Verse. 4258 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يُلْحِدُوْنَ فِيْۗ اٰيٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا۝۰ۭ اَفَمَنْ يُّلْقٰى فِي النَّارِ خَيْرٌ اَمْ مَّنْ يَّاْتِيْۗ اٰمِنًا يَّوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ اِعْمَلُوْا مَا شِئْتُمْ۝۰ۙ اِنَّہٗ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ۝۴۰
Inna allatheena yulhidoona fee ayatina la yakhfawna AAalayna afaman yulqa fee alnnari khayrun am man yatee aminan yawma alqiyamati iAAmaloo ma shitum innahu bima taAAmaloona baseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يلحدون» من ألحد ولحد «في آياتنا» القرآن بالتكذيب «لا يخفون علينا» فنجازيهم «أفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير» تهديد لهم.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب وأشرف المراتب، ثم بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى، إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات، ويحاول إلقاء الشبهات فيها، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءَايَـٰتِنَا } يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، وقوله {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } تهديد كما إذا قال الملك المهيب: إن الذين ينازعونني في ملكي أعرفهم، فإنه يكون ذلك تهديداً، ثم قال: {أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة } وهذا استفهام بمعنى التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون آمنين يوم القيامة. ثم قال: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وهذا أيضاً تهديد ثالث، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب الشديد إذا أخذ يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم اعملوا ما شئتم فإه هذا مما يدل على الوعيد الشديد. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ } وهذا أيضاً تهديد، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة في القرآن على تقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يجازون بكفرهم أو ما أشبه والثاني: أن جوابه قوله {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } والأول أصوب، ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن، فقال: {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ } والعزيز له معنيان أحدهما: الغالب القاهر والثاني: الذي لا يوجد نظيره، أما كون القرآن عزيزاً بمعنى كونه غالباً، فالأمر كذلك لأنه بقورة حجته غلب على كل ما سواه، وأما كونه عزيزاً بمعنى عديم النظير، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته، ثم قال: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } وفيه وجوه: الأول: لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه الثاني: ما حكم القرآن بكونه حقاً لا يصير باطلاً، وما حكم بكونه باطلاً لا يصير حقاً الثالث: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه. والدليل عليه قوله { أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] فعل هذا الباطل هو الزيادة والنقصان الرابع: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضاً وله ولم يوجد فيما تقدم كتاب يصلح جعله معارضاً له الخامس: قال صاحب «الكشاف» هذا تمثيل، والمقصود أن الباطل لا يتطرق إليه، ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يتصل إليه. واعلم أن لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد النسخ فيه لأن النسخ إبطال فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وإنه على خلاف هذه الآية. ثم قال تعالى: {تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } أي حكيم في جميع أحواله وأفعاله، حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه، ولهذا السبب جعل { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الفاتحة: 2] فاتحة كلامه، وأخبر أن خاتمة كلام أهل الجنة، وهو قوله { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الزمر: 75].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} أي يميلون عن الحق في أدلتنا. والإلحاد: الميل والعدول. ومنه اللحد في القبر؛ لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل. ولَحَد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر؛ فالآيات آيات القرآن. قال مجاهد: «يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا» أي عند تلاوة القرآن بالمُكَاءِ والتَّصْدِيةِ واللَّغو والغِناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه. وقال قتادة: «يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا» يكذبون في آياتنا. وقال السدي: يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى متقارب. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الآيات المعجزات، وهو يرجع إلى الأوّل فإن القرآن معجز. {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} على وجهه وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره. {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً} قيل: النبي صلى الله عليه وسلم؛ قاله مقاتل. وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم؛ فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمناً يوم القيامة المؤمن؛ قاله ابن بحر. {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} أمر تهديد؛ أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعيد بتهديد وتوعد. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ} الذكر هاهنا القرآن في قول الجميع؛ لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام. والخبر محذوف (تقديره) هالكون أو معذَّبون. وقيل: الخبر {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44] واعترض قوله: «مَا يُقَالُ لَكَ» ثم رجع إلى الذكر فقال: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} تفسير : [فصلت: 44] ثم قال: «أولَئِكَ يُنَادَونَ» والأوّل الاختيار؛ قال النحاس: عند النحويين جميعاً فيما علمت. {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} أي عزِيز على الله؛ قاله ابن عباس؛ وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على الله. وقيل: «عَزِيزٌ» أي أعزه الله فلا يتطرّق إليه باطل. وقيل: ينبغي أن يعز ويُجلّ وألا يلغى فيه. وقيل: «عَزِيزٌ» من الشيطان أن يبدّله؛ قاله السدي. مقاتل: منع من الشيطان والباطل. السدي: غير مخلوق فلا مثل له. وقال ابن عباس أيضاً: «عَزِيزٌ» أي ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله. {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده كتاب يبطله وينسخه؛ قاله الكلبي. وقال السدي وقتادة: «لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ» يعني الشيطان {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} لا يستطيع أن يغيّر ولا يزيد ولا ينقص. وقال سعيد بن جبير: لا يأتيه التكذيب «مِنْ بَيْنِ يدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ». ابن جريج: «لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ» فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون. وعن ابن عباس: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» من الله تعالى {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} يريد من جبريل صلى الله عليه وسلم، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم. {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ابن عباس: «حَكيم» في خلقه «حَمِيدٍ» إليهم. قتادة: «حَكِيمٍ» في أمره «حَمِيدٍ» إلى خلقه. قوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ} أي من الأذى والتكذيب {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} يعزي نبيه ويسليه {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ} لك ولأصحابك {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} يريد لأعدائك وجيعاً. وقيل: أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحي إلى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد، وهو كقوله: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65] أي لم تدعهم إلا إلى ما تدعو إليه جميع الأنبياء، فلا معنى لإنكارهم عليك. وقيل: هو استفهام، أي أيّ شيء يقال لك «إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ». وقيل: «إِنَّ رَبَّكَ» كلام مبتدأ وما قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمراً. وقيل: هو متصل بـ{مَّا يُقَالُ لَكَ}. {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} أي إنما أمرت بالإنذار والتبشير.

ابن كثير

تفسير : قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا} قال ابن عباس: الإلحاد: وضع الكلام على غير مواضعه. وقال قتادة وغيره: هو الكفر والعناد، وقوله عز وجل: {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} فيه تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال، ولهذا قال تعالى: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىۤ ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان. ثم قال عز وجل تهديداً للكفرة: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} وعيد، أي: من خير أو شر، إنه عالم بكم، وبصير بأعمالكم، ولهذا قال: {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ثم قال جل جلاله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ} قال الضحاك والسدي وقتادة: وهو القرآن، {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ} أي: منيع الجناب، لا يرام أن يأتي أحد بمثله، {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي: ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين، ولهذا قال: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به، وينهى عنه، الجميع محمودة عواقبه وغاياته. ثم قال عز وجل: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} قال قتادة والسدي وغيرهما: ما يقال لك من التكذيب، إلا كما قد قيل للرسل من قبلك، فكما كذبت، كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير، ولم يحك هو ولا ابن أبي حاتم غيره. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي: لمن تاب إليه، {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} أي: لمن استمر على كفره وطغيانه، وعناده وشقاقه ومخالفته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: نزلت هذه الآية: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لولا عفو الله وتجاوزه، ما هنأ أحداً العيش، ولولا وعيده وعقابه، لاتكل كل أحد».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ } من ألحد ولحد {فِى ءَايَٰتِنَا} القرآن بالتكذيب {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } فنجازيهم {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِى ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيٰمَةِ ٰعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تّعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تهديد لهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين يلحدون في آياتنا} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يكذبون بآياتنا، قاله قتادة. الثاني: يميلون عن آياتنا، قاله أبو مالك. الثالث: يكفرون بنا، قاله ابن زيد. الرابع: يعاندون رسلنا، قاله السدي. الخامس: هو المكاء والتصفيق عند تلاوة القرآن، قاله مجاهد. {لا يخفون علينا} وهذا وعيد. {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الذي يلقى في النار أبو جهل، والذي يأتي آمناً عمار بن ياسر، قاله عكرمة. الثاني: أن الذي يلقى في النار أبو جهل، والذي يأتي آمنا يوم القيامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قاله ابن زياد. الثالث: أن الذي يلقى في النار أبو جهل وأصحابه قال الكلبي، والذي يأتي آمناً رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. الرابع: أنهاعلى العموم فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمناً يوم القيامة المؤمن، قاله ابن بحر. {اعملوا ما شئتم} هذا تهديد. {إنه بما تعملون بصير} وعيد، فهدد وتوعد. قوله عز وجل: {إنّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} الذكر هنا القرآن في قول الجميع، وله جواب محذوف تقديره: هالكون أو معذبون. {وإنه لكتابٌ عزيز} فيه وجهان: أحدهما: عزيز من الشيطان أن يبدله، قاله السدي. الثاني: يمتنع على الناس أن يقولوا مثله، قاله ابن عباس. {لا يأتيه الباطل} في {الباطل} هنا أربعة أقاويل: أحدها: أنه إبليس، قاله قتادة. الثاني: أنه الشيطان، قاله ابن جريج. الثالث: التبديل، قاله مجاهد. الرابع: التعذيب، قاله سعيد. ويحتمل خامساً: أن الباطل التناقض والاختلاف. {من بين يديه ولا من خلفِه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يأتيه الباطل من كتاب قبله، ولا يأتيه من كتاب بعده، قاله قتادة. الثاني: لا يأتيه الباطل من أول التنزيل ولا من آخره. الثالث: لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم ولا في إخباره عما تأخر، قاله ابن جريج. ويحتمل رابعاً: ما بين يديه: لفظه وما خلفه: تأويله، فلا يأتيه الباطل في لفظ ولا تأويل: {تنزيل من حكيم حميد} قال قتادة: حكيم في أمره حميد إلى خلقه. قوله عز وجل: {ما يُقالُ لك إلا ما قد قِيل للرسل من قبلك} فيه وجهان: أحدهما: ما يقول المشركون لك إلا ما قاله من قبلهم لأنبيائهم إنه ساحر أو مجنون، قاله قتادة. الثاني: ما تخبر إلا بما يخبر الأنبياء قبلك بـــ{إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي.

ابن عطية

تفسير : هذه آية وعيد. والإلحاد: الميل، وهو هاهنا عن الحق، ومن الإلحاد: لحد الميت، لأنه في جانب، يقال لحد الرجل وألحد بمعنى. وقرأ الجمهور: "يُلحدون" بضم الياء من ألحد. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش: "يَلحَدون" بفتح الياء والحاء من لحد. واختلف المفسرون في الإلحاد الذي أشير إليه ما هو؟ فقال قتادة وغيره: الإلحاد بالتكذيب. وقال مجاهد وغيره: الإلحاد بالمكاء والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه. وقال ابن عباس: إلحادهم هو أن يوضع الكلام غير موضعه، ولفظة الإلحاد تعم هذا كله. وقوله: {لا يخفون علينا} أي فنحن بالمرصاد لهم وسنعذبهم، ثم قرر على هذين القسمين أنهما خير، وهذا التقرير هم المراد به، أي فقل لهم يا محمد {أفمن}. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل وعثمان بن عفان، وقيل في عمار بن ياسر، وحسن التفضيل هنا بين الإلقاء في النار والأمن يوم القيامة وإن كانا لا يشتركان في صفة الخير من حيث كان الكلام تقريراً لا مجرد خبر، لأن المقرر قد يقرر خصمه على قسمين: أحدهما بين الفساد حتى يرى جوابه، فعساه يقع في الفاسد المعنى فيبين جهله، وقد تقدم نظير هذه الآية واستيعاب القول في هذا المعنى، ولا يتجه هنا أن يقال خاطب على معتقدهم كما يتجه ذلك في قوله: {أية : خير مستقراً} تفسير : [الفرقان: 24] فتأمله. وقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} وعيد في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم، ودليل الوعيد ومبينه قوله: {إنه بما تعملون بصير}. ثم قال تعالى: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم}. يريد قريشاً. و "الذكر": القرآن بإجماع. واختلف الناس في الخبر عنهم أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله: {أية : أولئك ينادون من مكان بعيد} تفسير : [فصلت: 44] ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة سأل عن هذا في مجلسه وقال: لم أجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو بن العلاء: إنه منك لقريب {أية : أولئك ينادون} تفسير : [فصلت: 44]. ويرد هذا النظر كثرة الحائل، وإن هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله: {أية : أولئك ينادون} تفسير : [فصلت: 44] عليهم. وقالت فرقة: الخبر مضمر تقديره: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} هلكوا أو ضلوا. وقال بعض نحويي الكوفة الجواب في قوله: {وإنه لكتاب عزيز} حكى ذلك الطبري، وهو ضعيف لا يتجه، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا، فقال عمرو معناه في التفسير: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} كفروا به {وإنه لكتاب}، فقال عيسى بن عمر: أجدت يا أبا عثمان. قال القاضي أبو محمد: والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد {حكيم حميد} وهو أشد إظهاراً لمذمة الكفار به، وذلك أن قوله: {وإنه لكتاب} داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه، وهذا كما تقول: تخالف زيداً وهو العالم الودود الذي من شأنه ومن أمره، فهذه كلها أوصاف. ووصف تعالى الكتاب بالعزة، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله تعالى، قال ابن عباس: معناه كريم على الله تعالى، قال مقاتل: منيع من الشيطان. قال السدي: غير مخلوق. وقوله: {لا يأتيه الباطل} قال قتادة والسدي: يريد الشيطان، وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئاً. وقوله: {من بين يديه} معناه ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئاً منه. وقوله: {ولا من خلفه} أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل أشياء منه، والمراد باللفظ على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. وقوله: {تنزيل} خبر ابتداء، أي هو تنزيل. وقوله: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تسلية للنبي عليه السلام عن مقالات قومه، أي ما تلقى يا محمد من المكروه منهم، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة إلا ما قد قيل ولقي به من تقدمك من الرسل، فلتتأسَّ بهم ولتمض لأمر الله ولا يهمنك شأنهم. والمعنى الثاني: أن تكون الآية تخليصاً لمعاني الشرع، أي ما يقال لك من الوحي وتخاطب به من جهة الله تعالى إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ثم فسر ذلك الذي قيل لجميعهم وهو {إن ربك لذو مغفرة} للطائعين {وذو عقاب} للكافرين. وفي هذه الكلمات جماع النهي والزجر الموعظة، وإليها يرجع كل نظر.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُلْحِدُونَ} يكذبون بآياتنا، أو يميلون عن أدلتنا، أو يكفرون بنا، أو يعاندون رسلنا، أو المكاء والصفير عند تلاوة القرآن {لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} تهديد ووعيد {أَفَمَن يُلْقَى فِى النَّارِ} أبو جهل والآمن: عمار، أو عمر، أو أبو جهل وأصحابه والآمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو عامة في الكافرين والمؤمنين {اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تهديد.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَـٰتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا...} الآية، آيةُ وعيدٍ، والإلحاد: المَيْلُ، وهو هنا ميل عن الحَقِّ؛ ومنه لَحْدُ المَيِّتِ؛ لأنَّه في جانب، يقال: لَحَدَ الرَّجُلُ، وألحد بمَعْنًى. وٱخْتُلِفَ في إلحادهم هذا: ما هو؟ فقال قتادة وغيره: هو إلحاد بالتكذيب، وقال مجاهد وغيره: هو بالمُكَاءِ والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه، وقال ابن عباس: إلحادهم: وَضْعُهُمْ للكَلاَمِ غَيْرَ موضعه، ولفظة الإلحاد تَعُمُّ هذا كُلَّه، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} وعيدٌ في صيغة الأمر؛ بإجماع من أهل العلم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ...} الآية: يريد بـ{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قريشاً، و{ٱلذِّكْرِ}: القرآن؛ بإجماع. واختُلِفَ في الخبر عنهم: أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله: {أية : أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت:44]، ورُدَّ بكثرة الحائل، وأنَّ هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله: «أولئك ينادون عليهم»، وقالت فرقة: الخبر مُضمَرٌ، تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقيل: الخبر في قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ} وهذا ضعيف لا يتجه، وقال عمرو بن عُبَيْدٍ: معناه في التفسير: إنَّ الذين كفروا بالذِّكْرِ لما جاءهم كفروا به، وإنه لكتاب عزيز؛ قال * ع *: والذي يَحْسُنُ في هذا هو إضمار الخبر، ولكِنَّهُ عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدَّره هؤلاء فيه؛ وإنَّمَا هو بعد {حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، وهو أَشَدُّ إظهاراً لِمَذَمَّةِ الكُفَّارِ به؛ وذلك لأَنَّ قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ} داخل في صفة الذكر المُكَذَّبِ بهِ؛ فلم يتم ذكر المُخْبَر عنه إلاَّ بعد استيفاء وصفِهِ، ووصفَ اللَّه تعالى الكتابَ بالعِزَّةِ؛ لأنه بصحة معانيه مُمْتَنِعٌ الطَّعْنُ فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من اللَّه تعالى؛ قال ابن عباس: معناه: كريمٌ على اللَّه تعالى. وقوله تعالى: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ} قال قتادة والسُّدِّيُّ: يريد: الشيطان، وظاهر اللفظَ يَعُمُّ الشيطان، وأنْ يجيء أمْرٌ يُبْطِلُ منه شَيْئاً. وقوله: {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} معناه: ليس فيما تقدم من الكتب ما يُبْطِلُ شَيْئاً منه. وقوله: {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي: ليس يأتي بعده من نَظَرِ ناظر وفِكْرَةِ عاقل ما يبطل شيئاً منه، والمراد باللفظة عل الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. وقوله: {تَنزِيلَ} خبر مبتدإٍ، أي: هو تنزيلٌ. وقوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}: يحتمل معنيين. أحدهما: أنْ يكون تسليةً للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن مقالات، قومه وما يلقَاهُ من المكروه منهم. والثاني: أنْ يكون المعنَىٰ: ما يقال لك من الوحي، وتُخَاطَبُ به من جهة اللَّه تعالى إلاَّ ما قد قيل للرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا} الآية لما بين أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب، وأشرف المراتب، ثم بين أن الدعوة إنما تحصُلُ بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات، ويجادل بإبقاء الشُّبهات فيها فقال: إن الذين يُلحدون في آياتنا لا يخفون علينا، يقال: ألحدَ الحافِرُ وَلَحَدَ إذ مال عن الاستقامة فحفر في شقٍّ فالمُلحِدُ، هو المُنْحَرِفُ، ثم اختص في العرف بالمُنْحرِفِ عن الحق إلى الباطل قال مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمُكَاءِ والتصدية واللغو واللَّغط. وقال قتادة: يكذبون في آياتنا. وقال السدي: يعاندون ويشاقون {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} وهو كقول الملك المهيب: إنَّ الذين ينازعون في ملكي أعرفهم فإن ذلك (لا) لا يكون تهديداً. ثم قال: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وهذا استفهام بمعنى التقرير، والغرض منه التنبيه على أن المُلحِدِين في الآيات يُلْقَون في النار، وأن المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة. قال المفسرون: المراد حمزة، وقيل: عثمان، وقيل: عمار بن ياسر. ثم قال: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} وهذا أمر تهديد ووعيد أيضاً، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي عالم بأعمالكم فيجازيكم. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في خبرها ستةُ أوجه: أحدها: أنه مذكور، وهو قوله "أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ" وقد سئل بلال بنُ أبي بُرْدَة عن ذلك في مجسله فقال: لا أجد لها معاداً، فقال له أبو عمرو بن العلاء: إنه منك لقريب أولئك ينادون. وقد استبعد هذا من وجهين: أحدهما: كثرة الفواصل. والثاني: تقدم من يصح الإشارة إليه بقوله: "أُولَئِكَ" وهو قوله: "وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" واسم الإشارة يعود على أقرب مذكور. الثاني: أنه محذوف لفهم المعنى فقدر: مُعَذَّبُونَ، أو مُهْلَكُونَ، أو مُعَانِدُونَ. وقال الكسائي: سد مسده ما تقدم من الكلام قبل "إنَّ" وهو قوله {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ}. يعني في الدلالة عليه، والتقدير يُخلَّدُونَ في النار، وقال البغوي: يَجَازَوْنَ بكُفْرِهِمْ. وسأل عيسى بن عمر عَمْرَو بن عبيدٍ عن ذلك فقال معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به، فقدر الخبر من جنس الصِّلة. وفيه نظر من حيث اتّحاد الخبر والمُخبر عنه في المعنى من غير زيادة فائدة، نحو: سيِّدُ الجارِية مَالِكُها. الثالث: أن "إنَّ الَّذِينَ" الثانية بدل من "إِنَّ الَّذِين" الأولى المحكوم به على البدل محكوم به على المبدل منه فيلزم أن يكون الخبر {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} وهو منتزع من كلام الزمخشري. الرابع: أنَّ الخير قوله: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} والعائد محذوف تقديره لا يأتيه الباطل منهم، نحو: "السَّمْنُ منوان بِدرهَم" أي منوان منه أو يكون "أل" عوضاً من الضمير في رأي الكوفيين، تقديره: "إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِ لاَ يَأتِيهِ بَاطِلُهُمْ". الخامس: أن الخبر قوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ} والعائد محذوف أيضاً تقديره: إنَّ الَّذِين كَفَرُوا بالذِّكْرِ مَا يقال لك في شأنهم إلاَّ ما قد قيل للرسل من قبلك. وهذان الوجهان ذهب إليهما أبو حيَّان. والسادس: قال بعض الكوفيين: إنه قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ} وهذا غير متعقَّلٍ. قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} جملة حالية، وقوله {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ} صفة "لكتاب"، و"تَنْزِيلٌ" خبر مبتدأ محذوف، أو صفة لكتاب على أنَّ "لاَ يأْتِيهِ" معترض أو صفة كما تقدم على رأي من يجوز تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح، وتقدم تحقيقه في المائدة. و "مِنْ حَكِيم" صفة "لتنزيل" أو متعلق به و"الباطل" اسم فاعل، وقيل: مصدر كالعاصِفةِ والعاقِبةِ. فصل لما بلغ في تهديد المُلحدين في آيات القرآن أتبعه تعظيم القرآن فقال: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} قال الكلبي عن أبن عباس ـ رضي الله عنهم ـ: أي كريم على الله. وقال قتادة: أعزه الله تعالى لا يجد الباطل إليه سبيلا. قال قتادة والسدي: الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيل فيه أو ينقص منه. وقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن يُنْقَصُ منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو يُزَادُ فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا فمعنى الباطل هو الزيادة والنقصان. وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يأتي بعده كتاب فيُبطلُهُ (و) قال الزمخشري هذا تمثيل والمقصود أن الباطل لا يتطرقُ إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حين يصل إليه. فصل اعلم أنَّ لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد النسخ فيه؛ لأن النسخ إبطال، فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وهذا خلاف الآية. ثم قال: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} أي حكيم في جميع أفعاله حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه. قوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}... الآية لما هدَّد الملحدين في آيات الله ثم بين شرف آيات الله وعلو درجة كتاب الله تعالى رجع إلى أمر رسوله بأن يصبر على أذى قومه، وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة وهو قولهم: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}تفسير : [فصلت:5] إلى قوله: {أية : فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}تفسير : [فصلت:5] فقال: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} أي إنهم قالوا للأنبياء قبلك: ساحرٌ، وكذبوهم كما كُذِّبت. وقيل: المراد ما قال لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه أمرك وأمرهم بالصبر على سفاهة الأقوام. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ} قيل: هو مفسر للمقول كأنه قيل: قيل للرسل إن ربك لذو مغفرة وقيل: هو مستأنف ومعناه لذو مغفرة لمن تاب وآمن بك، وذُو عِقَابٍ أليمٍ لمن أصر على التكذيب.

السيوطي

تفسير : أخرج أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {إن الذين يلحدون في آياتنا‏} قال‏:‏ هو أن يوضع الكلام على غير موضعه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن الذين يلحدون في آياتنا‏} قال‏:‏ هو أن يوضع الكلام على غير موضعه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن الذين يلحدون في آياتنا‏} قال‏:‏ إلحاد ما ذكر معه‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال الإِلحاد التكذيب‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ إن هذا القرآن كلام الله فضعوه على مواضعه ولا تتبعوا فيه هواكم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {أفمن يلقى في النار خير‏} قال‏:‏ أبو جهل بن هشام {أم من يأتي آمناً يوم القيامة‏}‏ قال‏:‏ أبو بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن بشير بن تميم رضي الله عنه قال‏:‏ نزلت هذه الآية في أبي جهل، وعمار بن ياسر {أفمن يلقى في النار‏} أبو جهل {أم من يأتي آمناً يوم القيامة‏} عمار‏. وأخرج ابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة‏}‏ نزلت في عمار بن ياسر، وفي أبي جهل‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ قال‏:‏ هذا وعيد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏اعملوا ما شئتم‏} ‏ قال‏:‏ خَيَّركُمْ وأمركم بالعمل، واتخذ الحجة، وبعث رسوله وأنزل كتابه، وشرّع شرائعه حجة وتقدمة إلى خلقه‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ قال‏:‏ هذا لأهل بدر خاصة‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر أن السماء فرجت يوم بدر فقيل ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ فأبيحت لهم الأعمال‏.‏

القشيري

تفسير : سيلقون من العذاب ما يستوجبونه.. فَلْيَعْمَلوا ما شاءوا.. فليسوا.. يَسْعَونْ إلاَّ في ذَمِّهم، وليسوا يمشون إلا إلى هلاكهم بأَقدامهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} خوّف الله اهل الطامات الذين يديرون رؤسهم عند العليم ويزعقون ويخرّقون ثيابهم ويجلسون فى الزوايا وينزهدون وينظرون فى تصانيف المشائخ ويتقولون عليها ما يتخيلون ويتزخرفون عنه العامة وينظرون دخول الامراء عليهم ويدعون المكاشفة والاحوال والمواجيد لا يخفى على الله كذبهم وزورهم وبهتانهم ونياتهم الفاسدة وقلوبهم الغافلة وعلى اوليائه من الصديقين والعارفين الذين يرون خفايا قلوب الخلق بنور الله لورايتهم كيف يفتضحون يوم القيامة على روس الاشهاد وترى اهل الحق ينظرون الى الحق بابصار نافذة نورية وارواح شائقة وقلوب عاشقة لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة قال الله {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} ثم حذرهم بقوله {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} من الفتاوى بغير علم واستبداع الضلالة فى دين محمد صلى الله عليه وسلم قال الله ولا تتبعوا اهواءهم قد ضلوا من قبل واضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وصف النبى صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الملحدين وشبههم بالفراعنة وشبّه قلوبهم بقلوب الذياب قال عليه الصلاة والسلام يخرج فى امنى اقوام لسانهم لسان الانبياء وقلوبهم كقلوب الفراعنة وفى موضع أخر قال قلوبهم كقلوب الذياب يمرقون من الذين كما يمرق السهم من الرمية افتوا بغير علم واضلوا قال ابو عبد الله بن جلا معنى هذه الأية ان الذين يخبرون عنا على غير سبيل الحرمة فانه لا يخفى علينا جرأتهم علينا ونعذبهم فى دعائهم وقال ابن عطا فى هذه الأية ان المدعى عن غير حقيقة سترى منا ما يستحقه من تكذيبه على لسانه وتفضيحه فى احواله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يلحدون} الالحاد فى الاصل مطلق الميل والانحراف ومنه اللحد لأنه فى جانب القبر ثم خص فى العرف بالانحراف عن الحق الى الباطل اى يميلون عن الاستقامة {فى آياتنا} بالطعن فيها بأنها كذب او سحر او شعر وبتحريفها بحملها على المحامل الباطلة {لايخفون علينا} فنجازيهم بالحادهم ثم نبه على كيفية الجزآء فقال {افمن} آياكسى كه {يلقى فى النار} على وجهه وهم الكفرة بانواعهم {خير أم من يأتى آمنا} من النار {يوم القيامة} وهم المؤمنون على طبقاتهم قابل الالقاء فى النار بالاتيان آمنا مبالغة فى احماد حال المؤمنين بالتنصيص على انهم آمنون يوم القيامة من جميع المخاوف فلو قال ام من يدخل الجنة لجاز من طريق الاحتمال أن يبدلهم الله من بعد خوفهم امنا ولك ان تقول الآية من الاحتباك حذف من الاول مقابل الثانى ومن الثانى مقابل الاول والتقدير افمن يأتى خائفا ويلقى فى النار خير ام من يأتى آمنا ويدخل الجنة يعنى ان الثانى خير من الاول {اعملوا ما شئتم} من الاعمال المؤدية الى ما ذكر من الالقاء فى النار والاتيان آمنا وآثروا ما شئتم فانكم لا تضرون الا انفسكم وفيه تهديد شديد لظهور أن ليس المقصود الامر بكل عمل شاؤا قال فى الاسئلة المقحمة هو امر وعيد ومعناه أن المهلة ما هى لعجز ولا لغفلة وانما يعجل من يجاف الفوت وهو ابلغ اسباب الوعيد {انه بما تعملون بصير} فيجازيكم بحسب اعمالكم شعر : حيل ومكر رها كن كه خدا مىداند نقد مغشوش مياور كه معامل بيناست تفسير : وفى الآية تخويف لأهل الشطح والطامات الذين يريدون العزة عند العامة ويزعقون ويمزقون ثيابهم ويجلسون فى الزوايا ويتزهدون وينظرون فى تصانيف المشايح ويقولون عليها ما يجهلون ويتزخرفون وينتظرون دخول الامرآء عليهم ويدعون المكاشفة والاحوال والمواجيد لا يخفى على الله كذبهم وزورهم وبهتانهم ونياتهم الفاسدة وقلوبهم الغافلة وكذا على اوليائه من الصديقين والعارفين الذين يرون خفايا قلوب الخلق بنور الله لو رأيتهم كيف يفتضحون يوم القيامة على رؤوس الاشهاد وترى اهل الحق ينظرون الى الحق بابصار نافذة وقلوب عاشقة لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة وقد وصف النبى هؤلاء الملحدين وشبههم بالفراعنة وشبه قلوبهم بقلوب الذئاب كما قال عليه السلام "حديث : يخرج فى امتى اقوام لسانهم لسان الانبياء وقلوبهم كقلوب الفراعنة" تفسير : وقال فى موضع آخر "حديث : كقلوب الذأب" يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية افتوا بغير علم فضلوا واضلوا تفسير : قال بعضهم معنى هذه الآية ان الذين يجترئون علينا على غير سبيل الحرمة فانه لا يخفى علينا جرآءتهم علينا وتعديهم فى دعواهم وقال ابن عطاء فى هذه الآية ان المدعى عن غير حقيقة سيرى منا ما يستحقه من تكذيبه على لسانه وتفضيحه فى احواله

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الذين يُلحدون في آياتنا} أي: يميلون عن الحق في أدلتنا التكوينية، الدالة على وحدانيتنا، فلا ينظرون فيها، أو: يُلحدون في آياتنا التنزيلية، بالطعن فيها، وتحريفها، بحملها على المحامل الباطلة، {لا يَخْفَونَ علينا}، بل نجازيهم على ذلك. يقال: ألحد الكافر ولحدَ: إذا مال عن الاستقامة عن الحق. ثم ذكر جزاءهم فقال: {أفمن يُلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يومَ القيامةِ} قيل: نزلت في أبي جهل وعثمان، وهي عامة، {اعملوا ما شئتم} من الأعمال المؤدية إلى ما ذكر من الإبقاء في النار، والإتيان آمناً، وفيه تهديد وتنديد. {إِنه بما تعملون بصيرٌ} فيجازيكم بحسب أعمالكم. {إِن الذين كفروا بالذِكْرِ}؛ القرآن {لمَّا} حين {جاءهم} مخلَّدون في النار، أو: هالكون، أو: معاندون، فخبر "إن" محذوف، دلَّ عليه ما قبله. وقيل: بدل من قوله: {إِن الذين يُلحدون في آياتنا} فخبر "إن" هو الخبر السابق، وقال عمرو بن العلاء: الخبر: {أية : أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ} تفسير : [فصلت: 44]، ورُدّ بكثرة الفصل. ثم فسّر الذكر المذكور بقوله: {وإِنه لكتابٌ عزيز}، منيع، محميّ بحماية الله، لا تتأتى معارضته بحال، أو: كثير المنافع، عديم النظير، {لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه} أي: لا يتطرقه الباطل من جهة من الجهات، أو: لا يأتيه التبديل والتحريف، أو: التناقض بوجه من الوجوه، وأما النسخ فليس بمبطل للمنسوخ، بل هو: انتهاء حكم إلى مدة وابتداء حكم آخر، خلافاً لمَن احتجّ بالآية على عدم النسخ في القرآن، انظر ابن عرفة. {تنزيلٌ من حكيم حميدٍ} أي: تنزيل من حكيم محمود، فـ "تنزيل": خبر عن مضمر، أو: صفة أخرى لكتاب، مفيدة لفخامته الإضافية، كما أن الصلتين السابقتين، مفيدتان لفخامته الذاتية، كل ذلك لتأكيد بطلان الكفر به وبشاعة قُبحه. الإشارة: إن الذين يُلحدون في آياتنا، فيطعنون في أوليائنا، الدالين علينا، لا يخفون علينا، وسيُلقون في نار القطيعة والبُعد مع عموم الخوف من هول المطَّلع، أفمن يُلقى في النار خير أم مَن يأتي آمناً يوم القيامة؟ اعملوا ما شئتم من التسليم أو الانتقاد، وكل مَن لا يصحب الرجال لا يخلو خاطره من شك أو وَهْم في مواعيد القرآن، كالرزق وغيره، ينسحب عليه قوله: {إِن الذين كفروا بالذكر...} الآية، من طريق الإشارة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وإِنه لكتابٌ عزيز} قال الشيخ عبد الرحمن اللجاي في كتاب "قطب العارفين": الكتاب عزيز، وعلم الكتاب أعز، والعلم عزيز، والعمل به أعز، والعمل عزيز، والذوق أعز، والذوق عزيز، والمشاهدة في الذوق أعز، والمشاهدة عزيزة، والموافقة في المشاهدة أعز، والموافقة عزيزة، والأنفس في الموافقة أعز، والأنس عزيز، وآداب الأنس أعز. ثم قال: لكن لا يستنشق رائحة هذه المقامات مَن غلب جهلُه على علمه، وهواه على عقله، وسفهُه على حلمه. هـ. ثم سلَّى نبيه من تكذيب قومه، فقال: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما لمن يرى تلك الآيات وينصرف عنها بل يصرفها عن وجهها بالتّحريف والتّأويل واللّغو فيها والطّعن والرّدّ والاستهزاء بها؟ - فقال: انّ الّذين يميلون عن الاستقامة فى الآيات {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} فى مقام فيلقون فى النّار لكنّه أتى بتلك العبارة اشارةً الى هذا المعنى مع شيءٍ آخر {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعيدٌ شديدٌ.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ} بضم الياء وكسر الحاء من ألحد وقرأ حمزة بفتحهما من ألحد أي يميلون عن الحق ألحد الحافر وألحد مال وحفر في جنب استعير للانحراف في تأويل القرآن عن جهة الصحة وعن موضعه قاله ابن عباس ومنه اللحد في القبر* {فِي آيَاتِنَا} بالتكذيب والعناد والمشاقة وقال مجاهد بالمكاء والتصدية واللغو وربما في ارادة جميع ذلك* {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} فانا نجازيهم على الحادهم ففى الآية تهديد ووعيد وقد قيل نزلت في أبي جهل. {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ} هو أبو جهل وفي التعبير بالالقاء ما ليس في التغيير بالدخول لانه مشعر بأنه يطرح فيها طرحاً. {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيَ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} من النار وهو حمزة وقيل عمار ابن ياسر قال قومنا وقيل عثمان والدلائل تدل على خلافه وفي مقابلة الالقاء في النار باتيان (آمنا) لا يخفي من التفاوت {اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} أمر تهديد. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعيد بالمجازاة وتهديد آخر أي عليم بأعمالكم يجازيكم عليها قيل المراد بهم وبمن يلقى في النار الملحدون.

اطفيش

تفسير : {أنَّ الَّذين يُلحدونَ فى آياتنا} يميلون عن الحق فى شأن القرآن الى الباطل بالتكذيب، وجعله من أساطير الأولين، وسحرا وبالمكاء والصفير واللغو، وكذلك فى غير القرآن من كتب الله، وزادت الكتب بالتحريف منهم، وذلك أنسب بقوله سبحانه وتعالى: " أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا" تفسير : [فصلت: 26] الخ، أو الآيات الدلائل التكوينية، كالليل والنهار، والشمس والقمر، واحياء الأرض يميلون بالأعراض عن أن تكون دلائل على البعث، وهذا أنسب بقوله: "أية : ومن آياته الليل" تفسير : [فصلت: 37] الخ وقوله تبارك وتعالى: " أية : ومن آياته أنك ترى" تفسير : [فصلت: 39] الخ {لا يَخْفَوْن عَليْنا} فلا ينجون من عقابنا بالنار على إلحادهم، كما قال: {أفَمنْ يُلْقَى في النَّار} يليها بجسده كله عاريا مقهورا خائفا {خيرٌ أم مَّن يأتي آمنا} منها {يَوْم القِيامَة} يبعث السعداء آمنين منها، ويحدث عليهم الخوف بأهوال الموقف، فينسون الأمن، ودق يتكرر ذلك عليهم، يخطر فى قلوبهم، ويزول، والله أعلم. اللهم أسألك الأمن، ولم يقابل الالقاء فى النار بادخال الجنة، بل قابلة بالاتيان فى أمن، لأن الأهم لأهل المحشر الأمن من النار، ولو بموت أو من شدة عذاب المحشر، أو بدون دخول الجنة، ولا يخطر فى بالهم دخول الجنة حال الخوف، أو حذف من كل ما ثبت فى الآخر أى أفمن يأتى خائفا يوم القيامة، ويلقى فى النار خير، أم من يأتى يوم القيامة آمنا، ويدخل الجنة، ويجوز أن يراد بالاتيان فى الأمن، الذهاب الى الجنة بعد فراغ أمر الموقف، والآية على العموم وقال ابن عباس: الآية تمثيل بأبى جهل لعنه الله والصديق رضى الله عنه، وعن ابن بشير: نزلت فى أبى جهل وعمار رضى الله عنه، وقيل: فى أبى جهل وعمر، وقيل: فيه وفى حمزة، وقيل: فيه وفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. {اعْمَلوا ما شِئْتُم} من الاشراك والمعاصى أمر تهديد {إنَّه بما تَعْملون بَصيرٌ} فيجازيكم على عملكم.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءايَـٰتِنَا } ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة فيحملونها على المحامل الباطلة، وهو مراد ابن عباس بقوله: يضعون الكلام في غير موضعه، وأصله من ألحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق ويقال لحد. وقرىء {يلحدون} و{يلحدون} باللغتين، وقال قتادة هنا: الإلحاد التكذيب، وقال مجاهد: المكاء والصفير واللغو فالمعنى يميلون عما ينبغي ويليق في شأن آياتنا فيكذبون القرآن أو فيلغون ويصفرون عند قراءته، وجوز أن يراد بالآيات ما يشمل جميع الكتب المنزلة وبالإلحاد ما يشمل تغيير اللفظ وتبديله لكن ذلك بالنسبة إلى غير القرآن لأنه لم يقع فيه كما وقع في غيره من الكتب على ما هو الشائع. وعن أبـي مالك تفسير الآيات بالأدلة فالإلحاد في شأنها الطعن في دلالتها والإعراض عنها، وهذا أوفق بقوله تعالى: / {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ }تفسير : [فصلت: 37] {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً }تفسير : [فصلت: 39] الخ، وما تقدم أوفق بقوله سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } تفسير : [فصلت: 26] وبما بعد، والآية على تفسير مجاهد أوفق وأوفق. والمراد بقوله تعالى: {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } مجازاتهم على الإلحاد فالآية وعيد لهم وتهديد، وقوله تعالى: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي ءامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تنبيه على كيفية الجزاء، وكان الظاهر أن يقابل الإلقاء في النار بدخول الجنة لكنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل اعتناء بشأن المؤمنين لأن الأمن من العذاب أعم وأهم ولذا عبر في الأول بالإلقاء الدال على القسر والقهر وفيه بالإتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا مع الأمن ودخول الجنة لا ينفي أن يبدل حالهم من بعد خوفهم أمناً، وجوز أن تكون الآية من الاحتباك بتقدير من يأتي خائفاً ويلقى في النار ومن يأتي آمناً ويدخل الجنة فحذف من الأول مقابل الثاني ومن الثاني مقابل الأول وفيه بعد. والآية كما قال ابن بحر عامة في كل كافر ومؤمن. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ } أبو جهل {أَم مَّن يَأْتِي ءامِناً} أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأخرج عبد الرزاق وغيره عن بشير بن تميم من يلقى في النار أبو جهل ومن يأتي آمناً عمار. والآية نزلت فيهما، وقال مقاتل: نزلت في أبـي جهل وعثمان بن عفان، وقيل: فيه وفي عمر، وقيل: فيه وفي حمزة، وقال الكلبـي: فيه وفي الرسول صلى الله عليه وسلم. {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تهديد شديد للكفرة الملحدين الذين يلقون في النار وليس المقصود حقيقة الأمر {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم بحسب أعمالكم.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} استئناف ابتدائي قصد به تهديد الذين أهملوا الاستدلال بآيات الله على توحيده. وقوله: {لا يخفون علينا} مراد به الكناية عن الوعيد تذكيراً لهم بإحاطة علم الله بكل كائن، وهو متصل المعنى بقوله آنفاً: { أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } تفسير : [فصلت: 22] الآية. والإِلحاد حقيقته: الميل عن الاستقامة، والآيات تشمل الدلائل الكونية المتقدمة في قوله: { أية : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } تفسير : [فصلت: 9] وقوله: { أية : ومن آياته الليل والنهار } تفسير : [فصلت: 37] الخ. وتشمل الآيات القولية المتقدمة في قوله: { أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } تفسير : [فصلت: 26]. فالإِلحاد في الآيات مستعار للعدول والانصراف عن دلالة الآيات الكونية على ما دلت عليه. والإلحاد في الآيات القولية مستعار للعدول عن سَماعها وللطعن في صحتها وصرف الناس عن سماعها. وحرف {في} مِن قوله: {فِي ءايٰتِنَا} للظرفية المجازية لإِفادة تمكن إلحادهم حتى كأنه مظروف في آيات الله حيثما كانت أو كلما سمعوها. ومعنى نفي خفائهم: نفي خفاء إلحادهم لا خفاء ذواتهم إذ لا غرض في العلم بذواتهم. {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىۤ ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}. تفريع على الوعيد في قوله: {لا يَخْفُونَ عَلَيْنَا} لبيان أن الوعيد بنار جهنم تعريض بالمشركين بأنهم صائرون إلى النار، وبالمؤمنين بأنهم آمنون من ذلك. والاستفهام تقريع مستعمل في التنبيه على تفاوت المرتبتين. وكنّي بقوله: {يَأتِي ءَامِناً} أن ذلك الفريق مصيره الجنة إذ لا غاية للأمن إلا أنه في نعيم. وهذه كناية تعريضية بالذين يُلحدون في آيات الله. وفي الآية محسن الاحتباك، إذ حذف مقابل: (من يُلقَى في النار) وهو: من يدخل الجنة، وحذف مقابل: {مَن يأتي ءامناً} وهو: من يأتي خائفاً، وهم أهل النار. {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الجملة تذييل لجملة {إنَّ الذين يُلْحِدون في ءايٰتنا} الخ، كما دل عليه قوله عقبه: { أية : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } تفسير : [فصلت: 41] الآية، أي لا يخفى علينا إلحادهم ولا غيره من سيِّىء أعمالهم. وإنما خص الإِلحاد بالذكر ابتداء لأنه أشنع أعمالهم ومصدر أسوائها. والأمر في قوله: {اعْمَلُوا ما شِئْتُم} مستعمل في التهديد، أو في الإِغراء المكنّى به عن التهديد. وجملة: {إنَّه بِمَا تعمَلونُ بَصِيرٌ} وعيد بالعقاب على أعمالهم على وجه الكناية. وتوكيده بــــ(إنَّ) لتحقيق معنييه الكنائي والصريح، وهو تحقيق إحاطة علم الله بأعمالهم لأنهم كانوا شاكين في ذلك كما تقدم في قصة الثلاثة الذين نزل فيهم قوله تعالى: { أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } تفسير : [فصلت: 22] الآية. والبصير: العليم بالمبصرات.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. قد قدمنا الكلام عليه، مع ما يماثله من الآيات، في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ} تفسير : [الفرقان: 15] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يلحدون في آياتنا: أي يجادلون فيها ويميلون بها فيؤلونها على غير تأويلها لابطال حق أو إحقاق باطل. لا يخفون علينا: أي إنهم مكشوفون أمامنا وسوف نبطش بهم جزاء إلحادهم. أم من يأتي آمنا يوم القيامة: أي نعم الذي يأتي آمناً يوم القيامة خير ممن يلقى في النار. اعملوا ما شئتم: هذا تهديد لهم على إلحادهم وليس إذناً لهم في العمل كما شاءوا. إن الذين كفروا بالذكر: أي جحدوا بالقرآن أو الحدوا فيه فكفروا بذلك. وإنه لكتاب عزيز: أي القرآن لكتاب عزيز أي منيع لا يقْدَر على الزيادة فيه ولا النقص منه. لا يأتيه الباطل من بين يديه: أي لا يقدر شيطان من الجن والإِنس أن يزيد فيه شيئاً وهذا معنى من بين يديه. ولا من خلفه: أي ولا يقدر شيطان من الجن ولا من الإِنس أن ينقص منه شيئاً وهذا معنى من خلفه، كما أنه ليس قبله كتاب ينتقصه، ولا بعده كتاب ينسخه، فهو كله حق وصدق ليس فيه ما لا يطابق الواقع. معنى الآيات: يتوعد الجبار عز وجل الذين يلحدون في آيات كتابه بالتحريف والتبديل والتغيير بأنهم لا يخفون عليه، وأنه سينزل بهم نقمته إن لم يكفوا عن إلحادهم. وقوله: أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة إذا كان لا يوجد عاقل يقول الذي يلقى في النار خير ممن يأتي آمناً يوم القيامة فالإِلقاء في النار سببه الكفر والإِلْحاد والباطل فليترك هذه من أراد النجاة من النار، والأمن يوم القيامة من كل خوف من النار وغيرها سببه الإِيمان والتوحيد فليؤمن ويوحد الله تعالى في عبادته ولا يلحد في آياته من أراد الأمن يوم القيامة بعلمه أنه خير من الإِلقاء في النار. هذا أسلوب في الدعوة عجيب انفرد به القرآن الكريم. وقوله تعالى: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} هذا الكلام للمستهترين بالأحكام الشرعية المستخفين بها فهو تهديد لهم وليس إذناً وإباحة لهم أن يفعلوا ما شاءوا من الباطل والشرك والشر، ويدل على التهديد قوله بعد إنه بما تعملون بصير. ومثله قوله أن الذين كفروا بالذكر أي القرآن، وإنه لكتاب عزيز أي منيع بعيد المنال لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه بالزيادة والنقصان أو التبديل والتغيير. ولما كان المراد من هذا الكلام التهديد سكت عن الخبر إذ هو أظهر من أن يذكر والعبارة قد تقصر عن أدائه بالصورة الواقعة له. وقد يقدر لنفعلن بهم كذا وكذا... وقوله تنزيل من حكيم حميد أي القرآن المنيع كما له وشرفه ومناعته أتته أنه تنزيل من حكيم في أفعاله وسائر تصرفاته حميد بذلك وبغيره من فواضله وآلائه ونعمه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة الإِلحاد في آيات الله بالميل بها عن القصد والخروج بها إلى الباطل. 2- التهديد الشديد لكل من يحرف آيات الله أو يُؤَوِّلها على غير مراد الله منها. 3- تقرير مناعة القرآن وحفظ الله تعالى له، وأنه لا يدخله النقص ولا الزيادة إلى أن يرفعه الله إليه إذ منه بدأ وإليه يعود.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِنَا} {آمِناً} {ٱلْقِيَامَةِ} (40) - الذِينَ يُعَانِدُونَ فِي آيَاتِ اللهِ وَحُجَجِهِ، وَيَمِيلُونَ بِهَا عَنِ الحَقِّ جُحُوداً وَتَكْذِيباً، اللهُ عَالِمٌ بِهِمْ، وَهُمْ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، وَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِ وَتَكْذِيبِهِ، مَعَ مَنْ يَأْتِي رَبَّهُ مُؤْمِناً مُطْمَئِنّاً لاَ يَخْشَى مِنْ عَمَلِهِ شَيئاً. ثُمَّ يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاَءِ الكَفَرَةَ المُعَانِدِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ أَعْمَالٍ فَإِنَّكُمْ سَتُجْزَوْنَ عَلَيْهَا، وَاللهُ تَعَالَى مُحْصٍ عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ جَمِيعاً، وَهُوَ خَبِيرٌ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، فَاخْتَارُوا لأَِنْفُسِكُمْ مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ عَلِمْتُمْ مَصِيرَ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُكَذِّبِينَ. أَلْحَدَ بِالقَوْلِ - مَالَ بِهِ عَنْ مَعْنَاهُ المُتَعَارَفِ عَلَيهِ وَوَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ. الإِلْحَادُ - الكُفْرُ وَالمُغَالَطَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {يُلْحِدُونَ ..} [فصلت: 40] أي: يميلون بآيات الله عن الحق والاستقامة إلى باطل يروْنَهُ هم حقاً، أو يحرِّفون الآيات تبعاً لأهوائهم؛ لأن آيات الله لها معانٍ، فهم يُلحدون فيها. يعني: يُخفونها ويُظهرون لها معانيَ أخرى باطلة، كما نلحد نحن الميت في باطن الأرض، بعد أنْ كان يسيرُ عليها، فالمعنى يُخْفُون حقائقها ليُرضُوا كفرهم وهواهم. ومن الإلحاد في آيات الله ما وقع فيه البعض من التشبيه أو التمثيل في أسماء الله وصفاته، فحين يقفون عند صفة لله تعالى يُوجد مثلها في البشر يُشبِّهون، فالله له سمع ليس كسمعنا، وله يد ليست كأيدينا، وله بصر ليس كبصرنا، إذن: لا بدَّ أنْ نأخذ هذه الصفات في إطار عام للآيات الكلية {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. ومنه قولهم عن المعجزة سِحْر في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - مع فرعون وفَرْق بين السحر والمعجزة، المعجزة حقيقة والسحر تخييل بعيد عن الحقيقة، صحيح أن معجزة موسى عليه السلام كانت من جنس السحر لأنه المجال الذي نبغ فيه قومه لكنها لم تكُنْ سحراً. فالحبال التي رماها سحرة فرعون رآها موسى ثعابينَ تسعى، أما السَّحَرة أنفسهم فيروْنَها حبالاً، فالسحر يُخيل لك الشيء أنه غيره مع أنه ليس كذلك في الحقيقة إنه مجرد خيال، لذلك قال تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66] تخييل لا حقيقة. لكن لما ألقى موسى عصاه، ماذا حدث؟ تحولتْ إلى حية حقيقية، بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} تفسير : [طه: 67] ولا يمكن أنْ يخاف موسى من عصاه وهي عصاً لا بدّ أنها انقلبتْ إلى حية بالفعل وهو يراها كذلك، وبدليل أيضاً أن سحرة فرعون وكانوا كثرة، ولهم تمرُّس بأساليب السحر ويستطيعون التمييز بين السحر والحقيقة، رأيناهم يرفعون راية التسليم لموسى ويؤمنون معه، لماذا؟ لأنهم رأوا معجزة هم أخْبَرُ الناس بها، وأنها ليست سِحْراً من جنس سحرهم، ولا تخييل كما يفعلون هم، ولو كان فعْل موسى تخييلاً ما قال الله له: {أية : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 21]. وكما قالوا في موسى - عليه السلام - أنه ساحر قالوها في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والردّ عليها كما أوضحنا بسيط، نقول لهم: لو كان محمد ساحراً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي المسألة؟ ومن إلحادهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مجنون مع أنهم ما جرَّبوا عليه شيئاً من ذلك، وعُرِف بينهم بالصادق الأمين، واتصف فيهم بكريم الأخلاق، وصاحب الخلق لا يكون أبداً مجنوناً، وقد ردّ الله عليهم {أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [القلم: 2]. ومن إلحادهم في القرآن أنهم قالوا عنه إنه شعر، وعجيبٌ منهم ذلك لأنهم أعرفُ الناس بأساليب الشعراء وتعبيرات الشعراء، هم يعرفون أن القرآن مُعْجز، وأنه من عند الله، وأن أسلوبه لا يُضاهَى، وأنه فريدٌ من نوعه ومع ذلك يكذبون، وهذا هو الإلحاد. ومعلوم أنَّ من عظمة القرآن الكريم أنه ليس له أسلوبٌ يُحتَذى، وأن له مذاقاً خاصاً، وتقرأ الحديث النبوي تجد له مذاقاً آخر، وتقرأ الحديث القدسي تجد له مذاقاً آخر، فمَنْ يجمع كلّ هذه الأساليب بهذا التميز، وكل منها يفيض عليك بفيض غير الآخر، وقد ردّ الله عليهم هذا الإلحاد فقال: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} تفسير : [الحاقة: 41]. ومن إلحادهم أنْ يُغيروا في الأشياء المطلوبة منهم، وأنْ يُحرِّفوا الكلمات، يقول تعالى: {أية : مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [النساء: 46]. فكانوا يقولون (راعنا) يلوون بها ألسنتهم يعني: من الرعونة، لذلك نهى الله المؤمنين أن يقولوها، فقال سبحانه في سورة البقرة: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 104]. ومن ذلك إلحادهم في السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدلَ أنْ يقولوا: السلام عليكم قالوا: السام عليكم. إذن: فوُجُوه إلحادهم في آيات الله كثيرة، وقد أخبر اللهُ عنهم أنهم نَسُوا حظاً مما ذُكِّروا به، والذي لم ينسوه حرَّفوه، والذي لم يُحرِّفوه كتموه، وليْتهم وقفوا عند هذا الحد، بل وصلتْ جُرأتهم على الله أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ويقولون: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، وهذا كله ألوان مختلفة لإلحادهم. لذلك الحق سبحانه يخبر هنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ..} [فصلت: 40] نعم لا يخفوْنَ عن علم الله، فعدم الخفاء شيء لازم، لكن المراد أنْ نخبرهم بجريمتهم حتى نعاقبهم عليها، لأن الجريمة شيء والعقوبة عليها شيء آخر، فالحق يُعرِّفهم بجريمتهم حتى يكون للعقوبة موضعٌ، كما يقول أهل القانون: لا تجريمَ إلا بنصٍّ. فكأن الحق سبحانه لا يأخذهم على غِرَّة، ولا يتركهم في عَمَىً، إنما يُوضح لهم قبل أنْ يُؤاخذهم. {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..} [فصلت: 40] هذا سؤال معلوم الإجابة عنه، والحق يسألنا وهو يعلم أن الجواب سيكون كما يريد سبحانه، فكأن الحق سبحانه يقول لنا من خلال هذا السؤال: احرصوا على أوامر الله نفِّذوها، وإياكم والنواهي فاجتنبوها، فهذا هو سبيل الأمن والنجاة من النار، وهل يستوي مَنْ يُلْقى في النار ومَنْ يأتي آمناً سالماً؟ وما دام أن هذا السؤال جاء بعد الكلام عن الإلحاد في آيات الله فيكون المعنى: الذين يلحدون في آيات الله لهم النار يُلْقَوْنَ فيها يوم القيامة، والذين لا يُلحدون في آيات الله يأتون آمنين. ومن الغباء أن الإنسان يُلحد في آيات الله لينالَ بذلك سلطةً زمنية أو مكانة مؤقتة، مآلُها إلى زوال مُحقق، ثم يلاقي بعد ذلك مصيراً مؤلماً في نار خالدة لا نهايةَ لها. تعالَ إلى أعظم الناس نعيماً في الحياة، أخذ منها الغِنَى والقوة والسلطان والمهابة والعز كله، واسأله هل يُنغِّص شيء هذه النعمة؟ سيقول لك: أخاف ألاَّ تدوم، نعم يُنغصها على أصحابها عدم دوامها، فإما أنْ تتركهم النعمة وهم أحياء يُرزقون، وإما أنْ يتركوها هم بالموت. لذلك يخبرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حال هؤلاء المنعَّمين في الدنيا من أهل الكفر كيف هم في الآخرة؟ يقول الرسول: "حديث : أن الواحد منهم يُغمس غمسةً واحدة في النار - والعياذ بالله - ثم تسأله الملائكة: هل رأيتَ في الدنيا نعيماً قط، يقول: لا والله ما رأيتُ فيها نعيماً قط! ". تفسير : فمَنْ إذن يترك نعمةً باقية خالدة لنعمة مُنغصة زائلة فانية، ثم أنت تتنعَّم في الدنيا على قدر إمكاناتك وقدراتك، وفي الآخرة تتنعم على قَدْر قدرة الله وكرمه وعطائه في جنة فيها ما لا عَيْنٌ رأيت، ولا أُذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر. وما دُمنا أمام أمرين لا يستويان، ووجه الصواب فيهما واضح، وما دُمْنا قد بيَّنا لكم هذا البيان فأنتم أحرارٌ اختاروا لأنفسكم {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] والأمر هنا للتهديد وللتحذير، يعني: اعملوا ما شئتم فالله يراكم، والله مُطلع على أعمالكم، وقادر على أنْ يجازيكم عليها جزاءً وفاقاً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} معناه يَجوُرونَ ويَميلُونَ ويَعدِلُونَ. وقوله تعالى: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} هو وعيدٌ من الله عزَّ وجلَّ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها. فتوعَّد تعالى من ألحد فيها بأنه لا يخفى عليه، بل هو مطلع على ظاهره وباطنه، وسيجازيه على إلحاده بما كان يعمل، ولهذا قال: { أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ } مثل الملحد بآيات الله { خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } من عذاب الله مستحقًا لثوابه؟ من المعلوم أن هذا خير. لما تبين الحق من الباطل، والطريق المنجي من عذابه من الطريق المهلك قال: { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } إن شئتم، فاسلكوا طريق الرشد الموصلة إلى رضا ربكم وجنته، وإن شئتم، فاسلكوا طريق الغيِّ المسخطة لربكم، الموصلة إلى دار الشقاء. { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يجازيكم بحسب أحوالكم وأعمالكم، كقوله تعالى: {أية : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ }. تفسير : ثم قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ } أي: يجحدون القرآن الكريم المذكر للعباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية والأخروية، المُعلي لقدر من اتبعه، { لَمَّا جَاءَهُمْ } نعمة من ربهم على يد أفضل الخلق وأكملهم. { و } الحال { إِنَّهُ لَكِتَابٌ } جامع لأوصاف الكمال { عَزِيزٌ } أي: منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء، ولهذا قال: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ } أي: لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه كما قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }. تفسير : { تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ } في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه، وينزله منزله. { حَمِيدٌ } على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه، مشتملا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي يحمد عليها.

همام الصنعاني

تفسير : 2716- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إِيُلْحِدُونَ}: [الآية: 40]، قال: الإِلحاد، التكذيب. 2717- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة عن (بشر بن تيم) قال: نزلت هذه الآية، في أبي جهل وعمار بن ياسر: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ}: [الآية: 40]، "أبو جهل" {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}: [الآية: 40]، عمار بن ياسر. 2724- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل، عن مجاهد، في قوله: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}: [الآية: 40]، قال: هي وعيد. 3725- عبد الرزاق، قال: أنبأنا عمر بن حبيب، عن (عبد الحميد بن رافع الطهراني)، عن مجاهد، مثله قال وعيد.