ للمشركين الّذين اشركوا بالامام الاوّل وهم بالائمّة الآخرين كافرون، انّما دعى الله العباد الى الايمان به فاذا آمنوا بالله وبرسوله (ص) افترض عليهم الفرائض.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} في جواب قولهم {أية : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ} تفسير : الخ {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} لا ملك ولا جني لا يمكنكم الأخذ عنه فضلاً عن أن لا تسمعوا وعن أن يكون بينكم وبينه حجاب* {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي يوحى الّي ان المعبود واحد لا متعدد وهذا ليس شيئاً يثقل على القلوب والاسماع بل سهل تقبله بل يدل العقل والنقل وقد صحت نبقى {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} لان ما أقول لكم انما هو عن وحي لا إني ملك أو جني فوجب عليكم اتباعي فيما يوحى الي ومنه الاستقامة {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} استوا اليه بالتوحيد والعمل واخلاص العبادة غير ذاهبين يميناً ولا شمالاً ولا ملتفتين الى ما يسول لكم الشيطان من اتخاذ الاولياء والشفعاء واستقيموا بالتوحيد والاخلاص تائبين اليه من الشرك والمعاصي واستقيموا في أفعالكم متوجهين اليه* {وَاسْتَغْفِرُوهُ} من ذنبكم وشرككم* {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} لجهلهم واستخفافهم بأمر الله وعدم تصديقهم بوجوبها وانكارهم الثواب والعقاب عليها وعلى غيرها وعدم اشفاقهم على الفقراء قاله الحسن واستوجبوا الويل بمنع الزكاة ففي الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ومنها الزكاة وكما يوجبه منعها انكاراً لفرضها وهو نوع شرك يوجبه منعها مع اعتقاد فرضها وهو نفاق وخص منع الزكاة كفراً من بين أنواعه تعظيماً له فان المال شقيق الروح فاذا بذل فهو دليل على الثبات والاستقامة وانما لانت شكيمة المؤلفة بلقمة زكاة وما تظاهر المشركون في ولاية الصدق الا يمنعها فناصبهم الحرب وفي ذلك حض للمؤمنين على أدائها وتخويف شديد من منعها والزكاة من قناطر الاسلام لا ينجو من يقطعها. وقال ابن عباس وقيل الجمهور المراد بالزكاة لا اله الا الله محمد رسول الله وما جاء به من حق لانه زكاة الأنفس وتطهيرها من الشرك كما قال موسى لفرعون {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ {تفسير : ويرجحه ان الآية مكية والزكاة مدنية وعليه الربيع ومجاهد وقال الضحاك ومقاتل الزكاة هنا النفقة في الطاعة وقيل المراد لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الايمان والطاعة وقيل كانت قريش يطمعون الحاج ويحرمون من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم و (يؤتون) مبنى للفاعل أي تؤتيون ثقلت الضمة على الياء فنقلت التاء المكسورة قبلها وحذفت الساكنين وأصله (أتى) كأكرم الالف تعد بالهمزة هو همزة (أتى) كرمى قلبت الفا لما دخلت همزة التعدية ولما دخل حرف المضارع حذفت همزة التعدية وقلبت الألف واو الضم* {وَهُم بِالأَخِرَةِ} متعلق بـ (كافرون)* {وَهُم} توكيد لفظي فصل بالظرف ولو أجنبياً للتساهل في الظرف* {هُمْ كَافِرُونَ} والجملة حال مشعرة بأن منع الزكاة لا ستغراقهم في طلب الدنيا وانكارهم للآخرة كفروا بالبعث.

اطفيش

تفسير : {قُلَّ إنَّما أنا بشَرٌ مِثْلُكم} لا ملك ولا جنى يمنعكم التلقى منى، فما هذا الحجاب الذى تدعون بيننا، لا مغايرة بيننا بالجنسية تقتضى تغاير الأديان، وهذا جواب لقولهم: " أية : قلوبنا في أكنة" تفسير : [فصلت: 5] أى لست بملك، بل بشر مثلكم أوحى الى دونكم، وصحت نبوَّتى فوجب اتباعى فيما أوحى إلىَّ من أن الهكم واحد، ولا يصح ما قيل: إنى بشر مثلكم لا أقدر أن أخرج قلوبكم عن الأكنة، وأرفع الحجاب والوقر، لأن ذلك تكلف فى التفسير لا دليل عليه، ولا تبادر، ولو كان المعنى صحيحاً، وكذلك لا يفسر بأن البشرية التى تنفون بها رسالتى هى التى تثبت الرسالة، اذ لا يرسل ملك ولا جنى، ولو صح المعنى. {يُوحَى إلي َّ أنَّما إلهكُم إلهٌ واحدٌ} يوحى الى الصحيح أن إنما المفتوحة تفيد الحصر كالمكسورة، حصر الوحدانية لله عز وجل، وهو أمر معقول ظاهر الدلائل، يدخل الأسماع، فكيف تقولون، قلوبنا فى أكنة مما تدعوننا اليه، وفى آذاننا وقر {فاسْتَقيمُوا إليْه} توجهوا إليه بالتوحيد واخلاص العبادة {واسْتَغْفروه} من شرككم وسائر ذنوبكم {وويْلٌ للمُشْرِكين * الَّذين لا يؤتُون الزكاة} انكار لها أن تكون من الله تعالى وشحا وعدم الشفقة على المساكين، ولم يذكر المساكين، لأن المقام لذكر شحهم وانكارهم، لا من يعطونه، وقد فرض فى مكة شىء يعطى يسمى زكاة، ثم نسخ بالزكاة المفروضة فى المدينة، والمال شقيق الروح، فمن لم يؤمن بالله لا تسمح نفسه بزكاته، ومن أعطاها لله تعالى تبين أنه صحيح الايمان، وما ارتدت بنو حنيفة الا للزكاة، وذلك يدل على خطاب المشركين بالفروع كالأصول، اذ رتب الويل على ترك الزكاة، كما رتبه على الشرك، وحمل ابن عباس ومجاهد على المعنى اللغوى، أى لا يؤتون أنفسهم أو النبى صلى الله عليه وسلم الطهارة بالايمان والعمل، وعبارة بعض لا يزكون أعمالهم، اى لا يوحدون ويعملون الصالحات. {وهُم بالآخِرة} بالدار الآخرة قدم للفاصلة، ولطريق قصدهم بالذم {هُم} ضمير فصل فيما قيل، ولو كان الخبر نكرة، والأولى أن يكون تأكيدا لفظيا {كافرون} لا يرجون ثوابا ولا عقابا لعدم البعث عندهم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } لست ملكاً ولا جنياً لا يمكنكم التلقي منه، وهو رد لقولهم:{أية : بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}تفسير : [فصلت: 5] {يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } أي ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول وإنما أدعوكم إلى التوحيد الذي دلت عليه دلائل العقل وشهدت له شواهد السمع، وهذا جواب عن قولهم:{أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ}تفسير : [فصلت: 5] {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } فاستووا إليه تعالى بالتوحيد وإخلاص العبادة ولا تتمسكوا بعرا الشرك وتقولوا لمن يدعوكم إلى التوحيد: {قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ} الخ {وَٱسْتَغْفِرُوهُ } مما سلف منكم من القول والعمل وهذا وجه لا يخلو عن حسن في ربط الأمر بما قبله. وفي «إرشاد العقل السليم» ((أي لست من جنس مغاير لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الأعمال والاديان كما ينبىء عنه قولكم: {أية : فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ }تفسير : [فصلت: 5] بل إنما أن بشر مثلكم مأمور بما آمركم به حيث أخبرنا جميعاً بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم، فإن الخطاب في {أَلْهَـٰكُمُ } محكي منتظم للكل لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة كما في مثلكم)) وهو مبني على اختيار الوجه الأول في {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } ولا بأس به من هذه الجهة، نعم فيه قصور من جهة أخرى. وقال صاحب «الفرائد»: ليس هذا جواباً لقولهم إذ لا يقتضي أن يكون له جواب، وحاصله لا تتركهم وما يدينون لقولهم ذلك المقصود منه أن تتركهم، سلمنا أنه جواب لكن المراد منه أني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين والوقر من الآذان ولكني أوحى إلي وأمرت بتبليغ أنما إلهكم إله واحد وللإمام كلام قريب مما ذكر في حيز التسليم، وكلا الكلامين غير واف بجزالة النظم الكريم، وجعله الزمخشري جواباً من أن المشركين طالما يتمسكون في رد النبوة بأن مدعيها بشر ويجب أن يكون ملكاً ولا يجوز أن يكون بشراً ولذا لا يصغون إلى قول الرسول ولا يتفكرون فيه فقوله عليه الصلاة والسلام: إني لست بملك وإنما أنا بشر من باب القلب عليهم لا القول بالموجب ولا من الأسلوب الحكيم في شيء كما قيل كأنه صلى الله عليه وسلم قال: ما تمسكتم به في رد نبوتي من أني بشر هو الذي يصحح نبوتي إذ لا يحسن في الحكمة أن يرسل إليكم الملك فهذا يوجب قبولكم لا الرد والغلو في الإعراض. وقوله: {يُوحِى إِلَيَّ إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ } تمهيد للمقصود من البعثة بعد إثبات النبوة أولاً مفصلاً بقوله تعالى: {أية : حـمۤ }تفسير : [فصلت: 1] الآيات ومجملاً ثانياً بقوله: {يُوحَىٰ إِلَيَّ } ثم قيل: {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ } بياناً / للمقصود فقوله {يُوحَىٰ إِلَيَّ } مسوق للتمهيد، وفيه رمز إلى / إثبات النبوة، وهذا المعنى على القول بأن المراد من {فَٱعْمَلْ } الخ فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ظاهر، وأما على القول الأول فوجهه أن الدين هو جملة ما يلتزمه المبعوث إليه من طاعة الباعث تعالى بواسطة تبليغ المبعوث فهو مسبب عن نبوته المسببة عن دليلها فأظهروا بذلك أنهم منقادون لما قرر لديهم آباؤهم من منافاة النبوة للبشرية وأنه دينهم فقيل لهم ما قيل، وهو على هذا الوجه أكثر طباقاً وأبلغ، وهذا حسن دقيق وما ذكر أولا أسرع تبادراً. وفي «الكشف» أن {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ } في مقابلة إنكارهم الإعجاز والنبوة وقوله: {فَٱسْتَقِيمُواْ } يقابل عدم القبول وفيه رمز إلى شيء مما سمعت فتأمل. وقرأ ابن وثاب والأعمش {قَالَ إِنَّمَا } فعلاً ماضياً، وقرأ النخعي والأعمش {يوحي} بكسر الحاء على أنه مبني للفاعل أي يوحي الله إليَّ أنما إلهكم إله واحد. {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } من شركهم بربهم عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ}. استئناف ابتدائي هو تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجيب قولهم: { أية : فاعْمَل إنَّنَا عٰمِلُونَ } تفسير : [فصلت: 5] المفرّعَ على قولهم: { أية : قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إليهِ } تفسير : [فصلت: 5] إلى آخره جوابَ المُتبرىء من أن يكون له حول وقوة ليعمل في إلجائهم إلى الإِيمان لمَّا أبوْه إذ ما هو إلا بشر مثلهم في البشرية لا حول له على تقليب القلوب الضالة، إلى الهدى، وما عليه إلا أن يبلغهم ما أوحَى الله إليه. وهذا الخبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل بجزائهم إلى الله تعالى كأنه يقول: وماذا أستطيع أن أعمل معكم فإني رسول من الله فحسابكم على الله. فصيغة القصر في {إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم} تفيد قصراً إضافياً، أي أنَا مقصور على البشرية دون التصرف في قلوب الناس. وبيَّن مما تميَّز به عنهم على وجه الاحتراس من أن يتلقفوا قوله: {إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم} تلقفَ من حصَّل على اعتراف خصمه بنهوض حجته بما يُثبت الفارق بينه وبينهم في البشرية، وهو مضمون جملة {يُوحَىٰ إلَيَّ} وذلك للتسجيل عليهم إبطال زعمهم المشهور المكرر أن كونه بشراً مانع من إرساله عن الله تعالى لقولهم: { أية : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً } تفسير : [الفرقان: 7]، ونحوه مما تكرر في القرآن. ومثل هذا الاحتراس ما حكاه الله عن قول الكفار لرسلهم: { أية : إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن اللَّه يمن على من يشاء من عباده } تفسير : [إبراهيم: 10،11]. وحرصاً على إبلاغ الإرشاد إليهم بيَّن له ما يوحى إليه بقوله: {إنَّمَا إلٰهُكُم إلٰهٌ وٰحِدٌ} إعادة لِمَا أبلغهم إياه غيرَ مرة، شأنَ القائم بهدي الناس أن لا يغادر فرصة لإِبلاغهم الحق إلا انتهزها. ونظيره ما جاء في محاورة موسى وفرعون { أية : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } تفسير : [الشعراء: 23 ــــ 28]. و{أنما} مفتوحة الهمزة، وهي أخت {إنما} المكسورة وإنما تفتح همزتها إذا وقعت معمولة لما قبلها ولم تكن في الابتداء كما تفتح همزة (أنَّ) وتكسر همزة (إن) لأن إنَّمَا أو (أنَّما) مركبان من (إنَّ) أو (أَنَّ) مع (ما) الكافة الزائدة للدلالة على معنى (مَا) وَ (إلا) حتى ذهب وَهَلُ بعضهم أن (ما) التي معها هي النافية اغتراراً بأن معنى القصر إثبات الحكم للمذكور ونفيُه عما عداه مثلَ (ما) و (إلاَّ) ولا ينبغي التردد في كون أَنما المفتوحةِ الهمزة مفيدة القصرَ مثلُ أختها المكسورة الهمزة وبذلك جزم الزمخشري في تفسير سورة الأنبياء، وما رده أبو حيان عليه إنما هو مجازفة، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون } تفسير : في سورة الأنبياء (108). فقوله: {أنَّمَا إلٰهُكُمْ إلٰهٌ وَاحِدٌ} إدماج للدعوة إلى الحق في خلال الجواب حرصاً على الهدْي. وكذلك التفريع بقوله: {فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ} فإنه إتمام لذلك الإِدماج بتفريع فائدته عليه لأن إثبات أن الله إله واحد إنما يقصد منه إفراده بالعبادة ونبذُ الشرك. هذا هو الوجه في توجيه ارتباط {قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ} بقولهم: { أية : قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ } تفسير : [فصلت: 5] الخ. وموقع {أنَّمَا إلٰهُكُم إلٰهٌ واحِدٌ} أنه نائب فاعل {يُوحَىٰ إلَيَّ}، أيْ يوحَى إِليَّ معنى المصدر المنسبك من {أنَّمَا إلٰهُكُم إلٰهٌ واحِدٌ} وهو حصر صفة الله تعالى في أنه واحد، أي دون شريك. ومماثلته لهم: المماثلة في البشرية فتفيد تأكيدَ كونه بشراً. والاستقامة: كون الشيء قويماً، أي غير ذي عوج وتطلق مجازاً على كون الشيء حقاً خالصاً ليست فيه شائبة تمويه ولا باطل. وعلى كون الشخص صادقاً في معاملته أو عهده غير خالط به شيئاً من الحيلة أو الخيانة، فيقال: فلان رجل مستقيم، أي صادق الخُلُق، وإن أريد صدقه مع غيره يقال: استقام له، أي استقام لأجله، أي لأجل معاملته منه. ومنه قوله تعالى: { أية : فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } تفسير : [التوبة: 7] والاستقامة هنا بهذا المعنى، وإنما عُدّي بحرف (إلى) لأنها كثيراً ما تعاقب اللام، يقال: ذهبتُ له وذهبت إليه، والأحسن أن إيثار (إلى) هنا لتضمين (استقيموا) معنى: توجهوا، لأن التوحيد توجه، أي صرف الوجه إلى الله دون غيره، كما حكَى عن إبراهيم: { أية : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين } تفسير : [الأنعام: 79]، أو ضمّن (استقيموا) معنى: أنيبوا، أي توبوا من الشرك كما دل عليه عطف {واستغفروه}. والاستغفار: طلب العفو عما فرط من ذنب أو عصيان وهو مشتق من الغَفْر وهو الستر. والمعنى: فأخلصوا إلى الله في عبادته ولا تشركوا به غيره واسألوا منه الصفح عما فرط منكم من الشرك والعناد. {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } وعيد للمشركين بسوء الحال والشقاء في الآخرة يجوز أن يكون من جملة القول الذي أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله فهو معطوف على جملة {إنَمَّا أنَا بَشَرٌ}. ويجوز أن يكون كلاماً معترضاً من جانب الله تعالى فتكون الواو اعتراضية بين جملة {قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ} وجملة { أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ } تفسير : [فصلت: 9] أي أجبهم بقولك: أنا بشر مثلك يوحى إليّ ونحن أعتدنا لهم الويل والشقاء إن لم يقبلوا ما تدعوهم إليه، فيكون هذا إخباراً من الله تعالى. وذكر المشركين إظهار في مقام الإِضمار ويستفاد تعليق الوعيد على استمرارهم على الكفر من الإِخبار عن الويل بكونه ثابتاً للمشركين والموصوفين بالذين لا يؤتون الزكاة وبأنهم كافرون بالبعث لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعليَّة ما منه الاشتقاق، ولأن الموصول يؤذن بالإِيماء إلى وجه بناء الخبر. فأما كون الشرك وإنكارِ البعث موجِبَيْن للويل فظاهر، وأما كون عدم إيتاء الزكاة موجباً للويل فذلك لأنه حَمَّل عليهم ما قارن الإشراك وإنكار البعث من عدم الانتفاع بالأعمال التي جاء بها الإسلام، فذِكرُ ذلك هنا لتشويه كفرهم وتفظيع شركهم وكفرانهم بالبعث بأنهما يدعوانهم إلى منع الزكاة، أي إلى القسوة على الفقراء الضعفاء وإلى الشحّ بالمال وكفى بذلك تشويهاً في حكم الأخلاق وحكم العُرف فيهم لأنهم يتعيرون باللؤم، ولكنهم يبذلون المالَ في غير وجهه ويحرمون منه مستحقيه. ويعلم من هذا أن مانع الزكاة من المسلمين له حظ من الويل الذي استحقه المشركون لمنعهم الزكاة في ضمن شركهم، ولذلك رأى أبو بكر قتال مانعي الزكاة ممن لم يرتدوا عن الإسلام ومنَعوا الزكاة مع المرتدين، ووافقه جميع أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم. فــــ{الزكاة} في الآية هي الصدقة لوقوعها مفعول {يؤتون}، ولم تكن يومئذٍ زكاة مفروضة في الإسلام غير الصدقة دون تعيين نُصُبٍ ولا أصنافِ الأرزاق المزكّاةِ، وكانت الصدقة مفروضة على الجملة، ولبعض الصدقة ميقات وهي الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } تفسير : [المجادلة: 12]. وجملة {وهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كٰفِرُونَ} إما حال من ضمير {يؤتون} وإما معطوفة على الصلة. وضمير {هُمْ كٰفِرُونَ} ضمير فصل لا يفيد هنا إلا توكيد الحكم ويشبه أن يكون هنا توكيداً لفظياً لا ضميرَ فصل ومثله قوله: { أية : وهم بالآخرة هم كافرون } تفسير : في سورة يوسف (37)، وقوله: { أية : إنني أنا اللَّه } تفسير : في سورة طه (14). وتقديم {بِالآخِرَة} على متعلقه وهو {كافرون} لإِفادة الاهتمام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}. أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول للناس: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}. والقصر في قوله: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ} إضافي أي لا أقول لكم إني ملك، وإنما أنا رجل من البشر. وقوله: {مِّثْلُكُمْ} في الصفات البشرية، ولكن الله فضلني بما أوحي إليَّ من توحيده. كما قال تعالى عن الرسل في سورة إبراهيم: {أية : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [إبراهيم: 11] أي كما منَّ علينا بالوحي والرسالة. وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في آخر سورة الكهف في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [الكهف: 110] الآية. وقد أوضحنا وجه حصر ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم، في مضمون لا إله إلا الله، في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 108] في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9]. وبينا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك إنكار المشركين كون الرسل من البشر، وأنهم ينبغي أن يكونوا من الملائكة، وما رد الله عليهم به ذلك من الآيات القرآنية، أوضحنا ذلك في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [ص: 4] وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ} تفسير : [الإسراء: 94] إلى قوله: {أية : لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة، على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة، بأنهم مشركون، وأنهم كافرون بالآخرة، وقد توعدهم بالويل على شركهم وكفرهم بالآخرة، وعدم إيتائهم الزكاة، سواء قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات واجتناب المعاصي. ورجح بعضهم القول الأخير لأن سورة فصلت هذه، من القرآن النازل بمكة قبل الهجرة، وزكاة المال المعروفة إنما فرضت بعد الهجرة سنة اثنتين، كما قدمناه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [الأنعام: 141]. وعلى كل حال، فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإسلام. أعني امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من كونهم مخاطبين بذلك وأنهم يعذبون على الكفر، ويعذبون على المعاصي، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى عنهم مقرراً له: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} تفسير : [المدثر: 42ـ47]. فصرح تعالى عنهم، مقرراً له أن من الأسباب التي سلكتهم في سقر، أي أدخلتهم النار، عدم الصلاة، وعدم إطعام المسكين، وعد ذلك مع الكفر بسبب التكذيب بيوم الدين. ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} تفسير : [الحاقة: 30ـ32] ثم بين سبب ذلك فقال: {أية : إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} تفسير : [الحاقة: 33ـ36] الآية ـ إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل إنما أنا بشر مثلكم: أي لست ملكاً وإنما أنا بشر مثلكم من بني آدم. يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد: أي يوحي الله إلي بأن إلهكم أي معبودكم أيها الناس إله واحد لا ثاني له ولا أكثر. فاستقيموا إليه: يا خلاص العبادة له دون سواه. واستغفروه: أي اطلبوا منه أن يغفر لكم ذنوبكم التي كانت قبل الاستقامة وهي الشرك والمعاصي. وويل للمشركين: أي عذاب شديد سيحل بهم لإِغضابهم الرب بمضادته بآلهة باطلة. لا يؤتون الزكاة: أي زكاة أموالهم وزكاة أنفسهم بما يُطهرها من أوضار الشرك والمعاصي. لهم أجر غير ممنون: أي ثواب الآخرة وهو الجنة ونعيمها لا ينقطع بحال هو أجر غير ممنون. معنى الآيات: إنه بعد تلك المفاصلة التي قام بها المشركون حفاظا على الوثنية وجهل الجاهلية أمر تعالى رسوله أن يقول لهم إنما أنا بشر مثلكم في آدميتي لم أدَّع يوما غيرها فلم اقل إني ملك، إلا أني أفضلكم بشيء وهو أنه يوحى إليَّ من قبل ربي، والموحي به إلي هو أنما إلهكم الحق إله واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، وعليه فاخلعوا تلك الأوثان واستقيموا إليه تعالى بإخلاص العبادة والوجوه إليه، واستغفروه من آثار الذنب السابق قبل الاستقامة على الإِيمان والتوحيد وقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} يخبر تعالى أن الويل وهو مُرُّ العذاب إذ من معاني الويل أنه صديد وقيح أهل النار وما يسيل من أبدانهم وفروجهم للمشركين بربهم الذين لا يؤتون زكاة أموالهم، وهم بالآخرة هم كافرون أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء فلذا هم لا يتركون شراً ولا يفعلون خيراً إلا ما قل وندر والنادر لا حكم له. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي آمنوا بالله وعده وعيده وشرعه وعملوا الصالحات بأداء الفرائض والكثير من النوافل بعد تجنبهم الشرك والكبائر من الذنوب والمعاصي هؤلاء لهم أجر غير ممنون مقابل إيمانهم وصالح أعمالهم، والأجر هو الثواب والمراد به الجنة إذ نعيمها لا ينقطع على من ناله وفاز به بحال من الأحوال. هداية الآيات: 1- تقرير النبوة والتوحيد. 2- وجوب الاستقامة على شرع الله. 3- وجوب الاستغفار من كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً. 4- وجوب الزكاة في الأموال، ووجوب تزكية النفوس بالإِيمان وصالح الأعمال.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدٌ} (6) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ قَوْمِكَ: إِنَّنِي لَسْتُ إِلاَّ بَشَراً مِنْ جِنْسِكُمْ، وَلَسْتُ مَلَكاً، وَقَدْ اخْتَارَنِي اللهُ تَعَالَى لِيُوحِيَ إِلَيَّ رِسَالَتَهُ إِلَيكُمْ وَهُوَ يُوحِي إِلَيَّ أَنَمَا إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لا إِله إِلاَّ هُوَ، وَهُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، وَأَنَّ الأَصْنَامَ والأَوْثَانَ والحِجَارَةَ التِي تَعْبُدُونَهَا لاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا وَلاَ لِعَابِدِيهَا ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً. فَآمِنُوا بِاللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ ذُنُوبٍ وَمَعَاصٍ، وَأَخْلِصُوا لَهُ العِبَادَةَ كَمَا أَمَرَكُمْ. والوَيْلُ وَالهَلاَكُ والخَسَارُ لِمَنْ أَشْرَكَ مَعَ رَبِّهِ فِي العِبَادَةِ سِوَاهُ. فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ - تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ والعِبَادَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (قل) أي: في الرد عليهم {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ..} [فصلت: 6] يعني: لماذا تقفون مني ومن دعوتي هذا الموقف المعاند؟ لماذا تجعلون بيني وبينكم الحُجُب، وأنا واحد منكم عربي مثلكم تعرفون صِدْقي وتاريخي قبل ذلك بين ظهرانيكم. ومن رحمة الله بكم أنْ أرسلني إليكم بشراً من جنسكم، ولم يرسل إليكم مَلكاً: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم مَلَكٌ، أكنتم تقتدون به على مَلَكيته؟ إن الأسوة لا تكون من المَلَك للبشر. وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ..} [فصلت: 6] يعني: لا كبرياء ولا تعالٍ، لكن فضلني الله عنكم بأنه {يُوحَىٰ إِلَيَّ ..} [فصلت: 6] ومضمون هذا الوحي {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [فصلت: 6] وما دام يُوحى إليَّ فأنا مُبلِّغ لا ذنبَ لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم لا أمتاز عليكم إلا بما ميَّزني الله به من الوحي. لذلك نجد الحق سبحانه كثيراً ما يصحح لرسول الله ويُعدِّل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليلٌ على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك يقول تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} تفسير : [الحاقة: 44-46]. وقال: {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ ..} [فصلت: 6] ولم يقل ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أنْ يبين لهم: {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [فصلت: 6] ليس متعدداً، مرة يقول {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [فصلت: 6] وفي سورة الإخلاص قال: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] واحد يعني ليس له ثانٍ، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركّب من أشياء فهي تنفي التجزؤ. وقد اتخذ الكفارُ آلهةً متعددة ليُرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التديُّن، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد مَنْ يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد مَنْ ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبيَّن أن الإله واحد. وما دام هو إله واحد {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ..} [فصلت: 6] استقم يعني: سِرْ على حدّ الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شاباً بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته. فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئاً مريباً، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل (فقسه) وعرف قصده غير الشريف فارتدع. كذلك قوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ ..} [فصلت: 6] يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمَّى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقاً يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعاً يسمح بالميل يميناً ويساراً (أوتوستراد). فإنْ كان واسعاً فاستقم فيه أيضاً لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال: {أية : سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 108] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] ومرة قال {أية : سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 108]. فقوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ ..} [فصلت: 6] أي: بدايةً، فإنْ أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئاً {وَٱسْتَغْفِرُوهُ ..} [فصلت: 6] أي: اطلبوا منه المغفرة. {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ..} [فصلت: 6-7] لأن الاستغفار طلب مَحْو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة. ومثَّلنا لذلك بواحد يريد أنْ يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أَوْلى، الأَوْلَى دَفْع الحجر، فقال {وَٱسْتَغْفِرُوهُ ..} [فصلت: 6] ليتم لكم مسْح الذنوب، ولُتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة. كلمة {وَوَيْلٌ ..} [فصلت: 6] يعني: هلاك {لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ..} [فصلت: 6-7] وهل فُرضَتْ الزكاةُ على مشرك؟ الزكاة لم تكُنْ فُرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكُنْ الله في بالهم. لذلك حُكِي أن المطعم بن عدي كان له قِدْرٌ يطعم فيه كذا وكذا، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كنت أستظل من وهج الشمس بظل قِدْر المطعم بن عدي ". تفسير : ومثله حاتم الطائي وغيرهم من كرماء العرب، لكنه قال: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} [فصلت: 7] لأن الإنسان عادة يحب ماله، والحق سبحانه يقول: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9] لأن للإنسان مطالبَ كثيرة في الحياة. كان البيع والشراء تبادلاً عينياً. يعني: تعطيني سلعة، وأعطيك مقابلها سلعة أخرى، وقت لم يوجد النقد بَعْد تعطيني قمحاً، وأعطيك تمراً مثلاً، فكل شيء من هذه الأشياء ثمن وسلعة، فالقمح عندك سلعة، والتمر عندي ثمن. فكل واحد منا بائع ومُشْتَرٍ. لذلك قال تعالى في قصة سيدنا يوسف: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ..} تفسير : [يوسف: 21] فقال: اشتراه يعني أخذه وقال عن الآخرين: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ..} تفسير : [يوسف: 20] يعني: باعوه. إذن هذه مبادلة، كل واحد منهم بائع ومشتر في نفس الوقت. {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 7] أم أن هذه كلمة عامة، فبإِشراكهم لم يأخذوا حكم الله في الزكاة، فلم يَعُدْ فيهم خير لبيئاتهم ولا لمواطنيهم، لأن الله تعالى يريد من الإيمان أنْ ينشر الاستطراق العبودي في البشر، بأن يعين القوي الضعيف، والصحيح يعين المريض، والغني يعين الفقير، والعالِم يعين الجاهل. ولكن أهم زاوية من زوايا الحياة هي زاوية استبقاء الحياة بالقوت، والقوت يحتاج إلى المال، لذلك الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم في هذه المسألة عن المؤلَّفة قلوبهم، وهم قوم نريد أن نُرقق قلوبهم ناحية دين الله، ونجذبهم إليه ليُحسنوا التمعن والاختيار، لا أن نشتريهم للدين كما يدعي البعض. ومن الطرق إلى هذه الغاية أنْ نحسن إليهم، لذلك جعلهم الله تعالى مصرفاً من مصارف الزكاة، وأعطاهم من مال الله لانتْ قلوبهم. وحين تُحسن إلى شخص ماذا فعلتَ به؟ أولاً نفضت عنه البغض، وما دُمْتَ نفضتَ عنه البغض، فلا ينظر إليك وهو كاره لك ولا حاقد عليك، وعلى الأقل يسمع منك، وهذا ما حدث للمؤلَّفة قلوبهم. لذلك لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد جماعة من العرب عن دين الله، لماذا؟ أول شيء ارتدوا من أجله فريضة الزكاة، ومن أجلها كانت حروب الردة، لذلك سمعنا أن سجاح مدعية النبوة ومسيلمة أول ما قالوا في دعواهم قالوا: نسقط عنكم الزكاة. لينالوا بذلك الرضا عن نبوتهم المزعومة، يريدون بذلك تخفيف التكاليف التي تشق على النفس. وبعضهم قال: نسقط عنكم نصف الصلاة، وكل مُخفف لشرع الله باطل وفيه إيذاء، لأنه ينزل من منهج الله إلى منهج التخفيف، والله سبحانه حين يريد التخفيف والتيسير يأتي بالتيسير من عنده سبحانه، ومنهج الله لا يُستدرك عليه. وفي شرع الله أحكام كثيرة تدل على هذا التخفيف، كصيام المريض والمسافر، وصلاة المريض والمسافر، وغير ذلك كثير في الشرع، فالله المشرِّع لك هو الذي يحدد لك التخفيف، لا أنت، وهو سبحانه أعلم بمدى المشقة التي تحتاج إلى تخفيف الحكم. لذلك نسمع مَنْ يقول: نريد أنْ نُجدد الإسلام، نقول: سبحان الله، يا قوم اتقوا الله كيف نُجدد الإسلام؟ وكيف نستدرك على أحكام الله، ونقول: يا شيخ جدِّد ما شئتَ فلن يلبس مسلم جديدك، والعلة أن لباسَ التقوى من الخالق لا يَخْلَقُ حتى يُجدده مخلوق، أريحوا أنفسكم. لكن لماذا جعل الله تعالى من الناس الغنيَّ والفقير المحتاج؟ لماذا لم يجعلهم جميعاً في سَعَة ولا داعي للزكاة إذن؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أنْ يُشيع بين خَلْقه التراحم والتوادّ، وحين يجد الفقير الغني لا يتكبر عليه بغناه، بل يأتي إليه ويطرق عليه بابه، ويعطيه حقه في مال الله، ساعتها يحبه ويحب له الخير والمزيد ولا يحقد عليه، ولا يتمنى زوال النعمة من بين يديه. إذن: حين تعطي إنما تستل الغضب والحقد من النفوس، فتجعل مالك عُرْضة للمزيد. والحق سبحانه قادر على أنْ يجعل الناس جميعاً أغنياء، إنما الحكمة في أن يوجد الغني الفقير، وأن تتداول هذه المسألة، فقد لا يدوم للغني غِنَاه، ولا يدوم للفقير فقره، فالأحوال تتقلب، بحيث يرتبط كُل بكُلٍّ ارتباطَ محبة ومودة، والارتباط هنا ليس ارتباطَ تفضل، إنما ارتباط حاجة. إننا لو تخرَّجنا جميعاً في الجامعة، فمَنْ يكنس الشارع، ومَنْ يقود السيارة، ومَنْ يصنع لنا كذا وكذا؟ تقول: يمكن أنْ نتفق على أن يقوم كلٌّ منا بعمل في يوم محدد. نقول: نعم لكن يكون العمل هنا تفضُّلاً، والتفضل لا يلزم أحداً إنما تلزمه الحاجة، والله يريد أن ترتبط مصالح الناس بالحاجة، ولذلك تجد الرجل يعمل العمل الشاقّ، وربما فيه أذى، قد لا تتحمله أنت، وقد ترى هذا العمل حقيراً، فما الذي حمله عليه؟ حملته الحاجة، وألجأته إليه ضروريات الحياة، وأكْل العيش ومسئولية الأسرة والأولاد، وإلا ما أهان نفسه هكذا. ووالله لقد شاهدنا في بيت واحد رجلاً يعمل (صرماتي)، وأخاه يبيع العطور، وتأمل ماذا يشم كل واحد منهما. وكان سيدنا الشيخ موسى رضي الله عنه كثيراً ما يدعو ويقول: اللهم أفقر الصنَّاع وأغْنِ العلماء، وكنا نغضب من هذا الدعاء ونقول له: ماذا تقول يا سيدنا؟ كيف ذلك؟ فيقول: والله لو افتقر العلماء لزلُّوا في الفتوى، ولو اغتنى الصناع لما انتفعنا منهم بشيء. نعم رأينا فعلاً العامل إنْ كان في جيبه عشرة جنيهات قعد عن العمل حتى يصرفها. إذن: لا بدَّ من الحاجة لتُقضَى مصالح الخَلْق. الحق سبحانه وتعالى جعل استطراق المال في المجتمع أهمَّ قضية في الإسلام، لذلك جعلها من أركان الإسلام، فالحق سبحانه لم يعْفِ أحداً من أن يمدَّ يد الاستطراق الاقتصادي للغير، إنْ كان واجداً يبذل، وإنْ كان غير واجد مالاً فليجد مقالاً ينصح به مَنْ يجد. قال تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ..} تفسير : [التوبة: 91]. فإذا لم يكُنْ لديه المال ولا المقال الذي يُرقِّق به القلوب، فلا أقلَّ من أنْ يفعل ذلك في ذاته: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 92] أي في الجهاد {أية : قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 92]. وهذه هي المرحلة الثالثة: إنْ كان واجداً فليبذل، وإنْ كان غير واجد فليبذل المقال الذي يُرقِّق به قلوب الواجدين، وأخيراً إذا لم يجد هذا ولا هذا يحزن في نفسه أنه لا يجد، فنفسه تتوق للبذل لكنه لا يجد، ويصل به الوَجْد في هذه المسـألة إلى أنه يبكي ألماً وحزناً لشوقه إلى العطاء. هذا كله لاستطراق المال والاقتصاد في المجتمع الإسلامي لأنه عَصَبُ الحياة وبه تُسْتبقى الحياة، وبه يكون القوت. وقوله سبحانه: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 7] يعني: كفروا في البداية حين أشركوا بالإله الواحد، وكفروا في النهاية بالآخرة، كفروا في المنبع والمصب.

الجيلاني

تفسير : وبعدما استنكفوا عنك، واستكبروا عليك وعلى دينك وكتابك {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض اليقين والتوحيد، خالياً عن وصمة التخمين والتقليد: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي: ما أنا إلا بشر مثلكم ما أدعي الملكية لنفسي، غاية ما في الباب أنه {يُوحَىٰ إِلَيَّ} أي: يوحي ربي إليّ بمقتضى سنته السنية المستمرة في سالف الزمان {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ} الذي أظهركم من كتم العدم، وأخرجكم من فضاء الوجود {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أحد صمد فرد وتر، لا تعدد فيه بوجه من الوجوه {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} توجهوا نحوه مخلصين موحدين {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} لفرطاتكم التي صدرت عنكم بمقتضى بشريتكم؛ ليغفر لكم ما تقدم منكم من طغيان بهيميتكم. {وَ} عليكم ألاَّ تشاركوا معه سبحانه شيئاً من مظاهره ومصنوعاته؛ إذ {وَيْلٌ} عظيم وعذاب أليم معد عنده {لِّلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] المشركين له غيره، الخارجين عن مقتضى توحيده واستقلاله في ألوهيته ظلماً وزوراً. والمشركون المستكبرون عن آيات الله هم {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} المفروضة لهم من أموالهم تطهيراً لنفوسهم عن رذالة البخل، ولقلوبهم عن الميل إلى ما سوى الحق {وَ} سبب امتناعهم عن التخلية والتطهير، أنهم بمقتضى أهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة {هُمْ بِٱلآخِرَةِ} المعدة لتنقيد أعمال العباد {هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 7] منكرون جاحدون، لذلك يمتنعون عن قبول التكاليف الشرعية، وعن الامتثال للأوامر الدينية المنزلة على مقتضى الحكمة الإلهية. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق واستقلاله في الألوهية {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي: أكدوا إيمانهم بصالحات الأعمال مخلصين فيها لمجرد امتثال أمر العبودية، بلا ترقب منهم إلى ما يترتب عليها من المثوبات {لَهُمْ} عند ربهم بدل إخلاصهم {أَجْرٌ} وجزاء {غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8] أي: بلا منَّة معقبة للثقل والأذى، بل يحسن ويتفضل عليهم سبحانه من محض الرضا.