Verse. 4257 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

وَمِنْ اٰيٰتِہٖۗ اَنَّكَ تَرَى الْاَرْضَ خَاشِعَۃً فَاِذَاۗ اَنْزَلْنَا عَلَيْہَا الْمَاۗءَ اہْتَزَّتْ وَرَبَتْ۝۰ۭ اِنَّ الَّذِيْۗ اَحْيَاہَا لَمُحْىِ الْمَوْتٰى۝۰ۭ اِنَّہٗ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۳۹
Wamin ayatihi annaka tara alarda khashiAAatan faitha anzalna AAalayha almaa ihtazzat warabat inna allathee ahyaha lamuhyee almawta innahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعةً» يابسة لا نبات فيها «فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت» تحركت «وربت» انتفخت وعلت «إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير».

39

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْ ءايَٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَٰشِعَةً } يابسة لا نبات فيها {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ } تحرّكت {وَرَبَتْ } انتفخت وعلَت {إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَاشِعَةً} غبراء يابسة، أو ميتة يابسة {اهْتَزَّتْ} بالحركة للنبات {وَرَبَتْ} بالارتفاع قبل أن تنبت، أو اهتزت بالنبات {وَرَبَتْ} بكثرة الريع.

الخازن

تفسير : {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} قوله تعالى: {إن الذين يلحدون} أي يميلون عن الحق {في آياتنا} أي في أدلتنا قيل بالمكاء والتصدية واللغو واللغط وقيل يكذبون بآياتنا ويعاندون ويشاقون {لا يخفون علينا} تهديد ووعيد قيل نزلت في أبي جهل {أفمن يلقى في النار} هو أبو جهل {خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة} المعنى الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار والذين يؤمنون بآياتنا آمنون يوم القيامة قيل هو حمزة وقيل عثمان وقيل عمار بن ياسر {اعملوا ما شئتم} أمر تهديد ووعيد {إنه بما تعملون بصير} أي إنه عالم بأعمالكم فيجازيكم عليها {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} يعني القرآن وفي جواب إن وجهان أحدهما أنه محذوف تقديره إن الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم، والثاني جوابه أولئك ينادون من مكان بعيد ثم أخذ في وصف الذكر فقال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز} قال ابن عباس: كريم على الله تعالى، وقيل: العزيز العديم النظير وذلك أن الخلق عجزوا عن معارضته وقيل أعزه الله بمعنى منعه فلا يجد الباطل إليه سبيلاً وهو قوله تعالى {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قيل الباطل هو الشيطان فلا يستطيع أن يغيره وقيل إنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيأتيه الباطل من خلفه فعلى هذا يكون معنى الباطل الزيادة والنقصان وقيل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يجيء بعده كتاب فيبطله وقيل معناه أن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يصل إليه وقيل: لا يأتيه الباطل عما أخبر فيما تقدم من الزمان ولا فيما تأخر {تنزيل من حكيم} أي في جميع أفعاله {حميد} أي إلى جميع خلقه بسبب نعمه عليهم ثم عزى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه فقال عز وجل: {ما يقال لك} أي من الأذى والتكذيب {إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} يعني أنه قد قيل للأنبياء قبلك ساحر كما يقال لك وكذبوا كما كذبت {إن ربك لذو مغفرة} أي لمن تاب وآمن بك {وذو عقاب أليم} أي لمن أصر على التكذيب.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة‏} ‏ قال‏:‏ غبراء متهشمة ‏ {‏فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت‏} ‏ قال‏:‏‏ تغرف الغيث وربوها إذا ما أصابها‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏اهتزت‏} ‏ قال‏:‏ بالنبات ‏ {‏وربت‏}‏ قال‏:‏ ارتعشت قبل أن تنبت‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} [الآية: 39]. قال عمرو بن عثمان المكى: إن لله عز وجل قلوبًا فى الأوعية من الأجسام أودع بها ودائع وأخفاها على الخلق فإذا نزل عليها مياه رحمته وبركات نظره وآثار برّه استخرج ودائعه فعرَّف القلوب محل الودائع وأظهر على النفس بركاتها وألقى على الخلق هيبة صاحبها فهو فى هيبة عند الخلق وانكسار عند نفسه وشفقة ونصيحة للخلق وخوف دائم من ذنوبه وذلك من آيات الله الظاهرة وهو حقيقة قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} إن الذى أحيا تلك النفوس بتلك الودائع قادر أن يحيى ببركة نظره قلوبًا غفلت عنه وأنفسًا ماتت عن القيام بخدمته.

القشيري

تفسير : الأرضُ تكون جَدْبةً يابسةً في الشتاء، فإذا نزل عليها المطر اهتزت بالنبات واخضرّت وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمَّتْ به من الذنوب أقبل عليها الحق سبحانه، فظهرت فيها بركاتُ الندم، وعفا عن أربابها ما قصرُّوا في صِدْق القدَم؛ وكذلك إذا وقعت للعبد فترةٌ في معاملاته، أو غيبةٌ عن بساط طاعاته، ثم تغمَّده الحقُّ - سبحانه - بما يدخل عليه من التذكر تظهر في القلب أنوارُ الوفاق، فيعود إلى مألوف مقامه، ويرجع عود سداده غضَّا طرياً،ويصير شجر وفاقه - بعد ما أصابته الجدوبة - بماء العناية مستقياً. وكذلك إذا بدت لأهل العرفان وقفة، أو حدثت لهم من جرَّاء سوء أدبٍ بَدَرَ منهم حجبةٌ ثم نظر الحقِّ - سبحانه - إليهم بالرعاية.. اهتزّت رياضُ أُنْسِهم، واخضرَّت مشاهدُ قربهم، وانهزمت وفودُ وقفتهم. {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: إن الذي أحيا الأرضَ بعد موتها قادرٌ على إحياء النفوس بالحشر والنشر. وكذلك هو قادر على إحياء القلوب بنور العناية بعد الفترة والحجبة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} كل قلب مستعد لقلوب وبل المحبة والمعرفة فيكون بلا زرع الحكمة قبل نزول مطر طلفه فاذا وصل اليه بحر قرب الحق سبحانه اهتز بنيات الحقائق والدقائق وتبهج بنور الحكمة والمقامات السنية ورياض لطائف العلوم الألهية التى تظن بها صاحبه بلسان الحق والحقيقة فاحيا بعبارتها وتعبيرها القلوب الميتة والصدور الخامدة فهو تعالى احيى قلوب العارفين بنظرة وبنظر العارفين يحيى قلوب المريدين وهم وسائل حياة القلوب من الحق للخلق كما احيى الارض الميتة بالمطر احيائهم قلوب العالمين قال الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} فهذا المثل ضربه الله للمعتبرين بلطيف صفعه ونعيم لطفه قال عمرو بن عثمان المكى ان لله تبارك وتعالى قلوبا فى اوعية من الاجسام اودع فيها ودائع واخفاها عن الخلق فاذا نزل عليها مياه رحمته وبركات نظره استخرج ودايعه فعرف القلوب محل تلك الودائع واظهر على النفس بركاتها والتقى على الخلق هيبة صاحبها فهو فى هيبة عنه الخلق وانكسار عند نفسه وشفقة ونصيحة للخلق وخوف دائم من ذنوبه وذلك من أيات الله الظاهرة وهو حقيقة قوله ومن أياته انك ترى الارض الى قوله ان الذى احيا تلك النفوس بتلك الودائع قادر ان يحيى ببركة نظره قلوبا غفلت عنه وانفسنا ماتت عن القيام بخدمته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن آياته} دلائل قدرته تعالى {انك} يا محمد او يا ايها الناظر {ترى الارض} حال كونها {خاشعة} يابسة لا نبات فيها متطامنة يعنى فرسوده وخشك شده. مستعار من الخشوع بمعنى التذلل شبه يبس الارض وخلوها عن الخير والبركة بكون الشخص خاشعا ذليلا عاريا لا يؤبه به الدناءة هيئته فهى استعارة تبعية بمعنى يابسة جدبة {فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت} الاهتزاز التحرك اى تحركت بالنبات يعنى بحنبش در آيدرستن كياه ازو {وربت} وانتفخت لأن النبت اذا دنا ان يظهر ارتفعت له الارض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات اى انشقت يقال ربا ربوا وربا زاد ونما والفرس ربوا انتفخ من عدو أو فزع وقال الراغب وربت اى زادت زيادة المتربى {ان الذى احياها} بما ذكر بعد موتها والاحياء فى الحقيقة اعطاء الحياة وهى صفة تقتضي الحس والحركة فالمراد باحياء الارض تهييج القوى الناميه فيها واحداث نضارتها بانواع النباتات {لمحيى الموتى} بالبعث {انه على كل شىء} من الاشياء التى من جملتها الاحياء {قدير} مبالغ فى القدرة وقد وعد بذلك فلا بد من ان يفى به والحكمة فى الاحياء هو المجازاة والمكافاة وفى الآية اشارة الى احياء النفوس واحياء القلوب اما الاول فلأن ارض البشرية قد تصير يابسة عند فقدان الدواعى والاسباب فاذا نزل عليها ماء الابتلاء والاستدراج تراها تهتز بنباتات المعاصى واشجار المناهى (فى المثنوى) شعر : آتشت را هيزم فرعون نيست زانكه جون فرعون اوراعون نيست نفس ازدرهاست اوكى مرده است از غم بى التى افسرده است كرمك است آن ازدها ازده ست فقر بشه كردد ز جاه و مال صقر تفسير : ولذا كان اصعب دعاء عليه ان يقال له اذاقك الله طعم نفسك فانه من ذاق طعم نفسه واستحلى ما عنده وشغل به عن المقصود فلا يرجى فلاحه ابدا واما احياء القلوب فبنور الايمان وصدق الطلب وغلبات الشوق وذلك عند نزول مطر اللطف وماء الرحمة وعن بعض الصالحين قال رأيت سمنون فى الطواف وهو يتمايل فقبضت على يده وقلت له يا شيخ بموقفك بين يديه الا اخبرتنى بالامر الذى اوصلك اليه فلما سمع بذكر الموقف بين يديه سقط مغشيا عليه فلما افاق انشد شعر : ومكتئب لج السقام بجسمه كذا قلبه بين القلوب سقيم يحق لو مات خوفا ولوعة فموقفه يوم الحساب عظيم تفسير : ثم قالى يا اخى اخذت نفسى بخصال احكمتها فاما الخصلة الاولى أمت منى ما كان حيا وهو هوى النفس واحييت منى ما كان ميتا وهو القلب واما الثانية فانى احضرت ما كان عنى غائبا وهو حظى من الدار الآخرة وغيبت ما كان حاضرا عندى وهو نصيبى من الدنيا واما الثالثة فانى ابقيت ما كان فانيا عندى وهو التقى وافنيت ما كان باقيا عندى وهو الهوى واما الرابعة فانى انست بالامر الذى منه تستوحشون وفررت من الامر الذى اليه تسكنون اشار الى الاستئناس بالله وبذكره والى الاستيحاش مما سوى الله وهو المراد بحسن الخاتمة واما التوحش من الله والانس بما سواه فهو المراد بسوء العاقبة نعوذ بالله وربما كان سوء العاقبة بالخروج من الدنيا بغير ايمان وكان فى زمان حاتم الاصم نباش فحضر مجلس حاتم يوما فتاب على يده واحياه الله بسبب نفس حاتم فقال له حاتم كم نبشت من القبور فقال سبعة آلاف قال فى كم سنة قال فى عشرين سنة فغشى على حاتم فلما افاق قال قبور المسلمين ام قبور الكافرين قال بل قبور المسلمين فقال كم قبراً وجدت صاحبه على غير القبلة قال وجدت ثلاثمائة قبر صاحبه على القبلة والباقون على غير القبلة فغشى على حاتم وذلك لأن خوف كل احد بحسب مقامه من المعرفة فاذا عرف المرء أن فى امامه موتا وابتلاء ثم حشرا وامتحانا لا يزال فى ناحية وربما يغلب عليه حاله فيغشى عليه قال بعضهم اذا عرج بروح المؤمن الى السماء قالت الملائكة سبحان الذى نجى هذا العبد من الشيطان يا ويحه كيف نجا ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها بالقلوب عزت السلامة فلا بد من الاستقامة فى الله وادامة الذكر والاستعاذة بالله من كل شيطان مضل وفتنة مهلكة

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً} أي هامدة متهشمة وتفسير الحسن: ميّتة، وهو واحد. قال: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ} بالمطر {وَرَبَتْ} {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} فيها تقديم وتأخير. (وَرَبَتْ): انتفخت للنبات (وَاهْتَزَّتْ): أي بنباتها إذا أنبتت. قال: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهذا مثل للبعث. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا} والإلحاد الشرك، أي: يعبدون الأوثان من دون الله. وقال بعضهم: الإلحاد أن يصف الله بغير صفته. وقال الكلبي: (يُلْحِدُونَ) يعني: يميلون إلى غير الحق. وهو أيضاً الشرك. وقال: {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} أي: نحن نعلم ما يعملون وما يلحدون وسنجزيهم بأعمالهم وإلحادهم. قال: {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: إن الذي يأتى آمناً خير. قال: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. وهذا وعيد. كقوله في سورة الكهف: (أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) تفسير : وهذا وعيد أيضاً. وأخبر بما للمؤمنين وما للكافرين فقال: (أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)تفسير : ... إلى آخر الآية. وقال: (أية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ)تفسير : إلى آخر الآية. [الكهف: 29-30-31].

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً} وترى في تأويل المصدر مبتدأ ومن آياته خبر فلذلك فتحت الهمزة قاله ابن هشام وغيره وخشوع الأرض يبسها وخلودها من النبات شبهما بالخضوع وسماها خشوعاً واشتق منه خاشعة. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ} اختصبت وتزخرفت بالنبات شبه ذلك بتحرك المختال في زيه وهى قبل ذلك كالذيل الكاسف البال في الاطمار الرثة والعابس الذي يكاد يبكي وسماه اهتزازاً واشتق منه اهتز وقيل اهتزازها تخلل أجزائها وتشققها للنبات* {وَرَبَتْ} أي انتفخت وزادت وعلت بالنبات فوقها يقال (ربا) بالألف بذلك المعنى وقرئ (ربأت) بالهمزة أي ارتفعت وعلت ان النبات عند قرب خروجه ترتفع له الأرض وعند بعضهم في معنى (ربت) علا سطحها الماء وانتفخت به ثم شبه لمنكري البعث احياء الموتى باحياء الأرض فقال. {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا} أخصبها شبه الاخصاب بالاحياء واستعار له لفظ الاحياء واشتق منه (أحيا) بمعنى أخصب بجامع الانتفاع والنمو كالحي ينتفع به وينمو* {لَمُحيِ الْمَوْتَى} جمع (ميت) بالتشديد* {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} من الاحياء والاماتة وغيرهما

اطفيش

تفسير : {ومِنْ آياته أنَّك} يا محمد، أو يا من يرى {تَرَى الأرْض خاشِعةً} يابسة كالخاشع المتذلل على الاستعارة التبعية {فإذا أنْزلنا عَليْها الماء} من السماء {اهْتزَّت} صارت مثل من تحرك بنشاط وعزة على الاستعارة التبعية {ورَبَت} صارت حالها كحال ما ازداد، وذلك بانتفاخ يليه الانشقاق عن نبات، والنبات كأنه جزء منها، وذلك على الاستعارة التبعية، وأولى من ذلك أن تجعل الاستعارات الثلاث استعارة واحدة مركبة، بأن يشبه خلوها من النبات، وانقلابها اليه بحال شخص كان رث الهيئة، واذا زالت عنه الرثة والكآبة بإقبال الدنيا عليه، نشط فى حركته، ومرح فى مشيته. {إنَّ الَّذى أحْياها} أخْصَبها، سمى الاخصاب احياء على الاستعارة {لمْحيي المَوْتى} باعثهم أحياء من قبورهم، ومن حيث كانوا ولو بتبديلات متعددات، مثل أن يأكل الحوت انسانا، ويأكل انسان آخر هذا الحوت، أو يأكله سبع، ويأكل هذا السبع سبع آخر {إنَّه على كُل شيءٍ قديرٌ} قدرة لا تتناهى.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى } يا من تصح منه الرؤية. {ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً } يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء } أي المطر {ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } أي تحركت بالنبات وانتفخت لأن النبت إذا دنا أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات، ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية شبه حال جدوبة الأرض وخلوها عن النبات ثم إحياء الله تعالى إياها بالمطر وانقلابها من الجدوبة إلى الخصب وإنبات كل زوج بهيج بحال شخص كئيب كاسف البال رث الهيئة لا يؤبه به ثم إذا أصابه شيء من متاع الدنيا وزينتها تكلف بأنواع الزينة والزخارف فيختال في مشيه زهواً فيهتز بالأعطاف خيلاء وكبراً فحذف المشبه واستعمل الخشوع والاهتزاز دلالة على مكانه ورجح اعتبار التمثيل. وقرىء {ربأت} أي زادت، وقال الزجاج: معنى ربت عظمت وربأت بالهمز ارتفعت ومنه الربيئة وهي طليعة على الموضع المرتفع. {إِنَّ ٱلَّذِي أَحْيَـٰهَا } بما ذكر بعد موتها {لَمُحِْي ٱلْمَوْتَىٰ } بالبعث {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء } من الأشياء التي من جملتها الإحياء {قَدِيرٌ } مبالغ في القدرة.

ابن عاشور

تفسير : {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} عطف على جملة { أية : ومِن آياته الليل والنهار } تفسير : [فصلت: 37]، وهذا استدلال بهذا الصنع العظيم على أنه تعالى منفرد بفعله فهو دليل إلهيته دون غيره لأن من يفعل ما لا يفعله غيره هو الإِله الحق وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعدد لكون من لا يفعل مثل فعله ناقص القدرة، والنقص ينافي الإِلهية كما قال: { أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق } تفسير : [النحل: 17]. والخطاب في قوله: {أَنَّكَ} لغير معيّن ليصلح لكل سامع. والخشوع: التذلل، وهو مستعار لحال الأرض إذا كانت مقحطة لا نبات عليها لأن حالها في تلك الخصاصة كحال المتذلّل، وهذا من تشبيه المحسوس بالمعقول باعتبار ما يتخيله الناس من مشابهة اختلاف حالي القحولة والخصب بحالي التذلل والازدهاء. والاهتزاز حقيقته: مطاوعة هزّهُ، إذا حرَّكه بعد سكونه فتحرّك. وهو هنا مستعار لربّو وجه الأرض بالنبات، شبّه حال إنباتها وارتفاعها بالماء والنبات بعد أن كانت منخفضة خامدة بالاهتزاز. ويؤخذ من مجموع ذلك أن هذا التركيب تمثيل، شُبه حال قحولة الأرض ثم إنزال الماء عليها وانقلابها من الجدوبة إلى الخِصب والإنباتِ البهيج بحال شخص كان كاسف البال رثّ اللباس فأصابه شيء من الغنى فلبس الزينة واختال في مشيته زُهُوًّا، ولذا يقال: هَز عطفيه، إذا اختال في مشيته. وفي قوله: {خٰشِعَة} و{اهْتَزَّتْ} مكنية بأن شبهت بشخص كان ذليلاً ثم صار مهتزًّا لعطْفيْه ورمز إلى المشبه بهما بذكر رديفيهما. فهذا من أحسن التمثيل وهو الذي يقبل تفريق أجزائه في أجزاء التشبيه. وعطف {وَرَبَتْ} على {اهْتَزَّتْ} لأن المقصود من الاهتزاز هو ظهور النبات عليها وتحركه. والمقصود بالربوّ: انتفاخُها بالماء واعتلاؤها. وقرأ أبو جعفر {وربأت} بهمزة بعد الموحدة من(ربَأ) بالهمز، إذا ارتفع. {إِنَّ ٱلَّذِىۤ أَحْيَـٰهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} إدماج لإِثبات البعث في أثناء الاستدلال على تفرده تعالى بالخلق والتدبير، ووقوعه على عادة القرآن في التفنن وانتهاز فرص الهدى إلى الحق. والجملة استئناف ابتدائي والمناسبة مشابهة الإِحياءين، وحرف التوكيد لمراعاة إنكار المخاطبين إحياء الموتى. وتعريف المسند إليه بالموصولية لما في الموصول من تعليل الخبر، وشُبه إمداد الأرض بماء المطر الذي هو سبب انبثاق البزور التي في باطنها التي تصير نباتاً بإحياء الميت، فأطلق على ذلك {أحْيَاهَا} على طريق الاستعارة التبعية، ثم ارتُقي من ذلك إلى جَعل ذلك الذي سمي إحياء لأنه شبيه الإحياء دليلاً على إمكان إحياء الموتى بطريقة قياس الشبه، وهو المسمى في المنطق قياس التمثيل، وهو يفيد تقريب المقيس بالمقيس عليه. وليس الاستدلال بالشبه والتمثيل بحجة قطعية، بل هو إقناعي ولكنه هنا يصيرُ حجة لأن المقيس عليه وإن كان أضعف من المقيس إذ المشبه لا يبلغ قوة المشبه به، فالمشبه به حيث كان لا يَقدر على فعله إلا الخالق الذي اتصف بالقدرة التامة لذاته فقد تساوى فيه قويُّه وضعيفه، وهم كانوا يحيلون إحياء الأموات استناداً للاستبعاد العادي، فلما نُظِّر إحياء الأموات بإحياء الأرض المشبه تم الدليل الإقناعي المناسب لشبهتهم الإِقناعية. وقد أشار إلى هذا تذييله بقوله: {إنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} الآية. هذه الآية الكريمة قد أوضحنا الكلام عليها، مع ما في معناها من الآيات، وبينا أن تلك الآيات فيها البرهان القاطع على البعث بعد الموت، وذكرنا معها الآيات التي يكثر الاستدلال بها في القرآن، على البعث بعد الموت، وهي أربعة براهين قرآنية. ذكرنا ذلك في سورة البقرة وفي سورة النحل وغيرهما وأحلنا عليه مراراً.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِهِ} {خَاشِعَةً} {لَمُحْىِ} (39) - وَمِنَ الدَّلاَئِلَ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى البَعْثِ والنُّشُورِ، وَإِخْرَاجِ الأَمْوَاتِ مِنَ القُبُورِ، أَحْيَاءً يَنْظُرُونَ.. أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ يَابِسَةً غَبْرَاءَ لاَ نَبَاتَ فِيهَا، فَإِذَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا المَطَرَ، تَبْدأ النَّبَاتَاتُ بِالتَّحَرُّكِ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ وَتَعْلُو التُّرْبَةُ (تَرْبُو)، وَتَخْرُجُ سُوقُ النَّبَاتَاتِ، فَتُزَيِّنُ الأَرْضَ وَتُجمِّلُهَا. وَالذِي أَحْيَا هَذِهِ الأَرْضَ اليَابِسَةَ، وَأَخْرَجَ النَّبَاتَاتِ مِنْهَا، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى، وَعَلَى أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَهُوَ القَدِيرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. رَبَتْ - ارْتَفَعَتْ وَعَلَتْ. خَاشِعَةً - يَابِسَةً مُتَطَامِنَةً. اهْتَزَّتْ - تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ فِي دَاخِلِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما يزال السياق القرآني يأخذنا إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ ..} [فصلت: 39] من هنا قلنا للتبعيض. يعني: هذه بعض آيات الله (آياته) أي: الكونية الدالة على قدرته تعالى، وهي الشيء العجيب الدالّ على بديع الصنعة {أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً ..} [فصلت: 39] أي: ساكنة مستقرة لا شيء عليها من زرع مثلاً، لأن الأرض خُلقت لتكون تربة للنبات، وكأنَّ الأرض التي لا زرعَ عليها أرضٌ حزينةَ خاشعة ساكتة ساكنة لأنها لم تنبت، وربما شابهت في ذلك المرأة التي لا تنجب. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ..} [فصلت: 39] اهتزَّتْ: تحركت (وَرَبَتْ) زادت وانتفشتْ، تروْنَ حبة الفول النابت مثلاً تكون جافة جامدة، فإذا بللتها بالماء زادتْ في الحجم وانتفشَتْ، والمراد: اهتزتْ وتحركت بما يخرج منها من نبات. {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا ..} [فصلت: 39] أي: أحيا هذه الأرض الساكنة بالنبات وحوَّلها إلى هذا البساط الأخضر النضر {لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ..} [فصلت: 39] إذن: خُذْ من هذه الآية الحسّية المشاهدة لك دليلاً علَى صِدْق ما غاب عنك وأخبرك الله به من أمر إحياء الموتى، فيا مَنْ تكذِّب بالبعث وإحياء الموتى، أما لك عبرةٌ في إحياء الأرض القَفْر الجدباء بالنبات. {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] يعني: قدرة الله فيها طلاقة، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، والذي خلق الخَلْق الأول من عدم أقدرُ على إعادته؛ لأن بعث الميت يبعث شيئاً موجوداً وهذا أهون لو قلنا تجاوزاً في حَقِّ الله تعالى هيِّن وأهون، لكي نفهم نحن، يقول تعالى: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق: 15]. الحق سبحانه وتعالى أخبرنا عن كيفية خَلْق الإنسان والذي يعرف كيفية البناء يعرف منها كيفية الهدم، وقلنا: إنها عكس البناء، فما بُنِي أولاً يُهدم آخراً، وآخر شيء في البناء أول شيء في الهدم وهنا الروح. ولا بدَّ أن نذكر هنا أن الحق سبحانه حذَّرنا من المضلين الذين يضلون الناس في مسألة الخَلْق. فقال: لا تُصدِّقوا مَنْ يخبركم بشيء في هذا الموضوع لأنه لم يشهد عملية الخَلْق: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. إذن: فكان الذين قالوا إن الإنسان أصله قرد جنودٌ لهذه الآية ودليل على صدقها، فالحق سبحانه يعلم ذلك ويتنبأ لنا به، وها هو يحدث فلا تُصدِّقوهم، إنهم كاذبون بدليل أن الإنسان عاش على هذه الأرض آلاف السنين لم يَرَ إنساناً تحوَّل إلى قرد، ولا قرداً تحوَّل إلى إنسان. ولقد توصَّل العلم الحديث إلى صدق القرآن في مسألة خَلْق الإنسان من طين الأرض، حيث وجدوا أن عناصر تكوين الإنسان هي نفس عناصر تكوين الأرض، وهي ستة عشر عنصراً، وحين يموت الإنسان تتحلَّل هذه العناصر وتذوب في الأرض، فأجزاؤه موجودة يعلمها الله ويُحصيها وهو وحده القادر على إعادتها. واقرأ: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4] فالمسألة صعبة بالنسبة لك، لكنها سهلة هيِّنة على الخالق سبحانه، فهو عز وجل يعلم كم نقص منك من عناصر ومقدار هذه العناصر ونحن بنو البشر نختلف في أشكالنا وألواننا، لكن المادة واحدة هي الستة عشر عنصراً في الكل، لكن الجزاء تختلف، ونسبة هذه العناصر تختلف من إنسان لآخر، ولذلك تختلف شخصياتنا. فقوله: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ ..} تفسير : [ق: 4] يعني: كم أخذتْ منك من الأكسوجين، وكم أخذت من الكربون، وكم أخذت من الحديد .. وهكذا فهي إذن مقادير معلومة في علم الله سبحانه وفي هذا الكتاب الحفيظ الذي يحفظ كل شيء بكل دقَّة، وحفيظ فعيل يعني: صيغة مبالغة من الحفظ. فلا تُكذِّب بالبعث، وخُذْ مما ترى دليلاً على صِدْق ما أخبرك ربُّك به من الغيبيات. قلنا: لو أن إنساناً يزِنُ مائة كيلو مثلاً ثم مرض، فنزل وزنه إلى ستين، فكم فقد من وزنه؟ فقد أربعين، أين هي؟ نزلتْ فضلات إلى الأرض، نعم، ثم ذهب إلى الطبيب فعالجه وشفاه الله وبدأ يأكل حتى عاد إلى وزنه الأول. هل أخذ نفس العناصر ذاتها التي فقدها؟ لا بل أخذ مثلها، مثل المريض مثلاً بنقص الحديد فيعطيه الطبيب دواء غنياً بالحديد حتى تعتدل عنده نسبة الحديد في الدم، إذن: أخذ نفس العناصر التي فقدها من عنصر الحديد، لكن ليستْ هي هي التي فقدها من قبل.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى صفات المؤمنين الأبرار، وأردفها بذكر الدلائل الدالة على وجوده سبحانه ووحدانتيه، وكمال علمه وحكمته، ذكر هنا ما يدل على البعث والنشور، من صفحات هذا الكون المنظور، ثم أعقبه بذكر الملحدين في آياته، المكذبين برسله وأنبيائه، وختم السورة الكريمة ببيان حال الأشقياء المجرمين، المنكرين للقرآن العظيم. اللغَة: {يُلْحِدُونَ} يميلون عن الحق والاستقامة، والإِلحادُ: الميلُ والعدول يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل {أعْجَمِيّاً} بلغة العجم {وَقْرٌ} صممٌ مانع من سماعه {أَكْمَامِهَا} جمع كُمَّ وهو وعاء الثمرة بضم الكاف وكسرها {مَّحِيصٍ} فرار ومهرب من حاص يحيصُ حيصاً إذا هرب {نَأَى} تباعد وأعرض {ٱلآفَاقِ} أقطار السماوات والأرض {مِرْيَةٍ} شك وارتياب عظيم. التفسِير: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} أي ومن البراهين والعلامات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، أنك ترى الأرض يابسة جرداء لا نبات فيها، تشبه الرجل الخاضع الذليل {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي فإِذا أنزلنا عليها المطر تحركت حركة شديدة وانتفخت وعلت بالنبات، وأخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار {إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي إن الإِله الذي أحيا الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الأموات ويبعثهم من القبور {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي لا يعجزه جل وعلا شيءٌ، فكما أخرج الزروع والثمار من الأرض المجدبة، فإِنه قادر على إحياء الموتى .. ثم توعَّد تعالى من يلحد في آياته بعد ظهور الأَدلة والبراهين على وجوده فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} أي إن الذين يطعنون في آياتنا، بالتحريف والتكذيب والإِنكار لها لا يغيب أمرهم عنا فنحن لهم بالمرصاد، وفيه وعيد وتهديد قال قتادة: الإِلحادُ الكفر والعناد وقال ابن عباس: هو تبديلُ الكلام ووضعه في غير موضعه {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي أفمن يُطرح في جهنم مع الخوف والفزع أفضل أم من يكون في الجنة آمناً من عذاب الله يوم القيامة؟ قال الرازي: والغرضُ التنبيهُ على أن الملحدين في آيات الله يُلقون في النار، وأن المؤمنين بآيات الله يكونون آمنين يوم القيامة، وشتَّان ما بينهما {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} أي افعلوا ما تشاءون في هذه الحياة، وهو تهديدٌ لا إباحة ملفَّع بظل الوعيد، بدليل قوله تعالى {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي هو تعالى مطّلع على أعمالكم، لا تخفى عليه خافية، من أحوالكم، وسيجازيكم عليها {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ} أي إن الذين كذبوا بالقرآن حين جاءهم من عند الله، وخبر "إنَّ" محذوفٌ لتهويل الأمر كأنه قيل: سيجازون بكفرهم جزاءً لا يكاد يوصف لشدة بشاعته وفظاعته {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} أي وإِنه لكتاب غالب بقوة الحجة، لا نظير له لما احتوى عليه من الإِعجاز، يدفع كل جاحد، ويقمع كلَّ معاند {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي لا يتطرق إليه الباطل من جهةٍ من الجهات، ولا مجال للطعن فيه قال ابن كثير: أي ليس للبطلان إليه سبيل، لأنه منزَّل من رب العالمين {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أي هو تنزيلٌ من إله حكيم في تشريعه وأحواله وأفعاله، محمود من خلقه بسبب كثرة نعمه .. ثم سلَّى تعالى نبيَّه على ما يصيبه من أذى الكفار فقال {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} أي ما يقول لك كفار قومك، إلاّ ما قد قال الكفار للرسل قبلهم من الكلام المؤذي، والطعن فيما أنزل الله قال القرطبي: يُعزّي نبيه ويُسلّيه من أذى وتكذيب قومه {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} أي إن ربك يا محمد لهو الغفور لذنوب المؤمنين، ذو العقاب الشديد للكافرين، ففوِّضْ أمرك إليه فإِنه ينتقم لك من أعدائك، ثم ذكر تعالى تعنُّت الكافرين و مكابرتهم للحقِّ بعد سطوعه وظهوره فقال {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} أي لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي لقال المشركون: هلاَّ بُيّنت آياته بلسانٍ نفهمه وهلاَّ نزل بلغتنا {ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}؟ استفهام إنكاري أي أقرآن أعجميٌ ونبيٌ عربي؟ قال الرازي: ذكروا أن الكفار كانوا يقولون لتعنتهم: هلاَّ نزل القرآن بلغة العجم؟! فأجيبوا بأن الأمر لو كان كما تقترحون لم تتركوا الاعتراض، ثم قال: والحقُّ عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحدٌ متعلق بعضُه ببعض، وقد حكى تعالى عنهم في أول السورة أنهم قالوا {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}تفسير : [فصلت: 5] فردَّ تعالى عليهم هنا بأنه لو أنزل هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب!! ولصحَّ لهم أن يقولوا {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}تفسير : [فصلت: 5] لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه!! أما وقد نزل بلغة العرب، وهم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنهم أن يقولوا ذلك؟ فظهر أن الآية على أحسن وجوه النظم {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ} أي قل لهم يا محمد: إن هذا القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وشفاء لهم من الجهل والشك والريب {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ} أي والذين لا يصدّقون بهذا القرآن، في آذانهم صممٌ عن سماعه، ولذلك تواصوا باللغو فيه {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} أي كما أن هذا القرآن رحمة للمؤمنين، هو شقاء وتعاسة على الكافرين كقوله تعالى {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}تفسير : [الإِسراء: 82] قال في حاشية البيضاوي: إن القرآن لوضوح آياته، وسطوع براهينه، هادٍ إلى الحق، ومزيل للريب والشك، وشفاء من داء الجهل والكفر والارتياب، ومن ارتاب فيه ولم يؤمن به، فارتيابه إِنما نشأ عن توغله في اتباع الشهوات، وتقاعده عن تفقد ما يُسعده وينجيه {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي أولئك الكافرون بالقرآن، كمن يُنادى من مكان بعيد، فإِنه لا يسمع ولا يفهم ما يُنادى به، وهذا على سبيل التمثيل قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاءً ونداءً {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي والله لقد أعطينا موسى التوراة فاختلف فيها قومه ما بين مصدِّق لها ومكذِّب، هكذا حال قومك بالنسبة للقرآن قال القرطبي: وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم، فآمن به قوم وكذَّب به قوم {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي ولولا أن الله حكم بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة لعذَّبهم وأهلكهم في الدنيا {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} أي وإِن هؤلاء الكفار لفي شكٍ من القرآن، لتبلد عقولهم وعمى بصائرهم، موقع لهم في أشد الريبة والاضطراب {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أي من عمل شيئاً من الصالحات في هذه الدنيا فإِنما يعود نفع ذلك على نفسه، ومن أساء في الدنيا فإِنما يرجع وبال ذلك وضرره عليه {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي وليس الله منسوباً إلى الظلم حتى يعذِّب بغير إساءة، فهو تعالى لا يعاقب أحداً إلا بذنبه، ولا يعاقبه إلا بجرمه قال المفسرون: ليست صيغة "ظلاَّم" هنا للمبالغة، وإِنما هي صيغة نسبة مثل عطَّار، ونجَّار، وتمَّار، ولو كانت للمبالغة لأوهم أنه تعالى ليس كثير الظلم ولكنه يظلم أحياناً، وهذا المعنى فاسد لأنه يستحيل عليه الظلم جل وعلا {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي إليه تعالى وحده علم وقت الساعة لا يعلمه غيره قال الإِمام الفخر: أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا اللهُ، ومناسبتُها لما قبلها أنه تعالى لما هدَّد الكفار بقوله {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} ومعناه أن جزاء كل أحدٍ يصل إليه في يوم القيامة، فكأن سائلاً قال: ومتى يكون ذلك اليوم؟ فبيَّن تعالى أن معرفة ذلك اليوم لا يعلمه إلا الله {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} أي وما تخرج ثمرةٌ من الثمرات من غلافها ووعائها {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي ولا تحمل أنثى جنيناً في بطنها، ولا تلده إلا ملتبساً بعلمه تعالى، لا يعزبُ عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي}؟ أي ويوم القيامة ينادي الله المشركين أين شركائي الذين زعمتم أنهم آلهة؟ وفيه تقريعٌ وتهكمٌ بهم {قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي قال المشركون: أعلمناك وأخبرناك الآن بالحقيقة ما مّنا من يشهد اليوم بأنَّ لك شريكاً قال المفسرون: لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنم منهم، وأعلنوا إيمانهم وتوحيدهم في وقت لا ينفع فيه إِيمان {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} أي وغاب عنهم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من الآلهة المزعومة {وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي وأيقنوا أنه لا مهرب ولا مخلص لهم من عذاب الله {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} أي لا يملُّ الإِنسان من سؤاله ودعائه بالخير لنفسه، كالمال والصحة العز والسلطان {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} أي وإِن أصابه فقر أو مرض فهو عظيم اليأس، قانطٌ من روح الله ورحمته {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} أي ولئن أعطيناه غنى وصحة من بعد شدة وبلاء {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي} أي ليقولنَّ هذا بسعْيي واجتهادي قال أبو حيان: سمَّى النعمة رحمة إذ هي من آثار رحمة الله {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً} أي وما أعتقد أن القيامة ستكون {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} أي وعلى فرض أن القيامة حاصلة، فليحسننَّ إليَّ ربي كما أحسن إليَّ في هذه الدنيا قال ابن كثير: يتمنى على الله عز وجل مع إساءته العمل وعدم اليقين {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي فواللهِ لنعلِمنَّ هؤلاء الكافرين بحقيقة أعمالهم، ولنبصرنَّهم بإِجرامهم {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي ولنعذبنَّهم أشد العذاب، وهو الخلود في نار جهنم {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي وإِذا أنعمنا على الإِنسان أعرض عن شكر ربه، واستكبر عن الانقياد لأوامره، وشمخ بأنفه تكبراً وترفعاً {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} أي وإِذا أصابه المكروه فهو ذو دعاء كثير، يديم التضرع ويكثر من الابتهال، وهكذا طبيعة الإِنسان الجحود والنكران، يعرف ربه في البلاء وينساه في الرخاء قال الرازي: استعير العرض لكثرة الدعاء، كما استعير الغلظ لشدة العذاب {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} أي قل لهم يا محمد: أخبروني يا معشر المشركين، إن كان هذا القرآن من عند الله، وكفرتم به من غير تأمل ولا نظر، كيف يكون حالكم؟ {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} الاستفهام إِنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أضلُّ منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم، قال أبو السعود: وضع الموصول "من أضلُّ" موضع الضمير "منكم" شرحاً لحالهم، وتعليلاً لمزيد ضلالهم {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} أي سنظهر لهؤلاء المشركين دلالاتنا وحججنا على أن القرآن حقٌ منزل من عند الله {فِي ٱلآفَاقِ} أي في أقطار السماواتِ والأرض من الشمس والقمر والنجوم، والأشجار والنبات وغير ذلك من العجائب العلوية والسفلية {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} أي وفي عجائب قدرة الله في خلقهم وتكوينهم قال القرطبي: المراد ما في أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة، حتى سبيل الغائط والبول، فإِن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحدٍ، ويتميز ذلك من مكانين، ومن بديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء، ينظر بهما من الأرض إلى السماء، مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة، وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} أي حتى يظهر لهم أن هذا القرآن حق {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}؟ أي أولم يكفهم برهاناً على صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء؟ وأنه مطَّلع على كل شيء لا تخفى عليه خافية؟ {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} ألا استفتاحٌ لتنبيه السامع إلى ما يقال أي ألا فانتبهوا أيها القوم إن هؤلاء المشركين في شكٍ من الحساب والبعث والجزاء، ولهذا لا يتفكرون ولا يؤمنون {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} أي ألا فانتبهوا فإِنه تعالى قد أحاط علمه بكل الأشياء جملة وتفصيلاً، فهو يجازيهم على كفرهم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {بَشِيراً.. وَنَذِيراً} وبين {طَوْعاً.. و كَرْهاً} وبين {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.. وَمَا خَلْفَهُمْ} وبين {ٱلْحَسَنَةُ.. و ٱلسَّيِّئَةُ} وبين {مَغْفِرَةٍ.. و عِقَابٍ} وبين {ءَاعْجَمِيٌّ.. وعَرَبِيٌّ} وبين {تَحْمِلُ.. و تَضَعُ} وبين {ٱلْخَيْرِ.. و ٱلشَّرُّ}. 2- طباق السلب {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ.. وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ} وكذلك {آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. 3- الالتفات {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ}تفسير : [فصلت: 13] بعد قوله {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ}تفسير : [فصلت: 9] وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، وناسب الإِعراض عن مخاطبتهم لكونهم أعرضوا عن الحق، وهو تناسب حسن. 4- الاستعارة التمثيلية {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}تفسير : [فصلت: 11] مثَّل تأثير قدرته تعالى في السماوات والأرض بأمر السلطان لأحد رعيته أو عبيده بأمر من الأمور وامتثال الأمر سريعاً. 5- الاستعارة التصريحية {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ}تفسير : [فصلت: 5] ليس هناك على الحقيقة شيء مما قالوه، وإِنما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن، وجوامع البيان، فكأنهم من شدة الكراهية له قد صُمَّت أسماعهم عن فهمه، وقلوبهم عن علمه. 6- الاستعارة أيضاً {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} شبّه حالهم في عدم قبول المواعظ، وإِعراضهم عن القرآن وما فيه بحال من يُنادى من مكان بعيد، فلا يسمع ولا يفهم ما يُنادى به، والجامع عدم الفهم في كلٍ. 8- الأمر التهديدي {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} خرج الأمر عن صيغته الأصلية إلى معنى الوعيد والتهديد. 9- التشبيه المرسل المجمل {أية : كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}تفسير : [فصلت: 34] ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه فهو مرسل مجمل. 10- إن اللسان عاجز عن تصوير البلاغة في جمال الأسلوب القرآني، فتأمل الروعة البيانية في قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وتصور التناسق الفني في التعبير والأداء، وتأمل لفظ الخشوع والاهتزاز والانتفاخ للأرض الميتة يبعثها الله كما يبعث الموتى من القبور، إنه جو بعث وإِخراج وإِحياء، ويا له من تصوير رائع يأخذ بالألباب.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} معناه تَحركَتْ وطَالَتْ. وقوله تعالى: {أية : مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] معناه حَسنٌ.

الجيلاني

تفسير : ومع ذلك هو سبحانه غني عن عبادتهم فكيف عن عبادة هؤلاء الحمقى، المنغمسين في بحر الجهالات التائهين في بادية الضلالات وأودية الشهوات والغفلات {وَ} أيضاً {مِنْ} جملة {آيَاتِهِ} الدالة على وحدة ذاته وكمال أسمائه وصفاته: {أَنَّكَ} يا أكمل الرسل، وإنما وجه سبحانه أمثال هذه الخطابات إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه يصلح عموم الناس؛ لكمال لياقته بمطالعة آيات الله، وخبرته منها {تَرَى ٱلأَرْضَ} أي: الطبيعة العدمية الجامدة اليابسة {خَاشِعَةً} ذليلة ساقطة عن درجات الاعتبار {فَإِذَآ أَنزَلْنَا} من مقا م وجودنا ورششنا {عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} المحيي المترشح من بحر الوجود، الذي هو الحي الأزلي والقيوم السرمدي {ٱهْتَزَّتْ} أي: تحركت وارتعدت اهتزازاً شوقياً {وَرَبَتْ} أي: زادت ونمت، مع أنها لا شعور فيها، بل لا وجود لها أصلاً. وبالجملة: {إِنَّ} القادر المقتدر الحكيم {ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا} مع أنها لم تكن في ذاتها شيئاً مذكوراً {لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} مرة أخرى بعدما كانت أحياء بالطريق الأولى، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة علمه وإرادته {قَدِيرٌ} [فصلت: 39] بلا فتور وقصور. ثم قال سبحانه تهديداً على منكر الآخرة، وقدرة الله على إعادة الموتى وحشر الأموات: {إِنَّ} المسرفين {ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} أي: يميلون وينحرفون {فِيۤ آيَاتِنَا} الدالة على عظمة ذاتنا وكمال قدرتنا على أنواع الانتقام {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} أي: لا يشتبه حالهم علينا، بل نحن منكشفون بهم وبجميع ما جرى في ضمائرهم، واختلج في خواطرهم من الميل والانحراف، فيجازيهم على مقتضى إلحادهم وانحرافهم بأشد العذاب وأسوأ الجزاء. {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} أي: قل لهم يا أكمل الرسل على سبيل التوبيخ والتقريع" إن من يُلقى في النشأة الأخرى في النار المسعرة بأنواع المذلة والهوان {خَيْرٌ} عندهم {أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً} من العذاب مسروراً {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بأنواع الفتوحات والكرامات الموهوبة له من ربه تفضلاً عليه وإحساناً، وبالجملة: قل يا أكمل الرسل للملحدين المصرين على الميل والإلحاد على سبيل التبكيت والتهديد: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} من الخوض في آيات الله، والميل عن دلائل توحيده {إِنَّهُ} سبحانه {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] يجازيكم عليه بلا فوت شيء منه، ثم عرض عنهم ودعهم {أية : فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}تفسير : [الأنعام: 91]. ثم قال سبحانه على وجه التخيص بعد التعميم: {إِنَّ} المشركين المفرطين {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وأنكروا الرسل تفضيلاً منَّا إياه وتكريماً {بِٱلذِّكْرِ} أي: القرآن الكامل الشامل لما في الكتب السالفة، المنزل على أكمل الرسل تفضلاً منَّا إياه وتكريماً {لَمَّا جَآءَهُمْ} أي: حين جاءهم به الرسول المؤيد من عندنا، المرسل إليهم ليشردهم به إلى سبيل الهداية والرشاد، وهم يعاندون في تكذيبه ويكابرون في إنكاره وقدحه عتواً استكباراً، كيف يفرطون في علو شأنه، ويكابرون في سمو برهانه {وَإِنَّهُ} أي: القرآن {لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41] منيع ساحة عزته ورتبته، وعلو قدره ومكانته عن أن يحوم حوله شائبة الجدل والعناد. إذ {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ} الزائغ الزائل في خلال أوامره وأحكامه لا {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} بأن يتصف حكمه وأحكامه حين نزوله وظهوره بعدم المطابقة لما في الواقع، وما في علم الله ولوح قضائه {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} بأن يلحقه نسخ وتبديل كالكتب السالفة؛ إذ هو {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ} كامل في الإتقان والإحكام، عليم بأساليب الحكم والأحكام {حَمِيدٍ} [فصلت: 42] في ذاته، يحمده كل الأنام على ما أفاض عليهم من موائد الإفضال والإنعام.

همام الصنعاني

تفسير : 2715- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً}: [الآية: 39]، قال: غبراء متهشمة.