Verse. 4259 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاۗءَہُمْ۝۰ۚ وَاِنَّہٗ لَكِتٰبٌ عَزِيْزٌ۝۴۱ۙ
Inna allatheena kafaroo bialththikri lamma jaahum wainnahu lakitabun AAazeezun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا بالذكر» القرآن «لما جاءهم» نجازيهم «وإنه لكتاب عزيز» منيع.

41

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ } القرآن {لَمَّا جَاءَهُمْ } نجازيهم {وَإِنَّهُ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٌ } منيع.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالذِّكْرِ} القرآن اتفاقاً جوابه هالكون، أو معذبون {عَزِيزٌ} على الشيطان أن يبدله، أو على الناس أن يقولوا مثله.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قيل لرسول الله أو سئل‏: ‏"‏حديث : ما المخرج منها‏؟‏ فقال‏:‏ كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ‏{‏تنزيل من حكيم حميد‏} ‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد لا أحسبه إلا أسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏مثل القرآن ومثل الناس كمثل الأرض والغيث، بينما الأرض ميتة هامدة ثم لا يزال ترسل الأدوية حتى تبذر وتنبت ويتم شأنها، ويخرج الله ما فيها من زينتها ومعايش الناس، وكذلك فعل الله بهذا القرآن والناس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ‏ {‏إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم‏}‏ إلى قوله ‏{‏حميد‏} ‏ فقال‏:‏ ‏"‏حديث : إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أحب إليه من شيء خرج منه يعني القرآن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه يعني القرآن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عطية بن قيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله من كلامه، وما أناب العباد إلى الله بكلام أحب إليه من كلامه بالذكر قال بالقرآن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏لا يأتيه الباطل‏} ‏ قال‏:‏ الشيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في الآية ‏{‏لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏} ‏ قال‏:‏ لا يدخل فيه الشيطان ما ليس منه ولا أحد من الكفرة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏}‏ قال‏:‏ أعزه الله لأنه كلامه، وحفظه من الباطل، والباطل إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقاً ولا يزيد فيه باطلاً‏.‏

القشيري

تفسير : الجواب محذوف ومعناه: بقوا عنَّا، ووقعوا في هوانهم وشقوا إلى الأبد. {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}: كتابٌ عزيزٌ لا مِثْلَ له حيث قد عجزوا عن الإتيان بمثله. كتابٌ عزيز غالبٌ لِشُبَهِ المبتدعين والكفار. عزيزٌ لا يقدر على معارضته أحدٌ.. من قولهم أرض عزاز. كتاب عزيزٌ لأنه كلامُ ربٍّ عزيز إلى رسولٍ عزيزٍ بسفارة مَلَكٍ عزيزٍ إلى أُمَّةٍ عزيزة. كتاب عزيزٌ على المؤمنين لأنه كتابُ حبيبِهم.. وكتابُ الحبيبِ إلى الحبيب. عزيزٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ} عزيز من حيث امتنع اسراره عن تفهم الافهام وادراك الاوهام لانه كنوز غيب الذات والصفات وهو صفات الازلية مفاتيح كل صفة لا يدركه بالحقيقة عوض الفطن ولا تحويه الخواطر والذهن لا يزيله اباطيل الاولين ولا ترهات الاخرين لانه لا يحل فى الحدثان ولا يفارق عن ذات الرحمن فاذا كان الحق موصوفا به ازلا وابدا فكيف يغيره الحوادث وكيف يخلفا الازمنة والدهور قال ابن عطا عزيز لانه لا يبلغ احد حقيقة حقه لعزه فى نفسه وعز من انزله وغرضه انزل عليه وعز من خوطب به اوليائيه واهل صفوفه وقيل البعد اوهام العباد عن حقيقته قال ابن عطا كيف ياتيه الباطل وهو الحقيقة ونزل من عند الحق وهو كلامه فكيف يلحقه باطل وبه يتحقق الحقائق وبه يصح احوال المتحققين وهو الحق على كل الاحوال والباطل ضده فكيف يجتمع المتضادان وهما متباينان من كل الوجوه قال ايضا كيف يكون الباطل عليه سبيل وهو من حق بدا وهو الحق فلا يتحقق به الا محقق.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين كفروا بالذكر} اى القرءآن فيكون من وضع الظاهر موضع ضمير الآيات {لما جاءهم} اى بادهوه بالكفر والانكار ساعة جاءهم واول ما سمعوه من غير اجالة فكر واعادة نظر وكذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل قوله ان الذين الخ بدل من قوله ان الذين يلحدون الخ بدل الكل بتكرير العامل وخبر ان هو الخبر السابق وهو لا يخفون علينا لأن الحادهم فى الآيات كفر بالقرءآن فلهذا اكتفى بخبر الاول عن الثانى الا أنه غير معهود الا فى الجار والمجرور لشدة الاتصال قال الرضى ولا يتكرر فى اللفظ فى البدل من العوامل الا حرف الجر لكونه كبعض حروف المجزور وقيل مستأنف وخبرها محذوف مثل سوف نصليهم نارا وذلك بعد قوله حميد وقال الكسائى سد مسد الخبر السابق {وانه} الخ جملة حالية مفيدة لغاية شناعة الكفر به اى والحال أن الذكر {لكتاب عزيز} اى كثير المنافع عديم النظير فهو من العز الذى هو خلاف الذل او منيع لا تتأتى معارضته وابطاله وتحريفه فهو من العزة بمعنى الغلبة فالقرءآن وان كان لا يخلو عن طعن باطل من الطاعنين وتأويل فاسد من المبطلين الا أنه يؤتى بحفظة ويقدر له فى كل عصر منعة يحرسونه بابطال شبه اهل الزيغ والاهوآه ورد تأويلاتهم الفاسدة فهو غالب بحفظ الله اياه وكثرة منعته على كل من يتعرض له بالسوء امام قشيرى قدس سره فرموده كه قرآن عزيز است زيزا كلام رب عزيزست كه ملك عزيز بررسول عزيز آورده براى امت عزيز با آنكه نامه دوست است بنزديك دوست نامه دوست نزد دوستان عزيز باشد شعر : زنام ونامه تويافتم عزو كرامت هزارجان كرامى فداى خامه ونامت تفسير : قال ابن عطاء عزيز لانه لا يبلغ حد حقيقة حقه لعزه فى نفسه وعز من انزل عليه وعز من خوطب به من اوليائه واهل صفوته

الطوسي

تفسير : قرأ {أعجمي وعربي} على الخبر حفص والحلواني عن هشام وابن مجاهد عن قنبل في غير رواية ابن الحمامي عن بكار. الباقون بهمزتين. وحففهما اهل الكوفة إلا حفصاً وروح. والباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف اهل المدينة إلا ورشاً وابو عمر. ومن قرأ بلفظ الاستفهام اراد الانكار، فادخل حرف الاستفهام على الف {أعجمي} وهي الف قطع. ومن حققها، فلأنها الأصل. ومن خففهما او فصل بينهما فلكراهة اجتماع الهمزتين. ومن قرأ على الخبر، فالمعنى هلا كان النبي عربياً والقرآن اعجمياً. والنبي اعجمياً والقرآن عربياً، فكان يكون ابهر في باب الاعجاز. يقول الله تعالى مخبراً {إن الذين كفروا بالذكر} الذي هو القرآن وجحدوه وسمي القرآن ذكراً، لأنه تذكر به وجوه الدلائل المؤدية إلى الحق، والمعاني التي يعمل عليها فيه. واصل الذكر ضد السهو وهو حضور المعنى للنفس {لما جاءهم} أي حين جاءهم، وخبر (ان) محذوف، وتقديره: إن الذين كفروا بالذكر هلكوا به وشقوا به ونحوه. وقيل تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل خبره {أولئك ينادون من مكان بعيد} وقيل قوله {وإنه لكتاب عزيز} في موضع الخبر، وتقديره الكتاب الذي جاءهم عزيز، وقوله "وإنه" الهاء كناية عن القرآن، والمعنى وإن القرآن لكتاب عزيز بأنه لا يقدر احد من العباد على ان يأتي بمثله، ولا يقاومه في حججه على كل مخالف فيه. وقيل: معناه إنه عزيز باعزاز الله - عز وجل - اياه اذ حفظه من التغيير والتبديل. وقيل: هو عزيز حيث جعله على أتم صفة الاحكام. وقيل: معناه انه منيع من الباطل بما فيه من حسن البيان ووضوح البرهان، ولأن احكامه حق يقضي بصحتها العقل. وقوله {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قيل في معناه اقوال خمسة: احدها - انه لا تعلق به الشبهة من طريق المشاكلة، ولا الحقيقة من جهة المناقضة وهو الحق المخلص والذي لا يليق به الدنس. والثاني - قال قتادة والسدي: معناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقاً ولا يزيد فيه باطلا. الثالث - ان معناه لا يأتي بشيء يوجب بطلانه مما وجد قبله ولا معه ولا مما يوجد بعده. وقال الضحاك: لا يأتيه كتاب من بين يديه يبطله ولا من خلفه أي ولا حديث من بعده يكذبه. الرابع - قال ابن عباس: معناه لا يأتيه الباطل من أول تنزيله ولا من آخره. والخامس - ان معناه لا يأتيه الباطل في اخباره عما تقدم ولا من خلفه ولا عما تأخر. ثم وصف تعالى القرآن بأنه {تنزيل من حكيم حميد} فالحكيم هو الذي افعاله كلها حكمة فيكون من صفات الفعل، ويكون بمعنى العالم بجميع الاشياء واحكامها فيكون من صفات الذات. و (الحميد) هو المحمود الذي يستحق الحمد والشكر على جميع افعاله لان افعاله كلها نعمة يجب بها الشكر. وقوله {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} قيل في معناه اقوال: احدها - من الدعاء الى الحق في عبادة الله تعالى ولزوم طاعته. والثاني - ما حكاه تعالى بعده من {إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} فيكون على جهة الوعد والوعيد. والثالث - قال قتادة والسدي: وهو تعزية للنبي صلى الله عليه وآله بأن ما يقول لك المشركون مثل ما قال من قبلهم من الكفار لأنبيائهم من التكذيب والجحد لنبوتهم. وقوله {إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} أي وقد يفعل العقاب بالعصاة من الكفار قطعاً ومن الفساق على تجويز عقابهم، فلا ينبغي ان يغتروا ويجب عليهم أن يتحرزوا بترك المعاصي وفعل الطاعات. ثم قال تعالى {ولو جعلناه} يعني الذكر الذي قدم ذكره {قرآناً أعجمياً} أي مجموعاً بلغة العجم، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح وإن كان عربي النسب، وعجمي إذا كان من ولد العجم وإن كان فصيحاً بالعربية. قال ابو علي: يجوز ان يقال: رجل أعجمي يراد به اعجم بغير ياء كما يقال: أحمري واحمر، ودواري ودوار {قالوا لولا فصلت آياته} ومعناه هلا فصلت آياته وميزت. وقالوا {أعجمي وعربي} أي، قالوا القرآن أعجمي ومحمد عربي - ذكره سعيد بن جبير - وقال السدي: قالوا اعجمي وقوم عرب. ومن قرأ على الخبر حمله على أنهم يقولون ذلك مخبرين. ومن قرأ على الاستفهام أراد انهم يقولون ذلك على وجه الانكار، وإنما قوبل الأعجمي فى الآية بالعربي، وخلاف العربي العجمي لان الأعجمي في انه لا يبين مثل العجمي عندهم من حيث اجتمعا في انهما لا يبينان، قوبل به العربي في قوله {أعجمي وعربي} وحكى ان الحسن قرأ {أعجمي} بفتح العين قابل بينه وبين قوله {وعربي} فقال الله تعالى لنبيه {قل} لهم يا محمد {هو} يعني القرآن {للذين آمنوا} بالله وصدقوا بتوحيده وأقروا بنبوة نبيه {هدى} يهتدون به {وشفاء} من سقم الجهل {والذين لا يؤمنون} بالله ولا يصدقون بتوحيده {في آذانهم وقر} يعني ثقل إذ هم بمنزلة ذلك من حيث لم ينتفعوا بالقرآن فكانهم صم او في آذانهم ثقل {وهو عليهم عمى} حيث ضلوا عنه وجاروا عن تدبيره فكانه عمى لهم. وقوله {أولئك ينادون من مكان بعيد} على وجه المثل، فكأنهم الذين ينادون من مكان بعيد ويسمعوا الصوت ولا يفهموا المعنى من حيث لم ينتفعوا به. وقال مجاهد: لبعده عن قلوبهم. وقال الضحاك: ينادون الرجل في الآخرة كبأشنع اسمائه، وقيل: معناه أولئك لا يفهمون ذلك كما يقال لمن لا يفهم شيئاً: كأنك تنادى من مكان بعيد. ثم اقسم تعالى بأنه آنى {موسى الكتاب} يعني التوراة {فاختلف فيه} لأنه آمن به قوم وجحدوه آخرون، تسلية للنبي صلى الله عليه وآله عن جحود قومه وإنكارهم نبوته. ثم قال {ولولا كلمة سبقت من ربك} في انه لا يعاجلهم بالعقوبة وانه يؤخرهم إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} أي لفصل بينم بما يجب من الحكم. ثم اخبر عنهم فقال: {وإنهم لفي شك منه} يعني مما ذكرناه {مريب} يعني اقبح الشك لأن الريب افظع الشك. وفى ذلك دلالة على جواز الخطأ على اصحاب المعارف لأنه تعالى بين انهم فى شك وانهم يؤآخذون مع ذلك.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ} جملة لا يخفون خبرٌ او حالٌ او مستأنفةٌ وجملة افمن يلقى خبرٌ او خبرٌ بعد خبرٍ او حالٌ او مستأنفة والكلّ بتقدير القول وجملة اعملوا خبرٌ او خبرٌ بعد خبرٍ او حالٍ او مستأنفة والكلّ بتقدير القول وانّ الّذين كفروا تأكيد لقوله انّ الّذين يلحدون وخبر انّ محذوف بقرينة خبر انّ الاولى او مستأنفة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ والخبر محذوفٌ بقرينة السّابق اى لا يخفون او هم الّذين يلحدون او الخبر قوله تعالى اولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} مكرّم.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ} أي: بالقرآن {لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ} أي إبليس {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي: لا يأتي القرآن من بين يديه فينقص منه شيئاً {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} فيزيد فيه شيئاً. أي: حفظه الله من ذلك. وقال في آية أخرى: (أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) تفسير : [الحجر:9]. وتفسير الكلبي: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: من قبل التوراة، ولا من قبل الإنجيل، ولا من قبل الزبور، وليس منها شيء يكذب القرآن ولا يبطله، {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي: لا يأتي من بعده كتاب يبطله. قوله: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ} أي: في أمره {حَمِيدٍ} أي: استحمد إلى خلقه، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه. قوله: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} أي: ما قال لهم قومهم من الأذى؛ كانوا يقولون للرسول: إنك مجنون وإنك ساحر، وإنك كاذب. قال: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي: لمن تاب وآمن. {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} أي: لمن لم يتب ولم يؤمن.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ} أي القرآن وهم قريش* {لَمَّا جَآءَهُمْ} ان وما بعدها بدل من {أية : ان الذين يلحدون في آياتنا} تفسير : فالخبر (لا يخفون) وقيل استئناف والخبر ما يقال لك الا ما قد قيل والرابط محذوف أي ما يقال لك في شأنهم وقيل الخبر لما جاءهم جوابها محذوفاً مع الرابط أي لما جاءهم كفروا به ورد بأنه لم يفد هذا الخبر زيادة على اسم (ان) وما معه وأجيب بأنه أفاد تقييد الكفر بحيز المجيء وقيل لا يأتيه الباطل والرابط محذوف أي منهم قال ابن هشام بعد ذكر تلك الأقوال وهو أي الأخير بعيد لان الظاهر ان لا يأتيه من جملة خبر انه وقيل الخبر محذوف تقدير يجازون بكفرهم وهالكون أو معاندون أو نحوها وقال أبو عمرو بن عبيد الخبر {أية : أولئك ينادون} تفسير : واعترض قوله: {أية : ما يقال لك} تفسير : ثم رجع الى الذكر {أية : ولو جعلناه} تفسير : والأول الاختيار وقيل: الخبر (إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) وهو ضعيف لا وجه له الا ان قدر بعد (عزيز) (آمن به غيرهم) وجعلت الواو زائدة ولا يخفي بعده وقيل: الخبر (لما جاءهم هلكوا أو ضلوا) وزعم بعضهم ان الخبر يقدر بعد (حميد) وانه هو أشد اظهارا لمذمة الكفار به لان قوله {وإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} داخل في صفة الذكر المكذب فلم يتم ذكر المخبر عنه الا بعد استيفاء وصفه وهكذا الى (حميد). {وإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} منبع حماه الله من الطعن فيه بصحة معانيه وألفاظه صحة لا يصحها كلامهم وقال ابن عباس كريم على الله وقيل: ينبغي أن يعز ويجل ولا يلغى فيه لان الخلق عجزوا عن معارضته وقيل منعه الله من الباطل أو التحريف.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذين كَفَروا بالذِّكر} القرآن {لمَّا جاءهُم} وقت مجيئه، لم تمض مدة يتفكرون فيها، وخبر ان محذوف هو لما، وجوابها المحذوف أى أن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ذلك الذكر، فاجئوه بالكفر، ولا تكرير، بل المعنى أن كفرهم مفاجىء أو معاجل، أو أن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا، والحال أنه كتاب عزيز، فهو مقيد بما بعده، ما تقول: هذا الرجل رجل مبارك، أو الخبر قوله: "أية : لا يأتيه الباطل" تفسير : [فصلت: 42] والرابط محذوف أى لا يأتيه الباطل، أى لا يؤثر فيه باطلهم، أى لا يعطله، ولا يزيفه، أو الرابط أل نائبه عن هذا الضمير فى لفظ الباطل المقدر، أو الخبر قوله بعد: "أية : لا يأتيه الباطل" تفسير : [فصلت: 42] وفصل بقوله: " وإنه لكتابٌ عزيز" أو الخبر قوله ما يقال لك الخ، أى ما يقال لك فيهم، أو يقدر معاندون أو هالكون، قيل: أو يقدر لخالدون فى النار، يقدر بعد حميد، وقيل: " الخبر "أية : أولئك ينادون" تفسير : [فصلت: 44] وهو بعيد، ومن الغريب ما قيل: ان الجملة من " أية : إن الذين يلحدون" تفسير : [فصلت: 40] وخبرهما واحد هو لا يخفون علينا، وهذا أبعد أو أنه يخبر لها اذ كانت بدلا من الأولى. {وإنَّه لكتابٌ عَزيزٌ} عظيم الشأن كريم على الله تعالى، لا يوجد نظيره، أو غالب على اعتراض المعترضين،أو على الكتب بنسخها.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ } وهو القرآن {لَمَّا جَاءَهُمْ } من غير أن يمضي عليهم زمان يتأملون فيه ويتفكرون {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ } لا يوجد نظيره أو منيع لا تتأتى معارضته، وأصل العز حالة مانعة للإنسان عن أن يغلب، وإطلاقه على عدم النظير مجاز مشهور وكذا كونه منيعاً، وقيل: غالب للكتب لنسخه إياها. وعن ابن عباس أي كريم على الله تعالى؛ والجملة حالية مفيدة لغاية شناعة الكفر به.

ابن عاشور

تفسير : أعقب تهديدهم على الإِلحاد في آيات الله على وجه العموم بالتعرض إلى إلحادهم في آيات القرآن وهو من ذكر الخاص بعد العام للتنويه بخصال القرآن وأنه ليس بعُرضَةٍ لأن يُكفر به بل هو جدير بأن يتقبل بالاقتداء والاهتداء بهديه، فلهذه الجملة اتصال في المعنى بجملة: { أية : إن الذين يلحدون في آياتنا } تفسير : [فصلت: 40] واتصال في الموقع بجملة { أية : اعملوا ما شئتم } تفسير : [فصلت: 40]. وتحديد هذين الاتصالين اختلفت فيه آراء المفسرين، وعلى اختلافهم فيهما جرى اختلافهم في موقعها من الإعراب وفي مواقع أجزائها من تصريح وتقدير. فجعل صاحب «الكشاف» قوله: {إنَّ الذِين كَفَروا بالذِّكر} بدلاً من قوله: {إنَّ الذين يُلحِدُونَ في آياتنا}، وهو يريد أنه إبدال المفرد من المفرد بدلاً مطابقاً أو بدل اشتمال، وأنه بتكرير العامل وهو حرف {إنَّ} وإن كانت إعادة العامل مع البدل غير مشهورة إلاّ في حرف الجر كما قال الرضيّ، فكلام الزمخشري في «المفصل» يقتضي الإِطلاق، وإن كان أتى بمثالين عاملهما حرف جر. وعلى هذا القول لا يقدر خبر لأن الخبر عن المبدل منه خبر عن البدل وهو قوله: { أية : لا يَخْفَون علينا } تفسير : [فصلت: 40]. وعن أبي عمرو بن العلاء والكسائي وعمرو بن عبيد ما يقتضي أنهم يجعلون جملة: {إنَّ الذين كفروا بالذِكْر} جملة مستقلة لأنهم جعلوا لــــ{إن} خبراً. فأما أبو عمرو فقال: خبر {إن} قوله: { أية : أولئك ينادون من مكان بعيد } تفسير : [فصلت: 44]. حكي أن بلال بن أبي بردة سئل في مجلس أبي عمرو بن العلاء عن خبر {إن} فقال: لم أجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو: إنه منك لقريب: {أولئك ينادون من مكان بعيد}. وهو يقتضي جعل الجمل التي بين اسم {إنَّ} وخبرها جملاً معترضة وهي نحو سبع. وأما الكسائي وعمرو بن عبيد فقدروا خبراً لاسم {إن} فقال الكسائي: الخبر محذوف دل عليه قوله قبله: { أية : أفمن يلقى في النار خير } تفسير : [فصلت: 40]، فنقدر الخبر، يُلقون في النار، مثلاً. وسأل عيسى بنُ عمر عمرو بن عبيد عن الخبر، فقال عمرو: معناه أن الذين كفروا بالذكر كفروا به وإنه لكتاب عزيز. فقال عيسى: أجدتَ يا أبا عثمان. ويجيء على قول هؤلاء أن تكون الجملة بدلاً من جملة: {إنَّ الذين يُلْحدون في آياتِنا} بدل اشتمال إن أريد بالآيات في قوله: {في ءايٰتنا} مطلق الآيات، أو بدلاً مطابقاً إن أريد بالآيات آيات القرآن. وقيل الخبر قوله: { أية : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } تفسير : [فصلت: 43]، أي ما يقال لك فيهم إلا ما قد قلنا للرسل من قبلك في مكذبيهم، أو ما يقولون إلا كما قاله الأمم للرسل من قبلك، وما بينهما اعتراض. والكفر بالقرآن يشمل إنكار كل ما يوصف به القرآن من دلائل كونه من عند الله وما اشتمل عليه مما خالف معتقدهم ودين شركهم وذلك بالاختلافات التي يختلفونها كقولهم: سحر، وشعر، وقول كاهن، وقول مجنون، ولو نشاء لقلنا مثل هذا، وأساطير الأولين، وقلوبنا في أكنّة، وفي آذاننا وقر. والأظهر أن تكون جملة {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِ} الخ واقعة موقع التعليل للتهديد بالوعيد في قوله: { أية : لاَ يَخْفَونَ عَلَيْنا } تفسير : [فصلت: 40]. والمعنى: لأنهم جديرون بالعقوبة إذ كفروا بالآيات، وهي آية القرآن المؤيد بالحق، وبشهادة ما أوصي إلى الرسل من قوله. وموقع {إن} موقع فاء التعليل. وخبر {إنّ} محذوف دل عليه سياق الكلام. والأحسن أن يكون تقديره بما تدل عليه جملةُ الحال من جلالة الذكر ونفاسته، فيكون التقدير: خسروا الدنيا والآخرة، أو سفهوا أنفسهم أو نحو ذلك مما تذهب إليه نفس السامع البليغ، ففي هذا الحذف توفير للمعاني وإيجاز في اللفظ يقوم مقام عدة جمل، وحَذْفُ خبرِ {إنّ} إذا دل عليه دليل وارد في الكلام. وأجازه سيبويه في باب ما يحسن السكوت عليه من هذه الأحرف الخمسة، وتبعه الجمهور، وخالفه الفراء فشرطه بتكرر {إنّ}. ومن الحذف قوله تعالى: { أية : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام } تفسير : الآية في سورة الحج (25)، وأنشد سيبويه: شعر : يا ليت أيام الصبا رواجعا تفسير : إذ روي بنصب (رواجعا) على الحال فلم يذكر خبر (ليت). وذكر أن العرب يقولون: «إنّ مالاً وإنَّ وَلَداً» أي إِنَّ لهم، وقول الأعشى: شعر : إنَّ مَحلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا تفسير : أي أن لنا في الدنيا حلولاً ولنا عنها مرتحلاً، إذ ليس بقية البيت وهو قوله: شعر : وإن في السَّفر إذ مَضَوْا مَهَلا تفسير : ما يصح وقوعه خبراً عن (إنّ) الأولى. وقال جميل: شعر : وقالوا نراها يا جميل تنكرتْ وغَيَّرها الواشي فقلتُ لعلَّها تفسير : وقال الجاحظ في «البيان» في باب من الكلام المحذوف عن الحسن: أن المهاجرين قالوا: « حديث : يا رسول الله إن الأنصار آوونا ونصرونا، قال النبي صلى الله عليه وسلم تعرفون ذلك لهم، قالوا: نعم، قال: فإن ذلك ليس في الحديث غير هذا » تفسير : يريد فإن ذلك شكر ومكافأة ا هــــ. وفي المقامة الثالثة والأربعين «حسبك يا شيخُ فقد عرفتُ فنَّك، واستبنتُ أنك» أي أنك أبو زيد. وقد مثل في «شرح التسهيل» لحذف خبر (إنَّ) بهذه الآية. وجملة: {وَإنَّهُ لَكِتٰبٌ} الخ في موضع الحال من الذِّكْر، أي كفروا به في حاله هذا، ويجوز أن تكون الجملة عطفاً على جملة: {إنَّ الذينَ كَفَروا بالذِّكْر} على تقدير خبر {إن} المحذوف. وقد أجري على القرآن ستة أوصاف ما منها واحد إلا وهو كمال عظيم: الوصف الأول: أنه ذِكر، أي يذكِّر الناس كلهم بما يغفلون عنه مما في الغفلة عنه فوات فوزهم. الوصف الثاني من معنى الذكر: أنه ذكر للعرب وسُمعة حسنة لهم بين الأمم يخلد لهم مفخرة عظيمة وهو كونه بلغتهم ونزل بينهم كما قال تعالى: { أية : وإنه لذكر لك ولقومك } تفسير : [الزخرف: 44] وفي قوله: {لما جاءهم} إشارة إلى هذا المعنى الثاني. الوصف الثالث: أنه كتاب عزيز، والعزيز النفيس، وأصله من العزة وهي المنعة لأن الشيء النفسي يدافعَ عنه ويُحمَى عن النبذ فإنه بيِّن الإِتقان وعلوِّ المعاني ووضوح الحجة ومثل ذلك يكون عزيزاً، والعزيز أيضاً: الذي يَغلب ولا يُغلب، وكذلك حجج القرآن. الوصف الرابع: أنه لا يتطرقه الباطل ولا يخالطه صريحُه ولا ضمنيُّه، أي لا يشتمل على الباطل بحال. فمُثِّل ذلك بِــــ{من بين يديه ولا من خلفه}. والمقصود استيعاب الجهات تمثيلاً لحال انتفاء الباطل عنه في ظاهره وفي تأويله بحال طرد المهاجم ليضر بشخص يأتيه من بين يديه فإن صدّه خاتله فأتاه من خلفه، وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : ثم لآتِيَنّهم من بين أيديهم ومن خلفهم } تفسير : [الأعراف: 17]. فمعنى: {لا يأتِيهِ البٰطِل} لا يوجد فيه ولا يداخله، وليس المراد أنه لا يُدعَى عليه الباطل. الوصف الخامس: أنه مشتمل على الحكمة وهي المعرفة الحقيقية لأنه تنزيل من حكيم، ولا يصدر عن الحكيم إلا الحكمة: { أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } تفسير : [البقرة: 269] فإن كلام الحكيم يأتي محكماً متقناً رصيناً لا يشوبه الباطل. الوصف السادس: أنه تنزيل من حميد، والحميد هو المحمود حمداً كثيراً، أي مستحقّ الحمد الكثير، فالكلام المنزل منه يستحق الحمد وإنما يحمد الكلام إذْ يكون دليلاً للخيرات وسائقاً إليها لا مطعن في لفظه ولا في معناه، فيحمده سامعه كثيراً لأنه يجده مجلبة للخير الكثير، ويحمد قائله لا محالة خلافاً للمشركين. وفي إجراء هذه الأوصاف إيماء إلى حماقة الذين كفروا بهذا القرآن وسفاهة آرائهم إذ فرطوا فيه ففرطوا في أسباب فوزهم في الدنيا وفي الآخرة ولذلك جيء بجملة الحال من الكتاب عقب ذكر تكذيبهم إياه فقال: {وَإنَّهُ لَكِتٰبٌ عَزِيزٌ} الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 41، 42- إن الذين جحدوا بالقرآن ذى الشأن حين جاءهم - من غير تدبر - سيكون لهم من العذاب ما لا يدخل تحت تصور أحد. جحدوه وإنه لكتاب عز نظيره، يغلب كل من عارضه، لا يأتيه الباطل الذى لا أصل له من أية ناحية من نواحيه، نزل متتابعاً من إله منزه عن العبث، محمود كثير الحمد بما أسدى من نعم. 43- لا يقال لك - يا محمد - من أعدائك إلا كما قيل للرسل من قبلك من أعدائهم من شتْم وتكذيب، إن خالقك ومربيك لذو مغفرة عظيمة وذو عقاب بالغ الألم، فيغفر لمن تاب منهم وينتقم لك ممن أصر على عناده. 44- ولو جعلنا القرآن أعجمياً - كما اقترح بعض المتعنتين - لقالوا - منكرين -: هلا بيَّنت آياته بلسان نفقهه، أكتاب أعجمى ومخاطب به عربى؟ قل لهم - أيها الرسول - هو كما نزل للمؤمنين - دون غيرهم - هدى وشفاء للمؤمنين، ينقذهم من الحيرة، ويشفيهم من الشكوك. والذين لا يؤمنون به كأن فى آذانهم - من الإعراض - صمماً، وهو عليهم عمى، لأنهم لا يرون منه إلا ما يبتغون به الفتنة، أولئك الكافرون كمن يدعون إلى الإيمان به من مكان بعيد لا يسمعون فيه دعاء. 45- أقسم: لقد آتينا موسى التوراة فاختلف فيها قومه، ولولا قضاء سبق من ربك - يا محمد - أن يُؤخر عذاب المكذبين بك إلى أجل محدد عنده، لفصل بينك وبينهم باستئصال المكذبين، وإن كفار قومك لفى شك من القرآن موجب للقلق والاضطراب.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَكِتَابٌ} (41) - وَالذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ القُرْآنِيَةِ، والقُرْآنُ كِتَابٌ عَزِيزٌ قَوِيٌّ مَنِيعُ الجَانِبِ، سَيُلاَقُونَ جَزَاءَ كُفْرِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُمْ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَى اللهِ. الذِّكْرُ - القُرْآنُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكفر هنا بمعنى الستر أي: ستر الإيمان بواجب الوجود، لأن الستر يقتضي مستوراً، فما هو المستور في عملية الكفر؟ الكفر يستر مقابله، يستر الإيمان، فكأن الإيمان أمرٌ فِطْري وهو الأصل والكفر طارئ عليه ليستره، وكأن الكفرَ بهذا المعنى جُنْد من جنود الإيمان ودليلٌ عليه. وكلمة {بِٱلذِّكْرِ ..} [فصلت: 41] هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] ويُطلق الذكر أيضاً على الكتب السابقة على القرآن: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 48] ويُطلق الذكر ويُراد به الصِّيت والمنزلة. {أية : وَإِنَّهُ} تفسير : [الزخرف: 44] أي: القرآن {أية : لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..} تفسير : [الزخرف: 44] وقال سبحانه: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 10]. ويُطلق الذكر على تسبيح الله: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ ..} تفسير : [المائدة: 91]. ويُطلق الذكر على ذكر الله بالطاعة، وذكر الله للعبد بالفيوضات والمغفرة: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 152]. وقوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41] كلمة عزيز لها معَانٍ منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يُغلب. ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} تفسير : [آل عمران: 4] فالقرآن غالبٌ يعلو ولا يُعْلَى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]. ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بُدَّ أنْ ينبهر به شريطة أنْ يستقبله بقلب صَافٍ ووجدان غير جامد، فإنْ صادف حُسْنَ الاستقبال كان له هذا الأثر الذي رأيناه في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، وكان من ألدِّ خصوم الإسلام إلى اللحظة التي عَلِم فيها بإسلام أخته وزوجها، فجاء إليها ولطمها حتى سَالَ الدَّمُ من وجهها، فكان هذا الدمُ سبباً في رِقَّة قلبه رِقَّةً غلبتْ جهله، فلما سمع القرآنَ منها سمعه هذه المرة بقلب ومواجيد وعاطفة صافية فتأثر به وأسلم. إذن: فالقرآن عزيز غالب، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المُنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ". تفسير : وقال: "حديث : ولن يُشَادَّ الدِّين أحدٌ إلا غَلَبه ". تفسير : فإذا أردتَ أنْ تختار بين أمرين أو توازن بينهما ينبغي أن تكون خاليَ الذِّهْن تماماً وتُخرِج ما في قلبك من هَوىً لأيِّهما، ثم تُوازن بينهما، فما ارتحتَ له فامْضِ فيه، لذلك قال تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 4]. إذن: هو قلب واحد، إنْ عُمر بالشر كيف يستقبل الخير؟ لابد أنْ تُخرِج الشر أولاً لأن الشر سيطرد الخير. يقول تعالى عن تلقِّي المنافقين والكافرين للقرآن: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16] يعني: كأنهم لم يتأثروا به ولم يفهموه، أي: كِبْراً وعناداً، فردَّ الله عليهم {أية : قُلْ هُوَ ..} تفسير : [فصلت: 44] أي: القرآن {أية : لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن أثره مختلف باختلاف المتلقي، فهو هدى وشفاء لأهل الإيمان، وعَمىً لأهل الكفر والنفاق. إذن: الحق سبحانه يريد منَّا عدالة الاختيار وعدالة البحث والموازنة بين الأمرين، فإنْ توفَّرتْ هذه العدالة فالقرآن غالبٌ لا محالةَ، القرآن لا يزاحمه ولا ينافسه شيء إذا استُقبل الاستقبالَ السليم، حتى في الأمور التي يقف فيها العقل تجد الوجدان يصدقها. لذلك قلنا: إن واردَ الرحمن لا يطارده واردُ الشيطان، وهل عارضت أم موسى وارد الرحمن لما قال لها: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..} تفسير : [القصص: 7] العقل لا يقبل هذا، لكن يقبله الوجدان الصافي، والذين سمعوا القرآن فلم يتأثروا به ولم يثمر في أنفسهم ثمرته، إنما استمعوه وهم مشغولون بضده. فنحن إذن في حاجة إلى عدالة الاختيار ثم حماية الاختيار، لذلك نقول في الرد على مَنْ يدَّعي أن الإسلام نُشِر بحدِّ السيف، هذا غير صحيح، فالسيف في تاريخ الإسلام ما جاء ليفرض عقيدة، إنما جاء لحماية الاختيار، وحماية حرية الدين في الإعلان عن نفسه، وحرية العقيدة أمر كفله الإسلامُ بدليل أنه ترك في بلاد الإسلام ناساً على كفرهم وعلى ديانتهم، وقال: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} تفسير : [الكهف: 29]. ولأن الإسلام انطلق من حرية الاعتقاد وجعل الدين اختياراً حكَمَ على المرتد بالقتل، والعجيب أن أعداء الإسلام يأخذون هذه المسألة مطعناً في دين الله، ويقولون: إن الإسلام يحارب حرية الاعتقاد ويُجبر الناس على اعتناقه. وهذا اتهام باطل، فالمتأمل يجد أنَّ الإسلام يعلن هذا الحكم لمن لم يؤمن بَعْد، يقول له: انتبه قبل أن تدخلَ الإسلام، ولاحظ أنك تُقتل لو ارتددتَ عنه، وهذه عقبة في طريق الإسلام تُمحِّص أهله بحيث لا يُقبل عليه إلا مَنْ اقتنع به واستقرَّ الإسلام في قلبه بلا منازع، فالحكم بقتل المرتد يحمي إقبالك على الاختيار ويُنبهك، فإما أنْ تنصرف، وإما أنْ تعرف أنه الحق فتؤمن به. وقوله تعالى: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ..} [فصلت: 42] يعني: لا يأتيه الباطل من أيِّ جهة؛ لذلك حاول المستشرقون أنْ يتلمسوا في القرآن مأخذاً .. وهيهات لهم ذلك .. فوقفوا مثلاً عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} تفسير : [الإسراء: 31]. ورأوا أن في الموضعين تكراراً فقالوا: إذا كان القرآن بليغاً فأيُّ الآيتين أبلغ؟ وإنْ كانت إحداهما بليغة فالأخرى غير بليغة، وهؤلاء يفتقدون الملَكة التي تساعدهم على فَهْم كلام الله واستقبال هَدْيه، ولو نظروا إلى السياق لوجدوا أنَّ الآيتين مختلفتان موضوعاً، فليس فيهما تكرار وكُلٌّ منهما بليغة في التعبير عن موضوعها. فقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] فكأن الفقر موجودٌ عنده، فهو مشغول أولاً برزق نفسه قبل أنْ يُشغَل برزق أولاده، لذلك ذُيلَتْ الآية بقوله سبحانه: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] أما في الأخرى فقال {أية : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} تفسير : [الإسراء: 31] يعني: الفقر غير موجود لكن يخشاه حين يأتيه الولد، فطمأنه الله أن الولد سيأتي ومعه رزقه، فقال: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} تفسير : [الإسراء: 31] إذن: فكلُّ آية بليغة في موضعها. كذلك وقفوا عند قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 48] وفي الآية الأخرى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 123]. النظرة المتعجلة لا ترى فرقاً بين الآيتين، لكن المتأمل وصاحب الملَكة اللغوية يلحظ الفَرْق، فالآيتان تتحدثان عن نفسيْنِ: نفس جازية، ونفس مجزي عنها. النفس المجزيّ عنها تعترف بذنبها وتقول: خذوا العدل واتركوني، فنقول لها: لا، فتذهب إلى مَنْ هو أكبر منها ليشفع لها. إذن: عُرِضَ العدل أولاً، فلما لم ينفعها عُرِضَتْ الشفاعة. أما النفس الجازية وهي الشفيع، أول ما يقف بين يدي الله تعالى يقول: يا رب أنا أشفع في فلان، فإذا لم تقبل شفاعتي فيه فخُذ العدل مني، إذن: فكُلُّ آية بليغة في موضعها، لكن ماذا نفعل مع هؤلاء الذين لا يفهمون عن الله ولا يحسنون التلقي، ومع ذلك يتهمون كلام الله؟! يقولون: ربكم قال كذا وكذا، نعم هو ربنا والحمد لله، وكنا نحب أنْ يكون ربكم أيضاً. ومن الآيات التي وقفوا عندها أيضاً قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [الصف: 8] يقولون: أين ظهور الإسلام على الدين كله وبعد أربعة عشر قرناً من الزمان ما يزال في العالم يهود وملاحدة ومسيحيون وغير ذلك من الديانات. وهذا القول أيضاً يدل على عدم فهمهم لآداء القرآن الكريم ومعانيه. ومعنى {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ..} تفسير : [الصف: 9] لا تعني أن يصبح الناسُ جميعاً مسلمين، لأن معنى الظهور هنا ظهور حجة يعني: يعلن حجته القوية، وبعد ذلك لهم الحرية يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، هذا موضوع آخر. ولو كنتَ تقرأ القرآن ببصيرة لعرفتَ أن ظهور الإسلام على الأديان الأخرى سيكون مع بقاء الشرك والكفر بدليل لفظ الآية، فمرة قال سبحانه: {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [الصف: 9] ومرة {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [الصف: 8]. إذن: فهما موجودان مع الإسلام، ويكفي في ظهور الإسلام على الأديان الأخرى أنهم يُضطرون للأخْذ بقضاياه وأحكامه وهم غير مسلمين، وتُلجئهم ظروفهم الحياتية فلا يجدون حلاً إلا في الإسلام، وهذه هي العظمة في الظهور. تعلمون أن الفاتيكان كانت تعارض مسألة الطلاق التي جاء بها الإسلام، لكن مع مرور الوقت وكثرة المشاكل عندهم اضطروا إلى العمل به كحلٍّ لقضاياهم، أخذوا حكم الإسلام وهم غير مسلمين. إذن: صدق الله: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] هذه الآيات وغيرها تدلنا على سلامة كلام الله وخُلوِّه من الباطل ومن الاختلاف {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ..} [فصلت: 42] لأن الباطل لا يأتي إلا إذا كان المتكلم غير مُحِقٍّ، والذي يتكلم بالقرآن مَنْ؟ الله. لذلك قال بعدها {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] وحكيم وحميد فعيل من صيغ المبالغة من الحكمة والحمد، الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه المناسب، والحمد يعني أنه تعالى يُحمد على كل أفعاله، وكُلِّ قضائه، وكل قدره، فالحمد لله موصول أوله بآخره. لذلك قلنا في قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2] أن من رحمته تعالى بنا أنْ علَّمنا صيغة حمده على نعمائه، فجاء بها بصيغة المبتدأ والخبر (الحمد لله) لأنه سبحانه لو لم يضع لعباده صيغة الثناء عليه سبحانه لاختلف فيها العباد، وتفاوت فيها الناس، ولكان للأديب البليغ ثناءٌ لا يقدر عليه الأُمِّي وراعي الغنم. لو كان الأمر في هذه المسألة متروكاً لقدرات الناس لم يكُنْ هناك تكافؤ فرص في حمد الله، إذن: من رحمته سبحانه بنا أنْ قال لنا ارفعوا أيديكم عن الصيغة وأنا أضعها لكم ليستوي في حمدي والثناء عليَّ جميع خَلْقي، فالكل يقول كلمة واحدة (الحمد لله) فقط، ولا أريد منكم أكثر من ذلك. لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في الثناء على الله: "سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك" فالذي تعلَّم هذه الصيغة (الحمد لله) وهُدِي لأن يقولها ينبغي أنْ يَحمد الله عليها ذاتها، يحمد الله أنْ علَّمه كيف يحمده، وهكذا يظل الحمد من العبد لله تعالى موصولاً، ويظل العبد حامداً لربه حمداً لا نهاية له. وكلمة {تَنزِيلٌ} [فصلت: 42] ساعة تسمعها تشعر أنه مُنزَّل من أعلى، حتى وإن كان المنزَّل من مادة الأرض، كما في قوله سبحانه في سورة الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] فالحديد وإنْ كان في الأرض لكنه مُنزل من عُلو القدرة الخالقة لخدمة العباد في الأرض. ثم يُعزِّي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفَّف عنه ما يلاقي من عَنَتِ وعناد المشركين، فيقول تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ} معناه بالقُرآنِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ} [فصلت: 41] يشير إلى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا}تفسير : [فصلت: 40] وفي القرآن إنما ألحدوا فيه؛ لأنهم كفروا به لما جاءهم وإنما كفروا؛ لأنهم كانوا لأهل الخذلان، {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41]؛ يعني: القرآن وإن من عزته أن {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ} [فصلت: 42]؛ يعني: أهل الخذلان {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} [فصلت: 42]؛ يعني: بالإيمان به {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42] بالعمل به {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ} [فصلت: 42] ينزل بحكمته على من يشاء من عباده لمن يشاء أن يعمب به {حَمِيدٍ} [فصلت: 42] في أحكامه وأفعاله؛ لأنها صادرة منه بالحكمة، وبقوله: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43] يشير إلى تسلية أرباب الطلب المعرضين عن الخلق المقبلين على الله؛ يعني: أيها الطالب الصادق، إن أطلق الخلق لسان اللوم فيك، ويقال: إنه مجنون أو ساحر، فإنه قد قيل للرسل أكثر من ذلك {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}تفسير : [ق: 39]، {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} [فصلت: 43] لك {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43] لأعدائك وحسادك. ثم أخبر عن نعمة القرآن وإنكار أهل الكفران بقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] يشير إلى إزاحة العلة لمن أراد أن يعرف صدق الدعوة وصحة الشريعة، فإنه لا نهاية للتعلل بمثل هذه المعللات؛ لأنه تعالى لو جعل القرآن أعجمياً وعربياً، لقالوا: لولا جعله عبرانياً وسريانياً، ثم وصف القرآن بأنه شفاء للمؤمنين وسبب شقاء للكافرين بقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ} [فصلت: 44] فهو شفاء للعلماء حيث استراحوا به عن حد الفكرة وتحير الخواطر، وشفاء لصدق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته والتلذذ بالتكفر فيه، وشفاء لقلوب المحبين من لواعج الاشتياق لما فيه من لطف المواعيد، وشفاء لقلوب العارفين لما يتوالى عليها من أنوار التحقيق، وآثار خطاب الرب العزيز: {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ} [فصلت: 44] لا يسمعون بقلوبهم من الحق فلا يستجيبون، ويقول: في ظلمات الحجد والجهل {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] لا يزدادون على مر اليام إلا الضلال {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44]؛ لأن النداء إنما يجيئ من فوق أعلى عليين، وهم في أسفل السافلين في الطبيعة الإنسانية وهم أبعد البعد. وبقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} [فصلت: 45] يشير إلى أن الإلهامات الربانية التي يلهم بها موسى الروح، فاختلف فيها فالقلب يؤمر بها، والنفس تكفر بها ولا تعمل بها {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} [فصلت: 45] في تأخير عذاب النفس بتكاليف الشريعة ومخالفة هواها إلى أجل مسمى، وهو حد البلوغ {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [فصلت: 45] بتزكية النفس بأحكان الشرع {وَإِنَّهُمْ} [فصلت: 45]؛ يعني: النفوس وصفاتها {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [فصلت: 45]؛ يعني: من إلهامات الحق، هل هي من الله أم لا؟ {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً} [فصلت: 46] في تزكية نفسه {فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46]؛ لأن فلاحها في صلاحها بالتزكية {وَمَنْ أَسَآءَ} [فصلت: 46] بمخالفات الشريعة {فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46]؛ أي: فعليها راجعة إساءتها؛ لأنها تقاسي ضرها وتلافي شرها، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] بل هم يظلمون على أنفسهم بالإساءة.

همام الصنعاني

تفسير : 2718- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ}: [الآية: 41]، قال: بالقرآن.