Verse. 4243 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

وَقَيَّضْنَا لَہُمْ قُرَنَاۗءَ فَزَيَّنُوْا لَہُمْ مَّا بَيْنَ اَيْدِيْہِمْ وَمَا خَلْفَہُمْ وَحَقَّ عَلَيْہِمُ الْقَوْلُ فِيْۗ اُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِہِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ۝۰ۚ اِنَّہُمْ كَانُوْا خٰسِرِيْنَ۝۲۵ۧ
Waqayyadna lahum quranaa fazayyanoo lahum ma bayna aydeehim wama khalfahum wahaqqa AAalayhimu alqawlu fee omamin qad khalat min qablihim mina aljinni waalinsi innahum kanoo khasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وقيضنا) سببنا (لهم قرناء) من الشياطين (فزينوا لهم ما بين أيديهم) من أمر الدنيا واتباع الشهوات (وما خلفهم) من أمر الآخرة بقولهم لا بعث ولا حساب (وحق عليهم القول) بالعذاب وهو "" لأملأن جهنم "" الآية (في) جملة (أمم قد خلت) هلكت (من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين).

25

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال: {وَقيَضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الصحاح»: يقال قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما يقال بيعان، وقيض الله فلاناً أي جاءه به وأتى به له، ومنه قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء }. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء، وكان عالماً بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم، وكل من فعل فعلاً وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن يكون مريداً لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعاً له، وبأن قوله { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] يدل على أنه لم يرد منهم إلا العبادة، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي، وأما هذه الآية فنقول: إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم، وإنما قال: {فَزَيَّنُواْ لَهُم } فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ثم بيّن تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض. واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه، وهو أن من فعل فعلاً وعلم قطعاً أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر، فاعل ذلك الفعل يكون مريداً لذلك الأثر، فههنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك، قوله ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله، قلنا لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعاً له لوجب أن يكون الله مطيعاً لعباده إذا فعل ما أرادوه معلوم أنه باطل، وأيضاً فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه، وأن أردت غيره فلا بد، من بيانه حتى ينظر فيه أنه هل يصح أم لا. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } وذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا أن الدنيا قديمة، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك الثاني: زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعملونه، وعبّر ابن زيد عنه، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة وما بقي من أعمالهم الخسيسة. ثم قال تعالى: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْل فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير في عليهم، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة {أُمَمٍ } من المتقدمين {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } واحتج أصحابنا أيضاً بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء {حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } فلو لم يكونوا كفاراً لانقلب هذا القول الحق باطلاً وهذا العلم جهلاً، وهذا الخبر الصدق كذباً، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فثبت أن صدور الإيمان عنهم، وعدم صدور الكفر عنهم محال. واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدىء من قوله {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } إلى قوله { أية : فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } تفسير : [فصلت: 5] فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا الموضع، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }، قال صاحب «الكشاف» قرىء {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغي ويلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كامل في المعنى، وفي اللفظ وأن كل من سمعه وقف على جزالة ألفاظه، وأحاط عقله بمعانيه، وقضى عقله بأنه كلام حق واجب القبول، فدبروا تدبيراً في منع الناس عن استماعه، فقال بعضهم لبعض {لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } إذا قرىء وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة، حتى تخلطوا على القارىء وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته، كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضاً، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغواً وباطلاً، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس، فبهذا الطريق تغلبون محمداً صلى الله عليه وسلم، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمداً بفضله، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال: {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً } لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد، فإذا كان القليل منه عذاباً شديداً فكيف يكون حال الكثير منه، ثم قال: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء ٱللَّهِ ٱلنَّارُ } والمعنى أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بين أن ذلك الأسوأ الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار. ثم قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ } أي لهم في جملة النار دار السيئات معينة وهي دار العذاب المخلد لهم {جَزَاءً بما كانوا بآياتنا يجحدون } أي جزاء بما كانوا يلغون في القراءة، وإنما سماه جحوداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الاعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوا للحسد. واعلم أنه تعالى لما بيّـن أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون {رَبَّنَا أَرِنَا ٱلَّذِين أَضَلَّـٰنَا مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ } والسبب في ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } تفسير : [الانعام: 112] وقال: { أية : ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 5 - 6] وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس، والقتل بغير حق سنة قابيل. وقرىء {أَرِنَا } بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك. ثم قال تعالى: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } قال مقاتل يكونان أسفل منا في النار {لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ } قال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وكان بعض تلامذتي ممن يميل إلى الحكمة يقول المراد باللذين يضلان الشهوة والغضب، وإليهما الإشارة في قصة الملائكة بقوله { أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } تفسير : [البقرة: 30] ثم قال والمراد بقوله {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } يعني يا ربنا أعنا حتى نجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر النفس القدسية، والمراد بكونهما تحت أقدامه كونهما مسخرين للنفس القدسية مطيعين لها، وأن لا يكونا مسؤولين عليها قاهرين لها.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله؛ بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن، {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: حسنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل، فلم يروا أنفسهم إلا محسنين؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 36 ــــ 37]. وقوله تعالى: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي: كلمة العذاب؛ كما حق على أمم قد خلت من قبلهم؛ ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس، {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ} أي: استووا هم وإياهم في الخسار والدمار. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ} أي: تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا للقرآن، ولا ينقادوا لأوامره، {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} أي: إذا تلي لا تسمعوا له؛ كما قال مجاهد: والغوا فيه، يعني: بالمكاء والصفير، والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، قريش تفعله، وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} عيبوه، وقال قتادة: اجحدوا به، وأنكروه وعادوه{لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن. وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بخلاف ذلك، فقال تعالى: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 204] ثم قال عز وجل منتصراً للقرآن، ومنتقماً ممن عاداه من أهل الكفران: {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعهم {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: بشر أعمالهم وسيىء أفعالهم { ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِـآيـٰتِنَا يَجْحَدُونَ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلَّـٰنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ } قال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن مالك بن الحصين الفزاري عن أبيه عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {ٱللَّذَيْنِ أَضَلَّـٰنَا} قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. وهكذا روى العوفي عن علي رضي الله عنه مثل ذلك. وقال السدي عن علي رضي الله عنه: فإبليس يدعو به كل صاحب شرك، وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة، فإبليس الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه، وابن آدم الأول؛ كما ثبت في الحديث: «حديث : ما قتلت نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل»تفسير : . وقولهم: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} أي: أسفل منا في العذاب؛ ليكونا أشد عذاباً منا، ولهذا قالوا: {لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} أي: في الدرك الأسفل من النار؛ كما تقدم في الأعراف في سؤال الأتباع من الله تعالى أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 38] أي: إنه تعالى قد أعطى كلاً منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده؛ كما قال تعالى: { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: 88].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَيَّضْنَا } سببنا {لَهُمْ قُرَنَاءَ } من الشياطين {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الدنيا واتباع الشهوات {وَمَا خَلْفَهُمْ } من أمر الآخرة بقولهم لا بعث ولا حساب {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } بالعذاب وهو{ أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ } تفسير : [119:11] الآية {فِى } جملة {أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ } هلكت {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَٰسِرِينَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء } أي: هيأنا قرناء من الشياطين. وقال الزجاج: سببنا لهم قرناء حتى أضلوهم. وقيل: سلطنا عليهم قرناء. وقيل: قدّرنا، والمعاني متقاربة، وأصل التقييض التيسير، والتهيئة، والقرناء جمع قرين، وهم: الشياطين، جعلهم بمنزلة الأخلاء لهم. وقيل: إن الله قيض لهم قرناء في النار، والأولى أن ذلك في الدنيا لقوله: {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } فإن المعنى: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها، وحملوهم على الوقوع في معاصي الله بانهماكهم فيها، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة، فقالوا: لا بعث، ولا حساب، ولا جنة، ولا نار. وقال الزجاج: ما بين أيديهم ما عملوه، وما خلفهم ما عزموا على أن يعملوه. وروي عن الزجاج أيضاً، أنه قال: ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي: وجب، وثبت عليهم العذاب، وهو قوله سبحانه: {أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [صۤ: 85] و {فِى أُمَمٍ } في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم، والمعنى: كائنين في جملة أمم. وقيل: في بمعنى مع، أي: مع أمم من الأمم الكافرة التي {قَدْ خَلَتْ } ومضت {مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } على الكفر، وجملة: {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } تعليل لاستحقاقهم العذاب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } أي: قال بعضهم لبعض: لا تسمعوه، ولا تنصتوا له. وقيل: معنى لا تسمعوا: لا تطيعوا، يقال: سمعت لك، أي: أطعتك {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } أي: عارضوه باللغو والباطل، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارىء له. وقال مجاهد: الغوا فيه بالمكاء، والتصدية، والتصفيق، والتخليط في الكلام حتى يصير لغواً. وقال الضحاك: أكثروا الكلام؛ ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية: قعوا فيه، وعيبوه. قرأ الجمهور: {والغوا} بفتح الغين، من لغا إذا تكلم باللغو، وهو: ما لا فائدة فيه، أو من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضاً كما حكاه الأخفش، وقرأ عيسى بن عمر، والجحدري، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، وبكر بن حبيب السهمي، وقتادة، والسماك، والزعفراني بضم الغين. وقد تقدّم الكلام في اللغو في سورة البقرة {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } أي: لكي تغلبوهم، فيسكتوا. ثم توعدهم سبحانه على ذلك، فقال: {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً }، وهذا وعيد لجميع الكفار، ويدخل فيهم الذين السياق معهم دخولاً أوّلياً {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: ولنجزينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. قال مقاتل: وهو: الشرك. وقيل: المعنى: أنه يجازيهم بمساوىء أعمالهم لا بمحاسنها كما يقع منهم من صلة الأرحام، وإكرام الضيف، لأن ذلك باطل لا أجر له مع كفرهم، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم، وهو: مبتدأ وخبره جزاء أعداء الله، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، وجملة {جَزَاء أَعْدَاء ٱللَّهِ ٱلنَّارُ } مبينة للجملة التي قبلها، والأوّل أولى، وتكون النار عطف بيان للجزاء، أو بدلاً منه، أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ والخبر: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ }. وعلى الثلاثة الوجوه الأولى تكون جملة لهم فيها دار الخلد مستأنفة مقرّرة لما قبلها، ومعنى دار الخلد: دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها {جَزَاء أَعْدَاء ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ } أي: يجزون جزاء بسبب جحدهم بآيات الله. قال مقاتل: يعني: القرآن يجحدون أنه من عند الله، وعلى هذا يكون التعبير عن اللغو بالجحود لكونه سبباً له، إقامة للسبب مقام المسبب. {وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلَّـٰنَا مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ } قالوا: هذا وهم في النار، وذكره بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، والمراد: أنهم طلبوا من الله سبحانه أن يريهم من أضلهم من فريق الجن، والإنس من الشياطين الذين كانوا يسوّلون لهم، ويحملونهم على المعاصي، ومن الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر. وقيل: المراد إبليس، وقابيل لأنهما سنا المعصية لبني آدم. قرأ الجمهور: {أرنا} بكسر الراء. وقرأ ابن محيصن، والسوسي عن أبي عمرو، وابن عامر بسكون الراء، وبها قرأ أبو بكر، والمفضل، وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الخليل: إذا قلت أرني ثوبك بالكسر، فمعناه: بصرنيه، وبالسكون: أعطنيه {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } أي: ندسهما بأقدامنا، لنشتفي منهم. وقيل: نجعلهم أسفل منا في النار {لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ } فيها مكاناً، أو ليكونا من الأذلين المهانين. وقيل: ليكونوا أشد عذاباً منا. ثم لما ذكر عقاب الكافرين، وما أعدّه لهم ذكر حال المؤمنين، وما أنعم عليهم به، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } أي: وحده لا شريك له {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } على التوحيد، ولم يلتفتوا إلى إلاه غير الله. قال جماعة من الصحابة، والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاص العمل لله. وقال قتادة، وابن زيد: ثم استقاموا على طاعة الله. وقال الحسن: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد، وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله حتى ماتوا. وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } من عند الله سبحانه بالبشرى التي يريدونها من جلب نفع، أو دفع ضرر، أو رفع حزن. قال ابن زيد، ومجاهد: تتنزل عليهم عند الموت. وقال مقاتل، وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال وكيع: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث {ألا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } أن هي: المخففة، أو المفسرة، أو الناصبة، و «لا» على الوجهين الأوّلين ناهية، وعلى الثالث نافية، والمعنى: لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل، وولد، ومال. قال مجاهد: لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم، فإن الله خليفتكم عليهم. وقال عطاء: لا تخافوا ردّ ثوابكم، فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم، فإني أغفرها لكم. والظاهر عدم تخصيص تنزل الملائكة عليهم بوقت معين، وعدم تقييد نفي الخوف، والحزن بحالة مخصوصة كما يشعر به حذف المتعلق في الجميع {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بها في الدنيا، فإنكم واصلون إليها مستقرّون بها خالدون في نعيمها. ثم بشرهم سبحانه بما هو أعظم من ذلك كله، فقال: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ } أي: نحن المتولون لحفظكم، ومعونتكم في أمور الدنيا، وأمور الآخرة، ومن كان الله وليه فاز بكلّ مطلب، ونجا من كلّ مخافة. وقيل: إن هذا من قول الملائكة. قال مجاهد: يقولون لهم: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال السدّي: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة. وقيل: إنهم يشفعون لهم في الآخرة، ويتلقونهم بالكرامة {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } من صنوف اللذات، وأنواع النعم {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } أي: ما تتمنون، افتعال من الدعاء بمعنى: الطلب، وقد تقدّم بيان معنى هذا في قوله: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } تفسير : [يسۤ: 57] مستوفى، والفرق بين الجملتين: أن الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية باعتبار ما يطلبونه أعم من أن يكون مما تشتهيه أنفسهم أولاً. وقال الرازي: الأقرب عندي أن قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله: {أية : دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ } تفسير : [يونس: 10] الآية، وانتصاب {نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } على الحال من الموصول، أو من عائده، أو من فاعل تدّعون، أو هو مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: أنزلناه نزلاً، والنزل: ما يعدّ لهم حال نزولهم من الرزق، والضيافة، وقد تقدم تحقيقه في سورة آل عمران. {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } أي: إلى توحيد الله، وطاعته. قال الحسن: هو المؤمن أجاب الله دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من طاعته {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } في إجابته {وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } لربي. وقال ابن سيرين، والسدّي، وابن زيد: هو: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي هذا أيضاً عن الحسن. وقال عكرمة، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد: نزلت في المؤذنين. ويجاب عن هذا بأن الآية مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة. والأولى حمل الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ، ويدخل فيها من كان سبباً لنزولها دخولاً أولياً، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله، وعمل عملاً صالحاً، وهو: تأدية ما فرضه الله عليه مع اجتناب ما حرمه عليه، وكان من المسلمين ديناً لا من غيرهم، فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من طريقته، ولا أكثر ثواباً من عمله. ثم بيّن سبحانه الفرق بين محاسن الأعمال، ومساويها، فقال: {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ } أي: لا تستوي الحسنة التي يرضى الله بها، ويثيب عليها، ولا السيئة التي يكرهها الله، ويعاقب عليها، ولا وجه لتخصيص الحسنة بنوع من أنواع الطاعات، وتخصيص السيئة بنوع من أنواع المعاصي، فإن اللفظ أوسع من ذلك. وقيل: الحسنة التوحيد، والسيئة الشرك. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقيل: الحسنة العلم، والسيئة الفحش. قال الفراء: «لا» في قوله، {ولا السيئة} زائدة {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } أي: ادفع السيئة إذا جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، ومنه مقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، والاحتمال للمكروهات. وقال مجاهد، وعطاء: بالتي هي أحسن يعني: بالسلام إذا لقي من يعاديه. وقيل: بالمصافحة عند التلاقي {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } هذه هي الفائدة الحاصلة من الدفع بالتي هي أحسن، والمعنى: أنك إذا فعلت ذلك الدفع صار العدوّ كالصديق، والبعيد عنك كالقريب منك. وقال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب كان معادياً للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له ولياً بالمصاهرة التي وقعت بينه وبينه، ثم أسلم، فصار ولياً في الإسلام حميماً بالصهارة. وقيل غير ذلك، والأولى حمل الآية على العموم. {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } قال الزجاج: ما يلقى هذه الفعلة، وهذه الحالة، وهي: دفع السيئة بالحسنة إلاّ الذين صبروا على كظم الغيظ، واحتمال المكروه {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } في الثواب والخير. وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة، أي: ما يلقاها إلاّ من وجبت له الجنة. وقيل: الضمير في يلقاها عائد إلى الجنة. وقيل: راجع إلى كلمة التوحيد. قرأ الجمهور: {يلقاها} من التلقية، وقرأ طلحة بن مصرف، وابن كثير في رواية عنه: (يلاقاها) من الملاقاة، ثم أمره سبحانه بالاستعاذة من الشيطان، فقال: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } النزغ شبيه النخس شبه به الوسوسة، لأنها تبعث على الشرّ؛ والمعنى: وإن صرفك الشيطان عن شيء مما شرعه الله لك، أو عن الدفع بالتي هي أحسن، فاستعذ بالله من شرّه، وجعل النزغ نازغاً على المجاز العقلي كقولهم: جدّ جدّه، وجملة: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تعليل لما قبلها، أي: السميع لكلّ ما يسمع، والعليم بكلّ ما يعلم، ومن كان كذلك، فهو يعيذ من استعاذ به. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه، ويقولون: {لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } وكان إذا أخفى قراءته لم يسمع من يحبّ أن يسمع القرآن، فأنزل الله: {أية : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } تفسير : [الإسراء: 110]. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وابن عساكر عن عليّ بن أبي طالب: أنه سئل عن قوله: {رَبَّنَا أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلَّـٰنَا مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ } قال: هو: ابن آدم الذي قتل أخاه، وإبليس. وأخرج الترمذي، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، وابن مردويه عن أنس قال: «قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } قال: قد قالها ناس من الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حين يموت، فهو ممن استقام عليها». وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، ومسدد، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عمران، عن أبي بكر الصديق في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } قال: الاستقامة أن لا يشركوا بالله شيئاً. وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق أنه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ }، و {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 82]؟ قالوا: الذين قالوا: ربنا الله، ثم عملوا بها، واستقاموا على أمره، فلم يذنبوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لم يذنبوا، قال: لقد حملتموهما على أمر شديد {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } يقول: بشرك، والذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا، فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وأخرج ابن مردويه عن بعض الصحابة: ثم استقاموا على فرائض الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس: {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } قال: على شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } قال: استقاموا بطاعة الله، ولم يروغوا روغان الثعلب. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والبخاري في تاريخه، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن سفيان الثقفي، أن رجلاً قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم، قلت: فما أتقي؟ فآوى إلى لسانه. قال الترمذي: حسن صحيح. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عائشة في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } قالت: المؤذن {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } قالت: ركعتان فيما بين الأذان، والإقامة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلاّ في المؤذنين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } قال: أمر المسلمين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم {كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ }. وأخرج ابن مردويه عنه {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } قال: القه بالسلام، فإذا الذي بينك، وبينه عداوة كأنه وليّ حميم. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } قال: الرجل يشتمه أخوه، فيقول: إن كنت صادقاً، فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً، فغفر الله لك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سليمان بن صرد قال: استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتدّ غضب أحدهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» تفسير : فقال الرجل: أمجنون تراني؟، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقيضنا لهم قرناءَ} فيه قولان: أحدهما: هيأنا لهم شياطين، قاله النقاش. الثاني: خلينا بينهم وبين الشياطين، قاله ابن عيسى. {فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} فيه أربعة تأويلات: أحدها ما بين أيديهم من أمر الدنيا، وما خلفهم من أمر الآخرة، قاله السدي ومجاهد. الثاني: ما بين أيديهم من أمر الآخرة فقالوا لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب، وما خلفهم من أمر الدنيا فزينوا لهم اللذات، قاله الكلبي. الثالث: ما بين أيديهم هو فعل الفساد في زمانهم، وما خلفهم هو ما كان قبلهم، حكاه ابن عيسى. الرابع: ما بين أيديهم ما فعلوه، وما خلفهم ما عزموا أن يفعلوه. ويحتمل خامساً: ما بين أيديهم من مستقبل الطاعات أن لا يفعلوها، وما خلفهم من سالف المعاصي أن لا يتوبوا منها. قوله عز وجل: {وقال الذين كفروا لا تسمعُوا لهذا القرآن} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تتعرضوا لسماعه. الثاني: لا تقبلوه. الثالث: لا تطيعوه من قولهم السمع والطاعة. {والغوا فيه} وفيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني قعوا فيه وعيبوه، قاله ابن عباس. الثاني: جحدوه وأنكروه، قاله قتادة. الثالث: عادوه، رواه سعيد بن أبي عروبة. الرابع: الغوا فيه بالمكاء والتصدية، والتخليط في النطق حتى يصير لغواً، قاله مجاهد. قوله عز وجل: {وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضَلاّنا من الجن والإنس} فيهما قولان: أحدهما: دعاة الضلالة من الجن والإنس، حكاه بن عيسى. الثاني: أن الذي من الجن إبليس، يدعوه كل من دخل النار من المشركين، والذي من الإنس ابن آدم القاتل أخاه يدعوه كل عاص من الفاسقين، قاله السدي. وفي قوله: {أرنا اللذَين} وجهان: أحدهما: أعطنا اللذين أضلانا. الثاني: أبصرنا اللذين أضلانا. {نجعلهما تحت أقدامنا} يحتمل وجهين: أحدهما: انتقاماً منهم. الثاني: استذلالاً لهم. {ليكونا من الأسفلين} يعني في النار، قالوا ذلك حنقاً عليهما وعداوة لها. ويحتمل قوله {من الأسفلين} وجهين: أحدهما: من الأذلين. الثاني: من الأشدين عذاباً لأن من كان في أسفل النار كان أشد عذاباً.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} هيأنا لهم شياطين، أو خلينا بينهم وبين الشياطين. أو أغرينا الشياطين بهم {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، أو ما بين أيديهم من أمر الآخرة فقالوا لا حساب ولا نار ولا بعث وما خلفهم من أمر الدنيا فزينوا لهم اللذات، أو ما بين أيديهم فعل الفساد في زمانهم وما خلفهم هو ما كان قبلهم، أو بين أيديهم ما فعلوه وما خلفهم ما عزموا أن يفعلون.

الخازن

تفسير : {وقيضنا لهم} أي بعثنا ووكلنا وقيل هيأنا لهم وسببنا لهم {قرناء} أي نظراء من الشياطين حتى أضلوهم {فزينوا لهم ما بين أيديهم} أي من أمر الدنيا حتى آثروهم على الآخرة {وما خلفهم} أي فدعوهم إلى التكذيب بالآخرة وإنكار البعث وقيل حسنوا لهم أعمالهم القبيحة الماضية والمستقبلة {وحق عليهم القول} أي وجب {في أمم} أي مع أمم {قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} قوله تعالى: {وقال الذين كفروا} يعني مشركي قريش {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} قال ابن عباس: والغطوا فيه من اللغط وهو كثرة الأصوات كان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر وقيل أكثروا الكلام حتى يتخلط عليه ما يقول وقيل والغوا فيه بالمكاء والصغير وقيل صيحوا في وجهه {لعلكم تغلبون} يعني محمداً على قراءته {فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ} يعني بأسوأ {الذي كانوا يعملون} أي في الدنيا وهو الشرك {ذلك} أي الذي ذكر من العذاب {جزاء أعداء الله} ثم بين ذلك الجزاء فقال {النار لهم فيها دار الخلد} أي دار الإقامة لا انتقال لهم عنها {جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون وقال الذين كفروا} أي في النار {ربنا} أي يقولون يا ربنا {أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنَّا المعصية {نجعلهما تحت أقدامنا} أي في النار {ليكونا من الأسفلين} أي في الدرك الأصفل من النار وقال ابن عباس: ليكونا أشد عذاب منا.

القمي النيسابوري

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: {ربنا أرنا} بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس. الآخرون: بكسر الراء. {اللذين} بتشديد النون: ابن كثير. {يلحدون} بفتح الياء والحاء: حمزة. الباقون: بضم الياء وكسر الحاء {أعجمي} بهمزة واحدة: هشام. وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز. الباقون: بالمد {ثمرات} على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل. {شركاي} مثل {من وراي} على وزن {عصاي} قد مر في سورة مريم {إلى ربي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {ونأى بجانب} وقد مر في السورة {سبحان الذي أسرى}. الوقوف: {والإنس} ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق {خاسرين} ه {تغلبون} ه {يعملون} ه {النار} ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها {دار الخلد} ج {يجحدون} ه {الأسفلين} ه {توعدون} ه {وفي الآخرة} ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول {تدعون} 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً {رحيم} ه {المسلمين} ه {السيئة} ط {حميم} ه {صبروا} ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد {عظيم} ه {بالله} ط {العليم} ه {والقمر} ط {تعبدون} ه {يسأمون} ه سجدة {اهتزت وربت} ط {الموتى} ط {قدير} ه {علينا} ط {القيامة} ط {شئتم} ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد {بصير} ه {لما جاءهم} ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله {من خلفه} كما يجيء {عزيز} ه لا لاتصال الصفة {من خلفه} ط {حميد} ه {من قبلك} ط {أليم} ه {وآياته} ط {وعربي} ط {وشفاء} ط {عمى} ط {بعيد} ه {فيه} ط {بينهم} ط {مريب} ه {فعليها} ط {للعبيد} ه {الساعة} ط {بعلمه} ط ج {شركائي} لا لأن {قالوا} عامل {يوم} {آنذاك} لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده {من شهيد} ه ج للآية مع العطف {محيص} ه {الخير} ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما {قنوط} ه {هذا لي} لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك {للحسنى} ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب {عملوا} إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين {غليظ} ه {بجانبه} ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين {عريض} ه {بعيد} ه {الحق} ط {شهيد} ه {ربهم} ج {محيط} ه. التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر. ومعنى {قيضنا} سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر. والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين {فزينوا لهم ما بين أيديهم} وهو الدنيا وما فيها من الشهوات {وما خلفهم} وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم. والآية على مذهب الأشاعرة واضحة. وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين. ومعنى {في أمم} كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت {وقال الذين كفروا} الآية. يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض {لا تسمعوا لهذا القرآن} إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز {لعلكم تغلبون} القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد. وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله {فلنذيقن} الآية. والمضاف في قوله {أسوأ} محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله {ذلك جزاء أعداء الله} وقوله {النار} بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر. و {دار الخلد} موضع المقام. قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله {بما كانوا بآياتنا يجحدون} موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم {ربنا أرنا} أي أبصرنا {اللذين أضلانا من الجن والإنس} وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل. ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة. وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه. وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار. {نجعلهما تحت أقدامنا} أي نطأهما إذلالاً وإهانة {ليكونا من الأسفلين} الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل. وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}تفسير : [البقرة: 30] كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة. وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله {ربنا الله} إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها. وقوله {ثم استقاموا} إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 5] ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة. وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح. وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره. {تتنزل عليهم الملائكة} عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة. و "أن" مفسرة أو مخففة. ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم. قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً. وقوله {ألا تخافوا ولا تحزنوا} إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال. وقوله {وأبشروا} إخبار عن حصول المنافع. وقوله {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا} يقابل قوله {وقضينا لهم قرناء} فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة. وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية. وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار. {وفي الآخرة} بالشفاعة. وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} يعني الحظوظ الجسمانية {ولكم فيها ما تدعون} أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه. والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر. وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى. قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم {أية : قلوبنا غلف} تفسير : [البقرة: 88] {لا تسمعوا لهذا القرآن} حرض سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال {ومن أحسن قولاً} ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين. زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة. والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب. وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه. ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية. قال جار الله: ليس معنى قوله {وقال إنني من المسلمين} أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة. وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً. وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله. فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب. ثم صبر رسوله صلى الله عليه وسلم على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟ فأجيب {ادفع بالتي هي أحسن} فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة. مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته. قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة. ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها. قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره. {فإذا الذي} إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطفه. ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله {وما يلقاها إلا الذين صبروا} أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره. {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل. وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة. ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً {وإما ينزغنك} وقد مر في آخر الأعراف. والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا {إنه هو السميع العليم} بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله {وما يلقاها} مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة. وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال {ومن آياته} الخ. والضمير في {خلقهن} للآيات أو الليل وما عطف عليه. ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء. وفي قوله {إن كنتم إياه تعبدون} تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه {فإن استكبروا} عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر {فالذين عند ربك} عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون {يسبحون له بالليل والنهار} أي على الدوام والاستمرار {وهم لا يسأمون} من السآمة والملالة. والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً. ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار. وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله {لا يخفون علينا} وكفى به وعيداً. ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله {أفمن يلقى} الخ. وقوله {يوم القيامة} ظرف لآمنا أو ليأتي. ثم هددهم بقوله {اعملوا ما شئتم} الخ. ثم أبدل من قوله {إن الذين كفروا بالذكر} أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله {لا يخفون} وإنه كلام مستأنف. وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن". فالأكثرون على أنه {أولئك ينادون} وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر. وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك. وقيل: هو محذوف. ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم. وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله {لما جاءهم} وبعد قوله {من خلفه} وبعد قوله {حميد} والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته. ثم أكد هذا الوصف بقوله {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء. وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه. وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته. {تنزيل} أي هو منزل {من} إله {حكيم} في جميع أفعاله {حميد} إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه. ثم سلى نبيه عليه السلام بقوله {ما يقال لك} وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم. {إن ربك لذو مغفرة} للمحقين {وذو عقاب أليم} للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه. وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم. ويجوز أن يكون المقول هو قوله {إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب} فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه. كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا} معترضين منكرين {لولا فصلت آياته} أي بينت بلسان نفهمه. أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟ وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير. ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل. ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً. وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم {قلوبنا في أكنة} فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} لداء الجهل {والذين} أي وللذين {لا يؤمنون في آذانهم وقر} وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه. وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ. والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي. ثم أكد هذا المعنى بقوله {أولئك ينادون من مكان بعيد} فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم. ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته. والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ. ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال {إليه} لا إلى غيره {يرد علم الساعة} أي إذا سأل عنها. قيل: لا يعلمها إلا هو. ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له سبحانه. والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة. ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال {ويوم يناديهم أين شركائي} وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً {قالوا آذناك} قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع. وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه تعالى يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال. قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟ والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله {أية : ولما يعلم الله الذين جاهدوا} تفسير : [آل عمران: 142] أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر. وقولهم {آذناك} ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ. ومعنى {ما منا من شهيد} ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك. أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة. ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا. ومعنى {يدعون} يعبدون. والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب. وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري. ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف {أية : ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً}تفسير : [الآية: 36] فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله {فلننبئن} وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} أي تعظم وتجبر. وقد سلف في "سبحان". واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب. فإن قيل: كيف قال أولاً {فيؤس قنوط} ثم قال {فذو دعاء عريض}؟ قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين. ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال {قل أرأيتم} الآية. وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم {أية : قلوبنا في أكنة}تفسير : [فصلت: 5] {لا تسمعوا لهذا القرآن} ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي. وقوله {ممن هو في شقاق بعيد} من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف. وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم. وإنما قال في الأحقاف {أية : وكفرتم}تفسير : [الآية: 10] بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله {وشهد شاهد} فلم يحسن إلا الواو. ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال {سنريهم آياتنا في الآفاق} وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة. {وفي أنفسهم} وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم {حتى يتبين لهم أنه} أي محمداً أو القرآن أو الدين {الحق} ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه. وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء. وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه. ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين. وقد أكثر الله تعالى من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}تفسير : [الذاريات: 21] وفي قوله {سنريهم} دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله. قال جار الله: معنى قوله {أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء. وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله {أو لم يكف} توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق. قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله {أو لم يكف} لخواص الخواص. وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم. وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها. ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وقيضنا لهم قرناء‏}‏ قال‏:‏ شياطين‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {‏فزينوا لهم ما بين أيديهم‏} ‏ قال‏:‏ الدنيا يرغبونهم فيها ‏{‏وما خلفهم‏}‏ قال‏:‏ الآخرة زينوا لهم نسيانها والكفر بها‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [الآية: 25]. قال الجنيد رحمة الله عليه: النفس لا تألف الحق أبدًا. قال ابن عطاء: النفس قرين الشيطان وأليفه ومتبعه فيما يشير عليه مفارقًا للحق مخالفًا له لا يألف الحق ولا يتبعه قال الله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من طول الأمل وما خلفهم من نسيان الذنوب.

القشيري

تفسير : إذا أراد الله بعَبْدٍ خيراً قَيَّضَ له قرناءَ خيرٍ يُعِينونه على الطاعات، ويَحْمِلونه عليها، ويدعونه إليها. وإذا كانوا إخوانَ سوءٍ حملوه على المخالفات، ودَعَوْه إليها... ومن ذلك الشيطانُ؛ فإنهُ مُقَيَّضٌ مُسَلَّطٌ على الإنسان يوسوس إليه بالمخالفات. وشرٌّ من ذلك النَّفْسُ. فإنها بئس القرين!! فهي تدعو العبدَ -اليومَ - إلى ما فيه هلاكه، وتشهد عيه غداً بفعل الزلَّة. فالنفسُ - وشرُّ قرينٍ للمرءِ نفسُه - والشياطينُ وشياطينُ الإنْسِ.. كلها تُزيِّن لهم {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من طول الأمل، {وَمَا خَلْفَهُمْ} من نسيان الزَّلَلِ، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} فزين الكل النفس والشيطان النفس تزين لهم الشهوات والشياطين يزين لهم التسويف والامهال وهذا ما بين ايديهم وما خلفهم قال الجنيد النفس لا تالف الحق ابدا وقال ابن عطا النفس قرين الشيطان والقه ومتبعه فيما يشير اليها مفارق الحق مخالف له لا تالف الحق ولا تتبعه قال الله تعالى وقضينا لهم قرناء وفزينوا لهم ما بين ايديهم من طول الامل وما خلفهم من نسيان الذنوب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقيضنا لهم} التقييض تقدير كردن وسبب ساختن. اى قدرنا وقرنا للكفرة فى الدنيا {قرناء} جمع قرين اى اخدانا من شياطين الانس والجن واصدقاء يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وهو القشر الاعلى وفيه حجة على القدرية فان هذا على التخلية بينهم وبين التوفيق لاجله صاروا قرناءهم وهم لا يقولون بموجب الآية {فزينوا لهم} اى قرناؤهم {ما بين ايديهم} من امور الدنيا واتباع الشهوات {وما خلفهم} من امور الآخرة حيث اروهم أن لا بعث ولا حساب ولا مكروه قط جعل امر الدنيا بين ايديهم كما يقال قدمت المائدة بين ايديهم والآخرة لما كانت تأتيهم بعد هذا جعلت خلفهم كما يقال لمن يجيىء بعد الشخش انه خلفه وهذا هو الذى تقتضيه ملاحظة الترتيب الوجودى وقيل ما بين ايديهم الآخرة لأنها قدامهم وهم متوجهون اليها وما خلفهم الدنيا لأنهم يتركونها خلفهم وفى عرآئس البيان زينت النفس الشهوات والشياطين التسويف والامهال وهذا ما بين ايديهم وما خلفهم قال الجنيد لا تألف النفس الحق ابدا وقال ابن عطاء النفس قرين الشيطان والفه ومتبعه فيما يشير اليه مفارق للحق مخالف له لا يألف الحق ولا يتبعه قال الله تعالى وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ايديهم من طول الامل وما خلفهم من نسيان الذنوب. در سر اين غافلان طول امل دانى كه جيست آشيان كردست مارى دركبو ترخانه {وحق عليهم القول} اى ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب وتحقيق موجبها ومصداقها وهى قوله {أية : لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين} تفسير : ونحوه {فى امم} حال من الضمير المجرور اى كائنين فى جملة امم وقيل فى بمعنى مع وهذا كما ترى صريح فى ان المراد باعدآء الله فيما سبق المعهودون من عاد وثمود لا الكفار من الاولين والآخرين كما قيل {قد خلت} صفة الامم اى مضت {من قبلهم من الجن والانس} على الكفر والعصيان كدأب هؤلاء الكفار {انهم كانوا خاسرين} تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير للاولين والآخرين. زنقد معرفت امروز مفلس. زسود آخرت فردا تهى دست. وفى كشف الاسرار اذا اراد الله بعبد خيرا قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويدعونه اليها واذا اراد الله بعبد سوأ قيض له اخدان سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه اليها ومن ذلك الشيطان فانه مسلط على الانسان بالوسوسة وشر من ذلك النفس الامارة بالسوء تدعو اليوم الى ما فيه هلاكها وهلاك العبد وتشهد غدا عليه بما دعته اليه واوحى الى داود عليه السلام عاد نفسك يا داود فقد عزمت على معاداتك ولهذا قال عليه السلام "حديث : رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر" تفسير : وفى الخبر "حديث : من مقت نفسه فى ذات الله امنه الله من عذاب يوم القيامة" تفسير : قير ابو على دقاق را قدس سره برسيدندكه خويشتن راجه كونه مى بينى كفت جنان مى بينم كه اكر بنجاه ساله عمر مرا بر طبقى نهندو كردهفت آسمان وهفت زمين بكردانند مرا از هيج ملك مقرب درآسان شرم نبايد داشت وازهيج آفريده در زمين حلالى نبايد خواست اى مردبدين صفت كه شنيدى بوقت نزع كوزه آب بيش وى داشتند كفتند در حرارت جان داد جكر را تبريدى بده كفت هنكام آن نيست كه اين دشمن اصلى را واين نفس ناكس را شربتى سازم نبايدكه جون قوت يابد دمار از من بر آرد نفس ازدهارست اوكى مرده است. از غم بى آلتى افسرده است. كربيابد آلتى فرعون او. كه بامر او همى رفعت آب جو. آنكه او بنياد فرعونى كند. راه صد موسى وصد هارون زند. واذا كانت النفس بهذه الشقاوة والخسارة فلا بد من اصلاحها وتزكيتها لئلا يحق عليها القول وتدخل النار مع الداخلين واصل الخسارة افساد الاستعداد الفطرى كأفساد بعض الأسباب البيضة فانها اذا فسدت لم ينتفع بها نسال الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من الرابحين لا من الخاسرين وان يكون عونا لنا على النفس وابليس وسائر الشياطين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقيّضنا} أي: سيَرنا، أو: قدّرنا، {لهم} أي: كفار مكة في الدنيا {قُرَناء} سواء من الجن والإنس، أو: سلطنا عليهم نظراء لهم من الشياطين يستولون عليهم، كقوله: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}تفسير : [الزخرف: 36]، {فَزَيَّنوا لهم ما بين أيديهم} من أمور الدنيا، واتباع الشهوات، والتقليد لأسلافهم، حتى حادوا عن الحق، {وما خَلْفَهم} من أمور الآخرة، حيث ألقوا إليهم: ألا بعث ولا حساب. أو: ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليها، {وحقّ عليهم القولُ} أي: ثبت وتقرّر عليهم كلمة العذاب، أو: تحقق موجبها ومصداقها، وهي قوله تعالى لإبليس: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 85]، حال كونهم {في} جملة {أمم قد خلت مِن قبلهم} أي: قبل أهل مكة {من الجن والإِنس} كانوا مُصرّين على الكفر والعصيان، {إِنهم كانوا خاسرين} حيث آثروا الباطل على الحق، وهو تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم. الإشارة: قال القشيري: إذا أراد الله بعبده سوء، قيّض له إخوان سوء وقرناء شر، هم الأضداد له فيما راموا، وإذا أراد الله بعبد خيراً قيّض له قرناء خير، يُعِينونه على الطاعة، ويَحْمِلونه عليها، ويدعونه إليها، وإذا كانوا إخوانَ سوءٍ يحملونه على المخالفات، ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطانُ. ثم قال: وشرُّ قرين للمرء نفسُه، ثم الشيطان، ثم شياطين الإنسِ، فزيّنوا لهم ما بين أيديهم من طول الأمل، وما خلفهم من نسيان الزَّلَلِ، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة. هـ. قلت: والله ما رأينا الفلاح والخسران إلا من الخلطة. قال بعضهم: والله ما أفلح مَن أفلح إلا بصحبة مَن أفلح، ولا سيما صبحة العارفين؛ فساعة معهم تعدل عبادة سنين بالصيام والقيام وأنواع المجاهدة، ولله در الجيلاني رضي الله عنه حيث قال: شعر : فَشمرْ ولذْ بالأَولياءِ فإِنّهم لَهُمْ مِنْ كِتَاب الله تلْكَ الوَقَائعُ هُمُ الذُّخْرُ للْملهوف والكَنزُ للرَّجا ومنهم يَنَالُ الصَّبُّ مَا هو طامِعُ بهم يُهتدى للْعَيْنِ مَنْ ضَلَّ في العَمَى بهمْ يُجْذب العُشَّاقُ والرَّبْع شَاسِعُ هُمُ النّاسُ فالزَمْ إِنْ عَرفْت جَنَابَهم ففيهم لِضُرّ العالمين مَنَافِعُ تفسير : ثم ذكر بعض ما زيَّنوا لهم، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَقَيَّضْنَا} عطف على نجّينا والمعنى انّا قدّرنا وسبّبنا {لَهُمْ} فى الدّنيا {قُرَنَآءَ} يعنى شياطين الانس والجنّ {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قد مضى مكرّراً انّ ما بين ايديهم فسّر بالدّنيا وبالآخرة وكذا قوله تعالى {وَمَا خَلْفَهُمْ} يعنى انّ القرناء زيّنوا لهم الشّهوات ومقتضى السّبعيّة والشّيطانيّة وزيّنوا لهم ما ظنّوه وقالوا فى امر الآخرة من الرّدّ والانكار، او بان قالوا ان رددنا الى ربّنا لكان لنا خيراً منها منقلباً {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} بسوء اعمالهم واقوالهم واحوالهم {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} من الامم الفاجرة {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} اى مطلق القرآن او قرآن ولاية علىٍّ (ع) {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} لغى فى قوله كسعى ودعا ورضى اخطأ والمقصود اقرأوه مغلوطاً مخلوطاً بغيره او ادخلوا على قرّائه ما ليس منه او عارضوه بالباطل واللّغو {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} قرّاءه او تغلبون محمّداً (ص).

الهواري

تفسير : قال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء} أي: نسبنا لهم قرناء، يعني الشياطين. كقوله: (أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) تفسير : [مريم:83] أي: تزعجهم إزعاجاً في معاصي الله. قال: {فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} قال الحسن: {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: حبّ ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيبهم الرسل. {وَمَا خَلْفَهُمْ} تكذيبهم بالبعث. وقال الكلبي: {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: من أمر الآخرة، فأخبروهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، {وَمَا خَلْفَهُمْ}: زيّنوا لهم أمر الدنيا فلم يريدوا غيرها. {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} أي: وجب عليهم القول. وتفسير القول: الغضب، في قول بعضهم: وقال الحسن: القول من الله أنهم من أهل النار؛ كقوله: (أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) تفسير : [غافر:6] أي: بكفرهم. قال: {فِي أُمَمٍ} أي: مع أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} والخاسرون: أهل النارِ، خسروا أنفسهم فصاروا في النار. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [قال السدي: نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يقول لأصحابه: إذا سمعتم قراءة محمد فارفعوا أصواتكم بالأشعار حتى تلتبس على محمد قراءته] وهو مثل قوله: (أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً) تفسير : [الأنفال:35]؛ المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق؛ يميملون خدودهم إلى الأرض يخلطون على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك صلاته. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي: لعل دينكم أن يغلب دين محمد.

اطفيش

تفسير : {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ} أي قدرنا وقيل: يسرنا لهم أي الكفرة وقيل كفار مكة وقيل {قَيَّضْنا} بمعنى بعثنا ووكلنا وهيأنا* {قُرَنَآءَ} نظراء أخدانا من الشياطين قال بعضهم ومن الانس جمع قرين ويحتمل أن يكون التقييض مأخوذا من المقايضة وهى المعارضة وثوبان قيضان متكافئان أي عوضناهم القرناء لكفرهم بدلا من الهداة أو من القيض وهى قشر البيض أي يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وعنى (تقيض القرناء لهم) وهو يناهم عن اتباع خطوات الشيطان عدم توفيقهم وخذلانهم لاستحبابهم الكفر ويدل له {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين } تفسير : {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا واتباع الشهوات حتى آثروه على الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي وأمر ما خلفهم أو انكار ما خلفهم وذلك الامر هو انكار العاقبة وان لا بعث ولا حساب وقيل ما بين أيديهم ما هم عاملوه وما خلفهم ما عزموا على فعله وقيل علموهم وقرروا لهم في أنفسهم معتقدات سوء في الأمور التى تقدمتهم من أمر الرسل والأنبياء ومدح عبادة الأصنام الى غير ذلك مما يقال انه بين أيديهم وذلك كل ما تقدمهم واتصل اليهم خبره وأثره وكذلك أعطوهم معتقدات سوء فيما خلفهم وهو كل ما يأتي بعدهم من القيامة والبعث ونحوهما* {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} وجب ووقع عليهم كلمة العذاب أو مقتضى القول وهو العذاب {فِي أُمَمٍ} أي في جملة أمم حال من الهاء وقيل في معنى مع ومثله ادخلوا في أمم وعن بعض المراد بالأمم من الجن وهذا سبق قل بل منهم ومن الانس لوصف أمم بقوله* {قَدْ خَلَتْ} أي مضت وقيل هلكت* {مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} عملوا مثل أعمالهم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} تعليل جملي استئنافي لاستحقاقهم العذاب والضمير في (إن لهم وللأمم) وقيل: (لهم) مثل (هاءات) لهم وأيديهم وخلفهم وعليهم وقبلهم وتحتمل هذه الضمائر العود لهم والقرناء أعني (هاء) عليهم وقبلهم وانهم و واو كانوا.

اطفيش

تفسير : {وقيَّضْنا لهُم} وكلنا عليهم وسلطنا، وهذا أولى من أن يفسر بسببنا لهم من حيث لم يحتسبوا، وذكر من حيث لم يحتسبوا ليس من معنى هذا اللفظ فى وضع اللغة، وانما هو بيان للمراد فى الآية، وفسر بقدرنا، وهو على الأول من القيض، وهو قشر البيض المستعلى على ما حواه، وقيل التقييض بمعنى الابدال كالمقايضة بمعنى المعاوضة، فتقييض القرين أخذه بدلا من سائر القرناء {قُرناء} أصحاب يقترنون بهم من غواة الجن أو منهم ومن الانس يستولون عليهم، ولكل أحد قرين من الجن، يأمره بالمعاصى وملك يلهمه بالطاعة إلا النبى صلى الله عليه وسلم، فقد غلب على قرينه وأسلم، فصار لا يشير له الا بالخير،والمفرد قرين. {فزيَّنوا لَهُم} فى أنفسهم {ما بَيْن أيْديهم} حاضرا من أمر الدنيا من أنواع الضلال {وما خَلْفهُم} شأن ما خلفهم من أمر الآخرة، وشأنها هو إنكارها، لأنه هو الذى يليق بها من جانبهم، فلك أن تقدر زينوا لهم طلب ما بين أيديهم أو حبه، وإنكار ما خلفهم، وسميت الآخرة بما خلفهم لأنها شىء ليس بين أيدينا، وهى كالشىء وراءك يتبعك، ولا بد منه، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ما بين أيديهم الآخرة أى لأنها كأمر استقبلك وأنت تمشى اليه، يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم أمر الدنيا، لأن الانسان مثلا كل وقت يمضى عنه فقد فاته وتركه، وقيل: ما بين أيديهم، ما حضر لهم من الاعمال السيئة، ما خلفهم ما استقبل منها، لأنه لم يحضر فهو كالشىء غاب خلفهم، وعليه فيجوز العكس، فتقول: ما بين أيديهم ما استقبل من أعمالهم، وما خلفهم ما حضر منها. {وحقَّ عليْهم القَول} ثبت عليهم القضاء بالنار، أو قولنا: "أية : لأملأن جهنم " تفسير : [الأعراف: 18] الخ ومرَّ ذلك {في أممٍ} كثيرة حال من الهاء، أى ثابتين فى جملة أمم، ولا حاجة الى تفسير فى بمع، مع أن معناها الأعلى صالح {قَد خَلت مِن قبْلهم} مضت على الشرك والعصيان، كدأب هؤلاء، والجملة نعت أمم {مِن الجنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرينَ} تعليل لحق جملى أو مستأنف، والهاء لهم وللأمم، أو لهم دون الأمم.

الالوسي

تفسير : {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ } أي قدرنا، وفي «البحر» أي سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا وقيل: سلطنا ووكلنا عليهم {قُرَنَاء } جمع قرين أي أخداناً وأصحاباً من غواة الجن، وقيل: منهم ومن الإنس يستولون عليهم استيلاء القيض وهو القشر على البيض، وقيل: أصل القيض البدل ومنه المقايضة للمعاوضة فتقييض القرين للشخص إما لاستيلائه عليه أو لأخذه بدلاً عن غيره من قرنائه {فَزَيَّنُواْ لَهُم } حسنوا وقرروا في أنفسهم {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } قال ابن عباس: من أمر الآخرة حيث ألقوا إليهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث {وَمَا خَلْفَهُمْ } من أمر الدنيا من الضلالة والكفر واتباع الشهوات، وقال الحسن: ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، وقال الكلبـي: ما بين أيديهم أعمالهم التي يشاهدونها وما خلفهم ما هم عاملوه في المستقبل ولكل وجهة. ولعل الأحسن ما حكي عن الحسن {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب وتحقق موجبها ومصداقها وهي قوله تعالى لإبليس: {أية : فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [ص: 84ـ85]. {فِي أُمَمٍ } حال من الضمير المجرور أي كائنين في جملة أمم، وقيل: {فِي } بمعنى مع ويحتمل المعنيين قوله: شعر : / إن تك عن أحسن الصنيعة مأ فوكاً ففي آخرين قد أفكوا تفسير : وفي «البحر» لا حاجة للتضمين مع صحة معنى في. وتنكير {أُمَمٌ } للتكثير أي في أمم كثيرة {قَدْ خَلَتْ } أي مضت {مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } على الكفر والعصيان كدأب هؤلاء {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم وللأمم، وجوز كونه لهم بقرينة السياق.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : ويَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ الله } تفسير : [فصلت: 19]، وذلك أنه حُكي قولهم المقتضي إعراضهم عن التدبر في دعوة الإيمان ثم ذكر كفرهم بخالق الأكوان بقوله {أية : قُل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين}تفسير : [فصلت: 9] ثم ذكر مصيرهم في الآخرة بقوله {ويوم يحشر أعداء الله} ثم عقب ذلك بذكر سبب ضلالهم الذي نشأتْ عنه أحوالهم بقوله: {وَقَيَّضنا لَهُم قُرَنَاءَ}. وتخلل بين ما هنالك وما هنا أفانين من المواعظ والدلائل والمنن والتعاليم والقوارع والإيقاظ. وَقَيَّض: أَتاح وهيَّأ شيئاً للعمل في شيء. والقرناء جَمْعُ: قرين، وهو الصاحب الملازم، والقرناء هنا: هم الملازمون لهم في الضلالة: إمَّا في الظاهر مثلُ دعاة الكفر وأيمتِه، وإما في باطن النفُوس مثلُ شياطين الوسواس الذين قال الله فيهم: { أية : ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطاناً فهو له قرين } تفسير : ويأتي في سورة الزخرف (36). ومعنى تقييضهم لهم: تَقديرهم لهم، أي خَلْق المناسبات التي يتسبب عليها تقارن بعضهم مع بعض لتناسب أفكار الدعاةِ والقابلين كما يقول الحُكماء «استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما». فالتقييض بمعنى التقدير عبارة جامعة لمختلف المؤثرات والتجمعات التي توجب التآلف والتحابّ بين الجماعات، ولمختلف الطبائع المكوَّنَةِ في نفوس بعض الناس فيقتضي بعضها جاذبيةَ الشياطين إليها وحدوثَ الخواطر السيئة فيها. وللإِحاطة بهذا المقصود أُوثر التعبير هنا بــــ {قيضنا} دون غيره من نحو: بَعثنا، وأرسلنا. والتزيين: التحسين، وهو يشعر بأن المزيَّن غير حسن في ذاته. و {مَّا بَيْنَ أيْدِيهِم} يستعار للأمور المشاهدة، وما خلفهم يستعار للأمور المغيبة. والمراد بــــ {مَّا بَيْنَ أيْدِيهِم} أمور الدنيا، أي زينوا لهم ما يعملونه في الدنيا من الفساد مثل عبادة الأصنام، وقتل النفس بلا حق، وأكل الأموال، والعدول على الناس باليد واللسان، والميسر، وارتكاب الفواحش، والوأد. فعوّدوهم باستحسان ذلك كله لما فيه من موافقة الشهوات والرغبات العارضة القصيرة المدى، وصرفوهم عن النظر فيما يحيط بأفعالهم تلك من المفاسد الذاتية الدائمة. والمراد بــــ {ما خلفهم} الأمور المغيبة عن الحس من صفات الله، وأمور الآخرة من البعث والجزاء مثل الشرك بالله ونسبة الولد إليه، وظنهم أنه يخفى عليه مستور أعمالهم، وإحالتهم بعثة الرسل، وإحالتهم البعث والجزاء. ومعنى تزيينهم هذا لهم تلقينهم تلك العقائد بالأدلة السفسطائية مثل قياس الغائب على الشاهد، ونفي الحقائق التي لا تدخل تحت المدركات الحسية كقولهم: { أية : أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون } تفسير : [الصافات: 16،17]. و {حق عليهم} أي تحقق فيهم القول وهو وعيد الله إياهم بالنار على الكفر، فالتعريف في {القَوْل} للعهد. وفي هذا العهد إجمال لأنه وإن كان قد ورد في القرآن ما يُعهد منه هذا القول مثل قوله: { أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب } تفسير : [الزمر: 19] وقوله: { أية : فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } تفسير : [الصافات: 31]، فإنه يمكن أن لا تكون الآيات المذكورة قد سبقت هذه الآية. وقوله: {فِي أُمَمٍ} حال من ضمير {عَلَيْهِم}، أي حق عليهم حالة كونهم في أمم أمثالهم قد سبقوهم. والظرفية هنا مجازية، وهي بمعنى التبعيض، أي هم من أمم قد خلت من قبلهم حق عليهم القول. ومثل هذا الاستعمال قول عمرو ابن أُذينة: شعر : إن تَك عَن أَحسن الصنيعة مأفو كاً ففي آخرينَ قد أُفِكوا تفسير : أي فأنت من جملة آخرين قد صُرفوا عن أحسن الصنيعة. و{مِن} في قوله: {مِنَ الجِنِّ والإنْسِ} بيانية، فيجوز أن يكون بياناً لــــ {أُمَمٍ}، أي من أمم من البشر ومن الشياطين فيكون مثل قوله تعالى: { أية : قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } تفسير : [ص: 84،85]، وقوله: { أية : قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار } تفسير : [الأعراف: 38] ويجوز أن يكون بياناً لــــ{قُرَنَاءَ} أي ملازمين لهم ملازمة خفية وهي ملازمة الشياطين لهم بالوسوسة وملازمة أيمة الكفر لهم بالتشريع لهم ما لم يأذن به الله. وجملة {إنَّهُم كَانُوا خٰسِرِينَ} يجوز أن تكون بياناً للقول مثل نظيرتها { أية : فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } تفسير : في سورة الصافات (31)، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة {وحَقَّ عَلَيهِم القَوْلُ في أُمَمٍ} والمعنيان متقاربان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. لعلماء التفسير في تفسير قوله: {وَقَيَّضْنَا} عبارات يرجع بعضها، في المعنى إلى بعض. كقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} أي جئناهم بهم: وأتحناهم لهم. وكقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا} أي هيأنا. وقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا} أي سلطنا. وقول بعضهم: أي بعثنا ووكلنا. وقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا} أي سببنا. وقول بعضهم: قدرنا ونحو ذلك من العبارات، فإن جميع تلك العبارات راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله تبارك وتعالى هيأ للكافرين قرناء من الشياطين يضلونهم عن الهدى ويزينون لهم الكفر والمعاصي وقدرهم عليهم. والقرناء: جمع قرين وهم قرناؤهم من الشياطين على التحقيق. وقوله {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة: {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به، وإنكار البعث. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، أنه تعالى قيض للكفار قرناء من الشياطين، يضلونهم عن الهدى، بينه في مواضع أخر من كتابه. وزاد في بعضها سبب تقييضهم لهم، وأنهم مع إضلالهم لهم، يظنون أنهم مهتدون، وأن الكافر يوم القيامة يتمنى أن يكون بينه وبين قرينه من الشياطين بعد عظيم، وأنه يذمه ذلك اليوم كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} تفسير : [الزخرف: 36ـ38]. فترتيبه قوله: نقيض له شيطاناً،على قوله ومن يعش عن ذكر الرحمن، ترتيب الجزاء على الشرط يدل على أن سبب تقييضه له، هو غفلته عن ذكر الرحمن. ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ} تفسير : [الناس: 4] لأن الوسواس هو كثير الوسوسة ليضل بها الناس، والخناس هو كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس، من قولهم: خنس بالفتح يخنس بالضم إذا تأخر. فهو وسواس عند الغفلة عن ذكر الرحمن، خناس عند ذكر الرحمن، كما دلت عليه آية الزخرف المذكورة، ودل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 99ـ100] لأن الذين يتولونه، والذين هم به مشركون، غافلون عن ذكر الرحمن، وبسبب ذلك قيضه الله لهم فأضلهم. ومن الآيات الدالة على تقييض الشياطين للكفار ليضلوهم، قوله تعالى: {أية : أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} تفسير : [مريم: 83]، وقد أوضحنا الآيات الدالة على ذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} الآية. وبينا هناك أقوال أهل العلم في معنى {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}. وبينا أيضاً هناك أن من الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ } تفسير : [الأنعام: 128] أي استكثرتم من إضلال الإنس في دار الدنيا، وقوله: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 202]. ومنها أيضاً قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} تفسير : [يس: 60] إلى قوله: {أية : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} تفسير : [يس: 62] إلى غير ذلك من الآيات. وقد دل قوله في آية الزخرف: {أية : فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} تفسير : [الزخرف: 38] على أن قرناء الشياطين المذكورين في آية فصلت، وآية الزخرف وغيرهما، جديرين بالذم الشديد، وقد صرح تعالى بذلك في سورة النساء في قوله: {أية : وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً} تفسير : [النساء: 38] لأن قوله: {فَسَآءَ قِرِيناً} بمعنى {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ}، لأن كلا من ساء وبئس فعل جامد لإنشاء الذم كما ذكره في الخلاصة بقوله: شعر : واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا تفسير : واعلم أن الله تعالى بين أن الكفار الذين أضلهم قرناؤهم من الشياطين يظنون أنهم على هدى، فهم يحسبون أشد الضلال، أحسن الهدى، كما قال تعالى عنهم: {أية : وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 37] وقال تعالى: {أية : إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الأعراف: 30]. وبين تعالى أنهم بسبب ذلك الظن الفاسد هم أخسر الناس أعمالاً في قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103ـ104]. وقوله تعالى في سورة الزخرف: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الزخرف: 36] من قولهم عشا بالفتح عن الشيء، يعشو بالضم إذا ضعف بصره عن إدراكه، لأن الكافر أعمى القلب. فبصيرته تضعف عن الاستنارة بذكر الرحمن، وبسبب ذلك يقيض الله له قرناء الشياطين. قوله تعالى: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ } تفسير : [يس: 7] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقيضنا لهم قرناء: أي وبعثنا لكفار مكة المعرضين قرناء من الشياطين. فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم: أي حسنوا لهم الكفر والشرك، وإنكار البعث والجزاء. وحق عليهم القول في أمم قد خلت: أي وجب لهم العذاب في أمم مضت قبلهم من الجن والإِنس. والغوا فيه لعلكم تغلبون: أي الغطوا فيه بالباطل إذا سمعتم من يقرأه. ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون: أي بأقبح جزاء أعمالهم التي كانوا يعملون. أعداء الله: أي من كفروا به ولم يتقوه. أرنا اللذين أضلانا من الجن والإِنس: أي إبليس من الجن، وقابيل بن آدم. نجعلهما تحت أقدامنا: أي في أسفل النار ليكونا من الأسفلين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المعرضين من كفار قريش، فقال تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ} أي بعثنا لهم قرناء من الشياطين، وذلك بعد أن أصروا على الباطل والشر فخبثوا خبثا سَهَّلَ لأخباث الجن الاقتران بهم فزينوا لهم الكفر والمعاصي القبيحة في الدنيا فها هم منغمسون فيها، كما زينوا لهم الكفر بالبعث والجزاء وإنكار الجنة والنار حتى لا يقصروا في الشر ولا يفعلوا الخير أبداً، وهو معنى قوله تعالى: {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. وقوله تعالى: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي بالعذاب {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} في حكم الله وقضائه بمقتضى سنة الله في الخسران. هذا ما دلت عليه الأولى [25] وهي قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ}. وقوله تعالى في الاية الثانية [26] {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} يخبر تعالى عن أولئك المعرضين عن كفار قريش وأنهم قالوا لبعضهم بعضا لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرأه محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا تتأثروا به، والغوا فيه أي الغطوا وصيحوا بكلام لهو وصفقوا وصفروا حتى لا يتأثر به من يسمعه من الناس لعلكم تغلبون أي رجاء أن تغلبوا محمداً على دينه فتبطلوه ويبقى دينكم. وهذا منتهى الكيد والمكر من أولئك المعرضين عن دعوة الإِسلام. وكان رد الله تعالى على هذا المكر في الآية التالية [27] {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} يخبر تعالى مؤكداً الخبر بأنه سيذيق الذين كفروا عذاباً شديداً وذلك يوم القيامة وليجزينَّهم أسوأ أي أقبح الذي كانوا يعملون أي يجزيهم بحسب أقبح سيئاتهم التي كانوا يعملون. ثم قال تعالى: ذلك الجزاء المتوعَّد به الذين كفروا هو جزاء أعداء الله الذين حاربوا رسوله ودعوته وحتى كتابه أيضاً. وذلك الجزاء هو النار لهم فيها دار الخلد أي الإِقامة الدائمة جزاء بما كانوا بأياتنا يجحدون فلم يؤمنوا بها ولم يعملوا بما فيها وقوله تعالى في الآية [29] {وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية يخبر تعالى عن الكافرين وهم في النار إذ يقولون ربَّنا أي يا ربنا أرنا اللَّذين أضلانا من الجن والإِنس أي اللذين كانا سببا في إضلالنا بتزيينهم لنا الباطل وتقبيحهم لنا الحق أرناهم نجعلهما تحت أقدامنا في النار ليكونا من الأسفلين أي في الدرك الأسفل من النار إذا النار دركات واحدة تحت الأخرى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في العبد إذا أعرض عن الحق الذي هو الإسلام فخبث من جراء كسبه. الشر والباطل وتوغله في الظلم والفساد يبعث الله تعالى عليه شيطاناً يكون قريناً له فزين له كل قبيح، ويقبح له كل حسن. 2- بيان ما كان المشركون يكيدون به الإِسلام ويحاربونه به حتى باللغو عند قراءة القرآن حتى لا يسمع ولا يهتدي به. 3- تقرير البعث والجزاء. 4- بيان نقمة أهل النار على من كان سببا في إضلالهم وإغوائهم، ومن سن لهم سنة شر يعملون بها كإبليس، وقابيل بن آدم عليه السلام. إذ الأول سن كل شر والثاني سن سنة القتل ظلما وعدوانا.

القطان

تفسير : قيضنا: هيّأنا. قرناء: جمع قرين وهم الأصحاب والإخوان من غواة الجن والإنس. والْغَوا فيه: عارِضوه باللغو الباطل حين يُقرأ لتشوشوا عليه. دار الخلد: دار الاقامة الخالدة. لا يزال الحديث عن المشركين الجاحدين، ويبين هنا ان السبب في غوايتهم هم قرناءُ السوء الذين زيّنوا لهم الكفر والضلال، وأغروهم بأنه لا بعثٌ ولا حساب، وحقَّ عليهم العذاب مع أممٍ قد خلتْ من قبلهم من الجن والإنس ممن كانوا على شاكلتهم، وان هؤلاء جميعا، {كَانُواْ خَاسِرِينَ}. ثم بين الله كيف كان مشركو قريش يكذّبون بالقرآن وكيف يستقبلونه باللغو والتشويش. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} كانوا يوصون بعضهم بأن لا يصغوا الى القرآن، وان يشوّشوا بأصواتهم رجاءَ ان يكونوا هم الغالبين. ثم اوعد الله الكفارَ بالعذاب الشديد وأقسمَ أن يذيقَ الذين كفروا عذاباً شديداً جزاء فعلِهم السيّء وإعراضِهم وشغبهم. ثم بيّن الله تعالى انهم حين وقوعهم في العذاب الشديد يطلُبون الانتقامَ ممن أضلّوهم من شياطين الإنس والجن، ليطأوهم بأقدامهم وينتقموا منهم شرّ انتقام، ولكنّ كلّ ذلك لا يُجديهم ولا يخفّف عنهم العذاب. وهكذا يصدُقُ عليهم قوله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67].

د. أسعد حومد

تفسير : {خَاسِرِينَ} (25) - وَيَسَّرَ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ أَخْدَاناً وَأَقْرَاناً مِنْ شَيَاطِينِ الجِنِّ وَالإِنْسِ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِنَ الضَّلاَلَةِ وَالكُفْرِ واتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، فَحَسَّنُوا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَلَمْ يَرَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلاَ مُحْسِنِينَ، وَأَوْحَوْا إِلَيْهِمْ إِنَّهُ لاَ جَنَّةَ وَلاَ نَارَ وَلاَ حِسَابَ، فَوَجَبَ عَلَيهِمْ مِنَ العَذَابِ مَا وَجَبَ عَلَى الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِهِمْ مِمَّنْ فَعَلُوا مِثْلَ أَفْعَالِِهِمْ، فَكَانُوا جَمِيعاً فِي الخَسَارِ والدَّمَارِ، وَاسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ والخِزْيَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ. قَيَّضْنَا - يَسَّرْنَا وَهَيَّأنَا. حَقَّ - وَجَبَ وَثَبَتَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ ..} [فصلت: 25] يعني: أعددنا لهم وهيّأنا لهم {قُرَنَآءَ ..} [فصلت: 25] أصحاباً يلازمونهم، وأصل المقايضة في البيع والشراء كأنْ تدفع الثمن وتأخذ السلعة؛ لأن الله تعالى يريد للعبد أنْ يسير على طريق الخير الذي رسمه الله له، وطريق الخير المرسوم لك من الله يريد منه أنْ يؤكد صدقك في التوجه إليه، فيأتي بقرناء يعترضون طريقك ويحاولون صَرْفك عنه. فإنْ أطعتَ هؤلاء القرناء ملْتَ معهم وضللتَ طريقك الذي اختاره الله لك، وإنْ عصيتهم فقد نجوْتَ وخابت معك حيل الشيطان الذي يُزيِّن لك سواء من شياطين الإنس أو من شياطين الجن. فكأن الشيطان ما جاء إلا ليختبر إيمان المؤمن فهو يُوسوس للجميع، ويُزيِّن الشر للجميع، لكن قويّ الإيمان يقف أمام هذه الوسوسة ويعرف مصدرها فلا يطيع، أما ضعيف الإيمان فينقاد ويقع في المخالفة، ولولا وجود الشيطان لكان الإيمانُ رتابةً لا معارضَ لها، لكن وُجِد المعارض، ومع ذلك ثبت أهل الإيمان على إيمانهم. قوله: {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ..} [فصلت: 25] ما بين أيديهم: الموجود الحالي من الشهوات، وما خلفهم: أي: ما ينتظرهم من أمر القيامة والحساب {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} [فصلت: 25].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} معناه هيئنا لهم. قُرناءُ: أمثالُ وأَشباهُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} [فصلت: 25] يشير إلى أنه تعالى إذا أراد بعبد سوء قيض له إخوان وقرناء شرهم الأضداد لهم فيما رموا، وإذا أراد بعبد خيراً قيض له قرناء خيراً يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها، وإذا كان إخوان سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها ومن ذلك الشيطان، فإنه مقيض على الإنسان مسلط يوسوس إليه بالمخالفات، وشر من ذلك النفس الأمارة بالسوء، وبئس القرين النفس تدعو اليوم إلى ما فيه هلاكها وهلاك العبد، وتشهد غداً عليه بما دعته إليه، وشر قرين للمرء نفسه، ثم الشياطين، ثم شياطين الإنس {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [فصلت: 25] من طول الأمل {وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25] من نسيان الزلل، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} [فصلت: 25] بالتقدير الأزلي {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} [فصلت: 25] بالشقاوة، {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} [فصلت: 25] بإفساد استعدادهم الفطري. ثم أخبر عن أحوال أهل الكفر ومقالهم بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] يشير إلى طبيعة النفوس المتمردة الأمارة بالسوء إن من شأنها: انتشار الهواجس النفسانية، وإلقاء الخواطر المنتسبة من الأوصاف الحيوانية، وإثارة الوساوس الشيطانية والهجو من الكلام، وإنشاء اللغو والباطل، وحديث النفس على الدوام اشتغالاً للقلوب بها عن استماع الإلهامات الربانية والإشارات الوحدانية؛ لعلها تغلب على القلوب والأرواح، وتسلب العقول والأفهام، ولم تعلم أن القلوب التي نورت بالإيمان وأبدت بعواطف الإحسان، والأرواح التي كوشفت بعوارف الحرمان ولطائف العيان؛ فهي التي شرفت بسماع أسرار الغيب المبرأة عن الريب، والقلوب التي هي في ظلمات جهلها لا يدخل الإيمان فيها، ولا يباشر السماع سرها. وبقوله: {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} [فصلت: 27] يشير إلى أنه تعالى إذا تجلى على النفوس الكافرة يعذبها بها عذاباً شديداً يؤدي إلى إفنائها، ثم قال: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [فصلت: 27]؛ أي: نجزي النفوس بسطوة نار نور التجلي عند احتراق صفاتها وإفناء ذواتها، {أَسْوَأَ} ما كانت تعمل في شغل القلوب عن استماع كلام الحق، {ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ} [فصلت: 28]؛ أي: النفوس المتمردة، {ٱلنَّارُ} [فصلت: 28] نار أنوار التجلي {لَهُمْ فِيهَا} [فصلت: 28] ما يشاءون، {دَارُ الخُلْدِ} [فصلت: 28]؛ أي: بدوام التجلي في مقام التمكن {جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا} [فصلت: 28] من شواهد الحق {يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28] ينكرونها لئلا يصل إلى القلوب. وبقوله: {وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا} [فصلت: 29] يشير إلى أن النفوس إذا فنيت عن أوصافها بنار أنوار التجلي، وذاقت حلاوة الشرب تلتمس من ربها اطلاعها على بقايا الأوصاف الشيطانية والحيوانية التي جبلت النفوس عليها؛ ليمكنها منها، فتجعلها تحت أقدام جهة لإفنائها فيعلوا بها إلى مقامات القرب، كما قال تعالى: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] وذلك قوله: {أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29]؛ أي: ليكونا من الأعلين إذا كانا تحت أقدامنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وقضينا لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق { قُرَنَاءَ } من الشياطين، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا } تفسير : أي تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها، بسبب ما زينوا { لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة حتى افتتنوا، فأقدموا على معاصي اللّه، وسلكوا ما شاءوا من محاربة اللّه ورسله والآخرة بَعّدُوها عليهم وأنسوهم ذكرها، وربما أوقعوا عليهم الشُّبه، بعدم وقوعها، فترحَّل خوفها من قلوبهم، فقادوهم إلى الكفر، والبدع، والمعاصي. وهذا التسليط والتقييض من اللّه للمكذبين الشياطين، بسبب إعراضهم عن ذكر اللّه وآياته، وجحودهم الحق كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ }. تفسير : { وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } أي: وجب عليهم، ونزل القضاء والقدر بعذابهم { فِي } جملة { أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } لأديانهم وآخرتهم، ومن خسر، فلا بد أن يذل ويشقى ويعذب.