٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
135
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن وجه النظم من وجهين: الأول: أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان: أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم الله بالانفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس. وثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } وبين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية، وذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال من لم يذنب قط في استحقاق المنزلة والكرامة عند الله. والوجه الثاني: أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الاحسان إلى الغير، وندب في هذه الآية إلى الاحسان إلى النفس، فان المذنب العاصي إذا تاب كانت تلك التوبة إحساناً منه إلى نفسه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روى ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في رجلين، أنصاري وثقفي، والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد آخى بينهما، وكانا لا يفترقان في أحوالهما، فخرج الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرعة في السفر، وخلف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم، فكان يفعل ذلك. ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها، فندم الرجل، فلما وافى الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير الأنصاري، وكان قد هام في الجبال للتوبة، فلما عرف الرسول صلى الله عليه وسلم سكت حتى نزلت هذه الآية. وقال ابن مسعود: قال المؤمنون للنبي صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، فكان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره: اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار. المسألة الثانية: الفاحشة ههنا نعت محذوف والتقدير: فعلوا فعلة فاحشة، وذكروا في الفرق بين الفاحشة وبين ظلم النفس وجوها: الأول: قال صاحب «الكشاف»: الفاحشة ما يكون فعله كاملا في القبح، وظلم النفس: هو أي ذنب كان مما يؤاخذ الانسان به. والثاني: أن الفاحشة هي الكبيرة، وظلم النفس. هي الصغيرة، والصغيرة يجب الاستغفار منها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاستغفار وهو قوله: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } تفسير : [محمد: 19] وما كان استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل. الثالث: الفاحشة: هي الزنا، وظلم النفس: هي القبلة واللمسة والنظرة، وهذا على قول من حمل الآية على السبب الذي رويناه، ولأنه تعالى سمى الزنا فاحشة، فقال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } تفسير : [الإسراء: 32]. أما قوله: {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } ففيه وجهان: أحدهما: أن المعنى ذكروا وعيد الله أو عقابه أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، فيكون من باب حذف المضاف، والذكر ههنا هو الذي ضد النسيان وهذا معنى قول الضحاك، ومقاتل، والواقدي، فان الضحاك قال: ذكروا العرض الأكبر على الله، ومقاتل، والواقدي. قال: تفكروا أن الله سائلهم، وذلك لأنه قال: بعد هذه الآية {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } وهذا يدل على أن الاستغفار كالأثر، والنتيجة لذلك: الذكر، ومعلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب الله، ونهيه ووعيده، ونظير هذه الآية قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 201] والقول الثاني: أن المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم والاجلال، وذلك لأن من أراد أن يسأل الله مسألة، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على الله تعالى، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب. ثم قال: {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } والمراد منه الاتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل، فهذا هو حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لازالة التهمة، ولاظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى، وقوله: {لِذُنُوبِهِمْ } أي لأجل ذنوبهم. ثم قال: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } والمقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه. ثم قال: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } واعلم أن قوله: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا. وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فيه وجهان: الأول: أنه حال من فعل الاصرار، والتقدير: ولم يصروا على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محظورة محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بحرمته فانه لا يعذر في فعله ألبتة. الثاني: أن يكون المراد منه العقل والتمييز والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رفع القلم عن ثلاث». تفسير : ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } والمعنى أن المطلوب أمران: الأول: الأمن من العقاب واليه الاشارة بقوله: {مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } والثاني: إيصال الثواب اليه وهو المراد بقوله: {جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا } ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجراً لعملهم وجزاء عليه بقوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال ان الثواب تفضل من الله وليس بجزاء على عملهم.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} ذكر الله تعالى في هذه الآية صِنْفا؛ هم دون الصِّنف الأول فألحقهم به برحمته ومَنِّه؛ فهؤلاء هم التوابون. قال. قال ٱبن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في نَبْهَان التَّمار ـ وكنيته أبو مُقْبِل ـ أتَتْه ٱمرأة حَسْنَاء باع منها تمراً، فضمّها إلى نفسه وقبلها فندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدّثني أبو بكر ـ وصَدَق أبو بكر ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما مِن عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَٱلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبَهُم} ـ الآية، والآية الأخرى ـ {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَو يَظْلِمْ نَفْسَهُ}»تفسير : . وخرّجه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا عامُّ. وقد تنزل الآية بسبب خاص ثم تتناول جميع مَن فعل ذلك أو أكثر منه. وقد قيل: إن سبب نزولها أن ثَقَفيا خرج في غزاة وخلّف صاحبا له أنصاريا على أهله، فَخانَه فيها بأن اقتحم عليها فدفعت عن نفسها فقبّل يدها، فندم على ذلك فخرج يُسِيح في الأرض نادما تائبا؛ فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه، فخرج في طلبه فأتى به إلى أبي بكر وعمر رَجَاء أن يجد عندهما فرجا فوَبَّخاه؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعله؛ فنزلت هذه الآية. والعموم أولى للحديث. وروي عن ٱبن مسعود أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرَمَ على الله مِنّا، حيث كان المذْنب منهم تُصبْح عقوبتُه مكتوبة على باب داره، وفي رواية: كفارةُ ذنْبِه مكتوبةً على عَتَبة داره: ٱجْدَعْ أنفَك، ٱقطْع أذُنك، ٱفعل كذا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية تَوْسِعةً ورحمةً وعِوَضاً من ذلك الفعل ببني إسرائيل. ويُروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الاْية. والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثر ٱختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبدالله والسَّدي هذه الآَية بالزنا. و «أَوْ» في قوله {أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم} قيل هي بمعنى الواو؛ والمراد ما دون الكبائر. {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} معناه بالخوف من عقابه والحَيَاء منه. الضحاك: ذكروا العَرْضَ الأكبر على الله. وقيل تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه؛ قال الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل أيضا: ذكروا الله باللسان عند الذنوب. {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم. وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو ٱستغفار. وقد تقدم في صدر هذه السورة سيد الاستغفار، وأن وقته الأسحار. فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم، حتى لقد روَى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فرّ من الزحف»تفسير : . ورَوى مَكْحُول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر ٱستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مكحول: ما رأيت أكثر ٱستغفاراً من أبي هريرة. وكان مكحول كثير الاستغفار. قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يَحُلّ عَقْدَ الإصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان. فأما من قال بلسانه: آستغفر الله، وقلبه مِصرّ على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى ٱستغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر. وروي عن الحسن البِصَري أنه قال: ٱستغفارنا يحتاج إلى استغفار. قلت: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يُرى فيه الإنسانُ مُكِبّاً على الظلم! حريصاً عليه لا يُقلِع، والسُّبْحَة في يده زاعماً أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك ٱستهزاء منه وٱستخفاف. وفي التنزيل {أية : وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً}تفسير : [البقرة: 231]. وقد تقدّم. الثانية: قوله تعالى: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلا الله. {وَلَمْ يُصِرُّواْ} أي ولم يثبتوا ويعزموا على ما فعلوا. وقال مجاهد: أي ولم يمضوا. وقال معبد بن صُبَيح: صليت خلف عثمان وعليٌّ إلى جانبي، فأقبل علينا فقال: صليتُ بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلّى. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه. ومنه صَرّ الدنانيرِ أي الرّبط عليها؛ قال الحطيئة يصف الخيل:شعر : عوابس بالشُّعْثِ الكُماة إذا ٱبتغوا عُلاَلَتها بالمُحْصَدَات أصَرَّتِ تفسير : أي ثبتت على عَدْوِها. وقال قتادة: الإصرار الثبوت على المعاصي؛ قال الشاعر:شعر : يُصِرّ بالليل ما تُخْفِي شَوَاكِلُه يا ويحَ كلِّ مُصِرّ القلبِ خَتّار تفسير : قال سهل بن عبد الله: الجاهل ميّتٌ، والناسي نائمٌ، والعاصي سَكْران، والمصِرّ هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غداً؛ وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غداً وغداً لا يملِكه!. وقال غير سهل: الإصرار هو أن ينوي ألا يتوب فإذا نوى التوبة (النصوح) خرج عن الإصرار. وقول سهلٍ أحسن. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا توبة مع إصرار».تفسير : الثالثة: قال علماؤنا: الباعث على التّوبة وحلّ الإصرار إدامةُ الفكر في كتاب الله العزيز الغفّار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطِيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصِين، ودام على ذلك حتى قوِي خوفه ورجاؤه فدعا الله رَغَبا ورَهَبا؛ والرّغْبَة والرّهبة ثمرة الخوف والرجاء، يخاف من العِقاب ويرجو الثواب، والله الموفق للصواب. وقد قيل: إن الباعث على ذلك تنبيه إلهِيٌّ ينَبّه به من أراد سعادته؛ لِقبح الذنوب وضررها إذ هي سُموم مهلكة. قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعِيده إلا بتَنْبيهه؛ فإذا نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشْحُونة بذنوبٍ اكتسبها وسيئات اقترفها، وانبعث منه الندمُ على ما فرّط، وترك مثلَ ما سبق مخافةَ عقوبة الله تعالى صَدَق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مِصرّاً على المعصية وملازِماً لأسباب الهلكة. قال سهل بن عبد الله: علامة التائب أن يشغله الذنب على الطعام والشراب: كالثلاثة الذين خُلِّفوا. الرابعة: قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فيه أقوال. فقيل: أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقيل: {وَهُمْ يَعْلَمُون} أني أُعاقب على الإصرار. وقال عبد الله بن عبيد ابن عُمير {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل: {يَعْلَمُونَ} أنهم إن استغفروا غفر لهم. وقيل: {يَعْلَمُونَ} بما حرّمتُ عليهم؛ قاله ابن إسحاق. وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبِي: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الإصرار ضار، وأن تركه خير من التمادِي. وقال الحسن بن الفضل: {وَهُمْ يَعلْمَوُنَ} أن لهم رباً يغفر الذنب. قلت: وهذا أخذه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَحكِي عن ربه عز وجل قال: «حديث : أذنبَ عبدٌ ذنباً فقال اللّهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعَلِم أن له ربّاً يغفِر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أيْ ربِّ اغفر لي ذنبي ـ فذكر مثله مرتين، وفي آخره: اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك»تفسير : أخرجه مسلم. وفيه دليلٌ على صحة التوبة بعد نَقْضها بمُعاوَدة الذّنب؛ لأن التوبة الأُولى طاعةٌ وقد انقضت وصحَّتْ، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أُخرى مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلْحَاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه. وقوله في آخر الحديث «اعمل ما شئت» أمرٌ معناه الإكرام في أحد الأقوال؛ فيكون من باب قوله: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ}تفسير : [الحجر: 46]. وآخر الكلام خَبرٌ عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه. ودلّت الآية والحديثُ على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه»تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقال:شعر : يستوجبُ العفوَ الفتى إذَا اعتَرفْ بما جَنَى من الذنوب واقترفْ تفسير : وقال آخر:شعر : أقرِرْ بذنبك ثم اطلُبْ تجاوُزَه إن الجُحُودَ جُحُودَ الذّنْب ذنبان تفسير : وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لو لم تُذْنِبُوا لذهب الله بكم ولَجَاء بقوم يُذنبون ويستغفرون فيغفر لهم»تفسير : . وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفّار والتوّاب، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. الخامسة: الذنوب التي يُتاب منها إمّا كُفْرٌ أو غيره، فتوبة الكافر إيمانُه مع ندمِه على ما سلف من كفره، وليس مجرّدُ الإيمان نفسَ توبة، وغير الكفر إمّا حقٌّ لله تعالى، وإمّا حقٌّ لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه التَّركُ؛ غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرّد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاءً كالصلاة والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالْحِنث في الأيْمانِ والظِّهار وغير ذلك، وأمّا حقوقُ الآدميّين فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجَدوا تُصدّق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسارٍ فعفو الله مأمولٌ، وفضله مبذولٌ؛ فكم ضمِن من التبِعات وبدّل من السيئات بالحسنات. وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى. السادسة ـ ليس على الإنسان إذا لم يذكر ذَنْبه ويعلمْه أن يتوب منه بعينه، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنباً تاب منه. وقد تأوّل كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبد المعطي الأسكندرانيّ رضي الله عنه أن الإمام المحاسبيّ رحمه الله يرى أن التوبة من أجناس المعاصي لا تصح، وأن الندم على جملتها لا يكفي، بل لا بدّ أن يتوب من كل فعلٍ بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين. ظنوا ذلك من قوله، وليس هذا مراده، ولا يقتضيه كلامه، بل حكم المكلَّف إذا عرف أفعاله، وعرف المعصية من غيرها، صحّتْ منه التوبة من جملة ما عرف؛ فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل؛ ومثاله رجل كان يتعاطى باباً من أبواب الربا ولا يعرف أنه رِبا فإذا سمع كلام الله عز وجل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [البقرة: 279-278] عظم عليه هذا التهديد، وظن أنه سالم من الربا، فإذا علم حقيقة الربا الآن، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابَسَ منه شيئاً كثيراً في أوقات متقدّمة، صحّ أن يندم عليه الآن جملة، ولا يلزمه تعيينُ أوقاته، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنَّميمة وغيرِ ذلك من المحرّمات التي لم يعرف كونها محرّمة، فإذا فَقُه العبد وتفقَّد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملةً، ونَدِم على ما فرّط فيه من حق الله تعالى، وإذا استحلّ مَن كان ظلمه فحالَلَهُ على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز؛ لأنه من باب هبة المجهول، هذا مع شُحِّ العبد وحرصه على طلب حقه، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفوِّ عن المعاصي صغارها وكبارها. قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا مراد الإمام، والذي يدل عليه كلامه لمن تفقَّده، وما ظنه به الظّانّ من أنه لا يصح الندم إلا على فِعلٍ فِعلٍ وحركةٍ حركةٍ وسكنةٍ سكنةٍ على التعيين هو من باب تكْلِيف ما لا يُطاق، الذي لم يقع شرعاً وإن جاز عقلاً، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر، وكم حركة تحركها في الزنا، وكم خطوة مَشاها إلى محرّم، وهذا ما لا يطيقه أَحدٌ، ولا تتأتّى منه توبة على التفصيل. وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان من أحكام التوبة وشروطها في «النساء» وغيرها إن شاء الله تعالى. السابعة: في قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ} حُجَّةٌ واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: أن الإنسان يؤاخذ بما وطَّنَ عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية. قلت: وفي التنزيل {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وقال {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}. فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه. وفي البخاري. حديث : «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»تفسير : . فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السِّلاح، وأنَصُّ من هذا ما خرّجه الترمذيّ من حديث أبي كبشة الأنماريّ وصححه مرفوعاً. «حديث : إنما الدنيا لأربعةِ نفرٍ رجل أعطاه الله مالاً وعِلماً فهو يتّقي فيه ربّه ويصِلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو (صادق النية) يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته عِلماً فهو (يخبط في ماله بغير علم) لا يتقي فيه ربه ولا يصِل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوِزرهما سواء»تفسير : . وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، ولا يُلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يَهُمُّ الإنسانُ به وإن وَطَّن عليه لا يؤاخذ به. ولا حجة (له) في قوله عليه السلام: «حديث : من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عمِلها كتبت سيئة واحدة»تفسير : لأن معنى «فلم يعملها» فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا، ومعنى «فإن عملها» أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا. وبالله توفيقنا.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً} فعلة بالغة في القبح كالزنى. {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك. {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} تذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم. {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} بالندم والتوبة. {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين، والمراد به وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث على الاستغفار والوعد بقبول التوبة {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»تفسير : {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من يصروا أي ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً } ذنباً قبيحاً كالزنا {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بما دونه كالقبلة {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } أي وعيده {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن } أي لا {يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ } يقيموا{عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } بل أقلعوا عنه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن الذي أتوه معصية.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفاً دون الصنف الأول، فألحقهم بهم برحمته ومنه، فهؤلاء هم التوابون، وروي في سبب هاتين الآيتين: أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا حين كان المذنب منهم يصبح وعقوبته مكتوبة على باب داره، فأنزل الله هذه الآية توسعة ورحمة وعوضاً من ذلك الفعل ببني إسرائيل، ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية، وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما من عبد يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ويصلي ركعتين ويستغفر إلا غفر له تفسير : ، وقوله {والذين} عطف جملة ناس على جملة أخرى، وليس {الذين} بنعت كرر معه واو العطف، لأن تلك الطبقة الأولى تنزه عن الوقوع في الفواحش، و"الفاحشة" هنا صفة لمحذوف أقيمت الصفة مقامه، التقدير: فعلوا فعلة فاحشة، وهو لفظ يعم جميع المعاصي، وقد كثر اختصاصه بالزنا، حتى فسر السدي هذه الآية بالزنا، وقال جابر بن عبد الله لما قرأها: زنى القوم ورب الكعبة، وقال إبراهيم النخعي: الفاحشة من الظلم، والظلم من الفاحشة وقال قوم: الفاحشة في هذه الآية إشارة إلى الكبائر، وظلم النفس إشارة إلى الصغائر، و {ذكروا الله} معناه: بالخوف من عقابه والحياء منه، إذ هو المنعم المتطول ومن هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رحم الله صهيباً لو لم يخف الله لم يعصه، و {استغفروا} معناه: طلبوا الغفران، واللام معناها: لأجل "ذنوبهم"، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله}، اعتراضاً موقفاً للنفس، داعياً إلى الله، مرجياً في عفوه، إذا رجع إليه، وجاء اسم {الله} مرفوعاً بعد الاستثناء والكلام موجب، حملاً على المعنى، إذ هو بمعنى وما يغفر الذنوب إلا الله، وقوله تعالى: {ولم يصروا} الإصرار معناه: اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير، أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي: "علم الله أنها مني صرى". يريد: عزيمة. فالإصرار اعتزام البقاء على الذنب، ومنه قول النبي عليه السلام: لا توبة مع إصرار، وقال أيضاً: ما أصر من استغفر، واختلفت عبارة المفسرين في الإصرار، فقال قتادة: هو الذي مضي قدماً في الذنب لا تنهاه مخافة الله. وقال الحسن، إتيان العبد الذنب هو الإصرار حتى يتوب، وقال مجاهد: {لم يصروا} معناه: لم يمضوا وقال السدي: "الإصرار" هو ترك الاستغفار، والسكوت عنه مع الذنب، وقوله تعالى: {وهم يعلمون} قال السدي: معناه وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقال ابن إسحاق: معناه، وهم يعلمون بما حرمت عليهم، وقال آخرون: معناه، وهم يعلمون أن باب التوبة مفتوح لهم وقيل: المعنى، وهم يعلمون أني أعاقب على الإصرار. ثم شرك تعالى الطائفتين المذكورتين في قوله {أولئك جزاؤهم} الآية، وهذه تؤذن بأن الله تعالى أوجب على نفسه بهذا الخبر الصادق قبول توبة التائب، وليس يجب عليه تعالى من جهة العقل شيء، بل هو بحكم الملك لا معقب لأمره، وقوله: {ونعم أجر العاملين} بمنزلة قوله: ونعم الأجر، لأن نعم وبئس تطلب الأجناس المعرفة أو ما أضيف إليها وليست هذه الآية بمنزلة قوله تعالى: {أية : ساء مثل القوم} تفسير : [الأعراف: 177] لأن المثل هنا أضيف إلى معهود لا إلى جنس، فلذلك قدره أبو علي: ساء المثل مثل القوم، ويحتمل أن يكون مثل القوم مرتفعاً "بساء" ولا يضمر شيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَاحِشَةً} الكبائر، أو الزنا. {ظَلَمُوَاْ} بالصغائر. {ذَكَرُواْ اللَّهَ} بقلوبهم فحملهم ذكره على التوبة والاستغفار، أو ذكروه بقولهم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا. {يُصِرُّواْ} الثبوت على المعصية، أو مواقعتها إذا هَمَّ بها، أو ترك الاستغفار منها، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم قد أتوا معصيته، أو يعلمون الحجة في أنها معصية.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والذين إذا فعلوا فاحشة} قال ابن مسعود رضي الله عنه قال المؤمنون للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا كان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة بابه اجدع أنفك أو أذنك افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وروى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت هذه الاية في رواية أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين أحدهما أنصاري والآخر ثقفي، فخرج الثقفي في غزوة واستخلف أخاه الأنصاري على أهله فاشترى لهم ذات يوم لحماً فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله وذكرت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به إلى أبي بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً فقال الأنصاري: هلكت وذكر القصة فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ثم لقيا عمر فقال لهما: مثل ذلك فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما مثل مقالتهما فأنزل الله عز وجل: {والذين إذا فعلوا فاحشة} يعني فعله فاحشة خارجة عما أذن الله فيه والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد، قال جابر: الفاحشة الزنا. وقوله تعالى: {أو ظلموا أنفسهم} ظلم النفس هو ما دون الزنا مثل القبلة والمعانقة واللمس والنظر وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة وقيل الفاحشة مما يكون فعله كاملاً في القبح وظلم النفس هو أي ذنب كان {ذكروا الله} يعني ذكروا وعيد الله وعقابه وأن الله يسألهم عن ذلك يوم الفزع الأكبر وقيل ذكروا جلال الله الموجب للحياء منه. وقيل ذكروا لله باللسان عند الذنوب وهو قوله تعالى: {فاستغفروا لذنوبهم} يعني لأجل ذنوبهم فتابوا منها واقلعوا عنها نادمين على فعلها عازمين أن لا يعودوا إليها وهذه شروط صحة التوبة المقبولة {ومن يغفر الذنوب إلاّ الله} وصف نفسه بسعة الرحمة وقرب المغفرة وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلاّ إلى فضله وكرمه وإحسانه وعفوه ورحمته وفيه تنبيه على أن العبد لا يطلب المغفرة إلاّ منه وأنه القادر على عقاب المذنب وكذلك هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه فثبت أنه لا يجوز طلب المغفرة إلاّ منه {ولم يصروا على ما فعلوا} يعني ولم يقيموا على الذنوب ولم يثبتوا عليها ولكن تابوا منها وأنابوا واستغفروا قيل الإصرار هو ترك الاستغفار عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" تفسير : أخرجه أبو داود وقال: حديث حسن غريب وعنده عوض ولو عاد ولو فعل {وهم يعلمون} قال ابن عباس: وهم يعلمون أنها معصية وأن لهم رباً يغفرها وقيل وهم يعلمون إن الإصرار ضار وقيل معناه وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنب وقيل وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت وقيل معناه وهو يعلمون أنهم إن استغفروه غفر لهم قال ثابت البناني بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة إلى آخرها. فصل: في فضل الاستغفار عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني كنت إذا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله منه ما يشاء أن ينفعني. وإذا حدثني أحد من الصحابة استحلفته فإذا حلف لي صدقته وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من عبد مؤمن أو قال ما من رجل يذنب ذنباً فيقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلاّ غفر الله له ثم قرأ هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} إلى آخر الآية" تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث قد رواه غير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه ورواه مسعر وسفيان عن عثمان بن المغيرة فوقفاه ولم يرفعاه ولا يعرف لأسماء إلاّ هذا الحديث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" تفسير : أخرجه أبو داود (م) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" تفسير : (ق) عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه تبارك وتعالى قال: "حديث : إذا أذنب عبد ذنباً فقال: اللّهم اغفر لي ذنبي قال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: إن عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب"تفسير : . وفي رواية اعمل ما شئت قد غفرت لك" قال عبد الأعلى لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة اعمل ما شئت عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم وأتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن عنان السماء بفتح العين قيل هو السحاب وقيل هو ما عن لك منها أي ما ظهر لك منها وقراب الأرض بضم القاف وروي بكسرها والضم أشهر وهو ما يقارب ملأها عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم قال حديث حسن صحيح على شرط البخاري ومسلم عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفر أو قال عسى أن يغفره الله إلاّ من مات مشركاً ومن قتل مؤمناً متعمداً" تفسير : أخرجه أبو داود اهـ.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ...} الآية: ذكر سبحانه في هذه الآيةِ صِنْفاً هو دُون الصِّنف الأول، فألحقهم بهم برَحْمته ومَنِّه، وهم التَّوَّابون، وروي في سَبَب نُزُول هاتَيْن الآيتَيْن؛ أن الصحابَةَ (رضي اللَّه عنهم)، قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا حِينَ كَانَ المُذْنِبُ مِنْهُمْ يُصْبِحْ، وَعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عَلَىٰ بَابِ دَارِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً، وَعِوَضاً مِنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ». ورُوِيَ أَنَّ إبليسَ بَكَىٰ، حين نزَلَتْ هذه الآيةُ، والفاحشةُ لفظٌ يعمُّ جميع المعاصِي، وقد كثر ٱستعماله في الزِّنا؛ حتَّىٰ فسر السُّدِّيُّ الفاحشَةَ هنا بالزِّنَا، وقال قومٌ: الفاحِشَةُ هنا: إشارةٌ إلى الكبائِرِ، وظُلْمُ النَّفْس: إشارةٌ إلى الصَّغائر، وٱسْتَغْفُروا: معناه: طلبوا الغُفْران. قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في سنن ابْنِ ماجة؛ بإسنادٍ جيدٍ، عن عبد اللَّه بْنُ بُسْرٍ (بضم الباء)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : طُوبَىٰ لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ ٱسْتِغْفَاراً كَثِيراً»تفسير : انتهى من «الحلية». و {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ}: معناه: بالخَوْفِ من عقابِهِ، والحَيَاءِ منه؛ إذ هو المُنْعِمُ المتطَوِّل، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالَىٰ: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}؛ ٱعتراضاً موقِّفاً للنفْس، داعياً إلى اللَّه مرجِّياً في عفوه، إذا رجع إلَيْه، وجاء ٱسم «اللَّهِ» مرفوعًا بعد الٱِستثناءِ، والكلامُ موجَبٌ؛ حملاً على المعنَىٰ؛ إذ هو بمعنَىٰ، ومَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّه، وعن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ (رضي اللَّه عنه)، قَالَ: حدَّثني أبو بكر رضي اللَّه عنه، وصَدَقَ أبو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْباً، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قرأَ هذه الآيةَ: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ...} إلى آخر الآية» تفسير : رواه أبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجة، وابْنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: حديثٌ حَسَن انتهى من «السلاح». وقوله سبحانه: {وَلَمْ يُصِرُّواْ}: الإصْرَارُ: هو المُقَامُ على الذَّنْبِ، واعتقادُ العودة إليه، وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم قد أَذْنَبُوا، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: {أُوْلَـئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ...} الآية. قال * ص *: قوله: {ونِعْمَ} المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرةُ والجَنَّة.
ابن عادل
تفسير : يجوز أن يكون معطوفاً على الموصول قبله، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة، وتكون الجملةُ من قوله: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] جملة اعتراض بين المتعاطفين. ويجوز أن يكون "والذين" مرفوعاً بالابتداء، و "أولَئِكَ" مبتدأ ثانٍ، و "جَزَاؤهُمْ" مبتدأ ثالث، و "مَغْفِرَةٌ" خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وقوله: {إِذَا فَعَلُواْ} شرط، وجوابه: {ذَكَرُواْ}. قوله: {فَٱسْتَغْفَرُواْ} عطف على الجواب، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول، والمفعول الأول لـ "اسْتَغْفَرُوا" محذوف، أي: استغفروا الله لذنوبهم، وقد تقدم الكلام على "استغفر"، وأنه تعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، وليس هو هذه اللام، بل "من" وقد يُحْذَف. فصل في سبب النزول قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا رسولَ الله، كانت بو إسرائيل اكرمَ على الله مِنَّا؛ كان أحدهم إذا أذنب اصبحت كفارةُ ذَنْبِه مكتوبةً على عتبة بابه، اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل الله هذه الآية. قال عطاء: نزلت في نبهان التمار - وكُنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء، تبتاعُ منه تَمْراً، فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيِّد، وإن في البيت أجودَ منه، فذهب بها إلى بيته، فضمها إلى نفسه، وقَبَّلها، فقالت له: أتَّقِ الله، فتركها، وندم على ذلك، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية. وقال مُقَاتِلٌ والكَلْبِيُّ: آخى رسولُ الله بين رجلين، أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيفٍ، فخرج الثقفيُّ في غزاةٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقُرْعة في السفر، وخلف الأنصاريّ على أهله، يَتَعَاهَدُهُم، واشترى لهم اللحمَ ذات يوم، فلما أرادت المرأةُ أن تأخذ منه، دخل على أثرها، وقَبَّل يَدَهَا، فوضعت كَفَّهَا على وَجْهها، ثم ندم الرجل وانصرف، ووضع الترابَ على رأسه، وهام على وجهه، ولما رجع الثقفيُّ لم يستقبله الأنصاريُّ، فسأل امرأته عن حاله، فقالت: لا أكثر اللهُ في الإخوان مثله، ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلب الأنصاريَّ الثقفيُّ حتى وجده، فأتى به أبا بكر؛ رجاء أن يجدَ عنده راحةً وفرجاً، وقال الأنصاريُّ: هلكت، وذكر القصة، فقال أبو بكر: ويحك! أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم؟ ثم لقيا عُمَرَ، فقال له مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما مثل مقالتهما، فأنزل الله هذه الآية. الفاحشة - هنا - نعت محذوف، تقديره: فعلوا فِعْلَةً فاحشةً. وأصل الفُحْش: القُبْح الخارج عن الحد، فقوله: {فَاحِشَةً} يعني: قبيحة، خارجة عما أذن الله فيه. قال جَابِر: الفاحشة: الزنا؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} تفسير : [النساء: 15]، وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} تفسير : [الإسراء: 32]. قوله: {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ}. قال الزمخشري: "الفاحشة: ما كان فعله كاملاً في القُبْح، وظُلْمُ النفس هو أي ذَنْب كان، مما يؤاخذُ الإنسانُ به". وقيل: الفاحشة: هي الكبيرة، وظلم النفس هو الصغيرة. وقيل: الفاحشة، هي الزنا، وظلم النفس: هو القُبْلة واللَّمْسَة والنظرة. وقال مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الفاحشة ما دون الزنا من قُبْلَة أو لَمْسَةٍ، أو نظرة، فيما لا يحل. وقيل: فعلوا فاحشة فِعْلاً، أو ظلموا أنفسهم قولاً. قوله: {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} أي: ذكروا وعيدَ الله وعقابه، فيكون من باب حذف المضاف. قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله. وقال مُقاتِلٌ والوَاقِدِيُّ: تفكروا أن الله سائلهم. وقيل: المراد بهذا الذكر: ذكر الله بالثناء والتعظيم والإجلال؛ لأن من أراد أن يسأل الله تعالى مسالةً، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله تعالى، فهاهنا لما كان المراد منه: الاستغفار من الذنوب قدَّموا عليه الثناء، ثم اشتغلوا بالاستغفار، {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} أي: ندموا على فِعْل ما مضَى مع العزم على تَرْك مثله في المستقبل، وهذا حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فلا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار، لإزالة التهمة. وقوله: {لِذُنُوبِهِمْ} أي: لأجل ذنوبهم. قوله: {وَمَنْ يَغْفِرُ} استفهام بمعنى: النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء. قوله: {إلاَّ ٱللَّهُ} بدل من الضمير المستكن في "يَغْفِرُ"، والتقدير: لا يغفر أحد الذنوب إلا الله تعالى، والمختار - هنا - الرفع على البدل، لكَوْن الكلام غيرَ إيجاب. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} تفسير : [البقرة: 130]. وقال أبو البقاء "مَنْ" مبتدأ، "يَغْفِرُ" خبره، و {إلاَّ ٱللَّهُ} فاعل "يَغْفِرُ"، أو بدل من المضمر فيه، وهو الوجه؛ لأنك إذا جعلت "اللهُ" فاعلاً، احتجْتَ إلى تقدير ضمير، أي: ومَنْ يغفر الذنوب له غير الله. قال شهَابُ الدين: "وهذا الذي قاله - أعني: جعله الجلالة فاعلاً - يقرب من الغلط؛ فإن الاستفهام - هنا - لا يُراد به حقيقته، إنما يرادُ "النفي"، والوجه ما تقدم من كون الجلالة بدلاً من ذلك الضمير المستتر، والعائد على "من" الاستفهامية". ومعنى الكلام أن المغفرة لا تُطْلب إلا من الله؛ لأنه القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة العقاب عنه. قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ} يجوز أن تكون جملة حالية من فاعل {فَٱسْتَغْفَرُواْ} أي: ترتب على فعلهم الفاحش ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم، وعدم إصرارهم عليها، وتكون الجملة من قوله: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} - على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثاني، وبين الحال وذي الحال على الوجه الأول. فصل وأصْل الإصرار: الثبات على الشيء. قال الحسن: إتيان العبد ذَنْباً عَمْداً إصرار، حتى يتوب. وقال السُّدِّي: الإصرار: السكوت وتَرْك الاستغفار. وعن أبي نُصيرة قال: لقيت مولّى لأبي بكر، فقلتُ له: أسَمِعْتَ من أبي بكر شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبِعِين مَرَّةً". تفسير : وقيل: الإصرار: المداومة على الشيء، وتَرْك الإقلاع عنه، وتأكيد العزم على ألا يتركه، من قولهم: صر الدنانير، إذا ربط عليها، ومنه: صُرَّة الدراهم - لما يربط منها -. قال الحُطََيْئة: يصف خيلاً: [الطويل] شعر : 1620- عَوَابِسُ بِالشُّعْثِ الْكُمَاةِ إذَا ابْتَغَوْا عُلاَلَتَها بِالْمُحْصَدَاتِ أصَرَّتِ تفسير : أي: ثبتت، وأقامت، مداومة على ما حملت عليه. وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 1621- يُصِرُّ بِاللَّيْلِ مَا تُخْفِي شَوِاكِلُهُ يَا وَيْحَ كُلِّ مُصِرِّ القَلْبِ خَتَّارِ تفسير : و "ما" في قوله: {عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} يجوز أن تكون اسمية بمعنى: الذي، ويجوز أن تكون مصدرية. قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل {فَٱسْتَغْفَرُواْ}، وأن يكون حالاً من فاعل {يُصِرُّوا}، والتقدير: ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا من الذنوب بحال ما كانوا عالمين بكونها محرمة؛ لأنه قد يُعْذَر مَنْ لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بالحرمة، فإنه لا يعذر. ومفعول {يَعْلَمُونَ} محذوف للعلم به. فقيل: تقديره: يعلمون أن الله يتوب على مَنْ تاب، قاله مجاهد. وقيل: يعلمون أن تَرْكه أوْلَى، قاله ابنُ عباس والحسن. وقيل: يعلمون المؤاخذة بها، أو عفو الله عنها. وقال ابْنُ عَبَّاسِ، ومُقَاتِلٍ، والحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: وهم يعلمون أنها معصية. وقيل: وهم يعلمون أن الإصرارَ ضار. وقال الضَّحَّاكُ: وهم يعلمون أن الله يملك مغفرةَ الذنوب، وقال الحسن بن الفضل: وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب. وقيل: وهم يعلمون أن الله تعالى، لا يتعاظمه الْعَفْو عن الذنوب - وإن كثرت -. وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غُفِرَ لهم. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}، والمعنى: أن المطلوب بالتوبة أمران: الأول: الأمن من العقاب، وإليه الإشارة بقوله: {مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}. والثاني: إيصال الثواب إليه، وهو المراد بقوله: {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}. قوله: {مِن رَّبِّهِمْ} في محل رفع؛ نعتاً لِـ "مَغْفِرَةٌ"، و "مِنْ" للتبعيض، أي: من مغفرات ربهم. قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} حال من الضمير في {جَزَآؤُهُمْ}؛ لأنه مفعول به في المعنى؛ لأن المعنى: يجزيهم الله جنات في حال خلودهم ويكون حالاً مقدراً، ولا يجوز أن تكون حالاً من "جَنَّاتٌ" في اللفظ، وهي لأصحابها في المعنى؛ إذْ لو كان ذلك لبرز الضمير، لجَرَيان الصفة على غير مَنْ هي له، والجملة من قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} في محل رفع؛ نعتاً لِـ "جَنَّاتٌ". وتقدم إعراب نظير هذه الجمل. قوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} المخصوص بالمدح محذوف، تقديره: ونِعْمَ أجر العاملين الجنة. فصل دلَّتْ هذه الآية على أن الغفران والجنات يكون أجراً لعملهم، وجزاءً عليه. قال القَاضِي: وهذا يُبْطِل قولَ مَنْ قال: إن الثواب تفضُّل من الله، وليس بجزاءٍ على عملهم. قال ثابت البُنَانِي: بلغني أن إبليسَ بكَى حين نزلت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} الآية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن الحسن أنه قرأ {الذين ينفقون في السراء والضراء...} [آل عمران: 134] الآية. ثم قرأ {والذين إذا فعلوا فاحشة...} الآية فقال: إن هذين النعتين لنعت رجل واحد. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هذان ذنبان. فعلوا فاحشة ذنب، وظلموا أنفسهم ذنب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن زيد في قوله {والذين إذا فعلوا فاحشة} قال: زنا القوم ورب الكعبة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {فعلوا فاحشة} قال: الزنا. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه ذكرعنده بنو إسرائيل وما فضلهم الله به فقال: كان بنو إسرائيل إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح وقد كتبت كفارته على أسكفة بابه، وجعلت كفارة ذنوبكم قولاً تقولونه تستغفرون الله فيغفر لكم. والذي نفسي بيده لقد أعطانا الله آية لهي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها {والذين إذا فعلوا فاحشة...} الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنباً فقرأهما فاستغفر الله إلا غفر له {والذين إذا فعلوا فاحشة...} الآية. وقوله {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه...} تفسير : [النساء: 110] الآية . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ثابت البناني قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية بكى {والذين إذا فعلوا فاحشة...} الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاف بن خالد قال: بلغني أنه لما نزل قوله {ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا} صاح إبليس بجنوده، وحثا على رأسه التراب، ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر. فقالوا: ما لك يا سيدنا؟ قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب قالوا: ما هي؟ فاخبرهم قالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي منهم ذلك. وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيذكر ذنبه، فيتطهر ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له. ثم قرأ هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} إلى آخر الآية "تفسير : . وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أذنب عبد ذنباً ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى بزار من الأرض فصلى فيه ركعتين، واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كل شيء يتكلم به ابن آدم فانه مكتوب عليه، فإذا أخطأ خطيئة وأحب أن يتوب إلى الله فليأت بقعة رفيعة، فليمدد يديه إلى الله ثم ليقل: إني أتوب إليك فيها لا أرجع إليها أبداً، فانه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهمَّ اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أربعة في حديقة قدس في الجنة: المعتصم بلا إله إلا الله لا يشك فيها، ومن إذا عمل حسنة سرته وحمد الله عليها، ومن إذا عمل سيئة ساءته واستغفر الله منها، ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره فقال الله: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم إني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : قال إبليس يا رب ـ وعزتك ـ لا أزال أغوي بني آدم ما كانت أرواحهم في أجسادهم فقال الله: وعزتي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي في الشعب عن أنس قال: حديث : جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أذنبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أذنبت فاستغفر ربك قال: فإني استغفر ثم أعود فأذنب فقال: إذا أذنبت فاستغفر ربك، ثم عاد فقال في الرابعة: استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور" . تفسير : وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر الجهني "حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله أحدنا يذنب قال: يكتب عليه قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه قال: فيعود ويذنب قال: يكتب عليه قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه قال: فيعود ويذنب قال: يكتب عليه قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولم يصروا على ما فعلوا} قال: لم يقيموا على ذنب وهم يعلمون أنه يغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدماً، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت وهم على ذلك. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ارحموا تُرحموا، واغفروا يُغفر لكم. ويل لأقماع القول ـ يعني الآذان ـ ويل للمصِّرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي عن ابن عباس قال: كل ذنب أصر عليه العبد كبر وليس بكبير ما تاب منه العبد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إتيان الذنب عمداً إصرار حتى يتوب. وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: الإصرار أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {ولم يصروا على ما فعلوا} فينكبوا ولا يستغفروا وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، ثم أقاموا ولم يستغفروا. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {ونعم أجر العاملين} بطاعة الله الجنة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ} مرفوعٌ على الابتداء، وقيل: مجرورٌ معطوفٌ على ما قبله من صفات المتقين، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} اعتراضٌ بـينهما مشيرٌ إلى ما بـينهما من التفاوت، فإن درجةَ الأولين من التقوى أعلى من درجة هؤلاءِ وحظِّهم، أو على نفس المتقين فيكونُ التفاوتُ أكثرَ وأظهرَ {إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً} أي فَعلةً بالغةً في القُبح كالزنا {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} بأن أتَوْا ذنباً أيَّ ذنبٍ كان، وقيل: الفاحشةُ الكبـيرةُ، وظلمُ النفسِ الصغيرة، أو الفاحشةُ ما يتعدّى إلى الغير، وظلمُ النفس ما ليس كذلك. قيل: قال المؤمنون: يا رسولَ الله كانت بنو إسرائيلَ أكرمَ على الله تعالى منا، كان أحدُهم إذا أذنب أصبحت كفارةُ ذنبِه مكتوبةً على عَتَبة دارِه افعلْ كذا فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ. وقيل: إن نبهانَ التمار أتتْه امرأةٌ حسناءُ تطلُب منه تمراً فقال لها: هذا التمرُ ليس بجيد وفي البـيت أجودُ منه فذهب بها إلى بـيته فضمّها إلى نفسه وقبّلها فقالت له: اتق الله فتركها وندِم على ذلك وأتى النبـيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت، وقيل: جرى مثلُ هذا بـين أنصاريُّ وامرأةِ رجلٍ ثقفي كان بـينهما مؤاخاةٌ فندم الأنصاريُّ وحثا على رأسه الترابَ وهام على وجهه وجعل يسيح في الجبال تائباً مستغفِراً ثم أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت. وأياً ما كان فإطلاقُ اللفظِ ينتظم ما فعله الزُناةُ انتظاماً أولياً {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} تذكّروا حقَّه العظيمَ وجلالَه الموجبَ للخشية والحياء أو وعيدَه أو حُكمَه وعقابَه. {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} بالتوبة والندمِ، والفاء للدَلالة على أن ذكرَه تعالى مستتبعٌ للاستغفار لا محالة {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ} استفهامٌ إنكاريٌّ، والمرادُ بالذنوب جنسُها كما في قولك: فلان يلبَس الثيابَ ويركب الخيلَ لا كلُّها حتى يُخِلّ بما هو المقصودُ من استحالة صدورِ مغفرةِ فردٍ منها عن غيره تعالى، وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱللَّهُ} بدلٌ من الضمير المستكن في يغفر أي لا يغفرُ جنسَ الذنوبِ أحدٌ إلا الله خلا أن دَلالة الاستفهامِ عن الانتفاء أقوى وأبلغُ لإيذانه بأن كلَّ أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب يعرِف ذلك الانتفاءَ فيسارع إلى الجواب به، والمرادُ به وصفُه سبحانه بغاية سَعةِ الرحمةِ وعمومِ المغفرةِ، والجملةُ معترضةٌ بـين المعطوفين أو بـين الحالِ وصاحبِها لتقرير الاستغفارِ والحث عليه والإشعارِ بالوعد بالقَبول {وَلَمْ يُصِرُّواْ} عطفٌ على فاستغفروا، وتأخيرُه عنه مع تقدم عدمِ الإصرار على الاستغفار رتبةً لإظهار الاعتناءِ بشأن الاستغفارِ واستحقاقِه للمسارعة إليه عَقيبَ ذكرِه تعالى أو حال من فاعله ولم يُقيموا أو غيرَ مقيمين {عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} أي ما فعلوه من الذنوب فاحشةً كانت أو ظلماً أو على فعلهم. روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرةً» تفسير : وأنه لا كبـيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من فاعل يُصِروا أي لم يُصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقُبحه والنهيِ عنه والوعيدِ عليه. والتقيـيدُ بذلك لما أنه قد يُعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن التقصيرُ في تحصيل العلم به.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} [الآية: 135]. قال الواسطى: الطاعات فواحش، لا بل النظر إليها عجبًا واستكبارًا هى الفواحش لا الطاعات. سُئل أبو عبد الله بن الجلاء عن الظلم فقال: متابعة النفس على ما تشتهيه. سُئل محمد بن على عن قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} قال: النظر إلى الأفعال أو ظلموا أنفسهم برؤية النجاة بأعمالهم، ذكروا الله، لحقَهُم التوفيق من الله تعالى وأدركتهم العصمة منه فاستغفروا لذنوبهم من أفعالهم وأقوالهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، علموا أن لا وصول إلى الله تعالى إلا به. قال أبو بكر الورَّاق: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بمتابعة الهوى ومخالفة السنة. قال جعفر المراوحى فى هذه الآية: إنها على وجهين: العامة: ذكروه بأنهم أحشموه فاستغفروه لترضوه. والخواص: ذكروه بأنه تولاها منهم على ما سبق لهم فاستغفروه أدبًا وذكروه توحيداً.
القشيري
تفسير : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام "قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من ذكرني وذكري للظلمة باللعنة". وقال لظَلَمَةِ هذه الأمة. {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} ثم قال في آخر الآية: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. ويقال فاحشةُ كلِّ أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفِعْلها من الأغيار، قال قائلهم: شعر : أنت عيني وليس من حق عيني غضُّ أجفانها على الأقذاء تفسير : فليس الجُرْم على البساط كالذَّنب على الباب. ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علماً منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور الحقائق، ومَنْ طَهَّره الله بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية. {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} بردِّهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من الحسنى في سابق القسمة. {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} مؤجلاً من الفراديس، ومُعَجلاً في روح المباحات وتمام الأُنْس.
البقلي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} الاية اشارة الى قوم اخطاؤا فى السماع ومجالستهم مع حظوظ انفسهم بقايا صفات البشرية فهم حيث جلسوا بغير حضور ولا شهود ولا مراقبة ولا فقد يس الاسرار فى طلب الانوار فالفاحشة منهم سماع القول واظهار الوجد مع حظوظ النفس وحظ البشيرة والظلم منهم دعوى المعاملات والولايات وهم يعلمون انهم ليسوا على التحقيق فى السماع واظهار الوجد فادركهم الله بفيض رحمته حيث غرفهم فضائح انفسهم عنده ويلقيهم فى رية التغيير والعتاب ويضيق صدورهم بتلك الفاحشة والظلم فذكرون الله بشرط الندم---- التقصير والخجل بين يديه وسقوطهم عن عيون المشائخ فيستغفرون الله من كذب دعواهم بتيه الصدق فى التبرى عن دعوى ما ليس لهم واذا كان الامر كذلك ولم يضروا على ما فعلوه يغفر الله ما سبق منهم بايوانهم الى قربه فان ملاهم وصاحبهم لا غير وذلك قوله {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} من وايضا فيها اشارة الى عشاق الله الذين استغرقوا فى بحار العشق والشوق واحترقوا بلوئح نيران الكبرياء وبغتة سطوات العظمة فيطلبون روح الانس بالاستراحة فى مشاهدة المستحسنات ويرتادون مشاهدة عروس القدم فى مقام الالباس وعين الجمع الذى فيه روية الحق فى مرأة الخلق وذلك الالتباس فاحشة منهم لانهم فى طلب القدم مع روية الحقد وليس هذا شرط تجريد حقيقة العشق واذا كانوا متحرقون بنيران التوحيد والتفريد فى رية الازل والابد والقدم والبقاء يطلبون النزول من مقام التوحيد الى مقام العشق وهذا ظلهم منهم على انفسهم لانهم نقصوا حظ التوحيد بفرارهم من الفناء فى التحيد الى بقائهم فى العشق وقوله ذكروا الله اى اذا كانوا مذركين انفسهم فى مقام المكر والاستدراج وفقدانهم اسرار مقام الفناء درجاته يفزعون بالكلية الى كلية الحق جل عن الخواطر والضمائر لان قوله تعالى ذكروا والله لم يقل ذكروا اسمه اونعته وصفته منه وفعلا منه بل ذكروا الله اى فنوا فى الفرار منه اليه فى صرف الالوهية بروية الذات والصفات يدركهم الحق بانكشاف ما استاثر من نفسه لنفسه او لاهل نور نوره الذين بقوا فى الفناء وفنوا فى البقاء لهم خاصيته واصطفائيه وايضا فيها اشارة الى اسحاب المواجيد والوقائع والمكاشفات الذين عادتهم السلوك فى المعاملات من الطاعات والرياضات فاذا اورد عليهم واردو تضيق وقت وظائفهم يرجعون الى اداء الورد وهذا سؤء ادب كما سئل الحريرى فى ذلك قال هذا سوء ادب وهذا فاحشة منهم النزول من الربوبية الى المعبودية والظلم تركهم مقام الوصال واختيارهم وسائط الاحوال ذكروا الله بعد تغير الله اياهم بخلوهم عن الوسيلة ورجوعهم الى المشاهدة والقربة قال الواسطى الطاعات فواحش ما ذكروا الواسطى تفسير بلسان الشطح وسئل ابو عبد الله بن جلا عن الظلم فقال متابعة النفس على ما تشتهيها وسئل محمد بن على عن قوله والذين اذا فعلوا فاحشة قال النظر الى الافعال وظلموا انفسهم بروية النجاة باعمالهم ذكروا الله لحقهم التوفيق من الله وادركهم العصمة منه فاستغفر الذنوبهم من أفعالهم واقوالهم ومن يغفر الذنوب الا الله علموا ان لا وصل الى الله الا به وقال الاستاد يقال فاحشة كل احد على حسب حاله ومقامه وكذلك ظلمهم وان خطور المخالفات ببال الاكابر كفعلهم عن الاغيار وقال قائلهم شعر : انت عينى وليس من حق عينى غمض اجفانها عن الاقذاء تفسير : وليس الجرم على الباسط كالذنب على الباب وقال الباب ان روي الاحوال والاقوال كظلمات عند ظهور الحقائق.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين اذا فعلوا فاحشة} اى فعلة بالغة فى القبح كالزنى {او ظلموا انفسهم} بان اذنبوا أى ذنب كان مما يؤاخذ به الانسان او الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك {ذكروا الله} تذكروا حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء او وعيده {فاستغفروا لذنوبهم} بان يندموا على ما مضى مع العزم على ترك مثله فى المستقبل واما مجرد الاستغفار باللسان فلا اثر له فى ازالة الذنب وانما هو حظ اللسان من الاستغفار وهو توبة الكذابين {ومن} استفهام انكارى اى لا {يغفر الذنوب} اى جنس الذنوب احد {الا الله} بدل من الضمير المستكن فى يغفر وهو اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه تصويبا للتائبين وتطييبا لقلوبهم وبشارة لهم بوصف ذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة واجلالا لهم واعلاء لقدرهم بانهم علموا ان لا مفزع للمذنبين الا فضله وكرمه وان من كرمه ان التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له وان العبد اذا التجأ اليه فى الاعتذار والتنصل باقصى ما يقدر عليه عفا عنه وتجاوز عن الذنوب وان جلت فان عفوه اجل وكرمه اعظم وتحريضا للعباد على التوبة وبعثا عليها وعلى الرجاء وردعا عن اليأس والقنوط {ولم يصروا} عطف على فاستغفروا اى لم يقيموا {على ما فعلوا} من الذنوب فاحشة كانت او ظلما غير مستغفرين لقوله عليه السلام "حديث : ما صر من استغفر وان عاد فى اليوم سبعين مرة " .تفسير : و"حديث : لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار ". تفسير : اى الصغيرة مع الاصرار كبيرة {وهم يعلمون} حال من فاعل يصروا اى لم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه وبالنهى عنه والوعيد عليه والتقييد بذلك لما انه قد يعذر من لا يعلم ذلك اذا لم يكن عن تقصير فى تحصيل العلم به.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين إذا فعلوا فاحشة} أي: فعلة بالغة في الفحش والقبح، كالزنى، {أو ظلموا أنفسهم} بأي ذنب كان، أو فعلوا كبيرة أو صغيرة، أو الفاحشة: ما يتعدى للغير، وظلم النفس ما يخص، أو الفاحشة بالفعل، وظلم النفس بالقول، {ذكروا الله} أي: عاقبه وغضبه وعرضه الأكبر، أو {ذكروا الله} في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، أو كونه رقيباً عليهم، أو {ذكروا الله} باللسان {فاستغفروا لذنوبهم} بالندم والتوبة، {ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي: لا أحد يغفره إلا الله، والمراد: وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحث على الاستغفار. {ولم يصروا على ما فعلوا} أي: لم يدوموا عليها غير مستغفرين، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما أصَرَّ مَن اسْتَغفَر، ولو عَادَ في اليَوم سَبْعِينَ مَرَةً"تفسير : . وذلك إذا صحبه الندم، وقال أيضاً:"حديث : لا كَبِيرةَ مَعَ الاستغفَار، ولا صَغيرَةَ معَ الإصْرارِ"تفسير : . قال قتادة: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قِدْماً في معاصي الله تعالى، لم يتوبوا حتى أتاهم. هـ. {وهم يعلمون} أن الإصرار يضر بهم، أو: وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنب؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : مَنْ أَذْنَبَ ذنْباً، وعَلِمَ أَنَّ له ربّاً يَغْفُرِ الذنوب، غَفَرَ له وإِنْ لمْ يسْتَغفر"تفسير : . وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:"حديث : من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرتُ له ولا أبالي"تفسير : . وفي بعض الكتب المنزلة:"حديث : يا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ ما دَعَوْتني ورَجَوْتني لأغفرن لَكَ على مَا كَانَ منكَ ولا أُبَالِي"تفسير : . أو: {وهم يعلمون} أن التوبة تمحق الذنوب. {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم}؛ تغطية لذوبهم، {وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها، كما لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها، ثم مدح أجر التائبين فقال: {ونعم أجر العالمين}، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل اليمين، قال في الآية الأولى: {والله يحب المحسنين} وقال في هذه الآية: {ونعم أجر العاملين}، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب، وأهل هذه يأخذون أجرهم من وراء الباب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى عين التحقيق. الإشارة: أهل مقام الإحسان عملهم قلبي، كالسخاء والعفو وكظم الغيظ، وأهل اليمين عملهم بدني، بين طاعة ومعصية وغفلة ويقظة، إذا فعلوا فاحشة تابوا وستغفروا، وإذا فعلوا طاعة فرحوا واستبشروا، أهل مقام الإحسان غائبون عن رؤية أعمالهم ووجودهم، وأهل اليمين معتمدون على أعمالهم، إذا فعلوا طاعة قوى رجاؤهم، وإذا زلَّوا نقص رجاؤهم، أهل مقام الإحسان فانون عن أنفسهم باقون بربهم، وأهل اليمين أنفسهم موجودة وأعمالهم لديهم مشهودة، أهل مقام الإحسان محبوبون، وأهل اليمين مُحِبُّون، أهل مقام الإحسان فنيت عندهم الرسول والأشكال، وبقي في نظرهم وجود الكبير المتعال، وأهل اليمين: الأكوان عندهم موجودة، وشموس المعارف عن قلوبهم مفقودة، أهل مقام الإحسان يعبدون الله على نعت الشهود والعيان، وأهل اليمين يعبدون الله من وراء حجاب الدليل والبرهان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. واعلم أن لمعرفة الشهود والعيان ثمرات ونتائج، حصرها بعضهم في إحدى عشرة خصلة. الأولى: الحرية، ومعناها أن يكون العارف فرداً لِفَرْدٍ، من غير أن يكون تحت رق شيء من الموجودات، لا من إغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة، فالحرية عبارة عن غاية التصفية والطهارة. قال بعضهم: ليس بحُرٍّ من بقي عليه من تصفية نفسه مقدار فص نواة، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. الثانية: الوجود، وهو الفوز بحقيقة الأشياء في الأصل، وهو عبارة عن إدراك مقام تضمحل فيه الرسوم، بالاستغراق في الحقيقة الأزلية. الثالثة: الجمع الأتم، وهو الحال الذي يقضي بقطع الإشارات، والشخوص عن الأمارات والعلامات، بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين. الرابعة: الصحو، وهو عبارة عن تمكين حال المشاهدة، واتصالها، مع برء الروح من لدغات الدَّهَشِ، ولا يكمل الصحو إلا بحياة الروح بوارد الجمع الدائم. الخامسة: التحقيق، وهو الوصول إلى المعرفة بالله، التي لا تدْركُ بالحواس، لتخليص المشرب من الحق بالحق في الحق، حتى تسقط المشاهدات، وتبطل العبارات، وتفنى الإشارات. السادسة: البسط، ونعني به: بسط الروح باسترسال شهود المعاني عند سقوط الأواني، وفي ذلك يقول ابن الفارض: شعر : فما سكَنتْ والهمَ يوماً بموضع كذلك لم يسكُنْ مع النغَم الغَمُّ تفسير : السابعة: التلبيس، وهو تغطية الأسرار بأستار الأسباب، إبقاء للحكمة وستراً عن العامة. الثامنة: البقاء، والمراد به الخروج عن فناء المشاهدة إلى بقاء المعرفة، من غير أُفُول بُخل بشمس المشاهدة، ولا رجوع إلى شواهد الحس، إنما هو استصحاب الجمع مع استنئاس الروح بحلاوة المعاني، فهو كبائِن دانٍ. انظر بقيتها في [بغية المسالك]. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : الاعراب: قوله {والذين} يحتمل أن يكون موضعه جراً بالعطف على المتقين، فيكون من صفتهم ما تضمنه على قول الحسن، ويحتمل أن يكون رفعاً على الاستئناف، ويكون عطف جملة على جملة، فيكون من صفة فرقة غير الأولى، ويجوز أن يرجع إلى الأولى في الموضع على المدح. المعنى: وقوله: {إذا فعلوا فاحشة} يحتمل أن يكون أراد غير الظلم، ولذلك عطف عليه بقوله: {أو ظلموا أنفسهم} حتى لا يكون تكراراً. وقال الرماني: أراد بالفاحشة الكبيرة، وبـ {ظلموا أنفسهم} الصغيرة. وقال مجاهد: هما ذنبان وأصل الفاحشة الفحش، وهو الخروج إلى عظم القبح في العقل أو رأي العين فيه. وكذلك قيل للطويل المفرط أنه الفاحش الطول، وأفحش فلان في كلامه إذا أفصح بذكر الفحش. وقال جابر والسدي: الفاحشة ها هنا: الزنا أو ما جرى مجراه من الكبير. وقوله: {ذكروا الله} في معناه قولان: أحدهما - ذكروا وعيد الله، فيكون من الذكر بعد النسيان. والمدح على أنهم تعرضوا للذكر. والآخر - انهم ذكروا الله بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فانا تبنا نادمين عليها مقلعين عنها وقال ابن مسعود، وعطا ابن ابي رياح: كانت بنو اسرائيل إذا أذنب الواحد منهم ذنباً أصبح مكتوباً على بابه كفارة ذنبك اجدع اذنك اجدع انفك، فسهل الله ذلك على هذه الأمة بأن جعل توبتها الاستغفار بدلا منه منة منه تعالى. وقوله: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} الرفع محمول على المعنى. وتقديره: وهل يغفر الذنوب إلا الله أو هل رئي أحد يغفر الذنوب إلا الله. فان قيل: كيف قال: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} وقد يغفر بعضنا لبعض اساءته إليه؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه أراد بذلك غفران الكبائر العظام، لأن الاساءة من بعضنا لبعض صغيرة بالاضافة إلى ما يستحق من جهتة. والثاني - أنه لا يغفر الذنب الذي يستحق عليه العقاب إلا الله تعالى. وقوله: {ولم يصروا على ما فعلوا} فالاصرار هو المقام على الذنب من غير اقلاع منه بالتوبة في قول قتادة. وقال الحسن: هو فعل الذنب من غير توبة والأول أقوى، لأنه نقيض التوبة. وأصله الشد من الصرة والصر شدة البرد، والاصرار إنما هو ارتباط الذنب بالاقامة عليه. وما قاله الحسن هو في حكم الاصرار. وقوله: {وهم يعلمون} ها هنا يحتمل أمرين: أحدهما - وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين، ولا ناسين. قال الجبائي، والله عز وجل يغفر للعبد ما نسيه من ذنوبه، وان لم يتب منه بعينه، كما يغفر له ما تاب منه، لأنه قد فعل في حال النسيان جميع ما عليه. والثاني - وهم يعلمون الحجة في أنها خطيئة. وأما من اجتهد في الاحكام فأخطأ على مذهب من يقول بالاجتهاد، فلا اثم عليه، وكذلك من تزوج بذات محرم من الرضاع أو النسب وهو لا يعلم، أو غير ذلك، فلا إثم عليه بلا خلاف لأنه لم يعلم ذلك، فاقدم عليه، ولا يلزم على ذلك أن يكون الكافر معذوراً بكفره إذا لم يعلمه قبيحاً، لأن الكافر له طريق إلى العلم به، وكذلك نقول: إن من أسلم في دار الحرب، وخرج فاستحل في طريقه الخمر أو لحم الخنزير قبل أن يعلم تحريمها من الشرع، فلا اثم عليه، لأنه في تلك الحال لا طريق له إلى العلم بقبحه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} عطف على الّذين ينفقون والفاحشة تطلق على الزّنا مخصوصاً وعلى ما يشتدّ قبحه مطلقاً وعلى كلّ ما نهى الله عزّ وجلّ عنه {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الظّاهر المتبادر ان يكون المراد بالفاحشة البالغ فى القبح وبظلم النّفس مطلق القبيح حتّى يكون من قبيل ذكر العامّ بعد الخاصّ او الغير البالغ فى القبح حتّى يكون قسيماً للفاحشة لكنّه نسب الى النّبىّ (ص) انّه فسّر الفاحشة بالزّنا وظلم النّفس بارتكاب ذنب اعظم من الزّنا وانّ الآية نزلت فى شابٍّ كان ينبش القبور سبع سنين حتّى نبش قبر جارية من بنات الانصار واخذ كفنها ثمّ جامعها فسمع صائتاً يقول من ورائه: يا شابّ ويلك من ديّان يوم الدّين يوم يقفنى وايّاك كما تركتنى عريانة فى عساكر الموتى ونزعتنى من حفرتى وسلبتنى اكفانى وتركتنى اقوم جنبةً الى حسابى فويل لشبابك من النّار، فندم واتى النّبىّ (ص) باكياً متضرّعاً ولمّا علم النّبىّ (ص) بحاله بعد استعلام حاله نحّاه من عنده فيئس وخرج الى بعض الجبال وتضرّع على الله اربعين صباحاً حتّى انزل الله تعالى قبول توبته وانزل هذه الآية على نبيّه (ص) فخرج مع اصحابه فى طلبه فدلّوه عليه فجاء اليه ودنا منه واطلق يديه من عنقه ونفض التّراب من رأسه وقال: "حديث : يا بهلول ابشر فانّك عتيق الله من النّار"تفسير : {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} يعنى لم يكن الفاحشة او ظلم النّفس من التّمكّن فى الجهل بل كان من اللّمم النّازلة بالعباد المغفورة لانّها لم تكن كبيرة كما سبق انّ الكبيرة ما كان صادراً من التّمكّن فى اتّباع الطّاغوت وامّا اذا كان الانسان متمكّناً فى اتّباع علىّ (ع) وولايته فكلّما صدر عنه من المساوى فهو من قبيل اللّمّات ومن الصّغائر وهذا الانسان كلّما يوقعه الشّيطان فى قبيح يتذكّر الله لا محالة ويندم على قبيحه ويستغفر ربّه وما ورد فى الاخبار من انّ الاصرار ان يذنب الذّنب فلا يستغفر الله ولا يحدّث نفسه بتوبة، ومن قوله (ع): لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، ومن قول النّبىّ (ص): "حديث : ما اصرّ من استغفر وان عاد فى اليوم سبعين مرّة"تفسير : ، وغير ذلك ممّا ورد فى بيان الكبائر والصّغائر يشعر بما ذكرنا فصاحبوا الصّغيرة هم الّذين اذا فعلوا فاحشة اىّ فاحشة كانت ذكروا الله {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} وصاحبوا الكبيرة هم الّذين اذا فعلوا فاحشة لم يتذكّروا ولم يستغفر الله لذنوبهم، وما ورد من تعداد الكبائر وحصرها فى السّبعة او اكثر انّما هو للاشارة الى الكبارة بنسبة بعضها الى بعض {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} معترضة او حاليّة والمقصود تأييس العباد عن التوجّه الى غيره تعالى والاستغفار ممّن سواه وتوصيفه تعالى بسعة المغفرة مع حصرها فيه {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} عطف على قوله {استغفروا لّذنوبهم}، والاصرار على المعصية كما علم سابقاً توطين النّفس على المعصية من دون احداث توبة سواء صدرت عنه مكرّرة ام لا كما انّ الكبيرة هى المعصيه الصّادرة عن تمكين النّفس فى الجهل واتّباع الطّاغوت {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يعنى لم يصرّوا على الفاحشة او ظلم انفسهم والحال انّهم كانوا يعلمون بقبح فعلهم يعنى انّ مناط صدق الاصرار على القبيح هو علم الفاعل بقبحه لا قبحه فى نفس الامر فلو اشتبه الاجنبيّة واصرّ على المضاجعة معها لم تكن معصية ولا الاصرار عليها اصراراً على القبح.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ} في أنفسهم وعلموا أنه سائلهم عن ذلك فخافوه وتابوا إليه من ذلك. {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} ثم قال: {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ}. وكان جابر بن زيد إذا قرأ هذه الآية: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} قال: لا أحد يغفرها غيرك يا الله. ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: جلست إلى رجل من المهاجرين فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أيها الناس، استغفروا الله وتوبوا إليه، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرةتفسير : . ذكر بعض السلف قال: ما جاور عبداً في قبره خير له من الاستغفار. قوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} أي من المعصية {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. ذكروا عن ابن عباس قال: كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة، وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة. وقال بعضهم: كان يقال: لا قليل مع الإِصرار ولا كثير مع الاستغفار. قوله: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} قد فسّرناه قبل هذا الموضع. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يموتون ولا يخرجون منها {وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} أي الجنة. قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني ما عذب الله به الأمم السالفة حين كذبوا رسلَهم. وقال في آية أخرى: (أية : سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) تفسير : [غافر:85] والتي قد خلت من قبل في الكفار أنهم إذا كذبوا رسلهم أَهلكهم الله. قال: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ}. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم، ثم صيّرهم إلى النار؛ يحذّرهم ذلك. قوله: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} قال بعضهم: هذا القرآن بيان للناس عامة {وَهُدًى} يهديهم الله به {وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي: خصّهم الله به. قوله: {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا عن قتال المشركين {وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي وأنتم الظاهرون عليهم والمنصورون. إنهم لما انكشفوا يوم أحد، فصعدوا الجبل علاهم خالد بن الوليد من فوق الجبل وجاءهم أبو سفيان، فقال الله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. وأمر رسول الله أصحابه بطلب القوم، فكرهوا ذلك وشكوا إليه الجراح، فأنزل الله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}. أديل المؤمنون يومَ بدر عليهم، فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون عليهم يوم أحد، فقتلوا سبعين من أصحاب النبي وجرحوا سبعين. قال: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا} أي: ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، وهذا علم الفعال. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي المشركين. قال الحسن: فيها تقديم؛ يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ. وقال: قد مسّ القومَ قرح مثله يوم بدر. والقرح الجراح. وقال مجاهد: جراح وقتل. وقال بعضهم: القرح الجراح، وذلك يوم أحد، وقد فشا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والجراحات، فأخبرهم الله أن القوم أصابهم من ذلك مثل ما أصابكم، [وأن الذي أصابكم] عقوبةٌ قال: وتفسير تلك العقوبة بعد هذا الموضع. قوله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، قال: لولا أن الله جعلها دولاً بين الناس ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال الكافر من المؤمن، ويُدال المؤمن من الكافر.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ}: معطوف على المحسنين، أو على العافين، فالجملة بينهما معترضة، وكذا إن عطف على الذين، وفيهما مر من كون هؤلاء الصفات لموصوف واحد، أوكد لها صاحب، ويجوز كون مبتدأ، خبره {أية : أولئك جزاؤهم مغفرة}. تفسير : {إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً}: فعلة بالغة فى القبح كالزنى وقتل النفس، وكشف العورة، وفسرها السدى: الزنى، وقيل الفاحشة هنا الكبائر والظلم فى قوله عز وجل. {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ}: الصغائر وعلى القول الأول فى الفاحشة يكون الظلم الصغائر وباقى الكبائر، وقيل الفاحشة الزنى، وظلم أنفسهم هو مقدمات الزنى كالمس والقبلة، وقيل: الفاحشة ظلم غيره، والظلم معصية التى ليست ظلماً لغيره. {ذَكَرُواْ اللَّهَ}: ذكروا عظمة الله المتعالى عن العصيان، فاستحبوا حقه وهو أن يطاع، ولا يعصى أو حكمه على العاصى، أو وعيده، أو يذكر الله نطقاً بتسبيحه وتقديسه، والثناء عليه، لأنهُ ينبغى لمريد أن يسأل الله سبحانهُ أن يقدم الثناء على مسألته، وهؤلاء أرادوا سؤال المغفرة، كما قال: {فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ}: وقيل هذه الجملة مفسرة لقوله: {ذَكَرُواْ اللَّهَ} واللام للتعليل، أو بمعنى عن، بمعنى طلبوا ليخلص عنها، أو بمعنى من الابتدائية، أى طلب الانتقال من لازم الذنوب، أو للتعدية، وإنما يحصل الاستغفار بالندم، وأما مجرد الاستغفار باللسان، فلا يزول به الذنب، كما لا يحصل الذنب بخطأ اللسان، وكما لا يحصل الاستغفار بخطأ اللسان بالاستغفار، وفى الكلام حذف، أى: فاستغفروا الله لذنوبهم. {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ؟}: الاستفهام للإنكار، أعنى لنفى إن يغفر الذنوب، غير الله بدليل إلا، والله بدل من المستكن فى يغفر، وهذه الجملة معترضة، بين المعطوف عليه، والعاطف مع المعطوف، فى قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ}: فإن قوله {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ} عطف على {ذكروا} أو {استغفروا} وحكمة الاعتراض بها والله أعلم، أن يذكر فى جواز ذكر الاستغفار ما يدل على سعة رحمة الله، وعموم المغفرة والحث على الأستغفار، والوعد بقبول التوبة، وعلى أن التائب كم لا ذنب لهُ وأنه لا مفزع للمذنب إلا فضل الله وكرمه، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، أى لم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين، أو قوله {ومن يغفر} إلخ على تقدير: قائلين ومن..إلخ. وكان جابر بن زيد إذا قرأ {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّه} قال: لا أحد يغفرها غيرك يا ألله. قال أبو موسى الأشعرى: جلست على رجل من المهاجرين فسمعته يقول، قال رسول الله "حديث : أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه، إنى لأستغفر الله كل يوم مائة مرة"تفسير : . وقال على: حدثنى أبو بكر - وصدق أبو بكر - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال "حديث : ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فينظر ثم يصلى ثم يستغفر الله إلا غفر له" تفسير : ثم قرا الآية، وفى رواية: قيل ذلك. قد سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعنى الله منه بما شاء، أن ينفعنى، وإذا حدثنى أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف إلى صدقته، قال: وإنه حدثنى أبو بكر إلى آخر ما مر، وذكر بعض السلف أنهُ ما جاور عبداً فى قبره خير له من الاستغفار. قال ابن عباس: كل ذنب أقام عليه العبد، حتى يموت فهو كبيرة، وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة. ويقال فى الحديث "حديث : لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار" تفسير : وعبارة بعضهم: لا قليل مع الإصرار، ولا كبير مع الاستغفار، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : طوبى لمن وجد فى صحيفته استغفاراً كثيراً"تفسير : ، وعن ابن عباس: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب"، وعنه صلى الله عليه وسلم، يقول: "حديث : إذا أذنب عبد ذنباً فقال اللهم اغفر لى ذنبى، يقول الله تبارك وتعالى: أذنب عبدى ذنباً، وعلم أن له رباً يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب، أشهدكم يا ملائكتى أنى غفرت له"تفسير : . وعن أنس، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك، ولا أبالى، يا ابن آدم لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة"تفسير : . أى أتيتنى بقراب الأرض ذنوباً وقد تبت منها، ولست مشركاً، لأن المشرك لا تنفعه توبته من ذنوبه، وقراب الأرض: ما يقرب ملاؤها. قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفره - أو قال عسى أن يغفره الله - إلا من مات مشركاً أو قتل مؤمناً متعمداً"تفسير : . وعن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف"تفسير : . قال ابن مسعود: قال المؤمنون للنبى صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة بابه: اجدع أنفك، أو أذنك، وافعل كذا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَالذَيِنَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية. وهذا من ابن مسعود يدل على أن قوله {أية : أولئك جزاؤهم}تفسير : للذين فعلوا فكأنه قال الله عز وجل: بل أنتم أفضل من بنى إسرائيل وأكرم عندى، أجتزئ فى غفران ذنوبكم بالاستغفار، والتوبة، وقد روى ان أبليس لعنه الله بكى حين نزلت الآية، ثم رأيت الخازن ذكره عن ثابت البنانى عن غيره بلاغاً، وعن عطاء عن ابن عباس: نزلت فى تَمَّار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً، فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد، وفى البيت أجود منه، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت لهُ: اتق الله فتركها وندم على ذلك، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم، وذكر لهُ ذلك: فنزلت الآية. وعن أبى صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين أحدهما أنصارى والآخر ثقفى، فخرج الثقفى فى غزوة واستخلف أخاه الأنصارى على أهله فاشترى لهم ذات يوم لحماً، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها ثم ندم، وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفى، لم يستقبله الأنصارى فسأل امرأته عن حاله، فقالت لا أكثر الله فى الإخوان مثله، وذكرت لهُ الحال، والأنصارى يسيح فى الجبال تائباً مستغفراً، فطلبه الثقفى حتى وجده فأتى به إلى أبى بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً، فقال الأنصارى: هلكت - وذكر القصة - فقال أبو بكر: ويحك.. أما علمت أن الله يغفر للغارى ما لا يغفر للمقيم، ثم لقيا عمر فقال لهما مثل ذلك فأتيا النبى صلى الله عليه وسلم، فقال لهما مثل مقالتهما، فأنزل الله عز وجل {وَالذَيِنَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَة..} الآية، والروايتان أيضاً دليل على أن {الذين إذا فعلوا} مبتدأ خبره {أية : أولئك جزاؤهم مغفرة} تفسير : {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: الواو للحال، وصاحب الحال واو {لَمْ يُصِرُّوا} أى لم يصروا على ما فعلوا، والحال أنهم عالمون بأنه معصية، كذا يقال عن ابن عباس، والسدى، ولفظ السدى {يعلمون} أنهم أذنبوا، وقيل: يعلمون أن الإصرار ضار، وقيل: يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنب، وأنه ربهم يغفر ذنبهم، وقيل: يعلمون أن الله لا يتعاظمه الذنب، ولو كثر وعظم. وقيل: يعلمون أنهم إن استغفروه غفر لهم، وعن ابن إسحاق: يعلمون بما حرمت عليهم، وعبارة بعضهم: يعلمون أن باب التوبة مفتوح وعبارة بعض: يعلمون أنى أعاقب على الإصرار، والإصرار على الذنب كبيرة فى حق من علمه ذنباً، ومن لم يعلمه ولكن فى حق من علم أقبح وأكبر فقد يعذر الجاهل فى أمر ولا يعذر العالم.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} الفعلة القبيحة شرعا وعقلا، كالزنا والقتل، قولا أو فعلا أو عقداً، مما لا يتعدى إلى الغير، أو يتعدى، والتاء للنقل عن الوصفية إذ تغلبت عليه الاسمية {أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} مما دون ذلك مما لا يتعدى، أو يتعدى، كسرقة ثمرة أو حبة، أو قبلة {ذكَرُوا} بقلوبهم {اللهَ} عظمة حقه، وهو أن يطاع ولا يعصى، أو عقابه أو حكمه بالتحريم، أو سؤاله أو غفرانه {فَاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ} ندما وتوبه {وَمَن يَغْفرُ الذُّنُوبَ} الاستفهام نفى {إلاّ اللهُ} بدل من ضمير يغفر، والجملة معترضة {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} من الفواحش وظلم النفس، بل أقلعوا، ثم إن عادوا أقلعوا وهكذا {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن ما فعلوه معصية، أى لم يصروا عالمين أنه معصية، وهذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يصله خبر المعصية، وأما بعده فلا عذر والجاهل دون العالم فى المعصية إلا أنه قد يتعدى به الجهل إلى تحليل الحرام أو تحريم الحلال، والإصرار العزم على العود، أو الاهتمام به، أو العزم أو الاهتمام على ألا يتوب مما فعل ولو اعتقد ألا يعود ولا إصرار إن فعل ولم ينو ألا يتوب أو أن يعود، وقيل: إن لم يتب فى الحال فهو مصر، آخى صلى الله عليه وسلم بين ثقفى وأنصارى مسافر معه صلى الله عليه وسلم فى غزوة فاستخلف الأنصارى على أهله، فدخل يوما دار الثقفى فوافى زوجه عارية من مغتسل فأراد قبلتها، فسترت وجهها بيدها فقبل يدها، وندم، وخرج تائهاً نادماً، ولما رجع من سفره بحث عنه، فوجده في صحراء ساجداً مستغفراً من ذنب قائلاً، خنت أخى، فقال له، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبك، فأخبره، وضم التيهان الثمار امرأة جاءته تشترى تمراً وقبلها، وندم، وأخبره صلى الله عليه وسلم فنزلت فيهما، وقال: هى لكل مسلم، ويجوز أن تكون الآية تعريضا يقوم أصروا وهم يعلمون، فلا تفيد أنه من أصر بلا علم معذور، فإن هذا لا يوجد بعد تمام الدين وانقطاع الوحى فيما يدرك بالعلم، ولو كان قد يسهل له إذا لم يكن جهله عن تقصير فى طلب العلم به، أو يقدر، وهم يعلمون أن الله يتوب على من تاب، أو يعلمون المؤاخذة به وعفو الله.
الالوسي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } من تتمة ما نزل حين قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا» الخ على ما أشرنا إليه فيما تقدم، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية. وفي رواية الكلبـي «حديث : أن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فكانا / لا يفترقان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته فكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعاً فقالت: سبحان الله تعالى خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصل إلى حاجتك قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له: قم يا فلان فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجاً وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته فتلا {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ } إلى قوله سبحانه وتعالى: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ} [آل عمران: 136] فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بل للناس عامة»تفسير : . وفي رواية عطاء عن ابن عباس أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبـي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول وأياً مّا كان فباطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الرماة انتظاماً أولياً، وأخرج الترمذي عن عطاف بن خالد أنه قال: بلغني أنها لما نزلت صاح إبليس بجنوده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر فقالوا: ما لك يا سيدنا قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب قالوا: وما هي؟ فأخبرهم قالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم بذلك، والموصول إما مفصول عما قبله على أنه مبتدأ، وقيل: إنه معطوف على ما قبله من صفات المتقين، وقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 134] اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة الأولين من التقوى أعلى وحظهم أوفى، أو على [نفس] المتقين فيكون التفاوت أظهر وأكثر، ـ والفاحشة ـ الكبائر، وظلم النفس الصغائر قاله القاضي عبد الجبار الهمداني، وقيل: الفاحشة المعصية الفعلية، وظلم النفس المعصية القولية، وقيل: الفاحشة ما يتعدى، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك، وقيل: الفاحشة كل ما يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال، وكثيراً ما ترد بمعنى الزنا، وأصل الفحش مجاوزة الحدّ في السوء ومنه قول طرفة:شعر : عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : يعني الذي جاوز الحد في البخل فلعل المراد منها هنا المعصية البالغة في القبح، والظلم الذنب مطلقاً وذكره بعدها من ذكر العام بعد الخاص، و {أَوْ } على الوجوه للتنويع ولا يرد أنه على بعض الوجوه الترديد بين الخاص والعام وقد توقف في قبوله لأنهم قالوا: إن هذا ترديد بين فرقتين من يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأي ذنب صدر عنه وكم بينهما. وجواب {إِذَا } قوله تعالى شأنه: {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } أي تذكروا حقه العظيم ووعيده، أو ذكروا العرض عليه، أو سؤاله عن الذنب يوم القيامة أو نهيه أو غفرانه وقيل: ذكروا جماله فاستحيوا وجلاله فهابوا، وقيل: ذكروا ذاته المقدسة عن جميع القبائح وأحبوا التقرب إليه بالمناسبة له بالتطهير من الذمائم، وعلى كل تقدير ليس المراد مجرد ذكر اسمه عز اسمه {فَٱسْتَغْفَرُواْ } أي طلبوا المغفرة منه تعالى. {لِذُنُوبِهِمْ } كيفما كانت ومفعول {فَٱسْتَغْفَرُواْ } محذوف لفهم المعنى أي استغفروه، وليس المراد مجرد طلب المغفرة بل مع التوبة وإلا فطلب المغفرة مع الإصرار كالإستهزاء بالرب جل شأنه، ومن هنا قالت رابعة العدوية: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار. {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } اعتراض بين المعطوفين أو بين الحال وذيها، والتركيب على ما أفاده بعض المحققين يدل على أمور من جهة الله تعالى وأمور من جهة العبد. أما الأول: فعلى وجوه: أحدها دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه المقام من معنى الغفران الواسع وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد له كأنه قيل: هل تعرفون أحداً يقدر على غفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غير من وسعت رحمته كل شيء؟ وثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقرّه لأنه اعتراض بين المبتدأ وهو الذين والخبر الآتي، ثم بين المعطوف والمعطوف عليه أو الحال وصاحبه للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف الغفران، وثالثها: الاتيان بالجمع المحلى باللام إعلاماً بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له، ورابعها: دلالة النفي بالحصر والإثبات على أنه لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله، وذلك أن من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرماً وفضلاً، وخامسها: إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار وتنصل عبيده يدل على تحقق ذلك قطعاً إما بحسب الوعد كما نقول، أو بحسب العدل كما يزعمه المعتزلة. وأما الثاني: ففيه وجوه أيضاً: الأول: إن في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارة عظيمة وتطييباً للنفوس، والثاني: أن العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه فلا يتقاعد عنها، والثالث: أن في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط ولهذا علل سبحانه النهي في قوله تعالى: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } بقوله جل شأنه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53] والرابع: أنه أطلقت الذنوب وعمت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإن الذنوب وإن كبرت فعفو الله تعالى أكبر، والخامس: أن الاسم الجامع في التركيب كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضاً مع إرادة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزاً ليس فوقه أحد فيرد عليه حكمه وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه. وقد التزم بعضهم كون ـ أل ـ في {ٱلذُّنُوبَ } للجنس لتفيد الآية امتناع صدور مغفرة فرد منها من غيره تعالى، وهذا على ظنه لا تفيده الآية على تقدير إرادة كل الذنوب وحينئد يزداد أمر المبالغة، وأما جعل الجملة حالية بتقدير قائلين ذلك فتعسف يذهب بكثير من هذه الوجوه اللطيفة كما لا يخفي، و {مَنْ } مبتدأ و {يَغْفِرُ } خبره والاسم الجليل بدل من المستكن في {يَغْفِرُ } أو فاعل له. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلى مَا فَعَلُواْ } عطف على {فَٱسْتَغْفَرُواْ } أو حال من فاعله أي لم يقيموا أو غير مقيمين على الذي فعلوه من الذنوب فاحشة كانت أو ظلماً أو على فعلهم، وأصل الإصرار الشد من الصر، وقيل: الثبات على الشيء، ومنه قوله الحطيئة يصف الخيل:شعر : عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا غلالتها بالمحصدات (أصرت) تفسير : ويستعمل شرعاً بمعنى الإقامة على القبيح غير استغفار ورجوع بالتوبة، والظاهر أنه لا يصح إرادة هذا / المعنى هنا لئلا يتكرر ما في المفهوم مع ما في المنطوق، فلعله فيه بمعنى الإقامة، وإذا حمل الاستغفار على مجرد طلب المغفرة فقط كان هذا مشيراً للتوبة التي هي ملاك الأمر إلا أنه قدم الاستغفار لأنه دال عليها في الظاهر، وإذا حمل على الحال الذي ينضم إليه التوبة كان هذا تصريحاً ببعض ما أريد منه إشارة إلى الاعتناء به كما قالوا في ذكر الخاص بعد العام، أخرج البيهقي عن ابن عباس موقوفاً «حديث : كل ذنب أصر عليه العبد كبير وليس بكبير ما تاب منه العبد»تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» عن ابن عمر مرفوعاً «حديث : ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين»تفسير : . {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيل: الجملة حال من ضمير ـ استغفروا ـ وفيه بعد لفظي، والمشهور أنها حال من ضمير ـ أصروا ـ ومفعول {يَعْلَمُونَ } محذوف أي يعلمون قبح فعلهم، وقد ذكر أن الحال بعد الفعل المنفي وكذا جميع القيود قد يكون راجعاً إلى النفي قيداً له دون المنفي مثل ما جئتك مشتغلاً بأمورك بمعنى تركت المجيء مشتغلاً بذلك، وقد يكون راجعاً إلى ما دخله النفي مثل ما جئتك راكباً، ولهذا معنيان: أحدهما: و ـ هو الأكثر ـ أن يكون النفي راجعاً إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل فيكون المعنى جئت غير راكب، وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معاً بمعنى انتفاء كل من الأمرين فالمعنى في المثال لا مجيء ولا ركوب، وقد يكون النفي متوجهاً للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته. قيل: وهذه الآية لا يصح فيها أن يكون {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيداً للنفي لعدم الفائدة لأن ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع الجهل أولى ولايصح أيضاً فيها أن يتوجه النفي إلى القيد فقط مع إثبات أصل الفعل إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم، وكذا لا يصح توجهه إلى الفعل والقيد معاً إذ ليس المعنى على نفي العلم، والظاهر أن المناسب فيها توجهه إلى الفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته، والمراد لم يصروا عالمين بمعنى أن عدم الإصرار متحقق البتة. ولك أن تقول: لم لا يجوز أن يكون الحال هنا قيداً للنفي ويكون المعنى تركوا الإصرار على الذنب لعلمهم بأن الذنب قبيح فإن الحال قد يجيء في معرض التعليل. وحديث إن ترك الاصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل فلا دخل لمضمون الحال في إيجاب الأجر مجاب عنه بأنه ليس المقصود من ذكر الحال تقييد الإصرار بها لإيجاب الأجر حتى يرد عليه ما ذكر بل المراد مدحهم بأن تركهم الإصرار على الذنب لأجل أن فيهم ما هو زاجر عنه وهو علمهم بقبح الذنب فيكون مدحاً لهم بأن من صفاتهم التحرز عن القبائح، وادعى بعض المتأخرين تعين كون الحال قيداً للمنفي وأن النفي راجع إلى القيد، والمعنى لم يكن لهم الإصرار مع العلم بقبح الجزاء لأن المصر مع عدم العلم بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصر لكسالة أو لعدم ميل الطبع لا يبلغه لأن الجزاء على الكف لا على العدم وإلا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم فعل قبائح لا تتناهى لم تخطر بباله، ولا يخفى ما في قوله: «وغير المصر» الخ، وقوله: «لأن الجزاء» الخ من النظر، وكأن من جعله حالا من ضمير ـ استغفروا ـ أراد الفرار من هذه الدغدغة، وأنا أقول: إن الحال قيد للنفي ومتعلق العلم وليس هو القبح بل إنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب، وهو المروي عن مجاهد كما أخرجه جماعة عنه، وحكي عن الضحاك أيضاً والمعنى أنهم تركوا الإقامة على الذنب عالمين بأن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم، وهو إيذان بأنهم لا ييأسون من روح / الله سبحانه ولا يرد على هذا دعوى عدم الفائدة كما أورد أولا إذ من المعلوم الذي لا شبهة فيه أن ترك الإصرار إنما يوجب الأجر إذا لم يكن معه يأس فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولعل مدحهم بأنهم يعلمون ذلك أولى من مدحهم بأنهم يعلمون قبح الفعل، وربما يقال: إن الجملة سيقت معترضة لذلك كما سيقت كذلك جملة {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } لما سيقت له، وأما جعلها معطوفة على جملة ـ لم يصروا ـ ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح استقلالاً فليس بالذي تميل النفس إليه.
ابن عاشور
تفسير : إن كان عطفَ فريقٍ آخر، فهم غيرُ المتّقين الكاملين، بل هم فريق من المتّقين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، وإن كان عطفَ صفات، فهو تفضيل آخر لحال المتَّقين بأن ذُكر أوّلاً حال كمالهم، وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم. والفاحشة الفَعلة المتجاوزة الحدّ في الفساد، ولذلك جمعت في قوله تعالى: {أية : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش}تفسير : [النجم: 32] واشتقاقها من فَحُش بمعنى قال قولاً ذميماً، كما في قول عائشة: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحّشاً»، أو فعلَ فعلاً ذميماً، ومنه {أية : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء}تفسير : [الأعراف: 28]. ولا شك أنّ التَّعريف هنا تعريف الجنس، أي فعلوا الفواحش، وظلمُ النفس هو الذنوب الكبائر، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله:{أية : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش}تفسير : [النجم: 32]. فقيل: الفاحشة المعصية الكبيرة، وظلم النَّفس الكبيرة مطلقاً، وقيل: الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير، وظلم النَّفس الكبيرة القاصرة على النَّفس، وقيل: الفاحشة الزنا، وهذا تفسير على معنى المثال. والذكر في قوله: {ذكروا الله} ذكر القلب وهو ذِكر ما يجب لله على عبده، وما أوصاه به، وهو الَّذي يتفرّع عنه طلب المغفرة؛ وأمّا ذكر اللّسان فلا يترتّب عليه ذلك. ومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده. والاستغفار: طلب الغَفْر أي الستر للذنوب، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب، ولذلك صار يعدّي إلى الذنب باللام الدالة على التَّعليل كما هنا، وقوله تعالى: {أية : واستغفر لذنبك}تفسير : [غافر: 55]. ولمَّا كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة، ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمرّ عليه، أو عازم على معاودته، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب، فلذلك عدّ الاستغفار هنا رتبة من مراتب التَّقوى. وليس الاستغفار مجرّد قول (أستغفر الله) باللّسان والقائلُ ملتبس بالذنوب. وعن رابعة العدوية أنَّها قالت: «استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار» وفي كلامها مبالغة فإنّ الاستغفار بالقول مأمور به في الدّين لأنَّه وسيلة لتذكّر الذنب والحيلة للإقلاع عنه. وجملة {ومن يغفر الذنوب إلاّ الله} معترضة بين جملة {فاستغفروا} وجملة {ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا}. والاستفهام مستعمل في معنى النَّفي، بقرينة الاستثناء منه، والمقصود تسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب، والتعريض بالمشركين الَّذين اتّخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، وبالنَّصارى في زعمهم أنّ عيسى رفع الخطايا عن بني آدم ببلية صَلبه. وقوله: {ولم يصروا} إتمام لركْني التَّوبة لأنّ قوله: {فاستغفروا لذنوبهم} يشير إلى الندم، وقوله: {ولم يصروا} تصريح بنفي الإصرار، وهذان ركنا التَّوبة. وفي الحديث: «حديث : النَّدم توبة»تفسير : ، وأما تدارك ما فرّط فيه بسبب الذنب فإنَّما يكون مع الإمكان، وفيه تفصيل إذا تعذّر أو تعسّر، وكيف يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك. وقوله: {ولم يصروا على ما فعلوا} حال من الضّمير المرفوع في «ذكروا» أي: ذكروا الله في حال عدم الإصرار. والإصرار: المُقام على الذنب، ونفيُه هو معنى الإقلاع. وقوله: {وهم يعلمون} حال ثانية، وحذف مفعول يعلمون لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم، وعظم غضب الربّ، ووجوبَ التوبة إليه، وأنَّه تفضّل بقبول التَّوبة فمحا بها الذنوب الواقعة. وقد انتظم من قوله: {ذكروا الله فاستغفروا} وقوله: {ولم يصروا} وقوله: {وهم يعلمون} الأركان الثلاثة الَّتي ينتظم منها معنى التَّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التَّوبة من «إحياء علوم الدّين» إذ قال: «وهي عِلْم، وحال، وفعل. فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب، وكونها حجاباً بين العبد وبين ربِّه، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربِّه، ورضاه عنه، وذلك الألم يسمّى ندماً، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب (الإقلاع)، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل (نفي الإصرار)، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات». فقوله تعالى: {ذكروا الله} إشارة إلى انفعال القلب. وقوله: {ولم يصروا} إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة. وقوله: {وهم يعلمون} إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني. وقد رتّبت هاته الأركان في الآية بحسب شدّة تعلّقها بالمقصود: لأنّ ذكر الله يحصل بعد الذنب، فيبعث على التَّوبة، ولذلك رتّب الاستغفار عليه بالفاء، وأمَّا العلم بأنَّه ذنب، فهو حاصل من قبل حصول المعصية، ولولا حصوله لما كانت الفعلة معصية. فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار، على أنّ جملة الحال لا تدلّ على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلَها في الأخبار والصّفات. ثُمّ إن كان الإصرار، وهو الاستمرار على الذنب، كما فُسِّر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خَشية الله تعالى، فلم يدلّ على أنَّه عازم على عدم العود إليه، ولكنَّه بحسب الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندِمَ على فعله، وإن أريد بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التَّوبة الخالصة، وهو يستلزم حصول الإقلاع معه إذ التلبّس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه، فإنَّه متلبّس به من الآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَاحِشَةً} (135) - وَمِنْ صِفَاتِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهُمْ إذَا صَدَرَ عَنْهُمْ فِعْلٌ قَبيحٌ يَتَعَدَّى أثرُهُ إلَى غَيْرِهِمْ (كَغَيبَةِ إِنْسَانٍ)، أَو صَدَرَ عَنْهُمْ ذَنْبٌ يَكُونُ مُقْتَصِراً عَلَيْهِمْ (كَشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ)، ذَكَرُوا اللهَ تَعَالَى وَوَعِيدَهُ، وَعَظَمَتَهُ وَجَلاَلَهُ، فَرَجَعُوا إلى اللهِ تَائِبِينَ، طَالِبينَ مَغْفِرَتَهُ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلى القَبِيح مِنْ غَيْرِ اسْتِغْفَارٍ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللهَ هُوَ الذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى الذَّنْبِ، لأنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ مَنْ تَابَ إلى اللهِ، تَابَ اللهُ عَلَيهِ، وَغَفَرَ لَهُ. الفَاحِشَةُ - الفَعْلَةُ الشَّنِيعَةُ. ظُلْمُ النَّفْسِ - ارْتِكَابُ الذَّنْبِ الذِي يَقْتَصِرُ أثَرُهُ عَلَى الفَاعِلِ كَشُرْبِ إنْسَانٍ الخَمْرَ مُسْتَتِراً. الإِصْرَارُ - الإِقَامَةُ عَلَى الفِعْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والفاحشة هي: الذنب الفظيع. فهل معنى ذلك أن الرماة في غزوة أحد حين تركوا مواقعهم، قد خرجوا من الإيمان؟ لا، إنها زلة فقط، لكنها اعتبرت كبيرة من الكبائر لمن أشار على المؤمنين أن ينزلوا، واعتبرت صغيرة لمن حُرّض - بالبناء للمجهول - على أن ينزل من موقعه. إذن فهو قول مناسب: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} [آل عمران: 135] وجاء الحق هنا بـ "ذكروا الله" كتنبيه لنا إلى أن من يفعل الفاحشة أو يظلم نفسه هو من نسي الله، فلحظة فعل الفاحشة أو ظلم النفس لا يكون الله على بال الإنسان الفاعل للفاحشة أو على بال من ظلم نفسه، والذي يُجرِّئ الإنسان على المعصية ليحقق لنفسه شهوة، أنَّه لم ير الله ولم ير جزاءه وعقابه في الآخرة ماثلاً أمامه، ولو تصور هذا لامتنع عن الفاحشة. وكذلك الذي يهمل في الطاعة أيضاً، لم يذكر الله وعطاءه للمتقين. ولو ذكر الله وعطاءه للمتقين لما تكاسل عن طاعة الله. ولذلك يقول الحق: {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135] فمن يستغفر لذنبه فقد ذكر الله. وموقف العلماء من الفاحشة فيه اختلاف. بعض العلماء قال: إنها الكبيرة من الكبائر، وظلم النفس صغيرة من الصغائر. وقال بعض آخر من العلماء: إن الفاحشة هي الزنا؛ لأن القرآن نص عليها، وما دون ذلك هو الصغيرة. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا كبيرة مع الاستغفار. ولا صغيرة مع الإصرار ". تفسير : فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز عن أخطائه ويقول: هذه صغيرة وتلك صغيرة لأن الصغيرة مع الصغيرة تصير كبيرة. وحين ننظر إلى قول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135] نجد أن الذي فعل الفاحشة ظالم لنفسه أيضاً لأنه حقق لنفسه شهوة عارضة، وأبقى على نفسه عذاباً خالداً. ولماذا لم يقل الحق إذن: والذين ظلموا أنفسهم فقط؟ أي يكون العطف بـ "الواو" لا بـ "أو"؛ لأن الحق يريد أن يوضح لنا الاختلاف بين فعل الفاحشة وظلم النفس. لأن الذي يفعل الفاحشة إنما يحقق لنفسه شهوة أو متعة ولو عاجلة، لكن الذي يظلم نفسه يذنب الذنب ولا يعود عليه شيء من النفع؛ فالذي يشهد الزور - على سبيل المثال - إنه لا يحقق لنفسه النفع، ولكن النفع يعود للمشهود له زوراً. إن شاهد الزور يظلم نفسه لأنه لبّى حاجة عاجلة لغيره، ولم ينقذ نفسه من عذاب الآخرة. أما الإنسان الذي يرتكب الفاحشة فهو قد أخذ متعة في الدنيا، وبعد ذلك ينال العقاب في الآخرة. لكن الظالم لنفسه لا يفيد نفسه، بل يضر نفسه؛ فالذي هو شر أن تبيع دينك بدنياك؛ إنك في هذه الحالة قد تأخذ متعة من الدنيا وأمد الدنيا قليل. والحق لم ينه عن متاع الدنيا، ولكنه قال عنه: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77]. وهناك من يبيع دينه بدنيا غيره، وهو لا يأخذ شيئاً ويظلم نفسه. ويقول الحق: {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [آل عمران: 135]. ومعنى "ذنب" هو مخالفة لتوجيه منهج. فقد جاء أمر من المنهج ولم ينفذ الأمر. وجاء نهي من المنهج فلم يُلتزم به. ولا يسمى ذَنْباً إلا حين يعرفنا الله الذنوب، ذلك هو تقنين السماء. وفي مجال التقنين البشري نقول: لا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم. وهذا يعني ضرورة إيضاح ما يعتبر جريمة؛ حتى يمكن أن يحدث العقاب عليها، ولا تكون هناك جريمة إلا بنص عليها. أي أنه يتم النص على الجريمة قبل أن يُنص على العقوبة، فما بالنا بمنهج الله؟ إنه يعرفنا الذنوب أولاً، وبعد ذلك يحدد العقوبات التي يستحقها مرتكب الذنب. ولننتبه إلى قول الحق: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] إذن فالاستغفار ليس أن تردف الذنب بقولك: أستغفر الله لا. إن على الإنسان أن يردف الذنب بقوله: أستغفر الله وأن يصر على ألا يفعل الذنب أبداً. وليس معنى هذا ألا يقع الذنب منك مرة أخرى؛ إن الذنب قد يقع منك، ولكن ساعة أن تستغفر تصر على عدم العودة، إن الذنب قد يقع، ولكن بشرط ألا يكون بنيّة مُسبقة، وتقول لنفسك: سأرتكب الذنب، وأستغفر لنفسي بعد ذلك. إنك بهذا تكون كالمستهزئ بربّك، فضلاً على أنك قد تصنع الذنب ولا يمهلك الله لتستغفر. قوله الحق: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] يوضح لنا أنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص. إن الحق يعلمنا ويعرفنا أولاً ما هو الذنب؟ وما هو العقاب؟ وكيفية الاستغفار؟ ويقول الحق بعد ذلك: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن أَبي عمارة في قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} يقول: لم يمضوا على ما فعلوا من الإِثم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الآية: 135]. يقول: هم يعلمون أَنه يتوب على من تاب إِليه، ويغفر لمن استغفره. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} أَي: لم يمضوا على ما فعلوا من الإِثم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الآية: 135] يقول: هم يعلمون أَنه يتوب على من تاب إِليه، ويغفر لمن استغفره. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عم مجاهد في قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [الآية: 137] يعني: المؤمنين والكافرين، في الخير والشر. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح / 11و /، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَهِنُوا} [الآية: 139] يقول: ولا تضعفوا. وقال: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} [الآية: 140] يعني جراح، أَو قتل.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من جملة المتقين والمعدودين من زمرتهم: {ٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} فعلة قبيحة صغيرة كانت أو كبيرة، صدرت منهم هفوة خطأ {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بأن صدرت عنهم عن قصد وتعمد، ثم {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} خائفاً من بطشه وانتقامه {فَٱسْتَغْفَرُواْ} منه راجين العفو والستر {لِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم عمداً أو خطأً {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ} مطلقاً من العباد {إِلاَّ ٱللَّهُ} غير الله الذي يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده إرادةً واختياراً {وَ} بعد استغفارهم {لَمْ يُصِرُّواْ} ولم يرجعوا {عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} بل تركوه بالمرة، ولم يرجعوا عليها أصلاً {وَ} الحال أنهم {هُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] قبحه ووخامة عاقبته. {أُوْلَـٰئِكَ} المتذكرون، المستغفرون {جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ} ستر لأنانيتهم، عطاء {مِّن رَّبِّهِمْ} لإخلاصهم في الإنابة والرجوع {وَجَنَّاتٌ} كشوف وشهود {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق {خَالِدِينَ فِيهَا} أبداً، لا يظمؤون منها أبداً، بل يطلبون دائماً مزيداً {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136] تلك الغفران والجنان. بادروا أيها المؤمنون إلى الطاعات، وداوموا على الأعمال الصالحات، ولا تغفلوا عن الله في عموم الحالات، واعلموا {قَدْ خَلَتْ} مضت {مِن قَبْلِكُمْ} في القرون الماضية {سُنَنٌ} وقائع هائلة بين الأمم الهالكة، المنهمكة في بحر الضلال والخسران، وإن أردتم أن تعتبروا منها {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: عالم الطبيعة أيها المفردون، السائحون في ملكوت السماوات والأرض {فَٱنْظُرُواْ} في آثارهم وأظلالهم {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] بتوحيد الله وبرسوله، المبينين له، وإذا نظرتم وتأملتم، فاعتبروا يا أولي الأبصار. {هَـٰذَا} أي: في تذكر سنتهم وسيرهم {بَيَانٌ} ودليل واضح {لِّلنَّاسِ} المستكشفين عن غوامض مسالك التوحيد الذاتي من أهل الإرادة {وَهُدًى} أي: لأهل الكشف والشهود من أرباب المحبة والولاء {وَمَوْعِظَةٌ} وتذكيراً {لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138] من عموم المؤمنين. {وَلاَ تَهِنُوا} أي: ولا تضعفوا أيها المؤمنون من متاعب مسالك الفنا {وَلاَ تَحْزَنُوا} من المكروهات التي عرضت عليكم من مقتضيات الأوصاف البشرية في النشأة الأولى {وَ} اعلموا أنكم {أَنْتُمُ} أيها المحمديون أنتم {الأَعْلَوْنَ} في دار البقاء؛ أي: المقصرون، المنحصرون على أعلى المراتب إذ لا دين ولا نبي أعلى من دينكم ونبيكم، لظهوره على التوحيد الذاتي، لذلك ختم به صلى الله عليه وسلم أمر النسخ والتبديل، وظهر سر قوله سبحانه: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق: 29]، {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] محققين بتلك المرتبة. آتنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [135] 98- أنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى لله عليه وسلم حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، حدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر رضي الله عنه قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يُذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر فيُحسن الطهور، ثم يستغفر الله تبارك وتعالى، إلا غفر له، ثم قرأ هذه الآية {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} إلى آخر الآية .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):