٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } نخس شبه به وسوسته لأنها تبعث الإِنسان على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ، وجعل النزغ نازغاً على طريقة جديدة، أو أريد به نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر. { فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } من شره ولا تطعه. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لاستعاذتك. {ٱلْعَلِيمُ } بنيتك أو بصلاحك. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم. {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ } الضمير للأربعة المذكورة، والمقصود تعليق الفعل بهما إشعاراً بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار. {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فإن السجود أخص العبادات وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به، وعند أبي حنيفة آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى. {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} عن الامتثال. {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } من الملائكة. {يُسَبّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي دائماً لقوله: {وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ} أي لا يملون. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً} يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل. {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تزخرفت وانتفخت بالنبات، وقرىء «ربأت» أي زادت. {إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا } بعد موتها. {لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} من الإِحياء والإِماتة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} يميلون عن الاستقامة. {فِي ءَايَاتِنَا} بالطعن والتحريف والتأويل الباطل والإِلغاء فيها. {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} فنجازيهم على إلحادهم. {أَفَمَن يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَم مَن يَأَتِي آمِناً يَوْمَ القِيَامَةِ} قابل الإِلقاء في النار بالإِتيان آمناً مبالغة في إحماد حال المؤمنين. {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تهديد شديد. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وعيد بالمجازاة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ } بدل من قوله:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَـٰتِنَا} أو مستأنف وخبر {إِن} محذوف مثل معاندون أو هالكون، أو {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ } و «الذكر» القرآن. {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ} كثير النفع عديم النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه. {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات أو مما فيه من الأخبار الماضية والأمور الآتية. {تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ } أي حكيم. {حَمِيدٍ} يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه. {مَّا يُقَالُ لَكَ} أي ما يقول لك كفار قومك. {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم، ويجوز أن يكون المعنى ما يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم. {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ } لأنبيائه. {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لأعدائهم، وهو على الثاني يحتمل أن يكون المقول بمعنى أن حاصل ما أوحي إليك وإليهم، وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة. {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً} جواب لقولهم: هلا أنزل القرآن بلغة العجم والضمير «للذكر». {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ} بينت بلسان نفقهه. {ءأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ} أكلام أعجمي ومخاطب عربي إنكار مقرر للتخصيص، والأعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه. وهذا قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي، وقرأ قالون وأبو عمرو بالمد والتسهيل وورش بالمد وإبدال الثانية ألفاً، وابن كثير وابن ذكوان وحفص بغير المد بتسهيل الثانية وقرىء «أعجمي» وهو منسوب إلى العجم، وقرأ هشام «أعجمي» على الإِخبار، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد هلا فصلت آياته فجعل بعضها أعجمياً لإِفهام العجم وبعضها عربياً لإِفهام العرب، والمقصود إبطال مقترحهم باستلزامه المحذور، أو للدلالة على أنهم لا ينفكون عن التعنت في الآيات كيف جاءت. {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى } إلى الحق. {وَشِفَاءٌ} لما في الصدور في الشك والشبه {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} مبتدأ خبره. {فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ} على تقدير هو في {آذَانِهِمْ وَقْرٌ} لقوله: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } وذلك لتصامهم عن سماعه وتعاميهم عما يريهم من الآيات، ومن جوز العطف على عاملين مختلفين عطف ذلك على {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى}. {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } أي صم، وهو تمثيل لهم في عدم قبولهم الحق واستماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} بالتصديق والتكذيب كما اختلف في القرآن. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهي العدة بالقيامة وفصل الخصومة حينئذ، أو تقدير الآجال. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} باستئصال المكذبين. {وَإِنَّهُمْ} وإن اليهود أو {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. {لَفِى شَكّ مّنْهُ} من التوراة أو القرآن. {مُرِيبٌ} موجب للاضطراب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في ما الزائدة {يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ } أي يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } جواب الشرط وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } للقول {ٱلْعَلِيمُ } بالفعل.
ابن عطية
تفسير : {إما} شرط، وجواب الشرط قوله: {فاستعذ}. والنزغ: فعل الشيطان في قلب أو يد من إلقاء غضب وحقد أو بطش في اليد، فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد، قوله: {أية : نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} تفسير : [يوسف: 100]، ومن البطش قول النبي عليه السلام: "حديث : لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار ". تفسير : وندب تعالى في هذه الآية المتقدمة إلى مكارم الخلق في الدفع بالتي هي أحسن، ثم أثنى على من لقيها ووعده، وعلم أن خلقة البشر تغلب أحياناً وتثور بهم سورة الغضب ونزغ الشيطان فدلهم على مذهب ذلك وهي الاستعاذة به عز وجل. ثم عدد آياته لتعبر فيها من صدق عن التوحيد بذكر {الليل والنهار}، وذكرهما يتضمن ما فيهما من القصر والطول والتداخل والاستواء في مواضع وسائر عبرهما، وكذلك الشمس والقمر متضمن عجائبهما وحكمة الله فيهما ونفعه عباده بهما. ثم قال تعالى: {لا تسجدوا} لهذه المخلوقات وإن كانت تنفعكم، لأن النفع منهما إنما هو بتسخير الله إياهما، فهو الذي ينبغي أن يسجد له. والضمير في: {خلقهن} قالت فرقة: هو عائد على الأيام المتقدم ذكرها. وقالت فرقة: الضمير عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وجمع ما لا يعقل يؤنث، فلذلك قال: {خلقهن}. قال القاضي أبو محمد: ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام، ساغ أن يعود الضمير مجموعاً. وقالت فرقة: هو عائد على الأربعة المذكورة، وشأن ضمير ما لا يعقل إذا كان العدد أقل من العشرة أن يجيء هكذا، فإذا زاد أفرد مؤنثاً، تقول الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ومنه: {أية : إن عدة الشهور} تفسير : [التوبة: 36]، ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : وأسيافنا يقطرن من نجدة دما تفسير : وقال السموأل: [الطويل] شعر : ولا عيب فينا غير أن سيوفنا بها من قراع الدارعين فلول تفسير : وهذا كثير مهيع وإن كان الأمر يوجد متداخلاً بعضه على بعض، ثم خاطب تعالى بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم، وأن الله تعالى غير محتاج إلى عبادتهم بقوله: {فإن استكبروا} الآية. وقوله: {فالذين} يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون. و: {عند} في هذه الآية ليست بظرف مكان وإنما هي بمعنى المنزلة والقربة، كما تقول زيد عند الملك جليل وفي نفسه رفيع. ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم كالنفس لابن آدم. و: {يسئمون} معناه: يميلون ثم ذكر تعالى آية منصوبة ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدل بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد بعد من تلك، وهي آية يراها عياناً كل مفطور على عقل. وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشعث بالجدب وصليم السموم فهي عابسة كما الخاشع عابس يكاد يبكي، والماء المنزل: هو المطر، واهتزاز الأرض: هو تخلخل أجزائها بالماء وتشققها للنبات. وربوها: هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به. وقرأ الجمهور: "وربت". وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "وربأت": بألف مهموزة، ورواها الرؤاسي عن أبي عمرو، وهو أيضاً بمعنى: علت وارتفعت، ومنه الربيئة، وهو الذي يرتفع حتى يرصد للقوم ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية والعبرة، وذلك إحياء الموتى. وقوله تعالى: {إنه على كل شيء قدير} عموم، والشيء في اللغة: الموجود.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَزْغٌ} غضب، أو الوسوسة وحديث النفس، أو البغض، أو الفتنة، أو الهمزات "ع" {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} اعتصم {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لاستعاذتك {الْعَلِيمُ} بأذيتك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} «إِمَّا»: شرطٌ وجوابُ الشرطِ قوله: {فَٱسْتَعِذْ} والنَّزْغُ: فِعْلُ الشيطانِ في قَلْبٍ أو يدٍ من إلقاءِ غَضَبٍ، أو حقدٍ، أو بطشٍ في اليد. فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: {أية : نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى }تفسير : [يوسف:100]، ومن البَطْشِ قولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ؛ لاَ يَنْزَغُ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ فَيُلْقِيَهُ في حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ»تفسير : ومن دعاء الشيخِ الوليِّ العارف باللَّه سبحانه، محمَّد بن مَسَرَّة القُرْطُبِيِّ: اللَّهُمَّ، لاَ تَجْعَلْ صدري للشيطان مَرَاغاً، ولا تُصَيِّرْ قلبي له مجالاً، ولا تَجْعَلْنِي، مِمَّنِ استفزَّهُ بصوته، وأجلب عليه بخيله ورَجْلِهِ، وكُنْ لي من حبائله مُنْجِياً، ومن مصائده مُنْقِذاً، ومن غَوَايَتِهِ مُبْعِداً، اللهم إنَّه وَسْوَسَ في القلب، وألقى في النَّفْس ما لا يطيقُ اللِسانُ ذِكْرَهُ، ولا تستطيعُ النَّفْس نشره مِمَّا نَزَّهَك عنه عُلُوُّ عِزِّكَ، وسُمُوُّ مجدك، فَأَزِلْ يا سيِّدِي ما سَطَرَ، وٱمْحُ ما زَوَّرَ بوَابِلِ من سحائِبِ عَظَمَتِكَ وطُوفَانٍ مِنْ بِحَارِ نُصْرَتِكَ، وٱسْلُلْ عليه سيفَ إبعادك، وٱرْشُقْهُ بسهام إقصائِكَ، وأحْرِقْهُ بنار ٱنتقامِكَ، واجعل خَلاَصِي منه زائداً في حُزْنِهِ، وَمُؤَكِّداً لأسفه، ثم قال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّه ربما كان العبد في خَلْوَتِهِ مشتغلاً بتلاوته، ويجدُ في نفسه من الوسوسة ما يحولُ بينه وبين رَبِّه، حتى لا يَجِدَ لطعمِ الذِّكْرِ حلاوةً، ويجدَ في قلبه قساوةً، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته؛ وعِلَّةُ ذلك أَنَّ الذِّكْرَ ذِكْرَانِ: ذكرُ خَوْفٍ ورهبةٍ، وذكْرُ أَمْنٍ وغفلةٍ، فإذا كان [الذِّكْرُ بالخَوْفِ والرهبة، خَنَسَ الشيطانُ، ولم يحتملِ الحَمْلَةَ، وأذهب الوسوسة؛ لأنَّ الذكر إذا كان] باجتماع القلب وصِدْقِ النية، لم يكُنْ للشيطانِ قُوَّةٌ عند ذلك، وانقطعَتْ علائقُ حِيَلِهِ؛ وإنَّما قُوَّتُهُ ووسوستُهُ مع الغَفْلَة، وإذا كان [الذِّكْرُ بالأَمْنِ والغَفْلَةِ لَمْ تفارقْهُ الوَسْوَسَةُ، وإنِ ٱستدام العَبْدُ الذِّكْرَ والقراءةَ؛ لأَنَّ على قلب الغافلِ غشاوةً؛ ولا يجد] صاحبها لطعم الذكْرِ حلاوةً، فَتَحَفَّظْ على دينك من هذا العَدُوِّ، وليس لك أن تزيله عن مرتبته، ولا أَنْ تزيحَهُ عن وطنه، وإنما أُبِيحَ لك مجاهدته، فاستعنْ باللَّه يُعِنْك، وثِقْ باللَّه؛ فإنَّهُ لا يَخْذُلُكَ؛ قال تعالَىٰ: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [العنكبوت:69]، انتهى من تصنيفه ـــ رحمه اللَّه ـــ. وندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، وعَلِمَ سبحانه أَنَّ خِلْقَةَ البشر تغلب أحياناً وتَثُورُ بِهِمْ سَوْرَةُ الغضب ونَزْغُ الشيطان؛ فَدَلَّهُمْ في هذه الآية على ما يُذْهِبُ ذلك، وهي الاستعاذة به عزَّ وجلَّ، ثم عَدَّدَ سبحانه آياته؛ ليعتبر فيها، فقال: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}، ثم قال تعالى: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ}: وإِنْ كانت لكم فيهما منافع؛ لأَنَّ النفع منهما إنَّما هو بتسخير اللَّهِ إيَّاهما، فهو الذي ينبغي أَنْ يُسْجَدَ له، والضمير في {خَلَقَهُنَّ} قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرُهَا، وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضاً جمع ما لاَ يَعْقِلُ يُؤنَّثُ، فلذلك قال: {خَلَقَهُنَّ} ومن حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمار؛ لاِختلافهما بالأَيَّامِ ساغ أنْ يعود الضميرُ مجموعاً، وقيل: هو عائد على الأربعة المذكورة. * ت *: ومن كتاب «المستغيثين باللَّه» لأبي القاسم بن بَشْكَوَال حَدَّثَ بسنده إلى أَنس بن مالك، قال: تقرأ «حۤمۤ السجدة»، وتَسْجُدُ عند السجدة، وتَدْعُو؛ فإنَّه يُسْتَجَابُ لك، قال الراوي: وَجَرَّبْتُهُ فوجدته مُسْتَجاباً، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نَبِيَّهُ ـــ عليه السلام ـــ بما يتضمَّن وعيدهم وحقارَة أمرهم، وأَنَّهُ سبحانه غَنِيٌّ عن عبادتهم بقوله: {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ...} الآية، وقوله: {فَٱلَّذِينَ} يعني بهم الملائكة هم صَافُّونَ يسبحون، و{عِندَ} هنا ليست بظرف مكان؛ وإِنَّما هي بمعنى المنزلة والقربةِ؛ [كما تقول: زَيْدٌ عنْدَ الْمَلِكِ جليلٌ، ويُرْوَىٰ أَنَّ تَسبيحَ الملائكة قد صار لهم كالنَّفْسِ لبني آدم، {وَلاَ يَسْـئَمُونَ} معناه: لا] يَملُّون، ثم ذكر تعالى آيةً منصوبةً؛ ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدِلَّ بما شُوهِدَ من هذه علَىٰ ما لم يُشَاهَدْ، فقال: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً...}الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشَعَثٍ بالجَدْبِ، فهي عابسةٌ كما الخاشِعُ عَابِسٌ يكاد يَبْكِي، وٱهتزازُ الأرض: هو تَخَلْخُلُ أجْزَائِهَا وَتَشَقُّقُهَا للنبات، ورُبُوُّهَا: هو انتفاخها بالماء وعُلُوُّ سطحِها به، وعبارة البخاريِّ: اهتزت بالنبات، ورَبَت: ارتفعَت اهـــ، ثم ذكر تعالَىٰ بالأمر الذي ينبغي أنْ يُقَاسَ على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} والشيء في اللغة: الموجود.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ...} الآية. تقدم تفسيرها في آخر سورة الأعراف. قال الزمخشري: النَّزغُ والنَّسْغُ بمعنى واحد وهو شبه النَّخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه يبعثه على ما لا ينبغي. والمعنى وإن صرفك الشيطان عما شرع لك من الدفع بالتي هي أحسن فاستعذ بالله من شره "إنه هو السميع" لاستعاذتك وأقوالك "العليم" بأفعالك وأحوالك. قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ...} الآية لما بين تعالى في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى وهي عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، ومن جملتها العالم بجميع أجزائه فبدأ هاهنا بذكر الفلكيِّات وهي اللَّيل والنَّهار، والشمس والقمر، وقدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدمٌ، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود، وهذا كالتنبيه على وجود الصانع وتقدم شرحه مراراً. ولما بين أن الشمس والقمر يحدثان وهما دليلان على وجود الإله القادر قال {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله (القادر) والسجود عبارة عن نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بمن كان أشرف الموجودات فقال: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} لأنهما عبدان مخلوقان، واسجدوا لله الخالق القادر الحكيم. قوله: "خَلَقَهُنَّ" في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه يعود على "الليل والنهار والشمس والقمر". وفي مجيء الضمير كضمير الإناث (كما قال الزمخشري هو أنَّ جمع ما لا يعقل حكمه حكم الأنثى أو الإناث) نحو: الأَقْلاَمُ بريتُهَا وبرَيْتُهُنَّ. وناقشه أبو حيان: من حيث إنه لم يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك؛ لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث، وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى، فالأفصح أن يقال: الأجذاع كَسَرتهُنَّ، والجذوع كسرتُهَا، والذي تقدم في هذه الآية ليس بجمع قلة أعني بلفظ واحد ولكنه ذكر أربعة متعاطفة فتنزَّلَت منزلة الجمع المعبر به عنها بلفظ واحد. قال شهاب الدين: والزمخشري ليس في مقام بيان الفصيح والأفصح بل في مقام كيفية مجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنث أو لَمَّا قال: "وَمِن آياتِهِ" كُنَّ في معنى الآيات فقيل: خَلَقَهُنَّ. ذكر الزمخشري أيضاً أنه يعود على لفظ الآيات وهذا هو الوجه الثاني. الثالث: أنه يعود على الشمس والقمر؛ لأن الاثنين جمع، والجمع مؤنث لقولهم: "شُمُوسٌ وأَقْمَارٌ". وقال البغوي: إنما قال خلقُهُنَّ بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير، ولم يُجْر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث. قوله: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} قيل: كان ناسٌ يسجدون للشمس والقمر كالصَّابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنه يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فَنُهُوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق هذه الأشياء. قوله: {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} أي عن السجود {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} لا يَمَلُّونَ. فإن قيل: إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقلّ وأذلّ من أن يحصُل لنا أهليَّةٌ لعبادة الله تعالى ولكنا عبيدٌ للشمس والقمر وهما عبدان لله تعالى، وإذا كان قولهم هكذا فكيف يليق بهم أنهم استكبروا عن السجود لله تعالى؟!. فالجواب: ليس المراد من الاستكبار ههنا ما ذكرتم بل المراد استكبارهُم عن قبول قولك يا محمد بالنهي عن السجود للشمس والقمر. فصل قال ابن الخطيب ليس المراد بهذه العِنديَّة قرب المكان، بل يقال: عند المَلِك من الجُند كذا وكذا، ويدل عليه قوله: "حديث : أنا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي"تفسير : وأنا عِنْدَ المُنْكَسِرَة قُلُوبُهُم من أجلي في مقعدٍ صدقٍ عند ملكٍ مُقتدرٍ، ويقال: عند الشافعي: أنَّ المُسْلم لا يُقْتَلُ بالذِّمِّيِّ. فصل دلَّت هذه الآية على أن المَلِكَ أفضل من البشر؛ لأنه إنما يُسْتَدَلُّ بحال الأعلى على الأدنى فيقال: هؤلاء القوم إن استكبروا عن طاعة فلان، فالأكابر يخدمونه. فإن قيل: وصف الملائكة بأنهم يسبحون له بالليل والنهار لا يفترون، وهذا يدل على مواظبتهم على التسبيح لا ينفكون عنه لحظةً واحدة كما قال: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}تفسير : [الأنبياء:20] واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال لكنهم ينزلون على الأرض، كما قال تعالى {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشعراء:193ـ194] وقال {أية : وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الحجر:51] وقال {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ}تفسير : [التحريم:6] وقال عن الذين قاتلوا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران:125]. فالجواب: أن الذين ذكرهم الله ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام مُعيَّنُونَ من الملائكة. فصل اختلفوا في مكان السجدة فقال الشافعي ـ رحمهُ الله ـ هو عند قوله تعالى "إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" وقال أبو حنيفة ـ رضي الله ـ: هو عند قوله تعالى "وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ". قوله: "وَمِنْ آيَاتِهِ" أي ومن دلائل قدرته أنك ترى الأرض خاشعةً أي يابسة غير الإنبات فيها {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}، أي تحركت بالنبات، وَرَبَت انْتَفَخَتْ؛ لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات. واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي هذه الآية ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} يعنى أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادرُ على أحياء هذه الأجساد بعد موتها. ثم قال: {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهذا هو الدليل الأصلي وتقدم تقريره مِرَاراً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد غضب أحدهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال الرجل أمجنون تراني؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب غضبه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إتقوا الغضب فإنها جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم ترَ انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه، فمن أحس من ذلك شيئاً فليلزق بالأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان يقال إن الشيطان يقول: كيف يغلبني ابن آدم إذا رضي حيث أكون في قلبه، وإذا غضب طرت حيث أكون على رأسه؟. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} قال: "حديث : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ جعل يسند حتى يستند السارية، ثم يقول ألعنك بلعنة الله التامة فقال بعض أصحابه: يا نبي الله ما شيء رأيناك تصنعه؟ قال: أتاني الشيطان بشهاب من نار ليحرقني به، فلعنته بلعنة الله التامة، فانكب لفيه وطفئت ناره ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} [الآية: 36]. قال بعضهم: من طرد الشيطان عن نفسه بنفسه فهو قرينه أبدًا ومن طرد بالالتجاء إلى الله والاستعاذة به منه لم يجعل الله للشيطان عليه سبيلاً لأن الله يقول: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ}. وسئل أبو حفص بماذا يتخلص المؤمن من الشيطان؟ قال: بتصحيح العبودية لأن الله عز وجل يقول: أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌتفسير : [الإسراء: 65].
القشيري
تفسير : إذا اتصلَتْ بقلبك نزغاتُ الشيطان فبادِرْ بذكر ربِّك، وارجعْ إليه قبل أية خطوة.. فإنك إن لم تخالف أولَ هاجسٍ من هواجس الشيطان صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل العزم على ما يدعو إليه الشيطان.. فإذا لم تتداركْ ذلك تجري الزلَّة، وإذا لم تتداركْ ذلك بحُسْنِ الرُّجعي صار فسقاً... وبتمادي الوقت تصبح في خَطَرِ كل آفة. ولا يتخلص البعدُ من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة وصدق الاستغاثة وبذلك ينجو من الشيطان، وقد قال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الإسراء: 65]؛ فكلما ازداد العبدُ في تبرِّيه من حَوْلِه وقوته، وأخلص بينْ يدي الله بتضرعه واستعانته واستعاذته زاد اللَّهُ في حِفْظه، ودَفَع الشيطان عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واما ينزغنك من الشيطان نزغ} اصله ان ما على ان ان شرطية وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط والاستلزام فلذا لحقت نون التأكيد بفعل الشرط فانها لا تلحق الشرط ما لم يؤكد والنزع شبه النخس كما فى الارشاد شبه به وسوسة الشيطان لانها بعث على الشر وتحريك على ما لا ينبغى وجعل نازغا على طريقة جد جده فمن ابتدآئية اى نزغ صادر من جهته او اريد واما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر فكلمة من تجريدية جرد من الشيطان شيطانا آخر وسمى نازغا والمعنى وان يوسوس اليك الشيطان ويصرفك عما وصيت به من الدفع بالتى هى احسن ودعاك الى خلافه {فاستعذ بالله} من شره ولا تطعه {انه هو السميع} باستعاذتك {العليم} بنيتك وفى جعل ترك الدفع بالاحسن من آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير عنه وفى الآية اشارة الى ان النبى او الولى لا ينبغى ان يكون آمنا من مكر الله وان الشيطان صورة مكر الحق تعالى بل يكون على حذر من نزغاته فليستعذ بالله من همزاته فلا يذرها ان تصل الى القلب بل يرجع اليه فى اول الخطرة فانه ان لم يخالف اول الخطرة صار فكرة ثم بعد ذلك يحصل العزم على ما يدعو اليه الشيطان ثم ان لم يتدارك ذلك تحصل الزلة فان لم يتدارك بحسن الرجعة صار قسوة ويتمادى به الوقت فهو يخطر كل آفة ولا يتخلص العبد من نزغات الشيطان الا بصدق الاستعانة بالله والاخلاص فى العبودية قال الله تعالى {أية : ان عبادى ليس لك عليهم سلطان} تفسير : فكلما زاد العبد فى تبريه من حوله وقوته واخلص بين يدى الله تعالى بتضرعه واستعانته زاد الله فى حفظه ودفع الله الشيطان عنه بل يسلط عليه ليسلم على يديه كذا فى التأويلات النجمية قال البقلى هذا تعليم لامته اذ كان الشيطان اسلم على يده قال فى حياة الحيوان اجمعت الامة على عصمة النبى عليه السلام من الشيطان وانما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته له واغوائه فاعلمنا انه معنا لنحترز منه حسب الامكان شعر : آدمىرا دشمن بنهان بسيست آدمىء باحذر عاقل كسيست تفسير : وفى الحديث "حديث : ما منكم من احد الا ومعه قرينه من الجن وقرينه من الملائكة" قالوا واياك قال "واياى ولكن الله اعاننى عليه فاسلم فلا يأمرنى الا بخير" تفسير : قال سفيان ابن عيينة معناه فاسلم من شره فان الشيطان لا يسلم وقال غيره هو على صيغة الفعل الماضى ويدل عليه ما قاله عليه السلام "حديث : فضلت على آدم بخصلتين كان شيطانى كافرا فاعاننى الله عليه فاسلم وكن ازواجى عونا لى وكان شيطان آدم كافرا وزوجته عونا على خطيئته" تفسير : فهذا صريح فى اسلام قرين النبى عليه السلام وان هذا خاص بقرين النبى عليه السلام فيكون عليه السلام مختصا باسلام قرينه كذا فى آكام المرجان. يقول الفقير لا شك ان الشيطان لا يدخل فى دآئرة الاسلام حقيقة كما ان النفس لا تتبدل حقيقتها كما قال يوسف الصديق عليه السلام ان النفس لامارة بالسوء بل تتبدل صفتها فالنبى والولى والعدو فى هذا سوآء الا ان النبى معصوم والولى محفوظ والعدو موكول ولذا لم يقولوا ان النبى والولى ليس لهما نفس اصلا بل قالوا هو معصوم ومحفوظ فدل على اصل النفس وهذا من مزالق الاقدام فلا بد من حسن الفهم وصحة الكشف فمعنى اسلام شيطان النبى عليه السلام دخوله فى السلم كأهل الذمة فى دار الاسلام حيث لا يقدرون على اذية المسلمين بحال ولكن فرق بين اسلام قرين النبى وقرين الولى كما دل عليه لفظ العصمة والحفظ فان العصمة تعم الذات كلها والحفظ يتعلق بالجوارح مطلقا ولا يشترط استصحابه فى السر فقد تخطر للولى خواطر لا يقتضيها طريق الحفظ لكن يظهر لها حكم على الجوارح (صاحب كشف الاسرار) فرموده كه نزغ شيطان سورة غضب است يعنى تيزئ خشم كه ازحد اعتدال در كذرد وبتهود كشد وازان خصلتهاى بدخيزد جون كبروعجب وعداوت اما اصل خشم ازخود بيفكندن ممكن نباشد زيراكه آن در خلقت است وجون از حداعتدال بكاهد بددلى بود وبى حميمتى باشد وجون معتدل بود آنرا شجاعت كويند واز ان حلم وكرم وكظم غيظ خيزد وفى الخبر "حديث : خلق الغضب من النار التى خلق منها ابليس" تفسير : وفى الحديث "حديث : الغضب من نار الشيطان" تفسير : ألا ترى الى حمرة عينيه وانتفاخ اوداجه والمتغاضبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان. يعنى دوكس بريكديكر غضب ميكند باطل ميكويد ودروغ ميسازندفان التهاتر بريكديكر دعوئ باطل كردن كما فى تاج المصادر وقال صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : اذا غضبت وكنت قائما فاقعد وان كنت قاعدا فقم فاستعذ بالله من الشيطان" تفسير : عصمنا الله واياكم من كيده ورد مكره اليه فلا نتوكل ولا نعتمد الا عليه
الطوسي
تفسير : قوله {وإما ينزغنك} اصله (إن) التي للشرط وزيد عليها (ما) تأكيداً فاشبه ذلك القسم، فلذلك دخلت نون التأكيد في قوله {ينزغنك} كما تقول: والله ليخرجن. والنزغ النخس بما يدعوا إلى الفساد ومنه قوله {أية : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} تفسير : فنزغ الشيطان وسوسته ودعاؤه إلى معصية الله بايقاع العداوة بين من يجب موالاته، يقال نزغ ينزغ نزغاً فهو نازغ بين رجلين. وفلان ينزغ فلاناً كأنه ينخسه بما يدعوه إلى خلاف الصواب. والمعنى وإن ما يدعوك إلى المعاصي نزغ من الشيطان بالاغواء والوسوسة {فاستعذ بالله} ومعناه اطلب الاعتصام من شره من جهة الله واحذر منه وامتنع من جهته بقوة الله، فنحن نستعيذ بالله من شر كل شيطان وشر كل ذي شر من انس وجان. وقوله {إنه هو السميع العليم} يعني انه سميع لأقوالكم من الاستعاذة وغيرها عليم بضمائركم قادر على إجابة دعائكم وقوله {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} معناه ومن أدلته وحججه الباهرة الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه الليل بذهاب الشمس عن بسيط الأرض والنهار بطلوعها على وجهها بالمقادير التي أجريا عليه ورتبا فيه بما يقتضي تدبير عالم بهما قادر على تصريفهما، لأن ذلك لا يقدر عليه غير الله. والشمس والقمر وجه الدلالة فيهما أن الأجرام الثقيلة لا تقف بغير عمد ولا تتصرف على غير قرار ولا عماد إلا أن يصرفهما قادر ليس كالقادرين من الاجسام التي تحتاج فى نقلها وتمسكها إلى غيرها، وكل جسم ثقيل يصرف من غير عماد فمصرفه هو الله تعالى. والأفعال الدالة على الله تعالى على وجهين: احدهما - ما لا يقدر عليه إلا هو كخلق الحياة والقدرة والأجسام وغير ذلك والآخر - أنه إذا وقع على وجه مخصوص لا يتأتى من القادر بقدرة وإن كان جنسه مقدوراً للعباد كتسكين الأرض من غير عمد وتصرف الشمس والقمر بكونها مرة صاعدة ومرة هابطة ومرة طالعة ومرة غاربة مع ثقل أجرامهما وبعدهما من عماد لها اعظم دلالة على ان لهما مصرفاً ومدبراً لا يشبههما ولا يشبهه شيء. قال تعالى {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} كما يفعل قوم من المجوس بل {واسجدوا لله الذي خلقهن} وانشاهن. وإنما قال {خلقهن} لانه أجري مجرى جمع التكسير، ولم يغلب المذكر على المونث، لانه في ما لا يعقل. وقال الزجاج: تقديره الذي خلق هذه الآيات {إن كنتم إياه تعبدون} أي ان كنتم تقصدون بعبادتكم الله فوجهوا العبادة اليه دون الشمس والقمر. ثم قال {فإن استكبروا} يعني هؤلاء الكفار أي تكبروا عن توجيه العبادة إلى الله وابوا إلا عبادة الاصنام {فالذين عند ربك} يعني من الملائكة {يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} أي لا يفترون من عبادته ولا يملونه. والسجود عند اصحابنا عند قوله {إن كنتم إياه تعبدون} وهو مذهب أبي عمرو بن العلا. وعند الباقين عند قوله {وهم لا يسأمون}. ثم قال تعالى {ومن آياته} أي من ادلته الدالة على توحيده وإخلاص العبادة له {إنك ترى الأرض خاشعة} يعني دارسة مهشمة - في قول قتادة والسدي - والخاشع الخاضع فكان حالها حال الخاضع المتواضع {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي تحركت بالنبات {وربت} قال السدي: معناه انفتحت وارتفعت قبل ان تنبت. وقرىء "ربأت" بمعنى عظمت، ومعنى ربأت ارتفعت - ذكره الزجاج - ثم قال {إن الذي أحياها} يعني من أحيا الأرض بما انزله من الماء حتى تنبت {لمحيي الموتى} مثل ذلك بعد ان كانوا أمواتاً ويرد فيها الأرواح، لانه قادر على ذلك. ومن قدر على ذلك قدر على هذا، لانه ليس احدهما بأعجب من الآخر {إنه على كل شيء قدير} يصح أن يكون مقدوراً له، وهو قادر لا تتناهى مقدوراته. ثم قال {إن الذين يلحدون في آياتنا} معناه الذين يميلون عن الحق في أدلتنا يقال: الحد يلحد إلحاداً. وقيل: لحد يلحد أيضاً. وقال مجاهد: معناه ما يفعلونه من المكاء والصفير. وقال ابو روق: يعني الذين يقعون فيه {لا يخفون علينا} بل نعلمهم على التفصيل، لا يخفى علينا شيء من احوالهم. ثم قال على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم والتهديد لهم {أفمن يلقى في النار} جزاء على كفره ومعاصيه {خير أم من يأتي آمناً} من عذاب الله جزاء على معرفته بالله وعمله بالطاعات. ثم قال {اعملوا ما شئتم} ومعناه التهديد وإن كان بصورة الأمر، لأنه تعالى لم يخيرنا، ويحببنا أن نفعل ما شئنا، بل نهانا عن القبائح كلها. ثم قال {إنه بما تعملون بصير} أي عالم بأفعالكم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم بحسبها.
الجنابذي
تفسير : {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ} نزغه كمنعه طعن فيه واغتابه ووسوس وبينهم افسدوا غرى {مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} مصدر بمعنى الفاعل او من قبيل جدّ جدّه يعنى ان يوسوسك من قبل الشّيطان موسوسٌ او يطعن فيك طاعنٌ او يدفعك دافعٌ حال ارادتك الاحسان الى المسيء {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} من نزغه فانّه يعيذك {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لاستعاذتك {ٱلْعَلِيمُ} باستجارتك، او فاستعذ بالله من طاعته فانّه السّميع لاقتصاصك القولىّ، العليم لاقتصاصك الفعلىّ فيؤاخذ عليه.
الأعقم
تفسير : {وإمَّا ينزغنك من الشيطان نزغ} أي وسوسة وقول فاسد {فاستعذ بالله} أي اعتصم به ليكفيك كيدهم ومكرهم {إنه هو السميع العليم} بما في ضميرك {ومن آياته} أي ومن حجته الدالة على وحدانيته {الليل والنهار} أصلهما ومقدارهما والزيادة والنقصان فيهما {والشمس والقمر} يعني حركتهما وزيادة القمر ونقصانه، وجميع ذلك من الدلالة على حدوثها، وإن لها محدثاً مدبراً سبحانه وتعالى {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون}، قيل: كان قوم من العرب يسجدون لها فنهوا عن ذلك، وقيل: هم المجوس والصابئون {فإن استكبروا} يعني تكبروا وانفوا عن قبول الحق والسجود له تعالى {فالذين عند ربك} يعني عنده بالكرامة والمنزلة {يسبحون له بالليل والنهار} يعني على الدوام ولا يدعون عبادته و{لا يسأمون} عنها {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} يابسة لا نبات فيها {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} يعني بالماء المطر اهتزت أي تحركت الأرض بالنبات، وقيل: فيه تقديم وتأخير في ربت واهتزت، وقيل: انفخت، وقيل: زادت يعني خرجت النبات ونمت واهتزت {إن الذي أحياها لمحيي الموتى} يعني من قدر على إحياء الأرض قدر على إحياء الأموات وإعادة الخلق {إنه على كل شيء قدير} {إن الذين يلحدون في آياتنا} أي يميلون عن الحق وهو آيات القرآن، قيل: بالتكذيب، وقيل: ترك محكمه والتعلق بمتشابهه، وقيل: المراد آيات التوحيد والعدل انحرفوا عنها ولا يستدلون بها، وقيل: الإِلحاد فيها الميل عنها إلى القول بالطبائع {لا يخفون علينا} نعلمهم ونعلم أحوالهم فنجازيهم {أفمن يلقى في النار} نزلت في أبي جهل {خيرٌ أمّن يأتي آمناً يوم القيامة} نزلت في عمار بن ياسر {اعملوا ما شئتم} هذا تهديدٌ، أي من عمل الخير نجا ومن عمل الشرك هلك {إنه بما تعملون بصير} عالم يجازيكم بما تستحقون {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} وهو القرآن {وإنه لكتاب عزيز} بإعزاز الله من إكرامه وحفظه، وقيل: عزيز أي ممتنع لا يقدر أحد من العباد أن يأتي بمثله {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}، قيل: الباطل الشيطان أن ينقص منه حقاً أو يزيد فيه باطلاً، وقيل: ليس فيه باطل من أول تنزيله إلى آخره، وقيل: لا باطل في أخباره مما تقدم ولا فيما تأخر، وقيل: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ولا نقص في آياته ولا كذب في أخباره ولا نسخ في أحكامه ولا تعارض ولا يرد فيه ولا تغيير، بل هو محفوظ ثابت حجة إلى يوم القيامة {تنزيل من حكيم حميد} في جميع أفعاله، والحميد المحمود {ما يقال لك إلاَّ ما قد قيل للرسل من قبلك} يعني ما يقول لك كفار مكة إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة {إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافوه أهل معصيته والغرض تخويف العصاة، وقيل: ذو مغفرة لمن أطاعه وأناب إليه وذو عقاب أليم لمن عصاه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} قال الحسن: إن نزغه وسوسته، يقول للنبي عليه السلام: إن وسوس إليك الشيطان أن تدع ما أنت فيه من الإيمان {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم منه. وهي كقوله: (أية : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ) تفسير : [الأعراف:201] أي: يطوف عليهم بوساوسه. وقال بعضهم: النزغ: الغضب. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} أي: خلق آياته؛ فرجع إلى قوله: {مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}، فلذلك صارت (خَلْقَهُنَّ) [ولم يقل] خلقهم، ولولا أنه رجع إلى الآية لكانت الذي خلقهم، لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب عليه المذكر. والليل والنهار مذكران، والشمس مؤنث، والقمر مذكر. قال: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. قال: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا} يعني المشركين عن السجود لله {فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} كقوله: (أية : وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ) تفسير : [الأنبياء: 19-20]. قال مجاهد: سألت ابن عباس عن السجدة في حم، فقال: اسجد بالآخرة من الآيتين. وكان الحسن يسجد بالآية الأولى. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: ليس في المفصّل سجود. والمفصّل من سورة محمد عليه السلام إلى {قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}. ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يسجد في ص، [وفي حم السجدة] ولا يسجد في شيء من المفصل. ذكروا عن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: عزائم القرآن أربع: الم السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك.
اطفيش
تفسير : {وَإِمَّا} ان الشرطية وما الزائدة {يَنزَغَنَّكَ} شبه وسوسة الشيطان وبعثه الى ما لا ينبغي وصرفه عن تلك الخصلة وغيرها من الخير بالنخس بنحو اليد والشوكة بجامع الايقاع في أمر لم يكن والاخراج عن أمر كان فاستعار لهم النزغ الذي هو اسم للنخس واشتق منه ينزغ بمعنى يوسوس بنحو الحقد والغضب وما كان من الجوارح فبعد النزغ في القلب وعن بعضهم ان الشيطان ينزغ في اليد فتبطش ويدل له حديث "حديث : لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح ألا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار" تفسير : ولعل النزغ في اليد مجاز ومحله القلب أو شيء سوى الذي في القلب لكن لا بدّ من الذي في القلب. {مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} مصدر أسند اليه النزغ مبالغة كقولك صام صومه بالرفع وجد جده بالرفع والمراد بالنزغ الشيطان سمي بالمصدر مبالغة فيكون في الكلام تجريد الا ان أريد بالشيطان الجنس* {فَاسْتَعِذ بِاللهِ} ومن علماء قرطبة (ردها الله وجميع الاندلس للاسلام) من يدعو بقوله: (اللهم لا تجعل صدري للشيطان مراغاً ولا تجعل قلبي له مجالاً ولا تجعلني ممن استفزه بصوته وجلب عليه بخيله ورجله وكن لي من حبائله منجياً ومن مصائده منقذاً ومن غوائله مبعداً اللهم انه وسوس في النفس ما لا يطيق اللسان ذكره ولا تستطيع النفس نشره مما نزهك عنه علو عزك وسمو مجدك فازل يا سيدي ما سطر وامح ما زور بوابل من سحائب عظمتك وطوفان من بحار نصرتك وأسلل عليه سيف ابعادك وأرشقه بسهام قضائك احرقه بنار انتقامك واجعل خلاصي منه زائداً في حزنه ومؤكداً لأسفه) قال واسمه محمد بن ميسرة ربما كان العبد خالياً مشتغلاً بالتلاوة ويجد وسوسة وقساوة تحول بينه وبين حلاوة الذكر وربما كان ذلك مع الاجتهاد في القراءة لان الذكر اما ذكر خوف ورهبة لاجتماع القلب وصدق النية وبه تنقطع علائق حبل الشيطان وتزول وسوسته ولا يقوى على ذلك واما ذكر أمن وغفلة وهذا لا تفارقه الوسوسة وان أديم لان على القلب غشاوة مانعة للحلاوة وأنفسنا وطية لا تقدر على اخراجه عنها للأبد بل تجتهد وتستعين بالله فيعينك وتثق به فلا يخذلك {أية : وَالَّذِينَ جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين} تفسير : وقد علم الله ان البشر يثور بهم الغضب ونحوه أحياناً فدلهم على ما يزيل ذلك وهو الاستعاذة أي طلب العصمة من شره* {أِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} للاستعاذة وغيرها من الاقوال* {الْعَلِيمُ} بنيتك وصلاحك وأفعالك وبنية غيرك وصلاحه وأفعاله
اطفيش
تفسير : {وإمَّا} ان الشرطية، وما الصلة، لتأكيد اتصال الجواب بالشرط على جهة الانشاء {ينْزغنَّك} يمسنك مسَّاً كالمس بالشوكة أو بالابرة أو نحوها، أو بطرف الأصبع بعنف استعير استعارة تبعية لوسوسة الشيطان الباعثة على الشر {مِنَ الشِّيطانِ} من للابتداء متعلق يتبرع {نزغْ} كالوسوسة بترك الدفع، أو استعمال الخاص، وهو ينزغ فى العام، وهو مطلق المس، او أسند النزغ الى النزغ كجحد جده، برفع جده، وذلك مبالغة، أو نزغ بمعنى اسم فاعل، فتكون من للبيان تعلق بمحذوف حال من نزغ، وان جعنا نزغ بمعنى اسم الفاعل، بمعنى شيطان مثلا، كان من باب التجريد، جرد من الشيطان لمبالغته فى النزغ شيطان آخر نازغ، ومن للابتداء، وكذا ان جعل بمعنى نازغ مرادا به الوسوسة، ويجوز ان يراد بالشيطان ما يشمل شيطان الانس الذى يوسوس بالشر، وقيل: النزغ الغضب، وهو تفسير باللازم والمس. {فاسْتَعذْ بالله} من نزغه وسائر شره {إنهُ هُو السَّميعُ} العلم سبحانه بالأصوات، فهو عالم باستعاذتك اذا استعذت، وبقول من آذاك وبنزغ الشيطان {العَليمُ} بالأحوال والأشياء كلها، ومنها شأنك وصلاحك، وأذى من آذاك، فينتقم منه عنك، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح، وأجيز أن يكون له، والمراد غيره، وتستحب الاستعاذة عند الغضب. استبَّ رجلان عند النبى صلى الله عليه وسلم، فاشتد غضب احدهما فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : انى لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" تفسير : فقل الرجل: أمجنونا ترانى، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية: {واما ينزغنك} الخ.
الالوسي
تفسير : {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} النزغ النخس وهو المس بطرف قضيب أو أصبع بعنف مؤلم استعير هنا للوسوسة الباعثة على الشر وجعل نازغاً للمبالغة على طريقة جد جده ـ فمن ـ على هذا ابتدائية، ويجوز أن يراد به نازغ على أن المصدر بمعنى اسم الفاعل وصفا للشيطان ـ فمن ـ بيانية والجار والمجرور في موضع الحال أو هي ابتدائية أيضاً لكن على سبيل التجريد، وجوز أن يكون المراد بالنازغ وسوسة الشيطان و {إن} شرطية و {مَا } مزيدة أي وإن ينزغنك ويصرفنك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } من شره ولا تطعه. {أَنَّهُ } عز وجل {هُوَ ٱلسَّمِيعُ } فيسمع سبحانه استعاذتك {ٱلْعَلِيمُ } فيعلم جل شأنه نيتك وصلاحك، وقيل: السمع لقول من أذاك العليم بفعله فينتقم منه مغنياً عن انتقامك، وقيل: العليم بنزغ الشيطان. وفي جعل ترك الدفع من آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير عنه، ولعل الخطاب من باب إياك أعني واسمعي يا جاره. وجوز أن يراد بالشيطان ما يعم شيطان الإنس فإن منهم من يصرف عن الدفع بالتي هي أحسن ويقول: / إنه عدوك الذي فعل بك كيت وكيت فانتهز الفرصة فيه وخذ ثأرك منه لتعظم في عينه وأعين الناس ولا يظن فيك العجز وقلة الهمة وعدم المبالاة إلى غير ذلك من الكلمات التي ربما لا تخطر أبداً ببال شيطان الجن نعوذ بالله تعالى السميع العليم من كل شيطان، وفسر عبد الرحمن بن زيد النزغ بالغضب واستدل بالآية على استحباب الاستعاذة عنده. وقد روى الحاكم عن سليمان بن صدر قال: «حديث : استب رجلان عند النبـي صلى الله عليه وسلم فاشتد غضب أحدهما فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال الرجل: أمجنوناً تراني؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ}»تفسير : . ولعل الغضب من آثار الوسوسة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : وما يلقاها إلا الذين صبروا } تفسير : [فصلت: 35]، فبعد أن أُرشد إلى ما هو عون على تحصيل هذا الخلق المأمور به وهو دفع السيئة بالتي هي أحسن، وبعد أن شرحت فائدة العمل بها بقوله: { أية : فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } تفسير : [فصلت: 34] صُرِف العنان هنا إلى التحذير من عوائقها التي تجتمع كثرتها في حقيقة نزغ الشيطان، فأمر بأنه إن وجد في نفسه خواطر تَصْرِفه عن ذلك وتدعوه إلى دفع السيئة بمثلها فإن ذلك نزغ من الشيطان دواؤه أن تستعيذ بالله منه فقد ضمن الله له أن يعيذه إذا استعاذه لأنه أمره بذلك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفائدة هذه الاستعاذة تجديد داعية العصمة المركوزة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم لأن الاستعاذة بالله من الشيطان استمداد للعصمة وصقل لزكاء النفس مما قد يقترب منها من الكدرات. وهذا سر من الاتصال بين النبي صلى الله عليه وسلم وربه وقد أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إنه لَيُغانَ على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة » تفسير : ، فبذلك تسلم نفسه من أن يغشَاها شيء من الكدرات ويلحق به في ذلك صالحو المؤمنين. وفي الحديث القدسي عند الترمذي « حديث : ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّه فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأُعطينَّه ولئن استعاذني لأعِيذَنَّه »تفسير : . ثم يلتحق بذلك بقية المؤمنين على تفاوتهم كما دل عليه حديث ابن مسعود عند الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إن للشيطان لَمّة بابن آدم وللمَلَك لَمَّة، فأما لَمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لَمة الملَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان »تفسير : .والنزغ: النخس، وحقيقته: مسّ شديد للجِلد بِطرَف عُود أو إصبَع، فهو مصدر، وهو هنا مستعار لاتصال القوة الشيطانية بخواطر الإنسان تأمره بالشر وتصرفه عن الخير، وتقدم في قوله تعالى: { أية : وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ باللَّه إنه سميع عليم } تفسير : في سورة الأعراف (200) وإسناد {يَنزَغَنَّكَ} إلى {نَزْغٌ} مجاز عقلي من باب: جدّ جدّه، و{مِن} ابتدائية. ويجوز أن يكون المراد بالنزغ هنا: النازغ، وهو الشيطان، وصف بالمصدر للمبالغة، و{من} بيانية، أي ينزغنّك النازغ الذي هو الشيطان. والمبالغة حاصلة على التقديرين مع اختلاف جهتها. وجيء في هذا الشرط بــــ(إنْ) التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط ترفيعاً لقدر النبي صلى الله عليه وسلم فإن نزغ الشيطان له إنما يفرض كما يفرض المُحال، ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } تفسير : [الأعراف: 201] فجاء في ذلك الشرط بحرف (إذا) التي الأصل فيها الجزم بوقوع الشرط أو بغلبة وقوعه. و (ما) زائدة بعد حرف الشرط لتوكيد الربط بين الشرط وجوابه وليست لتحقيق حصول الشرط فإنها تزاد كثيراً بعد (إن) دون أن تكون دالة على الجزم بوقوع فعل الشرط. وضمير الفصل في قوله: {إنَّه هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} لتقوية الحكم وهو هنا حكم كِنائي لأن المقصود لازمُ وصف السميع العليم وهو مؤاخذة من تصدر منهم أقوال وأعمال في أذى النبي صلى الله عليه وسلم والكيدِ له ممن أُمِر بأن يدفع سيئاتهم بالتي هي أحسن. والمعنى: فإن سوّل لك الشيطان أن لا تعامل أعداءك بالحسنة وزين لك الانتقام وقال لك: كيف تحسن إلى أعداء الدين، وفي الانتقام منهم قطعُ كيدهم للدين، فلا تأخذ بنزغه وخذ بما أمرناك واستعذ بالله من أن يزلّك الشيطان فإن الله لا يخفى عليه أمر أعدائك وهو يتولى جزاءهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانِ} (36) - وَإِذَا وَسْوَسَ لَكَ الشَّيْطَانُ لَيَحْمِلَكَ عَلَى مَجَازَاةِ المَسِيءِ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ كَيدِهِ وَشَرِّهِ، وَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ خَطَرَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ السَّمِيعُ لاسْتِعَاذَتِكَ، العَلِيمُ بِمَا أُلْقِيَ فِي رَوْعِكَ مِنْ نَزَغَاتِهِ وَوَسَاوِسِهِ. نَزَغَ - وَسْوَسَ. وَأَصْلُ النَّزْغِ هُوَ النّخْسُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لم يتركنا نهباً لهذا العدو الذي يتربص بنا، إنما أعطانا الحصانة التي نتحصَّن بها منه، فقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..} [فصلت: 36] ذكَّره بالله القوي، فإنْ كنتَ أنتَ ضعيفاً أمامه فاستعِنْ عليه بالإله القوي، وساعةَ يراك في جنب الله لا يجرؤ أبداً عليك، لأنك داخل في هؤلاء الذين استثناهم {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83]. وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، يأتيك في صلاتك ويُذكِّرك بما لم يكًُنْ لك على بال، وبأهم الأمور عندك في الدنيا، المهم عنده أنْ يفسد عليك الآخرة بأي ثمن. فإذا وجدتَ في نفسك شيئاً من نَزْغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْها في كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أيّ عبادة من العبادات. لك أنْ تقول هذه الكلمة وهي لا تُخرجك من عبادتك على أيِّ حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك صَلْبٌ قويٌّ تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ألاعيبه وتكشف حيله؟ لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ويُسْلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ويتركهم هم (يكرُّون) الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء هم الذين استزلَّهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في رَكْبه دون تفكير أو تأمُّل. هَبْ أن لصاً جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تُسمعه ويعرف أنك يقظ، لا بدَّ أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان. قلنا: من غباء إبليس وغفلته أنْ يعلن لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساقَ وراءها ولم يأخذ الحيْطة. وحين نتأمل قول إبليس: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 17] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلُو جهة التوجه إلى الله، جهة عِزِّ الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذُلَّ العبودية ساعة تسجد لله ذلاً وخضوعاً له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان. وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [فصلت: 36] الذي لا يغيب عن سَمْعه شيء، فإنْ وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه. بعد أن بيَّن لنا القرآن هذا البيان، يعود ليلفتنا ثانياً إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآياتُ على أيدي علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع الدنيا الزائل. وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلاً درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 ْ تجدها ثابتة فيمَنْ يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به. ثم في داخل الجسم ذاته تجد حرارة الأعضاء مختلفة، فالعين لا تزيد درجة حرارتها عن 9 ْ، والكبد لا يؤدي مهمته إلا عند 40 ْ، وهما في جسم واحد وغلاف واحد، ومع ذلك لا يحدث استطراق للحرارة، وهذه آية ومعجزة لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. تأمل الدم سائل الحياة الذي يجري بداخلك لا بدَّ له من درجة سيولة معينة داخل الجسم، فإنْ قلَّتْ هذه السيولة تجلط وحدث شلل للجزء الذي تحدث به الجلطة والعياذ بالله، وإنْ زادتْ سيولته أدَّى إلى نزيف، فمَنْ يحفظ له هذه الدرجة من السيولة؟ الله!! ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} [فصلت: 36] يشير إلى أن النبي والولي لا ينبغي أن يكون أمناً من مكر الله، وإن الشيطان صورة مكر الحق تعالى يكون على حذر من نزغاته مستعيذاً بالله من همزاته، فلا يذرها أن تصل إلى القلب بل يرجع إلى الله في أول الخطرة، فإنه إن لم يخالف أول الخطرة صار فكرة، ثم بعد ذلك يحص العزم على ما يدعو إليه الشيطان، ثم إن لم يتدارك ذلك تجري الذلة، فإن لم يتدارك بحسن الرجعة صار قسوة ويتمادى به الوقت فهو يخطر كل آفة، ولا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة بالله والإخلاص في العبودية، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42] فكلما زاد العبد في تبريه من حوله وقوته، وأخلص بين يدي الله تضرعه واستعانته، زاد الله في حفظه ورفع الشيطان عنه؛ بل يسلطه عليه ليسلم على يديه، {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [فصلت: 36] لدعائك {ٱلْعَلِيمُ} [فصلت: 36] بقضاء حوائجكم. ثم أخبر عن آياته وتكرماته بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ} [فصلت: 37] يشير إلى ليل البشرية ونهار الروحانية، {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [فصلت: 37] إذا تجلت شمس الروح وقمر القلب {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} [فصلت: 37]؛ أي: لا تتخذوا ما كشف لكم عند تجلي شمس الروح من المعقولات، وأنواع العلوم الدقيقة مقصداً ومعبداً كما اتخذت الفلاسفة، {وَلاَ لِلْقَمَرِ} [فصلت: 37]؛ أي: لا تتخذوا أيضاً مت شهدتم عند تجلي شواهد الحق في قمر القلب من المشاهدات، ومكاشفات العلوم الدينية مقصداً ومعبداً كما اتخذ بعض أرباب السلوك، ووقفوا عند عقبات العرفان والكرامات، فشغلوا بالمعرفة عن المعروف، وبالكرامة عن المكرم {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37]؛ أي: اتخذوا المقصود والمعبود حضرة حضرت جلال الله، الذي خلق ما سواه منازل السائرين به إليه {إِن كُنتُمْ} [فصلت: 37] من جملة المحبين الصادقين الذين {إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] طمعاً بوصاله والوصول إليه، لا من الذين يعبدونه خوفاً من النار وطمعاً إلى الجنة، {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} [فصلت: 38] أهل الأهواء والبدع، ولا يوفقون للسجود بجميع الوجود لله، {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} [فصلت: 38] من أرواح الأنبياء والأولياء {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} [فصلت: 38] ينزهونه عن احتياج أحد من العالمين على أنه {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}تفسير : [الرعد: 15]، {وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ} [فصلت: 38] على التسبيح والتنزيه، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ} [فصلت: 39] أرض البشرية {خَاشِعَةً} [فصلت: 39] يابسة عند إعواز ما الهوى، وإشراق شمس العناية لم ينبت منها نبات داعية من دواعي البشرية، {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} [فصلت: 39] ماء الخذلان والابتلاء {ٱهْتَزَّتْ} [فصلت: 39] بنبات الدواعي {وَرَبَتْ} [فصلت: 39] منها أشجار المعاصي والمناهي، {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا} [فصلت: 39]؛ أي: أحيا النفوس الميتة {لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} [فصلت: 39]؛ أي: القلوب الميتة يحييها بنور الإيمان، وصدق الطلب، وغلبات الشوق، وكذلك إذا وقع للعبد فترة في معاملة وغيبة من نشاط طلبه، فإذا تغمده الحق سبحانه بما يدخل على قلبه ما ماء التذكير نبت في قلبه نبات الوفاق، فيعود إلى مألوف مقام هو تعود عود تعداده غضاً طرياً، وشجر وفاقه بعد ما أصابته الجذوبة بماء العناية مستقياً، وكذلك إذا حصل لأهل العرفان وقفة، أو بدا لهم من جرَّاء سوء أدبٍ حجبةٌ، نظر الحق سبحانه وتعالى إليهم بالرعاية فاهتزت رياض أنسهم، واخضرت مشاهد قربهم، وانهزمت وفود وقفتهم {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] من إظهار اللفطف والقهر. وبقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} [فصلت: 40] يشير إلى إن إلحادهم عن الحق إنما كان من نتيجة خذلاننا فلا يخفى علينا سبب إلحادهم، فإن كل إنسان نكل إلى نفسه لا يصدر منه إلا إلحاد عن الحق؛ لأنها جبلت على الأمارية بالسوء، {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} [فصلت: 40] وهي: الطبيعة الإنسانية النفسانية الحيوانية التي هي منشأ دركات جهنم {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [فصلت: 40] وهو منظور بنظر عنايتنا، محفوظ من شر نفسه بفضل رعايتنا، وفي قوله تعالى: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] إشارة إلى أن أن وكالتهم إلى هوى أنفسهم، فإنه بالطبع يهوون إلى الدرك الأسفل، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] بأن يكون مصيركم إلى النار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى ما يقابل به العدو من الإنس، وهو مقابلة إساءته بالإحسان، ذكر ما يدفع به العدو الجني، وهو الاستعاذة بالله، والاحتماء من شره فقال: { وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ } أي: أي وقت من الأوقات، أحسست بشيء من نزغات الشيطان، أي: من وساوسه وتزيينه للشر، وتكسيله عن الخير، وإصابة ببعض الذنوب، وإطاعة له ببعض ما يأمر به { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } أي: اسأله، مفتقرًا إليه، أن يعيذك ويعصمك منه، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك واضطرارك إلى عصمته وحمايته. ثم ذكر تعالى أن { مِنْ آيَاتِهِ } الدالة على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وسعة سلطانه، ورحمته بعباده، وأنه الله وحده لا شريك له { اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ } هذا بمنفعة ضيائه، وتصرف العباد فيه، وهذا بمنفعه ظلمه، وسكون الخلق فيه. { وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } اللذان لا تستقيم معايش العباد، ولا أبدانهم، ولا أبدان حيواناتهم، إلا بهما، وبهما من المصالح ما لا يحصى عدده. { لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ } فإنهما مدبران مسخران مخلوقان. { وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خلقهن } أي: اعبدوه وحده، لأنه الخالق العظيم، ودعوا عبادة ما سواه، من المخلوقات، وإن كبر، جرمه وكثرت مصالحه، فإن ذلك ليس منه، وإنما هو من خالقه، تبارك وتعالى. { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له. { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا } عن عبادة الله تعالى، ولم ينقادوا لها، فإنهم لن يضروا الله شيئًا، والله غني عنهم، وله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا قال: { فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } يعني: الملائكة المقربين { يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ } أي: لا يملون من عبادته، لقوتهم، وشدة الداعي القوي منهم إلى ذلك. { وَمِنْ آيَاتِهِ } الدالة على كمال قدرته، وانفراده بالملك والتدبير والوحدانية، { أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً } أي: لا نبات فيها { فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ } أي: المطر { اهْتَزَّتْ } أي: تحركت بالنبات { وَرَبَتْ } ثم: أنبتت من كل زوج بهيج، فيحيي به العباد والبلاد. { إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا } بعد موتها وهمودها، { لَمُحْيِي الْمَوْتَى } من قبورهم إلى يوم بعثهم، ونشورهم { إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فكما لم تعجز قدرته عن إحياء الأرض بعد موتها، لا تعجز عن إحياء الموتى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):