٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
129
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } تفسير : [آل عمران: 28] والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك، وملك السمٰوات والأرض وليس إلا لله تعالى فالأمر في السمٰوات والأرض ليس إلا لله، وهذا برهان قاطع. المسألة الثانية: إنما قال: {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ولم يقل (من) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات، فدخل فيه الكل. أما قوله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } فاعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلٰهيته جميع الكفار والمردة، وله أن يدخل النار بحكم إلٰهيته جميع المقربين والصدّيقين وأنه لا اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة والبرهان العقلي يؤكد ذلك أيضاً، وذلك أن فعل العبد يتوقف على الإرادة وتلك الإرادة مخلوقة لله تعالى، فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع، وإذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى، فطاعة العبد من الله ومعصيته أيضاً من الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً ألبتة، فلا الطاعة توجب الثواب، ولا المعصية توجب العقاب، بل الكل من الله بحكم إلٰهيته وقهره وقدرته، فصح ما ادعيناه أنه لو شاء يعذب جميع المقربين حسن منه، ولو شاء يرحم جميع الفراعنة حسن منه ذلك، وهذا البرهان هو الذي دل عليه ظاهر قوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء }. فإن قيل: أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء. قلنا: مدلول الآية أنه لو أراد لفعل ولا اعتراض عليه، وهذا القدر لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل، وهذا الكلام في غاية الظهور. ثم ختم الكلام بقوله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل والإحسان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } المغفرة له {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } تعذيبه {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لأوليائه {رَّحِيمٌ } بأهل طاعته.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} هذا تأكيد لما قبله من قوله ليس لك من الأمر شيء. والمعنى إنما يكون لمن له ما في السموات وما في الأرض وليس ذلك إلاّ الله تعالى وليس لأحد معه أمر {يغفر لمن يشاء} بفضله ورحمته {ويعذب من يشاء} بعدله يحكم فيهم بما يشاء لا منازع له في حكمه ولا معارض له في فعله {والله غفور رحيم} يعني أنه تعالى يستر ذنوب عباده ويغفرها لهم ويرحمهم بترك العقوبة عنهم عاجلاً، وإنما يفعل ذلك على سبيل التفضل والإحسان إلى عباده لا على سبيل الوجوب عليه، لأنه تعالى لو أدخل جميع خلقه الجنة لكان ذلك برحمته ولو أدخل جميع خلقه النار كان ذلك بعدله لكن جانب المغفرة والرحمة غالب. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} أراد به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية عند حلول الدين من زيادة المال وتأخير الأجل كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان دين فإذا جاء الأجل ولم يكن للمديون ما يؤدي قال له صاحب الدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل فربما فعلوا ذلك مراراً فيصير الدين أضعافاً مضاعفة فنهى الله عز وجل عن ذلك، وحرم أصل الربا ومضاعفته {واتقوا الله} يعني في أكل الربا فلا تأكلوه {لعلكم تفلحون} أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة لأن الفلاح يتوقف على التقوى فلو أكل ولم يتق لم يحصل الفلاح، وفيه دليل على أن أكل الربا من الكبائر ولهذا أعقبة.
ابن عادل
تفسير : والمقصود منه: تأكيد ما ذكره أولاً من قوله: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تفسير : [آل عمران: 128]، والمعنى: إنما يكون ذلك لمن له الملك، وليس هو لأحد إلا الله. وقال: {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ولم يقل: مَنْ؛ لأن الإشارة إلى الحقائق والماهيات، فدخل الكُلُّ فيه. قوله: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} احتجوا بذلك على أنه سبحانه - له أن يُدْخِلَ الجنة - بحُكْم إلهيته - جميعَ الكُفَّار، وله أن يُدْخِلَ النارَ - بحكم إلهيته - جميع المقربين، ولا اعتراض عليه؛ لأن فعلَ العبد متوقف على الإرادة، وتلك الإرادة مخلوقة لله - تعالى - فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع، وإذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى، فطاعة العبد من الله، ومعصيته - أيضاً - من الله - وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً - ألبتة -، فلا الطاعة توجب الثواب، ولا المعصية توجب العقاب، بل الكل من الله - بحكم إلهيته وقهره وقدرته - فصح ما ادعيناه. فإن قيل: أليس ثبت أنه لا يُغْفَرُ لِلْكُفَّارِ، ولا يُعَذَّبُ المَلاَئِكَةُ والأنْبِيَاءُ - عليهم السلام. قلنا: مدلول الآية أنه لو أراد فعل، ولا اعتراض عليه، وهذا القدر لا يقتضي أنه يفعل، أو لا يفعل. ثم قال: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والمقصود منه أنه وإن حَسُنَ كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، لا على سبيل الوجوب، بل على سبيل الفضل والإحسان.
ابو السعود
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان اختصاصِ ملكوتِ كلِّ الكائناتِ به عز وجل إثرَ بـيانِ اختصاصِ طرَفٍ من ذلك به سبحانه تقريراً لما سبق وتكملةً له. وتقديمُ الجارِّ للقصر، وكلمةُ {مَا} شاملةٌ للعقلاء أيضاً تغليباً أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً ومُلكاً لا مدخَلَ فيه لأحد أصلاً فله الأمرُ كلُّه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} أن يغفرَ له مشيئةً مبنيةً على الحِكمة والمصلحة {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} أن يعذِّبَه بعمله مشيئةً كذلك. وإيثارُ كلمة {مِنْ} في الموضعين لاختصاص المغفرةِ والتعذيبِ بالعقلاء، وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمتِه تعالى غضبَه وبأنها من مقتَضيات الذاتِ دونه فإنه من مقتضيات سيئاتِ العُصاة، وهذا صريحٌ في نفي وجوبِ التعذيبِ، والتقيـيدُ بالتوبة وعدمِها كالمنافي له {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذيـيلٌ مقرر لمضمون قوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} [آل عمران، الآية: 129] مع زيادة، وفي تخصيص التذيـيلِ به دون قرينةٍ من الاعتناء بشأن المغفرةِ والرحمةِ ما لا يخفى. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَوٰاْ} كلامٌ مبتدأٌ مشتمِلٌ على ما هو مَلاكُ الأمرِ في كل باب لا سيما في باب الجهادِ من التقوى والطاعةِ وما بعدهما من الأمور المذكورةِ على نهج الترغيبِ والترهيبِ جيء به في تضاعيفِ القصةِ مسارعةً إلى إرشاد المخاطَبـين إلى ما فيه، وإيذاناً بكمالِ وجوبِ المحافظةِ عليه فيما هم فيه من الجهاد، فإن الأمورَ المذكورةَ فيه مع كونها مناطاً للفوز في الدارين على الإطلاق عُمدةٌ في أمر الجهادِ، عليها يدورُ فلكُ النُّصرةِ والغلَبة، كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى وطاعةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لما لقُوا ما لقُوا، ولعل إيرادَ النهي عن الربا في أثنائها لِما أن الترغيبَ في الإنفاق في السراء والضراءِ الذي عُمدتُه الإنفاقُ في سبـيل الجهادِ متضمنٌ للترغيب في تحصيل المالِ فكان مظِنةَ مبادرةِ الناسِ طرق الاكتساب ومن جملتها الربا، فنُهوا عن ذلك، والمرادُ بأكله أخذُه، وإنما عُبر عنه بالأكل لما أنه مُعظم ما يقصَد بالأخذ، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ، وقولُه عز وجل: {أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً} ليس لتقيـيد النهي به بل لمراعاةِ ما كانوا عليه ممن العادة توبـيخاً لهم بذلك إذ كان الرجلُ يُرْبـي إلى أجلٍ فإذا حل قال للمَدين: زدْني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعلُ، وهكذا عند محلِّ كلِّ أجلٍ فيستغرق بالشيء الطفيفِ مالَه بالكلية. ومحلُه بالنصبُ على الحالية من الربا وقرىء مُضَعَّفَةً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما نُهيتم عنه من الأعمال التي من جملتها الربا {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} راجين للفلاح {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} بالتحرُّر عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطَوْنه. كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: هي أخوفُ آيةٍ في القرآن حيث أوعدَ الله المؤمنين بالنار المُعَدَّة للكافرين إن لم يتّقوه في اجتناب محارمِه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله ما فى السموات وما فى الارض} من الموجودات خلقا وملكا لا مدخل فيه لاحد اصلا فله الامر كله {يغفر لمن يشاء} ان يغفر له مشيئة مبنية على الحكم والمصالح {ويعذب من يشاء} ان يعذبه وقدم المغفرة لسبق رحمته تعالى غضبه وهذا صريح فى نفى وجوب التعذيب والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافى له {والله غفور رحيم} لعباده والمقصود بيان انه وان حسن كل ذلك منه الا ان جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل والاحسان. فليبادر العاقل الى الاعمال التى يستوجب بها رحمة الله تعالى ولا ييأس من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون. اوحى الله تعالى الى داود عليه السلام [يا داود بشر المذنبين وانذر الصديقين] قال يارب فكيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين قال [بشر المذنبين بانى لا يتعاظمنى ذنب الا اغفره وانذر الصديقين ان لا يعجبوا باعمالهم وانى لا اضع عدلى وحسابى على احد الا اهلكه] وروى عن عمر رضى الله تعالى عنه انه دخل على النبى عليه السلام فوجده يبكى فقال ما يبكيك يا رسول الله قال "حديث : جاءنى جبريل فقال ان الله يستحيى ان يعذب احدا قد شاب فى الاسلام فكيف لا يستحيى من شاب فى الاسلام ان يعصى الله " .تفسير : فالواجب على الشيخ ان يعرف هذه الكرامة ويشكر الله ويستحيى منه ومن الكرام الكاتبين ويمتنع من المعاصى ويكون مقبلا على طاعة ربه فانه فى ساحل بحر المنون ـ روى ـ ان الحجاج لما اقام بالعراق يرهب ويفتك حتى استوثقت له الامور خرج عليه عبد الرحمن بن الاشعث باهل العراق فامده عبد الملك باهل الشام فكانوا شيعته واستمرت بينه وبين ابن الاشعث الوقائع حتى هزمه الحجاج بدير الجماجم بعد ثمانين وقعة فى ستة اشهر وكان مع ابن الاشعث اكثر من مائتى الف فلما هزموا قال الحجاج لاصحابه اتركوهم فليتبددوا ولا تتبعوهم ثم نادى مناديه من رجع فهو آمن ودخل الكوفة وجاء الناس من المنهزمين يبايعونه فكان يقول لمن جاء يبايعه اشهد على نفسك بالكفر وخروجك عن الجماعة ثم تب فان شهد والا قتله فاتاه رجل من خثعم فقال اشهد على نفسك بالكفر فقال ان كنت عبدت ربى ثمانين سنة ثم اشهد على نفسى بالكفر لبئس العبد انا والله ما بقى من عمرى الا ظمئ حمار واننى انتظر الموت صباحا ومساء فامر به فضرب عنقه وقدم بعده شيخ فقال الحجاج ما اظن الشيخ يشهد على نفسه بالكفر فقال يا حجاج اخادعى انت عن نفسى انا اعرف بها منك وانى لأكفر من فرعون وهامان فضحك الحجاج وخلى سبيله فانظر الى ضعف ايمانه كيف ارتكب هذا القبح بعد ما جاوز حد الشباب الذى ليس له بعده الا انتظار الموت صباحا ومساء من اقراره بالكفر مع غاية شيبه ومن لم تتداركه العناية الازلية لم يجىء منه شىء. فعلى السالك ان يطمئن قلبه بالايمان ويجتهد الى ان يصل الى قوة اليقين ومن قوة اليقين التوحيد وهو ان يرى الاشياء كلها من مسبب الاسباب ويرى الوسائط مسخرة لحكمه ولا ريب ان قوة اليقين بتصفية القلب عن كدورات النفس شعر : جو باك آفريدت بهش باش باك كه ننكست نا باك رفتن بخاك بيابى بيفشان از آيينه كرد كه صيقل نكيرد جو زنكار خورد تفسير : وجلاء القلب انما يحصل بذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة على النبى عليه السلام وخير الاذكار كلمة التوحيد وهى العروة الوثقى. قال ابراهيم الخواص قدس سره دواء القلب خمسة. تلاوة القرآن بالتدبر. وخلاء البطن. وقيام الليل. والتضرع الى الله تعالى عند السحر. ومجالسة الصالحين. فعليك بالمواظبة لهذه الخصال لعلك تصل الى التزكية ودرجة الكمال بعون الله الملك العزيز المتعال.
الطوسي
تفسير : عموم قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} يقتضي أن له تعالى ملك ما في السماوات، وما في الارض، وأن له التصرف فيهما كيف شاء بلا دافع، ولا مانع، غير أنه لا بد من تخصيص هذا العموم من حيث أنه ينزه عن الصاحبة والولد على كل وجه. واوجه ما قلناه. وانما ذكر لفظ (ما) لأنها أعم من (من) لأنها تتناول ما يعقل، وما لا يعقل، لأنها تفيد الجنس ولو قال من في السماوات ومن في الارض لم يدخل فيه إلا العقلاء إلا أن يحمل على التغليب وذلك ليس بحقيقة. وقوله: {يغفر لمن يشاء} دليل على أن حسن العفو عن مستحق العذاب، وان لم يتب لأنه لم يشترط فيه التوبة. وقوله: {ويعذب من يشاء} يعني ممن يستحق العذاب، لأن من لا يستحق العذاب لا يشأ عذابه، لأنه ظلم يتعالى الله عن ذلك وفي ذلك دلالة على جواز العفو بلا توبة، لأنه علق عذابه بمشيئته، فدل على أنه لو لم يشأ، لكان له ذلك، ولا يلزم على ما قلناه الشك في جواز غفران عقاب الكفار، لأن ذلك أخرجناه من العموم بدلالة إجماع الأمة على أنه لا يغفر الشرك. وبقوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : ولولا ذلك لكنا نجوز العفو عنهم أيضاً ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما قال ليس لك من الأمر شيء عقب ذلك بأن الأمر كله لله في السماوات والارضين.
الجنابذي
تفسير : {وَلِلَّهِ} من حيث كونه فاعلاً وغاية ومالكاً {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} بعد ما نفى كون الامر بيده اثبت مخلوقيّة الجميع ومملوكيّتها ورجوعها اليه تعالى {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} يعنى امر مغفرتهم وتعذيبهم بيده تعالى {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ترجيح لجانب الغفران وردع له (ص) وللمؤمنين عن التّبادر الى الدّعاء واللّعن عليهم وتغليب للرّجاء على الخوف.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} يعني المستوجبين للعذاب {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} كانوا في الجاهلية إذا حلَّ دَيْن أحدهم على صاحبه فتقاضاه قال: أخِّر عنّي وأزيدك، فيكون ذلك أضعافاً مضاعفة. قوله: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي ترحموا. قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ذكروا عن كُرَيْبٍ، مولى ابن عباس، أنه بلغه أن سبع سماوات وسبع أرضين يُلفقن جميعاً كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، فهذا عرضها ولا يصف أحد طولها. وقال الحسن: في انبساطهن بعضهن إلى بعض؛ وهو واحد. وبلغنا حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} فقال: هي مائة درجة، كل درجة منها عرضها السماوات والأرض . تفسير : قال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} أي في الرخاء والشدة. وقال بعضهم: في اليسر والعسر، والجهد والرخاء {والكَاظِمينَ الغَيْظَ}. ذكروا عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما من جرعة يتجرّعها الرجل أفضل من جرعة غيظ . تفسير : قوله: {وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أفضل أخلاق المؤمنين العفو . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من أراد أن يشرف له البنيان، وأن يرفع له الدرجات يوم القيامة، فليصل من قطعه، وليعط من حرمه، وليعف عمن ظلمه، وليحلم على من جهل عليه .
اطفيش
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: إن ما فى السماوات وما فى الأرض ملك لله، ومخلوق لله، وعبيد لله لا لغيره، وهذا إلى قوله: {والله غفور رحيم}: تأكيد لقوله {أية : ليس لك من الأمر شىء}تفسير : أى فله أن يفعل ما يشاء فى ملكه والغفران والتعذيب بمشيئته. {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَآءُ}: الغفران له إن يوفقه للتوبة. {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَآءُ}: تعذيبه بأن لا يوفقه. قال الحسن البصرى: يغفر الله لمن يشاء بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين ويعذب من يشاء، ولا يشاء أن يعذب إلا المستحقين للعذاب وعن عطاء: يغفر لمن يتوب إليه، ويعذب من لقيه ظالماً، وليس من الحكمة أن يعذب المطيع الموفى، وليس منها أن يرحم العاصى المصر، وقد انتفى الله من أن يكون ظالماً، وعد من الظلم النقص من حسنات المحسن والزيادة فى سيئات المسىء، وليس من الجائز عليه ذلك خلافاً للأشعرية فى قوله: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين والنار جميع الأبرار، وقد أخطأوا فى ذلك، لا يجوز ذلك ولو شخص واحد {وَاللَّهُ غَفُورٌ}: ستار الذنوب. {رَّحِيمٌ}: منعم بالجنة وذلك بفض منه وذكره بعد ذلك {يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء} لأنه على سعة فضله ورحمته، سبقت غضبه.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } كلام مستأنف سيق لبيان اختصاص ملكية جميع الكائنات به تعالى إثر بيان اختصاص طرف من ذلك به عز شأنه تقريراً لما سبق وتكملة له؛ وتقديم الخبر للقصر، و {مَا } عامة للعقلاء وغيرهم تغليباً أي له سبحانه ما في هذين النوعين، أو ما في هاتين الجهتين مُلكاً ومِلكاً وخلقاً واقتداراً لا مدخل لأحد معه في ذلك فالأمر كله له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلاً منه {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذبه عدلاً منه وإيثار كلمة {مِنْ } في الموضعين لاختصاص المغفرة والتعذيب بالعقلاء وتقديم المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمته تعالى على غضبه. وظاهر الآية يدل على أن مغفرة الله تعالى وتعذيبه غير مقيدين بشيء بل قد يدّعى أن التقييد مناف للسوق إذ هو لإثبات أنه سبحانه المالك على الإطلاق فله أن يفعل ما يشاء لا مانع له من مشيئته ولو كانت مغفرته مقيدة بالتوبة وتعذيبه بالظلم لم يكن فاعلاً لما يشاء بل لما تستدعيه التوبة أو الظلم، فالآية ظاهرة في نفي الوجوب على الله تعالى وأنه يجوز أن يغفر سبحانه للمذنب ويعذب المصلح ـ وهو مذهب الجماعة ـ وذهب المعتزلة إلى أن المغفرة مشروطة بالتوبة فمن لم يتب لا يجوز أن يغفر له أصلاً، وتمسكوا في ذلك بوجهين: الأول: الآيات والأحاديث الناطقة بوعيد العصاة، الثاني: أن المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريراً له وإغراءاً للغير عليه وهذا ينافي حكمة إرسال الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، وحملوا هذه الآية على التقييد وخصوا أمثالها من المطلقات بالصغائر أو الكبائر المقرونة بالتوبة، وقالوا: إن المراد يغفر لمن يشاء إذا تاب وجعلوا القرينة على ذلك أنه تعالى عقب قوله سبحانه: {أية : أَوْ يُعَذّبَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 128] بقوله جل شأنه: {أية : فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 128] وهو دليل على أن الظلم هو السبب الموجب فلا تعذيب بدونه ولا مغفرة مع وجوده فهو مفسر {لِمَن يَشَاء } وأيدوا كون المراد ذلك بما روي عن الحسن في الآية {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } ولا يشاء أن يعذب إلا للمستوجبين، وبما روي عن عطاء {يَغْفِرُ لِمَن } يتوب عليه {وَيُعَذّبُ مَن } لقيه ظالماً؛ والجماعة / تمسكوا بإطلاق الآيات، وأجابوا عن متمسك المخالف، أما عن الأول: فبأن تلك الآيات والأحاديث على تقدير عمومها إنما تدل على الوقوع دون الوجوب، والنزاع فيه على أن كثرة النصوص في العفو تخصص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد، وأما عن الثاني: فبأن مجرد جواز العفو لا يوجب ظن عدم العقاب فضلاً عن الجزم به، وكيف يوجب جواز العفو العلم بعدم العقاب والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من التهديد ترجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد وكفى به زاجراً فكيف يكون العلم بجواز العفو تقريراً وإغراءاً على الذنب مع هذا الزاجر. وأيضاً إن الكثير من المعتزلة خصوا مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}تفسير : [الزمر: 53] بالصغائر فلو كان جواز العفو مستلزماً كما زعموا للعلم بعدم العقاب لزم اشتراك الإلزام بأن يقال: إن المرتكب للصغائر إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريراً له وإغراءاً للغير عليه وفيه من الفساد ما فيه، وما جعلوه قرينة على التقييد معارض بما يدل على الإطلاق أعني قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فإنه معطوف معنى على قوله جل اسمه: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ } تفسير : [آل عمران: 128] ويدل ذلك على أن له سبحانه التصرف المطلق وهو على خلاف ما يقولون حيث جعلوا تصرفه ومشيئته مقيداً بأن يكون على مقتضى الحكمة والحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب ولا يخفى أنه في حيز المنع لأن المشيئة والحكمة كلاهما من صفاته تعالى لا تتبع إحداهما الأخرى وبتقدير الاستتباع لا نسلم أن الحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب على أن تعقيب أو يعذبهم بقوله عز وجل: {أية : فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 128] لا يدل على أكثر من أن الظلم مفض إلى التعذيب ومن يمنع الإفضاء إنما المنع على أن يكون تفسيراً {لِمَن يَشَاء } وأين الدلالة على أن كل ظلم كذلك ولا عموم للفظ ولا هو من قبيل مفهوم الصفة ليصلح متمسكاً في الجملة، وما نقل عن الحسن وعطاء لا يعرف له سند أصلاً ومن ادعاه فليأت به إن كان من الصادقين، ومما يدل على كذبه أن فيه حجراً على الرحمة الواسعة وتضييق مسالكها من غير دليل قطعي ولا يظن بمثل الحسن هذا القبيح سلمنا الصدق وعدم لزوم ما ذكر لكن قول الحسن ونحوه لا يترك له ظاهر الكتاب والحق أحق بالاتباع. فإن قال الخصم: نحن نتمسك في هذا المطلب بلزوم الخلف قلنا: يكون رجوعاً إلى الاستدلال بالمعقول، وقد أذقناكم الموت الأحمر فيه لا بالآيات فتبقى دلالة هذه الآية على عمومها، وهو مطلوبنا هنا ـ على أن هذه الآية واردة في الكفار على أكثر الروايات، ومعتقد الجماعة أن المغفرة في حقهم مشروطة بالتوبة من الكفر والرجوع إلى الإيمان كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] وليسوا محل خلاف بين الطائفتين فمن استدل بها من المعتزلة على غرضه الفاسد فقد ضل سواء السبيل. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل مقرر لمضمون قوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به إشارة إلى ترجيح جهة الإحسان والإنعام، وفيه ما يؤيد مذهب الجماعة. هذا ومن باب الإشارة: {لَيْسُواْ سَوَاءً } من حيث الاستعداد وظهور الحق فيهم {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } الذين ظهرت فيهم نقوش الكتاب الإلۤهي الأزلي {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } بالله تعالى له {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي يظهرون للمستعدين ما فاض عليهم من الأسرار {ءَانَآءِ ٱلْلَّيْلِ} أوقات ليل الجهالة وظلمة الحيرة {أية : وَهُمْ يَسْجُدُونَ } تفسير : [آل عمران: 113] أي يخضعون لله تعالى ولا يحدث فيهم الأنانية إنهم عالمون وأن من سواهم جاهلون {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَْخِرِ } / أي بالمبدأ والمعاد {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } حسبما اقتضاه الشرع ولكون ما تقدم نظراً للخصوص لأن إيداع الأسرار عند الأحرار، وهذا بالنظر إلى العموم لأن الشريعة أوسع دائرة من الحقيقة قدم وأخر {وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } من تكميل أنفسهم وغيرهم {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 114] القائمين بحقوق الحق والخلق {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } يقربكم إلى الله تعالى {فَلَنْ يُكْفَروهُ } فقد جاء «حديث : من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»{أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ }تفسير : [آل عمران: 115] أي الذين اتقوا ما يحجبهم عنه فيتجلى لهم بقدر زوال الحجاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } واحتجبوا عن الحق برؤية الأغيار وأشركوا بالله تعالى ما لا وجود له في عير ولا نفير {لَن تُغْنِىَ } لن تدفع {عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ } أي عذابه {شَيْئاً } من الدفع لأنها من جملة أصنامهم التي عبدوها {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } وهي الحجاب والبعد عن الحضرة {أية : هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [آل عمران: 116] لاقتضاء صفة الجلال مع استعدادهم ذلك {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } الفانية الدنية ولذاتها السريعة الزوال طلباً للشهوات ومحمدة الناس لا يطلبون به وجه الله تعالى {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي برد شديد {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالشرك والكفر {فَأَهْلَكَتْهُ } عقوبة لهم من الله تعالى لظلمهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بإهلاك حرثهم {أية : وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 117] لسوء استعدادهم الغير المقبول { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } أي خاصة تطلعونه على أسراركم {مّن دُونِكُمْ } كالمنكرين المحجوبين إذ المحبة الحقيقية لا تكون إلا بين الموحدين لكونها ظل الوحدة ولا تكون بين المحجوبين لكونهم في عالم التضاد والظلمة ولا يتأتى الصفاء والوفاق الذي هو ثمرة المحبة في ذلك العالم فلذا ترى محبة غير أهل الله تعالى تدور على الأغراض؛ ومن هنا تتغير لأن اللذات النفسانية لا تدوم فإذا كان هذا حال المحجوبين بعضهم مع بعض فكيف تتحقق المحبة بينهم وبين من يخالفهم في الأصل والوصف، وأنى يتجانس النور والظلمة، وكيف يتوافق مشرق ومغرب؟!.شعر : أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني تفسير : ففي الحقيقة بينهما عداوة حقيقية وبعد كلي إلى حيث لا تتراءى ناراهما، وآثار ذلك ظاهرة كما بين الله تعالى بقوله سبحانه: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } لامتناع إخفاء الوصف الذاتي {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } لأنه المنشأ لذلك فهو نار وذاك شرار وهو جبل والظاهر غبار {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَـٰتِ } وهي العلامات الدالة على المحبة والعداوة وأسبابهما {أية : إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } تفسير : [آل عمران: 118] وتفهمون من فحوى الكلام {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ } بمقتضى ما عندكم من التوحيد لأن الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق ويرى الكل مظهراً لحبيبه جل شأنه فيرحم الجميع ويعلم أن البعض منهم قد اشتغل بباطل نظراً إلى بعض الحيثيات وابتلى بالقدر، وهذا لا ينافي ما قدمنا آنفاً عند التأمل {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بمقتضى الحجاب والظلمة التي ضربت عليهم {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ } أي جنسه {كُلِّهِ } لما أنتم عليه من التوحيد المقتضى لذلك وهم لا يؤمنون بذلك للاحتجاب بما هم عليه {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} لما فيهم من النفاق المستجلب للأغراض العاجلة {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } تفسير : [آل عمران: 119] الكامن في صدورهم {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ } كآثار تجلي الجمال {تَسُؤْهُمْ } ويحزنوا لها {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } أي ما يظنون أنه سيئة كآثار تجلي الجلال {يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ } على ما ابتليتم به وتثبتوا على التوحيد {وَتَتَّقُواْ } الاستعانة بالسوىٰ {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } لأن الصابر على البلاء المتوكل على الله تعالى المستعين به المعرض / عمن سواه ظافر بطلبته غالب على خصمه محفوف محفوظ بعناية الله تعالى، والمخذول من استعان بغيره وقصده سواه كما قيل:شعر : من استعان بغير الله في طلب فإن (ناصره عجز وخذلان) تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ } من المكايد {أية : مُحِيطٌ } تفسير : [آل عمران: 120] فيبطلها ويطفىء نارها {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } لله تعالى تحت ظل الكبرياء والعظمة {أية : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }تفسير : [آل عمران: 123] ذلك وبالشكر تزاد النعم {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } لما رأيت من حالهم {أية : أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰئِكَةِ مُنزَلِينَ}تفسير : [آل عمران: 124] على صيغة اسم الفاعل السكينة عليكم، أو {مُنزَلِينَ } على صيغة اسم المفعول من جانب الملكوت إليكم {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ } على صدمات تجلية سبحانه {وَتَتَّقُواْ } من سواه {وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أي بلا بطء {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالٰفٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُسَوّمِينَ } تفسير : [آل عمران: 125] على صيغة الفاعل أي معلمين أرواحكم بعلائم الطمأنينة، أو {مُسَوّمِينَ } على صيغة المفعول بعمائم بيض، وهي إشارة إلى الأنوار الإلۤهية الظاهرة عليهم، وتخصيص ـ الخمسة آلاف ـ بالذكر لعله إشارة إلى إمداد كل لطيفة من اللطائف الخمس بألف والألف إشارة إلى الإمداد الكامل حيث أنها نهاية مراتب الأعداد وشرط ذلك بالصبر والتقوى لأن النصر على الأعداء ـ وأعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ـ لا يكون إلا عند تقوى القلب وكذا سائر جنود الروح بل والروح نفسها أيضاً بتأييد الحق والتنور بنور اليقين فتحصل المناسبة بين القلب مثلاً وبين ملكوت السماء وبذلك التناسب يستنزل قواها وأوصافها في أفعاله وربما يستمد من قوى قهرها على من يغضب عليه وذلك عبارة عن نزول الملائكة وهذا لا يكون إلا بالصبر على تحمل المكروه طلباً لرضا الله تعالى والتقوى من مخالفة أمر الحق والميل إلى نحو النفع الدنيوي واللذات الفانية. وأما إذا جزع وهلع ومال إلى الدنيا فلا يحصل له ذلك لأن النفس حينئذٍ تستولي عليه وتحجبه بظلمة صفاتها عن النور فلم تبق تلك المناسبة وانقطع المدد ولم تنزل الملائكة، {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ } أي إلا لتستبشروا به فيزداد نشاطكم في التوجه إلى الحق {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} فيتحقق الفيض بقدر التصفية {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لا من عند الملائكة فلا تحتجبوا بالكثرة عن الوحدة وبالخلق عن الحق فالكل منه تعالى وإليه {ٱلْعَزِيزُ } فلا يعجزه الظهور بما شاء وكيف شاء {أية : ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [آل عمران: 126] الذي ستر نصره بصور الملائكة لحكمة {لِيَقْطَعَ } أي يهلك {طَرَفاً مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم أعداء الله تعالى {أَوْ يَكْبِتَهُمْ } يخزيهم ويذلهم {أية : فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ }تفسير : [آل عمران: 127] فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا {لَيْسَ لَكَ } من حيث أنت {مِنَ ٱلأَْمْرِ شَىْء } وكله لك من حيثية أخرى {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} إذا أسلموا فتفرح لأنك المظهر للرحمة الواسعة {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] {أَوْ يُعَذّبَهُمْ } لأجلك فتشتفي بهم من حيث أنهم خالفوا الأمر الذي بعثت به إلى الناس كافة {أية : فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 128] بتلك المخالفة {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} من عالم الأرواح {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } من عالم الطبيعيات يتصرف فيهما كيفما يشاء ويختار {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } لأن له التصرف المطلق في الملك والملكوت {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 129] كثير المغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويرحمنا.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لقوله: {أو يتوب عليهم أو يعذبهم} مشير إلى أن هذين الحالين على التوزيع بين المشركين، ولمَّا كان مظنّة التطلّع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق، أو تعميم العذاب، ذيّله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية، لأنّ أسرار تخصيص كلّ أحد بما يعيَّن له، أسرار خفيّة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، وكلّ ميسّر لما خلق له.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 129- إن للَّه - وحده - ما فى السموات وما فى الأرض خلقاً وملكاً، وهو القادر على كل شئ، وفى يده كل شئ، يغفر لمن يريد له المغفرة، ويعذب من يريد تعذيبه، ومغفرته أقرب، ورحمته أرجى لأنه كثير المغفرة والرحمة. 130- يا أيها الذين آمنوا لا تأخذوا فى الدَّيْنِ إلا رءوس أموالكم، فلا تزيدوا عليها زيادة تجئ سنة بعد أخرى فتتضاعف وخافوا اللَّه، فلا تأكلوا أموال الناس بالباطل، فإنكم تفلحون وتفوزون باجتنابكم الربا قليله وكثيره. 131- واحذروا النار التى هيئت للكافرين باجتناب ما يوجبها من استحلال الربا. 132- وأطيعوا اللَّه والرسول فى كل أمر ونهى لترحموا فى الدنيا والآخرة. 133- وبادروا بالأعمال الصالحة، لتنالوا مغفرة عظيمة لذنوبكم من اللَّه مالك أمركم، وجنة واسعة عرضها كعرض السموات والأرض هيئت لمن يتقون اللَّه وعذابه.
القطان
تفسير : لله جميع ما في الكون الواسع يحكم فيهم بما يشاء ويقضي بما أحب، فيتوب على من شاء من خلقه العاصين فيغفر له، ويعاقب من شاء على جرمه فينتقم منه، لكن الغفران والرحمة من صفاته الحسنى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (129) - واللهُ يَمْلِكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَأَهْلُهُمَا عَبيدٌ لَهُ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ فِي الوُجُودِ كُلِّهِ، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبما أننا نتحدث عن ملامح في غزوة أحد أريد أن أقول: "جبل أًُحدٍ رضي الله عنه"؛ لأننا سمعنا بعض العارفين بالله حين تذكر كلمة "أحد" قال: أحد رضي الله عنه - فتعجب القوم لقول الشيخ عبد الله الزيدان الذي قال ذلك، فما رأى عجبهم قال لهم: ألم يخاطبه رسول الله بقوله: "حديث : اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" تفسير : ، ألم يقل فيه رسول الله: "حديث : أحد جبل يحبنا ونحبه" تفسير : أتريدون أحسن من ذلك في الصحبة!, قل: أحد رضي الله عنه. وقلنا سابقاً: إنك إذا وقف عقلك في حاجة فلا تأخذها بمقاييسك أنت، بل خذها بالمقاييس الأعلى. ونحن نقول هذا الكلام لأن العلم الآن يجري ويسعى سعياً حثيثاً مسرعاً حول استخراج بعض أسرار الله في الكون، فبين لنا أن الحيوانات لها لغات تتفاهم بها, ويحاولون الآن أن يضعوا قاموسا للغة الأسماك. والحق سبحانه وتعالى ذكر لنا حكاية النملة مع سليمان - عليه السلام - فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [النمل: 18]. هذا القول يدل على أنّ نملة خرجت وقامت بعمل (وردية) كي تحافظ على من معها ثم عادت لتتكلم مع أبناء فصيلتها، وسمعها سيدنا سليمان، فتبسم من قولها. إذن العلم يتسابق ويجد وَيُسَارع الآن ليثبت أن لكل جنس في الوجود لغة يتفاهم بها، وكل جنس في الوجود له انفعال، وكل جنس في الوجود له تكاثر، ولذلك قال الحق لنا على لسان سيدنا سليمان: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [النمل: 16]. وكانت هذه خصوصية لسيدنا سليمان عليه السلام، إذن فللطير منطق. وعندما نتسامى ونذهب إلى الجماد نسمع قول الحق سبحانه في آل فرعون وعدم بكاء الجماد عليهم: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ}تفسير : [الدخان: 25-29]. هل تبكي السماء والأرض؟ إنه أمر عجيب؛ فالجماد من سماء وأرض لا تتفاهم فقط ولكن لها عواطف أيضاً؛ لأن البكاء إنما ينشأ عن انفعال عاطفي وجداني. وهذا يعني أن الجمادات لا تتكلم فقط، ولكنها تحس أيضاً. فالأرض تخرج أثقالها، وتحدث أخبارها، كيف {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 5]. والسماء والأرض أتيا إلى الله في منتهى الطاعة والخشوع: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]. إذن فهناك ما هو أكثر من التفاهم، إن لها عواطف مثلك تماماً، وكما تحزنك حاجة فالأرض أيضاً تبكي، وما دامت تبكي إذن فلها مقابل بأن تفرح، ويقول الله تعالى عن أرض فرعون: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} فلو أنها لم تبك مع بعض الناس؛ لما كان لهذا الكلام ميزة. لذلك قال الإمام علي - كرم الله وجهه -: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع مصلاه؛ لأنه سيحرم من نعمة الإيمان، ومصعد عمله، موضع في الأرض وموضع في السماء .. إذن فلا بد أن نفهم أن لكل شيء شعوراً. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مات المؤمن استبشرت له بقاع الأرض فليس من بقعة إلا وهي تتمنى أن يدفن فيها ". تفسير : لماذا نقول هذا الكلام الآن؟ نقول ذلك حتى إذا ثبت بالعلم أن لكل شيء لغة، ولكل شيء في أجناس الكون تفاهماً، يقال إن فيه ناساً هبت عليهم نسمات الإيمان فأدركوها وأحسوها من القرآن، فلا يدعي أحد أنه ابتكر من ذات نفسه لأنها في القرآن وإن كنا لا نعرف كيف تأتي. وهذه المعركة - معركة أُحد - التي أخذت ستين آية، نجد أن الحق تكلم عنها هنا فقال: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [آل عمران: 121] و{أية : إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ} تفسير : [آل عمران: 122], وقوله: {أية : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} تفسير : [آل عمران: 123]، وبعد ذلك يترك الغزوة في حرارتها ويأتينا بأشياء يضعها هنا، ثم يأتي ليكمل الغزوة. لو أن هذه لقطة من الغزوة وتنتهي ثم يأتي موضوع آخر، لما شغلنا أنفسنا، إنما الغزوة ستأتي فيها ستون آية، فكيف ينهي الكلام في الغزوة ولا يعطينا إلا استهلال الغزوة، وبعد ذلك ينصب القرآن على معانٍ بعيدة عن الغزوة؟ فما الذي يجعله - سبحانه - يترك أمر الغزوة ليقول:{أية : يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ * وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ * هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَِ}تفسير : [آل عمران: 130-138]. لماذا لم يعطنا الحق إلا استهلال الغزوة وبعد ذلك انصب على قضايا أولها قضية الربا، ما العلاقة بين هذه القضايا وتلك الغزوة؟. وأقول: رحم الله صاحب الظلال الوارفة الشيخ سيد قطب فقد استطاع أن يستخلص من هذه النقلة مبادئ إيمانية عقدية لو أن المسلمين في جميع بقاع الأرض جعلوها نصب أعينهم لما كان لأي دولة من دول الكفر غلب علينا. ونريد أن نفهم هذه اللقطات، ولماذا استهلت بمسألة الربا؟ لأن الذي كان سبباً في الهزيمة أو عدم النصر في معركة أُحد أنهم طمعوا في الغنيمة. والغنيمة مال زائد، والربا فيه طمع في مال زائد. والقرآن حين يعالج هنا قضية حدثية، والأحداث أغيار تمر وتنتهي، فهو سبحانه يريد أن يستبقي عطاء الحدث ليشيع في غير زمان الحدث، وإلا فالحدث قد يمر بعظاته وعبره وينتهي ولا تكون له فائدة. والنفس حين تمر بالأحداث تكون ملكاتها متفتحة؛ لأن الحدث - كما قال المغفور له الشيخ سيد قطب - يكون ساخناً، فحين يستغل القرآن الحدث قبل أن يبرد فإن القضية التي تتعرض لها الموعظة تتمكن من النفس البشرية. وهو سبحانه لم يرد أن تمر أحداث أُحد بما فيها من العبر والعظات إلا ويستغلها القرآن الكريم ليثبت بها قضايا إيمانية تشيع في غير أزمنة الحدث من الحروب وغيرها لتنتظم أيضاً وقت السلام. فآية الربا هنا كأنما سقطت وسط النصوص التي تتعرض لغزوة أحد. والسطحيون قد يقولون: ما الذي جعل القرآن ينتقل من الكلام عن أُحد إلى أن يتكلم في الربا مرة ثانية بعد أن تكلم عنه أولاً؟ ونقول: إن القرآن لا يؤرخ الأحداث، وإنما يُريد أن يستغل أحداثاً ليبسط ويوضح ما فيها من المعاني التي تجعل الحدث له عرض وله طول وله عمق؛ لأن كل حدث في الكون يأخذ من الزمن قدر الحدث، والحدث له طول هو قدر من الزمن، يكون ساعة أو ساعتين أو ليلة مثلاً، هذا هو طول الحدث. والأحداث التي يجريها الله لها طول يحدده عمر الحدث الزمني، ولها عرض يعطيها الاتساع، فبعد أن كانت خطاً مستقيماً صارت مساحة، ويجعلها الحق شاملة لأشياء كثيرة، فهو لا يريد للحدث أن يسير كخط مستقيم، بل يريده طريقاً واسعاً له مساحة وله عرض. هذا العرض يعطيه رقعة مساحية تأخذ كثيراً من الأشياء، وهذا أيضاً قد ينتهي مع الحدث، ولذلك يريد الله أن يعطي للحدث بعداً ثالثاً وهو العمق في التاريخ فيعطي عطاءه، كما نستفيد نحن الآن من عطاء حدث هو غزوة أُحد. إذن فالحدث له حجم أيضاً، وهذا ما يجعل الناس تقف لتقول: إن صلة الرحم تطيل العمر، والعمر له حد زمني محدد وهو الخط المستقيم له، فهناك واحد يزيد من عرض عمره، فبدلاً من أن ينفع الناس في مجال صغير فهو يعمل وينفع في مجال أوسع، إذن فهو يعطي لعمره مساحة. وهناك إنسان آخر يريد أن يكون أقوى في العمر، فماذا يعمل؟ إنه يعطي لعمره عمقاً، فبدلاً من أن يعمل لمجرد حياته وينتهي عمره مهما كانت رقعته واسعة، فهو يزيد من عمله الصالح ويترك أثراً من علم أو خير يستمر من بعد حياته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ". تفسير : ولذلك يقول الحق: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [إبراهيم: 24-25]. هي كلمة طيبة قيلت، لكنّها مثل الشجرة الطيبة؛ لأنها ترسخ في أذن من يسمعها فتصير حركة خاضعة للكلمة، وكلما فعل السامع لهذه الكلمة فعلاً ناتجاً من تأثير هذه الكلمة فإن بعض الثواب يعود إلى من قال هذه الكلمة حتى ولو كان قد مات. فكأن قائل هذه الكلمة ما زال يعيش، وكأن عمره قد طال بكلمته الطيبة, إذن فأعمال الخير التي تحدث من الإنسان ليس معناها أنها تطيل العمر؛ لأن العمر محدود بأجل، ولكنْ هناك إنسان يعطي عمره عرضاً، وآخر يعطيه عمقاً ويظل العطاء منه موصولاً إلى أن تقوم الساعة، فكأنه أعطى لنفسه عمراً خالداً. ويقولون: والذكر للإنسان عمر ثان. والحق سبحانه وتعالى يوضح الدروس المستفادة من غزوة أُحد، إن أول مخالفة كانت سبباً ليس في الهزيمة، ولكن دعنا نقل: "في عدم إتمام النصر"، لأنهم بدأوا منتصرين، ولم يتم النصر لأنه قد حدثت مخالفة، ودوافع هذه المخالفة انهم ساعة رأوا الغنائم، اندفعوا إليها، إذن فدوافعها هي طلب المال من غير وجه مشروع؛ لأن النبي قال لهم: "حديث : انضحوا عنا الخيل ولا نؤتين من قبلكم، الزموا أماكنكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم"تفسير : وبهذا صارت مبارحة المكان أمراً غير مشروع، فتطلع النفس إلى شيء في غير ما أمر به رسول الله يعتبر أمراً غير مشروع والتطلع هنا كان للمال، وهكذا الربا. وأراد الحق أن تكون سخونة الحدث، والأثر الذي نشأ من الحدث في أن المسلمين لم يتم نصرهم، وتعبوا، وكان مصدر التعب أن قليلاً منهم أحبوا المال الزائد من غير وجهه المشروع. فأراد - سبحانه - أن يكون ذلك مدخلاً لبيان الأثر السيء للتعامل بالربا. إذن فهذه مناسبة في أننا نجد آية الربا هنا وهي توضح الآثار السيئة للطمع في المال الزائد عن طريق غير مشروع، والقرآن فيه الكثير من المواقف التي توضح آثاراً تبدو في ظاهرها غير مترابطة، ولكن النظرة العميقة تؤكد الترابط. وقلنا من قبل في قول الله تعالى: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 238-239]. قد يقول أحد السطحيين: إن الحق سبحانه وتعالى كان يتكلم عن الطلاق قبل هاتين الآيتين فقال سبحانه: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}تفسير : [البقرة: 237]. ويترك الحق الحديث عن الطلاق ويأمر بالحفاظ على الصلاة بقوله الحكيم: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238]. وبعد ذلك يعود الحق لاستكمال حديث الطلاق والفراق بالموت. {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 240]. إنه يتكلم عن الطلاق، والوفاة، ثم ينزل بينهما آية الصلاة، لماذا؟ ليتضح لنا أن المنهج الإسلامي منهج متكامل. إياك أن تقول: إن الطلاق غير الصلاة، غير الوفاة، أبداً، إنه منهج متكامل. ولأنه - سبحانه وتعالى - يريد أن ينبهنا إلى أن الطلاق عملية تأتي والنفس فيها غضب, وتأتي والزوج والزوجة وأهل الزوج وأهل الزوجة في كدر، فيقول لهم المنهج: لو كنتم تحسنون الفهم لفزعتم إلى الصلاة حين تواجهكم هذه الأمور التي فيها كدر. وساعة تكون في كدر قم وتوضأ وصَلِّ، لأن النبي علمنا أنه إذا حَزَبَه أمر قام إلى الصلاة، فساعة تجد الجو المشحون بالتوتر بين الزوج والزوجة وأهلهما قل لهم: المسألة صارت أكبر من حيلنا، فهيا نصل ليساعدنا الله على حل هذه المسائل الصعبة, وأنا أتحدى ألا يوجد الله حلاً لمشكلة لجأ فيها المسلم إلى الصلاة قبلها. وهكذا نفهم أن الحق قال: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] لأن محافظتكم عليها هي التي ستنهي كل الخلافات؛ لأن الله لايكون في بالكم ساعة ضيقكم وفي ساعة شدتكم فتستسلمون للضيق والشدة وتنسون الصلاة، في الوقت الذي يكون فيه الإنسان أحوج ما يكون إلى الصلاة. إنك في وقت الضيق والشدة عليك أن تذهب إلى ربك، وأقول هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن الولد الذي يضربه أصحابه يذهب إلى أبيه، كذلك زوجتك إذا أغضبتها تذهب إلى أهلها، فكيف لا تذهب إلى ربك وقت شدتك وكربك؟. وهكذا نجد أن قوله الحق: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] جاء في المكان الصحيح، وهكذا آية الربا، جاءت في مكانها هنا وخصوصاً أنه تكلم عن الربا أولاً، فتأتي الحادثة وسخونة الحدث وينزل هذا القرآن الكريم كي يعرف كل من يريد مالاً زائداً على غير ما شرع الله أنه سيأتي منه البلاء على نفسه وعلى غيره، فالبلاء في أُحد شمل الجميع: الرماة وغير الرماة أيضاً. إذن فكل الدنيا تتعب عندما تخالف منهج الله، والمال الزائد من غير ما شرع الله إن لم يترك فقد آذن الله من يأكله بحرب من الله ومن رسول الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):