Verse. 4223 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

وَقَالُوْا قُلُوْبُنَا فِيْۗ اَكِنَّۃٍ مِّمَّا تَدْعُوْنَاۗ اِلَيْہِ وَفِيْۗ اٰذَانِنَا وَقْرٌ وَّمِنْۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ اِنَّنَا عٰمِلُوْنَ۝۵
Waqaloo quloobuna fee akinnatin mimma tadAAoona ilayhi wafee athanina waqrun wamin baynina wabaynika hijabun faiAAmal innana AAamiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» للنبي «قلوبنا في أكنَّةٍ» أغطية «مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر» ثقل «ومن بيننا وبينك حجاب» خلاف في الدين «فاعمل» على دينك «إننا عاملون» على ديننا.

5

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } للنبيّ {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } أغطية {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ } ثقل {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } خلاف في الدين {فَٱعْمَلْ } على دينك {إِنَّنَا عَٰمِلُونَ } على ديننا.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَكِنَّةٍ} أغطية، أو أوعية كالجعبة للنبل، أو في غلف لا تسمع منك {وَقْرٌ} صمم والوقر لغة: ثقل السمع والصمم ذهاب جميعه {حِجَابٌ} ستر مانع من الإجابة، أو فرقة في الأديان، أو تمثيل بالحجاب ليؤيسوه من الإجابة، أو استغشى أبو جهل على رأسه ثوباً وقال يا محمد بيننا وبينك حجاب استهزاء منه {فَاعْمَلْ} لإلهك فإنا نعمل لآلهتنا، أو اعمل في هلاكنا فإنا نعمل في هلاكك، أو اعمل بما تعلم من دينك فإنا نعمل بما نعلم من ديننا.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وقالوا قلوبنا في أكنة‏}‏ قالوا‏:‏ كالجعبة للنبل‏. وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري في حديثه من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وقالوا قلوبنا في أكنة‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أقبلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم ما يمنعكم من الإِسلام فتسودوا العرب‏؟ فقالوا‏:‏ يا محمد ما نفقه ما تقول، ولا نسمعه، وإن على قلوبنا لغلفا‏.‏ وأخذ أبو جهل ثوباً فمده فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد ‏ {‏قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب‏}. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏ أدعوكم إلى خصلتين‏.‏ أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإني رسول الله‏.‏ فلما سمعوا شهادة أن لا إله إلا الله {ولوا على أدبارهم نفوراً‏} ‏[‏الإسراء: 46‏]‏ وقالوا ‏{‏أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب}‏ ‏[‏ص: 5‏]‏ وقال بعضهم لبعض ‏{‏امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، أأنزل عليه الذكر من بيننا‏}‏ ‏[‏ص: 7‏]‏.‏ وهبط جبريل فقال‏:‏ يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول‏:‏ أليس يزعم هؤلاء أن على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر فليس يسمعون قولك‏؟‏ كيف ‏{‏وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً‏}‏ ‏[‏الإسراء: 46‏]‏ لو كان كما زعموا لم ينفروا ولكنهم كاذبون يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهية له‏"‏‏.‏ فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا محمد أعرض علينا الإسلام، فلما عرض عليهم الإِسلام أسلموا عن آخرهم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: الحمد الله، ألستم بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفاً، وقلوبكم في أكنة مما ندعوكم إليه، وفي آذانكم وقراً وأصبحتم اليوم مسلمين فقالوا‏:‏ يا رسول الله كذبنا والله بالأمس ولو كان كذلك ما اهتدينا أبداً، ولكن الله الصادق والعباد الكاذبون عليه، وهو الغني ونحن الفقراء إليه‏ "‏‏.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}[5] قال: أي في أغطية الإهمال فمالت إلى الشهوة والهوى، فلا تعقل دعوة الحق، {وَفِي آذانِنَا}[5] التي في القلوب {وَقْرٌ} [5] أي ثقل من الصمم عن الخير، فلا تسمع هواتف الحق، {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}[5] أي ستر من الهوى وجبلة الطبع، لا نراك كما يراك غيرنا.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [الآية: 5]. قال سهل: فى أغطية الإهمال فمالت إلى الشهوى والهوى ولم تسمع داعى الحق {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أى بها صمم عن الخير فلا تسمع هواتف الحق. قال بعضهم: قلوبهم فى حجاب من دعوة وأسماءهم صمّت من نداء الحق وكلّت ألسنتهم عن ذكر الحق وجعل بينهم وبين الحق حجاب الوحشة وهو الحجاب الذى لا يرفع أبدًا.

القشيري

تفسير : قالوا ذلك على الاستهانة والاستهزاء، ولو قالوه عن بصيرةٍ لكان ذلك منهم توحيداً، فمُنُوا بالمَقْتِ لِما فقدوا من تحقيق القلب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} قلوبنا فى اكنان قهريات الازليات وفى بطش جبروت العظمة القتها فى غيابات الغى وظلمات الريب وابعدتها من مشاهد تلك وما اخبرتنا من احكام العبودية وانوار الربوبية وفى اذانتا وقرا الضلالة وغشاوة الغفلة لا تسمع خطاب الخاص بفهم الخاص وسمع الخاص وبينا وبينك حجاب الشقاوة وغطاء الغباوة والغواية قال سهل اى قلوبنا فى اغطية الامهال فمالت الى الشهوة والهوى ولم يسمع داعى الحق وفى اذاننا وقراى به صمم من الخير ولا يسمع هواتف الحق وقال بعضهم قلوبهم فى حجاب من دعوة الحق واسماعهم فى صمم من نداء الحق كلمت السنتهم عن ذكر الحق وجعل بينهم وبين الحق حجاب الوحشة وهو الحجاب الذى لا يرفع ابدا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند دعوته اياهم الى الايمان والعمل بما فى القرآن {قلوبنا فى اكنة} جمع كنان وهو الغطاء الذى يكنّ فيه الشىء اى يحفظ ويستر اى فى اغطية متكاثفة {مما تدعونا اليه} اى تمنعنا من فهم ما تدعونا اليه وتورده علينا وحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه وحذف متعلق حرف الجر ايضا شبهوا قلوبهم بالشىء المحوى المحاط بالغطاء المحيط له بحيث لا يصيبه شىء من حيث تباعدها عن ادراك الحق واعتقاده. قال سعدى المفتى ورد هنا كلمة فى وفى الكهف على لان القصد هنا الى المبالغة فى عدم القبول والاكنة اذا احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف لا يمكن ان يصل اليها شىء وليست تلك المبالغة فى على والسياق فى الكهف للعظمة فيناسبه اداة الاستعلاء {وفى آذاننا وقر} اى صمم. قال فى القاموس الوقر ثقل فى الاذن او ذهاب السمع كله شبهوا اسماعهم بآذان بها صمم من حيث انها تمج الحق ولا تميل الى استماعه. وفى التأويلات النجمية {وفى آذاننا وقر} ما ينفعنا كلامك قالوه حقا وان قالوا على سبيل الاستهانة والاستهزاء لان قلوبهم فى اكنة حب الدنيا وزينتها مقفولة بقفل الشهوات والاوصاف البشرية ولو قالوا ذلك على بصيرة لكان ذلك منهم توحيدا فتعرضوا للمقت لما فقدوا من صدق القلب {ومن بيننا وبينك حجاب} ستر عظيم وغطاء غليظ يمنعنا عن التواصل والتوافق ومن للدلالة عن ان الحجاب مبتدأ من الجانبين بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة المعبر عنا بالبين ولم يبق ثمة فراغ اصلا فيكون حجابا قويا عريضا مانعا من التواصل بخلاف ما لو قيل بيننا وبينك حجاب فانه يدل على مجرد حصول الحجاب فى المسافة المتوسطة بينهم وبينه من غير دلالة على ابتدائه من الطرفين فيكون حجابا فى الجملة لا كما ذكر. شبهوا حال انفسهم مع رسول الله عليه السلام بحال شيئين بينهما حجاب عظيم يمنع من ان يصل احدهما الى الآخر ويراه ويوافقه وانما اقتصروا على ذكر هذه الاعضاء الثلاثة لان القلب محل المعرفة والسمع والبصر اقوى ما يتوسل به الى تحصيل المعارف فاذا كانت هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك اقوى ما يكون من الحجاب نعوذ بالله تعالى. قال بعضهم قلوبهم فى حجاب من دعوة الحق واسماعهم فى صمم من نداء الحق وهواتفه وجعل بينهم وبين الحق حجاب من الوحشة والابانة ولذا وقعوا فى الانكار ومنعوا من رؤية الآثار شعر : درجشم اين سياه دلان صبح كاذبست در روشنى اكريد بيضا شود كسى تفسير : {فاعمل} على دينك {اننا عاملون} على ديننا

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} اى ثقل وهو كناية عن الصّمم {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} بيننا وبينك من حيث ادّعائك للرّسالة حجاب يمنعنا عن ابصار ما تدّعيه يعنى انّ ما تدّعيه ان كان من المعقولات فلا تكن منتظراً لتعقّلنا، وان كان من المسموعات فلا تنتظر لسماعنا، وان كان من المبصرات بالبصر او بالبصيرة فلا تنتظر لابصارنا للحجاب المانع من الابصار بيننا وبينك {فَٱعْمَلْ} ما شئت فى دينك المبتدع إِنَّنَا عَامِلُونَ} فى ديننا القديم، او كان مقصودهم من ذلك تهديده يعنى فاعمل ما شئت بنا فانّنا نعمل ما قدرنا عليه بك.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُواْ} أي مشركو مكة للنبى صلى الله عليه وسلم {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} أي أغطية جمع كنان* {مِّمَّا تَدْعُونَآ} أنت* {إِلَيْهِ} فلا نفقه ما تقول. {وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} بفتح الواو وقرئ بكسرها صمم من ثقل يمنع السمع وذلك لنبوء قلوبهم عن قبول الحق واعتقاده كانها في غلف تمنع من نفوذه ومج أسماعهم له كأن بها صمماً عنه ولتباعد المذهبين والدينين؛ ما رأوا كأنهم فصلوا عنه صلى الله عليه وسلم بحاجز مانع من جبل ونحوه فلا تلاقي ولا ترائى كما قال* {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} يمنعنا عن التواصل والموافقة وهو مخالفة الدين و (من) زائدة عند ابن مالك على قاعدته في الظروف غير المتصرفة ولو في الاثبات والتعريف والحق انها هنا للابتداء وللدلالة على أن الحجاب ابتدأ منهم ومنه واتصل وسطاً ولم يبق فراغ ولولاها لم يفد الكلام الا أن {بَيْنِنَا وبَيْنِك حِجَابٌ} دون افادة اتصاله منهم اليه وانما لم يقولوا على قلوبنا أكنة فيوافق قولهم {فِي آذَانِنَا وَقْرٌ} لحصول الموافقة مع ذلك إن المعنى واحد بدليل {إنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنّة}* {فَاعْمَلْ} عمل مقتضى دينك* {إِنَّنَا} بنونين خطاً وثلاث نطقاً وقرئ (انا) بواحدة مشددة* {عَامِلُونَ} على مقتضى ديننا أو فاعمل في ابطال أمرنا اننا عاملون في ابطال أمرك

اطفيش

تفسير : {وقالُوا} حين دعاهم الى التوحيد {قلُوبُنا في أكنَّةٍ} أغطية عظيمة لا ينفذها بصر، ولا شىء، ولا يخرقها، والمفرد غطاء بالكسر، وعن مجاهد هى جعاب النبل، وهو غطاء أيضا للنبل، وذلك استعارة عن القسوة العظيمة، ووزنه أفعلة نقلت كسرة النون الأولى الى الكاف الساكنة، وأدغمت فى النون بعدها {ممَّا تدْعُونا إليْه} من الايمان بالله وحده، واتباع سائر ما يوحى، ومن للابتداء كقولك: رأيته من ذلك الجبل، تريد تحصلت لى رؤيته من الجبل الذى هو فيه، وأنا فى غيره، أو بمعنى عن، وعلى كل حال تتعلق بأكنة {وفي آذاننا وَقْر} ثقل سمع لا نسمع الأصوات، وذلك استعارة عن الاعراض التام بالقلوب. {ومِنْ بَيْننا وبيْنِك حجاب} عظيم يمنعنا من التواصل يستوعب القسمة، لأن من للابتداء من جانب كل، فينتهى كل الى الآخر، ولو لم يذكر قوله: {وبينك} وغلب التكلم على الخطاب، فكيف وقد ذكره، ولو لم يذكر من احتمل الاستيعاب وعدمه، ولو ذكر قوله: {وبينك} بالغوا فى إقناط رسول الله صلى الله عليه وسلم من ايمانهم بثلاث جمل تمثيليات، سدوا محل المعرفة وهو القلب، وما يوصل اليه المعرفة، وهو السمع والبصر الممنوع بالحجاب، والحجاب مستعار للقسوة، أو الامتناع الشديد، والكلام كنايات متعددة بدون استشعار تشبيه، أو استعارات مفردات أو استعارة تمثيلية، وكذا تجوز فى الجملتين قبل، وفى قوله: "قلوبنا في أكنة" استعلاء الأكنة على القلوب، لأن الغطاء مستعل على ما غطى به، فهو موافق لقوله تعالى: "أية : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة" تفسير : [الكهف: 57] فى الاسراء والكهف وكانت بعلى لأن الاسناد فيهما الى الله عز وجل، فناسب الاستعلاء اذ قال: {جعلنا} وهنا حكاية كلامهم فكان بفى، وزادوه اقناطا بما ذكر الله عنهم فى قوله عز وجل: {فاعْمَل} على دينك {إنَّنا عامِلونَ} على ديننا، أو اعمل جهدك فى كيدنا بابطال ديننا، إنا عاملون كذلك فى إبطال دينك، وفى هذا المعنى أيضا اقناط، الا أن فى الأول متاركة، وفى هذا مجاهرة فى العناد. والمقصود بالذات أنا عاملون وأما فاعمل فتوطئة له، قال عمر رضى الله عنه: " حديث : أقبلت قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يمنعكم من الاسلام فتسودوا العرب فقالوا: يا محمد ما نفقه ما تقول، ولا نسمعه، وأن على قلوبنا لغلفا فأخذ أبو جهل لعنه الله ثوبا فمده بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أى كالستر فقال: يا محمد قلوبنا فى أكنة مما تدعونا اليه، وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، ولما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا الى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أعرض علينا الاسلام، فلما عرض عليهم الاسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبى صلى الله عليه وسلم وقال: "الحمد لله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفاً وقلوبكم فى أكنة مما أدعوكم اليه، وفى أذانكم وقراً وأصبحتم اليوم مسلمين" فقالوا: يا رسول الله بالأمس، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدا، ولكن الله تعالى الصادق، والعباد الكاذبون عليه وهو الغنى، ونحن الفقراء اليه" تفسير : ، ولعل الحديث لم يثبت الا ان ارتدوا بعد.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } أي أغطية متكاثفة {مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من الإيمان بالله تعالى وحده وترك ما ألفينا عليه آباءنا و {مِنْ } على ما في «البحر» لابتداء الغاية {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أي صمم وأصله الثقل. وقرأ طلحة بكسر الواو وقرىء بفتح القاف {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } غليظ يمنعنا عن التواصل و(من) للدلالة على أن الحجاب مبتدأ من الجانبين بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة ولم يبق ثمت فراغ أصلاً. وتوضيحه أن البين بمعنى الوسط بالسكون وإذا قيل: بيننا وبينك حجاب صدق على حجاب كائن بينهما استوعب أولاً، وأما إذا قيل: من بيننا فيدل على أن مبتدأ الحجاب من الوسط أعني طرفه الذي يلي المتكلم فسواء أعيد {مِنْ } أو لم يعد يكون الطرف الآخر منتهى باعتبار ومبتدأ باعتبار فيكون الظاهر الاستيعاب لأن جميع الجهة أعني البين جعل مبتدأ الحجاب فالمنتهى غيره البتة، وهذا كاف في الفرق بين الصورتين كيف وقد أعيد البين لاستئناف الابتداء من تلك الجهة أيضاً إذ لو قيل: ومن بيننا بتغليب المتكلم لكفى، ثم ضرورة العطف على نحو بيني وبينك إن سلمت لا تنافي إرادة الإعادة له فتدبر. وما ذكروه من الجمل الثلاث تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأرادوا بذلك إقناطه عليه الصلاة والسلام عن اتباعهم إياه عليه الصلاة والسلام حتى لا يدعوهم إلى الصراط المستقيم. وذكر أبو حيان ((أنه لما كان القلب محل المعرفة والسمع والبصر معينان على تحصيل المعارف ذكروا أن هذه الثلاثة محجوبة عن أن يصل إليها مما يلقيه الرسول صلى الله عليه وسلم شيء)) ولم يقولوا على قلوبنا أكنة كما قالوا: {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} ليكون الكلام على نمط واحد في جعل القلوب والآذان مستقر الأكنة والوقر وإن كان أحدهما استقرار استعلاء والثاني استقرار احتواء إذ لا فرق في المعنى بين قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا أكنة والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}تفسير : [الكهف: 57] ولو قيل إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى فالمطابقة حاصلة من حيث المعنى والمطابيع من العرب لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في المعاني. واختصاص كل من العبارتين بموضعه للتفنن على أنه لما كان منسوباً إلى الله تعالى في سورة بني إسرائيل والكهف كان معنى الاستعلاء والقهر أنسب، وهٰهنا لما كان حكاية عن مقالهم كان معنى الاحتواء أقرب، كذا حققه بعض الأجلة ودغدغ فيه. وتفسير الأكنة بالأغطية هو الذي عليه جمهور المفسرين فهي جمع كنان كغطاء لفظاً ومعنى: وقيل: هي ما يجعل فيها السهام. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } قالوا كالجعبة للنبل. {فَٱعْمَلْ } على دينك وقيل في إبطال أمرنا {إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } على ديننا وقيل: في إبطال أمرك والكلام على الأول متاركة وتقنيط عن اتباعه عليه الصلاة والسلام، ومقصودهم إننا عاملون، والأول: توطئة له، وحاصل المعنى أنا لا نترك ديننا بل نثبت عليه / كما نثبت على دينك، وعلى الثاني: هو مبارزة بالخلاف والجدال، وقائل ما ذكر أبو جهل ومعه جماعة من قريش. ففي خبر أخرجه أبو سهل السري من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق عن ابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية أقبلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ما يمنعكم من الإسلام فتسودوا العرب؟ فقالوا: يا محمد ما نفقه ما تقول ولا نسمعه وإن على قلوبنا لغلفاً وأخذ أبو جهل ثوباً فمده فيما بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، وفيه فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أعرض علينا الإسلام فلما عرض عليهم الإسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبـي عليه الصلاة والسلام وقال: الحمد الله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفاً وقلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه وفي آذانكم وقرا وأصبحتم اليوم مسلمين فقالوا: يا رسول الله كذبنا والله بالأمس لو كذلك ما اهتدينا أبداً ولكن الله تعالى الصادق والعباد الكاذبون عليه وهو الغني ونحن الفقراء إليه.

ابن عاشور

تفسير : عطف {وقالوا} على { أية : فأعرض } تفسير : [فصلت: 4] أو حالٌ من { أية : أكثرهم } تفسير : [فصلت: 4] أو عطف على { أية : لا يَسْمَعُونَ } تفسير : [فصلت: 4]، أو حال من ضميره، والمعنى: أنهم أعرضوا مصرحين بقلة الاكتراث وبالانتصاب للجفاء والعداء. وهذا تفصيل للإعراض عما وُصف به القرآن من الصفات التي شأنها أن تقربهم إلى تلقيه لا أن يَبعدوا ويعرضوا وقد جاء بالتفصيل بأقوالهم التي حرمتهم من الانتفاع بالقرآن واحداً واحداً كما ستعلمه. والمراد بالقلوب: العقول، حكي بمصطلح كلامهم قولهم إذ يطلقون القلب على العقل. والأكنة: جمع كنان مثل: غطاء وأغطية وزناً ومعنى، أثبتت لقلوبهم أغطية على طريقة التخييل، وشُبهت القلوب بالأشياء المغطّاة على طريقة الاستعارة المكنية. ووجه الشبه حيلولة وصول الدعوة إلى عقولهم كما يحول الغطاء والغلاف دون تناول ما تحته. ومَا يدعوهم إليه يعم كل ما دعاهم إليه من المدلولات وأدلتها، ومنها دلالة معجزة القرآن وما تتضمنه من دلالة أمية الرسول صلى الله عليه وسلم من نحو قوله تعالى: { أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } تفسير : [العنكبوت: 48]. وجعلت القلوب في أكنة لإِفادة حرف {في} معنى إحاطة الظرف بالمظروف. وكذلك جعل الوَقر في القلوب لإِفادة تغلغله في إدراكهم. و (مِن) في قوله: {مِمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ} بمعنى (عن) مثل قوله تعالى: { أية : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللَّه } تفسير : [الزمر: 22] وقوله: { أية : قد كنا في غفلة من هذا } تفسير : [الأنبياء: 97]، والمعنى: قلوبنا في أكنة فهي بعيدة عما تدعونا إليه لا ينفذ إليها. والوَقر بفتح الواو: ثقل السمع وهو الصمم، وكأنَّ اللغة أخذته من الوِقر بكسر الواو، وهو الحِمل لأنه يثقل الدَّابة عن التحرك، فأطلقوه على عدم تحرك السمع عند قرع الصوت المسموع، وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة ففتحوا له الواو تفرقة بين الحقيقة والمجاز، كما فرقوا بين العَضّ الحقيقي وعظِّ الدهر بأن صيروا ضادهُ ظاء. وقد تقدم ذكر الأكنة والوقر في قوله: { أية : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } تفسير : في الأنعام (25) وفي سورة الإِسراء (46). والحجاب: الساتر للمرئيّ من حائط أو ثوب. أطلقوا اسم الحجاب على ما يمنع نفوسهم أن يأخذوا بالدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كراهية دينه وتجافي تقلده بجامعِ أن الحجاب يحول بين الرائي والمَرْئِيّ فلا ينظر أحدهما الآخر ولا يصل إليه، ومرادهم البراءة منه. مثل نبوّ قلوبهم عن تقبُّل الإسلام واعتقاده بحال ما هو في أكنّة، وعدمَ تأثر أسماعهم بدعوته بصَم الآذان، وعدمَ التقارب بين ما هم عليه وما هو عليه بالحجاب الممدود بينه وبينهم فلا تلاقيَ ولا ترائيَ. وقد جمعوا بين الحالات الثلاث في التمثيل للمبالغة في أنهم لا يقبلون ما يدعوهم إليه. واجتلابُ حرف {مِن} في قوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ} لتقوية معنى الحجاب بين الطرفين وتمكن لازمه الذي هو بُعد المسافة التي بين الطرفين لأن {مِن} هذه زائدة لتأكيد مضمون الجملة. وضمير {بيننا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أية : أكثرهم } تفسير : [فصلت: 4]. وعطف {وبينك} تأكيد لأن واو العطف مغنية عنه وأكثر استعمال (بين) أن يكون معطوفاً عليه مثله كقوله تعالى: { أية : قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } تفسير : [الزخرف: 38]. وقد جعل ابن مالك (من) الداخلة على (قبل) و (بعد) زائدة فيكون (بَين) مقيساً على (قبل) و (بعد) لأن الجميع ظروف. وهذا القول المحكي عنهم في القرآن بــــ {قالوا} يحتمل أن يكون القرآن حكاه عنهم بالمعنى، فجمع القرآن بإيجازه وبلاغته ما أطالوا به الجدال وأطنبوا في اللجاج، ويحتمل أنه حكاه بلفظهم فيكون مما قاله أحد بلغائهم في مجامعهم التي جمعت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر ما في سيرة ابن إسحاق، وزعم أنهم قالوه استهزاء وأن الله حكاه في سورة الكهف. ويحتمل أن يكونوا تلقفوه ممّا سمعوه في القرآن من وصف قلوبهم وسمعهم وتباعدهم كقوله: { أية : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } تفسير : في سورة الإسراء (46)، فإن سورة الإسراء معدودة في النزول قبل سورة فصلت. وكذلك قوله تعالى: { أية : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً } تفسير : في سورة الإِسراء (45) أيضاً، فجمعوا ذلك وجادلوا به الرسول. فيكون ما في هذه الآية من البلاغة قد اقتبسوه من آيات أخرى. قيل: إن قائله أبو جهل في مجمع من قريش فلذلك أسند القول إليهم جميعاً لأنهم مشائعون له. وقد جاء في حكاية أقوالهم ما فيه تفصيل ما يقابل ما ذُكر قبله من صفات القرآن وهي { أية : تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ كِتٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايٰتُهُ قُرْءَاناً عَرَبِياً } تفسير : [فصلت: 2،3]، فإن كونَه تنزيلاً من الرحمان الرحيم يستدعي تفهمه والانتفاع بما فيه، فقوبل بقولهم: {قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إليهِ} وكونَهُ فُصلت آياته يستدعي تلقّيها والاستماعَ إليها فقوبل بقولهم: {في آذاننا وقر}، أي فلا نسمع تفصيله، وكونَه قرآناً عربياً أشد إلزاماً لهم بفهمه فقوبل ذلك بما يقطع هذه الحجة وهو {من بيننا وبينك حجاب} أي فلا يصل كلامه إليهم ولا يتطرق جانبهم، فهذه تفاصيل إعراضهم عن صفات القرآن. وقولهم: {فاعْمَل إنَّنَا عٰمِلُونَ} تفريع على تأييسهم الرسول من قبولهم دعوته وجعل قولهم هذا مقابِل وصف القرآن بأنه بَشير ونذير لظهور أنه تعين كونه نذيراً لهم بعذاب عظيم لأنهم أعرضوا فحكي ما فيه تصريحهم بأنهم لا يعبأُون بنذارته فإن كان له أذى فليؤذهم به وهذا كقول فرعون: «ذَرَوني أَقتُل موسى ولْيَدْعُ ربه». وحذف مفعولا (اعمل) و{عاملون} ليعُمّ كل ما يمكن عمله كل مع الآخر ما يناسبه. والأمر في قوله: {فاعمل} مستعمل في التسوية كقول عنترة بن الأخرس المعْنِي: شعر : أَطِلْ حملَ الشَّناءة لِي وبُغضي وعِشْ ما شئتَ فانظر من تضيرُ تفسير : وكقوله تعالى: { أية : اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } تفسير : [فصلت: 40]. والخَبر في قولهم: {إنَّنَا عٰمِلُونَ} مستعمل في التهديد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}. ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار صرحوا للنبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم لا يستجيبون له ولا يؤمنون به، ولا يقبلون منه ما جاءهم به فقالوا له قلوبنا التي نعقل بها، ونفهم في أكنة، أي أغطية. والأكنة، جمع كنان، وهو الغطاء والغلاف الذي يغطي الشيء ويمنعه من الوصول إليه. ويعنون أن تلك الأغطية، مانعة لهم من فهم ما يدعوهم إليه صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن في آذانهم التي يسمعون بها وقراً أي: ثقلاً وهو الصمم. وأن ذلك الصمم مانع لهم من أن يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ومما يقول، كما قال تعالى عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26]. وأن من بينهم وبينه حجاباً، مانعاً لهم من الاتصال والاتفاق، لأن ذلك الحجاب يحجب كلا منهما عن الآخر، ويحول بينهم وبين رؤية ما يبديه صلى الله عليه وسلم من الحق. والله جل وعلا، ذكر عنهم هذا الكلام في معرض الذم، مع أنه تعالى صرح بأنه جعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وجعل بينهم وبين رسوله حجاباً، عند قراءته القرآن، قال تعالى في سورة بني إسرائيل: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الإسراء: 45ـ46]. وقال تعالى في الأنعام: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} تفسير : [الأنعام: 25] وقال تعالى في الكهف: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} تفسير : [الكهف: 57]. وهذا الإشكال الذي أشرنا إليه في هذه الآيات قوي، ووجه كونه مشكلاً ظاهر، لأنه تعالى ذمهم على دعواهم الأكنة والوقر والحجاب في هذه الآية الكريمة من فصلت، وبين في الآيات الأخرى أن ما ذمهم على ادعائه واقع بهم فعلاً، وأنه تعالى هو الذي جعله فيهم. فيقال: فكيف يذمون على قول شيء، هو حق في نفس الأمر. والتحقيق في الجواب عن هذا الإشكال، هو ما ذكرناه مراراً، من أن الله إنما جعل على قلوبهم الأكنة، وطبع عليها وختم عليها، وجعل الوقر في آذانهم، ونحو ذلك من الموانع من الهدى، بسبب أنهم بادروا إلى الكفر، وتكذيب الرسل طائعين مختارين، فجزاهم الله على ذلك الذنب الأعظم، طمس البصيرة، والعمى عن الهدى، جزاء وفاقاً. فالأكنة والوقر والحجاب المذكورة إنما جعلها الله عليهم، مجازاة لكفرهم الأول. ومن جزاء السيئة، تمادي صاحبها في الضلال، ولله الحكمة البالغة في ذلك. والآيات المصرحة بمعنى هذا كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: {أية : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155]. فقول اليهود في هذه الآية {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} كقول كفار مكة: {قُلُوبُنَا} {فِيۤ أَكِنَّةٍ} لأن الغلف، جمع أغلف وهو الذي عليه غلاف، والأكنة جمع كنان، والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر. وقد رد الله على اليهود دعواهم ببل التي هي للإضراب الإبطالي، في قوله {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155]. فالباء في قوله: بكفرهم سببية، وهي دالة على أن سبب الطبع على قلوبهم هو كفرهم، والأكنة والوقر والطبع كلها من باب واحد. وكقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون: 3]، والفاء في قوله: فطبع سببة أي ثم كفروا، فطبع على قلوبهم بسبب ذلك الكفر. وقد قدمنا مراراً أنه تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، ومن المعلوم أن العلة الشرعية سبب شرعي. وكذلك الفاء في قوله: {أية : فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون: 3] فهي سببية أيضاً، أي فطبع على قلوبهم، فهم بسبب ذلك الطبع لا يفقهون أي لا يفهمون من براهين الله وحججه شيئاً. وذلك مما يبين أن الطبع والأكنة يؤول معناهما إلى شيء واحد، وهو ما ينشأ عن كل منهما من عدم الفهم. لأنه قال في الطبع {أية : فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون: 3]. وقال في الأكنة: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} تفسير : [الأنعام: 25] أي كراهة أن يفقهوه، أو لأجل ألا يفقهوه، كما قدمنا إيضاحه. وكقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] فبين أن زيغهم الأول، كان سبباً لإزاغة الله قلوبهم، وتلك الإزاغة قد تكون بالأكنة والطبع والختم على القلوب. وكقوله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10] وقوله تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125] الآية. وإيضاح هذا الجواب: أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم {قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَاب} [فصلت: 5] يقصدون بذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون به بوجه، ولا يتبعونه بحال، ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة، والذنب الذي كان سبباً في الأكنة، والوقر والحجاب. فدعواهم كاذبة، لأن الله جعل لهم قلوباً يفهمون بها، وآذاناً يسمعون بها، خلافاً لما زعموا، ولكنه، سبب لهم الأكنة، والوقر والحجاب، بسبب مبادرتهم إلى الكفر، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا المعنى أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم: {أية : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} تفسير : [النساء: 155]. وقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة، الجواب على الإشكال المذكور فقال: فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار فقال في معرض الذم، وذكر أيضاً ما يقرب منه في معرض الذم، فقال: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِم} تفسير : [البقرة: 88] ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى التقرير والإثبات في سورة الأنعام، فقال: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الأنعام: 25] فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: إنه لم يقل ها هنا إنهم كذبوا في ذلك، إنما الذي ذمهم عليه، أنهم قالوا إنا إذاً كنا كذلك، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، وهذا الثاني باطل. أما الأول: فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. اهـ منه. والأظهر: هو ما ذكرنا. قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت:5]. فإن قلت: هل لزيادة: من في قوله: ومن بيننا وبينك حجاب فائدة؟ قلت: نعم. لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين. وأما بزيادة "مِنْ" فالمعنى: أن حجاباً ابتدأ منا وابتدأ منك. فالمسافة المتوسطة لجهتنا، وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى منه. واستحسن كلامه هذا الفخر الرازي وتعقبه ابن المنير على الزمخشري، فأوضح سقوطه والحق معه في تعقبه عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5]، وقد قدمنا تفسيره وإيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء: 45].

د. أسعد حومد

تفسير : {آذانِنَا} {عَامِلُونَ} (5) - لَقَدْ أَعْرَضَ المُشْرِكُونَ وَبَيَّنُوا ثَلاَثَةَ أَسْبَابٍ لإِعْرَاضِهِمْ: فَقَالُوا: إِنَّ قُلُوبَنَا تَلُفُّهَا أَغْطِيةٌ مُتَكَاثِفَةٌ فَلاَ يَبْلُغُهَا مَا تَدْعُونَا إِلَيهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَلاَ نَفْقَهُ مَا تَقُولُهُ أَنْتَ. وَقَالُوا: إِنَّ فِي آذَانِنَا صَمَماً يَمْنَعُهَا مِنْ سَمَاعِ مَا تَقُولُ. وَقَالُوا: هُنَاكَ سِتْرٌ (حِجَابٌ) يَمْنَعُ وُصُولَ شَيءٍ مِمَّا تَقُولُ إِلَيْنَا. فَاعْمَلْ يَا مُحَمَّدُ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ عَمَلَهُ عَلَى طَرِيقَتِكَ، وَنَحْنُ نَعْمَلُ عَلَى طَرِيقَتِنَا فَلاَ نُتَابِعُكَ فِي دَعْوَتِكَ. (وَقِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّ أَبَا جَهْلٍ اسْتَغْشَى عَلَى رَأْسِهِ ثَوْباً، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حِجَابٌ، اسْتِهْزَاءً مِنْهُ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَدَعْوَتِهِ). أَكِنَّةً - أَغْطِيةً تَمْنَعُ الفَهْمَ. وَقْرٌ - صَمَمٌ وَثِقَلٌ يَمْنَعُ السَّمَعَ. حِجَابٌ - سِتْرٌ غَلِيظٌ يَمْنَعُ التَّواصُلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {أَكِنَّةٍ ..} [فصلت: 5] يعني: أغطية جمع كنان أي: غطاء. والغطاء يغلف الشيء بحيث لا ينفذ إليه النور، وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ..} تفسير : [الكهف: 57] فالأكنة مرة من جَعْل الله ومرة منهم، فأيهما أسبق؟ أجعل الله لهم أكنة أولاً ثم أصابتهم الغفلة، أم أن إعراضهم عن دين الله هو الذي جعل الأكنة على قلوبهم؟ وقلنا: إن الإنسان إذا أَلِفَ الكفر وأَنِس به زاده الله منه وختم على قلبه، بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر. إذن: يأتي منهم الكفر أولاً، وبعد ذلك يختم الله على القلب، كذلك في مسألة الأكنة جاءتْ منهم أولاً، فزادهم الله، وجعل على قلوبهم الأكنة وزادهم مرضاً على مرض. إذن: المراد بالأكنّة أي الأغطية التي تمنعهم فَهْمَ وتدبُّرَ ما يسمعون، وما يُلقي عليهم {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ..} [فصلت: 5] وقر يعني: صَمَم يمنع السماع. وفي سورة البقرة قال: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ..} تفسير : [البقرة: 18]. ومعلوم أن البكم ينشأ عن الصمم، لأن الأصم الذي لا يسمع كيف يتكلم؟ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وهي بنت المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن شيئاً لا ينطق اللسان بشيء، فاللغة ليست جنساً، اللغة سماع ومحاكاة، بدليل أنك تأتي بالطفل الإنجليزي مثلاً في بيئة عربية ينطق العربية. والأصم عنده القدرة على الكلام، بدليل أنه ينطق ببعض الأصوات غير المفهومة كما نسمع من الأخرس مثلاً، حتى الإنسان السَّوي الفصيح لا يستطيع أنْ يتكلم بكلمة لا يعرفها من لغته هو، من أين يأتي بها؟ من السماع أولاً. ولذلك أخذنا من هذه المسألة أدلة مادية على وجود الخالق الأعلى سبحانه، نقول: أنت كيف تتكلم؟ يقول: أتكلم لأنني سمعتُ في صِغَري أبي وأمي ومَنْ حولي يتكلمون، فقلت كما يقولون، إذن: لا تنشأ لغة إلا بالسماع. وكذلك الحال في الآباء وفي الأجداد، وارْتَقِ بهذه السلسلة إلى آدم عليه السلام وقُلْ: كيف تكلم آدم وليس قبله أحدٌ يسمع منه؟ لا بُدَّ أنه سمع، سمع من مَنْ؟ سمع من الله تعالى حين علَّمه الأسماء كلها. منافذ الخواطر التي ترد الآذان، ومنافذ الخواطر التي تصدر من اللسان، ولأن هؤلاء صُمٌّ لا يسمعون لم يأخذوا شيئاً، وبالتالي لم يُخْرجوا شيئاً، لذلك قال سبحانه: {قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ ..} [فصلت: 5] يعني: أغطية تمنع عنهم الاستفادة {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ..} [فصلت: 5] يعني: صمم، ولم يأتِ هنا بذكر اللسان لماذا؟ لأنهم لن يتكلموا في الدين لأنهم لم يسمعوه، فكوْنه لم يأت بالكلام هنا دلَّ على أنهم لن يسمعوا ولن يتكلموا، تأمل هنا الدقة لأنه كلامُ ربٍّ. وقولهم: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ..} [فصلت: 5] أي: ستر غليظ يحجبك، فأنت تكون مع جليسك تُحدِّثه ويُحدِّثك، تسمعه ويسمعك، تراه ويراك، تأنس به ويأنس بك .. إلخ لكن إنْ كان بينك وبينه حجاب امتنع ذلك كله. هذا الحجاب قد يكون معنوياً، تقول: بين فلان وفلان جفوة أي: جفوة صغيرة سرعان ما تزول. لكن إنْ قلتَ: بين فلان وبين فلان جفوة، وكررتَ ظرف المكان دلَّ ذلك على أنها جفوة كبيرة ليس من السهل إزالتها. كذلك قالوا: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ..} [فصلت: 5] يعني كثيف غليظ يستر كل شيء، من هنا إلى هنا، يعني: يملأ كل ما بيننا من مسافة. قالوا: لما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم القوم، ويعرض عليهم دين الله كان أبو جهل يأخذ ثوبه ويضعه على وجهه حتى لا يرى رسول الله. وما دام أن بيننا وبينك حجاباً، فلن نتفق وكُلٌّ منا في طريق، وما دام أن لكل طريقه {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5] وهذه القضية أوضحها الحق سبحان في سورة الكافرون: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 1-6] هذه هي النتيجة الطبيعية للحجاب بينهما. بعض الناس حين يقرأون هذه السورة يظنون بها تكراراً، وهذا ليس تكراراً، بل في السورة قَطْع علاقات، وقطع العلاقات له ظرف يحكمه، ألم تر إلى الدول تقطع إحداها علاقتها بالأخرى، ثم تصفو الأجواء مرة أخرى، وتعود العلاقات أحسن مما كانت، ففرْقٌ في الدبلوماسية بين الماضي والحاضر. لكن في مسألة الكفر والإيمان الأمر مختلف فهما ضدان لا يلتقيان، مهما حدث في المستقبل. فلن تعود العلاقاتُ بينهما، لذلك قال سبحانه: {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 2-3] أي: في الزمن الحاضر الآن {أية : وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 4-5] أي: في المستقبل، فلا تظنوا أن العلاقات بيننا قد تتحسن وتعود بيننا علاقة، لا .. لا التقاء بيننا .. لا في الحاضر ولا في المستقبل. هذه هي قطع العلاقات، وما دام بيننا حجاب وحاجز، فكُلٌّ منا في طريقه (والحَمْرة في خيله يركبها). {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5] اعمل ما يروق لك، وما يأتيك من إلهك وإسلامك، ونحن نعمل على قدر آلهتنا وديننا وعبادتنا، اعمل لإلهك الذي أرسلك، ونحن نعمل لآلهتنا التي نعبدها، أو اعمل لآخرتك ونحن نعمل لدنيانا، فالمسألة من الرسول إصرار، ومنهم معاداة، إلى أن يستقيم الميسم، ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نوره. لذلك نرى تدرُّج الإسلام وانتشاره في بطء، أمر أتباعه بالهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، تدرج بهم إلى أنْ تقوى شوكتهم، بدأ ضعيفاً بالضعفاء، ثم قوي حتى دخل الأقوياء، كان منحصراً في مكة ثم اتسعتْ دائرته، وكانت تزيد كل يوم بحيث تزيد أرض الإسلام وتنقص أرض الكفر. لذلك لما رأى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص انتشار الإسلام على هذه الصورة قال خالد لعمرو: والله لقد استقام الميسم، يعني: استقام أمر هذا الدين فهيا بنا نسلم. وأخذ صناديد الكفر يعودون إلى الجادة، ويدخلون في دين الله، فهذا عكرمة بن أبي جهل الذي قاد المعركة في فتح مكة يوم الخندمة ثم أسلم وأبلى في الإسلام بلاءً حسناً، حتى مات في إحدى المعارك، وقال قبل أنْ يموت: أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله؟

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ} [الآية: 5]. يعني: كالجعبة للنبل. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الآية: 8]. قال: غير محسوب. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} [الآية: 10]. يعني: أَرزاقها. يعني المطر.