٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
130
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن من الناس من قال: انه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بارشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا } وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء كلام ولا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين إلى الاقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك وفي قوله: {أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } مسألتان: المسألة الأولى: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فاذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله: {أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً }. المسألة الثانية: انتصب {أَضْعَافًا } على الحال. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. اعلم أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يتوقف عليه، فلو أكل ولم يتق زال الفلاح وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر وتفسير قوله: {لَعَلَّكُمْ } تقدم في سورة البقرة في قوله: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }تفسير : [البقرة: 21] وتمام الكلام في الربا أيضا مر في سورة البقرة. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } وفيه سؤالات: الأول: أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم وذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه، فكيف قال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ }. والجواب: تقدير الآية: اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين. السؤال الثاني: ظاهر قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } يقتضي أنها ما أعدت إلا للكافرين، وهذا يقتضي القطع بأن أحدا من المؤمنين لا يدخل النار وهو على خلاف سائر الآيات. والجواب من وجوه: الأول: أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها للكفار وبعضها للفساق فقوله: {ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } اشارة الى تلك الدركات المخصوصة التي أعدها الله للكافرين، وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى في النار أعدها الله لغير الكافرين. الثاني: أن كون النار معدة للكافرين، لا يمنع دخول المؤمنين، فيها لأنه لما كان أكثر أهل النار هم الكفار فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال: انها معدة لهم، كما أن الرجل يقول: لدابة ركبها لحاجة من الحوائح، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين، فيكون صادقا في ذلك وان كان هو قد ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا ههنا. الوجه الثالث: في الجواب: أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت على أن النار معدة للكافرين وسائر الآيات دالة أيضا على أنها معدة لمن سرق وقتل وزنى وقذف، ومثاله قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } تفسير : [الملك: 8] وليس لجميع الكفار يقال ذلك، وأيضا قال تعالى: {أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ } تفسير : [الشعرا: 94] الى قوله: {أية : إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعرا: 98] وليس هذا صفة جميعهم ولكن لما كانت هذه الشرائط مذكورة في سائر السور، كانت كالمذكورة ههنا، فكذا فيما ذكرناه والله أعلم. الوجه الرابع: ان قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } اثبات كونها معدة لهم ولا يدل على الحصر كما أن قوله: في الجنة {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 133] لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين والحور العين. الوجه الخامس: أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر، وذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي اذا علموا بانهم متى فارقوا التقوى أدخلوا النار المعدة للكافرين، وقد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكفار، كان انزجارهم عن المعاصي أتم، وهذا بمنزلة أن يخوف الوالد ولده بأنك ان عصيتني أدخلتك دار السباع، ولا يدل ذلك على أن تلك الدار لا يدخلها غيرهم فكذا ههنا. السؤال الثالث: هل تدل الآية على أن النار مخلوقة الآن أم لا؟ الجواب: نعم لأن قوله: {أُعِدَّتْ } إخبار عن الماضي فلا بد أن يكون قد دخل ذلك الشيء في الوجود. ثم قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولما ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرة في القرآن، وقال: محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد، وقالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن حصول الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا عام فيدل الظاهر على أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء أنه ليس أهلا للرحمة وذلك يدل على قول أصحاب الوعيد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بين أثناء قِصة أحدُ. قال ٱبن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئا مرويا. قلت: قال مجاهد كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في الّثَمن على أن يؤخرّوا؛ فأنزل الله عز وجل {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}. (قلت) وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [البقرة: 279] والحرب يؤذِن بالقتل؛ فكأنه يقول: إِن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقُتلتم. فأمرهم بترك الربا؛ لأنه كان معمولاً به عندهم، والله أعلم. و {أَضْعَافاً} نصب على الحال و {مُّضَاعَفَةً} نعته. وقرىء «مُضَعّفَةً» ومعناه: الربا الذي كانت العرب تُضْعف فيه الدِينْ، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تُرْبي؟ كما تقدم في «البقرة» و {مُّضَاعَفَةً} إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عامٍ كما كانوا يصنعون؛ فدلت هذه العبارة المؤكدة على شُنعة فعلهم وقُبحه؛ ولذلك ذُكرت حالة التضعيف خاصة. قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في أموال الربا فلا تأكلوها. ثم خوفهم فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} قال كثير من المفسرين: وهذا وعيد لمن ٱستحل الربا، ومن ٱستحل الربا فإنه يكْفُر (ويُكَفّر). وقيل: معناه ٱتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار؛ لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه؛ من ذلك عقوق الوالدين. وقد جاء في ذلك أثر: أن رجلا كان عاقا لوالديه يقال له عَلْقَمَة؛ فقيل له عند الموت: قل لا إله إلا الله، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه. ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا والخيانة في الأمانة. وذكر أبو بكر الورّاق عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت. ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئاً أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد. وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة رداً على الجَهْمِية؛ لأن المعدوم لا يكون مُعَداً. ثم قال: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} (يعني أطيعوا الله) في الفرائض {وَٱلرَّسُولَ} في السنن: وقيل: «أطيعُوا اللَّهَ» في تحريم الربا «والرسول» فيما بلّغكم من التحريم. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي كي يرحمكم الله. وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين، إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: { وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىۤ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: { وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} أي: كما أعدت النار للكافرين، وقد قيل: إن معنى قوله: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} تنبيهاً على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: {أية : فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}تفسير : [الرحمن: 54] أي: فما ظنك بالظهائر؟، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: «حديث : إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن»تفسير : وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الحديد: 21] الآية، وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟»تفسير : وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن أبي خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص شيخاً كبيراً قد فسد، فقال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلاً عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟»تفسير : وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب: إن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة، رواه ابن جرير من ثلاثة طرق، ثم قال: حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلاً من أهل الكتاب قال: يقولون: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} فأين النار؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: أين يكون الليل إذا جاء النهار، وأين يكون النهار إذا جاء الليل؟ وقد روي هذا مرفوعاً، فقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا المغيرة بن سلمة أبو هشام، حدثنا عبد الواحد ابن زياد عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} فأين النار؟ قال: «حديث : أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء، فأين النهار؟»تفسير : قال: حيث شاء الله، قال: «حديث : وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل»تفسير : وهذا يحتمل معنيين: (أحدهما) أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله عز وجل، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار. (الثاني) أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش، وعرضها كما قال الله عز وجل: {أية : عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحديد: 21] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض، وبين وجود النار، والله أعلم. ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً}تفسير : [البقرة: 274] والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر. وقوله تعالى: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} أي: إذا ثار بهم الغيظ، كظموه، بمعنى: كتموه، فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم. وقد ورد في بعض الآثار: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت؛ فلا أهلكك فيمن أهلك»، رواه ابن أبي حاتم، وقد قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النمري عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من كف غضبه، كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره»تفسير : وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»تفسير : وقد رواه الشيخان من حديث مالك. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله، وهو ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: «حديث : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟»تفسير : قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: «حديث : اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، ما لك من مالك إلا ما قدمت، وما لوارثك إلا ما أخرْتَ»تفسير : قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تعدون الصرعة فيكم؟»تفسير : قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: «حديث : لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب»تفسير : . قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تعدون فيكم الرقوب؟»تفسير : قلنا: الذي لا ولد له. قال: «حديث : لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً»تفسير : أخرج البخاري الفصل الأول منه، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث عن أبي حصبة، أو ابن حصبة، عن رجل شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: «حديث : أتدرون ما الرقوب؟»تفسير : قلنا: الذي لا ولد له، قال: «حديث : الرقوب، كل الرقوب الذي له ولد، فمات ولم يقدم منهم شيئاً»تفسير : قال: «حديث : أتدرون من الصعلوك؟»تفسير : قالوا: الذي ليس له مال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الصعلوك، كل الصعلوك الذي له مال، فمات ولم يقدم منه شيئاً»تفسير : قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما الصرعة؟»تفسير : قالوا: الصريع، قال: فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصرعة كل الصرعة، الذي يغضب، فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشعر شعره، فيصرع غضبه».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن الأحنف ابن قيس، عن عم له يقال له: جارية بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قل لي قولاً ينفعني، وأقلل عليّ؛ لعلي أعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تغضب»تفسير : فأعاد عليه حتى أعاد عليه مراراً، كل ذلك يقول: «حديث : لا تغضب»تفسير : ، وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به، ورواه أيضاً عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام به، أن رجلاً قال: يا رسول الله، قل لي قولاً، وأقلل عليّ؛ لعلي أعقله، فقال: «حديث : لا تغضب»تفسير : الحديث، انفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: «حديث : لا تغضب»تفسير : . قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله، انفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن ابن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان يسقي على حوض له، فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر، ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل، فأورد عليه الحوض، فدقه، وكان أبو ذر قائماً، فجلس ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لنا: «حديث : إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع»تفسير : ، ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده، إلا أنه وقع في روايته: عن أبي حرب عن أبي ذر، والصحيح: ابن أبي حرب عن أبيه عن أبي ذر، كما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا أبو وائل الصنعاني، قال: كنا جلوساً عند عروة ابن محمد، إذ دخل عليه رجل، فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب، قام، ثم عاد إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي، وقد كانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم، فليتوضأ»تفسير : . وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني، قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جَعْونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أنظر معسراً، أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة - ثلاثاً ـ ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ جوفه إيماناً»تفسير : ، انفرد به أحمد، وإسناده حسن ليس فيه مجروح، ومتنه حسن. (حديث آخر في معناه) قال أبو داود: حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا عبد الرحمن، يعني: ابن مهدي، عن بشر، يعني: ابن منصور، عن محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كظم غيظاً، وهو قادر على أن ينفذه، ملأه الله أمناً وإيماناً، ومن ترك لبس ثوب جمال، وهو يقدر عليه ـ قال بشر: أحسبه قال: تواضعاً ـ كساه الله حلة الكرامة، ومن زوّج لله، كساه الله تاج الملك».تفسير : (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سعيد، حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : من كظم غيظاً، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء»تفسير : ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد بن أبي أيوب به، وقال الترمذي: حسن غريب. (حديث آخر) ـ قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له: عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : من كظم غيظاً، وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمناً وإيماناً»تفسير : . رواه ابن جرير. (حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد عن الحسن، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله»تفسير : رواه ابن جرير، وكذا رواه ابن ماجه عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد، به، فقوله تعالى: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أي: لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل. ثم قال تعالى: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} أي: مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} فهذا من مقامات الإحسان، وفي الحديث: «حديث : ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله»تفسير : ، وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه»تفسير : ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقد أورده ابن مردويه من حديث علي وكعب بن عجرة وأبي هريرة وأم سلمة رضي الله عنهم بنحو ذلك. وروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا كان يوم القيامة، نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امريء مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة» تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} أي: إذا صدر منهم ذنب، أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام بن يحيى عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن رجلاً أذنب ذنباً، فقال: رب إني أذنبت ذنباً، فاغفره، فقال الله عز وجل: عبدي عمل ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً، فاغفره، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً، فاغفره لي، فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً، فاغفره، فقال عز الله وجل: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ماشاء»تفسير : . أخرجاه في الصحيح من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو عامر، قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين، سمع أبا هريرة، قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك، رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك، أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، فقال: «حديث : لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا، لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم»تفسير : . قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: «حديث : لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين»تفسير : . ورواه الترمذي وابن ماجه من وجه آخر من حديث سعد، به. ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة؛ لما رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر وسفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي رضي الله عنه، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره، استحلفته، فإذا حلف لي، صدقته، وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني ـ وصدق أبو بكر ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ما من رجل يذنب ذنباً، فيتوضأ فيحسن الوضوء قال مسعر: فيصلي، وقال سفيان: ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله عز وجل، إلا غفر له»تفسير : وهكذا رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة به، وقال الترمذي: هو حديث حسن، وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ ـ أو فيسبغ ـ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء»تفسير : وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنه توضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، كما دل عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} الآية، بكى. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محرز بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور عن أبي نُصَيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون»تفسير : عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان. وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني»تفسير : . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا بدر يحدث عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أذنبت فاستغفر ربك»تفسير : قال: فإني أستغفر، ثم أعود فأذنب، قال: «حديث : فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك» تفسير : فقالها في الرابعة، وقال: «حديث : استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور»تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي: لا يغفرها أحد سواه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود ابن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : عرف الحق لأهله»تفسير : وقوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب، تابوا عنه. كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني عن عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة»تفسير : ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد. وقد وثقه يحيى بن معين به، وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي، واسمه مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر؛ لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم. وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن من تاب، تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}تفسير : [التوبة: 104] وكقوله: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 110] ونظائر هذا كثيرة جداً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا جرير، حدثنا حبان، هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال، وهو على المنبر: «حديث : ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» تفسير : تفرد به أحمد. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي: جزاؤهم على هذه الصفات {مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: من أنواع المشروبات {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ} يمدح تعالى الجنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً } بألف ودونها[مضعّفة] بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بتركه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يا أيها الذين آمنوا} قيل: هو كلام مبتدأ للترهيب، والترغيب فيما ذكر؛ وقيل: هو اعتراض بين أثناء قصة أحد. وقوله: {أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقداراً يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدّين، فكانوا يفعلون ذلك مرّة بعد مرّة حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء؛ وأضعافاً حال، ومضاعفة نعت له، وفيه إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، والمبالغة في هذه العبارة تفيد تأكيد التوبيخ. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } فيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم. قال كثير من المفسرين: وفيه أنه يكفر من استحلّ الربا، وقيل: معناه: اتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان، فتستوجبون النار، وإنما خصّ الربا في هذه الآية؛ لأنه الذي توعد الله عليه بالحرب منه لفاعله. وقوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } حذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي: في كل أمر، ونهي {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي: راجين الرحمة من الله عز وجلّ. وقوله: {وَسَارِعُواْ } عطف على أطيعوا، وقرأ نافع، وابن عامر "سارعوا" بغير واو، وكذلك في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام، وقرأ الباقون بالواو. قال أبو علي: كلا الأمرين سائغ مستقيم. والمسارعة: المبادرة، وفي الآية حذف، أي: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة من الطاعات. وقوله: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلاْرْضُ} أي: عرضها، كعرض السموات، والأرض، ومثله الآية الأخرى {أية : عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ } تفسير : [الحديد: 21] وقد اختلف في معنى ذلك، فذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات، والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب، ويوصل بعضها إلى بعض، فذلك عرض الجنة، ونبه بالعرض على الطول؛ لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض، وقيل: إن هذا الكلام جاء على نهج كلام العرب من الاستعارة دون الحقيقة، وذلك أنها ما كانت الجنة من الاتساع، والانفساح في غاية قصوى، حسن التعبير عنها بعرض السموات، والأرض مبالغة؛ لأنهما أوسع مخلوقات الله سبحانه فيما يعلمه عباده، ولم يقصد بذلك التحديد. والسراء: اليسر، والضراء: العسر. وقد تقدّم تفسيرهما، وقيل السراء: الرخاء، والضراء: الشدّة، وهو مثل الأول، وقيل: السراء في الحياة، والضراء بعد الموت. قوله: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } يقال: كظم غيظه: أي: سكت عليه، ولم يظهره، ومنه كظمت السقاء: أي: ملأته. والكظامة: ما يسد به مجرى الماء، وكظم البعير جرّته: إذا ردّها في جوفه، وهو عطف على الموصول الذي قبله. قوله: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } أي: التاركين عقوبة من أذنب إليهم، واستحق المؤاخذة، وذلك من أجل ضروب الخير وظاهره العفو عن الناس سواء كانوا من المماليك أم لا. وقال الزجاج وغيره: المراد بهم المماليك. واللام في {المحسنين} يجوز أن تكون للجنس، فيدخل فيه كل محسن من هؤلاء، وغيرهم، ويجوز أن تكون للعهد، فيختص بهؤلاء، والأوّل أولى اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السياق، فيدخل تحته كل من صدر منه مسمى الإحسان، أيّ: إحسان كان. قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } هذا مبتدأ، وخبره {أُوْلَـٰئِكَ } وقيل: معطوف على المتقين. والأوّل أولى، وهؤلاء هم: صنف دون الصنف الأوّل ملحقين بهم، وهم التوّابون، وسيأتي ذكر سبب نزولها، والفاحشة وصف لموصوف محذوف، أي: فعلة فاحشة، وهي تطلق على كل معصية. وقد كثر اختصاصها بالزنا. وقوله: {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } أي: باقتراف ذنب من الذنوب، وقيل: "أو" بمعنى الواو. والمراد ما ذكر، وقيل: الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة؛ وقيل غير ذلك. قوله: {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } أي: بألسنتهم، أو أخطروه في قلوبهم، أو ذكروا وعده، ووعيده {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } أي: طلبوا المغفرة لها من الله سبحانه، وتفسيره بالتوبة خلاف معناه لغة، وفي الاستفهام بقوله: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } من الإنكار مع ما يتضمنه من الدلالة على أنه المختص بذلك سبحانه دون غيره، أي: لا يغفر جنس الذنوب أحد إلا الله، وفيه ترغيب لطلب المغفرة منه سبحانه، وتنشيط للمذنبين أن يقفوا في مواقف الخضوع، والتذلل، وهذه الجملة اعتراضية بين المعطوف، والمعطوف عليه. وقوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } عطف على فاستغفروا، أي: لم يقيموا على قبيح فعلهم. وقد تقدّم تفسير الإصرار. والمراد به هنا: العزم على معاودة الذنب، وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه. وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } جملة حالية، أي: لم يصروا على فعلهم عالمين بقبحه. قوله: {أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ } الإشارة إلى المذكورين بقوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً }. وقوله: {جَزَآؤُهُمْ } بدل اشتمال من اسم الإشارة. وقوله: {مَغْفِرَةٌ} خبر {مِنْ رَّبِّهِمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة لمغفرة، أي: كائنة من ربهم. وقوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } المخصوص بالمدح محذوف، أي: أجرهم، أو ذلك المذكور. وقد تقدّم تفسير الجنات، وكيفية جري الأنهار من تحتها. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال: كانوا يتبايعون إلى الأجل، فإذا جاء الأجل زادوا عليهم، وزادوا في الأجل، فنزلت: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عطاء؛ قال: كانت ثقيف تدين بني المغيرة في الجاهلية، وذكر نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن معاوية بن قرّة؛ قال: كان الناس يتأوّلون هذه الآية: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ }: اتقوا لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال المسلمون: يا رسول الله أبنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وَسَارِعُواْ...} الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أنس بن مالك في تفسير: {وَسَارِعُواْ } قال: التكبيرة الأولى. وأخرج ابن جرير من طريق السديّ عن ابن عباس في قوله: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأرْضُ} مثل ما ذكرناه سابقاً عن الجمهور. وأخرج نحوه عنه سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق كريب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء } يقول: في اليسر والعسر {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } يقول: كاظمين على الغيظ. وقد وردت أحاديث كثيرة. في ثواب من كظم الغيظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن النخعي في الآية: قال: الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنباً، فقرأهما، فاستغفر الله إلا غفر له {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } الآية، وقوله: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ... } تفسير : الآية [النساء: 110]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن ثابت البُنَاني؛ قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية بكى {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً...} الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاف بن خالد قال: بلغني أنه لما نزل قوله تعالى: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } صاح إبليس بجنوده، وحثا على رأسه التراب، ودعا بالويل والثبور، حتى جاءته جنوده من كل برّ، وبحر، فقالوا: مالك يا سيدنا؟ قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضرّ بعدها أحداً من بني آدم ذنب، قالوا: وما هي؟ فأخبرهم، قالوا نفتح لهم باب الأهواء، فلا يتوبون، ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي منهم بذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والحميدي، وعبد بن حميد، وأهل السنن الأربع، وحسنه النسائي، وابن حبان، والدارقطني في الإفراد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن السني، والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتطهر، ثم يصلى ركعتين، ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له،»تفسير : . ثم قرأ هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً...} الآية وأخرج البيهقي في الشعب، عن الحسن مرفوعاً نحوه، ولكنه قال: حديث : ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى. تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ } فيسكتون، ولا يستغفرون. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } قال: أجر العاملين بطاعة الله الجنة.
الماوردي
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا} يريد بالأكل الأخذ، والربا زيادة القدر مقابلة لزيادة الأجل، وهو ربا الجاهلية المتعارف بينهم بالنساء. {أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً } وهو أن يقول له بعد حلول الأجل: إما أن تَقْضِيَ وإمَّا أَنْ تُرْبِيَ، فإن لم يفعله ضاعف ذلك عليه ثم يفعل كذلك عند حلوله من بعد حتى تصير أضعافاً مضاعفة. {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ} فدل أن الربا من الكبائر التي يستحق عليها الوعيد بالنار. واختلفوا في نار آكل الربا على قولين: أحدهما: أنها كنار الكافرين من غير فرق تمسكاً بالظاهر. والثاني: أنها ونار الفجار أخف من نار الكفار، لما بينهما من تفاوت المعاصي. {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُم} أما الفاحشة ها هنا ففيها قولان: أحدهما: الكبائر من المعاصي. والثاني: الربا وهو قول جابر والسدي. {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُم} قيل المراد به الصغائر من المعاصي. {ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِم} فيه قولان: أحدهما: أنهم ذكروه بقلوبهم فلم ينسوه، ليعينهم ذكره على التوبة والاستغفار. والثاني: ذكروا الله قولاً بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فإن الله قد سهل على هذه الأمة ما شدد على بني إسرائيل، إذ كانوا إذا أذنب الواحد منهم أصبح مكتوباً على بابه من كفارة ذنبه: إجدع أنفك، إجدع أذنك ونحو ذلك، فجعل الاستغفار، وهذا قول ابن مسعود وعطاء بن أبي رباح. {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُواْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الإصرار على المعاصي، وهو قول قتادة. والثاني: أنه مواقعة المعصية إذا هم بها، وهو قول الحسن. والثالث: السكوت على المعصية وترك الاستغفار منها، وهو قول السدي. والرابع: أنه الذنب من غير توبة. {وَهُم يَعْلَمُونَ} أنهم قد أتوا معصية ولا ينسونها، وقيل: معناه وهم يعلمون الجهة في أنها معصية.
ابن عطية
تفسير : هذا النهي عن أكل الربا اعتراض أثناء قصة "أحد"، ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً، والربا الزيادة، وقد تقدم ذكر مثل هذه الآية وأحكام الربا في سورة البقرة، وقوله {أضعافاً} نصب في موضع الحال، ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ وقوله: {مضاعفة} إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضاً فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوه مختلفة من العين أو من التأخير ونحوه. و {النار} في قوله: {واتقوا النار} هي اسم الجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ثم ذكر أنها {أعدت للكافرين}، أي إنهم هم المقصود والمراد الأول، وقد يدخلها سواهم من العصاة، فشنع أمر النار بذكر الكفر، وحسن للمؤمن أن يحذرها ويبعد بطاعة الله عنها وهذا كما قال في الجنة: أعدت للمتقين، أي هم المقصود، وإن كان يدخلها غيرهم من صبي ومجنون ونحوه ممن لا يكلف ولا يوصف بتقوى، هذا مذهب أهل العلم في هذه الآية، وحكى الماوردي وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة، إذ النار سبع طبقات، العليا منها وهي جهنم للعصاة، والخمس للكفار والدرك الأسفل للمنافقين، قالوا: فأكلة الربا إنما يعذبون يوم القيامة بنار الكفرة لا بنار العصاة، وبذلك توعدوا، فالألف واللام على هذا في قوله {واتقوا النار} إنما هي للعهد. ثم أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، والطاعة هي موافقة الأمر الجاري عند المأمور مع مراد الأمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني، وقال محمد بن إسحاق إن هذه الآية من قوله تعالى: {وأطيعوا الله} هي ابتداء المعاتبة في أمر أحد، وانهزام من فر وزوال الرماة عن مراكزهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَضْعَافًا مًّضَاعَفَةً} أن يقول عند الأجل: "إما أن تعطي، وإما أن تُربي" فإن لم يعطه ضاعف عليه، ثم يفعل ذلك عند حلول أجله من بعد فيتضاعف بذلك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سارعوا} بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر. {قرح} بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة. الباقون بالفتح. الوقوف: {مضاعفة} ص لعطف المتفقتين {تفحلون} ه ج للعطف {للكافرين} ه {ترحمون} ه ومن قرأ {سارعوا} بغير واو فوقه مطلق {والأرض} ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة. {للمتقين} لا لأن الذين صفتهم. {عن الناس} ط {المحسنين} ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره {أولئك جزاؤهم} فلا وقف على {يعلمون} ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على {يعلمون} لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله. والوقف لطول الكلام على {لذنوبهم} للابتداء بالاستفهام وعلى {إلا الله} لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت {خالدين فيها} ط {العاملين} ه {سنن} لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.{المكذبين} ه {للمتقين} ه {مؤمنين} ه {مثله} ط {بين الناس} ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا {وليعلم شهداء} ط {الظالمين} لا للعطف على {ليعلم} {الكافرين} ه. التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم. وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد. وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه. كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون {واتقوا الله لعلكم تفلحون} فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه. فلو أكل ولم يتق زال الفلاح. ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين. لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك. ومثله قوله في صفة الجنة: {أعدت للمتقين} فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور. {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة. وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف {وسارعوا} معطوف على ما قبله. ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: {سارعوا} وقوله: {أطيعوا الله} كالشيء الواحد لأنهما متلازمان. وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم. ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة. وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض. وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات. وعن أبي العالية أنه الهجرة. وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد. وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا. ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب. والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين. ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر {أية : عرضها كعرض السماء} تفسير : [الحديد:21] والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره {أية : خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} تفسير : [هود:107] لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا. وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله تعالى. وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا. وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا. معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة. والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول. وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول. ونظيره {أية : بطائنها من استبرق} تفسير : [الرحمن:54] لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟ وقال القفال: العرض عبارة عن السعة. تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة. والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق. فجعل العرض كناية عن السعة. وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟ وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش. قال صلى الله عليه وسلم في صفة الفردوس "حديث : سقفها عرش الرحمن " تفسير : وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ تفسير : والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل. وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات. منها قوله: {الذين ينفقون في السراء والضراء} في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه. عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة. وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة. وقيل: في عرس أو حبس. والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن. وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه. وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين. ومنها قوله {والكاظمين الغيظ} كظم القربة إذا ملأها وشد فاها. ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" تفسير : وقال أيضاً: " حديث : ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "تفسير : ومنها قوله: {والعافين عن الناس} قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: {أية : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم}تفسير : [البقرة:280] ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم. فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم. والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" تفسير : وعن عيسى ابن مريم عليه السلام: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك {والله يحب المحسنين} يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات. ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو. فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير. فذكر ثواب المجموع بقوله: {والله يحب المحسنين} فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب. قال ابن عباس في رواية عطاء: حديث : إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت {والذين إذا فعلوا فاحشة} الآية . تفسير : وقال في رواية الكلبي: حديث : إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما. فخرج الثقفي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته. فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها. ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك. قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي. قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة. فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل عليه السلام بتوبته فتلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى قوله: {ونعم أجر العاملين} فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة في التوبةتفسير : . وعن ابن مسعود حديث : أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت/. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهمتفسير : ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار. والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح {أو ظلموا أنفسهم} أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به. وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله تعالى: {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} تفسير : [الإسراء:32] وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة. وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه. وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاستغفار {أية : واستغفر لذنبك} تفسير : [محمد:19] وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى {ذكروا الله} أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله. وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف. ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي. ونظيره {أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} تفسير : [الأعراف:201] وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء {فاستغفروا لذنوبهم} يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى. والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل. فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى {ومن يغفر الذنوب إلا الله} لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد. وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" تفسير : وعن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة"تفسير : وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" تفسير : ثم قرأ {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى قوله: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم {ولم يصروا} لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين. والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه. وأصر أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة "تفسير : وروي "حديث : لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار "تفسير : {وهم يعلمون} حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب. وأردت نفي المجيء والركوب معاً. وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار. والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع القلم عن ثلاث " تفسير : وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} وهي إشارة إلى إزالة العقاب {وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وهذه إشارة إلى إيصال الثواب {ونعم أجر العاملين} ذلك الجزاء. قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء. ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق. واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: {ولم يصروا} والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته. ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: {قد خلت من قبلكم سنن} وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة. والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي. والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين. قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب. ثم قال {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله {فسيروا في الأرض} الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم. فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً. ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: شعر : إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار تفسير : {هذا بيان} المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: {قد خلت} جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم. أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة. وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به. وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة. والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : [النحل:125] وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر. ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: {ولا تهنوا}. كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق. والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً {ولا تحزنوا} على من قتل منكم وجرح {وأنتم الأعلون} وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: {أية : والعاقبة للمتقين} تفسير : [الأعراف:128] وفي هذا تسلية لهم وبشارة. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} إما أن يكون قيداً لقوله: {وأنتم الأعلون} أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: {ولا تهنوا} أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر. قال ابن عباس: حديث : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر". فأنزل الله تعالى هذه الآيةتفسير : . وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله {وأنتم الأعلون} وقال راشد بن سعد: حديث : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهكذا تفعل برسولك؟ فنزلت تفسير : {إن يمسسكم قرح} بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد. وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز. وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم. وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة. وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة. ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر. ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره {أية : فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} تفسير : [النساء:104] وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله تعالى: {أية : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم} تفسير : [آل عمران:152] والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة {وتلك الأيام} موصوفاً وصفته مبتدأ خبره {نداولها} وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون {تلك} إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان. والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة. وقوله {نداولها} كالتفسير لما تقدمه. والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر. ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته. والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال". شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون. بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب. فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله سبحانه: {وليعلم الله الذين آمنوا} وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد. والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم. وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله. وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: {أية : ولما يعلم الله الذين جاهدوا} تفسير : [آل عمران:142] على أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله تعالى: {أية : وإذا ابتلى إبراهيم ربه} تفسير : [البقرة:124] وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره. فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله تعالى محال. فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار. وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم. وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد. وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم. وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد. وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم. ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا. ومن حكم المداولة قوله: {ويتخذ منكم شهداء} من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: {أية : لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة:143] فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد. أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة. والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء. والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً. قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم. وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة {والله لا يحب الظالمين} أي المشركين {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان:13] قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض. وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم. ومن الحكم قوله: {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان. وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء. وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار. وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها. التأويل: {لا تأكلوا الربا} ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا {أضعافاً مضاعفة} إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. {واتقوا الله} خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله {لعلكم تفلحون} عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله. ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: {واتقوا} أي بالقناعة {النار} / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله. ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان {عرضها السموات والأرض} أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين. فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها. وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية {ينفقون أموالهم في السراء} وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله {فعلوا فاحشة} هي رؤية غير الله {أوظلموا أنفسهم} بالتعليق بما سوى الله {وذكروا الله} بالنظر إليه وبرؤيته {ومن يغفر} ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار {إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا} من رؤية الوسائط والتعلق بها {وهم يعلمون} أن كل شيء ما خلا الله باطل {أولئك جزاؤهم مغفرة} أي هم مستحقون لمقامات القرب {من ربهم وجنات} من أصناف ألطافه {تجري من تحتها الأنهار} العناية {ونعم أجر العاملين} لأن نيل المقصود في بذل المجهود {قد خلت من قبلكم أمم} لهم {سنن فسيروا في الأرض} نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية {ولا تهنوا} أيها السائرون في السر إلى الله {ولا تحزنوا} على ما فاتكم من اللذات الفانية {وأنتم الأعلون} من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله {إن يمسسكم} في أثناء المجاهدات {قرح} ابتلاء وامتحان {فقد مس القوم} من الأنبياء والأولياء {قرح} محن {مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس} السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة {ويتخذ منكم شهداء} أرباب المشاهدات والمكاشفات {وليمحص الله} فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه. وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً...} الآية. قال * ع *: هذا النهْيُ عن أَكْلِ الربا اعترَضَ أثناء قِصَّة أُحُدٍ، ولا أحفَظُ سَبَباً في ذلك مرويًّا، ومعناه: الرِّبَا الذي كانت العربُ تُضعِّف فيه الدَّيْن، وقد تقدَّم الكلامُ علَىٰ ذلك في «سورة البقرة». وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ}، أي: أنهم المقصودُ، والمراد الأوَّل، وقد يدخُلُها سواهم من العُصَاة، هذا مذْهَبُ أهل العلْمِ في هذه الآية، وحكَى الماوَرْدِيُّ وغيره، عن قوم؛ أنهم ذهبوا إلى أن أَكَلَة الرِّبا، إنما توعَّدهم اللَّهُ بنارِ الكَفَرة، لا بنار العُصَاة. وقوله سبحانه: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، قال محمَّد بْنُ إسحاق: هذه الآية من قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} هي ابتداءُ المعاتبةِ فِي أمر أُحُدٍ، وٱنهزام مَنْ فَرَّ، وزوالِ الرماةِ عن مَرَاكزهم.
ابن عادل
تفسير : قال بعضهم: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين، فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد، اتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي، والترغيب والتحذير، وعلى هذا التقدير، فيكون ابتداء كلام، لا تعلُّق له بما قبله. وقال القفال: يُحتمل أن يكون متصلاً بما قبله من أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالاً جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين على الإقدام على الربا، فيجمعوا المالَ، ويُنْفِقُوه على العساكر، فيتمكنون من الانتقام منهم، فنهاهم الله عن ذلك. قوله: {أَضْعَافاً} جمع ضعف، ولما كان جمع قلة - والمقصود: الكثرة - أتبعه بما يدل على الكثرة وهو الوصف بقوله: {مُّضَاعَفَةً}. وقال أبو البقاء: {أَضْعَافاً} مصدر في موضع الحال من "الرِّبا"، تقديره: مضاعفاً، وتقدم الكلام على {أَضْعَافاً} ومفرده في البقرة. وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامر: "مضعَّفة" - مشددة العين، دون ألف. والباقون بالألف والتخفيف، وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. فصل لما كان الرجل في الجاهلية، إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، ولم يكن المديون واجداً لذلك المال فقال: زدني في المال حَتَّى أزيدَك في الأجَلِ، فربما جعله مائتين، ثم إذا حَلَّ الأجَلُ الثاني، فعل مثل ذلك، ثم إلى آجالٍ كثيرةٍ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها، فهذا هو المراد بقوله: {أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فإن اتقاء الله واجب، والفلاح يقف عليه، وهذا يدل على أن الربا من الكبائر، وقد تقدم الكلام على الربا في "البقرة". قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} في هذه الآية سؤالان. الأول: أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم؛ وذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه، فكيف قال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}؟ والجواب: أن التقدير: اتقوا أن تجحدوا تحريمَ الربا، فتصيروا كافرين. السؤال الثاني: أن ظاهر قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} يقتضي أنها ما أعدت لغيرهم، وهذا يقتضي القطع بأن أحداً من المؤمنين لا يدخل النار، وهو خلاف سائر الآيات. والجواب عليه من وجوه: أحدها: أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات، أعِدَّ بعضُها للكفار، وبعضها للفُسَّاق، فتكون هذه الآية إشارة إلى الدركات المخصوصة بالكفار، وهذا لا يَمْنَعُ ثبوت دركات أخْرَى أعِدَّت لغير الكفار. وثانيها: أن تكون النار مُعَدَّة للكافرين، ولا يمنع دخول المؤمنين فيها؛ لأن أكثر أهل النار الكفار، فذكر الأغلب، كما أن الرجل يقول: هذه الدابة أعددتَها لِلِقَاءِ المُشْرِكِينَ، ولا يمنع من ركوبها لحوائجه، ويكون صادقاً في ذلك. وثالثها: أن القرآن كالسورة الواحِدَةِ، فهذه الآية دلت على أن النار معدة للكافرين، وباقي الآيات دلَّت أيضاً على أنها معدة لمن سرق، وقتل، وزنى، وقذف، ومثله قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} تفسير : [الملك: 8]، وليس جميع الكفار قال ذلك، وقوله: {أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ}تفسير : [الشعراء: 94] إلى قوله: {أية : إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 98]، وليس هذا صفة جميعهم، لما كانت هذه الصفات مذكورة في سائر السور كانت كالمذكورة - هاهنا -. الرابع: أن قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} إثبات كونها معدة لهم، ولا يدل على الحصر، كقوله - في الجنة: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [آل عمران: 133]، ولا يدل ذلك على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين، والحور العين. وخامسها: أنَّ المقصود مِنْ وَصْفها - بكونها {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: تعظيم الزَّجْرِ؛ لأن المؤمنين مخاطبين باتقاء المعاصي، إذا علموا بأنهم متى فارقوا التقوى، دخلوا النار المعدة للكافرين، وقد تقرَّر في عقولهم عظم عقوبة الكافرين، انزجروا عن المعاصي أتَمَّ الانزجار، كما يُخوفُ الوالدُ ولدَه بأنك إن عصيتني أدخلتك دارَ السباع، ولا يدل ذلك على أن تلك الدارَ لا يدخلها غيرهم. وهذه الآية تدل على أن النار مخلوقة في الأزل؛ لأن قوله: "أعِدَّتْ" إخبار عن الماضي، فلا بد وأن يكون ذلك الشيء دخل في الوجود. قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لما ذكر الوعيد ذكر بعده الوعد - على عادته المستمرَّة في القرآن. قال محمدُ بن إسحاق بن يسار: هذه الآية معاتبة للذين عَصَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، حين أمرهم بما أمرهم يوم أُحُدٍ.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كانوا يتبايعون إلى الأجل. فإذا حل الأجل زادوا عليهم وزادوا في الأجل، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حل الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون عنا. فنزلت {لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة}. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن الرجل كان يكون له على الرجل المال، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول المطلوب: أخِّر عني وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك. فذلك {الربا أضعافاً مضاعفة} فوعظهم الله {واتقوا الله} في أمر الربا فلا تأكلوا {لعلكم تفلحون} لكي تفلحوا {واتقوا النار التي أعدَّت للكافرين} فخوف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين {وأطيعوا الله والرسول} يعني في تحريم الربا {لعلكم ترحمون} يعني لكي ترحموا فلا تعذبون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاوية بن قرة قال: كان الناس يتأولون هذه الآية {واتقوا النار التي أعدَّت للكافرين} اتقوا لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين.
القشيري
تفسير : حرَّم الربا على العِباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخَلْق وإنما هو صفة الحق سبحانه. {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: دليل الخطاب أنَّ المؤمن لا يُعذِّبُ بها، وإن عُذِّب بها مُدَّةٌ فلا يُخَلَّدُ فيها.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا} والمراد باكله اخذه وانما عبر عنه بالاكل لانه معظم ما يقصد بالاخذ ولشيوعه فى المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع {اضعافا مضاعفة} زيادات مكررة كان الرجل فى الجاهلية اذا كان له على انسان مائة درهم الى اجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال زدنى فى المال حتى ازيد فى الاجل فربما جعله مائتين ثم اذا حل الاجل الثانى فعل مثل ذلك ثم الى آجال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة اضعافها. واضعافا جمع ضعف حال من الربا اى متضاعفا ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة اتبعه بما يدل على الكثرة حيث وصفه بقوله مضاعفة وهى اسم مفعول لا مصدر وهذه الحال ليست لتقييد النهى بها حيث تنتفى الحرمة عند انتفائها بل لمراعاة ما كانوا عليه من العادة توبيخا لهم على ذلك {واتقوا الله} فيما نهيتم عنه خصوصا الربا وعمله {لعلكم تفلحون} راجين الفلاح.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} وتزيدوا فيها إذا حلَّ الأجل {أضعافاً مضاعفة}، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يَحُلُّ أجلُ دَيْنِهِ، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنُهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: {واتقوا الله} فيما نهيتكم عنه، {لعلك تفلحون} في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}، وفيه إشعار بأن النار موجودة؛ إذ لا يُعدُّ المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين. قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجراً وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. هـ. {وأطيعوا الله} فيما أمر ونهى، {والرسول} فيما شرع وسَنَّ، {لعلكم ترحمون}. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقاً له. {وسارعوا}: أي: بادروا {إلى مغفر من ربكم}؛ كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضاً إلى {جنة عرضها السماوات والأرض} لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض؛ للمباغلة في وصفها بالسعة؛ لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يُرد العَرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. {أُعِدّت} أي: هُيِّئَتْ {للمتقين}. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم. ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الجنَّةُ دَارُ الأسخياءِ"تفسير : . وقال أيضاً:"حديث : السَّخيُّ قريب ٌ مِنَ اللهِ، قَرِيبٌ من الجنَّةِ، قَرِيبٌ منَ النَّاس، بعيدً من النَّارِ، والبَخيلُ بَعيدٌ من الله، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ، مِنَّ النَّاس، قرِيبٌ مِنَ النَّارِ، ولجَاهِلٌ سَخِيٌ أحبُّ إلى اللهِ مِنَ العالمِ البَخِيل"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم:"حديث : السّخَاء شَجَرةٌ في الجنة، أغصانُها في الدُّنيا، من تعلق بَغُصنٍ من أغْصَانِها قادَته إلى الجنَّةِ، والبخْلُ شَجرةٌ في النَّارِ، أغصَانُها في الدُّنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قَادَته إلى النَّارِ ". تفسير : {والكاظمين الغيظ} أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام"حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وهُو يَقْدِرُ على إمْضَائِهِ؛ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ أمْناً وإِيمَاناً ". تفسير : وقال بعض الشعراء: شعر : وَإذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقُوراً كَاظِماً لِلْغَيْظِ، تُبْصر مَا تَقُولُ وتَسْمَعُ فَكَفَى بِهِ شَرَفاً، تَصَبُّرُ سَاعَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الإلَهُ ويَرْفَعُ تفسير : {والعافين عن الناس} أي: عمن ظلمهم، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك: "حديث : إنَّ هؤلاءِ في أُمتي قليلٌ، مَنْ عَصَمَ الله، وقد كَانُوا كثيراً في الأمم التي مَضَت"تفسير : . وعَنْ أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم ردَّ أبو بكر بعضَ الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رَدَدْتُ عليه بعضَ ما قال، فغضبتَ وقُمتَ. قال:"حديث : حين كنتَ ساكتاً كان معك مَلَكٌ يردُّ عليه، فلما تكلمتَ وقع الشيطان، فلم أكُنْ لأقعدَ في مقعدْ فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاثٌ حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ". تفسير : {والله يحب المحسنين} الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و"أل": يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم. الإشارة: كل ما يُقوي مادة الحس فهو ربا؛ لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، {وأطيعوا الله والرسول} فيما ندبكم إليه، {لعلكم ترحمون} بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، {وأطيعوا الله والرسول} فيما ندبكم إليه، {لعلكم ترحمون} بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السّوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، {والكاظمين الغيظ}؛ حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، {والعافين عن الناس}؛ لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه. وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تُغضب. هـ. ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه: شعر : لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا، حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ، لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام. تفسير : {والله يحب المحسنين} الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: (الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر). أي: يخص بلداً دون بلد. وقال سفيان الثوري: (ليس الإحسانُ أن تُحسنَ إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى مَن أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهَات). وقال السري السقطي: (الإحسان: أن تُحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان)، وأنشدوا: شعر : ليس في كلَّ ساعةٍ وأوان تَتَهَيَّأ صنائعُ الإحسان فإذا أمْكَنَتْ فبادرْ إليها حذَراً من تعذُّر الإمْكَان تفسير : وقال الورتجبي: قوله: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة...} الخ، علم الحق - سبحانه - عِلَلَ الخلق وميلهم إلى مُنى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: {ففرّوا إلى الله}، ثم أعْلَم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم"تفسير : . ولذلك دعاهم إلى المغفرة. هـ. قال في الحاشية: وقوله: (أثبت بالآية ذنب الكل)، يعني: شمول قوله: {يغفر لمن يشاء} مَنْ في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم}، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضاً، وقد يتصور في حق الملائكة الاستنادُ لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقصٌ لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علماً، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبداً سرمداً. هـ.
الطوسي
تفسير : النظم، والمعنى: لما ذكر الله تعالى أن له عذاب من يشاء، والعفو عمن يشاء، وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه لاستحقوا عليه العقاب، وعذبوا عليه، وهو الربا، والربا المنهي عنه قال عطا، ومجاهد: هو ربا الجاهلية، وهو الزيادة على أصل المال بالتأخير عن الأجل الحال. ويدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة، ووجه تحريم الربا هو المصلحة التي علمها الله تعالى. وقيل فيه وجوه على وجه التقريب: منها للفصل بينه وبين البيع. ومنها - أنه مثال العدل يدعو إليه ويحض عليه. ومنها - أنه يدعوا إلى مكارم الاخلاق بالاقراض وانظار المعسر من غير زيادة. وهذا الوجه روي عن أبي عبد الله (ع). وقوله: {أضعافاً مضاعفة} قيل في معناه ها هنا قولان: أحدهما - للمضاعفة بالتأخير أجلا بعد أجل كلما أخر عن أجل إلى غيره زيد عليه زيادة على المال. الثاني - {أضعافاً مضاعفة} أي يضاعفون في أموالكم. وقيل في تكرير تحريم الربا ها هنا مع ما تقدم في قوله: {أية : وأحل الله البيع وحرم الربا}تفسير : وغير ذلك قولان: أحدهما - للتصريح بالنهي عنه بعد الاخبار بتحريمه لما في ذلك من تصريف الخطر له وشدة التحرز منه. الثاني - لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الاضعاف المضاعفة. وقوله: {واتقوا الله} معناه اتقوا معاصيه. وقيل: اتقوا عذابه بترك معاصيه {لعلكم تفلحون}، لكي تنجحوا بادراك ما تأملونه، وتفوزوا بثواب الجنة، لأن (لعل) وان كان للشك، فان ذلك لا يجوز على الله تعالى. وقد بينا لذلك نظائر فيما مضى.
الجنابذي
تفسير : {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ابتداء كلام لابداء حكم من احكام السّياسات وانّما صدّره بالنّداء ليجبر كلفة النّهى عمّا هم عليه من الرّباء بلذّة النّداء والخطاب {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا} لا تأخذوها وقد شاع استعمال الأكل فى مطلق الاخذ والتصرّف امّا لانّ الأكل عمدة افراد التصرّف او لانّ كلّ تصرّف اكل لقوّة من القوى {أَضْعَافاً} جمع الضّعف بمعنى مثلى الشّيء {مُّضَاعَفَةً} تأكيد للتضعيف والمعنى امثال ما عيّنتموه فى المدّة الاولى او من شأنه ان يصير امثال اصل المال فى يسير زمان بتكرار الاجل وتكرار الزّيادة كما كانوا فى السّابق يربى الرّجل منهم الى اجل ثمّ يزيد فيه زيادة اخرى وهكذا حتّى يستوفى بالشّيء اليسير فى الزّمان القليل جميع مال المديون فهو نهى عن اقبح افراده او نهى عنه مطلقاً ببيان قبحه الشّأنىّ حتّى يكون علّة للنّهى وليس تقييداً للنّهى حتّى يكون بمفهوم مخالفته منافياً لما سبق فى سورة البقرة من النّهى عنه مطلقاً ضمناً ولما يأتى فى سورة النّساء من التّصريح بالنّهى عنه مطلقاً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى ارتكاب ما نهيتم عنه من الربا {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} بالتجنّب عن مثل افعالهم من اكل الربا وغيره وقد سبق وجه تحريم الربا فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا}تفسير : [البقرة: 275]، وبعد ما نهى عمّا يضرّ الانسان ويجرّه الى النّيران اغراه الى ما ينفعه ويجرّه الى الجنان فقال {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ}.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}: نهى المسلمين عما كانوا يفعلونه فى الجاهلية من بنى رباً عن رباً حتى تحصل أضعاف الدين الأول، سواء كان صاحب المال يزيد على المدين شيئاً دون رأس المال فشيئاً حتى يتم مثل رأس المال، ودام يزيد حتى تم مثله أيضاً، أو أربى أولا ولم يزد، ثم صار يزيد بمثل رأس المال، ثم بمثل ما زاد ورأس المال، ثم بمثل الموجود كله وهكذا، أو تارة بمثله أو أقل أو أكثر، ولا مفهوم لذلك لأنه صدر على واقعة كانوا يوقعونها، كأنه قيل: إن الذى تفعلونه من تكرير الربا حرام، ولا يفهم منه أن الربا الأول أو الأول والثانى حلال، فإن الربا مطلقاً حرام فى قوله تعالى {أية : وحرم الربا}.تفسير : وذكر الأضعاف هنا زيادة التقبيح، كان الرجل فى الجاهلية يبيع عرضاً أو أصلاً بمائة درهم مثلا أو يعطيه تسعين مثلا بمائة لأجل، فإن لم يجد المدينان المال، قال زدنى فى المال حتى أزيدك فى الأجل، وربما جعله مائتين ثم يحل الأجل، فلا يجد فربما جعله ثلثمائة، ثم يحل الأجل فلا يجد فيجعله أربعاً، وهكذا، وأضعافاً: حال من الربا، ومضاعفة: نعت لأضعافاً للتأكيد تقبيحاً لشأن الربا، وليس المراد أن الأضعاف تضاعف وحتى تصير أمثالها أيضاً كأنه قيل: أضعافاً اتصفت بالتضعيف الذى اتصفت هى، كما تقول: أبغضت فسق فلان الفاسق، ذكرت الفاسق تأكيداً لكراهية فسقه: ومضاعفة الاسم مفعول على ورزن المصدر كما قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: مضعفة بإسكان الضاد. {وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: اتقوا الله فى الربا، وغيره لتفوزوا، أو ذلك ترجية العباد، أعنى حملا لهم على الرجاء.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأَكُلُوا الرِّبآ} لا تتملكوه، ببيع أو شراء أو موالاة أو مؤاجرة، أو إِصداق، أو إرث، أو قبول هبة، أو صدقة، أو هدية منه، وغير ذلك، فإن النفقة منه فى الجهاد وأنواع الخير لا تقبل، بل تزيد سوءا، وإنما هو من شأن المشركين، ينتفعون به، وهم معاقبون عليه {أضْعَافاً} جمع ضعف، بمعنى مضاعف، أى مكرر،حال من الربا {مُضَاعَفَةً} أجلا بعد أجل، كلما تم أجل ولم يقض ما عليه زاد فى الدين وزبد له فى الأحل، فقد يستغرق المال القليل بذلك مالا كثيراً، أو رهنا كثيرا بالغلْق، وضعف الشىء مثله، فذلك اثنان، وضعفة أيضاً مثلاه، فهما ثلاثة، وضعفاه أيضاً أربعة، وذلك به خمسة، وعبارة بعض: تضعيف الشىء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد، وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه للتيقن، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذاً معه فيكون ضعفاً وثلاثة، وقد لا يكون فيكون اثنين، والصواب أن يقول فيكون بضعفيه ثلاثة، وذلك نهى عن واقعة، إذ كانوا يفعلون ذلك فى الجاهلية، وليس مخرجا عن التحريم للضعف الواحد أو القليل فإنه حرام أيضاً، وهذا كقولنا: اللهمَّ تقبل قليلاً من أعمالنا، واعف عن كثير من ذنوبنا، أى عن كثير: هى ذنوبنا فإنه ليس للمخلوق بالنسبة إلى عظمة الله إلا قليل من العمل الصالح، ولو اجتهد كل الاجتهاد فيطلب قبوله كله، لا بعضه، وذنوب غير المعصوم كثيرة ويطلب غفرانها كلها إلا بعضها {وَاتَّقُوا اللهَ} بترك الربا المضاعف أضعافاً وسائر المعاصى والربا المفرد {لَعَلّكمْ تُفْلِحُونَ} لتفلحوا.
الالوسي
تفسير : {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا} ابتداء كلام مشتمل على أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى ما هو الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد، ولعل إيراد النهي عن الربا بخصوصه هنا لما أن الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته الإنفاق في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة الناس إلى طرق الاكتساب ومن جملتها بل أسهلها الربا فنهوا عنه، / وقدمه على الأمر اعتناءاً به وليجىء ذلك الأمر بعد سدّ ما يخدشه، وقال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين قد اجتمعت من الربا وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام عليه كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر أيضاً ويتمكنوا من الانتقام من عدوهم، فورد النهي عن ذلك رحمة عليهم ولطفاً بهم، وقيل: إنه تعالى شأنه لما ذكر أن له التعذيب لمن يشاء والمغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه لاستحقوا عليه العقاب ـ وهو الربا ـ وخصه بالنهي لأنه كان شائعاً إذ ذاك وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة بل صرح بالنهي وساق الكلام له أولاً وبالذات إيذاناً بشدة الحظر. والمراد من الأكل الأخذ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع، وقد تقدم الكلام في الربا. {أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} حال من الربا ـ والأضعاف ـ جمع ضعف وضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال بعض المحققين: الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثنى اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف ـ على ما نقله الراغب ـ بمعنى ضعفته، وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر، والنظر فيه إلى فوق بخلاف الزوج فإن النظر فيه إلى ما دونه فإذا قيل: ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب تضعيفها، ولو قال: له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل: هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءاً على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه ثلاثة أمثاله، بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور. وهذا مغزى الفقهاء في الأقارير والوصايا، ومن البين أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثال ـ وليس مبناه العرف العامي بل الموضوع اللغوي ـ كما قال الأزهري. ومن هنا ظهر أنه لو قال: له عليَّ الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال الأخوان، ثم قال والحاصل أن تضعيف الشيء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه المتيقن، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذاً معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وهذا كله موضوع له في اللغة لا العرف، وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي بل لمراعاة الواقع، فقد روى غير واحد أنه كان الرجل يربـي إلى أجل فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند [محل] كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية فنهوا عن ذلك ونزلت الآية، وقرىء ـ مضعفة ـ بلا ألف مع تشديد العين. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي فيما نهيتم عنه ومن جملته أكل الربا {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفلحوا أو راجين الفلاح، فالجملة حينئذٍ في موضع الحال قيل: ولا يخفى أن اقتران الرجاء بالتخويف يفيد أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى حضائر القدس.
ابن عاشور
تفسير : لولا أنّ الكلام على يوم أحُد لم يكمل، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى: {قد خَلت من قبلِكُم سنن}إلى قوله: {أية : يستبشرون بنعمة من الله...}تفسير : [آل عمران: 171] الآية لقلنا إنّ قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} اقتضاب تشريع، ولكنّه متعيّن لأنْ نعتبره استطراداً في خلال الحديث عن يوم أحُد، ثمّ لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء. قال ابن عطية: ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً. وقال الفخر: من النّاس من قال: لمّا أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنَّهي فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا} فلا تعلّق لها بما قبلها. وقال القفّال: لمّا أنفق المشركون على جيوشهم أموالاً جمعوها من الربا، خيف أن يدعُو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الرّبا. وهذه مناسبة مستبعدة.وقال ابن عرفة: لمّا ذكر الله وعيد الكفار عقّبه ببيان أن الوعيد لا يخصّهم بل يتناول العصاة، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا. وهو في ضعف ما قبله، وعندي بادىء ذي بدء أن لا حاجة إلى اطّراد المناسبة، فإن مدّة نزول السورة قابلة، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك السورة، كما بيّناه في المقدّمة الثَّامنة، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قبلها فكتبت هنا ولا تكون بَينهما مناسبة إذ هو ملحق إلحاقاً بالكلام. ويتّجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النّهي عن الربا في هذه السورة بعد ما سبق من آيات سورة البقرة ـــ بما هو أوفى ممَّا في هذه السورة، فالجواب: أنّ الظاهر أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول آية ـــ سورة البقرة ـــ فكانت هذه تمهيداً لتلك، ولم يكن النّهي فيها بالغاً ما في ـــ سورة البقرة ـــ وقد روي أن آية البقرة نزلت بعد أن حَرّم الله الربا وأن ثقيفاً قالوا: كيف ننهى عن الربا، وهومثل البيع، ويكون وصف الربا بـ{أضعافاً مضاعفة} نهياً عن الربا الفاحش وسَكت عمّا دون ذلك ممّا لا يبلغ مبلغ الأضعاف، ثمّ نزلت الآية الَّتي في ـــ سورة البقرة ـــ ويحتمل أن يكون بعض المسلمين داين بعضاً بالمراباة عقب غزوة أحُد فنزل تحريم الرّبا في مدّة نزول قصّة تلك الغزوة. وتقدّم الكلام على معنى أكل الرّبا، وعلى معنى الربا، ووجه تحريمه، ـــ في سورة البقرة ـــ. وقوله: {أضعافاً مضاعفة} حال من {الرّبا} والأضعاف جمع ضعف ـــ بكسر الضّاد ـــ وهو معادل الشيء في المقدار إذا كان الشيء ومماثله متلازمين، لا تقول: عندي ضعف درهمك، إذ ليس الأصل عندك، بل يحسن أن تقول: عندي درهمان، وإنَّما تقول: عندي درهم وضعفه، إذا كان أصل الدرهم عندك، وتقول: لك درهم وضِعفه، إذا فعلت كذا. والضعف يطلق على الواحد إذا كان غير معرّف بأل نحو ضِعفُه، فإذا أريد الجمع جيء به بصيغة الجَمع كما هنا، وإذا عُرف الضعف بأل صحّ اعتبار العهد واعتبارالجنس، كقوله تعالى: {أية : فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا}تفسير : [سبأ: 37] فإن الجزاء أضعاف، كما جاء في الحديث إلى سبعمائة ضعف. وقوله: {مضاعفة} صفة للأضعاف أي هي أضعاف يدخلها التَّضعيف، وذلك أنّهم كانوا إذا دَاينوا أحداً إلى أجل داينوه بزيادة، ومتى أعسر عند الأجل أو رام التأخير زاد مثل تلك الزيادة، فيصير الضِعف ضعفاً، ويزيد، وهكذا، فيصدق بصورة أن يجعلوا الدّين مضاعفاً بمثله إلى الأجل، وإذا ازداد أجلاً ثانياً زاد مثل جميع ذلك، فالأضعاف من أوّل التداين للأجل الأوّل، ومضاعفتها في الآجال الموالية، ويصدُق بأن يداينوا بمراباة دون مقدار الدّين ثُمّ تزيد بزيادة الآجال، حتَّى يصير الدّين أضعافاً، وتصير الأضعاف أضعافاً، فإن كان الأوّل فالحال واردة لحكاية الواقع فلا تفيد مفهوماً: لأنّ شرط استفادة المفهوم من القيود أن لا يكون القيد الملفوظ به جرَى لحكاية الواقع، وإن كان الثَّاني فالحال واردة لقصد التشنيع وإراءة هذه العاقبة الفاسدة. وإذ قد كان غالب المدينين تستمرّ حاجتهم آجالاً طويلة، كان الوقوع في هذه العاقبة مطرّداً، وحينئذ فالحال لا تفيد مفهوماً كذلك إذ ليس القصد منها التقييدَ بل التشنيعَ، فلا يقتصر التَّحريم بهذه الآية على الربا البالغ أضعافاً كثيرة، حتَّى يقول قائل: إذا كان الرّبا أقلّ من ضعف رأس المال فليس بمحرّم. فليس هذا الحال هو مصبّ النَّهي عن أكل الربا حتَّى يَتَوهَّم متوهّم أنَّه إن كان دون الضعف لم يكن حرَاماً. ويظهر أنَّها أوّل آية نزلت في تحريم الربا، وجاءت بعدها آية البقرة، لأن صيغة هذه الآية تناسب ابتداء التشريع، وصيغة آية البقرة تدلّ على أن الحكم قد تقرّر، ولذلك ذكر في تلك الآية عذابُ المستمرّ على أكل الرّبا. وذُكر غرور من ظنّ الرّبا مثل البيع، وقيل فيها {أية : فمن جاءه موعظة من ربِّه فانتهى فله ما سلف}تفسير : [البقرة: 275] الآية، كما ذكرناه آنفاً، فمفهوم القيد معطَّل على كُلّ حال. وحكمة تحريم الرّبا هي قصد الشَّريعة حملَ الأمَّة على مواساة غنيِّها محتاجَها احْتياجاً عارضاً موقّتاً بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصّدقة والسلفِ، فإن انتدب لها المكلّف حرّم عليه طلب عوض عنها، وكذلك المعروف كُلّه، وذلك أن العادة الماضية في الأمم، وخاصّة العرب، أنّ المرء لا يتداين إلاّ لضرورة حياته، فلذلك كان حقّ الأمَّة مواساته. والمواساة يظهر أنَّها فرض كفاية على القادرين عليها، فهو غير الَّذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعيْن والمتقارضين: للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلاّ أن الشرع ميّز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية، لا باختلاف أحوال المتعاقدين، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الرّبا في السلف، ولو كان المستسلف غير محتاج، بل كان طالبَ سعة وإثراءٍ بتحريك المال الَّذي يتسلّفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك، وسمَح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتِّجارة ودين السَّلَم، ولو كان الرّبح في ذلك أكثر من مقدار الرّبا تفرقة بين المواهي الشرعية. ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا البعدَ بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الرّبا، ولو كان قليلاً، مع تجويز الربح من التِّجارة والشركات، ولو كان كثيراً تحقيقاً لهذا المقصد. ولقد قضى المسلمون قروناً طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالرّبا، ولم تكن ثروتهم أيّامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم، أزمان كانت سيادة العالم بيدهم، أو أزمان كانوا مستقلّين بإدارة شؤونهم، فلمَّا صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية، وارتبط المسلمون بغيرهم في التِّجارة والمعاملة، وانتظمت سوق الثَّروة العالمية على قواعد القوانين الَّتي لا تتحاشى المراباة في المعاملات، ولا تعْرف أساليب مواساة المسلمين، دهش المسلمون، وهم اليوم يتساءلون، وتحريم الربا في الآية صريح، وليس لما حرّمه الله مبيح. ولا مخلص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تُبنى على أصول الشريعة في المصارف، والبيوع، وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمّال. وحوالات الديون ومقاصّتها وبيعها. وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كلّ فرقة كما أمر الله تعالى. وقد تقدّم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى: {أية : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس }تفسير : الآيات الخمس من سورة [البقرة:275]. وقوله: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} تحذير وتنفير من النَّار وما يوقع فيها، بأنَّها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين. عَدل من الله تعالى وحكمة لأنّ ترتّب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة، ومَن أشركوا بالله مخلوقاته، فقد استحقّوا الحرمان من رحماته، والمسلمون لا يرضَون بمشاركة الكافرين لأنّ الإسلام الحقّ يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر. وذاك تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا. ومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله: {أية : وجنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين}تفسير : [آل عمران: 133]، والتَّقوى أعلى درجات الإيمان. وتعريف النار بهذه الصّلة يُشعر بأنَّه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنَّار بما في القرآن من نحو قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}تفسير : [التحريم: 6]، وقوله: {أية : وبرزت الجحيم للغاوين}تفسير : [الشعراء: 91] الآية.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا...} الآية. هو أنَّهم كانوا يزيدون على المال ويؤخِّرون الأجل، كلَّما أُخرِّ أجلٌ إلى غيره زِيد في المال زيادةٌ {لعلكم تفلحون} لكي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة. {واتقوا النَّار} بتحريم الرِّبا وترك الاستحلال له {التي أعدَّت للكافرين} دون المؤمنين. {وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم} أَي: الإِسلامِ الذي يوجب المغفرة. وقيل: إلى التَّوبة، وقيل: إلى أداء الفرائض {وجنَّة عرضها السموات والأرض أُعدّت} لكلِّ واحدٍ من أولياء الله. {الذين ينفقون في السراء والضرَّاء} في اليسر والعسر، وكثرة المال , وقلَّته {والكاظمين الغيظ} الكافيِّن غضبهم عن إمضائه {والعافين عن الناس} أيْ: المماليك وعمَّنْ ظلمهم وأساء إليهم {والله يحبُّ المحسنين} الموحِّدين الذين فيهم هذه الخصال. {والذين إذا فعلوا فاحشة} أَي: الزِّنا، نزلت في نبهان التَّمَّار أتته امراةٌ حسناء تبتاع منه التمر، فضمَّها إلى نفسه وقبَّلها، ثمَّ ندم على ذلك فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية، وقوله: {أو ظلموا أنفسهم} يعني: ما دون الزِّنا من قُبلةٍ، أو لمسةٍ، أو نظرٍ {ذكروا الله} أيْ: ذكروا عقاب الله {ولم يُصرُّوا} أَيْ: لم يقيموا ولم يدوموا {على ما فعلوا} بل أقرُّوا واستغفروا {وهم يعلمون} أنَّ الذي أوتوه حرامٌ ومعصية. {قد خلت من قبلكم سننٌ} قد مضت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الكافرة سننٌ بإمهالي إيَّاهم،حتى يبلغوا الأجل الذي أجَّلته في إهلاكهم، وبقيت لهم آثارٌ في الدُّنيا فيهم أعظم الاعتبار. {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة} آخرُ أمرِ {المُكذِّبين} منهم: نزلت في قصَّة يوم أُحدٍ. يقول الله: فأنا أُمهلهم حتَّى يبلغ أجلي الذي أجَّلْتُ في نصرة النبيِّ عليه السَّلام وأوليائه، وإهلاك أعدائه. {هذا بيانٌ للناس} أي: القرآن بيانٌ للنَّاس عامَّة {وهدىً وموعظة للمتقين} خاصَّة وهم الذين هداهم الله بفضله.
القطان
تفسير : الربا: الزيادة، ومعناه هنا الفائدة التي تؤخذ على المال. اضعافا مضاعفة: زيادات متكررة. والسّراء: الرخاء. الضّراء: الشدة والضيق. الكاظمين الغيظ: الذين يضبطون أعصابهم فيكفّون عن الانتقام. الفاحشة: الفعل القبيح الذي يتعدى أثره الى الغير، وظلم النفس هو الشر الذي يقتصر على الانسان وحده. في هذه الآيات الكريمة ينهانا الله عن التعامل بالربا، كما كانت تفعل اليهود وأثرياء المشركين، فيقول: أيها المؤمنون، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد ان هداكم الله، كما كنتم تفعلون في جاهليتكم. وكانت طريقة التعامل بالربا في الجاهلية، ان يكون للرجل مال على آخر الى أجل، فاذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول المدين: أجّلْ دَينك وأزيدك عليه. فيفعلان ذلك. هذا هو الربا اضعافا مضاعفة، وهو الذي يسمى الآن الربا الفاحش أو الربا المركّب، ويسمى أيضاً ربا النسيئة. وهناك نوع آخر من الربا هو ربا الفضل، وهو الذي ورد النهي عنه بالحديث الشريف: "حديث : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل سواء بسواء، ولا تشفوا بعضه الى بعض، اني اخشى عليكم الرماء، يعني الرباء"تفسير : . ومعنى لا تشفوا: لا تزيدوا. وهذه أول آية نزلت في تحريم الربا. وهو بلاء كبير وشر عظيم، وطالما هدم بيوتاً ودمر مجتمعات. وقد بلغ درجة من الفظاعة في الجاهلية حتى ألجأ بعض الناس ان يرهنوا زوجاتهم لدائنيهم. لهذا حرّمه الاسلام وشدّد في منعه، ولذلك رافق الآية تهديد ظاهر وأمر صريح. فقال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} اي أطيعوا فيما نُهيتم عنه من التعامل بالربا كيما يكون ذلك سبب فلاحكم في دنياكم وسعادتكم في الآخرة. ثم عزّز ذلك بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} اي ابتعِدوا عنها بامتناعكم عن التعامل بالربا، فإنما هي قد هيئت للكافرين. وقد قال الامام ابو حنيفة رحمه الله: هذه أخوفُ آية في القرآن، حيث أوعد الله المتعاملين بالربا بالنار المعدَّة للكفارين. ثم أردف قائلا ومؤكدا، أن أطيعوا الله ورسوله فيما نهيا عنه من التعامل بالربا حتى تُرحموا في الدنيا بصلاح حال المجتمع، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالكم. {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ...} بادِروا الى العمل الصالح الذي يوصلكم الى مغفرة ذنوبكم، ويُدخلكم جنة واسعة المدى، عرضُها السماوات والأرض سبقَ أن أعدّها الله لمن اتقاه وامتثل أوامره.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَآ أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلرِّبَا} {أَضْعَافاً} {مُّضَاعَفَةً} (130) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَنْ أَكْلِ الرِّبَا، وَالتَّعَامُلِ بِهِ، بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ، وَهُدَى اللهِ لَهُمْ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، إذْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلمَدِينِ إذَا حَلَّ أجَلُ الدَّيْنِ: إمّا أنْ تَقْضِيَ دَيْنَكَ وَإمَّا أنْ تُرْبيَ. فَإِنْ قَضَاهُ فِبِهَا، وَإلاَّ زَادَهُ فِي المُدَّةِ وَزَادَهُ فِي المِقْدارِ، وَهَكَذَا كُلَّ عَامٍ، فَرُبَّما تَضَاعَفَ القَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيراً مُضَاعَفاً. وَيَأمُرُ اللهُ عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ. اتَّقُوا اللهَ - خَافُوهُ وَاجْعَلُوا لأِنْفُسِكُمْ وِقَايَةً مِنْ عَذَابِهِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} قال زيد بن أسلم: حديث : مرَّ شاس ابن قيس اليهودي وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الطعن في المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم والفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شاباً من اليهود كان معه قال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قيله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار وكان بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، وحيان بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد جعلنا السلاح موعدكم الظاهرة وهي حرة، وخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها على بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم، ترجعون إلى ما كنتم إليه كفاراً الله الله" فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيدهم من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين. تفسير : فأنزل الله في شأن شاس بن قيس. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني الأوس والخزرج {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني شاساً وأصحابه {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}. قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله علينا فأومى إلينا بيده فكففنا وأصلح الله ما بيننا فما كان من شخص أحبُّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت قط يوماً أقبح أولا وأحسن آخراً من ذلك اليوم، ثم قال على وجه التعجب {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} يعني ولِمَ تكفرون {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ} من القرآن {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} محمد صلى الله عليه وسلم قال قتادة: في هذه الآية علمان بيّنان: نبي الله وكتاب الله، فأمّا نبي الله فقد مضى وأمّا كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ} أي يمتنع بالله ويتمسك بدينه وطاعته {فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} طريق واضح. وقال ابن جريج: (ومن يعتصم بالله) أي يؤمن بالله، وأصل العصم والعصمة المنع، فكل مانع شيئاً فهو عاصم. قال الفرزدق: شعر : أنا ابن العاصمين بني تميم إذا ما أعظم الحدثان ناباً تفسير : والممتنع معتصم. فقال: اعتصمت الشيء واعتصمت به وهو الأفصح. قال الشاعر: شعر : يظل من خوفه الملاح معتصماً بالخيزرانة بعد الأين والنجد تفسير : وقال آخر: شعر : إذا أنت جازيت الأخاء بمثله وآسيتني ثم اعتصمت حبالياً تفسير : وقال حميد بن ثور يصف رجلا حمل امرأة بذنبه: شعر : وما كاد لما أن علته يقلها بنهضته حتى أكلان واعتصما تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. قال مقاتل بن حيان: حديث : كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية وصال حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمة له ورضى الله بحكمه في بني قريظة، وقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الكلام بينهما فغضبا، فقال الخزرجي: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلى الله عليه وسلم لقتلنا ساداتكم، واستعبدنا آبائكم ونكحنا نسائكم بغير مهر. فقال الأوسي: قد كان الإسلام متأخراً زماناً طويلا فهلاّ فعلتم ذلك، فقد ضربناكم حتى أدخلناكم الديار، وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتأذيا، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم سلاح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب حماراً وأتاهم فأنزل الله تعالى هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا . تفسير : وقال عطاء: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وقال: "يا معشر المسلمين مالي أُوذى في أهلي" يعني الطعن في قصة الإفك، وقال: "ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان رجلا صالحاً ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} . تفسير : عن عبد الله قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " {حَقَّ تُقَاتِهِ} أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يُشكر فلا يُكفر" . تفسير : وقال أبو عثمان: أن لا يعصى طرفة عين. مجاهد: أن يجاهدوا حق جهاده. ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبناءكم. الحسن: هو أن تعطيه فيما تعبده. قال الزجاج: أي اتقوا فيما يحق عليكم أن تتقوه واسمعوا وأطيعوا. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا وشق عليهم فأنزل الله تعالى {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ إلاّ هذا. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}. قال طاوس: معناه اتقوا الله حق تقاته وإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي مؤمنون. وقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عزّ وجلّ. وقال المفضل: المحسنون الظن بالله. وروى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرّت على أهل الأرض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه ". تفسير : وعن أنس بن مالك قال: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} أصل الحبل السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف. وقال الأعشى بن ثعلبة: شعر : وإذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها تفسير : واختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية: فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله. وروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} قال الجماعة. وقال ابن مسعود: يا أيها الذين آمنوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بالعهد. قتادة والسدي والضحاك: هو القرآن، يدل عليه ما روى عن الحرث أنه قال: حديث : دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت علياً كرم الله وجهه فقلت: ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث؟ فقال: وقد فعلوا؟ فقلت: نعم، فقال: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها ستكون فتنة" قال: قلت: فما الخروج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلاّ أن قالوا {سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} [الجن: 1] من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور ". تفسير : وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة ". تفسير : وروى سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان قال: حديث : دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له: لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصليت خلفه؟ قال: نعم، وإنه خطبنا فقال: "إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة" . تفسير : وروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول: "حديث : يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ". تفسير : فقال مقاتل بن حيان: (بحبل الله) أي بأمره وطاعته. أبو العالية: بإخلاص التوحيد لله عزّ وجلّ. ابن زيد: بالإسلام. {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} كما تفرقت اليهود والنصارى. وروى الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنى وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة" فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده، وقال: "الجماعة" ثم قرأ {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} . تفسير : وروى أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}. أخبرني محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله رضى لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً: رضى لكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله أمركم، وكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ". تفسير : وعن عبد الله بن بارق الحنفي عن سماك - يعني الحنفي - قال: قلت لابن عباس: قوم يظلموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا تمنعهم؟ فقال: لا يا حنفي أعطهم صدقتهم وإن أتاك أهدل الشفتين منتفش المنخرين يعني زنجياً فأعطه، فنعم القلوص قلوص يأمن بها المرؤس عروسه ووطنه - يعني امرأته - وقربة اللبن يا حنفي الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله: {جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً} . قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار قال: حديث : كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سميراً هو سمير بن زيد ابن مالك أحد بني عمرو بن عوف، قيل: حليفاً لملك بن عجلان، [والآخر من] الخزرج يقال له: حاطب بن أبحر من مزينة، فوقعت بين القبيلتين الحرب، فزعم العلماء بأيام العرب أن تلك الحرب والعداوة تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأها الله بالإسلام وألّف بينهم برسوله صلى الله عليه وسلم وكان سبب الفتهم وارتفاع وحشتهم أن سويد بن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجاً أو معتمراً وكان سويد إنما تسميه قومه الكامل لجلادته وشعره ونسبه وشرفه وحكمته، فقدم سويد مكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُعث وأمر بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ، فتصدّى له حين سمع به، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإسلام. فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما الذي معك؟ " قال: مجلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "اعرضها عليَّ" فعرضها عليه فقال: "إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل، هذا قرآن أنزله الله عليَّ نوراً وهدى" فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعده عنه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وكان قومه يقولون: قُتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم أياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم فقال: "هل لكم إلى خير ممّا جئتم له؟ " قالوا: وما ذلك؟ قال: "أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى [الله أن يعبدوا الله و] لا يشركوا بالله شيئاً وأنزل عليَّ الكتاب" ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أي قوم هذا والله خير ممّا جئتم به، فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت أياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين بني الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، وهم ستة نفر أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن ملك، وقطبة بن عارف، وعقبة ابن عامر، وجابر بن عبد الله. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أنتم؟" قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي اليهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ ". قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان ممّا صنع الله لهم به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيّنا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم لك وستقدم عليهم فتدعوهم إلى حربهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشاهم فيهم فلم تبق لهم دار من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكر من رسول الله حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلاً وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء ورافع بن مالك بن العجلاني الخزرجي وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان واسمه ملك وعويتم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يزنوا إلى آخر الآية ثم قال: "إن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئاً من ذلك] فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم] . تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخي الجهول أحبَّ إلى الله من العالم البخيل ". تفسير : عبد السلام بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار ". تفسير : {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أي الجامعين الغيظ عند امتلاء أنفسهم منه، والكافين غضبهم عن إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون، وأصل الكظم: حبس الشيء عن امتلائه، يقال: كظمت القربة إذا ملأتها، وما يقال لمجاري الماء: كظائم، لامتلائها بالماء وأخذ بها كظامة، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني بمجاري نفسه، ومنه كظم الإبل وهو حبسها جررها في أجوافها ولا تجتر، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهل. قال أعشى باهلة يصف رجلاً نحّاراً للإبل وهي تفزع منه: شعر : قد تكظم البزل منه حين تبصره حتى تقطع في أجوافها الجرر تفسير : ومنه قيل: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئاً غضباً وغماً وحزناً. قال الله تعالى: {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 84] وقال: {أية : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 58] وقال: {أية : إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} تفسير : [القلم: 48] وقال: {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} تفسير : [غافر: 18]. وقال عبد المطلب بن هاشم: شعر : فحضضت قومي فاحتبست قتالهم والقوم من خوف المنايا كُظمُ تفسير : وفي الحديث: "حديث : ما من جرعة أحمد عقباناً من جرعة غيظ مكظومة ". تفسير : وروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كظم الغيظ وهو يقدر على إنفاذه دعاه إلله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيّره من أي الحور يشاء ". تفسير : أنشدنا أبو القاسم محمد بن حبيب قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال: أنشدنا ابن أبي الزنجي ببغداد قال: أنشدنا العرجي: شعر : وإذا غضبت فكن وقوراً كاظماً للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفاً تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله وترفع تفسير : أي يرفع قدرك. {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}. قال الرباحي والكلبي: عن المملوكين، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: حديث : عمّن ظلمهم وأساء إليهم، وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك: "إن هؤلاء في أمتي قليل إلاّ من عصم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت" . تفسير : وعن أبي هريرة أن أبا بكر (رضي الله عنه) حديث : كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر وهو ساكت والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم ردَّ أبو بكر (رضي الله عنه) عنه بعض الذي قال، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله شتمني وأنت تبتسم ثم رددت عليه بعض ما قال فغضبت وقمت، فقال: "إنك حين كنت ساكتاً كان معك ملك يرد عنك فلما تكلمت وقع الشيطان فلم أكن لأقعد في مقعد يقعده الشيطان، ثمّ قال: يا أبا بكر ثلاث كلّهن حق: أنه ليس عبد يظلم بمظلمة فيعفوا عنها إلاّ أعز الله نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد به كثرة إلاّ زاده الله قلة وليس عبد يفتح باب عطية أو صلة إلاّ زاده الله بها كثرة" . تفسير : وقال عروة بن الزبير: شعر : لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا حتى يذلوا، وإن عزّوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة لاصفح ذل ولكن صفح أحلام تفسير : {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. قال مقاتل: يعني إن هذه الأشياء إحسان ومن فعل ذلك فهو محسن والله يحب المحسنين. قال الحسن: الإحسان أن يعمّ ولا يخص كالريح والشمس والمطر. سفيان الثوري: الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسن [مزاجرة] كلمة السوق خُذ وهات. السقطي: الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو العباس عبد الله بن محمد الجماني: شعر : ليس في كل ساعة و أوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذراً من تعذر الإمكان تفسير : ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت قصوراً مشرفة على الجنة فقلت يا جبرئيل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الآية. قال ابن عباس: حديث : قال المؤمنون يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبهم مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أخبركم بخير من ذلك" فقرأ عليهم هذه الآيات . تفسير : وقال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: حديث : آخا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتاً فتبعها فاتقته بيدها، فقبّل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله. فقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر(رضي الله عنه) رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر(رضي الله عنه) فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} تفسير : هي صفة لاسم متروك تقديره: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} يعني قبيحة خارجة عمّا أذن الله فيه، وأصل الفحش القبيح والخروج عن الحد، ولذلك قيل للمفرط في الطول أنه فاحش الطول، والكلام القبيح غير [القصد] فالكلام فاحش والمتكلم به مفحش. قال السدي: يعني بالفاحشة هاهنا الزّنا، يدل عليه ما روى حماد بن ثابت عن جابر {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} قال: زنى القوم وربّ الكعبة، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. وقال مقاتل والكلبي: وهو ما دون الزنا من قُبله أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل. الأصم: فعلوا فاحشة الكبائر أو ظلموا أنفسهم بالصغائر، وقيل: فعلوا فاحشة فعلا وظلموا أنفسهم قولا. {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله عزّ وجلّ، مقاتل والواقدي: تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب فاستغفروا لذنوبهم. {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي وهل يغفر الذنوب إلاّ الله وما يغفر الذنوب إلاّ الله؛ فلذلك رفع. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} واختلفوا في معنى الإصرار: فقال أكثر المفسرين: معناه لم يقيموا ولم يدوموا ولم يثبتوا عليه، ولكنهم تابوا وأقرّوا واستغفروا. قتادة: إيّاكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدماً قدماً في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك. وقال الحسن: اتيان العبد ذنباً عمداً إصراراً، السدي: الإصرار السكوت وترك الاستغفار، وفي الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". تفسير : وروى عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار" تفسير : وأصل الإصرار الثبات على الشيء. قال الحُطيئة: يصف الخيل: شعر : عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا غلالتها بالمحصدات أصرّت تفسير : أي ثبتت على عدوّها، نظم الآية: ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. قال ابن عباس والحسن ومقاتل وابن يسار: (وهم يعلمون) أنها معصية. الضحاك: (وهم يعلمون) أن الله يملك مغفرة ذنوبهم. السدي: (وهم يعلمون) أنهم قد أذنبوا. وقيل: (وهم يعلمون) أن الإصرار ضار، فإن ترك الإصرار خير من التمادي، كما قيل: شعر : أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه إن الجحود الذنب ذنبان تفسير : وقال الحسين بن الفضل: (وهم يعلمون) أن لهم ربّاً يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أذنب ذنباً وعلم أن له ربّاً يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عزّ وجلّ: من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أُبالي ". تفسير : وقال عبيد بن عمير: في بعض الكتب المنزلة: يابن آدم إنك ما دعوتني وما رجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي. وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مرَّ رجل ممّن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء ثم قال: أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب ثم خرَّ لله ساجداً، فقيل له ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له" . تفسير : وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم وإن التوبة تمحق الحوبة. {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي} إلى {ٱلْعَامِلِينَ} ثواب المطيعين. يقال: أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي. وقال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية إلى آخرها. {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}، قال ابن زيد: أمثال. المفضّل: أُمم، والسُنّة الأمّة. قال الشاعر: شعر : ما عاين الناس من فضل كفضلكم ولا رأوا مثلكم في سالف السنن تفسير : وقال بعضهم: معناه أهل السنن، وقال عطاء: شرائع، الكلبي: قد مضت لكل أمة سنّة ومنهاج إذا ابتغوها رضى الله عنهم، مجاهد: قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، والسنّة في اللغة: المثال المتبع والإمام المؤتم به، فقال: سنّ فلان سنّة حسنة أو سنّة سيئة إذا عمل عملا يقتدى به من خير أو شر. قال لبيد: شعر : من معشر سنّت لهم أباؤهم ولكل قوم سنّة وإمامها تفسير : قال سليمان بن قبة: شعر : وإن الأُلى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التآسّيا تفسير : ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي واستدراجي إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلي على الذي أجلته لأدلة أنبيائي وإهلاكهم. {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} آخر أمرهم {ٱلْمُكَذِّبِينَ} منهم، وهذا في يوم أُحد. يقول: فإذا أمهلهم واستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وهلاك أعدائه، هكذا قال ابن إسحاق هذا الذي ذكرت. {هَـٰذَا} القرآن {بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} عامة {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ} من الجهالة {لِّلْمُتَّقِينَ} خاصّة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والربا زيادة في المال، فهل يؤكل؟ نعم؛ لأن كل المسائل المالية من أجل اللقمة التي تأكلها، هذا هو الأصل. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أصبح منكم آمناً في سِرْبِهِ مُعَافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ". تفسير : ونعرف أنه عندما يكون الواحد منا في منطقة ليس فيها رغيف خبز، فلن تنفعه ملكية جبل من الذهب. {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] وقوله سبحانه: "أضعافاً" و "مضاعفة" هو كلام اقتصادي على أحدث نظام، فالأضعاف هي: الشيء الزائد بحيث إذا قارنته بالأصل صار الأصل ضعيفاً، فعندما يكون أصل المال مائة - على سبيل المثال - وسيؤخذ عليها عشرون بالمائة كفائدة فيصبح المجموع مائة وعشرين. إذن فالمائة والعشرون تجعل المائة ضعيفة، هذا هو معنى أضعاف. فماذا عن معنى "مضاعفة"؟ إننا سنجد أن المائة والعشرين ستصبح رأس مال جديداً، وعندما تمر سنة ستأخذ فائدة على المائة وعلى العشرين أيضاً، إذن فالأضعاف ضوعفت أيضاً، وهذا ما يسمى بالربح المركب، وهل معنى هذا أننا نأكله بغير أضعاف مضاعفة؟! لا؛ لأن الواقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هكذا. وقد يقول لك واحد: أنا أفهم القرآن وأن المنهي هو الأضعاف المضاعفة، فإذا لم تكن أضعافاً مضاعفة فهل يصح أن تأخذ ربحاً بسيطاً يتمثل في نسبة فائدة على أصل المال فقط؟ ولكن مثل هذا القائل نرده إلى قول الله: {أية : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 279]. إن هذا القول الحكيم يوضح أن التوبة تقتضي أن يعود الإنسان إلى حدود رأس ماله ولا يشوب ذلك ربح بسيط أو مركب. وعندما نجد كلمة "أضعافاً مضاعفة" فهي قد جاءت فقط لبيان الواقع الذي كان سائداً في أيامها. وبعد ذلك يقول الحق تذييلاً للآية: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ونقول دائماً ساعة نرى كلمة "اتقوا" يعني اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، وهل تكون الوقاية بينكم وبين الله بكل صفات جماله وجلاله؟ لا، فالوقاية تكون مما يتعب ومما يؤلم ويؤذي، إذن فاتقوا الله يعني: اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله من جبروت وقهر وانتقام وقاية، وعندما يقول الحق: "واتقوا النار" فهي مثل قوله: "واتقوا الله"، لأن النار جند من جنود صفات الجلال. وعندما يقول الحق: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130] نعرف أن كلمة "الفلاح" هذه تأتي لترغيب المؤمن في منهج الله، وقد جاء الحق بها من الشيء المحس الذي نراه في كل وقت، ونراه لأنه متعلق ببقاء حياتنا، وهو الزرع، والفلاحة، أنت تحرث وتبذر وتروي، وبعد ذلك تحصد. إذن فهو يريد أن يوضح لك أن المتاعب التي في الحرث، والمتاعب التي في البذر، والمتاعب التي في السقي كلها متى ترى نتيجتها؟ أنت ترى النتيجة ساعة الحصاد، فالفلاح يأخذ (كيلتين) من القمح من مخزنه كي يزرع ربع فدان، ولا نقول له: أنت أنقصت المخزن؛ لأنه أنقص المخزن للزيادة، ولذلك فالذي لم ينقص من مخزنه ولم يزرع، يأتي يوم الحصاد يضع يده على خده نادماً ولا ينفع الندم حينئذ! إن الحق يريد أن يقول لنا: إن المنهج وإن أتعبك، وإن أخذ من حركتك شيئاً كثيراً إلا أنه سيعود عليك بالخير حسب نيتك وإقبالك على العمل، ولقد ضرب لنا الله المثل في قوله: {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 261]. هذا أمر واضح، حبة نأخذها منك فتنقص ما عندك، لكنها تعطيك سبعمائة، إذن فساعة تؤخذ منك الحبة لا تقل: إنك نقصت، إنما قَدِّرْ أنك ستزيد قدر كذا. ويعطينا الله ذلك المثل في خلق من خلقه وهو الأرض. الأرض الصماء، أنت تعطيها حبة فتعطيك سبعمائة. فإذا كان خلق من خلق الله وهو الأرض يعطيك أضعاف أضعاف ما أعطيت. أفلا يعطيك رَبّ هذه الأرض أضعافاً مضاعفة؟ إنه قادر على أجزل العطاء، هذا هو الفَلاحُ على حقيقته، وبعد ذلك فإنه ساعة يتكلم عن الفلاح يقول لك: إنك لن تأخذ الفلاح فقط ولكنك تتقي النار أيضاً. فيقول الحق سبحانه: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم خاطب سبحانه المؤمنين، منادياً لهم بما يتعلق برسوخهم في طريق التوحيد من الخصائل الجميلة والشيم المرضية، فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسوله، مقتضى إيمانكم {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ} سيما إذا كان {أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} بحيث يستغرق مال المديون مجاناً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور، ولا تجاوزوا عن حدوده {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130] توفوزون بامتثال مأموراته ومرضياته. {وَٱتَّقُواْ} أيها المؤمنون {ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ} هُيئت {لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] أصالة وللمقتفين إثرهم؛ تبعاً، ويعلمون معاملتهم؛ استنكاراً واستكباراً. {وَ} إن أردتم الفلاح {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} المبيِّن لكم طريق أطاعة الله {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] من عند الله، إن أخلصتم في انقايدكم وطاعاتكم. {وَ} لا تتكئوا، ولا تتكلوا إلى طاعاتكم وعبادتكم، ولا تزنوها عند الله، بل {سَارِعُوۤاْ} بادروا وواظبوا {إِلَىٰ} طلب {مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} ستر ومحو لهوياتكم {وَ} وصول {جَنَّةٍ} منزل ومقر {عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ} أي: الأسماء الصفات الإلهية القائمة بذات الله {وَٱلأَرْضُ} أي: طبيعة العدم القابل لانعكاس أشعة تلك الأسماء والصفات، إنما {أُعِدَّتْ} وهُيئت {لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] من أهل التوحيد، وهم الذين يرفعون غشاوة الغيرية وغطاء التعامي عن نور الوجود مطلقاً. لذلك هم: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} من طيبات ما سكبوا من رزق صوري ومعنوي للمستخقين من أهل الله، سواء كانوا {فِي السَّرَّآءِ} أي: حين الفراغة عن الشواغل العائقة عن التوجه الحقيقي {وَٱلضَّرَّآءِ} عند عروض العوارض اللاحقة عن لوازم البشر {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أي: الماسكين، الكافين غيظهم عند ثوران القوة الغضبية، وهيجان الحمية البشرية الناشئة عن مقتيضات القوى الحيوانية {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} الذين يعفون ويتركون عقوبة من يسوءهم ويظلمهم؛ لتحققهم في مقر التوحيد المسقط للإضافات والاختلافات مطلقاً {وَٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده {يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] منهم بجميع أنواع الإحسان، خصوصاً بكظم الغيظ والعفو عند القدرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه -أولا- أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها. ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة "أحد" أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: {أية : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } . تفسير : ثم قال: {أية : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم } تفسير : الآيات. فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ "التقوى" في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة وهي قوله: { أعدت للمتقين } ومرتين مقيدتين، فقال: { واتقوا الله } { واتقوا النار } فقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } كل ما في القرآن من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي؛ لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا حل الدين، على المعسر ولم يحصل منه شيء، قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن نزيد في المدة، ويزيد ما في ذمتك، فيضطر الفقير ويستدفع غريمه ويلتزم ذلك، اغتناما لراحته الحاضرة، ، فيزداد -بذلك- ما في ذمته أضعافا مضاعفة، من غير نفع وانتفاع. ففي قوله: { أضعافًا مضاعفة } تنبيه على شدة شناعته بكثرته، وتنبيه لحكمة تحريمه، وأن تحريم الربا حكمته أن الله منع منه لما فيه من الظلم. وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر، وبقاء ما في ذمته من غير زيادة، فإلزامه بما فوق ذلك ظلم متضاعف، فيتعين على المؤمن المتقي تركه وعدم قربانه، لأن تركه من موجبات التقوى. والفلاح متوقف على التقوى، فلهذا قال: { واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين } بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصا المعاصي الكبار- تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة، ولهذا قال: { وأطيعوا الله والرسول } بفعل الأوامر امتثالا واجتناب النواهي { لعلكم ترحمون } . فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب حصول الرحمة كما قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } الآيات. ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها، التي أعدها الله للمتقين، فهم أهلها وأعمال التقوى هي الموصلة إليها، ثم وصف المتقين وأعمالهم، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حال عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئا ولو قل. { والكاظمين الغيظ } أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل-، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. { والعافين عن الناس } يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: {أية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله } . تفسير : ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان، فقال [تعالى]: { والله يحب المحسنين } والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق. [والإحسان إلى المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق]. فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" تفسير : وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده. ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم، فقال: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } أي: صدر منهم أعمال [سيئة] كبيرة، أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، فلهذا قال: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } . { أولئك } الموصوفون بتلك الصفات { جزاؤهم مغفرة من ربهم } تزيل عنهم كل محذور { وجنات تجري من تحتها الأنهار } فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات، { خالدين فيها } لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلا ولا يغير ما هم فيه من النعيم، { ونعم أجر العاملين } عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا فـ "عند الصباح يحمد القوم السرى" وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا. وهذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافا للمرجئة، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية، التي في سورة الحديد، نظير هذه الآيات، وهي قوله تعالى: {أية : سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } تفسير : فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قال: { أعدت للمتقين } ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 161 : 25 : 26 - سفين عن بن جريج عن مجاهد في قوله {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} قال، نزلت في ثقيف وابن المغير. قال، كان رجل يبيع البيع إلى أجل، فيحل (الأجل)، فيقول "أخر عني وأزيدك". فنزلت هذه الآية. [الآية 130].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):