٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
128
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قولان الأول: وهو المشهور: أنها نزلت في قصة أحد، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها: أنه أراد أن يدعو على الكفار فنزلت هذه الآية والقائلون بهذا ذكروا احتمالات أحدها: روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم» ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية وثانيها: ما روى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أقواماً فقال: «حديث : اللّهم العن أبا سفيان، اللّهم العن الحرث بن هشام، اللّهم العن صفوان بن أُمية» تفسير : فنزلت هذه الآية {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم وثالثها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رآه ورأى ما فعلوا به من المثلة قال: «حديث : لأمثلن منهم بثلاثين»، تفسير : فنزلت هذه الآية، قال القفال رحمه الله، وكل هذه الأشياء حصلت يوم أحد، فنزلت هذه الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات الثاني: في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت بسبب أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله من ذلك وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. الوجه الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين انهزموا وخالفوا أمره ويدعو عليهم فنزلت الآية، فهذه الاحتمالات والوجوه كلها مفرعة على قولنا إن هذه الآية نزلت في قصة أحد. القول الثاني: أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جمعاً من خيار أصحابه إلى أهل بئر معونة ليعلموهن القرآن فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم فجزع من ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم جزعاً شديداً ودعا على الكفار أربعين يوماً، فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل وهو بعيد لأن أكثر العلماء اتفقوا على أن هذه الآية في قصة أحد، وسياق الكلام يدل عليه وإلقاء قصة أجنبية عن أول الكلام وآخره غير لائق. المسألة الثانية: ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيه فعلاً، وكانت هذه الآية كالمنع منه، وعند هذا يتوجه الإشكال، وهو أن ذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى، فكيف منعه الله منه؟ وإن قلنا إنه ما كان بأمر الله تعالى وبإذنه، فكيف يصح هذا مع قوله {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3] وأيضاً دلت الآية على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالأمر الممنوع عنه في هذه الآية إن كان حسناً فلم منعه الله؟ وإن كان قبيحاً، فكيف يكون فاعله معصوماً؟. والجواب من وجوه الأول: أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه كان مشتغلاً به فإنه تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وأنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك قط وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 1] فهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله، ثم قال: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وهذا لا يدل على أنه أطاعهم، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغم الشديد، والغضب العظيم، وهو مثلة عمه حمزة، وقتل المسلمين، والظاهر أن الغضب يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل، فلأجل أن لا تؤدي مشاهدة تلك المكاره إلى ما لا يليق من القول والفعل نص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته وتأكيداً لطهارته والثاني: لعله عليه الصلاة والسلام إن فعل لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل والأولى، فلا جرم أرشده الله إلى اختيار الأفضل والأولى، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 126، 127] كأنه تعالى قال: إن كنت تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانياً: وإن تركته كان ذلك أولى، ثم أمره أمراً جازماً بتركه، فقال: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ }. الوجه الثالث: في الجواب: لعلّه صلى الله عليه وسلم لما مال قلبه إلى اللعن عليهم استأذن ربه فيه، فنص الله تعالى على المنع منه، وعلى هذا التقدير لا يدل هذا النهي على القدح في العصمة. /المسألة الثالثة: قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } فيه قولان الأول: أن معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء وعلى هذا فنقل عن المفسرين عبارات أحدهما: ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك وثانيها: ليس لك من مسألة إهلاكهم شيء، لأنه تعالى أعلم بالمصالح فربما تاب عليهم وثالثها: ليس لك في أن يتوب الله عليهم، ولا في أن يعذبهم شيء. والقول الثاني: أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي، والمعنى: ليس لك من أمر خلقي شيء إلا إذا كان على وفق أمري، وهو كقوله {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ } تفسير : [الأنعام: 62] وقوله {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } تفسير : [الروم: 4] وعلى القولين فالمقصود من الآية منعه صلى الله عليه وسلم من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية، ثم اختلفوا في أن المنع من اللعن لأي معنى كان؟ منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب، أو إن لم يتب لكنه علم أنه سيولد منه ولد يكون مسلماً براً تقياً، وكل من كان كذلك، فإن اللائق برحمة الله تعالى أن يمهله في الدنيا وأن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد فإذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك، فإن قبلت دعوته فات هذا المقصود، وإن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من اللعن وأمره بأن يفوض الكل إلى علم الله تعالى، ومنهم من قال: المقصود منه إظهار عجز العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته، هذا هو الأحسن عندي والأوفق لمعرفة الأصول الدالة على حقيقة الربوبية والعبودية. المسألة الرابعة: ذكر الفرّاء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين أحدهما: أن قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } عطف على ما قبله، والتقدير: ليقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، ويكون قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه، كما تقول: ضربت زيداً، فاعلم ذلك عمراً، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها. والقول الثاني: أن معنى {أَوْ } ههنا معنى حتى، أو إلا أن كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي والمعنى: إلا أن تعطيني أو حتى تعطيني، ومعنى الآية ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا: وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة، فلو كانت الإرادات فعلاً للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو محال، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق الله تعالى وتكوينه إبتداء، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق الله تعالى، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه ظاهر القرآن، هو قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة. أما قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام وهو أنه تعالى سماهم ظالمين، لأن الشرك ظلم قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً، لأن من عصى الله فقد ظلم نفسه. المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب الدنيا، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى الله. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } جملة مستقلة، إلا أن المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب، والمعنى: أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: ثبت في صحيح مسلم: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كُسِرت رَباعِيته يوم أُحُد، وشُجّ في رأسه، فجعل يسْلِتُ الدمَ عنه ويقول: «كيف يُفلح قوم شَجّوا رأس نبِيهم وكسروا رباعِيته وهو يدعوهم إلى الله تعالىٰ». فأنزل الله تعالىٰ {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}. الضحاك: هَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ على المشركين فأنزل الله تعالىٰ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}. وقيل: ٱستأذن في أن يدعو في ٱستئصالهم، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيُسلِم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعِكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ٱبن عمر قال: وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عزّ وجلّ {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} فهداهم الله للإسلام. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقوله تعالىٰ: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} قيل: هو معطوف على {لِيَقْطَعَ طَرَفاً}. والمعنى: ليقتل طائفة منهم، أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم. وقد تكون «أو» هٰهنا بمعنى «حتى» و «إلاَّ أن». قال ٱمرؤ القيس:شعر : *... أو نَمـوتَ فَنُعْـذَرَا تفسير : قال علماؤنا: قوله عليه السَّلام: «حديث : كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم»تفسير : ٱستبعاد لِتوفيق مَن فَعل ذلك به. وقوله تعالىٰ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تقريب لما ٱستبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أُطْمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللَّهُمَّ ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» تفسير : كما في صحيح مسلم عن ٱبن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبِياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «حديث : رب ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : . قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ٱبن مسعود هو الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو المحكي عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبَيِّناً. أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقّاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهمٰ فقال: «حديث : إني لم أبعث لَعّاناً ولكني بعثت داعِياً ورحمة، اللَّهم ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : . فكأنه عليه السَّلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا. ويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26] الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا؛ فقد وُطِيء ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيراً، فقلت: «رب ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وقوله: «حديث : ٱشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم»تفسير : يعني بذلك المباشرَ لذلك، وقد ذكرنا ٱسمه على ٱختلاف في ذلك، وإنما قلنا إن خصوص في المباشر؛ لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحُداً وحسن إسلامهم. الثانية: زعم بعض الكوفيين أن هذ الآية ناسخة للقُنُوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح، وٱحتج. بحديث ٱبن عمر أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع فقال: «حديث : اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد في الآخرة ـ ثم قال ـ اللَّهُمَّ ٱلعن فلاناً وفلاناً»تفسير : فأنزل الله عزّ وجلّ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} الآية. أخرجه البخاريّ، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة أتمّ منه. وليس هذا موضع نسخ وإنما نَبّه الله تعالىٰ نبيه على أن الأمر ليس إليه، وأنه لا يعلم من الغيب شيئاً إلاَّ ما أعلمه، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء. والتقدير: ليس لك من الأمر شيء ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء. فلا نسخ، والله أعلم، وبَيّن بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} أن الأمور بقضاء الله وقدره رَدّاً على القدرية وغيرهم. الثالثة: واختلف العلماء في القُنُوت في صلاة الفجر وغيرها؛ فمنع الكوفيون منه في الفجر وغيرها. وهو مذهب الليث ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحب مالك، وأنكره الشعبي وفي الموطأ عن آبن عمر: أنه كان لا يَقْنُتُ في شيء من الصلاة. وروى النسائي أنبأنا قتيبة عن خلف عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقْنُت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقْنُت، وصليت خلف عمر فلم يقْنُت، وصليت خلف عثمان فلم يقْنُت وصليت خلف علي فلم يقْنُت؛ ثم قال: يا بُني إنها بدعة. وقيل: يقنت في الفجر دائماً وفي سائر الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ قاله الشافعي والطبري. وقيل: هو مُستَحَب في صلاة الفجر، ورُوي عن الشافعي. وقال الحسن وسحْنُون: إنه سنة. وهو مقتضى رواية علي بن زياد عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمداً. وحكى الطبري الإجماع على أن تركه غير مفسد للصلاة. وعن الحسن: في تركه سجود السَهُو؛ وهو أحد قولي الشافعي. وذكر الدارقطني عن سعيد ٱبن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: يسجد سجدتي السّهْو، واختار مالك قبل الركوع؛ وهو قول إسحاق. ورُوي أيضا عن مالك بعد الركوع، ورُوي عن الخلفاء الأربعة؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأيضا. ورُوي عن جماعة من الصحابة التخيير في ذلك. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وذكر أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مُضَر إذْ جاءه جبريل فأومأ إليه أن أسكت فسكت؛ فقال: «يا محمد إنَّ الله لم يبعثك سَباباً ولا لُعاناً وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عَذاباً لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمر شَيءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهُم أو يُعَذِبَهُمْ فَإِنَهُمْ ظَالِمُونَ» قال: ثم علمه هذا القُنُوت فقال: «اللَهم إنا نستعِينُك ونستغْفِرُك ونؤمِنُ بِك ونَخْنع لك ونَخْلَع ونتْرُكُ من يَكْفُركَ اللّهم إِيَاك نَعْبُدَ ولك نُصلِّي ونَسْجُدُ وإِليك نسْعى ونَحْفِدُ ونَرْجُو رحمتك ونخافُ عذابَك الجِدَّ إِنَّ عذابك بالكافرين مُلْحِق».
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما كُسِرَت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه يوم أحد وقال «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم» {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } بل الأمر لله فاصبر {أَوْ } بمعنى إلى أن {يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } بالإسلام {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ } بالكفر.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} في عقابهم واستصلاحهم، أو فيما نفعله في أصحابك وفيهم، بل إلى الله ـ تعالى ـ التوبة عليهم، أو الانتقام منهم، أو قال قوم بعد كسر رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يفلح من فعل هذا بالرسول صلى الله عليه وسلم مع حرصه على هدايتهم فنزلت أو استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء عليهم فنزلت بمنعه، لأن في علمه ـ سبحانه وتعالى ـ أن فيهم من يؤمن.
ابن عادل
تفسير : اختلفوا في سبب النزول. فقيل: نزلت في قصة أُحُد، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يدعُوَ على الكفار، فنزلت هذه الآيةُ، وهؤلاء ذكروا أقوالاً: أحدها: أن عُتْبَةَ بن أبي وقاص شجَّه، وكسر رَبَاعِيَتَهُ، فجعل يمسحُ الدمَ عن وجهه، وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، وهو يقول: كيف يُفْلِح قومٌ خضَّبوا وَجْه نبيهم بالدم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ ثم أراد أن يدعُوَ عليهم، فنزلت هذه الآية. وروى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لَعَنَ أقواماً، فقال: حديث : اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارثَ بن هشام، اللهم العن صفوانَ بن أمَيَّةتفسير : فنزلت هذه الآية. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فتابَ على هؤلاءِ، وحَسُنَ إسلامهم. وقيل: نزلت في حَمْزَةَ بن عبد المطلب لما رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما فعلوا به من المُثْلَة، قال: لأمَثِّلَنَّ بهم كما مثّلوا به. فنزلت هذه الآية. قال القفال: وكل هذه الأشياء حصلت يومُ أُحُد، فنزلت الآيةُ عند الكل، فلا يمنع حملها على الكل. الثاني: أنها نزلت بسبب أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلعنَ المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا، فمنعه الله من ذلك قاله ابنُ عباس. الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أنْ يستغفرَ للمسلمين الذين انهزموا، وخالفوا أمره، ويدعوَ لهم، فنزلت الآية. القول الثاني: أنها نزلت في واقعةٍ أخرى، وهي أنه صلى الله عليه وسلم بعث جَمْعاً من خيار أصْحَابه - وهم سبعون رجلاً من القُرَّاء إلى بِئْر معونة، في صفر سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد، ليُعَلِّموا الناسَ القرآن والعلم، أميرهم المنذر بن عمرو، فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره فقتلهم، فوَجِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وَجْداً شديداً، وقَنَتَ شهراً في الصلوات كلِّها يدعو على جماعة من تلك القبائلِ باللعن والسنين، فنزلت الآية، قاله مقاتل وأكثر العلماء متفقون على أنها في قصة أحد. فإن قيل: ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت للمنع من أمرٍ كان صلى الله عليه وسلم يريد أن يفعلَه، وذلك الفعل إن كان بأمر الله، فكيف يمنعه منه؟ وإن كان بغير أمر الله، فكيف يصح هذا مع قوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3]؟ وأيضاً فالآية دالة على عصمة الأنبياء، فالأمر الممنوع منه في هذه الآية، إن كان حَسَناً فلِمَ منعه اللهُ؟ وإن كان قبيحاً، فكيف يكون فاعله معصوماً؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن المنعَ من الفعل لا يدل على أن الممنوع كان مُشْتَغَلاً به؛ فإنه تعالى - قال للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]، وإنه صلى الله عليه وسلم لم يُشْرِك قط، وقال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 1] وهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله، ثم قال: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الأحزاب: 1]، وهذا لا يدل على أنه أطاعهم، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغَمَّ الشديد، والغضب العظيم، وهو قَتْل عمه حمزةَ، وقتل المسلمين. والظاهر أن هذا الغضب يَحْمِل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل، فنصَّ الله على المنع؛ تقويةً لِعصْمَته، وتأكيداً لطهارته. والثاني: لعله صلى الله عليه وسلم همَّ أن يفعلَ، لكنه كان ذلك من باب تَرْك الأفضل، والأوْلَى، فلا جرم، أرشده الله تعالى إلى اختيار الأوْلَى، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 126-127] فكأنه - تعالى - قال: إن كان لا بد أن تعاقب ذلك الظالمَ فاكتفِ بالمثل، ثم قال ثانياً: وإن تركته كان ذلك أوْلَى، ثم أمره أمراً جازِماً بتَرْكِه، فقال: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 127]. ووجه ثالث: وهو أنه صلى الله عليه وسلم لما مال قلبه إلى اللعنة عليهم، استأذن ربه فيه، فنزلت الآية بالنص على المنع. وعلى هذا التقدير، فلا يدل هذا النهي على القدح في العِصْمة. فصل في معنى الآية قولان: الأول: ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أُوحِي إليك. وثانيها: ليس لك في أن يتوبَ الله عليهم، ولا في أن يعذبَهم شيء إلا إذا كان على وفق أمري، وهو كقوله: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} تفسير : [الأنعام: 62]، واختلفوا في هذا المنع من اللعن، لأي معنًى كان؟ فقيل: الحكمة فيه أنه - تعالى - ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب، وأنه سيولد له وَلَدٌ، يكون مسلماً، بَرًّا، تقيًّا، فإذا حصل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم بالهلاك، فإن قُبلت دعوتُه فات هذا المقصود، وإنْ لم تُقْبَلْ دعوتُه كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى - من اللَّعْن، وأمره بأن يُفَوِّضَ الكل إلى علم الله سبحانه وتعالى. وقيل المقصود منه إظهار عجز العبودية وألا يخوض العبد في أسرار الله تعالى. قوله: {أَوْ يَتُوبَ} في نصبه أوجهٌ: أحدها: أنه معطوف على الأفعال المنصوبة قبلَه، تقديره: لِيقطَعَ، أو يتوبَ عليهم، أو يكبتهم، أو يعذبهم. وعلى هذا فيكون قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} جملة معترضة بين المتعاطِفَيْن، والمعنى: إن الله تعالى هو المالك لأمرهم، فإن شاء قطع طرفاً منهم، أو هزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا، أو يعذبهم إن تمادَوْا على كُفْرهم، وإلى هذا التخريج ذهب جماعة من النحاة كالفراء، والزجاج. الثاني: أن "أو" هنا بمعنى "إلا أن" كقولهم: لألزمنك أو تقضين حقي أي: إلا أن تقتضينه. الثالث: "أوْ" بمعنى: "حتى"، أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب وعلى هذين القولين فالكلام متصل بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}، والمعنى: ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم بالإسلام، فيحصل لك سرور بهدايتهم إليه، أو يعذبهم بقتل، أو نار في الآخرة، فتشقى بهم، وممن ذهب إلى ذلك الفراء، وأبو بكر بن الأنباري، قال الفراء: ومثل هذا من الكلام: لألزمنك أو تعطيني، على معنى إلا أن تُعطيني وحتى تعطيني وأنشدوا في ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 1613- فَقُلْتُ لَهُ: لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا تُحَاوِلُ مُلْكاً، أوْ تَمُوتَ، فَتُعْذَرَا تفسير : أراد: حتى تموت، أو: إلا أن تموت. قال شهاب الدين: "وفي تقدير بيت امرئ القيس بـ "حتى" نظر؛ إذ ليس المعنى عليه؛ لأنه لم يفعل ذلك لأجل هذه الغاية، والنحويون لم يقدروه إلا بمعنى: إلا أنْ". الثالث: منصوب بإضمار: "أنْ" عطفاً على قوله: "الأمر"، كأنه قيل: ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم، أو تعذيبهم شيء، فلما كان في تأويل الاسم عُطِفَ على الاسم قبلَه، فهو من باب قوله: [الطويل] شعر : 1614- فَلَوْلاَ رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أعِزَّةٌ وَآلُ سُبَيْعٍ، أوْ أسُوءَكَ عَلْقَمَا تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 1615- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ، وَتَقَرَّ عَيْنِي أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ تفسير : الرابع: أنه معطوف - بالتأويل المذكور - على "شَيءٌ"، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء، أو توبة الله عليهم، أو تعذيبهم، أي: ليس لك - أيضاً - توبتهم ولا تعذيبهم، إنما ذلك راجع إلى الله عز وجل. وقرأ أبّيّ: أو يتوبُ، أو يعذبهم، برفعهما على الاستئناف في جملة اسمية، أضْمِر مبتدؤُها، أي: هو يتوبُ، ويعذبُهم. فصل يحتمل أن يكون المراد من هذا العذاب: هو عذاب الدنيا - بالقَتْل والأسْر - وأن يكون عذابَ الآخرة، وعلى التقديرين فعِلْمُ ذلك مُفَوَّضٌ إلى الله تعالى. قوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} جملة مستقلة، والمقصود من ذكرها: تعليل حسن والتعذيب، والمعنى: إن يعذبهم فبظلمهم. واعلم أنه إذا كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفار صَحَّ ذلك، وسمَّاهم ظالمين؛ لأن الشرك ظلم، بل هو أعظم الظلم؛ لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وإن كان الغرضُ منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره، صح الكلام - أيضاً -؛ لأن من عصى الله، فقد ظلم نفسه.
البقاعي
تفسير : ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال تعالى: {ليس لك من الأمر} أي فيهم ولا غيرهم {شيء} موسطاً له بين المتعاطفات، يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد، بل الأمر له كله، إن أراد فعل بهم ما تريد، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم، وذلك معنى قوله: {أو يتوب عليهم} أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم {أو يعذبهم} كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد، أو يعذبهم هو من غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر مع النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم. ثم علل الأقسام الأربعة بقوله: {فإنهم ظالمون *} وفي المغازي من صحيح البخاري معلقاً عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: " حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت {ليس لك من الأمر شيء} - إلى قوله: {ظالمون} " تفسير : ورواه موصولاً في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ، وفيه "حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً ". تفسير : ولما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبيناً لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر بـ "ما" لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر {وما في الأرض} كذلك مِلكاً ومُلكاً فهو يفعل في مِلكه ومُلكه ما يشاء، وفي التعبير بـ "ما" أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل. ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال - مترجماً لذلك مقرراً لقوله: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128]: {يغفر لمن يشاء} أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره {ويعذب من يشاء} بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل. ولما كان صلى الله عليه وسلم لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: {والله} أي المختص بالجلال والإكرام {غفور رحيم *} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح {ليس لك} [آل عمران: 128] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى الأمر وحده. ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة واشتد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها. ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع الشهوات فكان مبعداً لمتعاطيه من الرحمة مدنياً من النقمة، وكان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل تعالى عليهم بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، صدقوا إيمانكم بأن {لا تأكلوا الربا} أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح، وهو كما ترى إقبال متلطف منادٍ لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل {أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : [البقرة: 3]؛ {أية : والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}تفسير : [آل عمران: 17]؛ {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} تفسير : [آل عمران: 92] ناهٍ عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو غيرها بطريق الإشارة بدلالة التضمن، إذ المطلق جزء المقيد، ففي هذه العبارة التي صريحها ناهٍ عن الإقبال على الدنيا إقبالاً يوجب الإعراض عن الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما يردع من له أدنى تقوى، ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان في كل زمان {أية : فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} تفسير : [البقرة: 278]، {أية : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} تفسير : [البقرة: 86]. ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب، وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة، دلالة على تناهي الحب للتكاثر، ناسب المقام ربا التضعيف فقال: - أو يقال: لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة، وكان حب الزيادة حلالاً قد يجر إلى حبها حراماً، فيجر إلى الربا المضاعف، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال -: {أضعافاً مضاعفة} أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلاً عن الإعراض عنه فضلاً عن الإقبال عليه، فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها، وعلى مطلق الزيادة بتضمنها، وهي من وادي قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه "تفسير : وختام الآية بقوله: {واتقوا الله} أي الملك الأعظم {لعلكم تفلحون} مشير إلى ذلك، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم، ويمنعكم إن تساهلتم، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلاً وقوة بطريق الإشارة، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها، والناظم حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سبباً لنزول هذه الآية ووضعها عنا، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد، فقد كان حلفه صلى الله عليه وسلم أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه حمزة رضي الله عنه سبباً لنزول آخر سورة النحل {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} تفسير : [النحل: 126] إلى آخرها، ولم توضع هنا، والأمر الصالح لأن يكون سبباً لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن عمروا بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضباً لهم، أم غضباً لله عز وجل؟ فقال: بل غضباً لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمات فدخل الجنة وما صلى لله عز وجل صلاة. والقصة في جزء عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي - بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي، والجزء السابع عشر من المجالسة للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ أبي داود، ولفظ العيشي: إن عمرو بن وقش - وقال الدينوري: أقيش - كان له ربا في الجاهلية، وكان يمنعه ذلك الربا من الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم، فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم - زاد الدينوري: وأصحابه بأحد فقال: أين سعد ابن معاذ؟ وقال العيشي: فقال لقومه: أين سعد بن معاذ؟ قالوا: هو بأحد، قال الدينوري: فقال: أين بنو أخيه؟ قالوا: بأحد، فسأل عن قومه، فقالوا: بأحد، فأخذ سيفه ورمحه ولبس لأمته، ثم أتى أحداً؛ وقال الدينوري: ثم ذهب إلى أحد، فلما رآه السملمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت! فقاتل فحمل إلى أهله جريحاً، فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته -: سليه! وقال العيشي: فقال لأخته: ناديه، فقولي؛ وقال الدينوري: فقالت: أجئت غضباً لله ورسوله أم حمية وغضباً لقومك؟ فنادته، فقال: جئت غضباً لله ورسوله! فمات فدخل الجنة ولم يصل لله قط؛ وقال الدينوري: قال أبو هريرة: ودخل الجنة، وما صلى لله صلاة. ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنهم أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط؛ وقال الواقدي: أخبروني برجل يدخل الجنة لم يسجد لله قط، فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه: هو أخو بني عبد الأشهل؛ وقال ابن إسحاق: فإذا لم يعرفه الناس سألوا: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش رضي الله تعالى عنه؛ زاد ابن إحساق: قال الحصين - يعني شيخه: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيف فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم! ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث! فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إنه لمن أهل الجنة " تفسير : والمعنى على هذا: يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة فتهلكوا، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلاً، ومن أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيراً جليلاً، لأن مَن له ملك السماوات والأرض يفعل ما يشاء، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى الأضعاف المضاعفة، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة الناهية عن مطلق الربا، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر، وهذا من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه، فحرم ربا الفضل في آيات البقرة، ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف، ثم نص عليه في هذه الآية، فصار محرمأً مرتين: مفهوماً ومنطوقاً، مع ما أفاد ذكره من النكت التي تقدم التنبيه عليها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أويعذبه فإنهم ظالمون}" . تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: "حديث : ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقد جرح في وجهه، وأصيب بعض رباعيته وفوق حاجبه فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: "حديث : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم فقال كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟ فهمَّ أن يدعو عليهم. فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال:"حديث : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انكشف عنه أصحابه يوم أحد، كسرت رباعيته وجرح وجهه فقال وهو يصعد على أحد كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله مكانه {ليس لك من الأمر شيء} الآية ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، "حديث : ان رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في وجهه، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟ فانزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية. فنزلت هذه الآية {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} فتيب عليهم كلهم ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر. فانزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية فهداهم الله للإسلام "تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة؛ "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ـ يجهر بذلك ـ وكان يقول في بعض صلاته ـ في صلاة الفجر ـ اللهم العن فلاناً وفلاناً... لأحياء من أحياء العرب ـ يجهر بذلك ـ حتى أنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} وفي لفظ اللهم العن لحيان، ورعلا، وذكوان، وعصية، عصت الله ورسوله. ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله {ليس لك من الأمر شيء} الآية" "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن ابن عمر، "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في صلاة الفجر بعد الركوع ـ في الركعة الآخرة ـ فقال اللهم العن فلاناً وفلاناً ـ ناساً من المنافقين دعا عليهم ـ فأنزل الله {ليس لك من الأمرشيء} الآية ". تفسير : وأخرج ابن إسحق والنحاس في ناسخه عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "حديث : جاء رجل من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تنهى عن السبي يقول: قد سبى العرب. ثم تحول قفاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكشف استه فلعنه ودعا عليه. فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية. ثم أسلم الرجل فحسن إسلامه ".
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} [الآية: 128]. قال النورى: ليس لك من الأمر شىء ولكن الأمر كله إليك. قال: لك من الأمر، فالأمرُ كله إليك وليس لك منه شىء جل قدرك أن يلاحظ غير الحق فيما يبدئ ويعيد.
القشيري
تفسير : الإله من له الأمر والنهي، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - (صلى الله عليه وسلم) - من الأمر والنهي شيء. ويقال جرَّده - بما عرَّفه وخاطبه - عن كلِّ غيرٍ ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شيء، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّد الأولين والآخرين شيء من الأمر فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر؟ ويقال استأثر (بِسَتْرِ عباده في حكمه) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادي وأعذِّب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك - يا محمد - لا تدري سرى فيهم. ويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقالت: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له في وقت آخر: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} ثم زاد في البيان فقال: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. فإذا كان المُلْك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذَّبه، ومن شاء قرَّبه، ومن شاء هداه، ومن شاء أغواه.
البقلي
تفسير : {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} اراد السيد عليه السلام تقديس حضرة لا جلال عن انفاس المجرمين فى قولهم بما لا يليق بجلال الله من الشرك والكفر لئلا يبقى فى ساحة الكبرياء من فى قلبه غير الله غيره على جمال وجهه تعالى من سوّغه حبه وشدة ارادته لم يطالع امر القدم الذى جرى العناية فى حق المستورين من بينهم باستار عوارض الامتحان فغاليته الحق اين انت من مشاهدة سبق عنايتى لهم انعم نظرك فى ديوان الازل فانهم سعداننى ولي لك فى هذه الغيرة من امر القدم ومشية الازل فى وقتك حين احتجبت بغيرتك على امرهم شئ وان صرفت منك الى ----- امر المشية وتستغنى من الدماء عليهم وتصديق ذلك قوله تعالى {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} ثم ان الله سبحانه ادب نبيه صلى اله عليه وسلم ههنا باحسن الادب بشيئين احدهما انه اهل الكرم والرحمة من العرش الى الثرى حيث وصفه الله بكمال الرحمة بقوله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : اى ارحم من حيث انت على امتك ولا تدع عليهم والثانى البسه خلقه تعالى لان من صفته وخلقه الرحمة على الجمهور واعمله الا سوة بالانبياء والمرسلين خص منهم ابراهيم وعيسى بقوله فمن بتعنى فانه منى ومن عصانى فانك غفور رحيم وقال عيسى ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم وقال النورى فى قوله ليس لك من الامر شئ ولكن الامر كله اليك فان لك الامر فالامر كله اليك وليس لك منه شئ جل قدرتك ان تلاحظ غير الحق فيما بعد وتعيد قوله تعالى {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} فى الآية اشارة عجيبة لطيفة وانها وضوح عيان الحق سبحانه حقائق الاية ان المتعد للمؤمنين ولم تخلق لهم لقوله اعدت للكافرين فاذا كانت للكافرين لم يخلق للمؤمنين لكن خوف المؤمنين بها زجر وعظة كالاب البار المشفق على ولده الذى خوف ولده بالاسد وبالسيف وانلم يضر به بالسيف ولا يلقيه عند الاسد فبقى الامر ان هذه الاية تلطف وشفقة على عباده المؤمنين الصادقين واعجب من ذلك انه تعالى حوفهم بالنار والنار للغير ومقصودة تجلى القهر من عظمته للنار وعظم النار من تجلى عظمته اى اتقونى فى النار لا فى احرقالنار واعذبها بى وهذا اسرعين الجمع وقال ابن عطا امر العام بالقاء النار لخوفهم منها وتركهم المعاصى من اجلها وامر الخاص بان يتقوه وينظروا اليه دون غ يره وقال واتقونى يا اولى الالباب اى يا اهل الخصوص.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليس لك من الامر شىء} اعتراض {او يتوب عليهم او يعذبهم} عطف على قوله او يكبتهم والمعنى ان الله مالك امرهم على الاطلاق فاما ان يهلكهم او يكبتهم او يتوب عليهم ان اسلموا او يعذبهم تعذيبا شديدا اخرويا ان اصروا وليس لك من امرهم شىء وانما انت عبد مأمور لانذارهم وجهادهم {فانهم ظالمون} قد استحقوا التعذيب بظلمهم.
الطوسي
تفسير : القصة، والمعنى: روي عن أنس بن مالك وابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع: انه لما كان من المشركين يوم أحد من كسر رباعية النبي (صلى الله عليه وسلم) وشجه حتى جرت الدماء على وجهه، قال كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم، وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم، فنزلت هذه الآية، فأعلمه الله أنه ليس إليه فلاحهم وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة ويجاهد حتى يظهر الدين. وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص، فدعا (ع) عليه الا يحول عليه الحول حتى يموت كافراً، فمات كافراً قبل حول الحول. وقيل: انه هم بالدعاء عليهم، فنزلت الآية تسكيناً له، فكف عن ذلك. وقال أبو علي الجبائي: انه استأذن ربه يوم أحد في الدعاء عليهم، فنزلت الآية، فلم يدع عليهم بعذاب الاستئصال وإنما لم يؤذن فيه لما كان في المعلوم من توبة بعضهم، وإنابته، فلم يجز أن يقتطعوا عن التوبة بعذاب الاستئصال. فان قيل كيف قال {ليس لك من الأمر شيء} مع أن له أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ما أمره بتبليغه؟ قيل: لأن معناه ليس لك من الامر شيء في عقابهم أو استصلاحهم حتى تقع إنابتهم، فجاء الكلام على الايجاز، لأن المعنى مفهوم لدلالة الحال عليه وأيضاً فانه لا يعتد بما له في تدبيرهم مع تدبير الله لهم، فكأنه قال ليس لك من الأمر شيء على وجه من الوجوه. وقوله: {أو يتوب عليهم} قيل في معناه قولان: أحدهما - أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم، فيتوب عليهم بلطفه لهم. والآخر - أو يقبل توبتهم إذا تابوا، كما قال تعالى {أية : غافر الذنب وقابل التوب} تفسير : ولا تصح هذه الصفة إلا الله عز وجل، لأنه يملك الجزاء بالثواب، والعقاب. فان قيل: كيف قال {أو يعذبهم} مع ما في المعلوم من أن بعضهم يؤمن؟ قيل: لأنهم يستحقون ذلك باجرامهم بمعنى أنه لو فعل بهم لم يكن ظلماً، وان كان لا يجوز أن يقع لوجه آخر يجري مجرى تبقيتهم لاستصلاح غيرهم. وقيل في نصب {أو يتوب عليهم} وجهان: أحدهما - أنه بالعطف على {ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم} {أو يتوب عليهم أو يعذبهم} ويكون {ليس لك من الأمر شيء} اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيداً فافهم ذاك وعمراً. الثاني أن تكون أو بمعنى إلا أن، كأنه قال: ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم أو يعذبهم فيكون أمرك تابعاً لأمر الله برضاك بتدبيره فيه قال امرؤ القيس: شعر : فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا تفسير : أراد إلا أن نموت أو حتى نموت.
الجنابذي
تفسير : {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} جملة معترضة بين المتعاطفات وقطع لظنّ المؤمنين فى انّ امر اهلاك المشركين او احياءهم بايمانهم منوط بمسئلة النّبىّ (ص) {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} الظّاهر انّه عطف على ما قبل قوله {ليس لك من الامر شيء} ويجوز ان يكون عطفاً على الامر او على شيءٍ بتقدير ان ويجوز ان يكون او بمعنى حتّى بتقدير ان اى ليس لك من امرهم شيءٍ حتّى يتوب الله عليهم بمسئلتك، او يكون بمعنى الاّ بتقدير ان اى ليس لك من امرهم شيء الاّ ان يتوب الله عليهم فتسرّ بتوبته وعلى التّقادير الاربعة فقوله ليس لك من الامر يكون منقطعاً جواباً لسؤال مقدّر {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} نسب الى الباقر (ع) انّه قرء {ان تتوب عليهم} او تعذّبهم باظهار ان ولفظ الخطاب ونسب اليه ايضاً انّه قرء {ان يتب عليهم او يعذّبهم} وعنه (ع) انّه قرئ عنده {ليس لك من الامر شيء} قال بلى والله انّ له من الامر شيئاً وشيئاً وليس حيث ذهبت ولكنّى اخبرك انّ الله تعالى لمّا اخبر نبيّه (ص) ان يظهر ولاية علىّ (ع) ففكّر فى عداوة قومه له فيما فضّله الله به عليهم فى جميع خصاله وحسدهم له عليها ضاق عن ذلك فاخبر الله انّه ليس له من هذا الامر شيء انّما الامر فيه الى الله ان يصيّر عليّاً وصيّه وولىّ الامر بعده فهذا عنى الله وكيف لا يكون له من الامر شيء وقد فوّض الله اليه ان جعل ما احلّ فهو حلال وما حرّم فهو حرام قوله تعالى {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]، وروى عنه (ع) ايضاً انّ رسول الله (ص) كان حريصاً على ان يكون علىّ (ع) من بعده على النّاس وكان عند الله خلاف ما اراد فقال له: ليس لك من الامر شيء يا محمّد (ص) فى علىّ (ع) الامر الىّ فى علىّ (ع) وفى غيره الم انزل عليك يا محمّد (ص) فيما انزلت من كتابى اليك {أية : الۤـمۤ*أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 1-2] قال ففوّض رسول الله (ص) الامر اليه.
فرات الكوفي
تفسير : {لَيْسَ لكَ من الأمر شيء128} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن جابر [بن يزيد الجعفي. ر: رضي الله عنه!] قال: قرأت عند أبي جعفر عليه السلام: {ليس لك من الأمر شيء} قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: بلى والله لقد كان له من الأمر شيء وشيء. فقلت له: جعلت فداك فما تأويل قوله: {ليس لك من الأمر شيء}؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرص [على. ر، ب] أن يكون الأمر لأمير المؤمنين [علي بن أبي طالب. ر] عليه السلام من بعده فأبى الله. ثم قال: وكيف لا يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأمر شيء وقد فوض [أ: فرض] إليه فما أحلّ كان حلالاً إلى يوم القيامة وما حرّم كان حراماً إلى يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ}: وقيل قال ذلك وهمَّ بالدعاء عليهم بالاستئصال، فنزل ذلك، فقد ذكر عياض حديث : أنه لما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم، وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم؟ فقال: "إنى ألم بعث لعاناً ولكن بعثت داعياً ورحمة. اللهم اهد قومة فإنهم لا يعلمون"تفسير : . قيل لعمله بأن أكثرهم يسلمون. قيل: أراد أن يدعو عليهم، فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن أو يخرج مؤمناً من ذريته. وروى أن عمر قال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال {أية : ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} تفسير : ولو دعوت علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيراً، فقلت:"حديث : اللهم اغفر لقومى إنهم لا يعلمون"تفسير : أى اللهم اهدهم فتغفر لهم، على ما مر، وقيل: لما وقف على عمه حمزة رضى الله عنه ورأى ما مثلوا به أراد أن يدعو عليهم، فنزل ذلك، ولا مانع من أن يقال نزل ذلك لقوله، كيف وهم بالدعاء عليهم فى شأن ما فعلوا به، وما فعلوا بعمه، وقال أبو هريرة وابن عمر: نزل ذلك فى أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة بين مكة وعسفان، وأرض هذيل فى صفر سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم وأمَّر عليهم المنذر بن عمر، فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وَجْدا شديداً، وقنت شهراً فى الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن، وقصتهم فى السير وشروح الحديث. قال ابن عمر: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رفع رأسه من الركوع فى الركعة الأخيرة من الفجر، يقول: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فأنزل الله جل وعلا {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْء} إلى {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون}تفسير : وعن أبى هريرة: حديث : لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية، قال "اللهم أنجِّ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعباس بن أبى ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأئك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف"تفسير : ، زاد فى رواية: "حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً"تفسير : ، لأحياء من العرب حتى أنزل الله {ليس لك من الأمر شىء} الآية، وسماهم فى رواية يونس اللهم العن رعلا، وذكوان، وعصبة عصت الله ورسوله. ثم قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل {ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}، وهذه الأحاديث تدل على أنه ليس قوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ}: عطفاً على يكتب وأنه ليس قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْء} معترضاً، بل يتوب منصوب بأن مضمرة جوازا، أو: عاطفة لمصدره على الاسم الخالص قبله عطف خاص على عام، وهو {الأمر} أو {شىء} أى ليس لك من أمرهم أو توبة الله عليهم، أو تعذيبهم شىء، أو ليس لك من الأمر شىء أو توبته عليهم، أو تعذيبهم، وعلى الوجهين فالمعنى إنك لا تملك أن يتوب الله عليهم، ولا أن يقبل توبتهم، إن حاولوها، ولا أن لا يتوبوا ولا يقبلها، ولا إيقاعهم فى العذاب ولا تنجيتهم منه، بل شأنك الإنذار والجهاد، ولا يلزم أن لا ينهى الإنسان عن الشىء إلا إن اهتم به واشتغل به فليس صلى الله عليه وسلم مشتغلا بذلك كله، بل ببعضه، وهو تعذيبهم إن اهتم بدعائه عليهم، أو دعا. وقد يقال اشتغل بذلك كله، إذ روى أنه قال: "حديث : اللهم اغفر لهم، اللهم اهدهم"تفسير : . وروى أنه دعا عليهم، أو اهتم - كما مر ذلك - فلو لم يهتم لكن علم الله منه الاغتياظ لحمزة فمنعه تقوية لعصمته وطهارته، وقد نهاه عن الشرك ولم يهتم به قال {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : على ما يأتى إن شاء الله، ولو أعلمهم صلى الله عليه وسلم أن يفعل، لكن أرشده الله إلى الأفضل وهو الترك، ويجوز كون {أو} بمعنى: إلا، أى ليس لك من الأمر شىء إلا أن يتوب عليهم فتسر بالتوبة، أو يعذبهم فتتشفى منهم، وعلى كل حال فالتوبة عليهم بالإسلام، وتعذيبهم يترتب على الإصرار، وقيل: يتوب معطوف على يكب، ويقطع، وجملة {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْء} معترضة بين المعطوف عليه والعاطف، والتعذيب فى الآية تعذيب الأخرة وتعذيب الدنيا بالقتل والأسر، وأكد التعذيب وعلله بقوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}: لأنفسهم بالشرك والمعاصى.
الالوسي
تفسير : {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } أخرج غير واحد «أن رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم السفلى اليمنى أصيبت يوم أحد أصابها عتبة بن أبـي وقاص وشجه في وجهه فكان سالم مولى أبـي حذيفة أو علي كرم الله تعالى وجهه يغسل الدم والنبـي صلى الله عليه وسلم يقول حديث : كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم» تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: حديث : اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحرث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية تفسير : فنزلت هذه الآية {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } الخ فتيب عليهم كلهم، وعن الجبائي أنه صلى الله عليه وسلم استأذن يوم أحد أن يدعو على الكفار لما آذوه حتى أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذلك اليوم قاعداً من الجراح وصلى المسلمون وراءه قعوداً فلم يؤذن له ونزلت هذه الآية، وقال محمد بن إسحق والشعبـي لما رأى صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما فعل الكفار بأصحابه وبعمه حمزة من جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير قالوا لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب قط فنزلت، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله تعالى عن ذلك وتاب عليهم ونزلت هذه الآية. / وهذه الروايات كلها متضافرة على أن الآية نزلت في أحد والمعول عليه منها أنها بسبب المشركين. وعن مقاتل أنها نزلت في أهل بئر معونة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أربعين وقيل: سبعين رجلاً من قراء أصحابه وأمر عليهم المنذر بن عمرو إلى بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم فاستصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من سليم من عصية ورعل وذكوان فأحاطوا بهم في رحالهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني النجار فإنهم تركوه وبه رمق فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد وجداً شديداً وقنت عليهم شهراً يلعنهم فنزلت هذه الآية فترك ذلك، والمعنى ليس لك من أمر هؤلاء شيء وإن قل. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطف إما على {ٱلأَمْرِ } أو على {شَيْءٍ } بإضمار أن أي ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم، وفرقوا بين الوجهين بأنه على الأول: سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلى الله عليه وسلم بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة. وعلى الثاني: سلب نفس التوبة والتعذيب منه عليه الصلاة والسلام يعني لا يقدر أن يجبرهم على التوبة ولا يمنعهم عنها ولا يقدر أن يعذبهم ولا أن يعفو عنهم فإن الأمور كلها بيد الله تعالى، وعلى التقديرين هو من عطف الخاص على العام كما قال العلامة الثاني لكن في مجيء مثل هذا العطف بكلمة {أَوْ } نظر، وتعقبه بعضهم بأن هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن ـ ولك أن تجعله بمعنى التكليف والإيجاب أي ليس ما تأمرهم به من عندك وليس الأمر بيدك ولا التوبة ولا التعذيب ـ فليس هناك عطف الخاص على العام، وفيه أن الحمل على التكليف تكلف، والحمل على الشأن أرفع شأناً. ونقل عن الفراء وابن الأنباري أن {أَوْ } بمعنى إلا أن، والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله تعالى عليهم بالإسلام فتفرح أو يعذبهم فتشتفي بهم وأياً مّا كان فالجملة كلام مستأنف سيق لبيان بعض الأمور المتعلقة بغزوة أحد أو ما يشبهها إثر بيان ما يتعلق بغزوة بدر لما بينهما من التناسب من حيث إن كلاً منهما مبني على اختصاص الأمر كله بالله تعالى ومبني على سلبه عمن سواه، وقيل: إن كل ما في هذه الآيات في غزوة أحد على ما أشرنا إليه، وقيل: إن قوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ } الخ عطف على {أية : فَيَنقَلِبُواْ } تفسير : [آل عمران: 127] أي يكون ثمرة خزيهم انقلابهم خائبين أو التوب عليهم أو تعذيبهم، أو عطف على {أية : يَكْبِتَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 127] و {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء } اعتراض وسط بين المعطوف عليه المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا تأثير للمنصورين إثر بيان أن لا تأثير للناصرين وتخصيص النفي برسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاء من غيره من باب أولى وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبت من مظان أن يكون فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتال مدخل في الجملة، والمعنى إن مالك أمرهم على الإطلاق وهو الله تعالى نصركم عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا، وليس لك من أمرهم شيء إن أنت إلا عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم. والمراد بتعذيبهم التعذيب الشديد الأخروي المخصوص بأشد الكفرة كفراً وإلا فمطلق التعذيب الأخروي متحقق في الفريقين الأولين وحمله على التعذيب الدنيوي بالأسر واستيلاء المؤمنين عليهم خلاف المتبادر من التعذيب عند الإطلاق وكذا لا يلائم ظاهر قوله سبحانه: {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } فإنه في مقام التعليل لهذا التعذيب / وأكثر ما يعلل به التعذيب الأخروي، نعم حمله على التعذيب الدنيوي أوفق بالمعنى الذي ذكره الفراء وابن الأنباري لأن التشفي في الغالب إنما يكون في الدنيا ونظم التوبة والتعذيب الأخروي في سلك العلة الغائية للنصر المترتبة عليه في الوجود من حيث إن قبول توبتهم فرع تحققها الناشىء من علمهم بحقية الإسلام بسبب غلبة أهله المترتبة على النصر الذي هو من الآيات الغر المحجلة وأن تعذيبهم المذكور شيء مسبب على إصرارهم على الكفر بعد تبين الحق على الوجه المذكور كما ينبـىء عن ذلك قوله تعالى: {أية : لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } تفسير : [الأنفال: 42] وإن فسر بالأسر مثلاً كان أمر التسبب مكشوفاً لا مرية فيه، واستشكلت هذه الآية بناءاً على أنها تدل على ما في بعض الروايات على أنه صلى الله عليه وسلم كان فعل فعلاً ومنع منه بأنه إن كان ذلك الفعل من الله تعالى فكيف منعه منه وإن لم يكن فهو قادح بالعصمة ومناف لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3]، وأجيب بأن ما وقع كان من باب خلاف الأولى نظراً إلى منصبه صلى الله عليه وسلم، والنهي المفهوم من الكلام من باب الإرشاد إلى اختيار الأفضل ولا يعد ذلك من الهوى في شيء بناءاً على القول بأنه يصح للنبـي أن يجتهد ويعمل بما أدى إليه اجتهاده المأذون به. وجوز أن يكون ذلك الفعل نفسه عن وحي وإذن من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم به وأن النهي عن ذلك كان نسخاً لذلك الإذن وأياً مّا كان لا ينافي العصمة الثابتة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فافهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الأمر: الشأن والمراد هنا توبة الله على الكافرين أو تعذيبهم. شيء: شيء نكرة متوغلة في الإِبهام. وأصل الشيء: ما يعلم ويخبر به. أو: هنا بمعنى حتى أي فاصْبِرْ حتى يتوب عليهم أو يعذبهم. لله ما في السماوات...: أي ملكاً وخلقاً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم كما يريد. لا تأكلون الربا: لا مفهوم للأكل بل كل تصرف بالربا حرام سواء كان أكلاً أو شرباً أو لباساً. الربا: لغة: الزيادة، وفي الشرع نوعان: ربا فضل وربا نسيئة ربا الفضل: يكون في الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فإذا بيع الجنس بمثله يحرم الفضل أي الزيادة ويحرم التأخير، وربا النسيئة: هو أن يكون على المرء دين الى أجل فيحل الأجل ولم يجد سدادا لدينه فيقول له أخرني وزد في الدين. أضعافاً مضاعفة: لا مفهوم لهذا لأنه خرج مخرج الغالب، إذ الدرهم الواحد حرام كالألف، وإنما كانوا في الجاهلية يؤخرون الدين ويزيدون مقابل التأخير حتى يتضاعف الدين فيصبح أضعافاً كثيرة. تفلحون: تنجون من العذاب وتظفرون بالنعيم المقيم في الجنة. أعدت للكافرين: هيئت وأحضرت للمكذبين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. لعلكم ترحمون: لترحموا فلا تُعذَّبوا بما صدر منكم من ذنب المعصية. معنى الآيات: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد دعا على أفراد من المشركين بالعذاب، وقال يوم أحد لما شج رأسه وكسرت رباعيته: "حديث : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟ "تفسير : فأنزل الله تعالى عليه قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} أي فاصبر حتى يتوب الله تعالى عليهم أو يعذبهم بظلمهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وخلقاً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد فإن عذب فبعدله وإن رحم فبفضله، وهو الغفور لمن تاب الرحيم بمن أناب. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [128] والثانية [129] وأما الآية الثالثة [130] فإن الله تعالى نادى عباده المؤمنين بعد أن خرجوا من الجاهلية ودخلوا في الإِسلام بأن يتركوا أكل الربا وكل تعامل به فقال {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد رسولاً {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} إذ كان الرجل يكون عليه دين ويحل أجله ولم يجد ما يسدد به فيأتي إلى دائنه ويقول أخِّر ديني وزد علّي وهكذا للمرة الثانية والثالثة حتى يصبح الدين بعدما كان عشراً عشرين وثلاثين. وهذا معنى قوله أضعافاً مضاعفة، ثم أمرهم بتقواه عز وجل وواعدهم بالفلاح فقال عز وجل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي كي تفلحوا بالنجاة من العذاب والحصول على الثواب وهو الجنة. وفي الآية الرابعة [131] أمرهم تعالى باتقاء النار التي أعدها للكافرين فهي مهيئة محضرة لهم، واتقاؤها يكون بطاعته تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، أي المكذبين بالله ورسوله فلذا لم يعملوا بطاعتهما لأن التكذيب مانع من الطاعة، وفي الآية الأخيرة [132] أمرهم تعالى بطاعته وطاعة رسوله ووعدهم على ذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة وكأنه يشير إلى الذين عصوا رسول الله في أحد وهم الرماة الذين تخلوا عن مراكزهم الدفاعية فتسبب عن ذلك هزيمة المؤمنين أسوأ هزيمة فقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي كي يرحمكم فيتوب عليكم ويغفر لكم ويدخلكم دار السلام والنعيم المقيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استقلال الرّب تعالى بالأمر كله فليس لأحد من خلقه تصرف في شيء إلا ما أذن فيه للعبد. 2- الظلم مستوجب للعذاب ما لم يتدارك الرب العبد بتوبة فيتوب ويغفر له ويعفو عنه. 3- حرمة أكل الربا مطلقاً مضاعفاً كان أو غير مضاعف. 4- بيان ربا الجاهلية إذ هو هذا الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ}. 5- وجوب التقوى لمن أراد الفلاح في الدنيا والآخرة. 6- وجوب اتقاء النار ولو بشق تمرة. 7- وجوب طاعة الله ورسوله للحصول على الرحمة الإِلهية وهي العفو والمغفرة ودخول الجنة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ظَالِمُونَ} (128) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ إلَى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ، وَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ شَيْءٌ مِنَ الحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أمْرِ العِبَادِ، غَيْرُ مَا أمَرَهُ مِنْ إِبْلاَغِهِمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَهُوَ تَعَالَى إمَّا أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فَيَهْدِيَهُمْ بَعْدَ الضَّلاَلَةِ، وَإِمَّا أنْ يُعَذِّبَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَيَكْبِتَهُمْ وَيُذِلَّهُمْ لأنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي ليس لك يا محمد من الأمر شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بتوبتهم، أو يعذبهم، فلا يحزنك ذلك لأنهم ظالمون أي ما عليك يا محمد إلاَّ البلاغ فقط. أما هم فقد ظلموا أنفسهم بالكفر. والظلم كما نعرف هو أخذ الحق من ذي الحق وإعطاؤه لغيره. وقمة الظلم هو إضفاء صفة الألوهية على غير الله, وهو الشرك. ولذلك يقول الحق: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. إن الحق يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]. وهذه مسألة لم تخرج عن ملك الله، لماذا؟ لأن السماوات والأرض وما فيهن ملك لله: قيل أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن خضّب المشركون وجهه بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم - أراد عليه الصلاة والسلام أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه - سبحانه - أن فيهم من يؤمن وأنزل قوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن اختصاصه بالأمر في القهر والنصر بقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى أظهر كمال رأفته ورحمته على عباده، بحيث أن الكفار كانوا يشجون رأس نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، ويدممون وجهه، ويكسرون رباعيته، وهو أراد أن يدعوا عليهم، خاطبه الله تعالى تعطفاً وترحماً عليهم بقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]؛ أي: ليس لك من أمر العباد شيء لتغلبهم وتدعوا عليهم، إنما أمرهم إلى الله نظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 159]؛ أي: بل أمرهم إلى الله، إن يشاء يغفر ذنوبهم ويمح كفركم بالتوبة، بأن يتوب عليهم فإنهم عباده وإنه حكم بإسلامهم في الأزل، وإن يشأ يعذبهم على كفرهم وظلمهم {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]، وقد حكم بكفرهم من الأزل؛ لأنه {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [آل عمران: 129]، من الملك والملك، والأمر والخلق، والمنع والعطاء، واللطف والقهر، {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [آل عمران: 129] بلطفه وفضله، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 129]؛ أي: بقهره وعدله، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 129]؛ أي: ولكن الله غفور يغفر الذنوب جميعاً، رحيم وسعت رحمته كل شيء؛ لأنه سبقت رحمته غضبه، ولهذا ما وكل أمر العباد إلى أحد ولا حسابهم يوم القيامة وقال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية: 25-26]. ثم أخبر عن طريق أهل الصلاح للفلاح بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} [آل عمران: 130]، إشارة في الآيات: إن الله حرم الربا، وقال: {لاَ تَأْكُلُواْ} [آل عمران: 130]؛ لأنه يؤدي إلى الحرص على طلب الدنيا، {أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً} [آل عمران: 130] إلى ما لا يتناهى، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ولا يملئ جوف ابن آدم إلا التراب" تفسير : والحرص درك من دركات النيران، ولهذا قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، قدم عليها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130]، وهذا خطاب للخواص؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130] عن حجب ما سواه، وتفوزوا بالوصول إلى الله تعالى. ثم خاطب العموم الذي هم أرباب الوسائط بقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} [آل عمران: 131]؛ أي: نار الحرص التي يورث منها نار القطيعة وهي النار {ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، دون المؤمنين؛ لأن المؤمن إن يرد نار الحرص المركوز في جبلة بداية أمره كما قال: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}تفسير : [مريم: 71]، ولكن ينجيه الله تعالى منه بالقناعة والتقوى لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}تفسير : [مريم: 72]، ولقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] من عذاب نار الحرص، ولا تعذبون بنار القطيعة، كما أن الكافر مخصوص بهذا العذاب المعد له، وحاصل معناها أن الحرص على الدنيا والسعي في جمعها مذموم منهي عنه، والبذل والإيثار وترك الدنيا والقناعة فيها محمود مأمور به، يدل عليه قوله تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ}تفسير : [البقرة: 276].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما جرى يوم "أحد" ما جرى، وجرى على النبي صلى الله عليه وسلم مصائب، رفع الله بها درجته، فشج رأسه وكسرت رباعيته، قال "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم" وجعل يدعو على رؤساء من المشركين مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، أنزل الله تعالى على رسوله نهيا له عن الدعاء عليهم باللعنة والطرد عن رحمة الله { ليس لك من الأمر شيء } إنما عليك البلاغ وإرشاد الخلق والحرص على مصالحهم، وإنما الأمر لله تعالى هو الذي يدبر الأمور، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا تدع عليهم بل أمرهم راجع إلى ربهم، إن اقتضت حكمته ورحمته أن يتوب عليهم ويمن عليهم بالإسلام فعل، وإن اقتضت حكمته إبقاءهم على كفرهم وعدم هدايتهم، فإنهم هم الذين ظلموا أنفسهم وضروها وتسببوا بذلك، فعل، وقد تاب الله على هؤلاء المعينين وغيرهم، فهداهم للإسلام رضي الله عنهم، وفي هذه الآية مما يدل على أن اختيار الله غالب على اختيار العباد، وأن العبد وإن ارتفعت درجته وعلا قدره قد يختار شيئا وتكون الخيرة والمصلحة في غيره، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى ففيها أعظم رد على من تعلق بالأنبياء أو غيرهم من الصالحين وغيرهم، وأن هذا شرك في العبادة، نقص في العقل، يتركون من الأمر كله له ويدعون من لا يملك من الأمر مثقال ذرة، إن هذا لهو الضلال البعيد، وتأمل كيف لما ذكر تعالى توبته عليهم أسند الفعل إليه، ولم يذكر منهم سببا موجبا لذلك، ليدل ذلك على أن النعمة محض فضله على عبده، من غير سبق سبب من العبد ولا وسيلة، ولما ذكر العذاب ذكر معه ظلمهم، ورتبه على العذاب بالفاء المفيدة للسببية، فقال { أو يعذبهم فإنهم ظالمون } ليدل ذلك على كمال عدل الله وحكمته، حيث وضع العقوبة موضعها، ولم يظلم عبده بل العبد هو الذي ظلم نفسه، ولما نفى عن رسوله أنه ليس له من الأمر شيء قرر من الأمر له فقال { ولله ما في السماوات وما في الأرض } من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من الملك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين مغفرته وتعذيبه فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمن عليه بترك العصيان فيغفر له ذنبه، { ويعذب من يشاء } بأن يكله إلى نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه وعميم إحسانه، فقال { والله غفور رحيم } ففيها أعظم بشارة بأن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين أحدهما دال على الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين. تم السفر الأول من هذا التفسير المبارك بيسر من الله وإعانة، فله الحمد والشكر والثناء، وأسأله المزيد من فضله وكرمه وإحسانه، ويليه المجلد الثاني، أوله قول الباري جل جلاله { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } الآية وذلك في تسع وعشرين من شهر ربيع الأول من سنة 1343 ثلاث وأربعين وثلاث مئة وألف من الهجرة النبوية وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا بقلم جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وإخوانه المسلمين، والحمد لله رب العالمين. المجلد الثاني من تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} [128] 95- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزَّاق، نا معمر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكبِّر حين يرفع رأسه في صلاة الصبح من الركعة الأخيرة يقول: "اللهم العَنْ فلانا وفلانا"، دعا على ناس من المنافقين، فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . تفسير : 96- أنا عمرو بن الحارث، نا محبوب بن موسى، أنا ابن المبارك عن معمر، عن الزُّهري قال: حدثني سالم، عن أبيه حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانا وفلانا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . تفسير : 97- أنا علي بن حُجْر: أنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد، عن أنس. وأنا محمد بن المثَنَّى، عن خالد، نا حميد قال: قال أنس: حديث : كُسِرَت رباعيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على / وجهه، ومسح الدم عن وجهه ويقول: "كيف يُفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى الإسلام" فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} . تفسير : - اللفظ لخالد.
همام الصنعاني
تفسير : 452- أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: أنَّ رُباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد، أَصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجَّه في جبهته. فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم الدمَ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : كيف يفلح قوم صنعوا هذا بِنَبيِّهم!!تفسير : فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}: [الآية: 128]. 457- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال: حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً - ناساً من المنافقين - تفسير : فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}: [الآية: 128].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):