Verse. 424 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِىْۗ اُعِدَّتْ لِلْكٰفِرِيْنَ۝۱۳۱ۚ
Waittaqoo alnnara allatee oAAiddat lilkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واتقوا النار التي أعدت للكافرين» أن تعذَّبوا بها.

131

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ } أن تعذبوا بها.

ابن عبد السلام

تفسير : {النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} نار آكل الربا كنار الكفرة عملاً بالظاهر، أو نار الربا والفجرة أخف من نار الكفرة لتفاوتهم في المعاصي.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} يعني واتقوا أيها المؤمنون أن تستحلوا شيئاً مما حرم الله. فإن من استحل شيئاً مما حرم الله فهو كافر بالإجماع ويستحق النار بذلك قال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين أن يستحلوا ما حرم الله عليهم من الربا وغيره مما أوجب الله فيه النار قال بعضهم: إن هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه يجتنبوا محارمه. وقال الواحدي: في الآية تقوية لرجاء المؤمنين رحمة من الله تعالى لأنه قال أعدت للكافرين فجعلها معدة للكافرين دون المؤمنين {وأطيعوا الله} يعني فيما أمركم به أو نهاكم عنه من أكل الربا وغيره {والرسول} أي وأطيعوا الرسول أيضاً فإن طاعته طاعة الله قال محمد بن إسحاق في هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد {لعلكم ترحمون} أي لكي ترحموا وما تعذبوا إذا أطعتم الله ورسوله فإن طاعة الله مع معصية رسوله ليست بطاعة. قوله عز وجل: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} يعني وبادروا وسابقوا إلى ما يوجب المغفرة من ربكم وهي الأعمال الصالحة المأمور بفعلها قال ابن عباس: إلى الإسلام ووجهه أن الله تعالى ذكر المغفرة على سبيل التنكير والمراد منه المغفرة العظيمة وذلك لا يحصل إلاّ بسبب الإسلام لأنه يجب ما قبله وعن ابن عباس أيضاً إلى التوبة لأن التوبة من الذنوب توجب المغفرة وقال علي بن أبي طالب: إلى داء الفرائض لأن اللفظ مطلق فيعم الكل وكذا وجه من قال إلى جميع الطاعات وروي عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى يعني تكبيرة الإحرام وقيل إلى الإخلاص في الأعمال لأن المقصود من جميع العبادات هو الإخلاص وقيل إلى الهجرة وقيل إلى الجهاد {وجنة} أي وسارعوا إلى جنة وإنما فصل بين المغفرة والجنة لأن المغفرة هي إزالة العقاب والجنة هي حصول الثواب وقيل إشعار بأنه لا بد من المسارعة إلى التوبة الموجبة للمغفرة وذلك بترك المنهيات والمسارعة إلى الأعمال الصالحة المؤدية إلى الجنة {عرضها} أي عرض الجنة {السموات والأرض} يعني كعرض السموات والأرض لأن نفس السموات والأرض ليس عرضاً للجنة والمراد سعتها وإنما خص العرض للمبالغة لأن الطول في العادة يكون أكثر من العرض يقول هذه صفة عرضها فكيف بطولها، والمراد وصف الجنة بالسعة والبسط فشبهت بأوسع شيء علمه الناس وذلك أنه لو جعلت السموات والأرض طبقاً طبقاً ثم وصل البعض بالبعض حتى يكون طبقاً واحداً كان ذلك مثل عرض الجنة فأما طولها فلا يعلمه إلاّ الله تعالى. وقيل المراد بالعرض السعة كما تقول العرب بلاد عريضة أي واسعة عظيمة قال الشاعر: شعر : كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل تفسير : والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق وما ضاق عرضه دق فجعل العرض كناية عن السعة. وروي أن هرقل أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار قيل معناه والله أعلم بذلك أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب والليل في ضد ذلك الجانب فكذلك الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل. وروى طارق بن شهاب أن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنده أصحابه فقالوا: أرأيتم قولكم وجنة عرضها السموات والأرض. فأين النار؟ فقال عمر بن الخطاب أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار وإذا جاء النهار فأين يكون الليل فقالوا إنها لمثلها في التوراة ومعناه حيث يشاء الله تعالى. فإن قلت قال الله تعالى: {أية : وفي السماء رزقكم وما توعدون}تفسير : [الذاريات: 22] وأراد بالذي وعدنا به الجنة ومذهب أهل السنة أنها في السموات وإذا كانت الجنة في السموات فكيف يكون عرضها السموات والأرض قلت المراد من قولنا إنها في السموات إنها فوق السموات وتحت العرش كما سئل أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء هي أم في الأرض؟ فقال: أي أرض وسماء تسع الجنة قيل له: فأين هي؟ قال فوق السموات تحت العرش وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفردوس فقال وسقفها عرش الرحمن وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها كعرض السموات والأرض {أعدت للمتقين} أي هيئت للمتقين وفيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن. قوله عز وجل: {الذين ينفقون في السراء والضراء} يعني في العسر واليسر لا يتركون الإنفاق في كلتا الحالتين في الغنى والفقر والرخاء والشدة ولا في حال فرح وسرور ولا في حال محنة وبلاء. وسواء كان الواحد منهم في عرس أو في حبس فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس فأول ما ذكر الله من أخلاقهم الموجبة للجنة السخاء لأنه أشق على النفس. وكانت الحاجة إلى إخراج المال في ذلك الوقت أعظم الأحوال للحاجة إليه في مجاهدة الأعداء ومواساة الفقراء من المسلمين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل" تفسير : أخرجه الترمذي (ق) عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلاّ سبغت أو وفت على جلده حتى تخفي ثيابه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلاّ لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع" تفسير : الجنة الدرع من الحديد (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللّهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً" تفسير : (ق) عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تبارك وتعالى أنفق ينفق عليك" تفسير : (ق) عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزية الجنة كل خزنة باب أي قل هلم فقال أبو بكر: فقال يا رسول الله ذاك الذي لا توي عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن تكون منهم" تفسير : قوله أي فل يعني يا فلان وليس بترخيم والتوي الهلاك يعني ذاك الذي لا هلاك عليه. وقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ} يعني والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه والكظم حبس الشيء عند امتلائه وكظم الغيظ هو أن يمتلئ غيظاً فيرده في جوفه ولا يظهره بقول ولا فعل ويصبر عليه ويسكت عنه ومعنى الآية أنهم يكفون غيظهم عن الأمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم عن سهل بن معاذ عن أنس الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخبره في أي الجورشاء" تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" تفسير : وروي عن عائشة رضي الله عنها أن خادماً لها غاظها فقالت لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء {والعافين عن الناس} يعني إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذه فتكون الآية على العموم وقيل أراد بالناس المماليك لسوء أدب يقع منهم، فتكون على الخصوص وقيل يعفون عمن ظلمهم وأساء إليهم وهو قريب من القول الأول {والله يحب المحسنين} يحتمل أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويحتمل أن تكون للعهد فتكون إشارة إلى المذكورين في الآية والإحسان إلى الغير إنما يكون بإيصال النفع إليه وبدفع الضرر عنه وقيل الإحسان أن تحسن لمن أساء إليك فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة. وقيل المحسن هو الذي يعم بإحسانه كل أحد كالشمس والمطر والريح، وقيل الإحسان وقت الإمكان وليس عليك في كل وقت إحسان. وقيل الإحسان هذه الخصال المذكورة في هذه الآية فمن فعلها فهو محسن. ولما كانت هذه الخصال إحساناً إلى الغير ذكر الله ثوابها بقوله والله يحب المحسنين فإن محبة الله تعالى للعبد أعظم درجات الثواب.

البقاعي

تفسير : ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى: {واتقوا النار} أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته {التي أعدت} أي هيئت {للكافرين *} أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات، وللكافرين بالنعمة عصياناً بالعرض. ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقرباً قال اتباعاً للوعيد بالوعد: {وأطيعوا الله} ذا الجلال والإكرام {والرسول} أي الكامل في الرسلية كمالاً ليس لأحد مثله، أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص {لعلكم ترحمون *} أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره. ولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا، المراد بالنهي عنه الصرف عن مطلق الإقبال على الدنيا، المشار إلى ذمها في قوله تعالى: {أية : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين}تفسير : [آل عمران: 14]، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب، وكان ذلك قد يكون مع التواني أمر بالمسارعة فيه توصلاً إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله: {أية : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم}تفسير : [آل عمران: 125]، {أية : وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} تفسير : [آل عمران: 120] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من دعائم هذه السورة {أية : قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا}تفسير : [آل عمران: 15]، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة من الرب اللطيف بعباده، وإلى ما يبيح الجنة أعدت للمتقين الذين تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى: {أية : واتقوا الله لعلكم تفلحون} تفسير : [آل عمران: 130] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في سبيل الله في مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجهاد وغيره في السراء والضراء، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالاً يخلّ ببعض الأوامر، وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل او جراحة، والعفو عمن يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشاداً إلى أن لا يكون جهادهم إلا غضباً لله تعالى، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلاً، وبالصبر أيضاً على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره كما فعل صلى الله عليه وسلم في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد المطلب، فإنه وقف صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الذي كان أعظم أيام الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها، فهزم ظلام الكفر وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته فقال: "حديث : ما تظنون أني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيراً! أخ وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" تفسير : ، وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين أو أكل الربا أو التولي عن قتال الأعداء، وعن ظلم النفس من محبة الدنيا الموجب للإقبال على الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مما أراد الله تعالى فقال تعالى: {وسارعوا} أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من يسابق خصماً {إلى مغفرة من ربكم} أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعمل ما يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب {وجنة} أي عظيمة جداً بعمل كل ما يحصل الثواب، ثم بين عظمها بقوله: {عرضها السماوات والأرض} أي كعرضهما، فكيف بطولها، ويحتمل أن يكون كطولهما، فهي أبلغ من آية الحديد - كما يأتي لما يأتي، وعلى قراءة {سارعوا} بحذف الواو يكون التقدير: سارعوا بفعل ما تقدم، فهو في معناه، لا مغائر له. ولما وصف الجنة بين أهلها بقوله: {أعدت} أي الآن وفرغ منها {للمتقين *} وهم الذين صارت التقوى شعارهم، فاستقاموا واستمروا على الاستقامة، ثم وصف المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالاً, على وجه معرف بأسباب النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ومن معهم من المؤمنين بادئاً بما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن المال الذي هو عديل الروح فقال: {الذين ينفقون} أي مما آتاهم الله، وهو تعريض بمن أقبل على الغنيمة {في السراء والضراء} أي في مرضاة الله في حال الشدة والرخاء. ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال: {والكاظمين} أي الحابسين {الغيظ} عن أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه. ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو بقوله: {والعافين} وعمم في الحكم بقوله: {عن الناس} أي ظلمهم لهم ولو كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم. ولما كان التقدير: فإن الله يحبهم لإحسانهم عطف عليه تنويهاً بدرجة الإحسان قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المحسنين *} أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد والاستمرار. ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أناه لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلاباً لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال: {والذين إذا فعلوا} أي باشروا عن علم أوجهل فعله {فاحشة} أي من السيئات الكبار {أو ظلموا أنفسهم} أي بأي نوع كان من الذنوب، لتصير الفاحشة موعوداً بغفرانها بالخصوص وبالعموم {ذكروا الله} أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه {فاستغفروا} الله، أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها {لذنوبهم} أي فإنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب. ولما كان هذا مفهماً لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله غفرانه، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغباً في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين: {ومن يغفر الذنوب} أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها {إلا الله} أي الملك الأعلى. ولما كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون *} أي إنهم على ذنب. ولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلماً بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيراً إليهم بأداة البعد تعظيماً لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأً لا يقدر الله حق قدره -: {أولئك} أي العالو الرتبة {جزآؤهم مغفرة} أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها بقوله: {من ربهم} أي المسحن إليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال: {وجنات} أيّ جنات، ثم بين عظمها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} حال كونكم {خالدين فيها} هي أجرهم على عملهم {ونعم أجر العاملين *} هي، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم. ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل، والترهيب مما يوقع فيه، والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد، فبدأ بالسبب الأقوى، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقاً وأقوى همماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً، فقال تعالى معللاً للأمر بالمسارعة إلى المغفرة: {قد خلت} ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض، ولا في جميع الزمان، أثبت الجار فقال: {من قبلكم} اي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم {سنن} أي وقائع سنها الله في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين، وأحوال وطرائق كانت للفريقين، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين، فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد {فسيروا في الأرض} أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير، وتعتبروا من العين بالأثر، وتقرنوا بين النقل والنظر، ولما كان الرجوع عن الهفوة واجباً على الفور عقب بالفاء قوله: {فانظروا} أي نظر اعتبار، ونبه على عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم إشكاله فقال: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *}. ولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله على طريق الاستفتاح: {هذا بيان} أي يفيد إزالة الشبه {للناس} أي المصدقين والمكذبين {وهدى} أي إرشاد بالفعل {وموعظة} أي ترقيق {للمتقين*}.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: أمر العوام باتقاء النار لخوفهم منها وتركهم المعاصى من أجلها، وأمر الخواص بأن يتقوه وينظروا إليه دون غيره فقال: {أية : وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة: 197] أى: يا أهل الخصوص.

اسماعيل حقي

تفسير : {واتقوا النار التى اعدت للكافرين} بالتحرز عن متابعتهم وتعاطى ما يتعاطونه وفيه تنبيه على ان النار بالذات معدة للكفار وبالعرض للعصاة. وكان ابو حنيفة رحمه الله يقول هى اخوف آية فى القرآن حيث اوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين ان لم يتقوه فى اصناف محارمه.

الطوسي

تفسير : المعنى: فان قيل كيف قال {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} وعندكم يجوز أن يدخلها الفساق أيضاً. وعند المعتزلة كلهم يدخلها الفساق قطعاً. وهلا قال: أعدت للجميع؟ قلنا أما على ما نذهب إليه، ففائدة ذلك اعلامنا أنها أعدت للكافرين قطعاً. وذلك غير حاصل في الفساق، لأنا نجوز العفو عنهم. ومن قال أعدت للفساق قال اضيفت إلى الكافرين، لأنهم أحق بها. وإن كان الجميع يستحقونها، لأن الكفر أعظم المعاصي فاعدت النار للكافرين. ويكون غيرهم من الفساق تبعاً لهم في دخولها. فان قيل: فعلى هذا هل يجوز أن يقال: ان النار أعدت لغير الكافرين من الفاسقين؟ قلنا عن ذلك أجوبة: أحدها - قال الحسن يجوز ذلك، لأنه من الخاص الذي معه دلالة على العام، كما قال: {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم}تفسير : وليس كل من دخل النار كفر بعد إيمانه. ومثله قوله: {أية : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير}تفسير : وليس كل الكفار يقول ذلك. ومنه قوله: {أية : فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون. قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين}تفسير : وليس كل الكفار سووا الشياطين برب العالمين. والثاني - أنه لا يقال أعدت لغيرهم من الفاسقين، لأن اعدادها للكافرين من حيث كان عقابهم هو المعتمد وعقاب الآخرين له تبع، كما قال: {أية : وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} تفسير : ولا خلاف أنه يدخلها الاطفال والمجانين إلا أنهم تبع للمتقين، لأنه لولاهم لم يدخلوها. ولا يقال: إن الجنة أعدت لغير المتقين. الثالث - أن تكون هذه النار ناراً مخصوصة فيها الكفار خاصة دون الفساق وان كان هناك نار أخرى يدخلها الفساق، كما قال: {أية : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى}تفسير : وكما قال: {أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}تفسير : وهذا قول أبي علي. واستدل البلخي بهذه الآية على أن الربا كبيرة، لأن تقديره {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} ان يأكلوا الربا، فيستحقونها. والاجماع حاصل على أن الربا كبيرة، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، لأن الآية يكمن أن يقول قائل: إنها بمعنى الزجر والتحذير عن الكفر، فقط وقوله: "أعدت" فالاعداد هو تقديم عمل الشيء لغيره مما هو متأخر عنه وقد قدم فعل النار ليصلاها الكفار. والاعداد والايجاد والتهيئة والتقدمة متقاربة المعنى وقوله: {وأطيعوا الله والرسول}: أمر بالطاعة لله ورسوله. والوجه في الأمر بالطاعة لله ورسوله مع أن العقل دال عليه يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون ذلك تأكيداً لما في العقل، كما وردت نظائره، كقوله: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : {أية : ولا تدركه الأبصار}تفسير : وغير ذلك. والثاني - لاتصاله بأمر الربا الذي لا تجب الطاعة فيه إلا بالسمع، لأنه ليس مما يجب تحريمه عقلا كما يجب تحريم الظلم بالعقل، فان قيل: إذا كانت طاعة الرسول طاعة الله فما وجه التكرار؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - المقصود بها طاعة الرسول فيما دعا إليه مع القصد لطاعة الله تعالى. الثاني - ليعلم أن من أطاعه فيما دعا إليه كمن أطاع الله، فيسارع إلى ذلك بأمر الله. والطاعة موافقة الارادة الداعية إلى الفعل بطريق الرغبة، والرهبة. ولذلك صح أن يجيب الله تعالى عبده، وان لم يصح منه أن يطيعه، لأن الاجابة إنما هي موافقة الارادة مع القصد إلى موافقتها على حد ما وقعت من المريد. وقوله: {لعلكم ترحمون} يحتمل أمرين: أحدهما - لترحموا. وقد بينا لذلك نظائر. والثاني - ان معناه ينبغي للعباد أن يعملوا بطاعة الله على الرجاء للرحمة بدخول الجنة، لئلا يزلوا فيستحقوا الاحباط والعقوبة أو يوقعوها على وجه لا يستحق به الثواب، بل يستحق به العقاب. وفيها معنى الشك، لكنه للعباد دون الله تعالى. النظم: وقيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان: أحدهما - لاتصال الأمر بالطاعة بالنهي عن أكل {الربا أضعافاً مضاعفة} كأنه قال وأطيعوا الله فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وغيره لتكونوا على سبيل الهدى. الثاني - قال ابن اسحاق: انه معاتبة للذين عصوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بما أمرهم به يوم أحد: من لزوم مراكزهم، فخالفوا واشتغلوا بالغنيمة إلا طائفة منهم قُتلوا. وكان ذلك سبب هزيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

اطفيش

تفسير : {وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: المشركين والمنافقين باجتناب ما استوجبوها به، والنار معدة بالذات لكفر النعمة بالشرك، أو بما دونه من الكبائر، وهو ترك الشكر، فلم تكن لغير ذلك بالعرض، وأما الصغيرة فالإصرار عليها كبيرة، ويجوز أن يراد بالكافرين: المشركون، فدل أن النار بالذات أعدت للمشركين، وبالعرض لأصحاب الكبائر، لأن المعصية بها كالمعصية بالإشراك، لأن العاصى بها قد اتخذ هواه إلهاً عبد الشيطان، إذ دعاه فأجابه لمخالفة الله تعالى، ولو كان لا يقال له مشرك، ولا يحكم عليه بأحكام الشرك. والمراد بالنار جنس النار الآخرة، سواء قلنا عذاب المشرك دون عذاب الفاسق، كما هو المذهب، أو أكبر من عذاب الفاسق، كما هو قول غيرنا، ويحتمل أن يكون ذلك نهياً للمؤمنين، أن يستحلوا ما أحل المشركون من الربا وغيره، فيشركوا فيستحقوا نار المشركين، كما هو تفسير ابن عباس.

اطفيش

تفسير : بالتحرز عما يفعلونه من الشرك والربا وسائر المعاصى، وهم مخاطبون بفروع الشريعة، والنار المعذب بها المشركون وغيرهم واحدة بالحقيقة، ولو اختلفت بزيادة الشدة على المشركين.

الالوسي

تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } أي احترزوا عن متابعة المرابين وتعاطي ما يتعاطونه من أكل الربا المفضي إلى دخول النار {ٱلَّتِى أُعِدَّتْ } أي هيئت {لِلْكَـٰفِرِينَ } وهي الطبقة التي اشتد حرها وتضاعف عذابها وهي غير النار التي يدخلها عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها دون ذلك، وفيه إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكفرة، ويحتمل أن يقال: إن النار مطلقاً مخلوقة للكافرين معدّة لهم أوّلاً وبالذات، وغيرهم يدخلها على وجه التبع فالصفة ليست للتخصيص، وإلى هذا ذهب الجل من العلماء، روي عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله تعالى المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه وليس بنص في التخصيص.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} (131) - وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى، وَبِالابْتِعَادِ عَنْ مُتَابَعَةِ المُرَابِينَ، وَتَعَاطِي مَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ أَكْلِ الرِّبا، الذِي يُفْضِي بِهِمْ إلى دُخُولِ النَّارِ التِي أعَدَّهَا اللهُ لِلْكَافِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن ففيه مسألتان: سلبٌ لمضرّة، وإيجابُ منفعة، إنه يوجب لك منفعة الفلاح ويسلب منك مضرّة النار. ولذلك يقول تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}تفسير : [آل عمران: 185]. لأنه إذا زُحزح عن النار ولم يعد في نار ولا في جنة فهذا حسن، فما بالك إذا زُحزح عن النار وأُدخل الجنة؟ إن هذا هو الفوز الكبير، وهذا السبب في أن ربنا سبحانه وتعالى ساعة السير على الصراط سيُرينا النار ونمرُّ عليها، لماذا؟ كي نعرف كيف نجانا الإيمان من هذه، وما الوسيلة كي نفلح ونتقي النار؟ إن الوسيلة هي اتباع منهج الله الذي جاء به على لسان رسوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ...}.