Verse. 427 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

الَّذِيْنَ يُنْفِقُوْنَ فِي السَّرَّاۗءِ وَالضَّرَّاۗءِ وَالْكٰظِمِيْنَ الْغَيْظَ وَالْعَافِيْنَ عَنِ النَّاسِ۝۰ۭ وَاللہُ يُحِبُّ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۱۳۴ۚ
Allatheena yunfiqoona fee alssarrai waalddarrai waalkathimeena alghaytha waalAAafeena AAani alnnasi waAllahu yuhibbu almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين ينفقون» في طاعة الله «في السراء والضراء» اليُسر والعسر «والكاظمين الغيظ» الكافين عن إمضائه مع القدرة «والعافين عن الناس» ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم «والله يحب المحسنين» بهذه الأفعال، أي يثبهم.

134

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الانسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات. فالصفة الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء } وفيه وجوه: الأول: أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الانفاق، وبالجملة فالسراء هو الغنى، والضراء هو الفقر. يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب، والثاني: أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فانهم لا يدعون الاحسان إلى الناس، الثالث: المعنى أن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فانهم لا يتركونه، وإنما افتتح الله بذكر الانفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } وفيه مسئلتان. المسألة الأولى: يقال: كظم غيظة إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل قال: المبرد تأويله أنه كتم على امتلائه منه، يقال: كظمت السقاء إذا ملأته وسددت عليه، ويقال: فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا يحتمل شيئا، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم، والذي يسد به يقال له الكظامة والسدادة، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة، لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة، ويقال: أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ بمجرى نفسه، لأنه موضع الامتلاء بالنفس، وكظم البعير كظوماً إذا أمسك على ما في جوفه ولم يجتر، ومعنى قوله: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } الذين يكفون غيظهم عن الامضاء ويردون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله: {أية : وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } تفسير : [الشورى: 37]. المسألة الثانية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» تفسير : وقال عليه السلام: لأصحابه «حديث : تصدقوا» تفسير : فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به، ولكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم ذلك الرجل وفد، فقال عليه السلام: «حديث : لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها الله منه تصدق بعرضه» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاء ومن جرعة غيظ كظمها» تفسير : وقال عليه السلام «حديث : ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب». تفسير : الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون هذا راجعا الى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهي المؤمنون عن ذلك وندبوا الى العفو عن المعسرين. قال تعالى: عقيب قصة الربا والتداين {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 280] ويحتمل أن يكون كما قال في الدية: {أية : فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } تفسير : [البقرة: 178] الى قوله: {أية : وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 280] ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال: «حديث : لأمثلن بهم» تفسير : فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة، فكان تركه فعل ذلك عفوا، قال تعالى: في هذه القصة {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } تفسير : [النحل: 126] قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه» تفسير : وروي عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه: ليس الاحسان أن تحسن الى من أحسن اليك ذلك مكافأة انما الاحسان أن تحسن الى من أساء اليك. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. واعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بايصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه. أما إيصال النفع اليه فهو المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء } ويدخل فيه انفاق العلم، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الاساءة باساءة أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في الآخرة وهو أن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الاحسان إلى الغير، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } فان محبة الله للعبد أعم درجات الثواب.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} هذا من صفة المتقين الذين أعِدَت لهم الجنة، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه. و {السَّرَّآءِ} اليسر {وَٱلضَّرَّآءِ} العسر؛ قاله آبن عباس والكلبي ومقاتل. وقال عبيد بن عمير والضحاك: السرّاء والضرّاء الرخاء والشدّة. ويقال في حال الصحة والمرض. وقيل: في السرّاء في الحياة، وفي الضرّاء يعني يوصى بعد الموت. وقيل؛ في السراء في العرس والولائم، وفي الضرّاء في النوائب والمآتم. وقيل: في السرّاء النفقة التي تسرّكم؛ مثل النفقة على الأولاد والقرابات، والضرّاء على الأعداء. ويقال: في السرّاء ما يضيف به الفتى ويُهْدى إليه. والضرّاء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم. قلت: ـ والآية تعم. ثم قال تعالى: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} وهي المسألة: الثانية: وكَظم الغيظ ردّه في الجوف؛ يقال: كظم غيظة أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعة بعدّوه، وكظمت السِّقاء أي ملأته وسددت عليه، والكظامة ما يسدّ به مجرى الماء؛ ومنه الكِظام للسير الذي يسدّ به فَمُ الزَّقّ والقربة. وكظم البعير جرته إذا ردّها في جوفه؛ وقد يقال لحبسه الجِرّة قبل أن يرسلها إلى فيه: كظم؛ حكاه الزجاج. يقال: كظم البعير والناقة إذا لم يَجْتَرَّا، ومنه قول الراعي:شعر : فأفَضْنَ بعد كُظومِهِنَ بِجِرّةٍ من ذي الأَبارِقِ إذ رَعَيْن حَقِيلا تفسير : والحقيل: موضع. والحقيل نبت. وقد قيل: إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجترّ ـ قال أعشى باهِلة يصف رجلا نّحارا للإبل فهي تفزع منه:شعر : قد تكْظِم البُزْلَ منه حين تُبْصِره حتى تَقَطَّع في أجوافِها الجِرَرُ تفسير : ومنه: رجل كظِيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا. وفي التنزيل: {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [يوسف: 84] {أية : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 58]. {أية : إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} تفسير : [القلم: 48] والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان لكن فُرْقَانُ ما بينهما. أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل مّا ولا بدّ؛ ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم. وقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب؛ وليس بجيد، والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} العفو عن الناس أَجلُّ ضُرُوب فعل الخير؛ حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتّجه حقه. وكل من استحق عقوبة فتُرِكت له فقد عُفي عنه. واختلف في معنى «عَن النَّاسِ» فقال أبو العالية والكلبي والزجاج: {والعافين عن الناس} يريد عن المماليك. قال ٱبن عطية: وهذا حسن على جهة المثال؛ إذ هُم الخَدَمَة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل؛ فلذلك مثل هذا المفسَّر به. ورُوي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مَرَقَة حارّة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، ٱستعمل قول الله تعالى: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ}. قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده {والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}. فقال: قدَ عَفوتُ عنك. فقالت الجارية: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. قال ميمون: قد أحسنت إليكِ، فأنت حرّة لوجه الله تعالى. ورُوي عن الأحنف بن قيس مثله. وقال زيد ٱبن سلم: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} عن ظلمهم وإساءتهم. وهذا عام، وهو ظاهر الآية. وقال مقاتل بن حيان في هذه الآَية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك: «حديث : إنّ هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت»تفسير : فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: {أية : وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} تفسير : [الشورى: 37] وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك. ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملْك النفس عند الغضب أحاديثُ؛ وذلك من أعظم العبادة وجِهادِ النفس؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس الشديد بالصُّرَعَةِ ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : ما من جرعة يتجرّعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعةٍ غيظٍ في الله»تفسير : . وروى أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أشدّ من كل شيء؟ قال: «غضب الله». قال فما ينجي من غضب الله؟ قال: «لا تغضب» قال العرجي:شعر : وإذا غضبت فكن وَقُوراً كاظما للغيظ تَبْصُر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا تَصبُّر ساعةٍ يرضى بها عنك الإله وتُرفع تفسير : وقال عروة بن الزبير في العفو:شعر : لن يبلغ المجدَ أقوامٌ وإن شرفوا حتى يُذِلُوا وإن عَزوا لأقوام ويُشْتَموا فترى الألوانَ مُشرِقَة لا عَفْو ذُلِّ ولكن عَفْو إكرامِ تفسير : وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحورِ شاء»تفسير : قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة ناد منادٍ من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب»تفسير : . ذكره الماوردي. وقال ٱبن المبارك: كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدّم فلا يتقدّم إلا من عفا عن ذنب»تفسير : فأمر بإطلاقه. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يثيبهم على إحسانهم. قال سَري السّقَطي: الإحسان أن تحسن وقت الإمكان، فليس كل وقت يمكنك الإحسان؛ قال الشاعر:شعر : بادِرْ بِخَيَرٍ إذا ما كنتَ مُقْتَدراً فليس في كلَّ وقتٍ أنت مُقتِدرُ تفسير : وقال أبو العباس الجُمَّاني فأحسن:شعر : ليس في كُل ساعةٍ وأوَانٍ تَتَهيّأُ صنائعُ الإحسان ¤وإذا أَمْكَنتْ فبادِر إِليها حذَراً من تَعَذُّر الإمكان تفسير : وقد مضى في «البقرة» القول في المحسن والإحسان فلا معنى للإعادة.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} صفة مادحة للمتقين، أو مدح منصوب أو مرفوع. {فِي السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء} في حالتي الرخاء والشدة، أو الأحوال كلها إذ الإِنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة، أي لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير، {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة، من كظمت القربة إذا ملأتها وشددت رأسها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على إنقاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً»تفسير : {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته، وعن النبي عليه الصلاة والسلام «حديث : إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله» تفسير : وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء، والعهد فتكون الإِشارة إليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ } في طاعة الله {فِى السَّرَّآءِ وَٱلضَّرّآءِ } اليُسر والعُسر {وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } الكافين عن إمضائه مع القدرة {وَٱلْعَٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } بهذه الأفعال، أي يُثيبهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {الذين ينفقون في السراء والضراء} يقول: في العسر واليسر {والكاظمين الغيظ} يقول: كاظمون على الغيظ كقوله{أية : وإذا ما غضبوا هم يغفرون}تفسير : [الشورى: 37] يغضبون في الأمر لو وقعوا فيه كان حراماً فيغفرون ويعفون، يلتمسون وجه الله بذلك {والعافين عن الناس} كقوله {أية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة...}تفسير : [النور: 22] الآية. يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة واعفوا واصفحوا. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله والكاظمين الغيظ ما الكاظمون؟ قال: الحابسون الغيظ قال عبد المطلب بن هاشم: شعر : فخشيت قومي واحتبست قتالهم والقوم من خوف قتالهم كظم تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {والعافين عن الناس} قال عن المملوكين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله {والعافين عن الناس} قال: يغيظون في الأمر فيغفرون ويعفون عن الناس، ومن فعل ذلك فهو محسن {والله يحب المحسنين} بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك "حديث : هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة في قوله {والكاظمين الغيظ} أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأه الله أمنا وإيماناً ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد. ما كظم عبد الله إلا ملأ الله جوفة إيماناً ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر. مثله. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحوَّر شاء ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عامر بن سعد "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بناس يتحادون مهراساً فقال: أتحسبون الشدة في حمل الحجارة؟ إنما الشدة أن يمتلئ الرجل غيظاً ثم يغلبه ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: يقال يوم القيامة ليقم من كان له على الله أجر، فما يقوم إلا إنسان عفا. وأخرج الحاكم عن أبي بن كعب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصل من قطعه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن علي بن الحسين، أن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت: إن الله يقول {والكاظمين الغيظ} قال: قد كظمت غيظي قالت {والعافين عن الناس} قال: قد عفا الله عنك قالت {والله يحب المحسنين} قال: اذهبي فأنت حرة. وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : وجبت محبة الله على من أغضب فحلم ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن عبسة "حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ فقال: الصبر، والسماحة، وخلق حسن ". تفسير : وأخرج البيهقي عن كعب بن مالك "حديث : أن رجلاً من بني سلمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال: حسن الخلق. ثم راجعه الرجل فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسن الخلق. حتى بلغ خمس مرات ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وضعفه عن جابر قال "حديث : قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الشؤم؟ قال: سوء الخلق ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وضعفه عن عائشة مرفوعاً "حديث : قال"الشؤم سوء الخلق "". تفسير : وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد "تفسير : . وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الخلق السوء يفسد الإيمان كما يفسد الصبر الطعام" تفسير : قال أنس: وكان يقال: إن المؤمن أحسن شيء خلقاً. وأخرج ابن عدي والطبراني والبيهقي وضعفه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : "حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وان الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل" "تفسير : . وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : "إن حسن الخلق يذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الصبر العسل" "تفسير : . وأخرج البيهقي وضعفه عن طريق سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : "حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجره إلى الخير، والخير يجره إلى الجنة. وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار" "تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : والله ما حسن الله خلق رجل ولا خلقه فتطعمه النار ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي "حديث : عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سعادة ابن آدم حسن الخلق، ومن شقوته سوء الخلق ". تفسير : وأخرج الخرائطي والبيهقي عن ابن عمرو قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء يقول: اللهم إني أسألك الصحة، والعفة، والأمانة، وحسن الخلق، والرضا بالقدر ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي بسند جيد عن عائشة قالت "حديث : كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللَّهم كما حسنت خلقي فاحسن خلقي ". تفسير : وأخرج الخرائطي والبيهقي عن أبي مسعود البدري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللَّهم حسنت خلقي فاحسن خلقي ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ". تفسير : وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كان هيناً قريباً حرمه الله على النار ". تفسير : وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال:"حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرني ولا تكثر فلعلي أعقله فقال: لا تغضب. فأعاد عليه فقال: لا تغضب ". تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي "حديث : عن جارية بن قدامة قال قلت: يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني واقلل لعلي أعقله قال: لا تغضب ". تفسير : وأخرج البيهقي "حديث : عن عبد الله بن عمرو قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبعدني من غضب الله؟ قال: لا تغضب ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه والحاكم والبيهقي "حديث : عن أبي سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلى مغيربان الشمس، حفظها ونسيها من نسيها، وأخبر ما هو كائن إلى يوم القيامة، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة، وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء. ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً. ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم. ألم تروا إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فليلزق بالأرض. ألا إن خير الرجال من كان بطيء الغضب، سريع الفيء. وشر الرجال من كان بطيء الفيء، سريع الغضب. فإذا كان الرجل سريع الغضب سريع الفيء فانها بها، وإذا كان بطيء الغضب بطيء الفيء فإنها بها. ألا وإن خير التجار من كان حسن القضاء حسن الطلب، وشر التجار من كان سيء القضاء سيء الطلب. فإذا كان الرجل حسن القضاء سيء الطلب فإنها بها، وإذا كان الرجل سيء القضاء حسن الطلب فإنها بها. ألا لا يمنعن رجلاً مهابة الناس أن يقول بالحق إذا علمه. ألا إن لكل غادر لواء بقدر غدرته يوم القيامة. ألا وإن أكبر الغدر أمير العامة. ألا وإن أفضل الجهاد من قال كلمة الحق عند سلطان جائر. فلما كان عند مغرب الشمس قال: ألا إن ما بقي من الدنيا فيما مضى منه كمثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى ". تفسير : وأخرج الحكيم في نوادر الأصول والبيهقي "حديث : عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قالقلت: يا رسول الله أخبرني بوصية قصيرة فألزمها قال: لا تغضب يا معاوية بن حيدة، ان الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل ". تفسير : وأخرج الحكيم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الغضب ميسم من نار جهنم يضعه الله على نياط أحدهم. ألا ترى أنه إذا غضب احمرت عيناه، واربَدَّ وجهه، وانتفخت أوداجه؟ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم. ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه؟ فمن حس من ذلك شيئاً فإن كان قائماً فليقعد، وان كان قاعداً فليضطجع ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كظمها رجل، أو جرعة صبر عند مصيبة. وما قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع من خشية الله أو قطرة دم في سبيل الله ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ثلاث كلهن حق: ما من أحد يظلم مظلمة فيغض عنها إلا زاده الله بها عزا، وما من أحد يفتح باب مسألة ليزداد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة، وما من أحد يفتح باب عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمرو قال:"حديث : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً، ولا متفحشاً، وكان يقول إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والبزار وابن حبان والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعطيَ حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير، وقال: ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الزهد عن أبي هريرة قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الأجوفان. الفم والفرج ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات القائم الليل الصائم النهار ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليبلغ العبد بحسن خُلِقِهِ درجة الصوم والصلاة ". تفسير : وأخرج الطبراني والخرائطي عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرفات المنازل وأنه لضعيف العبادة وأنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والخرائطي عن ابن عمرو "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوّام القوّام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الصمت عن صفوان بن سليم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها علىالبدن. الصمت وحسن الخلق ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن العلاء بن الشخير "حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: حسن الخلق. ثم أتاه عن يمينه فقال: أي العمل أفضل؟ قال: حسن الخلق ثم أتاه عن شماله فقال: أي العمل أفضل؟ قال: حسن الخلق، ثم أتاه من بعده ـ يعني من خلفه ـ فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك لا تفقه...! حسن الخلق أفضل. لا تغضب إن استطعت ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي أُمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والخرائطي في مكارم الأخلاق عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً ". تفسير : وأخرج الطبران عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حسن الخلق خلق الله الأعظم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي هريرةأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مع الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان عن ابن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالوا: نعم. يا رسول الله قال: أحسنكم خلقاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والطبراني بسند جيد عن أنس قال "حديث : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا أدلُّك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله الله قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ بن حيان في الثواب بسند رواه "حديث : عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر ألا أدلك على أفضل العبادة، وأخفها على البدن، وأثقلها في الميزان، وأهونها على اللسان؟ قلت: بلى، فداك أبي وأمي قال: عليك بطول الصمت، وحسن الخلق، فإنك لست بعامل بمثلهما ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ "حديث : عن أبي الدرداء قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الدرداء ألا أنبئك بأمرين خفيفةٍ مؤنتُهما عظيم أجرُهما، لم تلق الله عز وجل بمثلهما؟ طول الصمت، وحسن الخلق ". تفسير : وأخرج البزار وابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: اطولكم اعماراً، وأحسنكم اخلاقاً ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن حبان عن اسامة بن شريك قال "حديث : قالوا: يا رسول الله ما خير ما أُعطي الإنسان؟ قال: خلق حسن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني بسند جيد عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً ". تفسير : وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عمرو أن معاذ بن جبل أراد سفراً فقال "حديث : يا نبي الله أوصني قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئاً قال: يا نبي الله زدني قال: إذا أسأت فأحسن. قال: يا نبي الله زدني قال: استقم ولتحسن خلقك ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والخرائطي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقِ الله حيثما كنت، وأتبعِ السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناس بخلق حسن ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن هذه الأخلاق من الله، فمن أراد به خيراً منحه خلقاً حسناً، ومن أراد به سوءاً منحه خلقاً سيئاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوأكم أخلاقاً الثرثارون، المتشدقون، المتفيقهون ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني والخرائطي عن أنس قال حديث : "قالت أم حبيبة" : يا رسول الله المرأة يكون لها زوجان ثم تموت فتدخل الجنة هي وزوجاها لأيهما تكون. للأوّل أو للآخر؟ قال: تخير فتختار أحسنهما خلقاً كان معها في الدنيا يكون زوجها في الجنة، يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة . تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من شيء إلا له توبة إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: اللهمَّ إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ". تفسير : وأخرج الخرائطي "حديث : عن جرير بن عبد الله قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خياركم أحاسنكم أخلاقاً ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كان حسن الخلق رجلاً يمشي في الناس لكان رجلاً صالحاً ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "حديث : ثلاث من لم تكن فيه أو واحدة منهن فلا يعتدن بشيء من عمله. تقوى تحجزه عن معاصي الله عز وجل، أو حلم يكف به السفيه، أو خلق يعيش به في الناس ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اليمن حسن الخلق ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سعادة ابن آدم حسن الخلق ". تفسير : وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحسن الحسن الخلق الحسن ". تفسير : وأخرج الخرائطي عن الفضيل بن عياض قال: "إذا خالطت الناس فخالط الحسن الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى خير". وأخرج أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "حديث : إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الدنيا والآخرة، وصلة الرحم. وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الاعمار ". تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرفق يمن، والخرق شؤم، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق. إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شأنه، وإن الحياء من الإيمان، وإن الإيمان في الجنة. ولو كان الحياء رجلاً كان رجلاً صالحاً، وإن الفحش من الفجور، وإن الفجور في النار، ولو كان الفحش رجلاً يمشي في النار لكان رجلاً سوءاً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أم الدرداء قالت: بات أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهمَّ أحسنت خلقي فاحسن خلقي. حتى إذا أصبح فقلت: يا أبا الدرداء أما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟ فقال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً، وأفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم ". تفسير : وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : خيار أمتي خمسمائة والابدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، وكلما مات بدل ادخل الله عز وجل من الخمسمائة مكانه وادخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون فقالوا: يا رسول الله دلنا على أعمال هؤلاء فقال: هؤلاء يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون مما آتاهم الله. قال: وتصديق ذلك في كتاب الله {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} ". تفسير : وأخرج ابن لال والديلمي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أسري بي قصوراً مستوية على الجنة فقلت: يا جبريل لمن هذا؟ فقال {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} "

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} [الآية: 134]. الذين يتبرءون من الأملاك والأنفس والقلوب، وينفقونها فى رضا الله لا يبخلون بشئ عليه. وقيل: هذا خطاب خاطب به العام المتفرقين من أهل الذنوب ليردهم به إلى طريق التوبة وخاطب الأوساط بقوله { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] اتقوه فى تصحيح طاعاتكم وإخلاصها وإخراج الشرك الخفى منها، وخاطب الخاص بقوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [الآية: 102] وهو القيام معه فى جميع الأحوال بحسن الموافقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين ينفقون} كل ما يصلح للانفاق وهو صفة مادحة للمتقين {فى السراء والضراء} اى فى حالتى الرخاء والشدة اى الغنى والفقر واليسر والعسر وفى الاحوال كلها اذ الانسان لا يخلو عن مسرة او مضرة اى لا يخلون فى حال ما بانفاق ما قدروا عليه من قليل او كثير {والكاظمين الغيظ} عطف على الموصول والكظم الحبس والغيظ توقد حرارة القلب من الغضب اى الممسكين عليه الكافين عن امضائه مع القدرة عليه {والعافين عن الناس} اى التاركين عقوبة من استحق مؤاخذته {والله يحب المحسنين} الذين عمت فواضلهم وتمت فضائلهم. ولامه يصلح للجنس فيدخل تحته هؤلاء والعهد فتكون الاشارة اليهم. واعلم ان الاحسان الى الغير اما ان يكون بايصال النفع اليه او بدفع الضرر عنه. اما ايصال النفع اليه فهو المراد بقوله {الذين ينفقون فى السراء والضراء} ويدخل فيه انفاق العلم وذلك بان يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين. ويدخل فيه انفاق المال فى وجوه الخيرات والعبادات قال عليه الصلاة والسلام "حديث : السخى قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار " .تفسير : واما دفع الضرر عن الغير فهو اما فى الدنيا وهو ان لا يشتغل بمقابلة تلك الاساءة باساءة اخرى وهو المراد بكظم الغيظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كظم غيظا وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبا امنا وايمانا " .تفسير : واما فى الآخرة وهو ان يبرئ ذمته من التبعات والمطالبات فى الآخرة وهو المراد بقوله {والعافين عن الناس} ـ روى ـ انه ينادى مناد يوم القيامة اين الذين كانت اجورهم على الله فلا يقوم الا من عفا وعن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ان هؤلاء فى امتى قليل الا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا فى الامم التى مضت " .تفسير : فهذه الآية دالة على جميع جهات الاحسان الى الغير ولما كانت هذه الامور الثلاثة مشتركة فى كونها احسانا الى الغير ذكر ثوابها فقال {والله يحب المحسنين} فان محبة الله العبد اعظم درجات الثواب. قال الفضيل بن عياض الاحسان بعد الاحسان مكافأة والاساءة بعد الاساءة مجازاة والاحسان بعد الاساءة كرم وجود والاساءة بعد الاحسان لؤم وشؤم ـ حكى ـ ان خادما كان قائما على رأس الحسن بن على رضى الله عنهما وهو مع اضيافه فى المائدة فانحرفت قصعة كانت فى يد الخادم فسقط منها شىء على الحسن فقال {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} قال قد عفوت عنك فقال {والله يحب المحسنين} قال أنت حر لوجه الله وقد زوجتك فلانة فتاتى وعلىّ ما يصلحكما: قال الفاضل الجامى شعر : جوانمردا جوانمردى بياموز زمردان جهان مردى بياموز جرون ازكين كين جويان نكه دار زبان از طعن بد كويان نكه دار نكويى كن بآن كوباتوبد كرد كزان بدر خنه دراقبال خود كرد جو آيين نكو كارى كنى ساز نكردد جزبتو آن نكويى باز تفسير : فعلى العاقل ان يسارع الى العمل بالحسنات من الاحسان وانواع الخيرات سريعا قبل الفوات لان فى التأخير آفات شعر : كنون وقت تخمست اكربرورى كراميد دارى كه خرمن برى تفسير : يعنى ان كنت تأمل الجنة فاعبد ربك بانواع العبادات ما دمت فى الحياة فان الفرصة غنيمة والمتأخر عن السير الله مغبون قيل بياساقى كه فى التأخير آفات ومن اضاع عمره فى الهوى فلا يلحقه يوم القيامة الا الحسرة والندامة شعر : بمايه توان اى بسر سود كرد جه سود آيد آنراكه سرمايه خورد تفسير : والله تعالى خلق الانسان لدخول الجنة ودرجاتها والنار ودركاتها ثم ارسل المرسلين مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار وحث بالاتقاء والحذر عن النار كما قال {أية : واتقوا النار التى اعدت للكافرين} تفسير : [آل عمران: 131]. وحرض على المسارعة الى الجنة بقوله {أية : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} تفسير : [آل عمران: 132]. اى سارعوا بقدم التقوى الى مقام من مقامات قرب ربكم {أية : وجنة عرضها السموات والارض} تفسير : [آل عمران: 132]. يعنى طولها فوق السموات والارض. والاشارة فيه ان الوصول اليها بعد العبور من ملك السموات والارض وهو المحسوسات التى تدركها الحواس الخمس والعبور عنها انما يكون بقدم التقوى الذى هو تزكية النفس عن الاخلاق الذميمة كما قال {أية : أعدت للمتقين} تفسير : [آل عمران: 132]. فان قدم التقوى الذى يولج به فى عالم الملكوت هو التزكية ويدل عليه ما قال عيسى عليه الصلاة والسلام [لن يلج ملكوت السموات والارض من لم يولد مرتين] فالولادة الثانية هى الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها وولوج الملكوت وهو التحلية بالصفات الروحانية وقوله {أية : أعدت للمتقين} تفسير : [آل عمران: 132]. اى هم مخصوصون بها ومراتبهم فى الدرجات العلى وهو بقدر تقوى النفوس وتزكيتها عصمنا الله واياكم من الشرور والاوزار وشرفنا بمقامات الابرار والاخيار.

الطوسي

تفسير : المعنى: {الذين} في موضع الجر، لأنه صفة المتقين، فذكر الله صفاتهم التي تعلو بها درجاتهم منها: أنهم يتقون عذاب الله بفعل طاعته، والانتهاء عن معصيته. وانهم ينفقون في السراء، والضراء وقد بينا فيما تقدم معنى الانفاق. وقيل في معنى السراء والضراء. قولان: أحدهما - قال ابن عباس في اليسر، والعسر، فكأنه قال في السراء بكثرة المال، والضراء بقلته. الثاني - في حال السرور، وحال الاغتمام. أي لا يقطعهم شيء من ذلك عن انفاقه في وجوه البر، فيدخل فيه اليسر والعسر. وإنما خصا بالذكر في التأويل الأول، لأن السرور بالمال يدعو إلى الظن به. كما يدعو ضيقه إلى التمسك به خوف الفقر، لانفاقه. وقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ} أي المتجرعين له، فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر بل يصبرون على ذلك، ويتجرعونه. اللغة: وأصل الكظم شد رأس القربة عن ملئها. تقول: كظمت القربة إذا ملأتها ماء ثم شددت رأسها. وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئاً حزنا. ومنه قوله: {أية : وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} تفسير : أي ممتلىء حزناً. وكذلك إذا امتلأ غضباً لم ينتقم، وكظم البعير، والناقة إذا لم تجر. والكظامة القناة التي تجري تحت الأرض، سميت بذلك، لامتلائها بالماء كامتلاء القربة المكظومة. ويقال: أخذ بكظمه أي بمجرى نفسه، لأنه موضع الامتلاء بالنفس. وكظامة الميزان المسمار الذي يدور فيه اللسان، لأنه يشده ويعتمد عليه. والفرق بين الغيظ، والغضب أن الغضب ضد الرضا، وهو ارادة العقاب المستحق بالمعاصي، ولعنه. وليس كذلك الغيظ، لأنه هيجان الطبع بكره ما يكون من المعاصي، ولذلك يقال غضب الله على الكفار، ولا يقال اغتاظ منهم. المعنى: وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : ما من جرعة يتجرعها الرجل أو الإنسان أعظم أجراً من جرعة غيظ في الله" تفسير : وفي الآية دلالة على جواز العفو عن المعاصي وإن لم يتب، لأنها دلت على الترغيب في العفو من غير ايجاب له باجماع المسلمين. وقوله {والله يحب المحسنين} معناه يريد اثابتهم وتنعيمهم. والمحسن يحتمل أمرين: أحدهما - من هو منعم على غيره على وجه عار من وجوه القبح. ويحتمل أن يكون مشتقاً من الافعال الحسنة التي منها الاحسان إلى الغير، وغير ذلك من وجوه الطاعات والقربات.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} من الاموال والابدان والاعراض والقوى والاوصاف والانانيّات {فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} اى فى جميع الاحوال لا يمنعهم حال من الاحوال من الانفاق وهذا بيان للمتّقين وليس تقييداً له كما عرفت {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} الحابسين له، والاوصاف الثّلاثة بيان لبعض مراتب الانفاق لانّ كظم الغيظ فى الحقيقة انفاق من سورة القوّة الغضبيّة كما انّ العفو عن النّاس وطهارة القلب عن الحقد عليهم والانزجار من اساءتهم ثمّ الاحسان اليهم بعد اساءتهم انفاق من سورة كبرياء النّفس وانانيّتها {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} العفو هاهنا بمعنى الصّفح فانّهما كالفقراء والمساكين لانّ كظم الغيظ بمعنى العفو وترك الانتقام وقد ذكر فالعفو بمعنى الصّفح الّذى هو تطهير القلب عن الحقد على المسيء. تحقيق مراتب النّاس فى القصاص وتركه {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} حقّ العبارة ان يقول والمحسنين لكنّه عدل اليه لافادة القسيم وكونه محبوباً لله باخصر لفظٍ، ولمّا كان الممدوح من هذه الثّلاثة ما كان سجيّة وما كان منها صادراً عن سجيّة اتى بها اسماء بخلاف الانفاق فانّ المقصود والممدوح منه حدوث الفعل وطرح الفضول وفعل الغير وان كان سجيّته ايضاً ممدوحة ولذلك اتى به فعلاً دالاًّ على التّجدّد الاستمرارىّ وقد اشار تعالى بهذه العبارة الوجيزة الى مراتب التّقوى ومنازل السّلوك؛ فانّ اولى مراتب التّقوى والسّلوك الانزجار عن فضول الدّنيا ومساوئ النّفس وهو نحو انفاق من تشهيّات النّفس ثمّ انفاق الفضول وطرح شهوات النّفس وفى هذه المرتبة يباح له القصاص عن المسيء لكنّه ينهى عن الزّيادة على قدر الاساءة وهو ايضاً تقوى وانفاق من القوّة الغضبيّة وامضائها فانّها لا تقف فى مقام مكافاة المسيء على حدٍّ وهذه المرتبة لها درجات عديدة، وثانيتها مقام كظم الغيظ وترك امضاء الغضب على المسيء ولهذه المرتبة ايضاً درجات، وثالثتها العفو عن المسيء وتطهير القلب عن الحقد عليه ولا يكون الاّ اذا حصل للسّالك مقام الشّهود والعيان وشاهد الحقّ الاوّل فى مظهر من مظاهره ولهذه المرتبة ايضاً درجات وفى هذه المرتبة مهالك عديدة ومفاسد غير محدودة وكلّ من زاغ وانحرف الى مذهب من المذاهب الباطلة نشأ انحرافه من هذه المرتبة وآخرة درجاتها آخرة درجات العبوديّة واوّل ظهور الرّبوبيّة وهو مقام الاحسان ومقام المحبوبيّة لله.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {الذين ينفقون في السرَّاء والضرَّاء} في حال الرخاء واليسر وحال الضيق والعسر {والكاظمين الغيظ} أي الحابسين له وأصل الكظم حبس الشيء عند امتلائه، وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما من جرعة أكرم عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله" تفسير : وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : رأيت قصوراً مشرفة على الجنة قلت: لمن هذه؟ قالوا: للكاظمين الغيظ" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من كتم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" تفسير : قوله تعالى: {والعافين عن الناس} إذا حيف عليهم أحد لم يؤاخذوه، وروي أنه ينادي منادي يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله، فلا يقوم إلا من عَفَى، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إنّ هؤلاء في أُمَّتي قليل إلاّ من عصم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم الماضية" تفسير : قوله تعالى: {والله يحب المحسنين} إلى من أساء إليهم، وقيل: إلى الناس، وقيل: المحسنين، ومعنى محبة الله تعالى إكرامهم بالثواب، قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشةً} أراد الزنا والقُبلة، وقيل: الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، قوله: {أو ظلموا أنفسهم} قال جار الله: إذا أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به، وقيل الفاحشة: الزنا وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوها، {ذكروا الله} ذكروا عقابه ووعيده ونهيه {فاستغفروا لذنوبهم} تابوا عنها لقبحها نادمين {ولم يصرّوا على ما فعلوا} ولم يقيموا على ما فعلوا ولم يقيموا على قبح قولهم غير مستغفرين، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" تفسير : وروي لا صغيرة مع الإِصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام): "ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل" وروي طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، قوله تعالى: {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات} قال الحسن البصري يقول الله تعالى يوم القيامة: "جُوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم" وعن رابعة البصريَّة أنها كانت تنشد هذا البيت: شعر : ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها ان السفينة لا تجري على اليبس تفسير : قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} يريد ما سنَّه الله في الأمم {المكذبين} من وقائعه، كقوله تعالى: {أية : أخذوا وقتلوا تقتيلا}تفسير : [الأحزاب: 61] {أية : سنة الله في الذين خلوا من قبل} تفسير : [الأحزاب: 38] قوله تعالى: {هذا بيان للناس} إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، يعني حثَّهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم والإِعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم، قوله تعالى: {وهدى وموعظة للمتقين} يعني أنه مع كونه بياناً وتنبيهاً للمكذبين فهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ}: حالة السرور بالرخاء، أو الحالة التى تسر بالرخاء أصحابها، والمراد مطلق حالة الرخاء. {وَالضَّرَّآءِ}: حالة الضرر بالغلاء، أو الحالة التى تضر صاحبها بالغلاء والمراد مطلق حالة الغلاء، وإنما أردت أن السراء والضراء صفتان للسبب والموصوف الحالة، أو صفتان للمبالغة كذلك، ولكن تغلبت الاسمية فيها ويجوز أن يكون اسمى مصدر، أى فى السرور والضرر، ويجوز أى يراد بالسراء الحالة المحبوبة بالرخاء أو بالصحة، أو بالعافية، أو غير ذلك، وبالضراء الحالة المكروهة بالغلاء أو المرض، أو الفتن، أو غير ذلك فهم ينفقون فى جميع أحوالهم ما قدروا عليه، ولو حبة عنب، أو بصلة فى عرس وحبس، فحذف مفعول للعموم، أو لا مفعول له إن لم يكن المراد ذكره. وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من يوم يصبح العابد فيه إلا وملكان ينزلان، أحدهما يقول: اللهم اعط المنفق خلفاً، ويقول الآخر: اللهم اعط الممسك تلفاً"تفسير : . وعنهُ صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تبارك وتعالى إنفق ينفق عليك ولا توع فيوعى عليك"تفسير : أى لا تمسك مالك فى الوعاء بلا إنفاق. وعنهُ صلى الله عليه وسلم: حديث : "من أنفق زوجين فى سبيل الله دعاه خزنة الجنة، كل خازن من بابه، قل هلم" فقال أبو بكر: ذلك الذى لا تواء عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنى لأرجو أن تكون منهم"تفسير : ، والتواء: الهلاك أى لا يضيع ذلك المال عند الله، وقل بمعنى فلان، والزوجان كالنعلين، والرجا. وعن أبى هريرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفت على جسده حتى تخفى ثيابه وتخفى أثره، وأما البخيل فلا يزاد إن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع"تفسير : ، والجنة: الدروع من الحديد، وسبغت: كملت. وقال عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخى قريب من الله تعالى، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار، والبخيل بعيد عن الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجَاهلٌ سخىّ أحب إلى الله من عابد بخيل ".تفسير : {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}: الممسكين الغيظ غير مطلقين العمل بما يقتضيه، وقيل: كظم الغيظ: أن يمسك على ما فى نفسه منه بالصبر، ولا يظهر منه أثر وذلك مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وشد فاها، فبعض القرب لا يرشح فوهاً، ولا غيره، منها كمن لم يظهر له أثر الغيظ وبعضها يرشح فوهاً، أر غيره كمن ظهر منه أثره، ومثل ذلك أن يقال: كظم الغيظ رده فى الجوف، إذا كان يخرج من كثرته، والكظام: السير الذى يشد به فم الزق فما فى القلب غيظ، وما ظهر منه على الجوارح غصب، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على إبعاده ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً"تفسير : . وروى أن عائشة غاظها خادم لها، فقالت: لله در التقوى؟ ما تركت لذب غيظ شفاء". وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أى الحور شاء"تفسير : . قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ".تفسير : {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}: أى الذين لا يعاقبون من جنى عليهم من الناس عموماً، وقيل المراد المماليك لسوء أدبهم، ويجمل غيرهم عليهم، والظاهر العموم، وروى أنه ينادى مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله؟ فلا يقوم إلا من عفا. وقال ابن عيينه: إنى رويت هذا الحديث للرشيد، وقد غضب على رجل، فخلاه. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هؤلاء فى أمتى قليل، إلا من عصم الله، وقد كانوا كثيراً فى الأمم التى مضت"تفسير : . قال عطاء بن يسار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من جرعة يتجرعها رجل، أفضل من جرعة غيظ"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أراد أن يشرف الله لهُ البنيان، وأن يرفع لهُ الدرجات يوم القيامة، فليصل من قطعه، وليعط من حرمه، وليعف عمن ظلمه، وليحلم عمن جهل عليه"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كظم غيظاً، وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً، ومن ترك لبس ثوب جميل وهو يقدر عليه.."تفسير : قال بشر: أحسبه قال: تواضعاً، كساه الله حلة الكرامة وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل أخلاق المؤمنين العفو"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كف غضبهُ كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته ".تفسير : وخفض {الكاظمين} و {العافين} يدل على أن {الذين} نعت للمتقين لا مرفوع على أنه جر المحذوف على المدح أى هم الذين ينفقون فى السراء والضراء، إذ لا دليل عليه، مع أن الظاهر خلافه، ويجوز النصب على المدح وتلك النعوت إما لموصوف واحد، وكان العطف فيها تنزيلا لتعدد الصفة منزلة تعدد الذات، فكأنه قيل الجامعين للكاظمين، والعفو، وأما أن يكون ما عطف موصوف على حدة بأن مدح الله من كظم غيظه، وأخذ نصيبه من التقوى، ومن عفى، وأخذ نصيبه منها، أو مدح من بالغ فى الصفة، ولو شورك فيها بدون مبالغة. {واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: مَنْ يُحْسِنُ إلى عباد الله، وقيل: من يحسن إلى من غاظه أو ظلمه، وأل: للجنس على القولين، وقيل: أراد بالمحسنين من ذكر فى قوله{أية : أعدت للمتقين}تفسير : إلى آخره، وعلى هذا يكون مقتضى أن يقال: والله يحبهم، فجعل الظاهر مكان الضمير ليشعر بأنهم محسنون، وفعلهم إحسان، فأل: للعهد الذهنى

اطفيش

تفسير : {الذِينَ يُنْفِقُونَ} ما تيسر بحسب ما قدروا عليه {فِى السَّرَّآءِ} حالة الحسن من فرح ورخاء وسعة وصحة وفى الحياة على الولد والقريب ونحو ذلك {وَالضَّرَّآءِ} حالة السوء من حزن وشدة وضيق ومرض، وبعد الموت بالإيصاء وعلى العدو ونحو ذلك، والمراد لا يخلون من نفقة ويروى أن عائشة رضى الله عنها تصدقت بعنبة، وقالت: كم فيها من مثاقيل الذر، تعنى قوله تعالى: مثقال ذرة {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ} الكافين أنفسهم عن المجازاة بنحو كلام سوء للصبر بلا ظهور أثر له على البشرة، أو مع ظهور الضرورى مع القدرة عليها، كما تمنع القربة بوكائها من خروج مائها، روى أحمد وأبو داود وعبد الرزاق والطبرى وغيرهم عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً"تفسير : ، وروى أحمد عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره الله تعالى، من أى الحور شاء"تفسير : ، والغيظ هيجان الطبع، لرؤية ما يكره أو لاستحضاره، وإن تبعه إرادة الانتقام فغضب، والغضب يظهر على الجوارح بخلاف الغيظ {وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} لا يعاقبونهم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هؤلاء من أمتى قليل إلا من عصم الله" تفسير : ، وقد كانوا كثيراً فى الأمم التى مضت، ولا ينافى هذا أن هذه الأمة أفضل، لأنه قد يكون فى المفضول ما لم يكن فى الفاضل، أو القلة باعتبار مقابلة هذه الأمة بالأمم كلها، فإن ما فيها أقل مما فى مجموع الأمم كلها، ولا يصح ما قبل، إن القلة فى الحديث تحتمل معنى العدم، وقد اجتمع ذلك فى النبى صلى الله عليه وسلم إذ رجع ابن أبىّ عن أحد برجاله ولم يظهر صلى الله عليه وسلم نفاقه لعامة المسلمين، بل كظم، وعفا عن الرماة، إذ فارقوا المركز، وعفا عن المشركين، كلما أوحى إليها بأن شئت أهلكوا، وقدم الإنفاق لأن المال شقيق الروح، والكظم لأن فيه ملك النفس وقت الغضب، وعنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : ينادى مناد يوم القيامة، اين الذين كانت أجورهم على الله، فلا يقوم إلا من عفا" تفسير : ، ورواه للرشيد ابن عيينة، وقد غضب على رجل فخلاه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سره أن يشرف له البنيان وقت القيامة وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه،ويعط من حرمه، ويصل من قطعه"تفسير : ، رواه الطبرانى عن أبى بن كعب {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} المذكورين بالكظم والإنفاق والعفو وغيرهم، وقيل: المراد المذكورون، والإحسان إتقان العمل، وقيل: الإنعام على الخلق، وقع إبريق من جارية تصب الوضوء على رأس على بن الحسين فشجه، فقالت: والكاظمين الغيظ، قال: كظمت غيظى، قالت: والعافين عن الناس، قال: عفوت، قالت: والله يحب المحسنين، قال: أعتقتك لوجه الله، وفى الحديث: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : ، وزعم عطاء أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، بنو إسرائيل خير منا، إذا أصبح أحدهم وجد مكتوباً على باب داره، مخرجك من ذنبك أن تجدع أنفك، فسكت صلى الله عليه وسلم، فنزل: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم إلى وهم يعلمون، فقال: حديث : ألا أنبئكم بخير من ذلكم، فقرأ ذلكتفسير : ، يعنى، أن المغفرة بما ذكر فى الآيات خير من المغفرة بنحو جدع الأنف، فأنتم خير منهم، وهؤلاء السائلون توهموا أن التصريح بجزاء الذنب أنه كذا تفضيل، لأنه يوقن أنه مغفور، ونحن نرى ذلك تضييقاً.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ } في محل الجرّ على أنه نعت للمتقين مادح لهم، وقيل: مخصص أو بدل أو بيان أو في محل نصب على إضمار الفعل أو رفع على إضمار هم ومفعول {يُنفِقُونَ } محذوف ليتناول كل ما يصلح للإنفاق المحمود أو متروك بالكلية كما في قولهم: فلان يعطي [ويمنع]. {فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء } أي في اليسر والعسر قاله ابن عباس؛ وقيل: في حال السرور والاغتمام، وقيل: في الحياة وبعد الموت بأن يوصي، وقيل: فيما يسر كالنفقة على الولد والقريب وفيما يضر كالنفقة على الأعداء، وقيل: في ضيافة الغني والإهداء إليه وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم، وأصل السراء الحالة التي تسر والضراء الحالة التي تضر، والمتبادر ما قاله الحبر، والمراد إما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله أي أنهم لا يخلون في حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت بحبة عنب، وعن بعض السلف أنه تصدق ببصلة، وفي الخبر «حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة، وردّوا السائل ولو بظلف محرق»تفسير : . {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } أصل الكظم شدّ رأس القربة عند امتلائها، ويقال: فلان كظيم أي ممتلىء حزناً، والغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر، والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل: إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة، ولا كذلك الغيظ، وقيل: الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار والغيظ ليس كذلك، وقيل: هما متلازمان إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله تعالى والغيظ لا يصح فيه ذلك. والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون له ما يكره بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الانفاذ والانتقام وهذا هو الممدوح، فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله تعالى قلبه أمناً وإيماناً»تفسير : . وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره الله تعالى من أي الحور شاء» تفسير : وفي الأول: جزاء من جنس العمل، وفي الثاني: ما هو من توابعه، وهذا الوصف معطوف على ما قبله والعدول إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على الاستمرار، وأما الانفاق فحيث كان أمراً متجدداً عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث. {وَٱلْعَـٱفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } أي المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا مؤاخذته إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين، وقيل: عن المملوكين إذا أساءوا، والعموم أولى. أخرج ابن جريرعن الحسن «حديث : أن الله تعالى يقول يوم القيامة: ليقم من كان له على الله تعالى أجر فلا يقوم إلا إنسان عفا»تفسير : ، وأخرج الطبراني عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه»تفسير : . / وأخرج الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس بن مالك في الآية: «حديث : إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله تعالى وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت»تفسير : . والاستثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم، وكون بعض الخصائص كثيراً في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه ومن ظن ذلك تكلف في توجيه الحديث بأن المراد أن الكاظمين الغيظ في أمتي قليل إلا بعصمة الله تعالى لغلبة الغيظ عليهم، وقد كانوا كثيراً من الأمم السالفة لقلة حميتهم ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم قليلاً ولما تمرنت هذه الأمة في الغضب لله تعالى والتزموا الاجتناب عن المداهنة صار إنفاذ الغيظ عادتهم فلا يكظمون إذا ابتلوا إلا بعصمة الله تعالى، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلة الحمية وهم الكثيرون في الأمم السالفة فلا اختصاص لهم بمزية ليتوهم تفضيلهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه، ولا يخفى أن هذا التوجيه مما تأباه الإشارة والعبارة، وأحسن منه بل لا نسبة أن الكثرة نظراً إلى مجموع الأمم لا بالنسبة إلى كل أمة أمة ولا يضر قلة وجود الموصوفين بتلك الصفة فينا بالنظر إلى مجموع الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمة بأسرها قليلة بالنظر إلى مجموع الأمم فضلاً عن خيارها فتدبر، وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعض المحققين: إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وندب له عليه الصلاة والسلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله تعالى عنه حتى قال حين رآه قد مثل به «حديث : لأمثلن بسبعين مكانك» تفسير : ولعل التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضاً دون الفعل لأن العفو أشبه بالكظم منه بالانفاق. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تذييل لمضمون ما قبله ـ وأل ـ إما للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد عبر عنهم بالمحسنين على ما قيل: إيذاناً بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره النبـي صلى الله عليه وسلم ـ حديث : بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك تفسير : ـ ويمكن أن يقال: الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الانفاق فقط. ومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت: إن الله تعالى يقول: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} فقال لها: قد كظمت غيظي قالت: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } قال: قد عفا الله تعالى عنك قالت: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } قال: اذهبـي فأنت حرة لوجه الله تعالى، ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 134- الذين ينفقون أموالهم إرضاء للَّه فى أحوال اليسر والعسر، والقدرة والضعف، ويحبسون أنفسهم عن أن يؤدى غيظهم إلى إنزال عقوبة بمن أساء إليهم خاصة، ويتجاوزون عن المسئ، إنهم بهذا يعدون محسنين، واللَّه تعالى يثيب المحسنين ويرضى عنهم. 135- والذين إذا ارتكبوا كبيرة، أو تحملوا ذنباً صغيراً، تذكروا اللَّه وجلاله، وعقابه وثوابه، ورحمته ونقمته، فندموا، وطلبوا مغفرته، حيث إنه لا يغفر الذنوب إلا اللَّه، ولم يقيموا على قبيح فعلهم وهم يعلمون قبحه. 136- أولئك المتصفون بهذه الصفات أجرهم مغفرة عظيمة من ربهم مالك أمرهم، وجنات تجرى الأنهار بين أشجارها لا يبرحونها. ونعم ذلك ثوابا للعاملين بأمر اللَّه. 137- قد مضت من قبلكم - أيها المؤمنون - سنن اللَّه فى الأمم المكذبة، بإمهالهم، ثم أخذهم بذنوبهم، فتأملوا كيف كان عاقبة أمر المكذبين. 138- وهذا المذكور من صفات المؤمنين وسنن الله فى الماضين فيه بيان للناس وإرشاد لهم إلى طريق الخير، وزجر عن طريق الشر. 139- ولا تضعفوا عن الجهاد فى سبيل الله بسبب ما ينالكم فيه، ولا تحزنوا على من يقتل منكم، وأنتم - بتأييد الله وإيمانكم، وقوة الحق الذى تدافعون عنه - الأعلون، ولكم الغلبة إن صدق إيمانكم ودمتم عليه.

القطان

تفسير : بعد ان نهى سبحانه عن الربا من خلال هذه الآيات، وفيها تلوح صورة الغني القاسي القلب الذي يحصر همَّه كله في جمع المال من أية جهة كانت ـ بيّن لنا في هذه الآيات صورة الأغنياء المتقِين الذين ينفقون أموالهم في السرّاء والضراء، ويأخذون بيد الفقراء فيبذلون لهم الأموال ابتغاء مرضاة الله فقال: انهم الذين ينفقون أموالهم إرضاءً لله في حالة الضيق والعسر، وفي حالة الرخاء واليسر. ونحن نعلم ان بذل المال للفقراء والمحتاجين وفي سبيل الله ـ من أهمِّ علامات التقوى. كما ان الشحَّ والبخلَ من علامة عدم التقوى. والتقوى هي السبيل الموصل الى الجنة. وهم أيضا {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} اي الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه. ثم أردف تعالى بمزية عظيمة أخرى وهي قوله: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} اي الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك. وتلك منزلةٌ من ضبط النفس وملْكِ زمامها قلّ من يصل إليها. وهي أرقى من كظم الغيظ، اذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة، فالله سبحانه وتعالى يريدنا ان نكظم غيظنا ونعفو عن الناس وننسى إساءتهم. وقد روى الطبراني عن أُبيّ بن كعب ان رسول الله قال: "حديث : من سرَّه أن يُشرف له البنيان، وتُرفع له الدرجات فليعفُ عمَّن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصل من قطعه ". تفسير : {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} اي اولئك الذين يتفضلون على عباده البائسين يواسونهم ببعض ما أُنعم عليهم. وإليك صفةً اخرى من صفات المتقين وهي أنهم: اذا فعلوا ذنباً يؤذي غيرهم أو يتعلق بأنفسهم ـ ذكروا عند ذلك وعد الله ووعيده فرجعوا اليه راجين رحمته تائبين ومستغفرين. وهكذا نجدهم لا يصرّون على ما فعلوا من الذنوب في الحالين. ولهذا قال الرسول الكريم "حديث : لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاصرار ". تفسير : ان للمتصّفين بما أوردته الآياتُ الكريمة من الصفات أماناً ونجوة من العقاب، بل لهم ثواب عظيم عند ربهم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا يبرحونها، ونعمَ أجر العاملين. قراءات: قرأ نافع وابن عامر: "سارعوا" بدون واو.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلْكَاظِمِينَ} (134) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيةِ صِفَاتِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ: إنَّهُمُ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ اللهِ، فِي الرَّخَاءِ (السَّرَاءِ)، وَفِي الشِّدَّةِ (الضَرَّاءِ)، وَفِي الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الأحْوَالِ، لاَ يَشْغَلُهُمْ أمْرٌ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَالإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ مَرْضَاتِهِ، وَإنَّهُمْ يَكْتمُونَ غَيْظَهُمْ إذا ثَارَ، وَيَعْفُونَ عَمَّنْ أسَاءَ إليهِمْ. وَاللهُ يُحِبُّ الذِينَ يَتَفَضَّلُونَ عَلَى عِبَادِهِ البَائِسِينَ، وَيُوَاسُونَهُمْ شُكْراً للهِ عَلَى جَزِيلِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إنْفَاذِهِ مَلأ اللهُ جَوْفَهُ أمْناً وَإيمَاناًتفسير : ). كَظَمَ غَيْظَهُ - كَتَمَ غَيْظَهُ فِي نَفْسِهِ وَأخْفَاهُ.. كَظَمَهُ الغَيْظُ - أخَذَ بِنَفْسِهِ - فَهُو كَظِيمٌ. السَّرَّاءِ - الحَالَةِ التِي تَسُرُّ (اليُسْرِ). الضَّرَّاءِ - الحَالَةِ التِي تَضُرُّ (العُسْرِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه بعض من صفات المتقين {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} [آل عمران: 134] لأن المعركة - معركة أُحد - ستعطينا هذه الصورة أيضاً. فحمزة وهو سيد الشهداء وعم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقتل. وليته يُقتل فقط ولكنه مُثِّل به، وأُخِذ بضع منه وهو كبد فلاكته "هند"، وهذا أمر أكثر من القتل. وهذه معناها وأُخِذَ دنيء. وحينما جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم خبر مقتل حمزة وقالوا له: إن "هنداً" أخذت كبده ومضغتها ثم لفظتها، إذْ جعلها الله عَصِيَّة عليها، قال: "ما كان الله ليعذب بعضاً من حمزة في النار" كأنها ستذهب إلى النار، ولو أكلتها لتمثلت في جسمها خلايا، وعندما تدخل النار فكأن بعضاً من حمزة دخل النار، فلا بد أن ربها يجعل نفسها تجيش وتتهيأ للقيء وتلفظ تلك البضعة التي لاكتها من كبد سيد الشهداء. وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة بأنها أفظع ما لقي. إنها مقتل حمزة فقال: "حديث : لئن أظفرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم ". تفسير : وهنا جاء كظم الغيظ ليأخذ ذروة الحدث وقمته عند رسول الله في واحد من أحب البشر إليه وفي أكبر حادث أغضبه، وينزل قول الحق: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل: 126]. كي نعرف أن ربنا - جل جلاله - لا ينفعل لأحد؛ لأن الانفعال من الأغيار، وهذا رسوله فأنزل - سبحانه - عليه: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126] ويأتي هنا الأمر بكظم الغيظ، وهو سبحانه يأتي بهذا الأمر في مسألة تخص الرسول وفي حدث "أٌحد". وبعد ذلك يُشيعها قضية عامة لتكون في السلم كما كانت في الحرب. وتكون مع الناس دون رسول الله؛ لأنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} [آل عمران: 134] ونعرف أن كل الأمور المعنوية مأخوذة من الحسّيات. وأصل الكظم أن تملأ القِرْبة، والقِرَب - كما نعرف - كان يحملها "السقا" في الماضي، وكانت وعاء نقل الماء عند العرب، وهي من جلد مدبوغ، فإذا مُلئت القربة بالماء شُدّ على رأسها أي رُبط رأسها ربطاً محكماً بحيث لا يخرج شيء مَمّا فيها، ويقال عن هذا الفعل: "كظم القربة" أي ملأها وربطها، والقربة لينة وعندما توضع على ظهر واحد أو على ظهر الدابة فمن ليونتها تخرج الماء فتكظم وتربط بإحكام كي لا يخرج منها شيء. كذلك الغيظ يفعل في النفس البشرية، إنه يهيجها، والله لا يمنع الهياج في النفس لأنه انفعال طبيعي، والانفعالات الطبيعية لو لم يردها الله لمنع أسبابها في التكوين الإنساني. إنما هو يريدها لأشياء مثلاً: الغريزة الجنسية، هو يريدها لبقاء النوع، ويضع من التشريع ما يهذبها فقط، وكذلك انفعال الغيظ، إن الإسلام لا يريد من المؤمن أن يُصَبَّ في قالب من حديد لا عواطف له، لا، هو سبحانه يريد للمؤمن أن ينفعل للأحداث أيضاً، لكن الانفعال المناسب للحدث، الانفعال السامي الانفعال المثمر، ولا يأتي بالانفعال المدمر. لذلك يقول الحق: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ..}تفسير : [الفتح: 29]. فالمؤمن ليس مطبوعاً على الشدة، ولا على الرحمة، ولكن الموقف هو الذي يصنع عواطف الإنسان، فالحق سبحانه يقول: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..}تفسير : [المائدة: 54]. وهل هناك من هو ذليلٌ عزيزٌ معاً؟ نقول: المنهج الإيماني يجعل المؤمن هكذا، ذلة على أخيه المؤمن وعزة على الكافر. إذن فالإسلام لا يصب المؤمنين في قالب كي لا ينفعلوا في الأحداث. ومثال آخر: ألم ينفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم؟ لقد انفعل وبكى وحزن. إن الله لا يريد المؤمن من حجر. بل هو يريد المؤمن أن ينفعل للأحداث ولكن يجعل الانفعال على قدر الحدث، ولذلك قال سيدنا رسول الله عند فراق ابنه: "حديث : إن العين تدمع وإن القلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". تفسير : ولا نقول لحظة الانفعال ما يسخط الرب. بل انفعال موجّه، والغيظ يحتاج إليه المؤمن حينما يهيج دفاعاً عن منهج الله، ولكن على المؤمن أن يكظمه. أي لا يجعل الانفعال غالباً على حسن السلوك والتدبير. والكظم - كما قلنا - مأخوذ من أمر محس. مثال ذلك: نحن نعرف أن الإبل أو العجماوات التي لها معدتان، واحدة يُختزن فيها الطعام، وأخرى يتغذى منها مباشرة كالجمل مثلاً، إنه يجتر. ومعنى: يجتر الجمل أي يسترجع الطعام من المعدة الإضافية ويمضغه، هذا هو الاجترار. فإذا امتنع الجمل عن الاجترار يقال: إن الجمل قد كظم. والحق سبحانه يقول: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 134]. وقلنا: إن هناك فرقاً بين الانفعال في ذاته، فقد يبقى في النفس وتكظمه، ومعنى كظم الانفعال: أن الإنسان يستطيع أن يخرجه إلى حيز النزوع الانفعالي، ولكنّه يكبح جماح هذا الانفعال. أما العفو فهو أن تخرج الغيظ من قلبك، وكأن الأمر لم يحدث، وهذه هي مرتبة ثانية. أما المرتبة الثالثة فهي: أن تنفعل انفعالاً مقابلاً؛ أي أنك لا تقف عند هذا الحد فحسب، بل إنك تستبدل بالإساءة الإحسان إلى من أساء إليك. إذن فهناك ثلاث مراحل: الأولى: كظم الغيظ. والثانية: العفو. والثالثة: أن يتجاوز الإنسان الكظم والعفو بأن يحسن إلى المسيء إليه. وهذا هو الارتقاء في مراتب اليقين؛ لأنك إن لم تكظم غيظك وتنفعل، فالمقابل لك أيضاً لن يستطيع أن يضبط انفعاله بحيث يساوي انفعالك، ويمتلئ تجاهك بالحدة والغضب، وقد يظل الغيظ نامياً وربما ورّث أجيالا من أبناء وأحفاد. لكن إذا ما كظمت الغيظ، فقد يخجل الذي أمامك من نفسه وتنتهي المسألة. {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 134] مأخوذة من "عفّى على الأثر" والأثر ما يتركه سير الناس في الصحراء مثلاً، ثم تأتي الريح لتمحو هذا الأثر. ويقول الحق في تذييل الآية: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]. وقلنا في فلسفة ذلك: إننا جميعاً صنعة الله، والخلق كلهم عيال الله. وما دمنا كلنا عيال الله فعندما يُسيء واحد لآخر فالله يقف في صف الذي أسيء إليه، ويعطيه من رحمته ومن عفوه ومن حنانه أشياء كثيرة. وهكذا يكون المُسَاء إليه قد كسب. أليس من واجب المُسَاء إليه أن يُحسِن للمسيء؟. لكن العقل البشري يفقد ذكاءه في مواقف الغضب؛ فالذي يسيء إلى إنسان يحسبه عدوٍّا. لكن على الواحد منا أن يفهم أن الذي يسيء إليك إنما يجعل الله في جانبك؛ فالذي نالك من إيذائه هو أكثر مما سلبك هذا الإيذاء. هنا يجب أن تكون حسن الإيمان وتعطي المسيء إليك حسنة. ويضيف الحق من بعد ذلك في صفات أهل الجنة: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 458- عبد الرزاق، قال: أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل، عن عَمٍّ له، عن أبي هُرَيْرة عن قوله تعالى: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ}: [الآية: 134]، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وهُوَ يَقْدِرُ على إنْفاذِهِ، ملأه الله أمْناً وإيماناً ". تفسير : 459- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}: [الآية: 134]، قال: حديث : ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم شِدَّة رَجُل وَقُوَّته فقال: ألا أخبركم بأشدّ منه: رجل شتمه أخوه، فغلب نفسه وشيطانه وشيطان صاحبه، ثم قال: أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي فلان، كان إذا أصبح قال: اللهم قد تصدَّقت بعرضي على عبادك . تفسير : 460- عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}: [الآية: 134] إلى {ٱلْمُحْسِنِينَ}: [الآية: 134]، ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} - إلى - {أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ}: [الآية: 135-136]، قال: إن هذين النعتين نعت رجلٍ واحد. 461- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري عن منصور، عن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما عفا رجلٌ عن مظلمة إلاّ زاده الله بها عِزاً . تفسير : 462- عبد الرزاق، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني قال: بلغني أن إبليس حين نَزَلَتْ هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ}: [الآية: 135]، بكى عدو الله. 463- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ}: [الآية: 135]، قال: إتيان الذنب عمداً إصراراً، حتى يتوب، وتلاها قتادة قال: قُدُماً قُدُماً في معاصي الله!! لا تنهاهم مخافة الله حتى جاءهم أمر الله.