٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى أردفه بذكر الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته، تنبيهاً على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تقرير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، فهذه تنبيهات شريفة مستفادة من تناسق هذه الآيات، فكان العلم بهذه اللطائف أحسن علوم القرآن، وقد عرفت أن الدلائل الدالة على هذه المطالب العالية هي العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض، فبدأ ههنا بذكر الفلكيات وهي الليل والنهار وإنما قدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدم، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود، فهذا كالتنبيه على حدوث هذه الأشياء، وأما دلالة الشمس والقمر والأفلاك وسائر الكواكب على وجود الصانع، فقد شرحناها في هذا الكتاب مراراً، لا سيما في تفسير قوله { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الفاتحة: 2] وفي تفسير قوله { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1]. ولما بيّن أن الشمس والقمر محدثان، وهما دليلان على وجود الإله القادر قال: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله، والسجدة عبارة عن نهاية التعظيم فهي لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات، فقال: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } لأنهما عبدان مخلوقان {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ } الخالق القادر الحكيم، والضمير في قوله {خَلَقَهُنَّ } لليل والنهار والقمر، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، يقال للأقلام بريتها وبريتهن، ولما قال: {ومّنْ ءَايَـٰتِهِ } كن في معنى الإناث فقال: {خَلَقَهُنَّ } وإنما قال: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } لأن ناساً كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق الأشياء، فإن قيل إذا كان لا بد في الصلاة من قبلة معينة، فلو جعلنا الشمس قبلة معينة عند السجود كان ذلك أولى، قلنا الشمس جوهر مشرق عظيم الرفعة عالي الدرجة، فلو أذن الشرع في جعلها قبلة في الصلوات، فعند اعتياد السجود إلى جانب الشمس ربما غلب على الأوهام أن ذلك السجود للشمس لا لله، فلأجل الخوف من هذا المحذور نهى الشارع الحكيم عن جعل الشمس قبلة للسجود، بخلاف الحجر المعين فإنه ليس فيه ما يوهم الإلهية، فكان المقصود من القبلة حاصلاً والمحذور المذكور زائلاً فكان هذا أولى، واعلم أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن موضع السجود هو قوله {تَعْبُدُونَ } لأجل أن قوله {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ } متصل به، وعند أبي حنيفة هو قوله {وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ } لأن الكلام إنما يتم عنده. ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْـأمُونَ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن يحصل لنا أهلية عبودية الله تعالى، ولكنا عبيد للشمس وهما عبدان لله، وإذا كان قول هؤلاء هكذا، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله؟ والجواب: ليس المراد من لفظ الاستكبار ما ذكرتم، بل المراد فإن استكبروا عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر. السؤال الثاني: أن المشبهة تمسكوا بقوله {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } في إثبات المكان والجهة لله تعالى والجواب: أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا، ولا يراد به قرب المكان. فكذا ههنا. ويدل عليه قوله « حديث : أنا عند ظن عبدي بي وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي في مقعد صدق عند مليك مقتدر » تفسير : ويقال عند الشافعي رضي الله عنه إن المسلم لا يقتل بالذمي. السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؟ الجواب: نعم، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون. السؤال الرابع: قال ههنا في صفة الملائكة {يَسْبَحُونَ له بالليل والنهار} فهذا يدل على أنهم مواظبون على التسبيح، لا ينفكون عنه لحظة واحدة، واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وقال: { أية : وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } تفسير : [الحجر: 51] وقوله تعالى: { أية : عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } تفسير : [التحريم: 6] الجواب: إن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة وهم الأشراف الأكابر منهم، لأنه تعالى وصفهم بكونهم عنده، والمراد من هذه العندية كمال الشرف والمنقبة، وهذا لا ينافي كون طائفة أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال، فإن قالوا هب أن الأمر كذلك إلا أنهم لا بد وأن يتنفسوا، فاشتغالهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر الله تعالى سبب لصلاح حالهم في حياتهم، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس أحوال الملائكة في صفاء جوهرها وإشراق ذواتها واستغراقها في معارج معارف الله بأحوال البشر، فإن بين الحالتين بعد المشرقين. ثم قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً }. واعلم أنه تعالى لما ذكر الآيات الأربع الفلكية وهي الليل والنهار والشمس والقمر، أتبعها بذكر آية أرضية فقال: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً } والخشوع التذلل والتصاغر، واستعير هذا اللفظ لحال الأرض حال خلوها عن المطر والنبات {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } أي تحركت بالنبات، وربت: انتفخت لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت، ثم تصدعت عن النبات، ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِي أَحْيَـٰهَا لَمُحيي الموتىٰ } يعني أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد بعد موتها، وقد ذكرنا تقرير هذا الدليل مراراً لا حصر لها، ثم قال: {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وهذا هو الدليل الأصلي وتقريره إن عودة التأليف والتركيب إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك الاْجزاء بعد اجتماعها أيضاً أمر ممكن لذاته، والله تعالى قادر على الممكنات، فوجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل والفهم إلى تلك الأجزاء، وهذا يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا امتناع فيه ألبتة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته {ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} وقد مضى في غير موضع. ثم نهى عن السجود لهما؛ لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله؛ لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما. {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} وصورهنّ وسخرهنّ؛ فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: للشمس والقمر خاصة؛ لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير عائد على معنى الآيات {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} يعني الكفار عن السجود لله {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} من الملائكة {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} أي لا يملون عبادته. قال زهير:شعر : سَئِمتُ تَكاليف الحياةِ ومَنْ يَعِشْ ثمانِين حَوْلاً لا أبَا لَكَ يَسْأَمِ تفسير : مسألة: هذه الآية آية سجدة بلا خلاف؛ واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك: موضعه {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}؛ لأنه متصل بالأمر. وكان عليّ وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: {تَعْبُدُونَ}. وقال ابن وهب والشافعي: موضعه {وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: «يَسْأَمُونَ». وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيـى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميَّين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبد الله يسجدون عند قوله: «يَسْأَمُونَ». قال ابن العربي: والأمر قريب. مسألة: ذكر ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس؛ وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. قلت: صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافاً كثيراً، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في الباب، والله الموفق للصواب. قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} الخطاب لكل عاقل أي «وَمِنْ آيَاتِهِ» الدالة على أنه يحيي الموتى {أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} أي يابسة جدبة؛ هذا وصف الأرض بالخشوع؛ قال النابغة:شعر : رمادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْياً أُبِينُهُ ونُوْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَثْلَمُ خاشِع تفسير : والأرض الخاشعة: الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي مغبرة لا منزل بها. ومكان خاشع. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ} أي بالنبات؛ قاله مجاهد. يقال: اهتز الإنسان أي تحرك؛ ومنه:شعر : تراه كَنَصْلِ السيفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدى إذا لم تَجِدْ عِند امرِىء السَّوْءِ مَطْمَعا تفسير : {وَرَبَتْ} أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت؛ قاله مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض؛ وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض؛ فرُبُوُّها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية؛ فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولاً وعرضاً. وقرأ أبو جعفر وخالد «وَرَبَأَتْ» ومعناه عظمت؛ من الربيئة. وقيل: «اهْتَزَّتْ» أي استبشرت بالمطر «وَرَبَتْ» أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقت بالنبات: وُصِفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضاً. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد؛ وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في «الحج» {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تقدم في غير موضع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له، وأنه على ما يشاء قادر {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} أي: إنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفترقان، والشمس؛ نورها وإشراقها، والقمر وضياءه، وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان، عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره؛ فإنه لا يغفر أن يشرك به، ولهذا قال تعالى: {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ}أي: عن إفراد العبادة له، وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني: الملائكة {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ} كقوله عز وجل: {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ} تفسير : [الأنعام: 89]. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان، يعني: ابن وكيع، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح؛ فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذاباً لقوم»تفسير : . وقوله: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ} أي: على قدرته على إعادة الموتى {أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً} أي هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة، {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي: أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار، {إِنَّ ٱلَّذِىۤ أَحْيَـٰهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ } أي الآيات الأربع {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }.
الشوكاني
تفسير : شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة الدالة على كمال قدرته، وقوّة تصرفه للاستدلال بها على توحيده، فقال: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ }، ثم لما بيّن أن ذلك من آياته نهاهم عن عبادة الشمس، والقمر، وأمرهم بأن يسجدوا لله عزّ وجلّ، فقال: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ }، لأنهما مخلوقان من مخلوقاته، فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ } أي: خلق هذه الأربعة المذكورة، لأن جمع ما لا يعقل حكمه حكم جمع الإناث، أو الآيات، أو الشمس، والقمر، لأن الاثنين جمع عند جماعة من الأئمة {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } قيل: كان ناس يسجدون للشمس، والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن ذلك، فهذا وجه تخصيص ذكر السجود بالنهي عنه. وقيل: وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة، وهذه الآية من آيات السجود بلا خلاف، وإنما اختلفوا في موضع السجدة، فقيل: موضعه عند قوله: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }، لأنه متصل بالأمر، وقيل: عند قوله: {وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ }، لأنه تمام الكلام {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ } أي: إن استكبر هؤلاء عن الامتثال، فالملائكة يديمون التسبيح لله سبحانه بالليل، والنهار، وهم لا يملون، ولا يفترون. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً } الخطاب هنا لكل من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والخاشعة: اليابسة الجدبة. وقيل: الغبراء التي لا تنبت. قال الأزهري: إذا يبست الأرض، ولم تمطر قيل: قد خشعت {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } أي: ماء المطر، ومعنى اهتزت: تحركت بالنبات يقال: اهتزّ الإنسان: إذا تحرك، ومنه قول الشاعر:شعر : تراه كنصل السيف يهتزّ للندى إذا لم تجد عند امرىء السوء مطعما تفسير : ومعنى {ربت}: انتفخت، وعلت قبل أن تنبت: قاله مجاهد، وغيره، وعلى هذا ففي الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره: ربت، واهتزّت. وقيل: الاهتزاز، والربو قد يكونان قبل خروج النبات، وقد يكونان بعده، ومعنى الربو لغة: الارتفاع، كما يقال للموضع المرتفع: ربوة، ورابية، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الحج. وقيل: اهتزت استبشرت بالمطر، وربت انتفخت بالنبات. وقرأ أبو جعفر، وخالد: (وربأت). {إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } بالبعث، والنشور {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يعجزه شيء كائناً ما كان. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا } أي: يميلون عن الحق، والإلحاد الميل، والعدول، ومنه اللحد في القبر، لأنه أميل إلى ناحية منه، يقال: ألحد في دين الله، أي: مال، وعدل عنه، ويقال: لحد، وقد تقدّم تفسير الإلحاد. قال مجاهد: معنى الآية: يميلون عن الإيمان بالقرآن. وقال مجاهد: يميلون عند تلاوة القرآن بالمكاء، والتصدية، واللغو، والغناء. وقال قتادة: يكذبون في آياتنا. وقال السدّي: يعاندون، ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } بل نحن نعلمهم، فنجازيهم بما يعملون. ثم بيّن كيفية الجزاء، والتفاوت بين المؤمن، والكافر، فقال: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَة} هذا الاستفهام للتقرير، والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون آمنين يوم القيامة. وظاهر الآية العموم اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: المراد بمن يلقى في النار: أبو جهل، ومن يأتي آمنا: النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: حمزة، وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } هذا أمر تهديد، أي: اعملوا من أعمالكم التي تلقيكم في النار ما شئتم إنه بما تعملون بصير، فهو مجازيكم على كل ما تعملون. قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه: الوعيد. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ } الجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها، وخبر إن محذوف، أي: إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم يجازون بكفرهم، أو هالكون، أو يعذّبون. وقيل: هو قوله: {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }، وهذا بعيد، وإن رجحه أبوعمرو بن العلاء. وقال الكسائي: إنه سدّ مسدّه الخبر السابق، وهو: {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا }. وقيل: إن الجملة بدل من الجملة الأولى، وهي: الذين يلحدون في آياتنا، وخبر إن هو: الخبر السابق {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ } أي: القرآن الذي كانوا يلحدون فيه، أي: عزيز عن أن يعارض، أو يطعن فيه الطاعنون، منيع عن كل عيب. ثم وصفه بأنه حق لا سبيل للباطل إليه بوجه من الوجوه، فقال: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ }. قال الزجاج: معناه: أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه، فيأتيه الباطل من خلفه، وبه قال قتادة، والسدّي. ومعنى الباطل على هذا: الزيادة، والنقصان. وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله، وبه قال الكلبي، وسعيد بن جبير. وقيل: الباطل هو: الشيطان، أي: لا يستطيع أن يزيد فيه، ولا ينقص منه.وقيل: لا يزاد فيه، ولا ينقص منه، لا من جبريل، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم {تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } هو خبر مبتدأ محذوف، أو صفة أخرى لكتاب عند من يجوّز تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح. وقيل: إنه الصفة لكتاب، وجملة لا يأتيه معترضة بين الموصوف، والصفة. ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عن ما كان يتأثر له من أذية الكفار، فقال: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } أي: ما يقال لك من هؤلاء الكفار من وصفك بالسحر، والكذب، والجنون إلاّ مثل ما قيل للرسل من قبلك، فإن قومهم كانوا يقولون لهم مثل ما يقول لك هؤلاء. وقيل: المعنى: ما يقال لك من التوحيد، وإخلاص العبادة لله إلاّ ما قد قيل للرسل من قبلك، فإن الشرائع كلها متفقة على ذلك. وقيل: هو استفهام، أي: أيّ شيء يقال لك إلاّ ما قد قيل للرسل من قبلك {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ } لمن يستحق مغفرته من الموحدين الذين بايعوك، وبايعوا من قبلك من الأنبياء {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } للكفار المكذّبين المعادين لرسل الله، وقيل: لذو مغفرة للأنبياء، وذو عقاب لأعدائهم {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً } أي: لو جعلنا هذا القرآن الذي تقرؤه على الناس بغير لغة العرب {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ } أي: بينت بلغتنا، فإننا عرب لا نفهم لغة العجم، والاستفهام في قوله: {ءاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ } للإنكار، وهو من جملة قول المشركين، أي: لقالوا أكلام أعجميّ، ورسول عربيّ. والأعجمي: الذي لا يفصح سواء كان من العرب، أو من العجم. والأعجم ضد الفصيح وهو: الذي لا يبين كلامه، ويقال للحيوان غير الناطق: أعجم. قرأ أبو بكر، وحمزة، والكسائي: {ءأعجميّ} بهمزتين محققتين. وقرأ الحسن، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، وهشام بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ الباقون بتسهيل الثانية بين بين. وقيل: المراد: هلا فصلت آياته، فجعل بعضها أعجمياً لإفهام العجم، وبعضها عربياً لإفهام العرب. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم، فقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء } أي: يهتدون به إلى الحق، ويشتفون به من كل شك، وشبهة، ومن الأسقام، والآلام {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ } أي: صمم عن سماعه، وفهم معانيه، ولهذا تواصوا باللغو فيه {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } قال قتادة: عموا عن القرآن، وصموا عنه. وقال السدّي: عميت قلوبهم عنه، والمعنى: وهو عليهم ذو عمى، أو وصف بالمصدر للمبالغة، والموصول في قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } مبتدأ، وخبره: {فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ}، أو الموصول الثاني عطف على الموصول الأوّل، ووقر عطف على هدى عند من جوّز العطف على عاملين مختلفين، والتقدير: هو للأوّلين هدى، وشفاء، وللآخرين، وقر في آذانهم. قرأ الجمهور: {عمى} بفتح الميم منونّة على أنه مصدر، وقرأ ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمرو بن العاص، وابن عمر بكسرالميم منونّة على أنه اسم منقوص على أنه وصف به مجازاً. وقرأ عمرو بن دينار بكسر الميم، وفتح الياء على أنه فعل ماض، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لقوله أوّلاً: «هدى وشفاء»، ولم يقل هاد، وشاف. وقيل: المعنى: والوقر عليهم عمى، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الذين لا يؤمنون، وما في حيزه، وخبره: {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } مثل حالهم باعتبار عدم فهمهم للقرآن بحال من ينادي من مسافة بعيدة لا يسمع صوت من يناديه منها. قال الفراء: تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك: أنت تنادي من مكان بعيد. وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من مكان بعيد. وقال مجاهد: من مكان بعيد من قلوبهم. وقد أخرج ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حمۤ السجدة، وكان ابن مسعود يسجد بالأولى منهما. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر: أنه كان يسجد بالأولى. وأخرج سعيد بن منصور عنه: أنه كان يسجد في الآية الأخيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا } قال: هو: أن يضع الكلام على غير موضعه. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ } قال: أبو جهل بن هشام {أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَة} قال: أبو بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عساكر عن بشير بن تميم قال: نزلت هذه الآية في أبي جهم، وعمار بن ياسر. وأخرج ابن عساكر عن عكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } قال: هذا لأهل بدر خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً } الآية يقول: لو جعلنا القرآن أعجمياً، ولسانك يا محمد عربيّ لقالوا: أعجميّ، وعربيّ تأتينا به مختلفاً، أو مختلطاً {لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ } هلا بينت آياته، فكان القرآن مثل اللسان. يقول: فلم نفعل لئلا يقولوا، فكانت حجة عليهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ومن آياته الليل والنهار} ووجه الآيات فيهما تقديرهما على حد مستقر، وتسييرهما على نظم مستمر، يتغايران لحكمة ويختلفان لمصلحة. {والشمس والقمر} ووجه الآية فيهما ما خصهما به من نور، وأظهره فيهما من تدبير وتقدير. {لا تسجُدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن} قال الزجاج: أي خلق هذه الآيات. وفي موضع السجود من هذه الآية قولان: أحدهما: عند قوله {إن كنتم إياه تعبدون} قاله ابن مسعود والحسن. الثاني: عند قوله {وهم لا يسأمون} قاله ابن عباس وقتادة. قوله عز وجل: {ومِن آياته أنك ترىالأرض خاشعةً} فيه وجهان: أحدهما: غبراء دراسة، قاله قتادة. الثاني: ميتة يابسة، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: ذليلة بالجدب لأنها مهجورة، وهي إذا أخصبت عزيزة لأنها معمورة. {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} فيه وجهان: أحدهما: اهتزت بالحركة للنبات، وربت بالارتفاع قبل أن تنبت، قاله مجاهد. الثاني: اهتزت بالنبات وربت بكثرة ريعها، قاله الكلبي. فيكون على قول مجاهد تقديم وتأخير تقديره: ربت واهتزت. {إن الذي أحياها لمحيي الموتى} الآية، جعل ذلك دليلاً لمنكري البعث على إحياء الخلق بعد الموت استدلالاً بالشاهد على الغائب.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلَقَهُنَّ} خلق هذه الآيات والسجود عند قوله {تَعْبُدُونَ} "ح"، أو {لا يَسْئَمُونَ} "ع"،
السيوطي
تفسير : أخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبوا الليل والنهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذاباً لقوم ". تفسير : وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {لا يسأمون} قال: لا يملون ولا يفترون قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: شعر : من الخوف لا ذي سأمة من عبادة ولا مؤمن طول التعبد يجهد تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يسجد بآخر الآيتين من {حـمۤ} السجدة، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يسجد الأولى منهما. وأخرج سعيد بن منصور عن أبي إسحاق قال: كان عبدالله رضي الله عنه وأصحابه يسجدون بالآية الأولى. وأخرج ابن أبي شيبة عن رجل من بني سليم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد بالآية الأولى. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسجد بالآية الأولى. وأخرج البخاري عن عبدة بن حسن البصري رضي الله عنه وله صحبة أنه سجد في الآية الأولى من {حـمۤ}. وأخرج سعيد بن منصور من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يسجد في الآية الأخيرة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} [الآية: 37]. قال ابن عطاء: أظهر لك الآيات لتشتغل بمظهرها دونها فمن اشتغل بها شغلته عن مظهرها ومن اشتغل بمظهرها شغله ذلك عن الاشتغال بما يشغله عنه بحال وهو من عظيم الأحوال وسنن المراتب.
القشيري
تفسير : أَوْضَحَ الآياتِ، وأَلاحَ البينَاتِ، وأَزاحَ عِلَّةَ مَنْ رام الوصول. واختلاَفُ الليل والنهار، ودورانُ الشمسِ والقمر من جملة أمارات قدرته، ودلالات توحيده. {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ} في علائها، {وَلاَ لِلْقَمَرِ} في ضيائه، {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ} فقد غار عليك أن تسجد لغيره. والشمسُ - وإِنْ عَلَتْ، والقمر - وإنْ حَسُنُ... فلأجْلِكَ خلقناهما، فلا تسجدْ لهما، واسجُدْ لنَا. ويقال: خَلقَ الملائكة - ومع كثرة عبادتهم، ومع تقدمهم في الطاعة - قال لهم: اسجدوا لآدم، وحين امتنع واحدٌ منهم لُعِنَ إلى الأبد. وقال لأولاد آدم العصاةِ المذنبين: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} فشتّان ما هما!!. والحقُّ - سبحانه وتعالى - يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر.. وأنت لأجْلٍ كلِّ حظِّ خَسِيسٍ تنقل قَدَمَكَ إلى كلِّ أحدٍ؛ وتدخل بمحياك عَلَى كلِّ أحدٍ!!.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} اظهر الليل على العاشقين صبح وصال جمله ويونسهم الى مجالس مشاهدته وحجال انسه ورياض قدسه وجعل النهار لظهور انوار صفاته فى لباس أياته وليشرفهم على رؤية نيرات ملكوته وجبروته خلق الشمس والقمر مرأتين يتجلى من مرأة الشمس للناظرين اليه والعارفين به من انوار ذاته وتجلى من مراة القمر للعاشقين من سفا صفاته ثم حذرهم ان يلتفتوا الى الوسايط وحثهم على ان يرجعوا اليه بالكلية كالخليل فى اوايل مقام الالتباس قال هذا ربى فاذا عزم الامر وبلغ صرف الروية فقال انى برئ ما تشركون قال عبد العزيز المكى فى هذه الأية سبحان الذى من عرفه لا يسأم عن ذكره سبحان الذى من انس به استوحش من غيره وسبحان الذى من اخبه اعرض بالكلية عما سواه ثم اكد التخويف عليهم فى وقوفهم على الوسائط {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} وصف المتمكن من الكرو بين والعارفين من اهل الملكوت بانهم مستغرقون فى بحار ربوبيته يسبحون فيها بلذايذ الاذكار والافكار لمزيد الكواشف وانوار المعارف يتجردون عن الاكوان والحدثان فى جماله الرحمان يستانسون به لا يسامون منه اذا الانس والوحشة منفيان عن ساحة كبريائه وهذا شكاية عن المحجوبين به عنه قال ابو عثمان ان الله مستغن عن عبادة عبيده ومجاهدتهم فان الله عبادا من الملائكة لا يفترون عن عبادته دائما اناء الليل النهار ولم يذكرهم ولم يجعل لعبادتهم جزاء ولا قيمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن آياته} وازنشانهاى قدرت الهيست {الليل والنهار} قال الامام المرزوقى الليل بازآء النهار والليلة بازآء اليوم {والشمس} المشتمل عليها النهار يعنى خورشيد عالم آراى جون جام سيماب {والقمر} المشتمل عليه الليل يعنى هيكل ماه كاه جون نعل زرين وكاه جون سر سيمين كل منها مخلوق من مخلوقاته مسخر لأمره يعنى تعاقب الليل والنهار على الوجه الذى يتفرع عليه منافع الخلق ومصالحهم وتذلل الشمس والقمر لما يراد منهما من اظهر العلامات الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته وكمال علمه وحكمته شعر : بر صنع اله بيعدد برهانست در برك كلى هزار كون الوانست روزارجه سيبد وروشن وتابانست آنرا كه نديد روز شب يكسانست تفسير : رب العزة كفت ربى اكر خواهى كه در ولا يتم نكرى لله ملك السموات والارض واكر خواهى كه در سباهم نكرى لله جنود السموات والارض و رخواهى كه در فعلم نكرى فانظر الى آثار رحمة الله كيف يحيى الارض بعد موتها درخواهى كه درصنعم نكرى ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر وخواهى كه فردا درمن نكرى امروز از صنع من بامن نكر بديده دل الم تر الى ربك كيف مد الظل تا فردا بفضل من دو نكرى بديده سر وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} لأنهما من جملة مخلوقاته المسخرة لاوامره مثلكم والمراد الامر التكوينى لا التكليفى اذ لا علم لهما ولا اختيار عند اهل الظاهر واما عند اهل الحقيقة فالامر بخلافه ويدل عليه (قول الشيخ سعدى) همه ازبهر توسر كشته وفرمان بردار شرط انصاف نباشدكه توفرمان نبرى {واسجدوا لله الذى خلقهن} الضمير للاربعة لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الانثى وان كان المناسب تغليب المذكر وهو ما عدا الشمس على المؤنث وهو الشمس او لأنها عبارة عن الايات وتعليق الفعل بالكل مع كفاية بيان مخلوقية الشمس والقمر للايذان بكمال سقوطهما عن رتبة المسجودية بنظمهما فى سلك الاغراض التى لا قيام لها بذاتها وهو السر فى نظم الكل فى آياته تعالى (وفى المثنوى) شعر : آفتاب از امر حق طباخ ماست ابلهى باشدكه كوييم او خداست آفتابت كر بكيرد جون كنى آن سياهى زونو جون بيرون كنى نى بدركاه خدا آرى صداع كه سياهى را ببر داده شعاع كر كشندن نيمشب خورشيد كو تا نيابى با امان خواهى ازو حادثات اغلب بشب واقع شود و ان زمان معبود تو غايب بود سوى حق كر راستانه خم شوى وار هى از اختران محرم شوى تفسير : {ان كنتم اياه} تعالى لا غيره {تعبدون} اى ان كنتم تعبدون اياه لا تسجدوا لغيره فان السجود اقصى مراتب العبادة فلا بد من تخصيصه بدتعالى ولعل ناسا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين فى عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة فامروا ان لا يسجدوا الا الله الذى خلق الاشياء فان قيل لم لم يجز أن تكون الشمس قبلة للناس عند سجودهم لنا لأنها جوهر مشرق عظيم الرفعة لها منافع فى صلاح احوال الخلق فلو اذن فى جعلها قبلة فى الصلاة بان يتوجه اليها ويركع ويسجد نحوها لربما غلب على بعض الاوهام أن ذلك الركوع والسجود للشمس لا لله بخلاف الاحجار المعينة فانها ليس فى جعلها قبلة ما يوهم الالهية وعن عكرمة قال ان الشمس اذا غربت دخلت بحرا تحت العرش فتسبح الله حتى اذا هى اصبحت استعفت ربها من الخروج فقال الرب ولم ذلك والرب اعلم قالت انى اذا خرجت عبدت من دونك فقال لها الرب اخرجى فليس عليك من ذلك شىء حسبهم جهنم ابعثها اليهم من ثلاثة عشر ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها وفى الحديث "حديث : ليس فى امتى رياء ان رآءَوا فبالاعمال فاما الايمان فثابت فى قلوبهم امثال الجبال واما الكبر فان احدهم اذا وضع جبهته لله تعالى ساجدا فقد برئ من الكبر "
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ومن آياته} الدالة على وحدانيته: {الليلُ والنهارُ} في تعاقبهما على حدِّ معلوم، وتناوبهما على قدرٍ مقسوم، {والشمسُ والقمرُ} في اختصاصهما بسير مقدّر، ونورٍ مقرّر؛ إذ لا يصدر ذلك إلا من واحد قهّار. {لا تسجدوا للشمسِ ولا للقمر}؛ فإنها مخلوقان مثلكم، وإن كثرت منافعهما، {واسجُدُوا لله الذي خلقهنَّ} أي: الليل والنهار والشمس والقمر. وحكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث في الضمير، تقول: الأقلام بريتها وبريتهنّ. ولعلّ ناساً من المشركين كانوا يسجدون للشمس والقمر، تبعاً للصّابئين من المجوس في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله ـ تعالى ـ فنُهوا عن هذه الواسطة، وأُمِرُوا أن يقصدوا بسجودهم وَجْهَ الله وحده، إن كانوا موحدين، ولذلك قال: {إِن كنتم إِياه تعبدون} فإن السجود أقصى مراتب العبادة، فلا بد من تخصيصه به سبحانه، وهذا موضع السجدة عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة: (لا يسأمون). {فإِن استكبروا} عن الامتثال، {فالذين عند ربك} من الملائكة {يُسبّحون له بالليل والنهار} أي: دائماً، {وهم لا يسأمون}؛ لا يملُّون ولا يَفْتُرون، والمعنى: فإن استكبر هؤلاء وأَبوا إلا الواسطة، فدعْهم وشأنَهم، فإن الله غني عنهم، وقد عمّر سماواته بمَن يعبده، وينزهه بالليل والنهار عن الأنداد. والعندية عبارة عن الزلفى والكرامة. {ومن آياته} أيضاً {أنك ترى الأرضَ خاشعةً}؛ يابسةً مغبرة. والخشوع: التذلُّل، فاستعير للأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، {فإِذا أنزلنا عليها الماء}؛ المطر {اهتزّتْ} أي: تحركت {ورَبَتْ}؛ انتفخت؛ لأن النبات إذا دنا أن يظهر ارتفعت به وانتفخت، ثم تصدّعت عن النبات، وقيل: تزخرفت وارتفعت بارتفاع نباتها، {إِنَّ الذي أحياها لمحيي الموتَى} بالبعث، {إِنه على كل شيءٍ قديرٌ}، ومن جملة الأشياء: البعث والحساب. الإشارة: الليل والنهار والشمس والقمر خَلَقَهن من أجلك، فعارٌ عليك أن تخضع لِمَا خُلق لك، وتترك المنعِّم بها عليك. قال القشيري: الحق ـ سبحانه ـ يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر مع علوهما، وأنت لأجلِ حظِّ خِسِيسٍ تنقل قَدَمك إلى كلّ أحدٍ، وتذل وجهك لكل أحد. هـ. وأما الخضوع لمَن أمر الله بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع له من الدعاة إلى الله فهو من الخضوع لله، كأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكأمره بالخضوع للأنبياء والأولياء، فكان مآل مَن سجد وخضع التقريب، ومآل مَن استكبر وأنف الطرد والبُعد، والله تعالى غني عن الكل، ولذلك قال: {فإن استكبروا...} الآية. قوله تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرضَ خاشعةً...} الآية، وكذلك أرض النفوس تراها يابسة بالغفلة والقسوة والجهل، فإذا أنزل عليها ماء الحياة، وهي خمرة المحبة، هاجت وارتفعت، وحييت بذكر الله ومعرفته، إن الذي أحيا الأرض الحسية قادر على إحياء النفوس الميتة بالغفلة، وانظر القشيري. ثم ذكر حال مَن أعرض عن الآيات، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا}.
الجنابذي
تفسير : سجدةٌ واجبةٌ {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ} عطف باعتبار المعنى كأنّه توهّم متوهّم انّه قال: من آياته من دعا الى الله ومن آياته عدم استواء الحسنة والسّيّئة فقال تعالى: ومن آياته اللّيل والنّهار { وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} قد مضى مكرّراً انّ فى انتضاد اللّيل والنّهار الطّبيعيّين واتّساق حركة الشّمس والقمر وتخالف اللّيل والنّهار بالظّلمة والنّور والبرودة والرّطوبة والحرارة واليبوسة والاتّساق فى الزّيادة والنّقيصة وغير ذلك من لوازم ذلك الّذى نيط بها توليد المواليد وبقاؤها وتعيّشها آياتٌ عديدةٌ دالّة على علمه وقدرته وربوبيّته ورأفته بخلقه وغير ذلك من اضافاته {لاَ تَسْجُدُواْ} تفريع على سابقه لكنّه ادّاه بطريق الجواب لسؤالٍ مقدّرٍ ليتمكّن حال الشّمس والقمر فى ذهن السّامع {لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} لكونهما من آياته تعالى ولا يخفى على المستبصر تعميم اللّيل والنّهار والشّمس والقمر {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} أتى بالجمع امّا لكون المراد بالشّمس والقمر الجنس وتعدّد افرادهما وعمومهما كما عليه حكماء الافرنج، ويستفاد من تلويحات الاخبار، او للاشارة الى التّأويل وكثرة الشّمس والقمر بحسب التّأويل فانّ النّبىّ (ص) وخليفته يعبّر عنهما بالشّمس والقمر وكذلك خلفاؤهما ومشايخهما والعقل والنّفس يطلق عليهما الشّمس والقمر، والعقل الكلّىّ والنّفس الكلّيّة شمس وقمر، وكلّ معلّم ومتعلّم شمس وقمر، وفى عالم البرزخ وعالم المثال شموس واقمار {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يعنى ان كنتم تحصرون العبادة فيه، فان النّظر على الواسطة وجعله مسمّىً مع انّه كان اسماً امّا كفر او شرك، والنّظر على ذى الواسطة من مرآة الواسطة عبادة للمسمّى بايقاع الاسماء عليه وتوحيدٌ لذاته ولعبادته، وههنا احد مواضع السّجود الفرض الاربعة.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ} الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته. {اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} تعديد للآيات ليعتبر بها. {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلقَمَرِ} لانهما مخلوقان مأموران مثلكم ليسا أهلين للسجود وان كانت لكم فيهما منافع لان النفع منها بتسخير الله فهو الذي هو أهل للسجود ونهاية التعظيم كما قال. {وَاسْجُدُواْ للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} أي الأربعة والمقصود منها بالذات الشمس والقمر اشعاراً بأنهما من جملة مما ليس له اختيار كالليل والنهار فمن أين لهما السجود ولو قال خلقها بالافراد لصح لان جماعة ما لا يعقل يحكم عليها بحكم الأنثى بتأويل الجماعة وبحكم الاناث كأن كلا منها مؤنث ولو قال (خلقهم) لجاز تغليباً للمذكر غير وقيل الضمير للآيات جميعاً التي منها الأربع وقيل الشمس والقمر وجمع لان أقل الجمع اثنان كما ادعى بعضهم أو مجاز أو لانه يقال شموس وأقمار باعتبار الأيام والليالي وفي الحديث عن أنس تقرأ: "حديث : حم السجدة وتسجد عند السجدة وتدعو فانه يستجاب لك"تفسير : وجرب الراوي فصح. {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} لعل ناساً منهم يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون انهم يقصدون بالسجود لها السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا بأن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصاً ان كان اياه يعبدون ويقولون (اله واحد) والسجود هنا عند الشافعي وبعض أصحابه وحكاه الرافعي عن أبى حذيفة وأحمد، وهو قول الحسن ورواه مسروق عن ابن مسعود لاقتران الأمر بالسجود وقال أبو حنيفة السجود بعد لا يسامون لانه من تمام المعنى مع ما قبله وهو الاصح عند أصحاب الشافعي وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة
اطفيش
تفسير : {ومِنْ آياته} الدالة على وجوده، وكمال قدرته، وعظم شأنه {الليل والنَّهار} فى اختلافهما ظلمة ونورا، وتعاقبهما على استمرار وايلاج كل فى الآخر {والشَّمس والقمر} فى استنارتها واختلافهما بقوة النور، والعظم والآثار والحركات، وكون القمر تابعا للشمس، وهى أكبر منه جرما ونورا، وكون نور القمر من نور الشمس، وأصله أطلس، بخلاف الشمس، فانها جرم مضىء بالذات كالنار، وقيل: ضوؤها من نور العرش، قابلته فأضاءت، وأصلها طلساء ومن آياته أنهما يكسفان اذا أراد الله تعالى، وأكثر ما يكسف القمر فى الليالى البيض. وقد روى أنه سئل الحسن البصرى: لأى شىء يستحب صيام أيام البيض؟ فقال: لا أدرى، فقال أعرابى: لكنى أدرى فقال الحسن: ما هو؟ فقال الأعرابى: ان القمر لا ينكسف الا فيهن، فاحب الله أن لا يحدث فى السماء أمرا الا حدثت له فى الأرض عبادة، وقدم الليل لتقدمه خلقة، مع كون الظلمة عدما، والعدم سابق على الوجود، كذا قيل، وفيه أن المتقدم ظلمة مستمرة لا مقدار مخصوص يسمى ليلا يليه نهار، ودعوى هذا المقدار تحتاج لدليل، وقدم الشمس ليتصل ذكرها بذكر النهار، اذ حصل بها، وأنها آيته، ولأنها أهل لنور القمر، وأعظم منه جرما ونورا. {ولا تَسْجُدوا للشَّمس ولا للقمر} لأنهما مثلكم مخلوقان عاجزان {واسْجُدوا لله الَّذي خَلقهنَّ} خلق الليل والنهار، والشمس والقمر، والليل والنهار لم يسجد لهما أحد، كما سجد للشمس والقمر، لكن لما كان لا علم لهما، لا اختيار، كما أن الشمس والقمر كذلك، وكان أصلهما الشمس، قرنهما فى النهى عن السجود مع الشمس والقمر، وذكر بعض المحققين أنه قرنهما معهما، ليدل على أنهما مثلهما فى أنه لا علم ولا اختيار، وهو ضعيف، لأنهما لا يتوهم فيها أحد أنهما عالمان مختاران، لانهما معقولان لا حسيان، كالشمس والقمر، والاصل فى جمع القلة من غير العقلاء أن يرجع اليه ضمير المفرد المؤنث، ويجوز ضمير جماعة الاناث، كما هنا، فان الأربعة كجمع القلة الذى هو بالأصالة لتسعة فأقل، وقيل: لعشرة وأقل. ولعل فى الآية اعتبار تعدد الليل والنهار، وتعدد طلوع الشمس والقمر، فكأنهما شموس وأقمار، وذلك كثرة وقيل: الضمير للشمس والقمر، وضمير الكثرة للتعدد بالاعتبار، ووجه هذا اقول أن الليل والنهار لم يعبدهما أحد، بل عبدت الشمس والقمر، وقيل: الضمير للآيات من قوله: {ومن آياته} ووجهه أن الشمس والقمر غير جمع، فالأصل أن لا يرد اليهما ضمير الجمع، ولا سيما ضمير الكثرة {إنْ كُنْتم إيَّاه} وحده لا غيره، ولامع غيره قدم للحصر والفاصلة {تَعْبُدون} لأن السجود أقصى مراتب العبادة، فيخص الله تعالى به، وهنا يسجد على وابن مسعود والشافعى وعند يسأمون يسجد ابن عباس وابن عمر، وأبو وائل وبكر بن عبد الله، وابن وهب ومسروق، والسلمى والنخعى، وابن صالح، وابن وثاب، والحسن، وابن سيرين، وأبو حنيفة والشافعى فى رواية عنه، وهو أصح الوجهين عنه عند الشافعى لأنه تمام المعنى على أسلوب السجود لأن الاستكبار عن السجود مذموم، ولا يخفى أنه أحوط، لأنه ان كان محله تعبدون لم يحضر الفصل القليل، وان كان يسأمون لم يحز التقديم.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ } الدالة على شؤنه الجليلة جل شأنه. {ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ} في حدوثهما وتعاقبهما وإيلاج كل منهما في الآخر { وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} في استنارتهما واختلافهما في قوة النور والعظم والآثار والحركات مثلاً. وقدم ذكر الليل قيل: تنبيهاً على تقدمه مع كون الظلمة عدماً، وناسب ذكر الشمس بعد النهار لأنها آيته وسبب تنويره ولأنها أصل لنور القمر بناء على ما قالوا من أنه مستفاد من ضياء الشمس، وأما ضياؤها فالمشهور أنه غير طارىء عليها من جرم آخر، وقيل: هو من العرش، والفلاسفة اليوم يظنون أنه من جرم آخر وادعوا أنهم يرون في طرف من جرم الشمس ظلمة قليلة. {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } لأنها من جملة مخلوقاته سبحانه وتعالى المسخرة على وفق إرادته تعالى مثلكم {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ } الضمير قيل للأربعة المذكورة والمقصود تعليق الفعل بالشمس والقمر لكن نظم معهما الليل والنهار إشعاراً بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار ضرورة أن الليل والنهار كذلك ولو ثنى الضمير لم يكن فيه إشعار بذلك. وحكم جماعة ما لا يعقل ـ على ما قال الزمخشري ـ حكم الأنثى فيقال: الأقلام بريتها وبريتهن فلا يتوهم أن الضمير لما كان لليل والنهار والشمس والقمر كان المناسب تغليب الذكور. والجواب بأنه لما كن من الآيات عدت كالإناث تكلف عنه غنى بالقاعدة المذكورة. نعم قال أبو حيان: ((ينبغي أن يفرق بين جمع القلة من ذلك وجمع الكثرة فإن الأفصح في الأول أن يكون بضمير الواحدة تقول الأجذاع انكسرت على الأفصح والأفصح في الثاني أن يكون بضمير الإناث تقول الجذوع انكسرن وما في الآية ليس بجمع قلة بلفظ واحد لكنه منزل منزلة المعبر عنه به، وقيل: الضمير للشمس والقمر والإثنان جمع وجمع ما لا يعقل يؤنث، ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام والليالي ساغ أن يعود الضمير إليهما جمعاً، وقيل: الضمير للآيات المتقدم ذكرها في قوله تعالى: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ })). {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فإن السجود أقصى مراتب العبادة فلا بد من تخصيصه به عز وجل. وكان علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود يسجدان عند {تَعْبُدُونَ } ونسب القول بأنه موضع السجدة للشافعي، وسجد عند {لاَ يَسْأَمُونَ} ابن عباس وابن عمر وأبو وائل وبكر بن عبد الله، وكذلك روي عن ابن وهب ومسروق والسلمي والنخعي وأبـي صالح وابن وثاب والحسن وابن سيرين وأبـي حنيفة رضي الله تعالى عنهم، ونقله في «التحرير» عن الشافعي رضي الله تعالى عنه. وفي «الكشف» أصح / الوجهين عند أصحابنا ـ يعني الشافعية ـ أن موضع السجدة {لاَ يَسْأَمُونَ} كما هو مذهب الإمام أبـي حنيفة، ووجهه أنها تمام المعنى على أسلوب اسجد فإن الاستكبار عنه مذموم، وعلله بعضهم بالاحتياط لأنها إن كانت عند {تَعْبُدُونَ } جاز التأخير لقصر الفصل، وإن كانت عند {يَسْأَمُونَ} لم يجز تعجيلها.
سيد قطب
تفسير : هذا شوط جديد مع القلب البشري في مجال الدعوة. يبدأ بجولة مع آيات الله الكونية: الليل والنهار والشمس والقمر، وفي المشركين من كان يسجد للشمس وللقمر مع الله. وهما من خلق الله. ويعقب على عرض هذه الآيات بأنهم إن استكبروا عن عبادة الله فهناك من هم أقرب منهم إلى الله يعبدونه. ثم هناك الأرض كلها في مقام العبادة وهي تتلقى من ربها الحياة، كما تلقوها فلم يتحركوا بها إلى الله. إنما هم يلحدون في آيات الله الكونية، ويجادلون في آياته القرآنية؛ وهو قرآن عربي غير مشوب بأعجمية. وينتقل بهم إلى مشهد من مشاهد القيامة. ثم يعرض عليهم أنفسهم عارية بكل ما فيها من ضعف وتقلب ونسيان، وبكل ما فيها من حرص على الخير وجزع من الضر. ثم هم لا يقون أنفسهم من شر ما يصيبها عند الله. وتنتهي السورة بوعد الله سبحانه أن يكشف للناس عن آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، ويذهب ما في قلوبهم من ريب وشك.. {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر. واسجدوا لله الذي خلقهن. إن كنتم إياه تعبدون}.. وهذه الآيات معروضة للأنظار، يراها العالم والجاهل. ولها في القلب البشري روعة مباشرة. ولو لم يعلم الإنسان شيئاً عن حقيقتها العلمية. فبينها وبين الكائن البشري صلة أعمق من المعرفة العلمية. بينها وبينه هذا الاتصال في النشأة، وفي الفطرة، وفي التكوين. فهو منها وهي منه. تكوينه تكوينها، ومادته مادتها، وفطرته فطرتها، وناموسه ناموسها، وإلهه إلهها.. فهو من ثم يستقبلها بحسه العميق في هزة وإدراك مباشر لمنطقها العريق! لهذا يكتفي القرآن غالباً بتوجيه القلب إليها، وإيقاظه من غفلته عنها، هذه الغفلة التي ترد عليه من طول الألفة تارة، ومن تراكم الحواجز والموانع عليه تارة، فيجلوها القرآن عنه، لينتفض جديداً حياً يقظاً يعاطف هذا الكون الصديق، ويتجاوب معه بالمعرفة القديمة العميقة الجذور. وصورة من صور الانحراف تلك التي تشير إليها الآية هنا. فقد كان قوم يبالغون في الشعور بالشمس والقمر شعوراً منحرفاً ضالاً فيعبدونهما باسم التقرب إلى الله بعبادة أبهى خلائقه! فجاء القرآن ليردهم عن هذا الانحراف؛ ويزيل الغبش عن عقيدتهم المدخولة. ويقول لهم: إن كنتم تعبدون الله حقاً فلا تسجدوا للشمس والقمر.. {واسجدوا لله الذي خلقهن} فالخالق هو وحده الذي يتوجه إليه المخلوقون أجمعين. والشمس والقمر مثلكم يتوجهون إلى خالقهما فتوجهوا معهم إلى الخالق الواحد الذي يستحق أن تعبدوه. ويعيد الضمير عليهما مؤنثاً مجموعاً: {خلقهن} باعتبار جنسهما وأخواتهما من الكواكب والنجوم؛ ويتحدث عنهن بضمير المؤنث العاقل ليخلع عليهن الحياة والعقل، ويصورهن شخوصاً ذات أعيان! فإن استكبروا بعد عرض هذه الآيات، وبعد هذا البيان، فلن يقدم هذا أو يؤخر؛ ولن يزيد هذا أو ينقص. فغيرهم يعبد غير مستكبر: {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون}.. وأقرب ما يرد على القلب عند ذكر {الذين عند ربك} الملائكة. ولكن قد يكون هناك غير الملائكة من عباد الله المقربين؛ وهل نعلم نحن شيئاً إلا اليسير الضئيل؟! هؤلاء. الذين عند ربك. وهم أرفع وأعلى. وهم أكرم وأمثل. لا يستكبرون كما يستكبر أولئك المنحرفون الضالون في الأرض. ولا يغترون بقرب مكانهم من الله. ولا يفترون عن تسبيحه ليلاً ونهاراً {وهم لا يسأمون}.. فماذا يساوي أن يتخلف من أهل الأرض من يتخلف في حقيقة العبودية لله من الجميع؟ وهنالك الأرض ـ أمهم التي تقوتهم ـ الأرض التي منها خرجوا وإليها يعودون. الأرض التي هم على سطحها نمال تدب ولا طعام لها ولا شراب إلا ما تستمده منها.. هذه الأرض تقف خاشعة لله، وهي تتلقى من يديه الحياة: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. إن الذي أحياها لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير}.. ونقف لحظة أمام دقة التعبير القرآني في كل موضع. فخشوع الأرض هنا هو سكونها قبل نزول الماء عليها. فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. وكأنما هي حركة شكر وصلاة على أسباب الحياة. ذلك أن السياق الذي وردت فيه هذه الآية سياق خشوع وعبادة وتسبيح، فجيء بالأرض في هذا المشهد، شخصاً من شخوص المشهد، تشارك فيه بالشعور المناسب وبالحركة المناسبة.. ونستعير هنا صفحة من كتاب "التصوير الفني في القرآن" عن التناسق الفني في مثل هذا التعبير: "عبر القرآن عن الأرض قبل نزول المطر. وقبل تفتحها بالنبات، مرة بأنها {هامدة}، ومرة بأنها {خاشعة}. وقد يفهم البعض أن هذا مجرد تنويع في التعبير. فلننظر كيف وردت هاتان الصورتان: لقد وردتا في سياقين مختلفين على هذا النحو: وردت {هامدة} في هذا السياق: {أية : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث، فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة. لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى؛ ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم؛ ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، لكي لا يعلم من بعد علم شياً. وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج }.. تفسير : ووردت {خاشعة} في هذا السياق: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن، إن كنتم إياه تعبدون. فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون. ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت}. "وعند التأمل السريع في هذين السياقين، يتبين وجه التناسق في {هامدة} و {خاشعة}. إن الجو في السياق الأول جو بعث وإحياء وإخراج؛ فمما يتسق معه تصوير الأرض {هامدة} ثم تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج. وإن الجو في السياق الثاني هو جو عبادة وخشوع وسجود، يتسق معه تصوير الأرض {خاشعة} فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت. ثم لا يزيد على الاهتزاز والإرباء هنا، الإنبات والإخراج، كما زاد هناك، لأنه لا محل لها في جو العبادة والسجود. ولم تجئ {اهتزت وربت} هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك. إنهما تخيلان حركة للأرض بعد خشوعها. وهذه الحركة هي المقصودة هنا، لأن كل ما في المشهد يتحرك حركة العبادة، فلم يكن من المناسب أن تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزت لتشارك العابدين المتحركين في المشهد حركتهم، ولكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكناً، وكل الأجزاء تتحرك من حوله. وهذا لون من الدقة في تناسق الحركة المتخيلة يسمو على كل تقدير" الخ. الخ. ونعود إلى النص القرآني فنجد أن التعقيب في نهاية الآية يشير إلى إحياء الموتى، ويتخذ من إحياء الأرض نموذجاً ودليلاً: {إن الذي أحياها لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير}.. ويتكرر في القرآن عرض مثل هذا المشهد واتخاذه نموذجاً للإحياء في الآخرة، ودليلاً كذلك على القدرة. ومشهد الحياة في الأرض قريب من كل قلب، لأنه يلمس القلوب قبل أن يلمس العقول، والحياة حين تنبض من بين الموات، توحي بالقدرة المنشئة إيحاء خفياً ينبض في أعماق الشعور. والقرآن يخاطب الفطرة بلغتها من أقرب طريق. وأمام مشهد هذه الآيات الكونية ذات الأثر الشعوري العميق يجيء التنديد والتهديد لمن يلحدون في هذه الآيات الظاهرة الباهرة؛ فيكفرون بها، أو يغالطون فيها: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا. أفمن يلقى في النار خير؟ أم من يأتي آمناً يوم القيامة. اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}. ويبدأ التهديد ملفوفاً ولكنه مخيف: {لا يخفون علينا}.. فهم مكشوفون لعلم الله. وهم مأخذون بما يلحدون، مهما غالطوا والتووا، وحسبوا أنهم مفلتون من يد الله كما قد يفلتون بالمغالطة من حساب الناس. ثم يصرح بالتهديد: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة؟}.. وهو تعريض بهم، وبما ينتظرهم من الإلقاء في النار والخوف والفزع، بالمقابلة إلى مجيء المؤمنين آمنين. وتنتهي الآية بتهديد آخر ملفوف: {اعملوا ما شئتم. إنه بما تعملون بصير}.. ويا خوف من يترك ليعمل فليحد في آيات الله. والله بما يعمل بصير. ويستطرد إلى الذين يكفرون بآيات الله القرآنية، والقرآن كتاب عزيز قوي منيع الجانب، لا يدخل عليه الباطل من قريب ولا من بعيد: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. تنزيل من حكيم حميد. ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم. ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته! أأعجمي وعربي؟ قل: هو للذين آمنوا هدى وشفاء. والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، وهو عليهم عمىً، أولئك ينادون من مكان بعيد}. والنص يتحدث عن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم؛ ولا يذكر ماذا هم ولا ماذا سيقع لهم. فلا يذكر الخبر: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم..} كأنما ليقال: إن فعلتهم لا يوجد وصف ينطبق عليها ويكافئها لشدة بشاعتها! لذلك يترك النص خبر {إن} لا يأتي به ويمضي في وصف الذكر الذي كفروا به لتفظيع الفعلة وتبشيعها: {وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. تنزيل من حيكم حميد}.. وأنى للباطل أن يدخل على هذا الكتاب. وهو صادر من الله الحق. يصدع بالحق. ويتصل بالحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض؟ وأنى يأتيه الباطل وهو عزيز. محفوظ بأمر الله الذي تكفل بحفظه فقال: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }. تفسير : والمتدبر لهذا القرآن يجد فيه ذلك الحق الذي نزل به، والذي نزل ليقره. يجده في روحه ويجده في نصه. يجده في بساطة ويسر. حقاً مطمئناً فطرياً، يخاطب أعماق الفطرة، ويطبعها ويؤثر فيها التأثير العجيب. وهو {تنزيل من حكيم حميد}.. والحكمة ظاهرة في بنائه، وفي توجيهه، وفي طريقة نزوله، وفي علاجه للقلب البشري من أقصر طريق. والله الذي نزله خليق بالحمد. وفي القرآن ما يستجيش القلب لحمده الكثير. ثم يربط السياق بين القرآن وسائر الوحي قبله؛ وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسائر الرسل قبله. ويجمع أسرة النبوة كلها في ندوة واحدة تتلقى من ربها حديثاً واحداً، ترتبط به أرواحها وقلوبها، وتتصل به طريقها ودعوتها؛ ويحس المسلم الأخير أنه فرع من شجر وارفة عميقة الجذور، وعضو من أسرة عريقة قديمة التاريخ: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم}.. إنه وحي واحد، ورسالة واحدة، وعقيدة واحدة. وإنه كذلك استقبال واحد من البشرية، وتكذيب واحد، واعتراضات واحدة.. ثم هي بعد ذلك وشيجة واحدة، وشجرة واحدة، وأسرة واحدة، وآلام واحدة، وتجارب واحدة، وهدف في نهاية الأمر واحد، وطريق واصل ممدود. أي شعور بالأنس، والقوة، والصبر، والتصميم. توحيه هذه الحقيقة لأصحاب الدعوة، السالكين في طريق سار فيها من قبل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم جميعاً ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ وأي شعور بالكرامه والاعتزاز والاستعلاء على مصاعب الطريق وعثرتها وأشواكها وعقباتها، وصاحب الدعوة يمضي وهو يشعر أن أسلافه في هذا الطريق هم تلك العصبة المختارة من بني البشر أجمعين؟ إنها حقيقة: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك}.. ولكن أي آثار هائلة عميقة ينشئها استقرار هذه الحقيقة في نفوس المؤمنين؟ وهذا ما يصنعه هذا القرآن، وهو يقرر مثل هذه الحقيقة الضخمة ويزرعها في القلوب. ومما قيل للرسل وقيل لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم الرسل: {إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم}.. ذلك كي تستقيم نفس المؤمن وتتوازن. فيطمع في رحمة الله ومغفرته فلا ييأس منها أبداً. ويحذر عقاب الله ويخشاه فلا يغفل عنه أبداً. إنه التوازن طابع الإسلام الأصيل. ثم يذكرهم بنعمة الله عليهم أن جعل هذا القرآن عربياً بلسانهم؛ كما يشير إلى طريقتهم في العنت والإلحاد والجدل والتحريف: {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته! أأعجمي وعربي؟}.. فهم لا يصغون إليه عربياً، وهم يخافون منه لأنه عربي يخاطب فطرة العرب بلسانهم. فيقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. ولو جعله الله قرآناً أعجمياً لاعترضوا عليه أيضاً، وقالوا لولا جاء عربياً فصيحاً مفصلاً دقيقاً! ولو جعل بعضه أعجمياً وبعضه عربياً لاعترضوا كذلك وقالوا أأعجمي وعربي؟! فهو المراء والجدل والإلحاد. والحقيقة التي تخلص من وراء هذا الجدل حول الشكل، هي أن هذا الكتاب هدى للمؤمنين وشفاء، فقلوب المؤمنين هي التي تدرك طبيعته وحقيقته، فتهتدي به وتشتفي. فأما الذين لا يؤمنون فقلوبهم مطموسة لا تخالطها بشاشة هذا الكتاب، فهو وقر في آذانهم، وعمىً في قلوبهم. وهم لا يتبينون شيئاً. لأنهم بعيدون جداً عن طبيعة هذا الكتاب وهواتفه: {قل: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، وهو عليهم عمىً، أولئك ينادون من مكان بعيد}.. ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة. فناس يفعل هذا القرآن في نفوسهم فينشئها إنشاء، ويحييها إحياء؛ ويصنع بها ومنها العظائم في ذاتها وفيما حولها. وناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدهم إلا صمماً وعمى. وما تغير القرآن. ولكن تغيرت القلوب. وصدق الله العظيم. ويشير إلى موسى وكتابه واختلاف قومه في هذا الكتاب. يشير إليه نموذجاً للرسل الذين ورد ذكرهم من قبل إجمالاً. وقد أجل الله حكمه في اختلافهم، وسبقت كلمته أن يكون الفصل في هذا كله في يوم الفصل العظيم: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم، وإنهم لفي شك منه مريب}.. وكذلك سبقت كلمة ربك أن يدع الفصل في قضية الرسالة الأخيرة إلى ذلك اليوم الموعود. وأن يدع الناس يعملون، ثم يجازون على ما يعملون: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد}.. لقد جاءت هذه الرسالة تعلن رشد البشرية، وتضع على كاهلها عبء الاختيار؛ وتعلن مبدأ التبعة الفردية. ولمن شاء أن يختار {وما ربك بظلام للعبيد}.. وبمناسبة الإشارة إلى الأجل المسمى، وتقرير عدل الله فيه، يقرر أن أمر الساعة وعلمها إلى الله وحده، ويصور علم الله في بعض مجالاته صورة موحية تمس أعماق القلوب. وذلك في الطريق إلى عرض مشهد من مشاهد القيامة يسأل فيه المشركون ويجيبون: {إليه يرد علم الساعة، وما تخرج من ثمرات من أكمامها، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. ويوم يناديهم: أين شركائي؟ قالوا: آذناك ما منا من شهيد. وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل، وظنوا ما لهم من محيص}.. والساعة غيب غائر في ضمير المجهول. والثمرات في أكمامها سر غير منظور، والحمل في الأرحام غيب كذلك مستور. وكلها في علم الله، وعلم الله بها محيط. ويذهب القلب يتتبع الثمرات في أكمامها، والأجنة في أرحامها. يذهب في جنبات الأرض كلها يرقب الأكمام التي لا تحصى؛ ويتصور الأجنة التي لا يحصرها خيال! وترتسم في الضمير صورة لعلم الله بقدر ما يطيق الضمير البشري أن يتصور من الحقيقة التي ليس لها حدود. ويتصور القطيع الضال من البشر، واقفاً أمام هذا العلم الذي لا يند عنه خاف ولا مستور: {ويوم يناديهم: أين شركائي؟}.. هنا في هذا اليوم الذي لا يجدي فيه جدال، ولا تحريف للكلم ولا محال. فماذا هم قائلون؟ {قالوا: أذناك ما منا من شهيد؟}.. أعلمناك، أن ليس منا اليوم من يشهد أنك لك شريك! {وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل، وظنوا ما لهم من محيص}.. فما عادوا يعرفون شيئاً عن دعواهم السابقة. ووقع في نفوسهم أن ليس لهم مخرج مما هم فيه وتلك أمارة الكرب المذهل، الذي ينسي الإنسان ماضيه كله؛ فلا يذكر إلا ما هو فيه. ذلك هو اليوم الذي لا يحتاطون له، ولا يحترسون منه، مع شدة حرص الإنسان على الخير، وجزعه من الضر.. وهنا يصور لهم نفوسهم عارية من كل رداء، مكشوفة من كل ستار، عاطلة من كل تمويه: {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيؤوس قنوط. ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته، ليقولن: هذا لي، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى. فلننبئن الذين كفروا بما عملوا، ولنذيقنهم من عذاب غليظ. وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض}.. إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية، التي لا تهتدي بهدى الله، فتستقيم على طريق.. رسم يصور تقلبها، وضعفها، ومراءها، وحبها للخير، وجحودها للنعمة، واغترارها بالسراء، وجزعها من الضراء.. رسم دقيق عجيب.. هذا الإنسان لا يسأم من دعاء الخير. فهو ملح فيه، مكرر له، يطلب الخير لنفسه ولا يمل طلبه. وإن مسه الشر. مجرد مس. فقد الأمل والرجاء؛ وظن أن لا مخرج له ولا فرج، وتقطعت به الأسباب؛ وضاق صدره وكبر همه؛ ويئس من رحمة الله وقنط من رعايته. ذلك أن ثقته بربه قليلة، ورباطه به ضعيف! وهذا الإنسان إذا أذاقه الله منه رحمة بعد ذلك الضر، استخفته النعمة فنسي الشكر، واستطاره الرخاء فغفل عن مصدره. وقال: هذا لي. نلته باستحقاقي وهو دائم علي! ونسي الآخرة واستبعد أن تكون؛ {وما أظن الساعة قائمة}.. وانتفخ في عين نفسه فراح يتألى على الله، ويحسب لنفسه مقاماً عنده ليس له، وهو ينكر الآخرة فيكفر بالله. ومع هذا يظن أنه لو رجع إليه كانت له وجاهته عنده! {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى}! وهو غرور.. عندئذ يجيء التهديد في موضعه لهذا الغرور: {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا، ولنذيقنهم من عذاب غليظ}.. وهذا الإنسان إذا أنعم الله عليه: استعظم وطغى. وأعرض ونأى بجانبه. فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ويتهاوى، ويصغر ويتضاءل، ويتضرع ولا يمل الضراعة. فهو ذو دعاء عريض! أية دقة، وأي تسجيل للصغيرة في نفس الإنسان والكبيرة! إنه خالقه الذي يصفه. خالقه الذي يعرف دروب نفسه. ويعرف أنها تظل تدور في هذه الدروب المنحنية، إلا أن تهتدي إلى الطريق المستقيم.. فتستقيم.. وأمام هذه النفس العارية من كل رداء، المكشوفة من كل ستار، يسألهم: فماذا أنتم إذن صانعون إن كان هذا الذي تكذبون به، من عند الله، وكان هذا الوعيد حقاً؛ وكنتم تعرضون أنفسكم لعاقبة التكذيب والشقاق: {قل: أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به؟ من أضل ممن هو في شقاق بعيد؟}.. إنه احتمال يستحق الاحتياط. فماذا أخذوا لأنفسهم من وسائل الاحتياط؟! ويدعهم بعدئذ يفكرون ويحسبون. ويتجه إلى الكون العريض. يكشف عن بعض ما قدر فيه ـ وفي ذوات أنفسهم ـ من مقادير: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟ ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم. ألا إنه بكل شيء محيط}.. إنه الإيقاع الأخير. وإنه لإيقاع كبير.. إنه وعد الله لعباده ـ بني الإنسان ـ أن يطلعهم على شيء من خفايا هذا الكون، ومن خفايا أنفسهم على السواء. وعدهم أن يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق. هذا الدين. وهذا الكتاب. وهذا المنهج. وهذا القول الذي يقوله لهم. ومن أصدق من الله حديثاًَ؟ ولقد صدقهم الله وعده؛ فكشف لهم عن آياته في الآفاق في خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد؛ وكشف لهم عن آياته في أنفسهم. وما يزال يكشف لهم في كل يوم عن جديد. وينظر الإنسان فيرى البشر قد كشفوا كثيراً جداً منذ ذلك الحين. فقد تفتحت لهم الآفاق. وتفتحت لهم مغاليق النفوس بالقدر الذي شاءه الله. لقد عرفوا أشياء كثيرة. لو أدركوا كيف عرفوها وشكروا لكان لهم فيها خير كثير. عرفوا منذ ذلك الحين أن أرضهم التي كانوا يظنونها مركز الكون.. إن هي إلا ذرة صغيرة تابعة للشمس. وعرفوا أن الشمس كرة صغيرة منها في الكون مئات الملايين. وعرفوا طبيعة أرضهم وطبيعة شمسهم ـ وربما طبيعة كونهم، إن صح ما عرفوه! وعرفوا الكثير عن مادة هذا الكون الذي يعيشون فيه. إن صح أن هناك مادة. عرفوا أن أساس بناء هذا الكون هو الذرة. وعرفوا أن الذرة تتحول إلى إشعاع. وعرفوا إذن أن الكون كله من إشعاع.. في صور شتى: هي التي تجعل منه هذه الأشكال والأحجام! وعرفوا الكثير عن كوكبهم الأرضي الصغير. عرفوا أنه كرة أو كالكرة. وعرفوا أنه يدور حول نفسه وحول الشمس. وعرفوا قاراته ومحيطاته وأنهاره. وكشفوا عن شيء من باطنه. وعرفوا الكثير من المخبوء في جوف هذا الكوكب من الأقوات. والمنثور في جوه من هذه الأقوات أيضاً! وعرفوا وحدة النواميس التي تربط كوكبهم بالكون الكبير، وتصرف هذا الكون الكبير. ومنهم من اهتدى فارتقى من معرفة النواميس إلى معرفة خالق النواميس. ومنهم من انحرف فوقف عن ظاهر العلم لا يتعداه. ولكن البشرية بعد الضلال والشرود من جراء العلم، قد أخذت عن طريق العلم تثوب، وتعرف أنه الحق عن هذا الطريق. ولم تكن فتوح العلم والمعرفة في أغوار النفس بأقل منها في جسم الكون. فقد عرفوا عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشيء الكثير. عرفوا عن تكوينه ووظائفه وأمراضه، وغذائه وتمثيله، وعرفوا عن أسرار عمله وحركته، ما يكشف عن خوارق لا يصنعها إلا الله. وعرفوا عن النفس البشرية شيئاً.. إنه لا يبلغ ما عرفوه عن الجسم. لأن العناية كانت متجهة بشدة إلى مادة هذا الإنسان وآلية جسمه أكثر مما كانت متجهة إلى عقله وروحه. ولكن أشياء قد عرفت تشير إلى فتوح ستجيء.. وما يزال الإنسان في الطريق! ووعد الله ما يزال قائماً: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.. والشطر الأخير من الوعد قد بانت طلائعه منذ مطلع هذا القرن بشكل ملحوظ. فموكب الإيمان يتجمع من فجاج شتى. وعن طريق العلم المادي وحده يفد كثيرون! وهناك أفواج وأفواج تتجمع من بعيد. ذلك على الرغم من موجة الإلحاد الطاغية التي كادت تغمر هذا الكوكب في الماضي. ولكن هذه الموجة تنحسر الآن. تنحسر ـ على الرغم من جميع الظواهر المخالفة ـ وقد لا يتم تمام هذا القرن العشرين الذي نحن فيه، حتى يتم انحسارها أو يكاد إن شاء الله. وحتى يحق وعد الله الذي لا بد أن يكون: {أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟}.. وهو الذي أعطى وعده عن علم وعن شهود. {ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم}.. ومن ثم يقع ما يقع منهم، بسبب هذا الشك في اللقاء. وهو أكيد. {ألا إنه بكل شيء محيط}. فأين يذهبون عن لقائه وهو بكل شيء محيط؟
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : قُل أئِنَّكُم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } تفسير : [فصلت: 9] الآية عطف القصة على القصة فإن المقصود من ذكر خلق العوالم أنها دلائل على انفراد الله بالإِلهية، فلذلك أخبر هنا عن المذكورات في هذه الجملة بأنها من آيات الله انتقالاً في أفانين الاستدلال فإنه انتقال من الاستدلال بذواتٍ من مخلوقاته إلى الاستدلال بأحوال من أحوال تلك المخلوقات، فابتدىء ببعض الأحوال السماوية وهي حال الليل والنهار، وحال طلوع الشمس وطلوع القمر، ثم ذكر بعده بعض الأحوال الأرضية بقوله: { أية : ومن ءاياته أنك ترى الأرض خاشعة } تفسير : [فصلت: 39]. ويدل لهذا الانتقال أنه انتقل من أسلوب الغيبة من قوله: { أية : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة } تفسير : [فصلت: 13] إلى قوله: { أية : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } تفسير : [فصلت: 34] إلى أسلوب خطابهم رجوعاً إلى خطابهم الذي في قوله: { أية : أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض } تفسير : [فصلت: 9]. والآيات: الدلائل، وإضافتها إلى ضمير الله لأنها دليل على وحدانيته وعلى وجوده. واختلافُ الليل والنهار آية من آيات القدرة التي لا يفعلها غير الله تعالى، فلا جرم كانت دليلاً على انفراده بالصنع فهو منفرد بالإِلهية. وتقدم الكلام على الليل والنهار عند قوله تعالى في سورة البقرة (164) { أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار }. تفسير : والمراد بالشمس والقمر ابتداءً هنا حركتُهما المنتظمة المستمرة، وأمّا خلقهما فقد علم من خلق السماوات والأرض كما تقدم آنفاً في قوله: { أية : فقضاهن سبع سماوات } تفسير : [فصلت: 12]، فإن الشمس إحدى السماوات السبع والقمر تابع للشمس، ولم يُذكر ما يدل على بعض أحوال الشمس والقمر مثل طلُوع أو غروبٍ أو فَلَك أو نحو ذلك ليَكون صالحاً للاستدلال بأحوالهما وهو المقصود الأول، ولخلقهما تأكيد لما استفيد من قوله: {فَقَضٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوٰاتٍ} توفيراً للمعاني. ولما جرى الاعتبار بالشمس والقمر وكان في الناس أقوام عبدوا الشمس والقمر وهم الصابئة ومنبعهم من العراق من زمن إبراهيم عليه السلام، وقد قصَّ الله خبرَهم في سورة الأنعام (76) في قوله: { أية : فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي } تفسير : الآيات، ثم ظهر هذا الدين في سبأ، عبدوا الشمس كما قصه الله في سورة النمل. ولم أقف على أن العرب في زمن نزول القرآن كان منهم من يعبد الشمس والقمر، ويَظهر من كلام الزمخشري أنه لم يقف على ذلك لقوله هنا: (لعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر) ا هــــ. ولكن وجود عبادة الشمس في اليمن أيام سبأ قبل أن يتهَوَّدُوا يقتضي بقاء آثاره من عبادة الشمس في بعض بلاد العرب. وقد ذكر من أصنام العرب صنم اسمه (شَمس) وبه سموا (عبدَ شمس)، وكذلك جعلهم من أسماء الشمس الإِلٰهة، قالت مَيَّة بنتُ أم عتبة: شعر : تروَّحْنَا من اللَّعْبَاء عَصْراً فأعْجَلْنا الإِلهةَ أن تؤوبا تفسير : وكان الصنم الذي اسمه شمس يَعبده بنو تميم وضبة وَتَيْم وعُكْل وأُدّ. وكنت وقفت على أن بعض كنانة عبدوا القمر. وفي «تلخيص التفسير» للكواشي: (وكان الناس يسجدون للشمس والقمر يزعمون أنهم يقصدون بذلك السجود للَّه كالصابئين فنهوا عن ذلك وأمروا أن يخصوه تعالى بالعبادة) وليس فيه أن هؤلاء الناس من العرب، على أن هدي القرآن لا يختص بالعرب بل شيوع دين الصابئة في البلاد المجاورة لهم كاف في التحذير من السجود للشمس والقمر. وقد كان العرب يحسبون دين الإسلام دين الصابئة فكانوا يقولون لمن أسلم: صَبَأَ، وكانوا يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بالصابىء، فإذا لم يكن النهي في قوله: {لاَ تَسْجُدُوا للشَّمْسسِ ولاَ للقَمَرِ} نهيَ إقلاع بالنسبة للذين يسجدون للشمس والقمر، فهو نهي تحذير لمن لم يسجد لهما أن لا يتبعوا من يعبدونهما. ووقوع قوله: {واسْجُدُوا لله الذِي خَلَقَهُنَّ} بعد النهي عن السجود للشمس والقمر يفيد مفاد الحصر لأن النهي بمنزلة النفي، ووقوع الإِثبات بعده بمنزلة مقابلة النفي بالإِيجاب، فإنه بمنزلة النفي والاستثناء في إفادة الحصر كما تراه في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي: شعر : تسيل على حد الظبات نفوسنا وليست على غير الظبات تسيل تفسير : فكأنه قيل: لا تسجدوا إلا لله، أي دون الشمس والقمر. فجملة {لا تَسْجدوا للشَّمس} إلى قوله: {تَعْبُدُونَ} معترضة بين جملة {وَمِن ءايٰتهِ الليَّلُ والنَّهَارُ}، وبين جملة { أية : فَإنْ استَكْبَرُوا } تفسير : [فصلت: 38]. وفي هذه الآية موضع سجود من سجود التلاوة، فقال مالك وأصحابه عدا ابن وهب: السجود عند قوله تعالى: {إن كنتم إيَّاهُ تعبدون} وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود، وروي عن الشافعي. وقال أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه وابنُ وهب: هي عند قوله: { أية : وَهُمْ لا يَسْأمُونَ } تفسير : [فصلت: 38]، وهو عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ} الآية. وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} تفسير : [الإسراء: 12] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} الآية. قد قدمنا الكلام عليه في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 25] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 37- ومن دلائل قدرته تعالى - الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، لأنهما من آياته، واسجدوا لله - وحده - الذى خلق الشمس والقمر والليل والنهار إن كنتم حقا تعبدونه وحده. 38- فإن تعاظم المشركون عن امتثال أمرك فلا تأسف، فالذين عند ربك فى حضرة قدسه - وهم الملائكة - يُنزِّهونه عن كل نقص فى كل وقت بالليل والنهار، مخلصين له، وهم لا يَمِلُّون من تسبيحه. 39- ومن دلائل قدرته - تعالى - أنك ترى - يا من يستطيع أن يرى - الأرض يابسة، فإذا أنزلنا عليها الماء تحرَّكت للإنبات، إن الذى أحيا الأرض بعد موتها لخليق أن يحيى الموتى من الحيوان، إنه على كل شئ تام القدرة. 40- إن الذين يميلون عن الصراط السوى فى شأن آياتنا، ويزيغون عنها تكذيباً لها، لا يغيب عنا أمرهم وما يقصدون، وسنجازيهم بما يستحقون، أفمَن يرمى فى النار خير أم من يأتى مطمئنا يوم القيامة إلى نجاته من كل سوء؟ قل لهم متوعداً: اعملوا ما أردتم، إن الله محيط بصره بكل شئ، فيجازى كلا بعمله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن آياته: أي ومن جملة آياته الدالة على ألوهية الرب تعالى وحده. الليل والنهار: أي وجود الليل والنهار والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر: أي لا تعبدوا الشمس ولا القمر فإنهما من جملة مخلوقاته الدالة عليه. إن كنتم إياه تعبدون: أي إن كنتم حقا تريدون عبادته فاعبدوه وحده فإن العبادة لا تصلح لغيره. فالذين عند ربك: أي الملائكة. وهم لا يسأمون: أي لا يملون من عبادته ولا يكلون. ترى الأرض خاشعة: أي يابسة جامدة لا نبات فيها ولا حياة. اهتزت وربت: أي تحركت، وانتفخت وظهر النبات فيها. إن الذي أحياها لمحيي الموتى: أي إن الذي أحيا الأرض قادر على إحياء الموتى يوم القيامة. معنى الآيات: قوله تعالى ومن آياته أي ومن جملة آياته العديدة الدالة على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته والموجبة للإِيمان به وعبادته وتوحيده، الليل والنهار وتعاقبهما وانتظام ذلك بينهما فليس الليل سابق النهار، وكذا الشمس والقمر خلقهما وسيرهما في فلكيهما بانتظام ودقة فائقة وحساب دقيق وعليه فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر أيها الناس فانهما مخلوقان من جملة المخلوقات، ولكن اسجدوا لخالقهما إن كنتم إياه تعبدون كما تزعمون. ثم قال تعالى: لرسوله فإِن أبوا أن يستجيبوا لك ويسمعوا ما قلت لهم مستكبرين فاعلم أن الذين عند ربك وهم الملائكة يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون من ذلك ولا يملون. وقوله: ومن آياته آي علامات قدرته على إحياء الموتى للبعث والجزاء إنك أيها الإِنسان ترى الأرض أيام المحل والجدب هامدة جامدة لا حركة لها فإذا أنزل الله تعالى عليها ماء المطر اهتزت وربت أي تحركت تربتها وانتفخت وعلاها النبات وظهرت فيها الحياة كذلك إذا أراد الله إحياء الموتى أنزل عليهم ماء من السماء وذلك بين النفختين نفخة الفناء ونفخة البعث فينبتون كما ينبت البقل وقوله: إن الذي أحياها بعد موتها لمحيي الموتى إنه تعالى على فعل كل شيء أراده قدير لا يمتنع عنه ولا يعجزه، وكيف لا، وهو إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن فيكون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بالأدلة القطعية الموجبة لله العبادة دون غيره من خلقه. 2- بيان أن هناك من الناس من يعبدون الشمس ويسجدون لها من العرب والعجم وأن ذلك شرك باطل فالعبادة لا تكون للمخلوقات الخاضعة في حياتها للخالق وإنما تكون لخالقها ومسخرها لمنافع خلقه. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر دليل من أظهر الأدلة وهو موت الأرض بالجدب ثم حياتها بالغيث، إذ لا فرق بين حياة النبات والأشجار في الأرض بالماء وبين حياة الإنسان بالماء كذلك في الأرض بعد تهيئة الفرصة لذلك بعد نفخة الفناء ومضي أربعين عاماً عليها ينزل من السماء ماء فيحيا الناس وينبتون من عجب الذنب كما ينبت النبات، بالبذرة الكامنة في التربة. 5- تقرير قدرة الله على كل شيء أراده، وهذه الصفة خاصة به تعالى موجبة لعبادته وطاعته. بعد الإِيمان به وتأليهه.
القطان
تفسير : لا يسأمون: لا يملّون. خاشعة: هامدة لا حياة فيها. اهتزت: تحركت. وربتْ: زادت. الذين يلحِدون في آياتنا: ينحرفون عن القرآن الكريم. من بين يديه ومن خلفه: من جميع جهاته. حميد: محمود. في آذانهم وقرٌ: فيها صمم. يبين الله في هذه الآيات الكريمة الدلائلَ على وجوده تعالى وقدرته وحكمته، ومنها الليلُ والنهار والشمس والقمر، ثم ينبّه الناس أن لا يسجدوا للشمس ولا القمر، بل ان يعبدوا الله وحده الذي خلق هذا الكون العجيب. (وهنا مكان سجود، اذا قرأ القارئ القرآن وبلغ هاتين الآيتين عليه ان يسجد). فان استكبر هؤلاء المشركون الذي يعبدون غير الله عن السجود، فان الله لا يعبأ بهم، فعنده الملائكة يسبّحون له بالليل والنهار، لا يملّون من ذلك ولا يسأمون. ثم بين بعد ذلك بآية أرضية تراها العين في كل حين، وهي حال الأرض: هامدة يابسة لا نبات فيها، تنتعش وتهتزُّ بعد ان ينزل المطر.. والذي أحياها هذه الحياة قادر على أن يحيي الموتى، {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ان الذين يميلون عن الحق ويُلحِدون في آياتنا نحن نعلمهم ولا يخفون عنا، ولهم جزاء كبير عند الله عبّرت عنه آيةُ: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ؟} انهم لا يستوون. وبعد ذلك هدّدهم الله وبين عاقبتهم بقوله {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. لقد كفر هؤلاء الملحدون بالقرآن لمّا جاءهم، وإنه لكتابٌ عزيز يغلب كل من حاول ان يعارضه، لا يأتيه الباطل أبداً من اي ناحية من نواحيه، فهو {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، حكيمٍ بتدبير شئون عباده، محمود على ما أسدى اليهم من النعم التي لا تحصى. ثم بعد ذلك سلّى الله رسولَه الكريم عمَا يصيبه من أذى المشركين وطَعْنهم فيه وفي الكتاب العزيز، وحثَّه على الصبر، وان لا يضيق صدره بما يقولون، فقد قيل مثلُه للرسُل الذين جاؤا قبله، ومع كل ذلك {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}. ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي: هلا نزل القرآن بلغة العَجَم؟ هذا مع أنه لو نزل بلغة اعجمية لأنكروا ذلك ايضا، وقالوا ما لنا ولهذا؟ ثم قال لرسوله الكريم قل لهم: ان هذا القرآن هدى وشفاء للمؤمنين، اما الذين كفروا ولم يؤمنوا به، فكأنهم صمّ، وهو عليهم عَمًى فلا يبصرون حُججه ومحاسنه. ثم مثّل حالهم، باعتبار عدم فهمهم له، بحال من ينادَى من مكان بعيد فهو لا يسمع من يناديه: {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}. قال اهل اللغة: تقول العرب للرجل الذي لا يفهم كلامك: أنت تنادَى من مكان بعيد، وللفهيم ثاقب الرأي: انك لتأخذ الأمور من مكان قريب. ولقد آتينا موسى التوراة فاختلف فيها قومه، ولولا قضاءٌ سبقَ من ربك ايها النبي ان يؤخر عذابَ المكذبين بك الى أجلٍ محدّد عنده - لقضى بينهم باستئصالهم، وان كفّار قومك لفي شكٍّ من القرآن. ثم ختم هذا الجزء من القرآن بان الجزاء من جنس العمل، وان الله لا يظلم احدا فقال: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. قراءات: قرأ قالون وابو عمرو: آاعجمي بمد الهمزة الاولى وتسهيل الثانية. وقرأ حفص وابن كثير وابن ذكوان: أأعجمي بهمزتين بغير مد. وقرأ هشام: أعجمي على الإخبار. وهذا بيان واضح للناس، والله قد أعذر {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. اللهم وفقنا للعمل الصالح واختم لنا بخير، واسترنا يا رب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِهِ} {ٱللَّيْلُ} (37) - وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الخَلْقِ: اللَّيْلُ والنَّهَارُ وَتَعَاقُبُهُمَا، والشَّمْسُ والقَمَرُ وَتَقْدِيرُ مَنَازِلِهِمَا، وَاخْتِلاَفُ سَيرِهِمَا فِي السَّمَاءِ لِيَعْرِفَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ والحِسَابَ، وَهُمَا مَخْلُوقَانِ للهِ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلْنَّاسِ أَنْ يَعْبُدُوهُمَا، وَلاَ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُمَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ خَالِقَهُمَا، الذِي لاَ تَنْبَغِي العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ وَحْدَهُ وَلاَ شَرِيكَ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ..} [فصلت: 37] (من) هنا تفيد التبعيض يعني: هذه بعضُ آياته تعالى في الكون، وإلا فآيات الله في كونه كثيرة لا تتناهى، والآية هي الشيء العجيب في تكوينه وخَلْقه الدالّ على قدرة الله وحكمته وبديع صُنْعه. {ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ ..} [فصلت: 37] آيتان من آيات الله الكونية، والليل والنهار يكونان معاً اليوم الذي نعرفه، وهو من الوقت إلى مثله، قال تعالى: {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ..} تفسير : [الحاقة: 7]. هذه الآيات الكونية المذكورة هنا {ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..} [فصلت: 37] أخذتْ حظاً واسعاً في موكب الرسالات وفي العقائد، ففي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وهو يبحث عن الحق والحقيقة لما نظر في الكون من حوله، فرأى كوكباً قال: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام:76-78]. إذن: فالشمس والقمر مرتبطان بالليل والنهار لهما مدخل في العقيدة، هذا المدخل في العقيدة ينتقل من قسم العقيدة وهي الإيمان بالإله الواحد إلى شيء آخر، هذا الشيء جُعل دليلاً إيمانياً على أمر شكَّ العربُ فيه لما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت دليلاً على عدم انقطاع الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. تعلمون قصة نزول الوحي على سيدنا رسول الله لأول مرة في غار حراء، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعاني ويتعب من لقاء الملَكِ لاختلاف الطبيعة الملائكية عن الطبيعة البشرية، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى أهله يقول مرة: زمِّلوني زمِّلوني، ومرة: دثِّروني دثِّروني لما كان يحدث في طبيعته صلى الله عليه وسلم من تغيير، لذلك كان الوحي في بدايته ثقيلاً على رسول الله، وقد قال تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} تفسير : [المزمل: 5]. وروى الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفصَّد جبينه عرقاً لما ينزل عليه الملَك، والصحابي الذي كان يجلس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يسند فَخِذَه عليه، وكان يجد ثِقَلاً لا يطيقه حينما ينزل الوحي على رسول الله. لذلك أراد الحق سبحانه أن يخفف عن رسوله صلى الله عليه وسلم هذه المعاناة، فانقطع الوحي لمدة ستة أشهر، ليستريح رسول الله وتذهب عنه متاعب التلقِّي الأولى، وليشتاق إلى لقاء الملَكْ من جديد، وإلى كلام الله الذي انقطع عنه، ولا شكَّ أن هذا الشوق سيعطيه طاقةَ لتحمُّل أمر الوحي والدعوة بعد ذلك. رأى كفار مكة في انقطاع الوحي عن رسول الله مأخذاً، فقالوا: إن ربَّ محمد قلاه يعني: تركه وهجره، وهم لا يعلمون أن فتور الوحي ليس هَجْراً، إنما هو وداع الحبيب لحبيبه إلى لقاء آخر أعظم وأطول، ولذلك أنزل الله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-3]. هذا هو موضع الشاهد، أن الحق سبحانه أقسم لهم بالضحى وهو النهار، وبالليل إذا حَلَّ بظلامه، وجعل من هاتين الآيتين الكونيتين دليلاً على أن الوحي ما انقطع، إنما أراد الله لرسوله أن يرتاح من تعبه، وأنْ يعاود نشاطه لتلقّي الوحي من جديد، كما أنكم تتعبون في النهار وترتاحون في الليل. {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-3] ومعروف ان الضحى للشمس والليل للقمر، إذن: ففترة الوحي عن رسول الله يُراد بها التخفيف عنه، كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1-3]. والمراد: نشرح صدرك لنزول القرآن عليك فتشتاق إليه، ويكون عندك طاقة لاستقباله، فكأن القرآن أخذهم من الآيات الكونية المحسوسة إلى المعنويات، وجعل ما يرونه دليلاً على ما ينكرونه، يعني: إذا كنتم في حركة حياتكم اليومية تحتاجون لليل تسكنون فيه وترتاحون من عناء النهار، فكذلك رسول الله يحتاج إلى هذه الفترة ليرتاح فيها من عناء وثِقَل الوحي في بدايته، ليجدد نشاطه ويشتاق إلى لقاء الملَكِ من جديد. لذلك قال تعالى بعدها {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4] فمعاودة الوحي ستكون أعظمَ من الأولى وخير منها، لأن المعاودة ستكون أطولَ وأقوى. وكما دخلتْ هذه الآيات الكونية التي هي الليل والنهار والشمس والقمر في العقيدة في قصة سيدنا إبراهيم وفي الوحي المنزَّل على سيدنا رسول الله، كذلك دخلتْ في حَلِّ بعض الإشكالات في قضايا اجتماعية اهتم الإسلام بها، وهي قضية المساواة بين الرجل والمرأة. وهذه قضية كَثُر الجدل فيها، وأخذها المغرضون ذريعة للهجوم على الإسلام، مع أن الإسلام أعظم دين أنصف المرأة وأعطاها حقوقها، وألزم المجتمع باحترامها، الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة على أنهما نوعان من جنس واحد يعني: هما في الأصل شيء واحد. إذن: لا بدَّ أنْ يكون بينهما قدر مشترك ولما انقسما إلى قسمين ذكر وأنثى، صار بينها قدر غير مشترك، وصار لكل منهما مهمته في حركة الحياة، ولكي يوضح لنا السياق القرآني هذه المسألة قال تبارك وتعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4] فكما أن الليل والنهار متكاملان متعاونان غير متعاندين، وكما أن لكل منهما مهمته في الحياة، هذا للعمل وهذا للراحة، فكذلك حال الرجل والمرأة، عنصران لشيء واحد، وهما يتكاملان ويتعاونان لا يتعاندان كالليل والنهار، فحين تنظرون إلى الرجل والمرأة لا تنظروا إليهما على أنهما نوعان مختلفان في الجنس قد يكون بينهما تعاند، لأنهما من جنس واحد، والجنس الواحد لا يُصادم بعضه بعضاً، الجنس الواحد رسالتُه واحدة، الكلّ يتعاون في حملها كُلٌّ بما يناسبه وبما خلقه الله له، وبما أعطاه من قدرات وإمكانيات. وهذه قضية اختلفوا فيها، خاصة الملاحدة الذين نظروا إلى الجنس، ولم ينظروا إلى ما تحته من الذكر والأنثى، فرغم الاختلاف بين النوعين إلا أنهم أرادوا أن يكون لهما مهمة واحدة لا اختلاف بين الذكر والأنثى. لذلك الحق سبحانه يعطينا هذا المثل التوضيحي: الليل والنهار، وهل مهمة الليل كمهمة النهار؟ لكلٍّ مهمته وطبيعته، ومَنْ يعاند هذه الطبيعة يتعب في حركة حياته. كذلك جُعِل الرجلُ للعمل وللقوة والسعي، وجُعلَتْ المرأة للعاطفة واستقبال الأبناء وتربيتهم، خاصة وطفولة الإنسان هي أطول طفولة في الكائنات، والإشراف عليها مهمة المرأة ولا يجيدها الرجل. فالحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل يعلِّمنا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى ما اتفقنا عليه، فكما أننا لا نختلف في مهمة الليل ومهمة النهار، كذلك ينبغي ألاَّ نختلف في مهمة الرجل والمرأة، وألاَّ نُردد كلمة المساواة هكذا دون فَهْم لطبيعة كُلٍّ من الرجل والمرأة ودور كلٍّ منهما الذي خلقه الله له. وفي موضع آخر يعلمنا الحق سبحانه هذه الحكمة من خلق الليل والنهار، فيقول سبحانه: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 71-72]. وبعد ذلك، جعل سبحانه وتعالى للزمن مدخلاً آخر غير الليل والنهار، وهو فترات الزمن: الساعات والدقائق والثواني، وبها يتم ضبط الزمن، والساعة التي تضبط لك الوقت لا تؤدي هذه المهمة إلا إذا كانت هي نفسها منضبطة تماماً، لذلك جعل الله تعالى للشمس وللقمر مهمة أخرى هي مهمة ضبط الوقت، لذلك جعلهما منضبطتين في حركتهما بإحكام. يقول تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] يعني: بحساب دقيق محكم لا يختلف أبداً ولا يدخله فساد، ومن حركة الشمس والقمر نحسب الوقت خاصة الأمور الدينية التي لا نستطيع أن نضبطها إلا بهذه الحركة. قال تعالى: {أية : لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..} تفسير : [يونس: 5] فمن حركة الشمس أعرف الليل والنهار، ومن حركة القمر أعرف بدايات الشهور ونهاياتها. إذن: من حركة الشمس والقمر والليل والنهار أستطيع أن أضبط حركة التكليف في الصلاة بأوقاتها المختلفة، هذه الأوقات التي تضمن دوام إعلان الولاء لله تعالى في كل وقت وفي كل مكان نتيجة لاختلاف المشارق والمغارب على مدار اليوم الكامل. لذلك قال تعالى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ..} تفسير : [الشعراء: 28] وفي موضع آخر قال: {أية : بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ..} تفسير : [المعارج: 40] وقال {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17]. نعم، هي مشارق متعددة ومغارب متعددة، لأن كلَّ مكان له مشرق وله مغرب، وكل مشرق في مكان مغرب في مكان آخر وهكذا، ألا تروْنَ في الصيام مثلاً أننا نفطر في القاهرة قبل الاسكندرية بخمس دقائق، لماذا؟ لأن مشرق القاهرة غير مشرق الإسكندرية، ومغرب القاهرة غير مغرب الإسكندرية، لذلك نسمع المذيع يقول: مع مراعاة فروق التوقيت، أي: الفروق الزمنية بين كل مكان ومكان. إذن: المتأمل في حركة الشمس يجدها في لحظة لها شروق ولها غروب، وعليه فذِكْر الله في الصلاة وفي الآذان يسيح في الزمن كله بلا انقطاع، لذلك يقول أهل التصرف: يا زمن وفيك كُلُّ الزمن، فأنت حين تصلي الفجر، هناك غيرك يصلي الظهر، وغيره يصلي العصر، وغيره يصلي المغرب، وغيره يصلي العشاء في الوقت نفسه وفي اللحظة نفسها، فتجد الحق سبحانه معبوداً في كل وقت بكل أنواع العبادة. وإنْ أردتَ الدقة أكثر فاجعل هذه المسألة مرتبطة بعقرب الثواني في ساعتك لا عقرب الدقائق ولا الساعات، ففي كل ثانية لله مؤذن يُؤذِّن: الله أكبر. وغيره يقول: أشهد ألاَّ إله إلا الله، وغيره في نفس اللحظة يقول: أشهد أن محمداً رسول الله وهكذا. فكأن شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دائمة بدوام الزمن لا تنقطع من الوجود أبداً. ثم يعطينا الحق سبحانه ملحظاً آخر للشمس والقمر؛ لأنهما من أعظم المخلوقات، وعُرِف عنهما الثبات والدقة والعظمة في الخَلْق، حتى أن بعض الناس عبد الشمس أو القمر، فأراد الحق سبحانه أن يلفت الخلق إلى عظمة الخالق الذي هو أولى بالعبادة من مخلوقاته. فجعل الشمس والقمر يعتريهما تغيير هو الكسوف والخسوف، فمهما كانتْ الشمس، ومهما كان القمر هما مخلوقان متغيران، والمتغير لا يكون معبوداً أبداً؛ لذلك قال سبحانه في الآية التي معنا: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]. الحق سبحانه في أول الآية قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..} [فصلت: 37] والآية هي الشيء العجيب في الخَلْق البديع في نظامه وإحكامه، وهذا الخَلْق العظيم ينبغي أنْ يُعظّم بتعظيم الله له، لكِنْ لا يجوز أنْ يتعدَّى هذا التعظيم إلى حَدِّ العبادة، وإلى حَدِّ السجود للمخلوق مهما كان عظيماً، لأنه مخلوق مُتغيِّر، والإله لا يتغير من أجل العباد، لكن العبادَ يتغيرون من أجل الله. وهذه المسألة تُفسِّر لنا قضية سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فلم يكن سجودَ عبادة، إنما كان امتثالاً لأمر الله لهم بالسجود لآدم، لكن لماذا أسجد اللهُ الملائكة لآدم؟ قالوا: لأن آدم سينزل إلى الأرض، وستكون له حركة إعمار فيها، وستكون الملائكة في عَوْنه تساعده على أداء مهمته في الأرض، الملائكة الموكلون بأمور الدنيا وهم المدبِّرات أمراً، وكما قال تعالى في وصفهم: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11]. فالملائكة الذين أُمروا بالسجود ليس هم كلّ الملائكة، إنما الذين لهم علاقة بالإنسان، فكأن الحق سبحانه يُعرِّفهم على هذا المخلوق الجديد، الذي سيكونون في خدمته، فاسجدوا له سجودَ خضوع وامتثال، ليعلموا أنهم في خدمته يُدبِّرون له الأمور. لذلك ورد في الحديث الشريف "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون" تفسير : يعني: على هيئة ورديات دائمة لا تنقطع. ومن الملائكة نوعٌ آخر لا دَخْلَ له بالإنسان، ولا علاقةَ له به، بل لا يدرون عن عالمنا هذا شيئاً، وهم العَالُون الذين قال الله فيهم في الحديث عن إبليس: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75]. إذن: إذا كان السابقون عظموا الشمس والقمر حتى سجدوا لهما، فاعلموا أن خالقهما أَوْلَى بالسجود: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] يعني: إن كنتم تأتمرون بأمره. ملحظ آخر نأخذه من الشمس يُوقفنا على شيء غريب لم نكُنْ نعرفه من قبل، ففي سورة الكهف يحكي لنا القرآن سياحة ذي القرنين، فيقول سبحانه: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ..} تفسير : [الكهف: 83-86]. أي: مغرب الشمس في مرأى العين، لأنك لو وصلتَ إلى العين الحمئة فسوف تجد الشمس ما زالت بعيدة {أية : وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} تفسير : [الكهف: 86] ذلك لأنه رجل مُمكَّن في الأرض، له منزلة وسلطان. والمُمكَّن في الأرض مهمته أنْ يقيم فيها موازين العدالة ومعايير الصواب والعقاب، لأن حركة الناس في الدنيا لا تستقيم إلا إذا أُثيب المحسن وعُوقب المسيء. {أية : قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً*وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 87-88]. ثم تكلم عن مطلع الشمس، فقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} تفسير : [الكهف: 90] يعني: ليس بينهم وبينها حجاب يسترها، ولم يذكر لنا شيئاً بعد مطلع الشمس كما ذكر الدرس السابق عند مغرب الشمس، حيث كان له عمل ودور مع مَنْ أحسن ومن أساء، أما في مطلع الشمس فقال: {أية : لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} تفسير : [الكهف: 90] وسكت، فكأن الهدف أنْ نعرف أن ذا القرنين وصل إلى مكان، نهاره طويل لا شيء يحجب الشمس فيه. وبعد أن اكتشف العلماءُ خطوطَ الطول وخطوط العرض عرفنا أن بعض الأماكن عند القطبين يطول النهار حتى يصل إلى ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وهذه لقطة من إعجاز القرآن العلمي. فإنْ قلتَ: فكيف يفعل مَنْ يعيش في هذه الأماكن؟ كيف يصلي وكيف يصوم؟ نقول: يُقدِّر لليوم العادي مقداره، ولليل مقداره فيقسم الوقت إلى ليل ونهار كالمعتاد، وكذلك مَنْ كان ليله ثلاثة أشهر أو ستة أشهر. ملحظ أخير يتعلق بصياغة الآية وما فيها من دقة بيانية، فالحق سبحانه بدأ بآية الليل ثم النهار، وبدأ بالشمس ثم القمر {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..} [فصلت: 37] وكانت المناسبة تقتضي أنْ يقول: والقمر ليناسب الليل، والشمس لتناسب النهار. لكن لصياغة القرآن حكمة ودقة بيانية، فالحق سبحانه يبدأ بالأهم في حركة الحياة، فالليل جُعِل للراحة والنهار للعمل، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ لإعمار الأرض، وللسعي في مناكبها، ولا إعمارَ إلا بحركة، والحركة تحتاج إلى زمنين: زمن للراحة، وزمن للعمل. فقدَّم الليل وقت الراحة لأنك لا تنتج ولا تكدّ إلا إذا أخذتَ حظك من الراحة أولاً، فكأن الراحة أولاً هي أصلٌ يأتي بعدها العمل، وإلا فالمتعب المكدود لا ينتج ولا ينجز، كذلك قدَّم الشمس على القمر، لأنها الأعظم والأهم، ومنها تستمد كل النجوم والكواكب نورها. وما دُمْنا بصدد الحديث عن الليل والنهار، فلا بدَّ أن يواجهنا هذا السؤال: أيهما أوَّلٌ في الخَلْق؟ البعض يقول: الليل أولاً. بدليل أننا نثبت مثلاً دخولَ رمضان بليله لا بنهاره، فحين نرى الهلال نقول: غداً رمضان، والذين يعتقدون أن الليل وُجد أولاً لابدَّ أن لديهم قضية أخرى هي أن النهار غير سابق لليل. الحق سبحانه يُنهي هذه المسألة، فيقول سبحانه: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. وننتهي بذلك إلى حقيقة كونية أثبتها الحق سبحانه هي: لا النهار يسبق الليل، ولا الليل يسبق النهار، لأنهما كما بينَّا وُجِدَا في بداية الخَلْق معاً، في وقت واحد، ثم دار كل منهما مع الآخر.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [37] 491 - أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن يونس، عن الحسنِ، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشمس والقمر آيتانِ من آيات اللهِ، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياتهِ، ولكن الله يُخوفُ بهما عباده ". تفسير : - (قال أبو عبد الرحمن): خالفه قتادةُ. 492 - أخبرنا محمد بن بشارٍ، قال: حدَّثنا معاذ بن هشامٍ، قال: حدَّثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : إن الشمس والقمر لا ينخسفانِ لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنهما خليقتان من خلقه، يُحدث الله في خلقه ما يشاء ". تفسير : - مُختصِرٌ. ذيل التفسير قوله تعالى: [{وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [37]] 22/ 757- أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يزيد - وهو ابن زُريع - قال: حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي بَكرة، قال: حديث : كنَّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس فقام إلى المسجد يجُرُّ رداءه من العَجلة، فقام إليه الناس فصلى ركعتين كما يصلون، فلما انجلت خطبنا فقال: "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله يُخّوِّف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتم كسوف أحدهما فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):