٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
133
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر {سارعوا} بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام، والباقون بالواو، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق ومصحف عثمان، فمن قرأ بالواو عطفها على ما قبلها والتقدير أطيعوا الله والرسول وسارعوا، ومن ترك الواو فلانه جعل قوله: {سارعوا} وقوله: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [آل عمران: 132] كالشيء الواحد، ولقرب كل واحد منها من الآخر في المعنى أسقط العاطف. المسألة الثانية: روي عن الكسائي الإمالة في {سارعوا} {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُسَـٰرِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 61] {أية : ونسارع} تفسير : [المؤمنون: 56] وذلك جائز لمكان الراء المسكورة، ويمنع كما المفتوحة الامالة، كذلك المسكورة يميلها. المسألة الثالثة: قالوا: في الكلام حذف والمعنى: وسارعوا الى ما يوجب مغفرة من ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس الا فعل المأمورات وترك المنهيات، فكان هذا أمرا بالمسارعة الى فعل المأمورات وترك المنهيات، وتمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية في أن ظاهر الأمر يوجب الفور ويمنع من التراخي ووجهه ظاهر، وللمفسرين فيه كلمات: إحداها: قال ابن عباس: هو الاسلام أقول وجهه ظاهر، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير، والمراد منه المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الاسلام. الثاني: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: هو أداء الفرائض، ووجهه أن اللفظ مطلق فيجب أن يعم الكل. والثالث: انه الاخلاص وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه: ووجهه أن المقصود من جميع العبادات الاخلاص، كما قال: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينة: 5] الرابع: قال أبو العالية: هو الهجرة. والخامس: أنه الجهاد وهو قول الضحاك ومحمد بن اسحاق، قال: لأن من قوله: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } تفسير : [آل عمران: 121] الى تمام ستين آية نزل في يوم أحد فكان كل هذه الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد. السادس: قال سعيد بن جبير: انها التكبيرة الأولى. والسابع: قال عثمان: انها الصلوات الخمس. والثامن: قال عكرمة: إنها جميع الطاعات. لأن اللفظ عام فيتناول الكل. والتاسع: قال الأصم: سارعوا، أي بادروا الى التوبة من الربا والذنوب، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولا عن الربا، ثم قال: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه، والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه، ثم أنه تعالى بين أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب، والجنة معناها إيصال الثواب، فجمع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين، فأما وصف الجنة بأن عرضها السموات: فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة؛ لأن نفس السموات لا تكون عرضا للجنة، فالمراد كعرض السموات والأرض وههنا سؤالات. السؤال الأول: ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات والأرض وفيه وجوه: الأول: أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله. والثاني: أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الانسان إنما يرغب فيما يصير ملكا، فلا بد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا. الثالث: قال أبو مسلم: وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر: عرضته عليه وعارضته به، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر، وكذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما مثلا للآخر. الرابع: المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [هود: 107] فان أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض، فخوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا ههنا. السؤال الثاني: لم خص العرض بالذكر. والجواب فيه وجهان: الأول: أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم ونظيره قوله: {أية : بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } تفسير : [الرحمن: 54] وإنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة، فاذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة؟ فكذا ههنا اذا كان العرض هكذا فكيف الطول والثاني: قال القفال: ليس المراد بالعرض ههنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال هذه دعوى عريضة، أي واسعة عظيمة، والأصل فيه ان ما اتسع عرضه لم يضق، وما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة. السؤال الثالث: أنتم تقولون: الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟ والجواب من وجهين: الأول: أن المراد من قولنا انها فوق السموات وتحت العرش، قال عليه السلام: في صفة الفردوس «حديث : سقفها عرش الرحمن»تفسير : وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: انك تدعو الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار.تفسير : والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل، وسئل أنس ابن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة، قيل فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. والوجه الثاني: أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، بل الله تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات، والنار في مكان الأرض، والله أعلم. أما قوله: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق تقرير ذلك.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَسَارِعُوۤاْ} قرأ نافع وآبن عامر «سَارِعُوا» بغير واو؛ وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ باقي السبعة «وَسَارعُوا» بالواو. وقال أبو عليّ: كلا الأمرين شائع مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة، ومن ترك الواو فلأن الجملة الثانية ملتبسةٌ بالأولى مستغنيةٌ بذلك عن العطف بالواو. والمسارعة المبادرة، وهي مفاعلة. وفي الآية حذف، أي سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة. قال أنس ٱبن مالك ومَكْحُول في تفسير {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}: معناه إلى تكبيرة الإحرام. وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. عثمان بن عفان: إلى الإخلاص. الكلبي: إلى التوبة من الربا. وقيل: إلى الثبات في القتال. وقيل غير هذا. والآية عامّة في الجميع، ومعناها معنى {أية : فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [البقرة: 148] وقد تقدّم. الثانية: قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تقديره كعرض فحذف المضاف؛ كقوله: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] أي إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها. قال الشاعر:شعر : حَسَبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَنَاقاً وما هي وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ تفسير : يريد صوت عناق. نظيره في سورة الحديد {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحديد: 21]. وٱختلف العلماء في تأويله؛ فقال ٱبن عباس: تُقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض؛ فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله. وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر؛ فإن في حديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاةٍ من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض»تفسير : . فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ذلك كله. وقال الكلبي: الجِنَان أربعة: جنة عدن وجنة المأوى وجنة الفردوس وجنة النعيم، وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض. وقال إِسماعيل السدي: لو كسرت السموات والأرض وصرن خردلا، فبِكل خردلة جنة عرضها كعرض السماء والأرض. وفي الصحيح: «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنَّى ويتمنَّى حتى إذا ٱنقطعت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله» تفسير : رواه أبو سعيد الخدري، خرجه مسلم وغيره. وحديث : قال يعلى بن أبي مُرّة: لقيتُ التَنُّوخي رسول هِرقْلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بِحمْص شيخا كبيرا قال: قدِمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره، قال: فقلت من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية؛ فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار»تفسير : . وبمثل هذه الحجة ٱستدل الفاروق على اليهود حين قالوا له: أرأيت قولكم «وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ» فأين النار؟ فقالوا له: لقد نزعت بما في التوراة. ونَبَّه تعالى بالعرض على الطول لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض. قال الزُّهري: إنما وصف عرضها. فأما طولها فلا يعلمه إلا الله؛ وهذا كقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} فوصف البِطَانَة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأَتقن من البطائن. وتقول العرب: بلاد عريضة، وفلاة عريضة، أي واسعة؛ قال الشاعر:شعر : كأنّ بِلاَدَ الله وهْيَ عَريَضةٌ على الخائف المطلوب كِفَّةُ حَابِل تفسير : وقال قوم: الكلام جارٍ على مَقْطَعَ العرب من الاستعارة؛ فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غايةٍ قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السموات والأرض؛ كما تقول للرجل: هذا بحرٌ، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل. ولم تقصِد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه. وعامة العلماء على أن الجنة مخلوقة موجودة: لقوله {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} وهو نص حديث الإسراء وغيره في الصحيحين وغيرهما. وقالت المعتزلة: إنهما غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى السموات والأرض ٱبتداء خلق الجنة والنار حيث شاء؛ لأنهما دار جزاء بالثواب والعقاب، فخلقتا بعد التكليف في وقت الجزاء؛ لئلا تجتمع دار التكليف ودار الجزاء في الدنيا، كما لم يجتمعا في الآخرة. وقال ٱبن فورك: الجنة يزاد فيها يوم القيامة. قال آبن عطية: وفي هذا متعَلَّق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال: إن الجنة لم تخلق بعد. قال آبن عطية: وقول ٱبن فورك «يزاد فيها» إشارة إلى موجود، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر في الزيادة. قلت: صدق ٱبن عطية رضي الله عنه فيما قال: وإذا كانت السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي كدارهم ألقيت في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة؛ فالجنة الآن على ما هي عليه في الآخرة عرضها كعرض السموات والأرض؛ إذ العرش سقفها، حسب ما ورد في صحيح مسلم. ومعلوم أن السقف يحتوي على ما تحته ويزيد. وإذا كانت المخلوقات كلها بالنسبة إليه كالحلقة فمن ذا الذي يقدّره ويعلم طوله وعرضه إلا الله خالقه الذي لا نهاية لقدرته، ولا غاية لسعة مملكته، سبحانه وتعالى.
البيضاوي
تفسير : {وَسَارِعُواْ} بادروا وأقبلوا. {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ} إلى ما يستحق به المغفرة، كالإِسلام والتوبة والإِخلاص. وقرأ نافع وابن عامر سارعوا بلا واو. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَاٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضُ} أي عرضها كعرضهما، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريقة التمثيل، لأنه دون الطول. وعن ابن عباس كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض، {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} هيئت لهم، وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة وإنها خارجة عن هذا العالم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَسَارِعُواْ } بواو ودونها [سارعوا]{إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ } أي كعرضهما لو وصلت إحداهما بالأخرى، والعرض: السعة {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } الله بعمل الطاعات وترك المعاصي.
ابن عطية
تفسير : قرأ نافع وابن عامر: "سارعوا" بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، قال أب علي: كلا الأمرين شائع مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة، ومن ترك الواو فلأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن العطف بالواو، وأمال الكسائي الألف من قوله {سارعوا} ومن قوله {أية : يسارعون في الخيرات} تفسير : [المؤمنون: 61] و {أية : ونسارع لهم في الخيرات} تفسير : [المؤمنون: 56] في كل ذلك، قال أبو علي: والإمالة هنا حسنة لوقوع الراء المكسورة بعدها، والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة، إذ الناس كأن كل واحد يسرع ليصل قبل غيره، فبينهم في ذلك مفاعلة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : فاستبقوا الخيرات} تفسير : [المائدة: 48] وقوله {إلى مغفرة} معناه: سارعوا بالتقوى والطاعة والتقرب إلى ربكم إلى حال يغفر الله لكم فيها، أي يستر ذنوبكم بعفوه عنها وإزالة حكمها، ويدخلكم جنة، قال أنس بن مالك ومكحول في تفسير {سارعوا إلى مغفرة}، معناه: إلى تكبيرة الإحرام مع الإمام. قال الفقيه القاضي: هذا مثال حسن يحتذى عليه في كل طاعة، وقوله تعالى: {عرضها السماوات والأرض} تقديره: كعرض السماوات والأرض، وهذا كقوله تعالى: {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} تفسير : [لقمان: 28] أي كخلق نفس واحدة وبعثها، فجاء هذا الاقتضاب المفهوم الفصيح، ومنه قول الشاعر: [ذو الخرق الطهوي]: [الوافر]: شعر : حسبتُ بغامَ راحلتي عنَاقا وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالعنَاقِ تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : كأنَّ غَدِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سَلْيٍ نعَامٌ فَاقَ فيَ بَلَدٍ قِفَارِ تفسير : التقدير صوت عناق وغدير نعام. وأما معنى قوله تعالى: {عرضها السماوات والأرض} فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تقرن السماوات والأرضون بعضها إلى بعض كما يبسط الثوب، فذلك عرض الجنة ولا يعلم طولها إلا الله، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أن بين المصراعين من أبواب الجنة مسيرة أربعين سنة، وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس فيها كما تزدحم الإبل إذا وردت خمصاً ظماء تفسير : وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : أن في الجنة شجرة يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها تفسير : فهذا كله يقوي قول ابن عباس وهو قول الجمهور، إن الجنة أكبر من هذه المخلوقات المذكورة وهي ممتدة عن السماء حيث شاء الله تعالى، وذلك لا ينكر، فإن في حديث النبي عليه السلام: حديث : ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة من الأرض تفسير : ، فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السماوات والأرض، وقدرة الله تعالى أعظم من ذلك كله، حديث : وروى يعلى بن أبي مرة قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، شيخاً كبيراً قد فند فقال قدمت على النبي عليه السلام بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلاً عن يسارة فقلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب هرقل: إنك كتبت إليَّ تدعوني إلى {جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}، فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ تفسير : وروى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: جاء رجلان من اليهود من نجران إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال أحدهما: تقولون: {جنة عرضها السماوات والأرض}، أين تكون النار؟ فقال عمر رضي الله عنه أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ والليل إذا جاء أين يكون النهار؟ فقال اليهودي: إنه لمثلها في التوراة فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ دعه إنه بكل موقن. قال القاضي أبو محمد: فهذه الآثار كلها هي في طريق واحد، من أن قدرة الله تتسع لهذا كله، وخص العرض بالذكر لأنه يدل متى ذكر على الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض، بل قد يكون الطويل يسير العرض كالخيط ونحوه، ومن ذلك قول العرب بلاد عريضة، وفلاة عريضة، وقال قوم: قوله تعالى: {عرضها السماوات والأرض} معناه: كعرض السماوات والأرض، كما هي طباقاً، لا بأن تقرن كبسط الثياب، فالجنة في السماء، وعرضها كعرضها وعرض ما وراءها من الأرضين إلى السابعة، وهذه الدلالة على العظم أغنت عن ذكر الطول، وقال قوم: الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة، فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى، حسنت العبارة عنها بعرضها السماوات والأرض، كما تقول لرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل، ولم تقصد الآية تحديد العرض. قال القاضي أبو محمد: وجلب مكي هذا القول غير ملخص، وأدخل حجة عليه قول العرب: أرض عريضة وليس قولهم، أرض عريضة، مثل قوله: {عرضها السماوات والأرض} إلا في دلالة ذكر العرض على الطول فقط، وكذلك فعل النقاش وروي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفارين يوم أحد: لقد ذهبتم فيها عريضةتفسير : ، وقال ابن فورك: الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا متعلق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال: إن الجنة لم تخلق بعد، وكذلك النار، وهو قول ضعيف، وجمهور العلماء على أنهما قد خلقتا، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله، {أعدت للمتقين} و {أية : أعدت للكافرين} تفسير : [آل عمران: 131] وغير ذلك، وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء وغيره، مما يقتضي أن ثم جنة قد خلقت، وأما من يقول: يزاد فيهما فلا ترد عليه الأحاديث، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر، و {أعدت} معناه: يسرت وانتظروا بها. ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة، بقوله: {الذين ينفقون} الآية، وظاهر هذه الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: {في السراء والضراء}، معناه: في العسر واليسر. قال القاضي إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط وسرور النفس، ومع العسر الكراهية وضر النفس، وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له، والكظام: السير الذي يشد به فم الزق والقربة، وكظم البعير جرته: إذا ردها في جوفه، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه، كظم، حكاه الزجّاج، فقال: كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ومنه قول الراعي: [الكامل] شعر : فَأَفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بجِرَّةٍ من ذي الأباطح أذرعين حقيلا تفسير : و {الغيظ}: أصل الغضب، وكثيراً ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس {الغيظ} بالغضب وليس تحرير الامر كذلك، بل {الغيظ} فعل النفس لا يظهر على الجوارح، والغضب حال لها معه ظهور في الجوارح وفعل ما ولا بد، ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله تعالى، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، ولا يسند إليه تعالى غيظ، وخلط ابن فورك في هذه اللفظة، ووردت في كظم الغيظ وملك النفس عند الغضب أحاديث، وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس، ومنه قوله عليه السلام: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، ومنه قول النبي عليه السلام: ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعة غيظ في الله، وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمناً وإيماناً تفسير : ، والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، وهذا حيث يجوز للإنسان ألا يعفو، وحيث يتجه حقه، وقال أبو العالية: {والعافين عن الناس}، يريد المماليك. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخدمة، فهم مذنبون كثيراً، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر به، وذكر تعالى بعد ذلك أنه {يحب المحسنين}، فعم هذه الوجوه وسواها من البر، وهذا يدلك على أن الآية في المندوب إليه، ألا ترى إلى سؤال جبريل عليه السلام، فقال: ما الإيمان؟ ثم قال ما الإسلام؟ فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم المفروضات،حديث : ثم قال له: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، الحديث .
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {سَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}، قرأ نافعٌ، وابنُ عامِرٍ: سارعوا بغَيْر «واوٍ»؛ وكذلك هي في مصاحِفِ أهل المدينة والشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، والمُسَارَعَة: المبادرةُ، وهي مفاعلة؛ إذ الناس كأن كلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قبل غيره، فَبَيْنَهُمْ في ذلك مُفَاعَلَةٌ؛ أَلاَ تَرَىٰ إلى قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَٰتِ} تفسير : [البقرة:148]، والمعنى: سارعوا بالطَّاعة، والتقوَىٰ، والتقرُّب إلى ربِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيها، قلْتُ: وحقٌّ علَىٰ مَنْ فَهِمَ كلامَ ربِّه؛ أنْ يبادر ويُسَارع إلى ما ندبه إلَيْه ربُّه، وألاَّ يتهاوَنَ بترك الفضائِلِ الواردَةِ في الشَّرّع، قال النوويُّ ـــ رحمه الله ـــ: ٱعْلَمْ أنه ينبغِي لِمَنْ بلغه شيْءٌ في فضائلِ الأعمال؛ أنْ يعمل به، ولو مَرَّةً؛ ليكون مِنْ أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه جملةً، بل يأتي بما تيسَّر منه؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفَقِ علَىٰ صِحَّته: «حديث : وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَٱفْعَلُوا مِنْهُ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ»تفسير : . انتهى من «الحِلْيَة». وقوله سبحانه: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ}، أي: كعرض السموات والأرض، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية: تقرن السمواتُ والأرَضُونَ بعضها إلَىٰ بعض؛ كما تبسطُ الثيابُ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة؛ ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه؛ وفي الحديثِ الصحيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصاً ظِمَاءً»تفسير : . وفي الصحيح: «حديث : إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ المُجِدُّ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا»تفسير : فهذا كلُّه يقوِّي قولَ ابْنِ عَبَّاسِ، وهو قولُ الجُمْهور: «إنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة، وهي ممتدَّة على السَّماء؛ حيْثُ شاء اللَّه تعالَىٰ، وذلك لا يُنْكَرُ، فإن في حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ».تفسير : قال * ع *: فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه، قلتُ: قال الفَخْر وفي الآية وجْه ثانٍ؛ أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ؛ لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكاً له، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا. اهـــ. وقُدْرَةُ اللَّه تعالَىٰ أوسع، وفَضْلُه أعظم، وفي «صحيح مسلم»، والترمذيِّ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة (رضي اللَّه عنه): «حديث : في سُؤَال مُوسَىٰ رَبَّهُ عَنْ أَدْنَىٰ أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، وَأَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَىٰ أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ، أيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا ٱشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ (رَضِيَ اللَّه عَنه): «حديث : إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّة، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ٱدْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ، الجَنَّةُ مَلأىٰ، فَيَقُولُ لَهُ: إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ»تفسير : . اهـــ. وفي «جامع التِّرمذيِّ»، عن ابنِ عُمَرَ (رضي اللَّه عنهما)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ أَدْنَىٰ أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلَىٰ جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إلَىٰ وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً» تفسير : الحديثَ، قال أبو عيسَىٰ، وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنّ غير وَجْهٍ، مرفوعًا وموقوفًا، وفي الصَّحيحِ ما معناه: «حديث : إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تَبَقَّىٰ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَيُنْشِيءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً»تفسير : ، أَوْ كما قال. اهـــ. قال * ع *: وخص العرض بالذِّكْر؛ لأنه يدلُّ متَىٰ ما ذُكِرَ علَى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذكر لا يدُلُّ على قَدْر العَرْض، بل قد يكونُ الطَّويلُ يَسِيرَ العَرْضِ؛ كالخَيْطِ ونحوه. ثم وصف تعالى المتَّقِينَ الذين أعدَّتّ لهم الجنَّةُ بقوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء }، وهما اليُسْر والعُسْر، قاله ابن عَبَّاس. إذ الأغلَبُ أنَّ مع اليُسْر النَّشَاطَ، وسرورَ النفْسِ، ومع العُسْر الكراهيَةَ، وضُرَّ النفس، وكَظْمُ الغَيْظ: ردُّه في الجَوْفِ، إذا كاد أنْ يخرج من كثرته، ومنعه: كظْمٌ له، والكِظَامُ: السَّيْر الذي يشدُّ به فَمُّ الزِّقِّ، والغَيْظُ: أصْلُ الغضَبِ، وكثيراً ما يتلازمَانِ؛ ولذلك فسَّر بعض الناس الغَيْظَ بالغَضَب، وليس تحريرُ الأمر كذلك، بل الغيظُ حالٌ للنفس، لا تظهر على الجوارح، والغضبُ حالٌ لها تظهر في الجوارحِ وفِعْلٍ مَّا؛ ولا بدَّ؛ ولهذا جاز إسناد الغَضَب إلى اللَّه سبحانه؛ إذ هو عبارة عن أفعاله في المغْضُوب علَيْهم، ولا يسند إلَيْه تعالى الغَيْظُ. ووردَتْ في كظْمِ الغيظ، ومِلْكِ النفْسِ عند الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العباداتِ، وجهادِ النفسِ، ففي حديثِ أبِي هُرَيْرة (رضي اللَّه عنه)؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَىٰ إنْفَاذِهِ، مَلأَهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً»تفسير : ، إلىٰ غير ذلك من الأحاديثَ، قُلْتُ: وروى أبو داوُدَ، والترمذيُّ عن معاذِ بْنِ أَنَس (رضي اللَّه عنه)؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَىٰ أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَلَىٰ رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّىٰ يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ»تفسير : ، قَالَ أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ. اهـــ. وفي روايةٍ أخرَىٰ لأبي داود: «مَلأهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ـــ قَالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: تَوَاضُعاً ـــ، كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ»، وحدَّث الحافظُ أَبو الفَضْلِ محمَّد بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيُّ بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ، سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ ٱعْتَذَرَ إلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ»تفسير : . اهـــ من «صفوة التَّصوُّف». والعَفْوُ عَنِ النَّاسِ: من أجلِّ ضروبِ فعْلِ الخَيْرِ، ثم قال سبحانه: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}، فعم أنواع البرِّ، وظَاهر الآية أنَّها مدْحٌ بفعل المندوب.
ابن عادل
تفسير : قرأ نافعُ، وابْنُ عَامِرٍ: سارعوا - بدون واو - وكذلك هي في مصاحف المدينة والشام. والباقون بواو العطف، وكذلك هي في مصاحف مكةَ والعراقِ ومصحف عثمانَ. فمن أسقطها استأنف الأمر بذلك، أو أراد العطف، لكنه حذف العاطفَ؛ لقُرْب كل واحد منهما من الآخر في المعنى - كقوله تعالى: {أية : ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22]، فإن قوله: {وَسَارِعُوۤاْ}، وقوله: {وَأَطِيعُوۤاْ} كالشيء الواحد، وقد تقدم ضعف هذا المذهب. ومن أثبت الواو عطف جملة أمريةً على مثلها، وبعد إتباع الأثر في التلاوة، أتبع كل رسم مصحفه. ورَوَى الكِسَائِيُّ: الإمالة في {وَسَارِعُوۤاْ}، و {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 61]، و {أية : نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 56] وذلك لمكان الراء المكسورة. قوله: {مِّن رَّبِّكُمْ} صفة لِـ "مَغْفِرَةٍ"، و "مِنْ" للابتداء مجازاً. فصل قال بعضهم: في الكلام حذف، والتقدير: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم. وفيه نظر؛ لأن الموجب للمغفرة، ليس إلا افعال المأمورات، وترك المنهيات، فكان هذا أمراً بالمسارعة إلى فعل المأمورات، وترك المنهيات. وتمسك كثيرٌ من الأصوليين بهذه الآية، في أن ظاهر الأمرِ يوجب الفور؛ لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير، والمراد منه: المغفرة العظيمة المتناهية في العِظَم، وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام. فصل قال ابْنُ عَبَّاسٍ: إلى الإسلام. ورُوِيَ عنه إلى التوبة - وهو قول عكرمة - والمعنى: وبادروا، وسابقوا. وقال عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِب: إلى أداء الفرائض؛ لأن الأمر مُطْلَق، فيعم كل المفروضات. وقال عثمان بن عفان: إنه الإخلاص؛ لأنه المقصود من جميع العبادات؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5]. وقال أبو العالية: إلى الهجرة. وقال الضحاك ومحمد بن إسحاق: إلى الجهاد؛ لأن من قوله: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [آل عمران: 121] إلى تمام ستين آية نزل في يوم أُحُد، فكان كل هذه الأوامر والنواهي مختصَّة بما يتعلق بالجهاد. وقال سعيد بن جبير: إلى التكبيرة الأولى، وهو مروي عن أنس. وقال يمان: إنه الصلوات. وقال عِكْرمَةُ ومُقَاتِل: إنه جميع الطاعة؛ لأن اللفظ عام، فيتناول الكُلَّ. وقال الأصَمُّ: {وَسَارِعُوۤاْ} بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب؛ لأنه - تعالى - نهى أوَّلاً عن الربا، ثم قال: {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} وهذا يدل على أن المراد منه: المسارعة في تَرْك ما تقدم النَّهْيُ عنه. قال ابنُ الخَطِيبِ: "والأوْلَى ما تقدم من وجوب حَمْله على أداء الواجبات، والتوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عامّ، فلا وَجْهَ لتخصيصه، ثم إنه - تعالى - بَيَّن أنه كما تجب المسارعةُ والمغفرة، فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة، وإنما فصل بينهما؛ لأن الغُفْران معناه إزالة العقاب، والجنة معناها حصول الثواب، فجمع بينهما؛ للإشعار بأنه، لا بُدَّ للمكلف من تحصيل الأمرين". قوله: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} [لا بد فيه من حَذْف؛ لأن نفس السموات] لا تكون عرضاً للجنة، فالتقدير: عرضها مثل عرض السموات والأرض، يدل على ذلك قوله: "كعرض"، والجملة في محل جر صفة لِـ "جَنَّةٍ". فصل في معنى قوله: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} وجوه: أحدها: أن المراد: لو جُعِلَت السمواتُ والأرضُ طبقاتٍ طبقاتٍ، بحيث تكون كل واحدةٍ من تلك الطبقات خَطاً مؤلفاً من أجزاء لا تُجَزَّأ، ثم وُصِل البعض بالبعض طبقاً واحداً، لكان مثل عرض الجنة. وثانيها: أن الجنة التي يكون عرضُها كعرض السموات والأرض، إنَّما تكون للرجل الواحد؛ لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملْكاً له. وثالثها: قال أبو مسلم: إن الجنة لو عُرِضت بالسموات والأرض على سبيل البيع، لكانت ثمناً للجنة، يقول: إذا بعت الشيء بالشيء: عرضته عليه وعارضته به فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر، وكذلك - أيضاً - في معنى: القيمة؛ لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء للشيء حتى يكون كلُّ واحدٍ منهما مِثْلاً للآخر. ورابعها: أن المقصود المبالغة في وَصْف سعة الجنة؛ لأنه ليس شيء عنده أعرض منها، ونظيره قوله: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [هود: 107-108] فإن أطْول الأشياء بقاءً - عندنا - هو السموات والأرض فخوطبنا على قَدْر ما عرفناه. فإن قيل: لِمَ خُصَّ العَرْضُ بالذكْر. فالجواب من وجهين: الأول: أنه لما كان الغرض تعظيم سعتها، فإذا كان عَرْضُها بهذا العِظَم، فالظاهر أن الطول يكون أعظم، ونظيره قوله: {أية : بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}تفسير : [الرحمن: 54]، فذكر البطائن؛ لأن الظاهرَ أنَّها أقل حالاً من الظِّهارة، فإذا كانت البطائن هكذا، فكيف الظهارة. الثاني: قال القفّال: ليس المراد بالعَرض - هاهنا - المخالف للطول، بل هو عبارة عن السعة، كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال: هذه دعوى عريضة، واسعة عظيمة. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1616- كَأنَّ بِلاَدَ اللهِ - وَهْيَ عَرِيضَةٌ - عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ تفسير : والأصل فيه أن ما اتسع عَرْضُه لم يَضِقْ وما ضاق عرضه دَقَّ، فجعل العَرْضَ كنايةً عن السعة. فصل رُوِيَ أن يهوديًّا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنك تدعو إلى جنة عرضُها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحان الله!! فأين الليلُ إذا جاءَ النهار ". تفسير : ورُوِيَ عن طارق بن شهاب أن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب - وعنده أصحابه - فقالوا: أرأيتم قولكم: وجنة عرضها السموات والأرض؟ فأين النار. قال عُمَرُ: أرأيتم إذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ وإذا جاء الليل، أين يكون النهار. فقالوا له: إنه لمثلها في التوراة، ومعناه حيث شاء الله. سُئِلَ أنس بن مالك عن الجنة، أفي السماء، أم في الأرض. فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة. قيل: فأين هي. فقال: فوق السماوات السبع، تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يَرَوْنَ أن الجنة فوقَ السموات السبع، وأن جهنَّمَ تحت الأرضين السبع. فإن قيل: قال الله تعالى: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات: 22]، وأراد بالذي وُعِدنا الجنة، وإذا كانت الجنة في السماء، فكيف يكون عَرْضُها السمواتُ والأرض. فالجواب: أن باب الجنة في السماء، وعرضها كما أخبر. وقيل: إن الجنة والنار تُخْلقان بعد قيام الساعة، فعلى هذا لا يبعد أن تُخْلَق الجنة في مكان السموات، و النار في مكان الأرض. قوله: {أُعِدَّتْ} يجوز أن يكون محلها الجَرّ، صفة ثانية لِـ "جَنَّةٍ"، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من "جَنَّةٍ"؛ لأنها لما وُصِفَتْ تخصَّصت، فقَرُبَت من المعارف. قال أبو حيان: "ويجوز أن يكون مستأنفاً، ولا يجوز أن يكون حالاً من المضاف إليه؛ لثلاثة أشياء: أحدها: أنه لا عامل، وما جاء من ذلك متأوَّل على ضَعْفه. والثاني: أن العرض - هنا - لا يراد به: المصدر الحقيقي، بل يراد به: المسافة. الثالث: أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال، وصاحبه بالخبر". يعني بالخبر: قوله: {ٱلسَّمَاوَاتُ}، وهو رَدٌّ صحيح. وظاهر الآية يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وهو نص حديث الإسراء في الصحيحين وغيرهما. وقالت المعتزلة: إن الجنة والنار غير مخلوقتين في وقتنا هذا، وإن الله تعالى إذا طوى السماوات والأرض ابتدأ خلق الجنة والنار حيث شاء؛ لأنهما دار جزاء بالثواب والعقاب، فخُلِقتا في وقت الجزاء؛ لأنه لا يجتمع دار التكليف، ودار الجزاء في الدنيا، كما لم يجتمعا في الآخرة. وقال ابن فورك: "الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة". قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} يجوز في محله الألقاب الثلاثة، فالجر على النعت، أو البدل، أو البيان، والنصب والرفع على القطع المشعر بالمدح، ولما أخبر بأن الجنة مُعَدَّة للمتقين وصفهم بصفات ثلاث، حتى يُقْتَدَى بهم في تلك الصفات. فاصفة الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}. فقيل: معناه: في العُسْر واليُسْر. وقيل: سواء كانوا في سرور، أو حُزْن، أو في عُسْر، أو في يُسْر. وقيل: سواء سرهم ذلك الإنفاق - بأن كان على وفق طبعهم - أو ساءهم - بأن كان على خلاف طبعهم - فإنهم لا يتركونه. روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، ولجاهل سخِيٌّ أحبُّ إلَى اللهِ مِنَ عابد بخيل ". تفسير : ورُوي أنَّ عَائِشَةَ تصدَّقَتْ بحَبَّة عِنَبٍ. الصفة الثانية: قوله: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} يجوز فيه الجر والنَّصب على ما تقدم قبله. والكَظْم: الحبس، يقال: كظم غيظه، أي: حبسه، وكَظَم القربة والسقاء كذلك، والكظم - في الأصل - مخرج النفَس، يقال: أخذ بكظمه، أي: أخذ بمجرى نفسه. والكُظوم: احتباس النفس، ويُعَبَّر به عن السكوت، قال المبرد: تأويله أنه كتمه على امتلاء به منه، يقال: كَظَمْتُ السِّقَاءَ، إذا ملأته وسددت عليه، وكل ما سددت من مجرى ماء، أو باب، أو طريق، فهو كَظْم، والذي يُسَدّ به يقال له: الكظامة والسدادة، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض: كظامة، لامتلائها بالماء كامتلاء القربة المكظومة، والمَكْظُوم: الممتلئ غيظاً، وكأنه - لغيظه لا يستطيع أن يتكلم، ولا يُخرج نفسه، والكظيم: الممتلئ أسَفاً. قال أبو طالب: [الكامل] شعر : 1617- فَحَضَضْتُ قَوْمِي، وَاحْتَسَبْتُ قِتَالَهُمْ وَالْقَوْمُ مِنْ خَوْفِ المَنَايَا كُظَّمُ تفسير : وكظم البعيرُ جِرَّتَه، إذا رَدَّها في جَوْفه، وترك الاجترار. ومنه قول الراعي: [الكامل] شعر : 1618- فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةِ مِنْ ذِي الأبَاطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا تفسير : الحقيل، قيل: نبت. وقيل: موضع، فعلى الأول هو مفعول به، وعلى الثاني هو ظرف، ويكون قد شذ جره بـ "في"؛ لأنه ظرف مكان مختص، ويكون المفعول محذوفاً، أي: إذْ رعين الكلأ في حقيل، ولا تقطع الإبلُ جِرَّتَها إلا عند الجهد والفزع فلا تجترّ. ومنه قول أعشى باهلة يصف رجلاً يكثر نحر الإبل: [البسيط] شعر : 1619- قَدْ تَكْظِمُ البُزْلُ مِنْهُ حِينَ تُبْصِرُهُ حَتَّى تَقَطَّعَ فِي أجْوَافِهَا الْجِرَرُ تفسير : والجرر جمع جِرَّة. والكظامة: حلقة من حديد تكون في طرف الميزان تجمع فيها خيوطه، وهي - أيضاً - السير الذي يُوصَل بوتر القَوْس. والكظائم: خروق بين البئرين يجري منها الماء إلى الأخرى، كل ذلك تشبيه بمجرى النفَس وتردّده فيه. فصل قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظاً - وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إنْفاذِهِ - مَلأ اللهُ قَلْبَه أمناً وَإيمَاناً"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظاً - وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أن ينفذه - دَعَاهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤوسِ الخَلائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أيِّ الحُورِ شَاءَ ". تفسير : {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ}: الذين يَكُفُّونَ غيظهم عن الإمضاء، ونظيره قوله: {أية : وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ}تفسير : [الشورى: 37]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، لَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ ". تفسير : الصفة الثالثة: قوله: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}. قال القفال: يُحْتَمَلُ أن يكون هذا راجعاً إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهي المؤمنين عن ذلك، ونُدبوا إلى العفو عن المُعْسرين، فإنه تعال قال - عقب قصة الربا والتداين -: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280] وقال {أية : وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 280]. ويُحْتَمَلُ أنْ يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين مَثَّلُوا بعَمِّه حمزة، وقال: لأمَثلنَّ بِهِمْ فندب إلى كَظْم هذا الغيظ. وقال الكلبي: العافين عن المملوكين سوءَ الأدب. وقال زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وَمُقَاتِلٌ: عمن ظلمهم وأساء إليهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يَكُونُ العَبْدُ ذَا فضْل حَتَّى يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، ويَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِيَ مَنْ حَرَمَهُ ". تفسير : ورُوِي عن عيسى ابن مريم أنه قال: "لَيْسَ الإحْسَانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَنْ أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَاكَ مُكَافَأةٌ، إنَّما الإحْسَانُ أنْ تُحسِنَ إلى مَنْ أسَاءَ إلَيْكَ". ثم قال: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} هذه اللام يحتمل أن تكون للجنس، فيدخل كل مُحْسن، وأن تكون للعهد، فتكون إشارة إلى هؤلاء. وهذه الآية من أقْوَى الدلائل على أن الله - تعالى - يعفو عن العُصَاة، لأنه قد مدح الفاعلين لهذه الخصال، وأحَبَّهم، وهو أكرم الأكرمين، والعفو والغفور الحليم، والآمر بالإحسان، فكيف يمدح بهذه الأفعال، ويندب إليها، ولا يفعلها؟ إن ذلك لممتنع في العقول.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذرعن عطاء بن أبي رباح قال "حديث : قال المسلمون يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا. كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح وكفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه. أجدع أنفك، اجدع أذنك، افعل كذا وكذا. فسكت. فنزلت هذه الآيات {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} إلى قوله {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلا هؤلاء الآيات عليهم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك في قوله {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} قال التكبيرة الأولى. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وسارعوا} يقول: سارعوا بالأعمال الصالحة {إلى مغفرة من ربكم} قال: لذنوبكم {وجنة عرضها السماوات والأرض} يعني عرض سبع سموات وسبع أرضين، لو لصق بعضهم إلى بعض فالجنة في عرضهن. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ابن عباس في الآية قال: تقرن السموات السبع، والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض. فذاك عرض الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كريب قال: أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية {جنة عرضها السماوات والأرض} فأخرج أسفار موسى، فجعل ينظر قال: سبع سموات وسبع أرضين تلفق كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، هذا عرضها؛ وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله. وأخرج ابن جرير "حديث : عن التنوخي رسول هرقل قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل وفيه: إنك كتبت تدعوني إلى {جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله...! فأين الليل إذا جاء النهار؟ ". تفسير : وأخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت قوله {وجنة عرضها السماوات والأرض} فأين النار؟ قال: أرأيت الليل إذا لبس كل شيء فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله قال: فكذلك حيث شاء الله ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب، أن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار؟ وإذا جاء النهار أين الليل؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يزيد بن الأصم، أن رجلاً من أهل الأديان قال لابن عباس: تقولون {جنة عرضها السماوات والأرض} فأين النار؟ فقال له ابن عباس: إذا جاء الليل فأين النهار؟ وإذا جاء النهار فأين الليل؟. وأخرج مسلم وابن المنذر والحاكم وصححه عن أنس، أن "حديث : رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخٍ... لا والله يا رسول الله لا بد أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها. فأخرج تميرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 133]. فالطلب للمغفرة والغفران هو حظ النفس وكذلك طلب الجنان، وما دام العبد بهذه الصفة فهو عبد نفسه وطالب حظه إلى أن يستوى فى ميادين لطائف الخطاب ورود الرضوان ودخول النيران، حينئذٍ فنى عن حظوظه وبقى بلا حظٍّ، واستولت عليه فى ذلك جلابيب القدرة، فحينئذٍ يأنف أن ينظر إلى حظوظه فيبقى أثر الأثر لغير الحق عليه. قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. قال يحيى بن معاذ: هذه مدحة لهم ولم يكن الله تعالى ليمدح قومًا ثم يعذبهم. وقال جعفر الصادق رحمة الله تعالى عليه: يأمرون بالمعروف والمعروف هو موافقته الكتاب والسُّنة.
القشيري
تفسير : معناه سارعوا إلى علمٍ يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمرٌ شديد فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الندم توبة" تفسير : وإنما توجب المغفرةَ التوبةُ لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران. والناس في المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقَدَمِهم في الطاعات، والعارفون يسارعون بهممهم في القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات. فَمَنْ سارع بِقَدَمِه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته. ولمَّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول في مقابلة العَرْض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقومٌ قالوا: المغفرة من صفات الذات وهي بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حُكْمُه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض. ومن قال: مغفرته من صفات فِعْلِه قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية، إشارةً إلى استغراقه جميع الذنوب. قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}. لا يدَّخِرون عن الله شيئاً، ويؤثِرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء المحبَّات والوفاء على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات؛ ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات. قوله: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ}: يتجاوزون عن الخَلْق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة، وأقوام يَحْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُرْمِهم فيشهدونهم بعين التسلط، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذُّلِّ لأن نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء؛ فعلموا أنَّ المنشئ الله؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه، فأكرمهم الحق سبحانه بِبَرْدِ الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة. قوله: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على الناس، قال قائلهم: شعر : رُبَّ رام لي بأحجار الأذى لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه تفسير : {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا في معاملة الحق، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقِّك بالكلية كم كان على من كان، وتقبل (...) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة.
البقلي
تفسير : {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} الاية علم الحق سبحانه على الخلق وميلهم الى متى النفوس فدعاهم بطاعته الى العتلين المغفرة والجنة ودعا الخواض الى نفسه قال ففروا الى الله ثم العم ان الكل فى درك امتحان الجرم واثبت بالاية ذنب الكل لانهم وان كانوا معصومين من الزلل فذنبهم قلة معرفتهم على أقدار الحق كما قعليه السلام صلوان الله عذب المئلاكة الحق كمنه فقيل انهم معصومون فقال من قلة معرفتهم بربهم ولذلك دعاهم الى مغفرته وايضا خاطب العارفين بلسان الالتباس ودعاهم الى عين الجمع يتلجى لهم الوسائط بقائهم فى المعرفة وفى الحقيقة مغفرته قربته وجنته مشاهدته قيل طلب المغفرة هو طلب حظ النفس وفى أخر الاية اشارة الى تضييق صدر الزهاد فى استعظامهم ما تركوا فقال لهم جنتى اجرما تزكتم وذكر عرض الجنة وسعتها لبخلهم وخسة طبعهم وهم الذين اتقوا الدنيا لاجل الجنة وفيها تسلى العارفين من صداع سو جوار المنكرين فقال حنتى واسعة اسكنوا حيث شئتم فى جوار الكريم المقدس عن سوء جوار المنكرين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وسارعوا} اى بادروا واقبلوا الى {مغفرة} كائنة {من ربكم وجنة} الى ما يستحقان به كالاسلام والتوبة والاخلاص واداء الواجبات وترك المنهيات {عرضها السموات والارض} اى كعرضهما صفة لجنة وذكر العرض للمبالغة فى وضعها بالسعة على طريقة التمثيل فان العرض فى العادة ادنى من الطول {اعدت للمتقين} اى هيئت لهم صفة اخرى لجنة. وفيه دليل على ان الجنة مخلوقة الآن وانها خارجة عن هذا العالم. اما الاول فلدلالة لفظ الماضى. واما الثانى فلأن ما يكون عرضه كعرض جميع هذا العالم لا يكون داخلا فيه ـ روى ـ ان رسول هرقل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انك تدعو الى جنة عرضها السموات والارض فأين النار فقال عليه السلام "حديث : سبحان الله فأين الليل اذا جاء النهار ". تفسير : والمعنى والله اعلم اذا دار الفلك حصل النهار فى جانب من العالم والليل فى ضد ذلك الجانب فكذا الجنة فى جهة العلو والنار فى جهة السفل.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابن عامر {سارعوا} بلا واو، والباقون بالواو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام بلا واو. وفي مصاحف أهل العراق بالواو، والمعنى واحد، وإنما الفرق بينهما استئناف الكلام إذا كان بلا واو، ووصلها بما تقدم إذا قرىء بواو، لأنه يكون عطفاً على ما تقدم. وفي هذه الآية الامر بالمبادرة إلى مغفرة الله باجتناب معصيته وإلى الجنة التي عرضها السماوات والارض بفعل طاعته. واختلفوا في قوله {عرضها السماوات والأرض} فقال ابن عباس، والحسن: معناه عرضها كعرض السماوات السبع، والارضين السبع إذا ضم بعض ذلك إلى بعض، واختاره الجبائي، والبلخي. وإنما ذكر العرض بالعظم دون الطول، لأنه يدل على أن الطول أعظم، وليس كذلك لو ذكر الطول بدلا من العرض. ومثل الآية قوله: {أية : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}تفسير : ومعناه إلا كبعث نفس واحدة. وقال الشاعر: شعر : كأن عذيرهم بجنوب سلى نعام قاق في بلد قفار تفسير : أي عذير نعام وقال آخر: شعر : حسبت بغام راحلتي عناقا وما هي ويب غيرك بالعناق تفسير : أي صوت عناق. وقال أبو مسلم: معناه ثمنها لو بيعت كثمن السماوات والأرض لو بيعا. كما يقال عرضت هذا المتاع للبيع. والمراد بذلك عظم مقدارها، وجلالة قدرها، وانه لا يوازيها شيء وإن عظم، وهذا مليح غير أن فيه تعسفاً شديداً. فان قيل إذا كانت الجنة عرضها السماوات والارض فأين تكون النار؟! الجواب أنه روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه لما سئل عن ذلك، فقال: {سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل} وهذه معارضة فيها إسقاط المسألة، لأن القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء قادر على أن يذهب بالنهار حيث شاء وروي أنه سئل عن ذلك ابن عباس، وغيره من الصحابة، فان قيل فان الجنة في السماء، كيف يكون لها هذا العرض؟ قيل له يزاد فيها يوم القيامة. ذكره أبو بكر أحمد بن علي على تسليم انها في السماء ويجوز أن تكون الجنة مخلوقة في غير السماوات والارض. وفي الناس من قال: ان الجنة والنار ما خلقتا بعد وإنما يخلقهما الله على ما وصفه. وقال البلخي المراد بذلك وصفها بالسعة والعظم، كما يقول القائل في دار واسعة هذه دنيا وغرضه بذلك وصفه لها بالكبر وقوله: {أعدت للمتقين} معنى المتقين المطيعين لله ورسوله لاجتنابهم المعاصي وفعلهم الطاعات. ويجوز لاحتجازهم بالطاعة من العقوبة. وإنما أضيفت إلى المتقين، لأنهم المقصودون بها، وان دخلها الاطفال، والمجانين، فعلى وجه التبع، وكذلك حكم الفساق لو عفي عنهم. وفيمن تكلم في أصول الفقه من استدل بقوله: {وسارعوا إلى مغفرة} على أن الأمر يقتضي الفور دون التراخي، لأنه تعالى أمر بالمسارعة والمبادرة إلى مغفرة وذلك يقتضي التعجيل. ومن خالف في تلك، قال: المسارعة إلى ما يقتضي الغفران واجبة وهي التوبة، ووجوبها على الفور. فمن أين أن جميع المأمورات كذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَسَارِعُوۤاْ} بالمسارعة الى طاعة الرّسول والاهتمام بها {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}. وجه التّعبير عن عرض الجنّة بعرض السّماوات والارض اعلم انّ العرض والطّول فى المسطّحات عبارة عن اقلّ الامتدادين واكثرهما، وفى المجسّمات عبارة عن اقصر الامتدادات الثّلاثة واطولها، والعرض فى الاسطوانات والمخروطيّات عبارة عن امتداد قواعدها والطّول فيها عبارة عن امتداد سهامها، ولمّا كان عوالم الامكان مبتدئةً من المشيئة الّتى هى الوحدة الحقّة الظّلّية الّتى هى كالنّقطة فى عدم تطرّق الكثرة اليها منتهية الى عالم الاجسام الّذى هو لكثرته مثل قاعدة المخروط شبّه العوالم الطوليّة بالمخروط المنتهى من طرفٍ الى النّقطة ومن طرفٍ الى القاعدة، ولمّا كان عالم الطّبع بكثرته مثل قاعدة المخروط فى كثرتها وقد علمت انّ عرض المخروط عبارة عن قطر قاعدته قال تعالى: عرضها نفس السّماوات والارض من غير تخلّل اداة التّشبيه، ولمّا كان هذه كلّها على طريق تشبيه المعقول بالمحسوس قال فى سورة الحديد: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحديد:21] بتخلّل اداة التّشبيه. ثمّ اعلم انّ سعة عالم الطّبع ومكانه وعاء لسعة العوالم العالية كما انّ زمانه وعاء لامد بقائها وكما انّ سعة الدّهر الّذى هو امد بقاء العوالم العالية بالنّسبة الى الزّمان اضعاف الزّمان بالف او بخمسين الفاً لانّ يوماً من الدّهر الّذى وعاءه ومظهره يوم من الزّمان كالف سنة فى المرتبة الاولى او كخمسين الف سنة فى المراتب الاُخر كذلك سعة وعاء العوالم العالية الّذى هو بمنزلة مكان عالم الطّبع بالنّسبة الى المكان الّذى هو وعاء ومظهر لوعاء العوالم العالية اضعافه بالف او خمسين الفاً، وهذه السّعة غير السّعة بحسب الكثرة فلا ينافى تشبيه عالم الطّبع بالقاعدة فى الكثرة والعوالم العالية بالنّقطة فى الوحدة {أُعِدَّتْ} صفة بعد صفة او حال بتقدير قد او مستأنف جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل، لمن هذه الجنّة؟ - فقال: اعدّت {لِلْمُتَّقِينَ} قد مضى فى اوّل سورة البقرة بيان مراتب التّقوى فانّ التّقوى الحقيقيّة هى الّتى تكون بعد الايمان واوّل مراتبها التّقوى عن نسبة شيءٍ من الاموال والافعال الى نفسه وآخر مراتبها التّقوى عن ذاته بحيث لا يبقى له ذات وانانيّة وهى آخر مراتب العبوديّة واوّل مراتب الرّبوبيّة.
اطفيش
تفسير : {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ}: جدوا فيما يوصلكم إلى مغفرة عظيمة من ربكم من الأعمال الواجبة، والمندوب إليها كاجتهاد دائنين كل منهما يجتهد أن يفوق الآخر فى أمر، لأنهما يشتد اجتهادهما، كما يدل له قوله تعالى: {أية : فاستبقوا الخيرات}تفسير : ونكر المغفرة للتعظيم، وسمى المسارعة إلى الفرائض، وما دونهما من الطاعة، مسارعة إلى المغفرة، لأن الطاعة سبب المغفرة، وعن ابن عباس: إلى الإسلام، فإن أراد الإسلام الطاعة، شملت الفرض وما دونه، كما رأيت، وإن أراد التوحيد فأراد التمثيل بدليل أنه قد روى عنه أيضاً أنه قال "إلى التوبة" وقالوا: التوبة من الذنوب، وأنها توجب المغفرة، ومن الطاعة التوحيد وهو أعظمها، ومن الذنوب الشرك وهو أقبحها، وعنه: إلى التوبة من الربا وسائر الذنوب، وقال على: إلى أداء الفرائض، وقيل: إلى الجهاد، وقيل إلى الإخلاص، لأنهُ لا يقبل عمل بدونهُ، وبه قال عثمان، وقال سعيد بن جبير: إلى تكبيرة الإحرام، وهو مروى عن أنس، والتعميم أولى، قال النووى: ينبغى لمن بلغه شىء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة، انتهى. وهذا دأب أبى خزر - رحمه الله - وفى الحديث: إذا أمرتكم بشىء فائتوا منه ما استطعتم ولعل من خص، أراد التمثيل إلا من ذكر علة التخصيص، وكذا فى قول من قال: إلى الهجرة، وقول من قال: إلى الصلاة، وتلك القراءة قراءة نافع وابن عامر، وهى التى فى كتب أهل المدينة والشام، وهى أولى، وقرأ غيرهما، وسارعوا بالواو، قبل بالسنين عطفاً على أطيعوا، وقرأ أبى، وعبد الله بن مسعود: بالواو. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}: الجملة نعت جنة والمراد عرضها، كعرض السماوات والأرض، فالكلام على حذف المضاف، وأداة التشبيه، ولم يذكر الطول، لأنه إذا كان العرض كعرض السماوات والأرض فمعلوم أن طولها أعظم، والمراد بالأرض الجنس، فشملت سبع أراضين. قال ابن عباس: كسبع سماوات، وسبع أراضين لو وصل بعضهما ببعض، فإما أن يكون ذلك تمثيلا للوسع، وأن عرض الجنة أكثر، وسواء أبقينا على ظاهره، أو فسرناه بمعنى الوسع، كما روى عنه مولاه كريب كما قال الشاعر: شعر : كأن بلاد الله وهى عريضة على الخائن المطلوب كفة حابل تفسير : وإما أن يكون المراد أن توصل السماوات والأرضون السبع بجنب بعض وتمد حتى تكون كالورقة فى الرقة وأدق، فإن غلظ كل أرض وكل سماء خمسمائة عام فلو مدت أرض واحدة أو سماء واحدة هذا المد لم يعلم غاية سعتها إلا الله، فكيف بمد سبع سماوات وسبع أراضين؟ وإما أن تكون الجنة التى عرضها السماوات والأرضون للسعيد الواحد، ولكل سعيد مثله، كما تقول: ركب القوم دابة، وتريد ركب كل واحد دابته، وإما أن يكون المعنى معروضها السماوات والأرض، أى: ما تعرض به وتقوم به، لو عرضت للسبع السماوات والأرض، وهذا أيضاً تمثيل لأن ثمن الجنة الواحدة للرجل الواحد أعظم من ثمن السماوات والأرضين، وزائد عليه بما لا يعرف قدره إلا الله، وكان التمثيل بهن فى هذا القول، وقول قد تقدم لأنهن أعظم وأوسع ما عرفه الناس من خلق الله جل وعز، وروى حديث : أن رجلا سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن قوله تعالى {وَجَنّةٍ عَرْضُها السماواتُ والأرض} فقال: "هى مائة درجة، وكل درجة منها عرضها السماوات والأرض"تفسير : . وقيل: عرض بابها كعرض السماوات والأرض، وهو قول ضعيف، لأنه خلاف الظاهر، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بين المصراعين من أبواب الجنة مسيرة أربعين سنة، وسيأتى يوم يزدحم الناس فيه على الباب كما يزدحم الإبل إذا وردت خمصاً ظماء"تفسير : ، وفى الحديث أن فى الجنة شجرة يسير الراكب المجد فى ظلها مائة عام، لا يقطعها. والجنة أعظم من السماوات والأرضين، فمعنى كونها فى السماء عن يمين العرش، أو العرش سقفها أنها عن يمينه، مسقفة بجانبه الأيمن والله أعلم بيمينه وتمتد حتى تجاوز السماء، فالعرش أعظم من الجنة. وفى الحديث "حديث : ما لسماوات السبع والأرضون السبع فى الكرسى إلا كدارهم ألقيت فى فلاة من الأرض، وما الكرسى فى العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت فى فلاة من الأرض" تفسير : . وفيه رواية مختلفة الألفاظ، ويزيد بعضها على بعض، فمعنى ما يروى: أن الجنة فى السماء السابعة أنها فوق السماوات وتحت العرش كما سأل أنس عن الجنة: أفى السماء هى أم فى الأرض؟ فقال: أى أرض وأى سماء تسع الجنة، فقيل: فأين هى؟ فقال: فوق السماوات تحت العرش وفى الحديث "حديث : سقف الفردوس عرش الرحمن"تفسير : وعن قتادة: الجنة فوق السماوات السبع، والنار تحت الأرضين السبع، وروى أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام سأل ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة، فأوحى الله إليه أنهُ رجل يأتى بعد ما يدخل أهل الجنة فيقال لهُ أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت أى ربى فيقال: لك ذلك، ومثلهُ معه ومثله معه، فقال فى الخامسة: أرضيت أى ربى، فيقال له: لك ذلك، وعشر أمثاله، فيقول: رضيت. أى ربى. فقال لهُ: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك. وعن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرياته مسيرة ألف سنة"تفسير : قلت: لعل هذا من أمته صلى الله عليه وسلم، والمذكور فى الحديث قبله من أمة موسى، كأنه سأل موسى ربه تبارك وتعالى، عن أدنى أهل الجنة من بنى إسرائيل، أو هذه الغاية فى الحديث هى واقعة قوله: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك. وفى الحديث عنه، صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة، تبقى فيها فضلة فينشئ الله لها خلفاً"تفسير : ، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا هرقل إلى الإيمان فكتب إليه هرقل: إنك تدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟"تفسير : . فقيل فى تفسيره إنه إذا دار الفلك حصل النهار فى جانب والليل فى جانب آخر ضده، فكذلك الجنة فى جهة العلو والنار فى جهة السفل، وأنا أقول: ليس المعنى كذلك، بل المعنى إظهار العجز عن معرفة ذلك، وإحالة علمه على الله، ثم رأيت ولله الحمد ما يوافقه وأنا مسرور جدا بالموافقة، وهى من نعم الله العظمى، وذلك أن طارق بن شهاب روى أن ناساً من أهل الكتاب سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه، فقالوا: أرأيتم قولكم {وجنة عرضها السماوات والأرض} فأين النار؟. فقال: عمر: أرأيتم إن جاء الليل فأين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقال إن مثلها فى التوراة، ومعناه حيث يشاء الله تعالى. {أُعِدَّتْ}: هيئت. {لِلْمُتَّقِينَ}: فهى موجودة الآن كما دلت الآية على ذلك، وعلى أنها خارجة عن هذا العالم، لأنها عرضها عرض السماوات والأرض فكيف تكون فيهن وتفنى يوم القيامة وترد كما كانت، وقيل: لا تفنى يوم القيامة إلا ما فيها من الحور العين، وما فيها من حى، فإنه يموت يوم القيامة ويبعث كما كان وكذا الخلاف فى النار.
اطفيش
تفسير : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} إلى موجبها، كترك الربا وسائر المعاصى، وكالإسلام والتوبة بالنية، والإخلاص والتوبة من الذنوب، وقضاء الدين والجهاد، وتزويج البكر البالغة بقصد التقرب، ودفن الميت، وإكرام الضعيف، وأداء الفرائض والنفل، والهجرة من موضع لا يجد الإنسان فيه إقامة دينه، وتكبير الإحرام عقب الإمام والنفل من أسباب التوفيق للتوبة والجنة، كما قال {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أى كعرضهما، والمراد الأرضون السبع، بأن يوصل بعضها ببعض، وتجعل أرق من الكاغد الرقيق جدا بالجبال والشجر والنجوم التى فيها والقمرين، وعن ابن عباس، تقرن كما تقرن الثياب، أو جنة الواحد، أو تمثيل للكثرة، ولو كانت الجنة أو سع منهما، وإذا كان العرض كذلك فكيف الطول، وجمع السماء لأنها أنواع، وأفرد الأرضيين لأنهن جنس واحد، هو التراب، وفى بعض الأخبار تخالفهن {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} فى الوجوه على الصحيح، أو فى وعد الله، سئل أنس عن الجنة، أفى الأرض أم فى السماء؟ فقال: أىّ أرض وأىّ سماء تسع الجنة، بل فوق السماوات تحت العرش، وقيل فى السماء الرابعة، وقيل فى السماء الدينا، وقيل فى عالم آخر، وروى حديث : أن هرقل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تدعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار، فقال: سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهارتفسير : ، والمعنى أن النهار فى جنب من العالم والليل فى جنب آخر، فكذا الجنة فى جنب أعلى والنار فى جنب آخر أسفل، وأن الله قادر أن يجعلها حيث شاء كما قدر على جعل الليل حيث شاء، وكذا سال اليهود عمر، فأجاب بذلك، فقالوا: إن فى التوراة مثلها، أى الجنة والنار حيث يشاء الله، قال قتادة: الجنة تحت العرش والنار تحت الأرضين، ويقال فى قوله تعالى: {أية : وفى السماء رزقكم وما توعدون} تفسير : [الذاريات: 22]، ما توعدون الجنة، فالمراد بابها فى السماء، ولا ينافى أن طولها وعرضها أكبر من السماء، وصفات التقوى والإنفاق وما بعدهما لا توجد فى الصبيان والمجانين، ولكن يدخلهم الله الجنة بفضله، كما أنه قد يموت من تاب من شرك أو فسق قبل تلك الأوصاف فيدخل الجنة، وأما ما قيل من أن الصبيان والمجانين يدخلون جنة غير تلك فيعارضه ما جاء أن الصبيان يدخلون الجنة مع آبائهم، لتقر أعينهم، وأن أطفال المشركين خدم لأهل الجنة.
الالوسي
تفسير : {وَسَارِعُواْ } عطف على {أية : أَطِيعُواْ } تفسير : [آل عمران: 132] أو {أية : ٱتَّقَوْاْ }تفسير : [آل عمران: 131]. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على وجه الاستئناف وهي قراءة أهل المدينة والشام، والقراءة المشهورة قراءة أهل مكة والعراق أي بادروا وسابقوا، وقرىء بالأخير {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } أي أسبابهما من الأعمال الصالحة، وعن علي كرم الله تعالى وجهه سارعوا إلى أداء الفرائض، وعن ابن عباس إلى الإسلام، وعن أبـي العالية إلى الهجرة، وعن أنس بن مالك إلى التكبيرة الأولى، وعن سعيد بن جبير إلى أداء الطاعات، وعن يمان إلى الصلوات الخمس؛ وعن الضحاك إلى الجهاد، وعن عكرمة إلى التوبة، والظاهر العموم ويدخل فيه سائر الأنواع، وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية، وقيل: لأنها كالسبب لدخول الجنة، و {مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع نعتاً ـ لمغفرة ـ والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم ووصف المغفرة بكونها من الرب دون الجنة تعظيماً لأمرها وتنويهاً بشأنها وسبب نزول الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبـي رباح «حديث : أن المسلمين قالوا: يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة داره اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا فسكت صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآيات إلى قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } [آل عمران: 135] الآية فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم»تفسير : . والتنوين في {مَغْفِرَةٍ } للتعظيم ويؤيده الوصف، وكذا في {جَنَّةٍ } ويؤيده أيضاً وصفها بقوله سبحانه: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٱتُ وَٱلأَرْضُ } والمراد كعرض السماوات والأرض فهو على حد قوله:شعر : حسبت بغام راحلتي عناقا وما هي ويب غيرك بالعناق تفسير : فإنه أراد كصوت عناق، والعرض أقصر الامتدادين، وفي ذكره دون ذكر الطول مبالغة، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف فليس المقصود تحديد عرضها حتى يمتنع كونها في السماء بل الكلام كناية عن غاية السعة بما هو في تصور السامعين، والعرب كثيراً ما تصف الشيء بالعرض إذا أرادوا وصفه بالسعة، ومنه قولهم: أعرض في المكارم إذا توسع فيها، والمراد من السماوات والأرض السماوات / السبع والأرضون السبع، فعن ابن عباس من طريق السدّي أنه قال: تقرن السماوات السبع والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها ببعض فذاك عرض الجنة، والأكثرون على أنها فوق السماوات السبع تحت العرش وهو المروي عن أنس بن مالك، وقيل: إنها في السماء الرابعة وإليه ذهب جماعة، وقيل: إنها خارجة عن هذا العالم حيث شاء الله تعالى، ومعنى كونها في السماء أنها في جهة العلو ولا مانع عندنا أن يخلق الله تعالى في العلو أمثال السماوات والأرض بأضعاف مضاعفة ولا ينافي هذا خبر أنها في السماء الرابعة إن صح، ولا ما حكي عن الأكثر لأن ذلك مثل قولك: في الدار بستان إذا كان له باب منها يشرع إليه مثلاً فإنه لا ينافي خروج البستان عنها، وعلى هذا التأويل لا ينافي الخبر أيضاً كون عرض الجنة كعرض السماوات والأرض من غير حاجة إلى القول بأنه ليس المراد من السماوات السماوات السبع كما قيل به. ومن الناس من ذهب إلى أنها في السماء تحت العرش أو الرابعة إلا أن هذا العرض إنما يكون يوم القيامة حيث يزيد الله تعالى فيها ما يزيد. وحكي ذلك عن أبـي بكر أحمد بن علي قيل: وبذلك يدفع السؤال بأنه إذا كان عرض الجنة كعرض السماوات والأرض فأين تكون النار؟ ووجه الدفع أن ذلك يوم القيامة، وأما الآن فهي دون ذلك بكثير، ويوم يثبت لها ذلك لا تكون فيه السماوات والأرض كهذه السماوات والأرض المشبه بعرضهما عرضها، ولا يخفى أن القول بالزيادة في السعة يوم القيامة وإن سلم إلا أن كونها اليوم دون هذه السماوات والأرض بكثير في حيز المنع ولا يكاد يقبل، والسؤال المذكور أجاب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ذلك. فقد أخرج ابن جرير عن التنوخي رسول هرقل قال: «حديث : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل وفيه: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ تفسير : ولعل المقصود من الجواب إسقاط المسألة وبيان أن القادر على أن يذهب الليل حيث شاء قادر على أن يخلق النار حيث شاء، وإلى ذلك يشير خبر أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه، وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض هٰهنا ليس مقابل الطول بل هو من قولك عرضت المتاع للبيع، والمعنى أن ثمنها لو بيعت كثمن السماوات والأرض، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها وأنه لا يساويها شيء وإن عظم، فالعرض بمعنى ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع وربما يستغنى على هذا عن تقدير ذلك المضاف، ولا يخفى أنه على ما فيه من البعد خلاف المأثور عن السلف الصالح من أن المراد وصفها بأنها واسعة. {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } أي هيئت للمطيعين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أضيفت إليهم للإيذان بأنهم المقصودون بالذات وإن دخول غيرهم كعصاة المؤمنين والأطفال والمجانين بطريق التبع وإذا حملت التقوى في غير هذا الموضع، وأما فيه فبعيد على التقوى عن الشرك لا ما يعمه وسائر المحرمات لم نستغن عن هذا القول أيضاً لأن المجانين مثلاً لا يتصفون بالتقوى حقيقة ولو كانت عن الشرك كما لا يخفى. وجوز أن يكون هناك جنات متفاوتة وأن هذه الجنة للمتقين الموصوفين بهذه الصفات لا يشاركهم فيها غيرهم لا بالذات ولا بالتبع ولعلها الفردوس المصرح بها في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس» تفسير : وفيه تأمل. والآية ظاهرة في أن الجنة مخلوقة الآن كما يدل عليه الفعل الماضي، وجعله من باب {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [الكهف: 99] خلاف الظاهر ولا داعي إليه كما بين في محله، ومثل ذلك {أية : أُعِدَّتْ } تفسير : [البقرة: 24] السابق في حق النار، / وأما دلالة الآية على أن الجنة خارجة عن هذا العالم بناءاً على أنها تقتضي أن الجنة أعظم منه فلا يمكن أن يكون محيطاً بها ففيه نظر كما يرشدك إليه النظر فيما تقدم. والجملة في موضع جر على أنها صفة لجنة، وجوز أن تكون في موضع نصب على الحالية منها لأنها قد وصفت، وجوز أيضاً أن تكون مستأنفة قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالاً من المضاف إليه لثلاثة أمور: أحدها: أنه لا عمل له وما جاء من ذلك متأول على ضعفه. والثاني: أن العرض هنا لا يراد به المصدر الحقيقي بل المسافة، والثالث: أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال وصاحبها.
ابن عاشور
تفسير : قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {سارعوا} دون واو عطف. تتنزّل جملة {سارعوا..} منزلة البيان، أو بدل الاشتمال، لِجملة {وأطيعوا الله والرسول} لأنّ طاعة الله والرّسول مسارعة إلى المغفرة والجنَّة فلذلك فُصلت. ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنّة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصّالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطّاعة، فلذلك قرأ بقية العشرة {وسارعوا}. بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنَّه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين. والسرعة المشتقّ منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة، ويَجوز أن تكون السرعة حقيقة، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث: «حديث : وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفِرُوا»تفسير : . والمسارعة، على التقادير كلّها تتعلّق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلّق بالذات. وجيء بصيغة المفاعلة، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين، قصد المبالغة في طلب الإسراع، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير، ونظيره التثنية في قولهم: لبيك وسعديك، وقوله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرتين}تفسير : [الملك: 4]. وتنكير (مغفرة) ووصلها بقوله: {من ربكم} مع تأتّي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربّكم، لقصد الدّلالة على التَّعظيم، ووصف الجنة بأنّ عرضها السماوات والأَرض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التَّصريح بحرف التَّشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد. والعَرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول، وليس هو المراد هنا، ويطلق على الاتِّساع لأنّ الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق، وهذا كقول العُديل: شعر : ودونَ يدِ الحَجَّاج منْ أنْ تنالني بساط بأيدِي الناعِجاتِ عرِيضُ تفسير : وذِكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدّة الاتّساع. وليس المراد حقيقة عرض السماوات والأَرض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنَّة مخلوقة الآن، وأنَّها في السماء، وقيل: هو عرضها حقيقة، وهي مخلوقة الآن لكنّها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش، وقد رُوي: العرش سقف الجنة. وأما من قال: إن الجنّة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنّة منهم مُنذر بن سعيد البَلُّوطي الأندلسي الظاهري، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الَّذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك. وأدلّة الكتاب والسنّة ظاهرة في أنّ الجنَّة مخلوقة، وفي حديث رؤيا رآها النَّبيء صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله: «حديث : إنّ جبريل وميكاييل قالا له: ارفع رأسك، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب، قالا: هذا منزلك، قال: فقلت: دَعاني أدخُل منزلي، قالا: إنَّه بقي لك عُمُر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك»تفسير : . أعقب وصف الجنَّة بذكر أهلها لأنّ ذلك ممَّا يزيد التَّنويه به، ولم يزل العقلاء يتخيّرون حسن الجوار كما قال أبو تمام: شعر : مَنْ مُبْلِغُ أفْنَاءَ يعرُب كلّها أني بَنيت الجارَ قبل المنزلِ تفسير : وجملةُ {أعدّت للمتّقين} استئناف بياني لأنّ ذكر الجنَّة عقب ذكر النَّار الموصوفة بأنَّها أعدّت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرّفوا مَن الذين أعدّت لهم: فإن أريد بالمتَّقين أكمل ما يتحقّق فيه التَّقوى، فإعدادها لهم لأنَّهم أهلها ـــ فضلاً من الله تعالى ـــ الّذين لا يلجون النار أصلاً ـــ عدلاً من الله تعالى ـــ فيكون مقابلَ قوله: { أية : واتقوا النار التي أُعدت للكافرين}تفسير : [آل عمران: 131]، ويكون عصاة المؤمنين غير التَّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين، لمشابهة حالهم حالَ الفريقين عدلاً من الله وفضلاً، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه، وأريد المتّقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنَّهم مقدّرون من أهلها في العاقبة. وقد أجرى على المتَّقين صفات ثناءٍ وتنويه، هي ليست جماع التَّقوى، ولكن اجتماعها في محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى، وتلك هي مقاومة الشحّ المُطاع، والهوَى المتَّبع. الصفة الأولى: الإنفاق في السَّراء والضّراء. والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة في سبيل الله. والسرّاء فَعْلاء، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً. والضّراء كذلك من ضَرّه، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة. فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة. الصفة الثَّانية: الكاظمين الغيظ. وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتَّى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرّد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس، وقهرِ الإرادةِ للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة. الصفّة الثالثة: العفو عن النَّاس فيما أساؤوا به إليهم. وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ، فلمَّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم، مستمرّ معهم. وإذا اجتمعت هذه الصفّات في نفسٍ سهل ما دونها لديها. وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله: {والله يحب المحسنين} لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}. يعني عرضها كعرض السموات والأرض كما بينه قوله تعالى في سورة الحديد: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحديد: 21] وآية آل عمران هذه تبين أن المراد بالسماء في آية الحديد جنسها الصادق بجميع السموات كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وسارعوا: المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه بدون توانٍ ولا تراخ. إلى مغفرة: المغفرة: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها. والمراد هنا: المسارعة إلى التوبة بترك الذنوب، وكثرة الاستغفار وفي الحديث: "حديث : ما من رجل يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ويستغفر الله إلى غفر له ". تفسير : وجنة: الجنة دار النعيم فوق السماوات، والمسارعة إليها تكون بالإِكثار من الصالحات. أُعِدَّتْ: هُيّئتْ وأحضرت فهي موجودة الآن مهيّأة. للمتقين: المتقون هم الذين اتقوا الله تعالى فلم يعصوه بترك واجب ولا بفعل محرم، وإن حدث منهم ذنب تابوا منه فوراً. في السراء والضراء: السراء الحال المسرة وهي اليسر والغنى والضراء الحال المضرة وهي الفقر. والكاظمين الغيظ: كظم الغيظ: حبسه، والغيظ ألم نفسي يحدث إذا أوذي المرء في بدنه أو عرضه أو ماله، وحبس الغيظ: عدم إظهاره على الجوارح بسب أو ضرب ونحوهما للتشفي والانتقام. والعافين عن الناس: العفو عدم المؤاخذة للمسيء مع القدرة على ذلك. يحب المحسنين: المحسنون هم الذين يبّرون ولا يسيئون في قول أو عمل. فاحشة: الفاحشة: الفعلة القبيحة الشديدة القبح كالزنى وكبائر الذنوب. أو ظلموا أنفسهم: بترك واجب أو فعل محرم فدنسوها بذلك فكان هذا ظلماً لها. ولم يصروا: أي يسارعون إلى التوبة، لأن الإِصرار هو الشد على الشيء والربط عليه مأخوذ من الصر، والصرة معروفة. وهم يعلمون: أي أنهم مخالفون للشرع بتركهم ما أوجب، او بفعلهم ما حرم. ونعم أجر العاملين: الذي هو الجنة. معنى الآيات: لما نادى الله تعالى المؤمنين ناهياً لهم أكل الربا آمراً لهم بتقواه عز وجل، وباتقاء النار وذلك بترك الربا وترك سائر المعاصي الموجبة لعذاب الله تعالى ودعاهم إلى طاعته وطاعة رسوله كي يرحموا في دنياهم وأخراهم. أمرهم في الآية الأولى [133] بالمسارعة إلى شيئين الأول مغفرة ذنوبهم وذلك بالتوبة النصوح، والثاني دخول الجنة التي وصفها لهم، وقال تعالى {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} أي أحضرت وهيئت للمتقين والمسارعة إلى الجنة هي المسارعة إلى موجبات دخولها وهي الإِيمان والعمل الصالح إذ بهما تزكوا الروح وتطيب فتكون أهلاً لدخول الجنة. هذا ما تضمنته الآية الأولى وأما الآيتان الثانية [134] والثالثة [135] فْقد تضمنتا صفات المتقين الذين أعدت لهم الجنة دار السلام فقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} هذا وصف لهم بكثرة الإنفاق في سبيل الله، وفي كل أحايينهم من غنىً وفقر وعسر ويسر وقوله: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} وصف لهم بالحلم والكرم النفسي وقوله: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} وصف لهم بالصفح والتجاوز عن زلات الآخرين تكرماً، وفعلهم هذا إحسان ظاهر ومن هنا بشروا بحب الله تعالى لهم فقال تعالى {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} كما هو تشجيع على الإِحسان وملازمته في القول والعمل وقوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} وصف لهم بملازمة ذكر الله وعدم الغفلة، ولذا إذا فعلوا فاحشة ذنباً كبيراً أو ظلموا أنفسهم بذنب دون الفاحش ذكروا وعيد الله تعالى ونهيه عما فعلوا فبادروا الى التوبة وهي الإقلاع عن الذنب والندم عن الفعل والعزم على عدم العودة إليه، واستغفار الله تعالى منه. وقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وصف لهم بعدم الإِصرار أي المواظبة على الذنب وعدم تركه وهم يعلمون أنه ذنب ناتج عن تركهم لواجب، أو فعلهم لحرام، وأما الآية الرابعة [136] فقد تضمنت بيان جزائهم على إيمانهم وتقواهم وما اتصفوا به من كمالات نفسية، وطهارة روحية إلا وهو مغفرة ذنوبهم كل ذنوبهم. وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ومدح المنان عز وجل ما جازاهم به من المغفرة والخلود في الجنة ذات النعيم المقيم فقال: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب تعجيل التوبة وعدم التسويف فيها لقوله تعالى: {وَسَارِعُوۤاْ}. 2- سعة الجنة، وإنها مخلوقة الآن لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ}. 3- المتقون هم أهل الجنة وورثتها بحق. 4- فضل استمرار الإنفاق في سبيل الله، ولو بالقليل. 5- فضيلة خلة كظم الغيظ بترك المبادرة إلى التشفي والإنتقام. 6- فضل العفو عن الناس مطلقا مؤمنهم وكافرهم بارهم وفاجرهم. 7- فضيلة الاستغفار وترك الإِصرار على المعصية للآية ولحديث: "حديث : ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة". تفسير : رواه الترمذي وأبو داود. وحسنه ابن كثير.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتُ} (133) - وَيَنْدُبُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ إلَى القِيَامِ بِالأَعْمِالِ الصَّالِحَةِ، وَإلى المُسَارَعَةِ فِي فِعْلِ الخَيْرَاتِ، لِيَنَالُوا مَغْفِرَةَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ، وَجَنَّتَهُ الوَاسِعَةَ العَرِيضَةَ التِي أَعَدَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ المُتَّقِينَ، الذِينَ يَمْتَثِلُونَ أَمْرَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والسرعة - كما عرفنا - مقابلها العجلة، إن السرعة هي: التقدم فيما ينبغي، ومعنى أن تتقدم فيما ينبغي: أنك تجعل الحدث يأخذ زمناً أقل، والمثال على ذلك عندما يسرع الإنسان بسيارته من القاهرة إلى الإسكندرية فهو يحاول أن يقطع المائتين والعشرة كيلو مترات في زمن أقل، فبدلاً من أن تأخذ منه ثلاث ساعات في السيارة فهو يسرع كي تأخذ منه ساعتين. إذن فالسرعة هي: التقدم فيما ينبغي، وهي محمودة، وضدها: الإبطاء. فالسرعة محمودة، والإبطاء مذموم. لكن "العجلة" تقدم فيما لا ينبغي، وهي مذمومة، مقابلها "التأني"، والتأني ممدوح، إذن فالسرعة محمودة، ومقابلها الإبطاء مذموم، والعجلة مذمومة، ومقابلها التأنّي ممدوح، والمثل الشعبي يقول: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة. إن الحق يقول: {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] أي: خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة، لأنك لا تعرف كم ستبقى في الدنيا، إياك أن تؤجل عملاً من أعمال الدين أو عملاً من أعمال الخير؛ لأنك لا تعرف أتبقى له أم لا. فانتهز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة، هذا هو المعنى الذي يأتي فيه الأثر الشائع "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". الناس تفهمها فهماً يؤدي مطلوباتهم النفسية بمعنى: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً: يعني اجمع الكثير من الدنيا كي يَكفيك حتى يوم القيامة، وليس هذا فهماً صحيحاً لكن الصحيح هو أن ما فاتك من أمر الدنيا اليوم فاعتبر أنك ستعيش طويلاً وتأخذه غداً، أمَّا أمر الآخرة فعليك أن تعجل به. {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} [آل عمران: 133] ونحن نعرف أن المساحات لها طول وعرض، لأن الذي طوله كعرضه يكون مربعاً، إنما الذي عرضه أقل من طوله فنحن نسميه "مستطيلاً"، وحين يقول الحق {عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} [آل عمران: 133] نعرف أن العرض هو أقل البعدين، أي أنها أوسع مما نراه، فكأنه شبّه البعد الأقل في الجنة بأوسع البعد لما نعرفه وهو السماوات والأرض ملتصقة مع بعضها بعضاً فأعطانا أوسع مَمَّا نراه. فإذا كان عرضها أوسع ممَّا نعرف فما طولها؟ أنه حد لا نعرفه نحن. قد يقول قائل لماذا بيَّن عرضها فقال: {عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} [آل عمران: 133]. فأين طولها إذن؟ ونقول: وهل السماوات والأرض هي الكون فقط؟ إنّه سبحانه يقول: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ..}تفسير : [البقرة: 255]. ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما السماوات والأرض وما بينهما إلا كحلقة ألقاها ملك في فلاة".تفسير : أليست هذه من ملك الله؟ وهكذا نرى أن هذه الجنة قد أُعدت للمتقين، ومعنى "أُعدت" أي هيئت وصُنعت وانتهت المسألة! يؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "حديث : عرضت عليّ الجنة ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت ". تفسير : لماذا؟ لأن الإخبار بالحدث قد يعني أن الحدث غير موجود وسيوجد من بعد ذلك، ولكن الوجود للحدث ينفي أن لا يوجد؛ لأن وجوده صار واقعاً، فعندما يقول: "أُعدت" فمعناها أمر قد انتهى الحق من إعداده، ولن يأخذ من خامات الدنيا وينتظر إلى أن ترتقي الدنيا عندكم ويأخذ وسائل وموادّ مما ارتقيتم ليعد بها الجنة، لا. لقد أخبر سبحانه عنها فقال: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، وأعد سبحانه الجنة كلها بـ "كن"، فعندما يقول: "أُعدت" تكون مسألة مفروغاً منها. وما دامت مسألة مفروغاً منها إذن فالمصير إليها أو إلى مقابلها مفروغ منه، والجنة أُعدت للمتقين، فمن هم المتقون؟.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما حث تعالى على الصبر والتقوى ونبه المؤمنين إِلى إِمداد الله لهم بالملائكة في غزوة بدر، عقّبه بالأمر بالمسارعة إِلى نيل رضوان الله، ثم ذكر بالتفصيل غزوة أُحد وما نال المؤمنين فيها من الهزيمة بعد النصر بسبب مخالفة أمر الرسول، ثم بيّن أن الابتلاء سنة الحياة، وأن قتل الأنبياء لا ينبغي أن يُدخل الوهن إِلى قلوب المؤمنين، ثم توالت الآيات الكريمة في بيان الدروس والعبر من غزوة أُحد. اللغَة: {وَسَارِعُوۤاْ} بادروا {السَّرَّآءِ} الرخاء {ٱلضَّرَّآءِ} الشدة والضيق {وَٱلْكَاظِمِينَ} كظم الغيظ: ردّه في الجوف يقال: كظم غيظه أي لم يظهره مع قدرته على إِيقاعه بالعدو مأخوذ من كظم القربة إِذا ملأها وشد رأسها {فَاحِشَةً} الفاحشة: العمل الذي تناهى في القبح {خَلَتْ} مضت {سُنَنٌ} السنن: جمع سنة وهي الطريقة التي يقتدى بها ومنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها هنا الوقائع التي حصلت للمكذبين {قَرْحٌ} جرح بالفتح والضم قال الفراء: هو بالفتح الجرح وبالضم ألَمه، وأصل الكلمة الخلوص ومنه ماءٌ قُراح {نُدَاوِلُهَا} نصرّفها والمداولة: نقل الشيء من واحد إِلى آخر يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من شخص إلى شخص {وَلِيُمَحِّصَ} التمحيص: التخليص يقال: محصته إذا خلَّصته من كل عيب وأصله في اللغة: التنقية والإِزالة {وَيَمْحَقَ} المحق: نقص الشيء قليلاً قليلاً {أَعْقَابِكُمْ} جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال: انقلب على عقبه أي رجع إِلى ما كان عليه {مُّؤَجَّلاً} له وقت محدّد لا يتقدم ولا يتأخر {وَكَأَيِّن} كم وهي للتكثير وأصلها أيّ دخلت عليها كاف التشبيه فأصبح معناها التكثير {رِبِّيُّونَ} جمع ربِّي نسبة إِلى الربّ كالربانيين وهم العلماء الأتقياء العابدون لربهم وقيل: نسبة إِلى الربّة وهي الجماعة {ٱسْتَكَانُواْ} خضعوا وذلّوا وأصله من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليصنع به ما يريد. التفسِير: {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بادروا إِلى ما يوجب المغفرة بطاعة الله وامتثال أوامره {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} أي وإِلى جنة واسعة عرضها كعرض السماء والأرض كما قال في سورة "الحديد" {أية : عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الآية: 21] والغرض بيان سعتها فإِذا كان هذا عرضها فما ظنك بطولها؟ {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} أي هيئت للمتقين لله {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} أي يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي الشدة والرخاء، {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أي يمسكون غيظهم مع قدرتهم على الانتقام {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} أي يعفون عمن أساء إِليهم أو ظلمهم {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يحب المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة وغيرها {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} أي ارتكبوا ذنباً قبيحاً كالكبائر {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بإِتيان أي ذنب {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} أي تذكروا عظمة الله ووعيده لمن عصاه فأقلعوا عن الذنب وتابوا وأنابوا {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} استفهام بمعنى النفي أي لا يغفر الذنوب إِلا الله وهي جملة اعتراضية لتطييب نفوس العباد وتنشيطهم للتوبة ولبيان أن الذنوب - وإِن جلَّت - فإِن عفوه تعالى أجل ورحمته أوسع {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي لم يقيموا على قبيح فعلهم وهم عالمون بقبحه بل يقلعون ويتوبون {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي الموصوفون بتلك الصفات الحميدة جزاؤهم وثوابهم العفو عما سلف من الذنوب {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي ولهم جنات تجري خلال أشجارها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} أي نعمت الجنة جزاءً لمن أطاع الله، ثم ذكر تعالى تتمة تفصيل غزوة أُحد بعد تمهيد مبادئ الرشد والصلاح فقال {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} أي قد مضت سنة الله في الأمم الماضية بالهلاك والاستئصال بسبب مخالفتهم الأنبياء {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي تعرفوا أخبار المكذبين وما نزل بهم لتتعظوا بما ترون من آثار هلاكهم {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} أي هذا القرآن فيه بيانٌ شاف للناس عامة {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي وهداية لطريق الرشاد وموعظة وذكرى للمتقين خاصة، وإِنما خصّ المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به دون سائر الناس، ثم أخذ يسليهم عمّا أصابهم من الهزيمة في وقعة أُحد فقال {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا على ما أصابكم من قتلٍ أو هزيمة {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي وأنتم الغالبون لهم المتفوقون عليهم فإِن كانوا قد أصابوكم يوم أُحد فقد أبليتم فيهم يوم بدر {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إِن كنتم حقاً مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} أي إِن أصابكم قتلٌ أو جراح فقد أصاب المشركين مثل ما أصابكم {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي الأيام دول، يوم لك ويوم عليك، ويوم تُساء ويوم تُسر {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي فعل ذلك ليمتحنكم فيرى من يصبر عند الشدائد ويميز بين المؤمنين والمنافقين {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي وليكرم بعضكم بنعمة الشهادة في سبيل الله {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يحب المعتدين ومنهم المنافقون الذين انخذلوا عن نبيه يوم أُحد {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ينقيهم ويطهرهم من الذنوب ويميزهم عن المنافقين {وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ} أي يهلكهم شيئاً فشيئاً {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} استفهام على سبيل الإِنكار أي هل تظنون يا معشر المؤمنين أن تنالوا الجنة بدون ابتلاء وتمحيص؟ {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} أي ولما تجاهدوا في سبيله فيعلم الله جهادكم وصبركم على الشدائد؟ قال الطبري المعنى: أظننتم يا معشر أصحاب محمد أن تنالوا كرامة ربكم ولمّا يتبين لعبادي المؤمنين المجاهدون منكم في سبيل الله والصابرون عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من ألم ومكروه!! {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} أي كنتم تتمنون لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} أي من قبل أن تذوقوا شدته، والآية عتاب في حق من انهزم {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أي رأيتموه بأعينكم حين قُتل من إِخوانكم وشارفتم أن تقتلوا، ونزل لما أشاع الكافرون أن محمداً قد قتل وقال المنافقون: إِن كان قد قتل فتعالوا نرجع إِلى ديننا الأول {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} أي ليس محمد إِلا رسول مضت قبله رسل، والرسل منهم من مات ومنهم من قُتل {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أفإِن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفاراً بعد إِيمانكم؟ {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي ومن يرتد عن دينه فلا يضر الله، وإِنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} أي يثيب الله المطيعين وهم الذين ثبتوا ولم ينقلبوا، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل نفسٍ أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر فقال {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} أي بإِرادته ومشيئته {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} أي كتب لكل نفسٍ أجلها كتاباً مؤقتاً بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، والغرض تحريضهم على الجهاد وترغيبهم في لقاء العدو، فالجبنُ لا يزيد في الحياة، والشجاعة لا تنقص منها، والحذر لا يدفع القدر والإِنسان لا يموت قبل بلوغ أجله وإِن خاض المهالك واقتحم المعارك {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي من أراد بعمله أجر الدنيا أعطيناه منها وليس له في الآخرة من نصيب، وهو تعريض بالذين رغبوا في الغنائم، فبيّن تعالى أن حصول الدنيا للإِنسان ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبر والفاجر {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي ومن أراد بعمله أجر الآخرة أعطيناه الأجر كاملاً مع ما قسمنا له من الدنيا كقوله {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} تفسير : [الشورى: 20] {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا بحسب شكرهم وعملهم {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} أي كم من الأنبياء قاتل لإِعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعُبَّاد صالحون قاتلوا فقُتل منهم من قتل {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي ما جبنوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح {وَمَا ضَعُفُواْ} عن الجهاد {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} أي ما ذلّوا ولا خضعوا لعدوهم {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} أي يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي ما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين إِلا طلب المغفرة من الله {وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} أي وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} أي ثبتنا في مواطن الحرب {وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي انصرنا على الكفار {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} أي جمع الله لهم بين جزاء الدنيا بالغنيمة والعز والظفر والتمكين لهم بالبلاد وبين جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يحب من أحسن عمله وأخلص نيته، وخص ثواب الآخرة بالحسن إِشعاراً بفضله وأنه المعتد به عند الله. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- {عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} أي كعرض السماوات والأرض حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه يسمى هذا "التشبيه البليغ". 2- {سَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} من باب تسمية الشيء باسم سببه أي إِلى موجبات المغفرة. 3- {السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} فيه الطباق وهو من المحسنات البديعية. 4- {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر. 5- {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ} الإِشارة بالبعيد للإِشعار ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم في الفضل. 6- {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك. 7- {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} هو من باب الالتفات لأنه جاء بعد لفظ {نُدَاوِلُهَا} فهو التفات من الحاضر إلى الغيبة، والسرُّ في هذا الالتفات تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله. 8- {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} قصر موصوف على صفة. 9- {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} قال في تلخيص البيان: هذه استعارة والمراد بها الرجوع عن دينه، فشبّه سبحانه الرجوع في الإِرتياب بالرجوع على الأعقاب. الفوَائِد: الأولى: في هذه الآيات الكريمة {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} أمهات مكارم الأخلاق من البذل وكظم الغيظ والعفو عن المسيئين والتوبة من الذنوب، وكلٌ منها مصدر لفضائل لا تدخل تحت الحصر. الثانية: قدم المغفرة على الجنة لأن التخلية مقدمة على التحلية فلا يستحق دخول الجنة من لم يتطهر من الذنوب والآثام. الثالثة: تخصيص العرض بالذكر للمبالغة في وصف الجنة بالسعة والبسطة فإِذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ قال ابن عباس: كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. الرابعة: كتب هرقل إِلى النبي صلى الله عليه وسلم إِنك دعوتني إِلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال عليه السلام: "حديث : سبحان الله أين الليل إِذا جاء النهار ". تفسير : الخامسة: أمر تعالى بالمسارعة إِلى عمل الآخرة في آيات عديدة {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } و {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} تفسير : [الحديد: 21] {أية : فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [البقرة: 148] {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 9] {أية : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} تفسير : [المطففين: 26] وأما لعمل الدنيا فأمر بالهوينى {أية : فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا} تفسير : [الملك: 15] {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 20] فتدبر السرّ الدقيق.
الأندلسي
تفسير : و{عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} فيه حذفان كاف التشبيه ومضاف تقديره كعرض السماوات، يدل على ذلك قوله تعالى في الحديد: {أية : كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الآية: 21]، والسماء يراد به الجنس لا الأفراد يدل على ذلك قوله: عرضها السماوات جمعاً، والعرض يستعمل في السعة وبالمعنى الذي يقابل الطول وقد فسر العرض هنا بهذين بوجهين. {فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} قال ابن عباس: السراء. اليسر، والضراء العسر. {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أي الممسكين ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر فلا يظهر له تأثير في الخارج. {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية نزلت بسبب نبهان التمار أتته امرأة تشتري منه تمراً فقبلها وضمّها، ثم ندم وقيل: ضرب على عجزها، قال ابن عباس: الفاحشة الزنا، وظلم النفس ما دونه من النظر واللمسة. {وَلَمْ يُصِرُّواْ} معطوف على فاستغفروا لذنوبهم والاصرار على الذنب المداومة عليه. {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} جملة اعتراض بين المتعاطفين. وتقدم إعراب نظيرها في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة: 130]، وهذه الجملة الاعتراضية فيها ترقيق للنفس وداعية إلى رجاء الله وسعة عفوه واختصاصه فغفران الذنوب.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بقوله تعالى: {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، إشارة أن الله تعالى خلق الإنسان لدخول الجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، والوصول على حظائر القدس والقربة ومقاماتها، ثم أرسل المرسلين مبشرين بالجنة ومنذرين عن النار، وخص من بينهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه فقال تعالى: {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 46]، فحثهم بالاتقاء والحذر من النار كما قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]؛ يعني: هم مخصوصون بها؛ لأنهم ما اتقوا عن الشرك ومتابعة الهوى، فإن ترك الهوى ينجي به من النار وهو التوحيد والائتمار بأوامر الله تعالى، والانتهاء عن نواهيه. وحرضهم عن المسارعة إلى الجنة بقوله تعالى: {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133]؛ أي: سارعوا بقدم التقوى إلى مقام من المقامات قرب ربكم، {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} [آل عمران: 133]، والإشارة فيها: إن الوصوص إليها بعد العبور عن ملك السماوات والأرض وهي المحسوسات التي تدركها الحواس الخمس، والعبور عنها إنما يكون بقدم التقوى الذي هو تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، فإن التقوى التي تولج به في عالم الملكوت هي التزكية لقوله تعالى: {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}تفسير : [طه: 76]، وذلك جزاء من تزكى، ويدل عليه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى عليه السلام: "حديث : لن يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين"تفسير : ، فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها، وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية، فافهم جيداً. وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]؛ أي: هم مخصوصون ومراتبهم في الدرجات العلا بقدر تقوى النفوس وتزكيتها. ثم شرح أقسام التقوى والتزكية بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} [آل عمران: 134]؛ أي: ينفقون أموالهم وأرواحهم في الضراء، بل ينفقون المكونات في طلب المكون، {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} [آل عمران: 134]؛ أي: عند القدرة على إنقاذه لطلب رضاء الله تعالى: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 134]؛ يعني: يصدر منهم برؤية مصدر الأفعال إنه هو الله تعالى، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]؛ يعني: الذين لهم هذه الأخلاق، {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} [آل عمران: 135]، وهي رؤية غير الله، {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135]، وذلك تعلقاتها بما سوى الله، {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} [آل عمران: 135]، بالنظر إليه ورؤيته، {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135]، التجئوا إليه في قطع التعلقات عما سواه، {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 135]؛ أي: ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار إلا الله، {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} [آل عمران: 135]، ولم يثبتوا على رؤية الوسائط والتعلق بتا، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، "ألا إن كل شيء ما خلا الله باطل". {أُوْلَـٰئِكَ} [آل عمران: 136]؛ يعني: الذي فيهم هذه الأقسام، {جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [آل عمران: 136]؛ أي: هم مستحقون لمقامات القربة، {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [آل عمران: 136]؛ يعني: من مياه العناية خالدين فيها مشفعين إلى الأبد فيما يسارعون إليه، {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136]، الذي سارعوا مما نالوا من الدرجات العلا وقربات المولى، والإشارة فيه: إن نيل المقصود في بذل المجهود، كما قال تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):