Verse. 429 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اُولٰۗىِٕكَ جَزَاۗؤُھُمْ مَّغْفِرَۃٌ مِّنْ رَّبِّھِمْ وَ جَنّٰتٌ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِھَا الْاَنْھٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْھَا۝۰ۭ وَنِعْمَ اَجْرُ الْعٰمِلِيْنَ۝۱۳۶ۭ
Olaika jazaohum maghfiratun min rabbihim wajannatun tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha waniAAma ajru alAAamileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» حال مقدرة، أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها «ونعم أجر العاملين» بالطاعة هذا الأجر.

136

Tafseer

القرطبي

تفسير : رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصِرّ على ذنبه. ويمكن أن يتّصل هذا بقصَّة أُحُد، أي من فَرّ ثم تاب ولم يصرّ فله مغفرة الله.

البيضاوي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} خبر للذين إن ابتدأت به، وجملة مستأنفة مبينة لما قبلها إن عطفته على المتقين، أو على الذين ينفقون. ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم إن لا يدخلها المصرون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، وتنكير جنات على الأول يدل على أن ما هم أدون مما للمتقين الموصوفين بتلك الصفات المذكورة في الآية المتقدمة، وكفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله، وذلك لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصص بمكارمه، وفصل آية هؤلاء بقوله: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } لأن المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوت على نفسه، وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير، ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ جَزَٰؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدّرة، أي مقدّرين الخلود فيها إذا دخلوها {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ } بالطاعة هذا الأجر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أولئك} إشارة إلى من تقدم ذكره في قوله تعالى: {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 123] الآية {جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} معنى الآية ان المطلوب بالتوبة أمران أحدهما الأمن من العقاب وإليه الإشارة بقوله مغفرة من ربهم والثاني إيصال الثواب وإليه الإشارة بقوله وجنات تجري من تحتها الأنهار أي ذلك لهم ذخر لا يبخس وأجر لا يوكس {خالدين فيها} أي في الجنات {ونعم أجر العاملين} أي ونعم ثواب المطيعين يعني الجنة.

ابو السعود

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المذكورين آخِراً باعتبار اتصافِهم بما مرَّ من الصفات الحميدةِ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببعيد منزلتِهم وعلوِّ طبقتِهم في الفضل، وهو مبتدأٌ وقوله تعالى: {جَزَآؤُهُمْ} بدلُ اشتمالٍ منه وقوله تعالى: {مَغْفِرَةٌ} خبرٌ له أو جزاؤهم مبتدأٌ ثانٍ ومغفرةٌ خبر له، والجملةُ خبرٌ لأولئك، وهذه الجملةُ خبر لقوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ}تفسير : [آل عمران، الآية 135] الخ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ الأنسبُ بنظم المغفرةِ المنبئةِ عن سابقة الذنبِ في سلك الجزاءِ، إذ على الوجهين يكون قولُه تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} الخ جملةً مستأنفةً مبـينةً لما قبلها كاشفةً عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبـين، ولم يُذكَرْ من أوصاف الأولين ما فيه شائبةُ الذنبِ حتى يُذكَرَ في مطلَع الجزاءِ الشاملِ لهما المغفرةُ، وتخصيصُ الإشارةِ بالآخِرين مع اشتراكهما في حكم إعدادِ الجنةِ لهما تعسُّفٌ ظاهر {مّن رَّبّهِمُ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرةٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنةٌ من جهته تعالى. والتعرضُ لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة الحُكمِ والتشريفِ {وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} عطفٌ على مغفرةٌ، والتنكيرُ المُشعِرُ بكونها أدنى من الجنة السابقةِ مما يؤيد رُجحانَ الوجهِ الأول {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حالٌ مقدّرةٌ من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعولٌ به في المعنى لأنه في قوة يجزيهم الله جناتٌ خالدين فيها، ولا مَساغَ لأن يكون حالاً من جناتٌ في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير. {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ} المخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي ونعم أجرُ العاملين ذلك، أي ما ذُكر من المغفرة والجناتِ، والتعبـيرُ عنهما بالأجر المشعرِ بأنهما يُستحقان بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضُّل لمزيد الترغيبِ في الطاعات والزجرِ عن المعاصي، والجملةُ تذيـيلٌ مختصٌّ بالتائبـين حسبَ اختصاصِ التذيـيلِ السابقِ بالأولين وناهيك مضمونُهما دليلاً على ما بـين الفريقين من التفاوت النيِّرِ والتبايُنِ البـيِّن، شتانَ بـين المحسنين الفائزين بمحبة الله عز وجل وبـين العاملين الحائزين لأُجرتهم وعمالتِهم. {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} رجوعٌ إلى تفصيل بقيةِ القصةِ بعد تمهيدِ مبادىءِ الرشدِ والصلاح وترتيبِ مقدماتِ الفوزِ والفلاحِ. والخلوُّ المُضِيُّ، والسننُ الوقائعُ، وقيل: الأممُ. والظرفُ إما متعلقٌ بخلَتْ أو بمحذوف وقع حالاً من سننٌ أي قد مضت من قبل زمانِكم أو كائنةً من قبلكم وقائعُ سنّها الله تعالى في الأمم المكذِّبة كما في قوله تعالى: {أية : وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} تفسير : [الأحزاب، الآية 61، 62] الخ، والفاءُ في قوله تعالى: {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ} للدِلالة على سببـية خلوِّها للسير والنظر أو للأمر بهما، وقيل: المعنى على الشرط: أي إنْ شككتم فسيروا الخ، وكيف خبرٌ مقدمٌ لكان معلقٌ بفعل النظر، والجملةُ في محل النصبِ بعد نزعِ الخافضِ لأن الأصلَ استعمالُه بالجار.

البقلي

تفسير : من خرج من درك الامتحان بشرط الوفاء التقديس عن اخلاق النفس والهوى ودخل بشرط روية التقصير بنعت الحياء والخجل فى ميادين الصدق والاخلاص فى المحبة والمعرفة وبذلك المهجة غرامة للمخالفة والاستغفار بعد الندم يجزيه الله برده الى فوق مقام الاول بوصوله الى مشاهدة قدسية جلالته ويفتح له كنوز مدخرات الغيب ويستانس بجنات المشاهدة والمداناة التى هى عيون صفات الذات تجرى منها انهار الاوصاف الازلية تسقيه من مروقات شوافى الجلال والجمال خالدين فيها لا بمكث ولا قطع ولا خطر الزمان ولا حجت المكان ولا تغير بعد ذلك نعم هذه النعمة من المنعم الكريم الوهاب للعالمين اى الواقفين بشرط الوفاء فى العشق على لحضرة القديمة بلا نفض فى العهود ولا سو فى الشهود وقال الاستاد فى قوله اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم اى بردهم الى شهود الربوبية وما سبق بهم عين الحسنى فى سابق القسمة وجنات تجرى من تحتها الانهر مؤجلا فى الفراديس ومعجلا فى روح المناجاة وتمام الانس.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} اى اهل هذه الصفات {جزاؤهم} اى ثوابهم {مغفرة} كائنة {من ربهم وجنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها} اى لهم ذخر لا يبخس واجر لا يوكس وجنات لا تنقضى ولذات لا تمضى {ونعم اجر العاملين} المخصوص بالمدح محذوف اى ونعم اجر العاملين ذلك اى ما ذكر من المغفرة والجنات والتعبير عنهما بالاجر المشعر بانهما تستحقان بمقابلة العمل وان كان بطريق التفضل لمزيد الترغيب فى الطاعات والزجر عن المعاصى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك قال "حديث : ابن آدم انك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك ما كان منك. ابن آدم انك ان تلقنى بقراب الارض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد ان لا تشرك بى شيأ. ابن آدم انك ان تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرنى اغفر لك " .تفسير : قال ثابت البنانى بلغنى ان ابليس بكى حين نزلت هذه الآية وهى قوله {أية : والذين} تفسير : [آل عمران: 135] الآية. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم ويصلى ثم يستغفر الله الا غفر الله له " .تفسير : ـ روى ـ ان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام [ما اقل حياء من يطمع فى جنتى بغير عمل يا موسى كيف اجود برحمتى على من يبخل طاعتى]. وعن شهر بن حوشب طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة. وعن رابعة البصرية انها كانت تنشد شعر : ترجو النجاة ولم تسك مسالكها ان السفينة لا تجرى على اليبس تفسير : قال القشيرى رحمه الله اوحى الله سبحانه الى موسى عليه السلام [قل للظلمة حتى لا يذكرونى فانى اوجبت ان اذكر من يذكرنى وذكرى للظلمة باللعنة]. واعلم ان العمدة هى الايمان وذلك انما يحصل بالتوحيد المنافى للشرك وهو المؤدى الى التوبة والاستغفار ولكونه عمدة عد المؤمن الموحد من المتقين وصار سببا لدخول الجنة. فينبغى للعبد ان يصرف اختياره الى جانب الامتثال للامر والاجتناب عن النهى فالله تعالى خالقه وان كان التوفيق الى جانب العمل ايضا من عنايته تعالى شعر : نخست او ارادت بدل درنهاد بس اين بنده برآستان سرنهاد تفسير : وفقنى الله واياكم الى ما يحب ويرضى ويداوى بلطفه وكرمه هذه القلوب المرضى فان بيده مفاتيح الاصلاح والفوز بالبغية والظفر بالفلاح شعر : شنيدستم كه ابراهيم ادهم شبى بر تخت دولت خفت خرم زسقف خودشنيد آوازبايى زجا برجست جون آشفته رايى بتندى كفت او كين كيست بربام كه دارد بر سبهر قصر ما كام جواب آمد كه اى شاه جهانكير شتركم كرده مرد مفلسم بير زخنده كشت شه برجاى خودست كه بربام آدمى هركز شترجست دكربار باسخ آمد كاى جوان بخت خدا جويى كسى كردست برتخت خدا جويى وخورد وخواب وآرم شتر جويى بود بر كوشه بام جو بشنيد اين بيام ازهاتف غيب فراغت كرد از دنيا بلا ريب رسيد از راه تجريدى بمنزل بس از ادبارشد مقبول ومقبل تفسير : فالواجب على طالب الحق ان يحفظ الادب حتى يرتقى بذلك الى اعلا الرتب ألا ترى الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كيف كان يستغفر كل يوم سبعين مرة مع ان ذنبه كان مغفورا وبكمال ادبه وصل الى ما وصل حتى صار اتباعه سببا لمحبة الله تعالى كما قال تعالى {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31]. ومع ذلك كان خوفه واجلاله فى غاية الكمال وهكذا ينبغى لمن اقتدى به. ورتبة المحسن وان كانت اولى ولكن التدارك احسن من الاصرار فطوبى لمتدارك وصل الى الاحسان واجير نال الى المحبوبية عند الله الرحمن.

الطوسي

تفسير : قوله: {أولئك} اشارة إلى من تقدم وصفهم من المتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، ويكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، {وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}، فقال هؤلاء: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وقد مضى تفسير ذلك أجمع فيما مضى ثم قال {ونعم أجر العاملين} يعني ما وصفه من الجنات وأنواع الثواب، والمغفرة بستر الذنب حتى تصير كأنها لم تعمل في زوال العار بها والعقوبة بها، والله تعالى متفضل بذلك لأنا بينا أن اسقاط العذاب عند التوبة تفضل منه تعالى، فأما استحقاق الثواب بالتوبة فواجب عقلا لا محالة، لأنه لو لم يكن مستحقاً لذلك لقبح تكليفه التوبة لما فيها من المشقة والكلفة.

الجنابذي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} الاتيان باسم الاشارة البعيدة لاحضارهم باوصافهم العظيمة ولتفخيم شأنهم {جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ} هذه الجملة تأكيد لما استفيد من قوله {اعدّت للمتّقين} فانّه افاد انّ الجنّة والمغفرة جعلت نزل المتّقين لانّها كانت جزاءهم ولكونها فى مقام التّأكيد اتى بها مؤكّدة باسميّة الجملة وتكرار النّسبة بجعلها ذات وجهين كبرى وصغرى وبسط فى الكلام ولم يكتف بذكر المغفرة والجنّة وجمع الجنّات ووصفها بقوله تعالى {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} ومدحها بما يرتفع المنّة به عنهم وانّها اجر عملهم فقال: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} المغفرة والجنّات، روى انّه لمّا نزلت هذه الآية صعد ابليس جبلاً فصُرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا اليه فقالوا: يا سيّدنا لما دعوتنا؟ - قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ - فقام عفريت من الشّيطان فقال: انالها بكذا وكذا، قال لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها، فقال الوسواس الخنّاس: انالها، قال بماذا؟ - قال اعدهم وامنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة فاذا واقعوا الخطيئة انسيتهم الاستغفار فقال: انت لها، فوكّله بها الى يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {أُوْلَـئِكَ}: الإشارة إلى الذين إذا فعلوا، إن لم يعطف الذين على ما قبله بل جعل مبتدأ خبره جملة أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، وإن عطف على ما قبله، واستؤنف لقوله {أولئك} فالإشارة إلى من ذكر فى قوله: {أية : للمتقين الذين}تفسير : إلى قوله: {أية : وهم يعلمون}. تفسير : {جَزَآؤُهُمْ}: على ذكرهم الله، واستغفارهم، وعدم إصرارهم، وقولهم {أية : ومن يغفر الذنوب إلا الله}تفسير : إن قلنا إن قوله {أية : من يغفر الذنوب إلا الله} تفسير : من كلامهم، أى قائلين {أية : ومن يغفر الذنوب إلا الله}تفسير : أو وقالوا: ومن يغفر الذنوب إلا الله، فحذف الحال أو المعطوف، ويبقى العاطف، ونزل المقول منزل المعطوف، وفى الوجه الأخير ضعف. {مَّغْفِرَةٌ}: لذنوبهم. {مِّنْ رَّبِّهِمْ}: عظم المغفرة بالتنكير، وبوصفها بقوله: من ربهم. {وَجَنَّاتٌ}: ذكر للتعظيم إن عطف إن عطف الذين إذا فعلوا على ما قبله، ولو تفاوت جنات من يفعل فاحشة أو ظلماً، وليستغفر مع جنات المتقين الموصوفين، بأنه تعالى يجبهم بإحسانهم فإنها أعظم من جنات من يفعل فاحشة أو ظلماً فيستغفر، وإن جعل الذين إذا فعلوا لبتدأ، فتنكير جنات للتحقير بالنسبة إلى جنات هؤلاء الموصوفين بالاتقاء والإنفاق، وما بعدهما ولذا فضلهم بأن بين محسنون، وبين أنهم يحبهم الله إذا حافظوا الحدود، وتمسكوا بمكارم الشرع، وجملة قوله تعالى: {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}: نعت الجنة. {خَالِدِينَ فِيهَا}: حال من هاء جزائهم، ولو كان مضافاً إليه، لأن المضاف بالأصل مصدر، فهو صالح للعمل، واعتبر من أصله أن المعنى يجزيهم الله جنات خالدين فيها، ومن أجاز أن لا يضمر الضمير فى النعت والحال، والخبر، والصلة الجاريات على غير ما هى له، فانه يجوز عنده أن يجعل خالدين نعتاً لجنات سببياً، أو حلال سببياً من جنات، لأنها نعتت بقوله {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أى: خالدين هم فيها، و{فيهاْ} متعلق بخالدين، وعلى كل حال فالحال والنعت مقدران، والضمير فى {فيها} عائد إلى جنات، وجزاؤهم بدل اشتمال من أولئك ومغفرة: خبر أولئك أو مبتدأ أول، وجزاؤهم: مبتدأ ثان، ومغفرة: خبره، أو الجملة خبر الأول الذى قبله فذاك ثلاث مبتدأت على هذا الوجه ومبتدأت على الوجه الذى قبله وعلى جعل أولئك مستأنفاً. {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}: أى العاملين بالطاعة، والمخصوص بالمدح محذوف، أى نعم العاملين الجنة والمغفرة، وإذا قلنا: الذين إذا فعلوا مبتدأ فإنها ختم الكلام بقوله: نعم أجر العاملين، لأن من قصر عن العمل، ثم رجع عن التقصير، كالعامل لكن المقصر الراجع عن التقصير الذى هو كالأجير، دون المحسن المحبوب، ولكنه دونه، ذكر فيهم الأجر وذكر فى الأولين الجزاء، وذكر الله الجزاء للمتقين المحسنين، وذكر الأجر للعاملين ولم يبق للمصرين إلا العقاب، لحديث "هلك المصرون" وغيره من الأحاديث والآيات الدالة على عقابه الملحقة الفاسق بالمشرك، ولا يخفى أن كلا الفريقين فى الآية عامل، وله أجر عمله، ولكن خص الثانى بلفظ الأجر للإشارة إلى أنه أدنى، ولا واجب على الله ولا طمع فى الجنة بلا عمل، أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام، ما أقل حياء من يطمع فى جنتى بغير عمل، كيف أجود برحمتى على من بخل بطاعتى، وعن شهر بن جوشب طلب الجنة بلا عمل، ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة. قال الحسن البصرى: يقول الله يوم القيامة: جوزوا الصراط بعفوى، وأدخلوا الجنة برحمتى، واقتسموها بأعمالكم، والصراط موضع الحساب، سمى لأنهُ محل لمرصد الدين المستقيم وكانت رابعة العدوية تنشد: شعر : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجرى على اليبس

اطفيش

تفسير : {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى من تَحْتهِا الأَنْهَارُ خَالِدينَ فِيهَا} يدخلونها مقدرين الخلود، أو يجزون بها مقدرين الخلود، أو يعتبر ما فى جزائهم من معنى يجزون، والذين آمنوا ثلاث طبقات فى هؤلاء الآيات، متقون، وتائبون، ومصرون، ودلت على أن الجنة للمتقين والتائبين دون المصرين، لأنه ولو لم يكن فيها الحصر لكن يتبادر ذلك من أدلته من خارج، وهو التقييد بالتوبة فى كثير من الآيات والأحاديث {وًنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} المغفرة والجنات، والعمل ترك المعاصى وفعل الطاعات، وذكر أحدهما مغن، لأن ترك الواجب معصية، فيجب ترك هذا الترك، وترك المعصية طاعة.

الالوسي

تفسير : {أوْلَـٰكَ} إشارة إلى المذكورين أخيراً باعتبار اتصافهم بما تقدم من الصفات الحميدة، والبعد للإشعار ببعد منزلتهم في الفضل، وإلى هذا ذهب المعظم، وقيل: هو إشارة إلى المذكورين وهم طائفة واحدة، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {جَزَآؤُهُمْ } بدل اشتمال منه أو مبتدأ ثان، وقوله تعالى: {مَغْفِرَةٌ } خبر {أُوْلَـٰئِكَ } أو خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، وهذه الجملة خبر {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ } تفسير : [آل عمران: 135] الخ على الوجه الأول، وادعى مولانا شيخ الإسلام ((أنه الأظهر الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء إذ على الوجهين الأخيرين {أُوْلَـٰئِكَ } الخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها كاشفة عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يذكر ما هو من أوصاف الأولين ما فيه شائبة الذنب حتى يذكر في مطلع الجزاء الشامل لهما المغفرة، وتخصيص الإشارة بالأخيرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما تعسف ظاهر)) انتهى. والذي يشعر به ظاهر ما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه قرأ: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء } تفسير : [آل عمران: 134] الآية ثم قرأ {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً }تفسير : [آل عمران: 135] الآية فقال: إن هذين النعتين لنعت رجل واحد أحد الوجهين الأخيرين اللذين أشار إليهما بل الأول منهما، وتكون هذه الإشارة كما قال صاحب القيل، وهذه المغفرة هي المغفرة التي أمر جميع المؤمنين من له ذنب ومن لا ذنب له منهم بالمسارعة إلى ما يؤدي إليها فلا يضر وقوعها في مطلع الجزاء. {مّن رَّبّهِمُ } متعلق بمحذوف وقع صفة للمغفرة مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي مغفرة عظيمة كائنة من جهته تعالى، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للاشعار بعلة الحكم مع التشريف {وَجَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } عطف على مغفرة والمراد بها جنات في ضمن تلك الجنة التي أخبر سبحانه أن عرضها السماوات والأرض وليس جنات وراءها على ما يقتضيه كلام صاحب القيل إلا أنه لم يكتف بإعداد ما وصف أولاً تنصيصاً على وصفها باشتمالها على ما يزيدها بهجة من الأنهار الجارية بعد وصفها بالسعة والإخبار بأنها جزاؤهم وأجرهم الذي لا بد بمقتضى الفضل أن يصل إليهم، وهذا فوق الاخبار بالإعداد أو مؤكد له فالتنوين للتعظيم على طرز ما ذكر في المعطوف عليه، وادعى شيخ الإسلام أن التنكير يشعر بكونها أدنى من الجنة السابقة، وإن ذلك مما يؤيد رجحان الوجه الأول الذي أشار إليه وفيه تردد {خَالِدِينَ فِيهَا} حال مقدرة من الضمير المجرور في جزاؤهم لأنه مفعول به معنى إذ هو في قوة يجزيهم الله جنات خالدين فيها، ولا مساغ لأن يكون حالاً من (جنات) في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لأبرز الضمير على ما عليه الجمهور. {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } المخصوص بالمدح محذوف أي وَنِعمَ أجر العاملين الجنة، وعلى ذلك اقتصر مقاتل، وذهب غير واحد أنه ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجنات. / وفي الجملة على ما نص عليه بعض المحققين وجوه من المحسنات: أحدها: أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد، وثانيها: في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء لأن الأصل ونعم هو أي جزاؤهم إيجاب إنجاز هذا الوعد وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطاً للعامل، وثالثها: في تعميم العاملين وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني. والمراد من الكلام السابق الذي جعل هذا كالتذييل له إما الكلام الذي في شأن التائبين، أو جميع الكلام السابق على الخلاف الذي ذكرناه آنفاً، ومن ذهب إلى الأول قال: وكفاك في الفرق بين القبيلين وهما المتقون الذين أتوا بالواجبات بأسرها واجتنبوا المعاصي برمتها، والمستغفرون لذنوبهم بعدما أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه تعالى فصل آية الأولين بقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 134] المشعر بأنهم محسنون محبوبون عند الله تعالى، وفصل آية الآخرين بقوله جلَّ وعلا: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـامِلِينَ } المشعر بأن هؤلاء أجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على أنفسهم، وأين هذا من ذاك؟ وبعيد ما بين السمك والسماك، ولا يخفى أنه على تقدير كون النعتين نعت رجل واحد كما حكي عن الحسن يمكن أن يقال: إن ذكر هذه الجملة عقيب تلك لما ذكره بعض المحققين وأي مانع من الإخبار بأنهم محبوبون عند الله تعالى وأن الله تعالى منجز ما وعدهم به ولا بدّ، وكونهم إذا أذنبوا استغفروا وتابوا لا ينافي كونهم محسنين أما إذا أريد من الإحسان الإنعام على الغير فظاهر، وأما إذا أريد به الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق ـ أو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ـ كما صرح به في "الصحيح" فلأن ذلك لو نافى لزم أن لا يصدق المحسن إلا على نحو المعصوم ولا يصدق على من عبد الله تعالى وأطاعه مدة مديدة على أليق وجه وأحسنه ثم عصاه لحظة فندم أشد الندم واستغفر سيد الاستغفار؛ ولا أظن أحداً يقول بذلك فتدبر. ثم إن في هذه الآيات ـ على ما ذهب إليه المعظم ـ دلالة على أن المؤمنين ثلاث طبقات، متقين وتائبين ومصرين، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم ويدخلون الجنة، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون الجنة كما زعمه البعض فلا؟ لأن السكوت عن الحكم ليس بياناً لحكمهم عند بعض ودالّ على المخالفة عند آخرين وكفى في تحققها أنهم مترددون بين الخوف والرجاء وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا ـ ويا له من فضيحة ـ وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وحينئذ لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين على أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر؛ وكذلك المغفرة أما نفي التفضل بهما فلا، وهذا على أصل المعتزلة واضح للفرق بين الجزاء والتفضل وجوباً وعدم وجوب، وأما على أصل أهل السنة فكذلك لأن التفضل قسمان: قسم مترتب على العمل ترتب الشبع على الأكل يسمى أجراً وجزاءاً وقسم لا يترتب على العمل فمنه ما هو تتميم للأجر كماً أو كيفاً كما وعده من الاضعاف وغير ذلك، ومنه ما هو محض التفضل حقيقة واسماً كالعفو عن أصحاب الكبائر ورؤية الله تعالى في دار القرار وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى قاله بعض المحققين، وذكر العلامة الطيبي أن قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 131] وردت خطاباً لآكلي الربا من المؤمنين وردعاً لهم عن الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضاً على التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر ولا ترهيب فبين بالآيات / معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم على الانخراط في سلكهم ولا بدّ من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً لهؤلاء وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 135] تدخل في المعنى، فعلم من هذا أن دلالة {أية : وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ }تفسير : [آل عمران: 135] مهجورة لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين، والحاصل أن شرط دلالة المفهوم هنا منتف فلا يصح الاحتجاج بذلك للمعتزلة أصلاً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف للتنويه بسداد عملهم: من الاستغفار، وقبول الله منهم. وجيء باسم الإشارة لإفادة أنّ المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة، لأجل تلك الأوصاف الَّتي استوجبوا الإشارة لأجلها. وهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى، تفضّلا منه: بأن جعل الإقلاع عن المعاصي سبباً في غفران ما سلف منها. وأمَّا الجنّات فإنَّما خلصت لهم لأجل المغفرة، ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقّوا الجنَّات فالكلّ فضل منه تعالى. وقوله: {ونعم أجر العاملين} تذييل لإنشاء مدح الجزاء. والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هو. والواو للعطف على جملة {جزاؤهم مغفرة} فهو من عطف الإنشاء على الإخبار، وهو كثير في فصيح الكلام، وسمِّي الجزاء أجراً لأنَّه كان عن وعد للعامل بما عمل. والتَّعريف في (العاملين) للعهد أي: ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وهذا تفضيل له والعمل المجازي عليه أي إذا كان لأصناف العاملين أجور، كما هو المتعارف، فهذا نعم الأجر لعامل.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {وَجَنَّاتٌ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} {ٱلْعَامِلِينَ} (136) - وَالمُتَّقُونَ المُتَمَتِّعُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ سَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ عَلَيهَا بِالمَغْفِرَةِ، وَبالأمْنِ مِنَ العِقَابِ، وَلَهُمْ ثَوَابٌ عَظِيمٌ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ، وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا أبَداً، وَالجَنَّةُ خَيْرُ مَا يُكَافَأُ بِهِ المُؤْمِنُونَ العَامِلُونَ عَلَى أعْمَالِهِمْ الصَّالِحَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى ما تقدم في قوله سبحانه: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [آل عمران: 133]. مع بيان أوصاف المتقين في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 134]. إنهم ينفقون في السراء نفقة الشكر. وينفقون في الضراء نفقة الذكر والتضرع، لأن النعمة حين توجد بسرّاء تحتاج إلى شكر لهذه النعمة، والنعمة حين تنفق في الضراء تقتضي ضراعة إلى الله ليزحزح عن المنفق آثار النقمة والضراء. إذن فهم ينفقون سواء أكانوا في عسر، أم كانوا في يسر. إن كثيراً من الناس ينسيهم اليسر أن الله أنعم عليهم ويظنون أن النعمة قد جاءت عن علم منهم. وبعض الناس تلهيهم النعمة عن أن يحسوا بآلام الغير ويشغلوا بآلام أنفسهم. لكن المؤمنين لا ينسون ربهم أبداً. وأمره بالإنفاق في العسر واليسر. ولذلك قولوا: فلان لا يقبض يده في يوم العرس ولا يوم الحبس. وتتتابع أوصاف المتقين: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [آل عمران: 135]. وفي ذلك لون من تطمين المؤمن على أغيار نفسه، وعلى أنه عندما يستجيب مرة لنزغات الشيطان، فهذه لا تخرجه من حظيرة التقوى، لأن الله جعل ذلك من أوصاف المتقين. فالفاحشة التي تكون من نزغ الشيطان وذكر العباد لله بعدها، واستغفارهم مع الإصرار على عدم العودة، لا تخرجهم أبداً عن وصفهم بأنهم متقون. لأن الحق هو الغفور: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 135]. إنهم قد أُخبروا بذلك، فلم يجرم الحق أحداً إلا بنص، ولم يعاقب إلا بجريمة. وقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [آل عمران: 136] هو إشارة لكل ما سبق. ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل للعاملين بهذا العمل من التقوى قوسين: القوس الأول الذي ابتدأ به هو قوله الحق: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133]. والقوس الثاني هو الذي أنهى الأمر: {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [آل عمران: 136]. فالجنة الأولى التي ذكرها الله إلهاباً للعواطف النفسية لتقبل على ما يؤدي لهذه الجنة، وبعد ذلك ذكر الأوصاف والأصناف وجعل الجنة أجراً. {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136]. والأجر عادة هو ما يأخذه العامل نتيجة العمل. والأجر حين يأخذه العامل نتيجة لعمل يتوقف على تقييم العمل عند صاحب العمل نفسه. فزيادة الأجر ونقصه تقدير من صاحب العمل، وأيضاً تقدير للعامل. فإن طلب أصحاب عمل متعددون عاملاً محدداً فله أن يطلب زيادة وإن لم يطلبه أحد فهو يقبل أول عرض من الأجر نظير أداء العمل. إذن فالمسألة مسألة حاجة من صاحب عمل، أو حاجة من عامل، وحين ننظر إلى الصفقة في الآخرة نجد أنها بين إله لا يحتاج إلى عملك. ومع أنه لا يحتاج إلى عملك جعل لعملك أجراً. ما هذه المسألة؟ هو ليس محتاجاً إلى عملك، ويعطيك أجراً على عملك ويقول لك: إن هذا الأجر هو الحد الأدنى، لكن لي أنا أن أضاعف هذا الأجر، ولي أن أتفضل عليك بما فوق الأجر. فكم مرحلة إذن؟ إنها ثلاث مراحل، مع أنه سبحانه لا يستفيد من هذا العمل إلا أنه وضع ثلاث مراتب للأجر. إذن فالحاجة من جهة واحدة هي جهتك أنت أيها العبد، أنت تحتاج إلى خالقك وهو لا يحتاج إليك، ومع ذلك يعطيك الإله الحق الأجر لا على قدر العمل فقط، ولكن فوق ذلك بكثير. إن الذي تعمل له يوماً من العباد قد يعطيك - على سبيل المثال - ما يكفيك قوت يوم، أو قوت يوم ونصف يوم. ولكنك حين تأخذ الأجر من يد الله فإنه يعطيك أجراً لا تنتهي مدة إنفاقه؛ فهو القائل: {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136]. هذا هو الأجر الذي يقال فيه: نعم هذا الأجر؛ لأنه أجر لا يتناسب مع مجهودي، بل يفوق كل ما بذلت من جهد وقادم من جهة لا تحتاج إلى هذا المجهود. إنه سبحانه متفضل على أولاً. ومتفضل على أخيراً، ليدل الحق سبحانه وتعالى على أنك - أيها العبد - حين تعمل الطاعة يعود أثر الطاعة على نفسك ومع ذلك فهو يعطيك أجراً على ما فعلت. وأوضحنا أن هذه الآيات جاءت بين آيات معركة أُحُد إرشاداً واستثماراً للأحداث التي وقعت في أُحُد، حتى إذا عاش الإنسان في تصور الأحداث فالأحداث تكون ساخنة، ويكون التقاط العبرة منها قريباً إلى النفس؛ لأن واقعاً يُحتّمها ويؤكدها. والحق سبحانه وتعالى يقول من بعد ذلك: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ ...}.