Verse. 430 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ۝۰ۙ فَسِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَانْظُرُوْا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الْمُكَذِّبِيْنَ۝۱۳۷
Qad khalat min qablikum sunanun faseeroo fee alardi faonthuroo kayfa kana AAaqibatu almukaththibeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في هزيمة أحد «قد خلَت» مضت «من قبلكم سُنَن» طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم «فسيروا» أيها المؤمنون «في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فإنا أمهلناهم لوقتهم.

137

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية، وأما السنة فهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع، وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه: الأول: أنها فعلة من سن الماء يسنه اذا والى صبه، والسن الصب للماء، والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فانه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد، والسنة فعلة بمعنى مفعول، وثانيها: أن تكون من: سننت النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة على معنى أنه مسنون، وثالثها: أن يكون من قولهم: سن الابل اذا أحسن الرعي، والفعل الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أحسن رعايته وادامته. المسألة الثانية: المراد من الآية: قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة، واختلفوا في ذلك، فالاكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى: {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم الى الايمان بالله ورسله والاعراض عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه، وقال مجاهد: بل المراد سنن الله تعالى في الكافرين والمؤمنين؛ فان الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال: {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، وأيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك انما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 171 ـ 173] وقوله: {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الأعراف: 128، القصص: 83] وقوله: {أية : أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 105]. المسألة الثالثة: ليس المراد بقوله {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ } الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود تعرف أحوالهم، فان حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا، ولا يمتنع أن يقال أيضا: ان لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر:شعر : إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار تفسير : ثم قال تعالى: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } ويعني بقوله: {هَـٰذَا } ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات، ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة، لأن العطف يقتضي المغايرة فنقول فيه وجهان: الأول: أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان، وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي. وأما الموعظة فهي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى. الثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة. الوجه الثاني: أن البيان هو الدلالة، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى الاهتداء، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] في سورة البقرة. المسألة الرابعة: في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان. أحدهما: أنهم هم المنتفعون به، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَّعَ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } تفسير : [يس: 11] {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] وقد تقدم تقريره في تفسير قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } الثاني: أن قوله: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } كلام عام ثم قوله: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } للمتقين مخصوص بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين، والله أعلم بالصواب.

القرطبي

تفسير : هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسُّنَن جمع سُنَّة وهي الطريق المستقيم. وفلان على السنة أي على طريق الاسْتِوَاء لا يَميل إلى شيء من الأَهْواء، قال الهذلِيّ:شعر : فلا تَجْزَعَن مِنْ سُنَّة أنت سِرْتَها فأوّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسيرها تفسير : والسنة: الإمام المتّبع المؤتَمُّ به، يقال: سنّ فلانٌ سنة حسنة وسيئةً إذا عمل عملاً اقتُدِي به فيه من خيرٍ أو شر، قال لبيد:شعر : مِن مَعشرٍ سَنَّت لهم آباؤهم ولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها تفسير : والسنة الأُمّة، والسنن الأُمَمُ؛ عن المفضل. وأنشد:شعر : ما عايَنَ الناسُ من فَضْلٍ كفضلِهم ولا رَأُوا مِثَلهم في سالِفِ السُّننِ تفسير : وقال الزجاج: والمعنى أهل سنن، فحذف المضاف. وقال أبو زيد: أمثال. عطاء: شرائع. مجاهد: المعنى {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني بالهلاك فيمن كذّب قبلكم كعادِ وثمود. والعاقبة: آخر الأمر، وهذا في يوم أُحد. يقول فأنا أمهلهم وأمْلِي لهم وأستَدْرجهُم حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني بنصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين.

البيضاوي

تفسير : {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } وقائع سنها الله في الأمم المكذبة كقوله تعالى؛ {وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} وقيل أمم قال:شعر : مَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو وَلاَ رَأَوْا مِثْلَهُ في سَالِفِ السُّنَنِ تفسير : {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم. {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } إشارة إلى قولهِ {قَدْ خَلَتْ }، أو مفهوم قوله {فَٱنظُرُواْ } أي أنه مع كونه بياناً للمكذبين فهو زيادة بصيرة وموعظة للمتقين، أو إلى ما لخص من أمر المتقين والتائبين، وقوله قد خلت جملة معترضة للحث على الإِيمان والتوبة وقيل إلى القرآن. {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَتَحْزَنُوا } تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد، والمعنى لا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم ولا تحزنوا على من قتل منكم. {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } وحالكم إنكم أعلى منهم شأناً، فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار، أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم، أو وأنتم الأعلون في العاقبة فيكون بشارة لهم بالنصر والغلبة. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلق بالنهي أي لا تهنوا إن صح إيمانكم، فإنه يقتضي قوة القلب بالوثوق على الله أو بالأعلون. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ} قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف، والباقون بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل هو بالفتح الجراح وبالضم ألمها، والمعنى إن أصابوا منكم يوم أحد فقد أصبتم منهم يوم بدر مثله، ثم إنهم لم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى بأن لا تضعفوا، فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون. وقيل كلا المِسينَّ كان يوم أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } نصرفها بينهم تدليل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقوله:شعر : فَيَوْماً عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ تفسير : والمداولة كالمعاودة يقال داولت الشيء بينهم فتداولوه، والأيام تحتمل الوصف والخبر و {نُدَاوِلُهَا } يحتمل الخبر والحال والمراد بها: أوقات النصر والغلبة. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} عطف على علة محذوفة أي نداولها ليكون كيت وكيت وليعلم الله إيذاناً بأن العلة فيه غير واحدة، وإن ما يصيب المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم، أو الفعل المعلل به محذوف تقديره وليتميز الثابتون على الإِيمان من الذين على حرف فعلنا ذلك، والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان. وقيل معناه ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجوداً. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } ويكرم ناساً منكم بالشهادة يريد شهداء أحد، أو يتخذ منكم شهوداً معدلين بما صودف منهم من الثبات والصبر على الشدائد. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } الذين يضمرون خلاف ما يظهرون، أو الكافرين وهو اعتراض، وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يغلبهم أحياناً استدراجاً لهم وابتلاء للمؤمنين. {وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم. {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} ويهلكهم إن كانت عليهم، والمحق نقص الشيء قليلاً قليلاً. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} بل أحسبتم ومعناه الإِنكار. {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } ولما تجاهدوا، وفيه دليل على أن الجهاد فرض كفاية والفرق بين {لَّمّاً } ولم إن فيه توقع الفعل فيما يستقبل. وقرىء {يَعْلَمْ } بفتح الميم على أن أصله يعلمن فحذفت النون {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع. وقرىء بالرفع على أن الواو للحال كأنه قال: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ } أي الحرب فإنها من أسباب الموت، أو الموت بالشهادة. والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج. {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته. {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار. {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } فسيخلوا كما خلوا بالموت أو القتل. {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} إِنكاراً لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به. وقيل الفاء للسببية والهمزة لإِنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته. روي (حديث : أنه لما رمى عبدُ الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه وكان صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: قد قتلت محمداً وصرخ صارخ ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأ الناس وجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو إليَّ عباد الله فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرق الباقون، وقال بعضهم: ليت ابن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين لو كان نبياً لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك رضي الله عنهما: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه، ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ إليك منه وشد بسيفه فقاتل حتى قتل)تفسير : فنزلت. {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } بارتداده بل يضر نفسه. {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } على نعمة الإِسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } إلا بمشيئة الله تعالى أو بإذنه لملك الموت عليه الصلاة والسلام في قبض روحه، والمعنى أن لكل نفس أجلاً مسمى في علمه تعالى وقضائه {أية : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف: 34] بالإِحجام عن القتال والإِقدام عليه. وفيه تحريض وتشجيع على القتال، ووعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالحفظ وتأخير الأجل. {كِتَـٰباً } مصدر مؤكد إذ المعنى كتب الموت كتاباً. {مُّؤَجَّلاً } صفة له أي مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد، فإن المسلمين حملوا على المشركين وهزموهم وأخذوا ينهبون، فلما رأى الرماة ذلك أقبلوا على النهب وخلوا مكانهم فانتهز المشركون وحملوا عليهم من ورائهم فهزموهم. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي من ثوابها. {وَسَنَجْزي الشَّاكرِينَ الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد. {وَكَأَيِّن} أصله أي دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى كم والنون تنوين أثبت في الخط على غير قياس. وقرأ ابن كثير «وكائن» ككاعن ووجهه أنه قلب قلب الكلمة الواحدة كقولهم وعملي في لعمري، فصار كأين ثم حذفت الياء الثانية للتخفيف ثم أبدلت الياء الأخرى ألفاً كما أبدلت من طائي {مّن نَّبِيٍّ} بيان له. {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } ربانيون علماء أتقياء، أو عابدون لربهم. وقيل جماعات والربى منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «قتل»، وإسناده إلى {رِبّيُّونَ } أو ضمير النبي ومعه ربيون حال منه ويؤيد الأول أنه قرىء بالتشديد وقرىء {رِبّيُّونَ } بالفتح على الأصل وبالضم وهو من تغييرات النسب كالكسر. {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } فما فتروا ولم ينكسر جدهم لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم. {وَمَا ضَعُفُواْ } عن العدو أو في الدين. {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } وما خضعوا للعدو، وأصله استكن من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة أو استكون من الكون لأنه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له، وهذا تعريف بما أصابهم عند الإِرجاف بقتله عليه الصلاة والسلام. {والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فينصرهم ويعظم قدرهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد، وقتل منهم سبعون: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} ثم قال تعالى: {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} يعني: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها، وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ} يعني: القرآن فيه خبر ما قبلكم. و {هُدًى} لقلوبكم، و {وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}أي: زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين: {وَلاَ تَهِنُوا} أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى {وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح، وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة؛ لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} قال ابن عباس: في مثل هذا؛ لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله: {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: فإنهم إذا ظفروا، بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، ثم قال تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة، ولم تبتلوا بالقتال والشدائد؟ كما قال تعالى في سورة البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ}تفسير : [البقرة: 214] الآية. وقال تعالى: {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : الآية، ولهذا قال ههنا: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء. وقوله: { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو، وتتحرّقون عليهم، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»تفسير : ولهذا قال تعالى: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} يعني: الموت، شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال. والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس؛ كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في هزيمة أحد {قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم {فَسِيرُواْ } أيها المؤمنون {فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ } الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فإنما أمهلهم لوقتهم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } هذا رجوع إلى وصف باقي القصة. والمراد بالسنن: ما سنّه الله في الأمم من وقائعه، أي: قد خلت من قبل زمانكم وقائع سنّها الله في الأمم المكذبة، وأصل السنن جمع سنة: وهي الطريقة المستقيمة، ومنه قول الهذلي:شعر : فَلا تَجْزَعَن مِنْ سُنَّة أنْتَ سِرْتَها فَأوّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسيرها تفسير : والسنة: الإمام المتبع المؤتمّ به، ومنه قول لبيد: شعر : مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لَهُمْ آباؤُهُم وَلِكُلِ قَوْمِ سِنةٌ وإمامُ تفسير : والسنة: الأمة، والسنن: الأمم، قاله المفضل الضبي. وقال الزجاج: المعنى في الآية: أهل سنن، فحذف المضاف، والفاء في قوله: {فَسِيرُواْ } سببية؛ وقيل: شرطية، أي: إن شككتم، فسيروا. والعاقبة: آخر الأمر، والمعنى: سيروا، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا، ثم انقرضوا، فلم يبق من دنياهم التي آثروها أثر. هذا قول أكثر المفسرين. والمطلوب من هذا السير المأمور به هو: حصول المعرفة بذلك، فإن حصلت بدونه، فقد حصل المقصود، وإن كان لمشاهدة الآثار زيادة غير حاصلة لمن لم يشاهدها، والإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى قوله: {قَدْ خَلَتْ } وقال: الحسن إلى القرآن: {بَيَانٌ لّلنَّاسِ } أي: تبيين لهم، وتعريف الناس للعهد، وهم المكذبون، أو للجنس، أي: للمكذبين، وغيرهم. وفيه حثّ على النظر في سوء عاقبة المكذبين، وما انتهى إليه أمرهم. قوله: {وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ } أي: هذا النظر مع كونه بياناً فيه هدى، وموعظة للمتقين من المؤمنين، فعطف الهدى، والموعظة على البيان يدل على التغاير، ولو باعتبار المتعلق، وبيانه أن اللام في الناس إن كانت للعهد، فالبيان للمكذبين، والهدى، والموعظة للمؤمنين، وإن كانت للجنس، فالبيان لجميع الناس مؤمنهم، وكافرهم، والهدى، والموعظة للمتقين وحدهم. قوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } عزاهم، وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل، والجراح، وحثهم على قتال عدوهم، ونهاهم عن العجز، والفشل، ثم بين لهم أنهم الأعلون على عدوّهم بالنصر والظفر، وهي: جملة حالية، أي: والحال أنكم الأعلون عليهم، وعلى غيرهم بعد هذه الوقعة. وقد صدق الله وعده، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد وقعة أحد ظفر بعدوّه في جميع وقعاته؛ وقيل: المعنى: وأنتم الأعلوْن عليهم بما أصبتم منهم في يوم بدر، فإنه أكثر مما أصابوا منكم اليوم. وقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلق بقوله: {وَلاَ تَهِنُواْ } وما بعده، أو بقوله: {وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } أي: إن كنتم مؤمنين، فلا تهنوا، ولا تحزنوا، أو إن كنتم مؤمنين، فأنتم الأعلون. والقرح بالضم، والفتح: الجرح، وهما لغتان فيه، قاله الكسائي، والأخفش. وقال الفراء: هو: بالفتح الجرح، وبالضم ألمه. وقرأ محمد بن السَّمَيْفَع: «قرح» بفتح القاف، والراء على المصدر. والمعنى في الآية: إن نالوا منكم يوم أحد، فقد نلتم منهم يوم بدر، فلا تهنوا لما أصابكم في هذا اليوم، فإنهم لم يهنوا لما أصابهم في ذلك اليوم، وأنتم أولى بالصبر منهم. وقيل: إن المراد بما أصاب المؤمنين والكافرين في هذا اليوم، فإن المسلمين انتصروا عليهم في الابتداء، فأصابوا منهم جماعة، ثم انتصر الكفار عليهم، فأصابوا منهم. والأوّل أولى؛ لأن ما أصابه المسلمون من الكفار في هذا اليوم لم يكن مثل ما أصابوه منهم فيه. وقوله: {وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ } أي: الكائنة بين الأمم في حروبها، والآتية فيما بعد كالأيام الكائنة في زمن النبوّة؛ تارة تغلب هذه الطائفة، وتارة تغلب الأخرى، كما وقع لكم أيها المسلمون في يوم بدر، وأُحد، وهو معنى قوله: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } فقوله: {تِلْكَ } مبتدأ، {والأيام} صفته، والخبر {نداولها}، وأصل المداولة: المعاورة، داولته بينهم: عاورته. والدولة: الكرة، ويجوز أن تكون الأيام خبراً، ونداولها حالاً، والأوّل أولى. وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } معطوف على علة مقدّرة كأنه قال: نداولها بين الناس ليظهر أمركم وليعلم، أو يكون المعلل محذوفاً، أي: ليعلم الله الذين اتقوا، فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل، أي: فعلنا فعل من يريد أن يعلم لأنه سبحانه لم يزل عالماً، أو ليعلم الله الذين آمنوا بصبرهم علماً يقع عليه الجزاء، كما علمه علماً أزلياً {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } أي: يكرمهم بالشهادة. والشهداء جمع شهيد، سمي بذلك؛ لكونه مشهوداً له بالجنة، أو جمع شاهد لكونه، كالمشاهد للجنة، و"من" للتبعيض، وهم شهداء أحد. وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } جملة معترضة بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير مضمون ما قبله. وقوله: {وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } من جملة العلل معطوف على ما قبله. والتمحيص: الاختبار. وقيل: التطهير على حذف مضاف، أي: ليمحص ذنوب الذين آمنوا، قاله الفراء، وقيل: يمحص: يخلص، قاله الخليل، والزجاج، أي: ليخلص المؤمنين من ذنوبهم. وقوله: {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: يستأصلهم بالهلاك، وأصل التمحيق: محو الآثار، والمحق: نقصها. قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } كلام مستأنف لبيان ما ذكر من التمييز، وأم هي المنقطعة، والهمزة للإنكار، أي: بل أحسبتم، والواو في قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ } واو الحال. والجملة حالية، وفيه تمثيل كالأوّل، أو علم يقع عليه الجزاء. وقوله: {وَِيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } منصوب بإضمار "أن"، كما قال الخليل، وغيره على أن الواو للجمع. وقال الزجاج: "الواو" بمعنى "حتى"، وقرأ الحسن، ويحيـى بن يعمر: «ويعلم الصابرين» بالجزم عطفاً على {وَلَمَّا يَعْلَمِ } وقريء بالرفع على القطع، وقيل: إن قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ } كناية عن نفي المعلوم، وهو: الجهاد والمعنى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد، والصبر، أي: الجمع بينهما، ومعنى "لَمّا" معنى: «لم» عند الجمهور، وفرّق سيبويه بينهما، فجعل "لم" لنفي الماضي، و"لما" لنفي الماضي والمتوقع. قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ } هو خطاب لمن كان يتمنى القتال، والشهادة في سبيل الله ممن لم يحضر يوم بدر، فإنهم كانوا يتمنون يوماً يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا مع أنهم الذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج، ولم يصبر منهم إلا نفر يسير مثل أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك. وقوله: {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } أي: القتال، أو الشهادة التي هي سبب الموت. وقرأ الأعمش: «من قبل أن تلاقوه» وقد ورد النهي عن تمني الموت، فلا بدّ من حمله هنا على الشهادة. قال القرطبي: وتمني الموت من المسلمين يرجع إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات، والصبر على الجهاد لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد، وإن أدّى إلى القتل. قوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أي: القتال، أو ما هو سبب للموت، ومحل قوله: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } النصب على الحال، وقيد الرؤية بالنظر مع اتحاد معناهما للمبالغة، أي: قد رأيتموه معاينين له حين قتل من قتل منكم. قال الأخفش: إن التكرير بمعنى التأكيد مثل قوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] وقيل معناه: بصراء ليس في أعينكم علل، وقيل معناه: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ }. سبب نزول هذه ما سيأتي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصيب في يوم أُحد صاح الشيطان قائلاً: قد قتل محمد، ففشل بعض المسلمين، حتى قال قائل: قد أصيب محمد، فأعطوا بأيديكم، فإنما هم إخوانكم، وقال آخر: لو كان رسولاً ما قتل، فردّ الله عليهم ذلك، وأخبرهم بأنه رسول قد خلت من قبله الرسل، وسيخلو، كما خلوا، فجملة قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } صفة لرسول. والقصر قصر إفراد، كأنهم استبعدوا هلاكه، فأثبتوا له صفتين: الرسالة، وكونه لا يهلك، فردّ الله عليهم ذلك بأنه رسول لا يتجاوز ذلك إلى صفة عدم الهلاك، وقيل: هو: قصر قلب. وقرأ ابن عباس: «قد خلت من قبل رسل» ثم أنكر الله عليهم بقوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} أي: كيف ترتدّون، وتتركون دينه إذا مات، أو قتل مع علمكم أن الرسل تخلو، ويتمسك أتباعهم بدينهم، وإن فقدوا بموت، أو قتل، وقيل: الإنكار لجعلهم خلوّ الرسل قبله سبباً لانقلابهم بموته، أو قتله، وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل؛ لكونه مجوّزاً عند المخاطبين. قوله: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } أي: بإدباره عن القتال، أو بارتداده عن الإسلام {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } من الضرر، وإنما يضرّ نفسه {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } أي: الذين صبروا، وقاتلوا، واستشهدوا؛ لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام، ومن امتثل ما أمر به، فقد شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه. قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } هذا كلام مستأنف يتضمن الحثّ على الجهاد، والاعلام بأن الموت لا بدّ منه. ومعنى: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بقضاء الله، وقدره، وقيل: إن هذه الجملة متضمنة للإنكار على من فشل بسبب ذلك الإرجاف بقتله صلى الله عليه وسلم، فبين لهم أن الموت بالقتل، أو بغيره منوط بإذن الله، وإسناده إلى النفس مع كونها غير محتارة له للإيذان بأنه لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله. وقوله: {كِتَـٰباً } مصدر مؤكد لما قبله؛ لأن معناه كتب الله الموت كتاباً. والمؤجل: المؤقت الذي لا يتقدّم على أجله، ولا يتأخر. قوله: {وَمَن يُرِدِ } أي: بعمله {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } كالغنيمة، ونحوها، واللفظ يعمّ كل ما يسمى ثواب الدنيا، وإن كان السبب خاصاً {نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي: من ثوابها على حذف المضاف {وَمَن يُرِدِ } بعمله {ثَوَابَ ٱلأخِرَةِ } وهو الجنة نؤته من ثوابها، وتضاعف له الحسنات أضعافاً كثيرة {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ } بامتثال ما أمرناهم به كالقتال، ونهيناهم عنه كالفرار، وقبول الإرجاف. وقوله: {وَكَأَيّن } قال الخليل، وسيبويه: هي، "أي" دخلت عليها كاف التشبيه، وثبتت معها، فصارت بعد التركيب بمعنى "كم"، وصوّرت في المصحف "نوناً"، لأنها كلمة نقلت عن أصلها، فغير لفظها لتغيير معناها، ثم كثر استعمالها، فتصرّفت فيها العرب بالقلب، والحذف، فصار فيها أربع لغات قريء بها: أحدها: كائن مثل كاعن، وبها قرأ ابن كثير، ومثله قول الشاعر:شعر : وَكَائِن بِالأبَاطِح مِن صَديق يراني لَوْ أصِبْتُ هو المُصَابَا تفسير : وقال آخر:شعر : وَكائِن رَدَدْنا عنكم مِن مُدَجَّج يجيءُ أمَامَ الرَّكْب يَرِدْى مُقَنَّعا تفسير : وقال زهير:شعر : وَكَائِنُ تَرى مِن مُعْجَبٍ لَكَ شَخْصه زَيَادته أوْ نَقْصه فِي التَّكلُمِ تفسير : {وكأين} بالتشديد مثل كعين، وبه قرأ الباقون، وهو الأصل. والثالثة: كأين مثل كعين مخففاً. والرابعة كيئن بياء بعدها همزة مكسورة، ووقف أبو عمرو بغير نون، فقال كأي: لأنه تنوين، ووقف الباقون بالنون. والمعنى: كثير من الأنبياء قتل معه ربيون قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب "قتل" على البناء للمجهول، وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم، وفيه وجهان: أحدهما أن يكون في «قتل» ضمير يعود إلى النبيّ، وحينئذ يكون قوله: {مَعَهُ رِبّيُّونَ } جملة حالية، كما يقال: قتل الأمير معه جيش، أي: ومعه جيش، والوجه الثاني: أن يكون القتل، واقعاً على ربيون، فلا يكون في قتل ضمير، والمعنى: قتل بعض أصحابه، وهم الربيون. وقرأ الكوفيون، وابن عامر: {قاتل} وهي قراءة ابن مسعود، واختارها أبو عبيد، وقال: إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلاً فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه من قاتل، ولم يقتل، فقاتل أعمّ، وأمدح، ويرجح هذه القراءة الأخرى. والوجه الثاني من القراءة الأولى قول الحسن: ما قتل نبيّ في حرب قط، وكذا قال سعيد بن جبير، "والربيون" بكسر الراء قراءة الجمهور، وقرأ عليّ بضمها، وابن عباس بفتحها، وواحده ربي بالفتح منسوب إلى الرب، والربى بضم الراء، وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء، وضمها، وهي الجماعة، ولهذا، فسرهم جماعة من السلف بالجماعات الكثيرة، وقيل: هم الأتباع؛ وقيل: هم العلماء. قال الخليل: الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله، والعبادة، ومعرفة الربوبية. وقال الزجاج: الربيون بالضم: الجماعات. قوله: {فَمَا وَهَنُواْ } عطف على قاتل، أو قتل. والوهن: انكسار الجدّ بالخوف. وقرأ الحسن: «وهنوا» بكسر الهاء، وضمها. قال أبو زيد: لغتان وهن الشيء يهن، وهناً: ضعف، أي: ما وهنوا لقتل نبيهم، أو لقتل من قتل منهم. {وما ضعفوا} أي: عن عدوّهم {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } لما أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذلة، والخضوع، وقريء: «وما وهنوا وما ضعفوا» بإسكان الهاء، والعين. وحكى الكسائي "ضعفوا" بفتح العين، وفي هذا توبيخ لمن انهزم يوم أُحد، وذلّ، واستكان، وضعف بسبب ذلك الإرجاف الواقع من الشيطان، ولم يصنع، كما صنع أصحاب من خلا من قبلهم من الرسل. قوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } أي: قول أولئك الذين كانوا مع الأنبياء إلا هذا القول، وقولهم منصوب على أنه خبر كان. وقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية عنهما برفع قولهم. وقوله: {إِلاَّ أَن قَالُواْ } استثناء مفرغ: أي: ما كان قولهم عند أن قتل منهم ربانيون، أو قتل نبيهم: {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } قيل: هي الصغائر. وقوله: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } قيل: هي الكبائر، والظاهر أن الذنوب تعم كل ما يسمى ذنباً من صغيرة، أو كبيرة، والإسراف ما فيه مجاوزة للحدّ، فهو من عطف الخاص على العام، قالوا ذلك مع كونهم ربانيين هضماً لأنفسهم {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في مواطن القتال: {فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } بسبب ذلك {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } من النصر، والغنيمة، والعزة، ونحوها {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأخِرَةِ } من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ثواب الآخرة الحسن، وهو نعيم الجنة، جعلنا الله من أهلها. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } قال: تداول من الكفار، والمؤمنين في الخير، والشرّ. وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف عن سعيد بن جبير قال: أوّل ما نزل من آل عمران، {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } ثم أنزل بقيتها يوم أحد. وأخرج ابن جرير، عن الحسن في قوله: {هَـٰذَا بَيَانٌ } يعني: القرآن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم لا يعلون علينا»تفسير : فأنزل الله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب يوم أحد، فسألوا ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما فعل فلان، فنعى بعضهم لبعض، وتحدّثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فكانوا في همّ وحزن، فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين، فوقهم على الجبل، وكانوا على أحد مجنبتي المشركين، وهم أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي فرحوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم لا قوّة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء النفر، فلا تهلكهم»تفسير : وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا، فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: {وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك {وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ } قال: وأنتم الغالبون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } قال: جراح وقتل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } قال: إن يقتل منكم يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَتِلْكَ ٱلأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } قال: كان يوم أحد بيوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله: {وَتِلْكَ ٱلأيَّامُ } الآية، قال: أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد الأسارى يوم بدر ثلاثة وسبعين رجلاً. وأخرج ابن جريج، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم: اللهمّ ربنا أرنا يوماً، كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبليك فيه خيراً، ونلتمس فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء. وأخرجا عنه في قوله: {وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قال: يبتليهم {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: ينقصهم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: ليتنا نقتل، كما قتل أصحاب بدر، ونستشهد، أو ليت لنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونبلي فيه خيراً، ونلتمس الشهادة، والجنة، والحياة، والرزق، فأشهدهم الله أحداً، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم. فقال الله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ } الآية. وأخرج ابن المنذر عن كليب قال: خطبنا عمر بن الخطاب، فكان يقرأ على المنبر آل عمران ويقول: إنها أحدية، ثم قال: تفرقنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فصعدت الجبل فسمعت يهودياً يقول: قتل محمد، فقلت: لا أسمع أحداً يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتراجعون إليه، فنزلت هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ }. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نادى مناد يوم أحد ألا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأوّل، فأنزل الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}. وأخرج أيضاً عن مجاهد نحوه. وأخرج أيضاً عن عليّ في قوله: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } قال: الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه، فكان عليّ يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم عنه أنه كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قتل عليه حتى أموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله: {رِبّيُّونَ } قال: ألوف. وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك قال: الربة الواحدة ألف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {رِبّيُّونَ } قال: جموع. وأخرج ابن جرير عنه قال: علماء كثير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } قال: تخشعوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } قال: خطايانا.

الماوردي

تفسير : {قَد خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما: أنه سنن من الله في الأمم السالفة أهلكهم بها. والثاني: يعني أنهم أهل سنن كانوا عليها في الخير والشر، وهو قول الزجاج، وأصل السنة الطريقة المتبعة في الخير والشر، ومنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال لبيد بن ربيعة: شعر : من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سُنَّةٌ وإمامها تفسير : وقال سليمان بن فيد: شعر : فإن الألى بالطف من آل هاشمٍ تآسَواْ فسنوا للكرام التآسيا تفسير : {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن، وهذا قول الحسن، وقتادة. والثاني: أنه ما تقدم ذكره في قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} الآية، وهذا قول ابن إسحاق. {وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} نور وأدب. {إِن يَمْسَسْكُم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} يعني أن يصيبكم قرح، قرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي بضم القاف، وقرأ الباقون بفتحها، وفيها قولان: أحدهما: أنها لغتان ومعناهما واحد. والثاني: أن القرح بالفتح: الجراح، وبالضم ألم الجراح، وهو قول الأكثرين. وأما الفرق بيت المس واللمس فهو أن اللمس مباشرة بإحساس، والمس مباشرة بغير إحساس، وهذا ما ذكره الله تعالى للمؤمنين تسلية لهم فإن أصابهم يوم أحد قرح فقد أصاب المشركين يوم بدر مثله. {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُها بَينَ النَّاسِ} قال الحسن، وقتادة: أي تكون مرة لفرقة، ومرة عليها والدولة: الكرة، يقال أدال الله فلاناً من فلان بأن جعل الكرة له عليه. {وَليُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ ءَآمَنُوا} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: معناه ليبتلي، وهذا قول ابن عباس. والثاني: يعني بالتمحيص تخليصه من الذنوب، وهو قول أبي العباس والزجاج، أصل التمحيص عندهما التخليص. والثالث: معناه وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا، وهو قول الفراء {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} قال ابن عباس: ينقصهم. {وَلَقَدْ كُنتُم تَمنَّونَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} قيل تمنى الموت بالجهاد من لم يحضر بدراً، فلما كان أحد أعراض كثير منهم فعاتبهم الله تعالى على ذلك، هكذا قال الحسن وقتادة ومجاهد. {فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنتُم تَنظُرُونَ} فيه قولان: أحدهما: يعني فقد علمتموه. والثاني: فقد رأيتم أسبابه.

ابن عطية

تفسير : الخطاب بقوله تعالى: {قد خلت} للمؤمنين والمعنى: لا يذهب بكم إن ظهر الكفار المكذبون عليكم بأحد "فإن العاقبة للمتقين" وقديماً أدال الله المكذبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيف هلك المكذبون بعد ذلك، فكذلك تكون عاقبة هؤلاء، وقال النقاش: الخطاب بـــ {قد خلت} للكفار. قال الفقيه القاضي أبو محمد: وذلك قلق، و {خلت} معناه: مضت وسلفت، قال الزجّاج: التقدير أهل سنن، و"السنن": الطرائق من السير والشرائع والملك والفتن ونحو ذلك، وسنة الإنسان: الشيء الذي يعمله ويواليه، ومن ذلك قول خلد الهذلي، لأبي ذؤيب: شعر : فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّة أَنْتَ سِرْتَها فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها تفسير : وقال سليمان بن قتة: شعر : وإنَّ الأُلى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ تأسَّوْا فسَنُّوا للكرام التأسِّيَا تفسير : وقال لبيد: شعر : مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإِمَامُهَا تفسير : وقال ابن زيد: {قد خلت من قبلكم سنن} معناه: أمثال. قال الفقيه الإمام: هذا تفسير لا يخص اللفظة، وقال تعالى: {فسيروا} وهذا الأمر قد يدرك بالإخبار دون السير لأن الإخبار إنما يكون ممن سار وعاين، إذ هو مما يدرك بحاسة البصر وعن ذلك ينتقل خبره، فأحالهم الله تعالى على الوجه الأكمل، وقوله: {فانظروا}، هو عند الجمهور من نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر. وقوله تعالى: {هذا بيان للناس} قال الحسن: الإشارة إلى القرآن، وقال قتادة في تفسير الآية: هو هذا القرآن جعله الله بياناً للناس عامة وهدى وموعظة للمتقين خاصة، وقال بمثله ابن جريج والربيع. قال القاضي: كونه بياناً للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضاً هدى منصوب وموعظة، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن إضافته إلى "المتقين" الذين فيهم نفع وإياهم هدى، وقال ابن إسحاق والطبري وجماعة: الإشارة بـــ {هذا} إلى قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} الآية، قال ابن إسحاق: المعنى هذا تفسير للناس إن قبلوه، قال الشعبي: المعنى، هذا بيان للناس من العمى. ثم نهى عز وجل المؤمنين عن الوهن لما أصابهم بأحد، والحزن على من فقد، وعلى مذمة الهزيمة، وآنسهم بأنهم {الأعلون} أصحاب العاقبة، والوهن: الضعف، واللين والبلى، ومنه: {أية : وهن العظم مني} تفسير : [مريم: 4] ومنه قول زهير: [البسيط] شعر : فَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْها واهِناً خلقَا تفسير : ومن كرم الخلق ألا يهن الإنسان في حربه وخصامه، ولا يلين إذا كان محقاً، وأن يتقصى جميع قدرته ولا يضرع ولو مات، وإنما يحسن اللين في السلم والرضى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن هين لين، والمؤمنون هينون لينون" تفسير : ومنه قول الشاعر: [المنخل الهذلي]: [المتقارب]. شعر : لَعَمْرُكَ مَا إنْ أَبُو مالِكِ بِوَاهٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواه إذا سُدْتَه سُدْتَه مِطْواعَةً وَمَهْما وَكلْتَ إلَيْهِ كَفَاه تفسير : وفي هذا الأسلوب الذي ذكرته يجري قول النابغة: ولا تقعد على ضمد شعر : إلاّ لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ تفسير : وفيه يجري قول العرب: إذا لم تغلب اخلب، على من تأوله من المخلب، أي حارب ولو بالأظافر، وهذا هو فعل عبد الله بن طارق وهو من أصحاب عاصم بن عدي حين نزع يده من القرآن وقاتل حتى قتل، وفعل المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح في يوم بئر معونة، ومن رآه من معنى الخلب والخلابة الذي هو الخديعة والمكر، فهو رأي دهاة العرب، وليس برأي جمهورها، ومنه فعل عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان عند قتله إياه، والأمثلة في ذلك كثيرة، وأيضاً فليس المكر والخديعة بذل محض، ولذلك رآه بعضهم، وأما قولهم إذا عز أخوك فهن، فالرواية الصحيحة المعنى فيه بكسر الهاء بمعنى: لن واضعف ضعف المطواع، وأما الرواية بضم الهاء فهي أمر بالهوان، وما أعرف ذلك في شيء من مقاطع العرب، وأما الشرع فقد قال النبي عليه السلام: لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، ورأيت لعاصم أن المثل على ضم الهاء إنما هو من الهون الذي هو الرفق، وليس من الهوان، قال منذر بن سعيد: يجب بهذه الآية أن لا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة، فإن كانوا في قطر ما على غير ذلك فينظر الإمام لهم بالأصلح، وقوله تعالى: {وأنتم الأعلوْن} إخبار بعلو كلمة الإسلام. هذا قول الجمهور وظاهر اللفظ، وقاله ابن إسحاق: وروي عن ابن عباس وابن جريج: إنما قال الله لهم ذلك بسبب علوهم في الجبل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انحاز في نفر يسير من أصحابه إلى الجبل، فبينما هو كذلك إذ علا خالد بن الوليد عليهم الجبل فقال رسول الله عليه السلام: اللهم لا يعلوننا، ثم قام وقام من معه فقاتل أصحابه وقاتل حينئذ عمر بن الخطاب حتى أزالوا المشركين عن رأس الجبل، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيه، فأنزل الله تعالى عليه، {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} وقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يتعلق الشرط بقوله {ولا تهنوا ولا تحزنوا} فيكون المقصد هز النفوس وإقامتها، ويحتمل أن يتعلق بقوله {وأنتم الأعلون} فيكون الشرط على بابه دون تجوز، ويترتب من ذلك الطعن على من نجم نفاقه في ذلك اليوم، وعلى من تأود إيمانه واضطرب يقينه، ألا لا يتحصل الوعد إلا بالإيمان، فالزموه. ثم قال تعالى، تسلية للمؤمنين: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} والأسوة مسلاة للبشر، ومنه قول الخنساء: [الوافر] شعر : ولَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي عَلَى إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخي ولكنْ أعزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتأَسِّي تفسير : والسلو بالتأسي هو النفع الذي يجره إلى نفسه الشاهد المحدود، فلذلك ردت شهادته فيما حد فيه وإن تاب وحسنت حاله، و"القرح": القتل والجراح، قاله مجاهد والحسن والربيع وقتادة وغيرهم، والمعنى: إن مسكم في أحد فقد مس كفار قريش ببدر بأيديكم، وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص: "قَرْح" بفتح القاف، وقرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: "قُرْح" بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف والكَره والكُره، والفتح أولى لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن القرآن عليها نزل. قال القاضي أبو محمد: هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام: وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يقال: هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه النزول، قال أبو الحسن الأخفش: "القَرح" و"القُرح" مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح بالفتح الجراحات بأعيانها، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، وقرأ الأعمش "إن تمسسكم": بالتاء من فوق، "قروح" بالجمع، "فقد مس القوم قرح مثله"، وقرأ محمد بن السميفع اليماني "قَرَح" بفتح القاف والراء، قال أبو الفتح: هي لغة في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد. هذا مذهب البصريين، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق، وأنا أميل في هذا إلى قول أصحابنا البغداديين، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثراً معتمداً، وقد سمعت بعض بني عقيل يقول: نحوه بفتح الحاء، يريد نحوه، ولو كانت الكلمة مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو وكعصاة وفتاة، وسمعت غيره يقول: أنا محموم بفتح الحاء قال ابن جني: ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق، والحمد الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {سُنَنٌ} من الله بإهلاك من سلف، أو أهل سنن في الخير والشر، وأصل السُّنة: الطريقة المتبعة في الخير والشر، ومنه سُّنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قد خلت من قبلكم سنن} يعني قد انقضت من قبلكم سنة الله في الأمم الماضية بالهلاك والاستئصال لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها والبقاء فيها فانقرضوا ولم يبق منهم أحد وقيل في معنى السنة الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوه رضي الله عنهم بذلك. وقيل سنن أي شرائع وقيل سنن أي أمم والسنة الأمة ومعنى الآية قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم الذي أجلته لإهلاكهم {فسيروا في الأرض} أمر ندب لا على سبيل الوجوب بل المقصود تعرف أحوال الأمم الماضين بقوله {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} فرغب أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال الأمم الماضية ليصير ذلك داعياً لهم إلى الإيمان بالله ورسوله والإعراض عن الدنيا ولذاتها. وفيه أيضاً زجر للكافر عن كفره لأنه إذا تأمل أحوال الكفار وإهلاكهم صار ذلك داعياً إلى الإيمان لأن النظر إلى آثار المتقدمين له أثر في النفس كما قيل: شعر : إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار تفسير : وفي هذه الآية تسلية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جرى لهم في غزوة أحد يقول فإني إنما أمهلت الكفار حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم الذي أجلته لهم في إهلاكهم ونصر محمد صلى الله عليه وسلم وأوليائه وهلاك أعدائه. قوله عز وجل: {هذا} يعني القرآن وقيل هو اسم إشارة إلى ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده {بيان للناس} يعني عامة {وهدى} يعني من الضلالة {وموعظة للمتقين} يعني خاصة وقيل في الفرق بين البيان والهدى والموعظة لأن العطف يقتضي المغايرة والبيان هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة والهدى هو طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغي، والموعظة هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان أحدهما الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى والثاني الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة وإنما خصص المتقين بالهدى والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...} الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنَىٰ: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن ٱنْظُروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ بـ {قَدْ خَلَتْ} للكُفَّار. قال * ع *: وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ. وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله: {فَٱنظُرُواْ} هو عند الجمهورِ مِنْ نَظَر العَيْن، وقال قومٌ: هو بالفكْر. وقوله تعالى: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ}، يريد به القُرآن؛ قاله الحَسَن وغيره، وقال جماعة: الإشارة بـ «هذا» إلى قوله تعالَىٰ: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}. وقال الفَخْر: يعني بقوله: «هذا بيانٌ» ما تقدَّم؛ من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات. انتهى. ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السِّلْم والرضَىٰ، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»تفسير : ، وقوله سبحانه: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ. قال * ص *: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ}: في موضِعِ نصبٍ؛ على الحال. وقوله سبحانه: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ علَىٰ من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو ٱضطربَ يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فٱلزموه، ثم قال تعالَىٰ؛ تسليةً للمؤمنين: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ}، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر؛ ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر] شعر : وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي عَلَىٰ إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي تفسير : والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ؛ قاله مجاهدٌ وغيره. وقوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}، أخبر سبحانه علَىٰ جهة التسلية؛ أنَّ الأيام علَىٰ قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار. وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنَىٰ: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً؛ أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكُفّار بالإدالة، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثٌ؛ «حديث : أنَّهُمْ يُدَالُونَ؛ كَمَا تُنْصَرُونَ» تفسير : والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً؛ ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ...} الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ}، والسببُ في ذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه؛ إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضَىٰ، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار؛ ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ؛ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنَّىٰ؛ من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنَّىٰ لواحقه من الشهادةِ والتنْعيم، قُلْتُ: وفي كلام * ع *: بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ؛ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» تفسير : وخرَّجه أيضًا مسلمٌ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث أنسٍ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ (عَزَّ وجَلَّ) خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يَرَىٰ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَىٰ مِنَ الكَرَامَةِ»تفسير : . اهـــ. فقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ؛ لما فيه من الكرامة. وصَوَابُ كلام * ع *: أنْ يقول: وإِنما يتمنَّى القتلُ؛ للواحقه؛ من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ. وقوله سبحانه: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ}، يريد: رأيتم أسبابه، وقوله: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}: تأكيدٌ للرؤية، وإخراجِها من الاشتراك الذي بَيْنَ رؤية القَلْب ورُؤْية العَيْن.

ابن عادل

تفسير : لما وعد على الطاعة والتوبة بالمغفرة والجنة، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعةِ والتوبةِ، وهو تأمل أحوال القرونِ الخوالي، وهذا تَسْلِيَة من الله تعالى للمؤمنين. قال الواحدي: أصل الخلُوّ - في اللغة - الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، ويُستعمل - أيضاً - في الزمان بمعنى: المُضِيّ؛ لأن ما مضى انفرد عن الوجود، وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية. قوله: {مِن قَبْلِكُمْ} يجوز أن يتعلق بـ "خَلَتْ"، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من {سُنَنٌ}؛ لأنه - في الأصل - يجوز أن يكون وَصْفاً، فلما قُدِّمَ نُصبَ حالاً. والسُّنَن: جمع سُنَّة، وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها، ومنه سُنَّة الأنبياء. قال خالد الهُذَلِي لخاله أبي ذُؤيب: [الطويل] شعر : 1622- فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةِ أنْتَ سِرْتَهَا فَأوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1623- وَإنَّ الأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ تَأسَّوْا، فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّآسِيَا تفسير : وقال لبيد: [الكامل] شعر : 1624- مِنْ أمَّةٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وَإمامُهَا تفسير : وقال المفضَّل: السُّنَّة: الأمة، وأنشد: [البسيط] شعر : 1625- مَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ وَلاَ رَأوْا مِثْلَكم فِي سَالِفِ السُّنَنِ تفسير : ولا دليل فيه؛ لاحتمال أن يكون معناه: أهل السنن. وقال الخليل: سَنَّ الشيء بمعنى: صوره، ومنه: {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 28] أي: مُصَوَّر وقيل: سن الماء والدرع إذا صبهما، وقوله: {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 28] يجوز أن يكون منه، ولكن نسبة الصب إلى الطين بعيدة. وقيل: مسنون، أي: متغير. وقال بعض أهل اللغة: هي فُعْلة من سَنَّ الماء، يسنه، إذا والى صَبَّه، والسَّنُّ: صَبُّ الماء والعرق نحوهما. وأنشد لزهير: [الوافر] شعر : 1626- نُعَوِّدُهَا الطراد كُلَّ يَوْمٍ تُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِهَا الْقُرُونُ تفسير : أي: يُصب عليها من العرق، شبَّه الطريقة بالماء المصبوب، فإنه يتوالى جرْيُ الماء فيه على نَهْج واحد، فالسُّنَّة بمعنى: مفعول، كالغُرْفَةِ. وقيل: اشتقاقها من سننت النَّصْل، أسنّه، سنًّا، إذا حددته [على المِسَن]، والمعنى: أن الطريقةَ الحسنةَ، يُعْتَنَى بها، كما يُعْتَنَى بالنَّصْل ونحوه. وقيل: من سَنَّ الإبل، إذا أحسن رعايتها، والمعنى: أن صاحب السنة يقوم على أصحابه، كما يقوم الراعي على إبله، والفعل الذي سَنَّه النبي سُمِّيَ سُنَّةً بمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم أحسن رعايته وإدامته. وقد مضى من ذلك جملة صالحة في البقرة. فصل قال [أكثر المفسرين]: المراد: سنن الهلاك؛ لقوله تعالى: {أية : فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [الزخرف: 25]؛ لأنهم لما خالفوا الرُّسُلَ؛ لحرصهم على الدنيا، ثم انقرضوا، ولم يَبْقَ من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا، والعقاب في الآخرة عليهم، فرغَّب الله تعالى أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم في الإيمان بالتداخل في أحوال هؤلاء الماضين، ليصير ذلك داعياً لهم إلى الإيمان بالله ورُسُله، والإعراض عن الرياسة في طلب الدنيا والحياة. قال الزجاج: المعنى: أهل سنن، فحذف المضاف. قال مجاهد: بل المراد، سنة الله تعالى في الكافرين والمؤمنين، فإن الدنيا لم تَبْقَ، لا مع المؤمن، ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناءُ الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في العُقْبَى، والكافر يبقى اللعن عليه في الدنيا والعقاب في الآخرة. قوله: {فَسِيرُواْ} جملة معطوفة على ما قبلها، و التسبُّب في هذه الفاء ظاهر، أي: سبب الأمر بالسير لتنظروا - نَظَرَ اعتبار - خُلُوَّ مَنْ قبلكم من الأمم وطرائقهم. وقال أبو البقاء: "ودخلت الفاء في "فَسِيرُوا"؛ لأن المعنى على الشرط، أي: إن شككتم فسيروا". وقوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} "كيف" خبر مقدم، واجب التقديم، لتضمُّنه معنى "الاستفهام"، وهو معلق لـ "انْظُرُوا" قبله، فالجملة في محل نصب بعد إسقاط الخافض؛ إذ الأصل: انظروا في كذا. فصل والغرض من هذا الكلام: زَجْر الكفار عن الكفر بتأمل أحوال المكذبين، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]، وقوله: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [القصص: 83]، وقوله: {أية : أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] وليس المراد منه الأمر بالسير - لا محالة - بل المقصود: تعرف أحوالهم، فإن حصلت المعرفة بغير السير حصل المقصود، ويحتمل أن يقال - أيضاً -: إنَّ مشاهدة آثار المتقدمين لها، أثر أقوى من أثر السماع. قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 1627- إنَّ آثَارَنَا تَدُلُّ عَلَيْنَا فَانْظُرُوا بَعْدَنَا إلَى الآثَارِ تفسير : فصل قال المفسرون: وهذا في حرب أحد، يقول: فأنا أمهلهم، وأسْتدرجهم، حتى يبلغ أجلي الذي أجَّلْتُ في نُصْرَة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وهلاك أعدائه. قوله تعالى: {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} أي: القرآن. وقيل: ما تقدم من قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}. وقيل: ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده. والموعظة: الوعظ وقد تقدم. قوله: "للناس" يجوز أن يتعلقَ بالمصدر قبلَه، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه وَصْف له. قوله: {لِّلْمُتَّقِينَ} يجوز أن يكون وَصْفاً - أيضاً - ويجوز أن يتعلق بما قبله، وهو محتمل لأن يكونَ من التنازع، وهو على إعمال الثاني للمحذوف من الأول. فصل في الفرق بين الإبانة وبين الهُدَى، وبين الموعظة؛ لأن العطْفَ يقتضي المغايرة، وذكروا فيه وجهين: الأول: أن البيان هو الدلالة التي تزيل الشبهة، والهُدَى بيان الطريق الرشيد؛ ليُسْلَك دون طريق الغَيّ، والموعظة هي الكلام الذي يُفِيد الزَّجْر عما لا ينبغي في الدين. الثاني: أن البيانَ هو الدلالة، وأما الهدى فهي الدلالة بشرط إفْضَائها إلى الاهتداء. وخصَّ المتقين؛ لأنهم المنتفعون به، وتقدَّم الكلام في ذلك في قوله: "هدى للمتقين". وقيل: إن قوله {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} عَامّ، ثم قوله: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} مخصوص بالمتقين؛ لأن الهُدَى اسم للدلالة الموصِّلة إلى الاهتداء، وهذا لا يحصُل إلا في حقِّ المتقين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {قد خلت} يعني مضت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قد خلت من قبلكم سنن} يعني تداول من الكفار والمؤمنين في الخير والشر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} قال: عاقبة الأولين والأمم قبلكم، كان سوء عاقبتهم متعهم الله قليلاً ثم صاروا إلى النار.

القشيري

تفسير : يعني اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن وَالَى وكيف انتقمنا ممن عَادَى، وقوله تعالى: {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ}: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلّى الحق في الأسرار.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد خلت من قبلكم سنن} اصل الخلو الانفراد والمكان الخالى هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل ايضا فى الزمان الماضى لان ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه وكذا الامم الخالية والسنن الوقائع اى قد مضت من قبل زمانكم وقائع سنها الله فى الامم المكذبة اى وضعها طريقة يسلكها على وفق الحكمة فالمراد بسنن الله تعالى معاملات الله فى الامم المكذبة بالهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} {فسيروا فى الارض} اى ان شككتم فى ذلك فسيروا وليس المراد الامر بالمسافرة فى الارض بسير الاقدام لا محالة بل المقصود تعرف احوالهم فان حصلت المعرفة بغير السير حصل المقصود ولعل اختيار لفظ سيروا مبنى على ان اثر المشاهدة اقوى من اثر السماع كما قيل ليس الخبر كالمعاينة وفى هذا المعنى قيل شعر : ان آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا الى الآثار تفسير : {فانظروا} بنظر العين والمشاهدة {كيف} خبر مقدم لكان معلق لفعل النظر والجملة فى محل النصب بعد نزع الخافض لان الاصل استعماله بالجار {كان عاقبة المكذبين} رسلى واوليائى {هذا} اشارة الى ما سلف من قوله قد خلت الخ {بيان للناس} وهم المكذبون اى ايضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فان الامر بالسير والنظر وان كان خاصا بالمؤمنين لكن العمل بموجبه غير مختص بواحد دون واحد ففيه حمل للمكذبين ايضا على ان ينظروا الى عواقب ما قبلهم من اهل التكذيب ويعتبروا بما يعاينون من آثار دمارهم وان لم يكن الكلام مسوقا لهم والبيان هو الدلالة على الحق فى أى معنى كان بازالة ما فيه من الشبهة {وهدى} اى زيادة بصيرة وهو مختص بالدلالة والارشاد الى طريق الدين القويم والصراط المستقيم ليتدين به ويسلك {وموعظة} وهو الكلام الذى يفيد الزجر عما لا ينبغى فى الدين {للمتقين} اى لكم والاظهار للايذان بعلة الحكم فان مدار كونه هدى وموعظة لهم انما هو تقواهم. واعلم ان الامم الماضية خالفوا الانبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم اثر وبقى عليهم اللعن فى الدنيا والعقاب فى الآخرة فرغب الله تعالى امة محمد صلى الله عليه وسلم المصدقين فى تأمل احوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم الى الانابة والاعراض عن الاغترار بالحظوظ الفانية واللذات المقتضية فان الدنيا لا تبقى مع المؤمن ولا مع الكافر فالمؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل فى الدنيا والثواب الجزيل فى العقبى والكافر بخلافه فاللائق ان يجتهد فيما هو خير وابقى ولا ينظر الى زخارف الدنيا. ثم فى هذا تسلية للمؤمنين فيما اصابهم يوم احد فان الكفار وان نالوا من المؤمنين بعض النيل لحكمة اقتضته فالعاقبة للمؤمنين قال تعالى {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} تفسير : [الصافات: 171-172]. و{أية : إن الأرض يرثها عبادى الصالحون} تفسير : [الأنبياء: 105]. ولو كانت الغلبة كل مرة للمؤمنين لصار الايمان ضروريا وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة الآلهية. فعلى العاقل ان يفوض الامر الى الله ويعتبر بعين البصيرة فى الامور الخفية والجلية وقد قال الله تعالى {أية : فاعتبروا يا أولى الابصار} تفسير : [الحشر: 2]. شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بيند اندر بند بندكير ازمصائب دكران تانكيرند ديكران زتو بند تفسير : والخوف من العاقبة من الصفات السنية للصلحاء ـ روى ـ انه يعذب الرجل فى النار الف سنة ثم يخرج منها الى الجنة قال الحسن البصرى رحمه الله يا ليتنى كنت ذلك الرجل وانما قال الحسن ذلك لانه يخاف عاقبة امره وهكذا كان الصالحون يخافون عاقبة امرهم وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكثر ان يقول "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبى على طاعتك ". تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله انك لتكثر القول بهذا الدعاء فهل تخشى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما يؤمننى يا عائشة وقلوب العباد بين اصبعين من اصابع الرحمن فاذا اراد ان يقلب قلبا قلبه " .تفسير : قال السدى انى لأنظر فى المرآة كل يوم مرارا مخافة ان يكون قد اسود وجهى. والاشارة فى الآيتين ان الله خص السائرين الى الله بالمهاجرة عن الاوطان والمسافرة الى البلدان بمقارقة الخلان والاخدان ومصاحبة الاخوان غير الخوّان ليعتبروا من سنن اهل لسنن فقال تعالى {قد خلت من قبلكم سنن} اى امم لهم سنن {فسيروا} على سنن اهل السنة {فى الارض} فى ارض نفوسكم الحيوانية بالعبور عن اوصافها الدنية واخلاقها الردية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية وتتخلقوا بالاخلاق الربانية {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} اى كيف صار حاصل امر النفوس الكذبة بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية عند الوصول اليها {هذا بيان للناس} اى لاهل الغفلة والغيبة الناسين عهد الميثاق {وهدى وموعظة للمتقين} اى وعيان لاهل الهداية والشهود الذاكرين للعهود الذين اتعظوا بالتجارب والتقوى عما سوى الله تعالى. قال بعض العلماء يا مغرور امسك وقس يومك بامسك واتعظ بمن مضى من ابناء جنسك فانك بك قد خللت فى رسمك أين من اسخط مولاه بنيل ما يهواه أين من افنى عمره فى خطاياه فتذكر انت أيها الغافل مصارعهم وانظر مواضعهم هل نفعهم رفيق رافقوه او منعهم اما خلوا بخلالهم اما انفردوا باعمالهم فستصير فى مصيرهم فتدبر أمرك وستسكن فى مثل مساكنهم فاعمر قبرك يا مسرورا بمنزلة الرحب الانيق ستفارقه يا مشمئزا من التراب ستعانقه اعتبر بمن سبقك فانت لاحقه واذكر العهد الازلى فزك نفسك حياء من الله لعلك تصل الى ما تهواه من جنات وعيون ومقام كريم ووصال الى رب رحيم قال تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} فماذا يقعدك عن رفقة الصالحين وهل ترضى لنفسك يا مسكين ان تقف فى مقام الجهال المعتدين اما علمت انك غدا تدان كما تدين اصلح الله احوالنا وصحح اقوالنا وافعالنا واعطانا آمالنا وختمنا بالخير اذا بلغنا آجالنا.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: السُّدن: الطرق المسلوكة، وقيل: الأمم. يقول الحقّ جلّ جلاله: قد مضت {من قبلكم سُننُ} جرت على الأمم المكذبة لأنبيائها قبلكم، {ولن تجد لسنة الله تبديلاً}، وهو إمهالي واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم، فإذا بلغهم أهلكتهم، وأدلتُ الأنبياء وأتباعَهم عليهم، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دراسة، اعتباراً لمن يأتي بعدهم، {فسيروا في الأرض} وتعرفوا أخبارهم، وانظروا {كيف كان عاقبة المكذبين} لأنبيائهم قبلكم، فكذلك يكون شأنكم مع مَنْ كذَّبكم. {هذا} الذي أمرتكم به من الاعتبار، {بيان للناس} لمن أراد أن يعتبر من الكفار، وزيادة هداية واستبصار {للمتقين}. ثم سلاَّهم وبشرهم فقال: {ولا تهنوا} أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم بما أصابكم، {ولا تحزنوا} على من قُتل منكم، وهم سبعون من الأنصار وخمسة من المهاجرين، منهم: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير - صاحب راية النبيّ صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش، وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة - رضي الله عنهم -. أو: {لا تحزنوا} لفوات الغنيمة {وأنتم الأعلون} بأن تكون لكم العاقبة والنصر، أو: وحالكم أنكم أعلى منهم شأناً، فإنكم على الحق وقتالكم لله، وقتالكم في الجنة، وهم على الباطل، وقتالهم للشيطان، وقتلاهم في النار، فلا تفشلوا عن الجهاد {إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان يقتضي قوة القلب بالوثوق بالله والاعتماد عليه، أو: {إن كنتم مؤمنين} بما وعدتكم من العلو والنصر. والله أعلم. الإشارة: قد خلت من قبلكم، أيها المريدون، سنن الله في أوليائه مع المنكرين عليهم من عوام عباده، فإنه أبعدهم عن ساحة حضرته، وحرمهم من سابق عنايته، حتى ماتوا على البُعد، فاندرست آثارهم وخربت ديارهم، فسيروا في الأرض وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين لأوليائه، هذا بيان للمعتبرين، وزيادة هدى وموعظة للمتقين، فلا تهنوا أيها الفقراء وتضعفوا عن طلب الحق بالرجوع عن طريق الجد والاجتهاد، لما يصيبكم من أذى أهل العناد، وأنتم الأعلون بالنصر والتأييد، ورفع درجاتكم مع خواص أهل التوحيد، إن كنتم مؤمنين بوعد الملك المجيد، فمن طلب الله وجده، وأنجز بالوفاء موعده، لكن بعد تجرع كؤوس مرارة الصبر، ودوام الحمد والشكر، وأنشدوا: شعر : لا تَحْسَبِ تَمْراً أَنْتَ آكِلُهُ لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَ

الطوسي

تفسير : المعنى: معنى قوله: {قد خلت من قبلكم سنن} أي سنن من الله تعالى في الأمم السالفة كذبوا رسله وجحدوا نبوتهم بالاستئصال، والاجتياح، كعاد، وثمود، وقوم صالح، وقوم لوط الذين أهلكهم الله بأنواع العذاب من الاستئصال فبقيت لهم آثار في الديار فيها أعظم الاعتبار والاتعاظ - على قول الحسن، وابن اسحاق - فأمر الله أن يسيروا في الارض، ويتعرفوا أخبارهم، وما نزل بهم ليتعظوا بذلك، وينتهوا عن مثل ما فعلوه. وقال الزجاج: معناه {قد خلت من قبلكم} أهل {سنن} في الشر. اللغة والمعنى: والسنة: الطريقة المجعولة ليقتدى بها، فمن ذلك سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال لبيد: شعر : من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها تفسير : وقال سليمان بن قتة: شعر : وإن الألى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا تفسير : سنة الله عز وجل الاهلاك للامم الضالة بهذه المنزلة. وأصل السنة الاستمرار في جهة. سن الماء سناً: إذا صبه حتى يفيض من الاناء. وسنه بالمسن إذا أمره عليه لتحديده. وفلان مسنون الوجه أي مستطيلة. وقوله: {من حمأ مسنون} قيل معناه متغير، لاستمرار الزمان به حتى تغير. ومنه السن واحد الاسنان، لاستمرارها على منهاج. والسنان، لاستمرار الطعن به. والسنن استمرار الطريق. والخلو: الانفراد، فمنه الخلاء، لانفراد المكان. ومنه التخلية لانفراد الشيء بها عن صاحبه. ومنه الخلية من النوق التي خلا ولدها بذبح أو موت، لانفرادها عنه. والخلية من السفن التي تخلى تسير في نفسها. ومنه الخلا مقصور: الحشيش اختليته إذا قطعته، لانفراده بالقطع. ومنه المخلاة. ومن ذلك المخالاة المخادعة، لانفراد صاحبها بمن يخاليه يوهمه التخصص به، فمعنى "خلت" انفردت بالهلاك دون من بقي. وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة} فالعاقبة هو ما يؤدي إليها السبب المتقدم، وليس كذلك الآخرة، لأنه قد كان يمكن أن تجعل هي الأولى في العدة للمكذبين يريد به الجاحدين البعث، والنشور، والثواب، والعقاب الدافعين لمن يخبر بذلك بالرد بالتكذيب، فجازاهم الله تعالى في الدنيا بعذاب الاستئصال، ولهم في الآخرة عظيم النكال.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ خَلَتْ} استئناف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هذا للمتّقين فما لغيرهم؟ - فقال: قد خلت اى مضت {مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} جمع السّنّة وهى السّيرة والطّريقة والمقصود انّه مضت طرائق كانت عليها الامم الماضية من المتّقين المصدّقين والفاسقين المكذّبين {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} اى ارض عالم الطّبع لاستعلام سير المصدّقين والمكذّبين حتّى تعلموا حالهما وعملهما وصنع الله فيهما وفى اعقابهما فى الدّنيا والآخرة بمشاهدة آثار صنع الله بهما وباستعلام اخبار الانبياء بحالهما فى الآخرة ثمّ تفكّروا {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} حتّى تعتبروا من حالهم وتجتنبوا مثل افعالهم، او سيروا فى ارض القرآن والكتب السّماويّة، او فى ارض اخبار الانبياء واوصيائهم، او فى ارض السّير والتّواريخ، او فى ارض وجودكم وعالمكم الصّغير فانّ اهل عالمكم الماضين كلّ منهم فى مقامهم كانوا مدّعين للانانيّة والاستقلال ومكذّبين بلسانهم الحالىّ لمن يقول انتم فى الطّريق والهلاك من هذه الحياة ولا بدّ لكم الفناء من هذا الوجود ثمّ البقاء والحياة بوجود آخر اشرف واكمل.

اطفيش

تفسير : {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}: طرق فى الإمهال، بأن أمهل الكفار ثم بعد الإمهال، استأصلهم بالعقاب كقوم نوح وغيرهم، وقول لوط وثمود، فى عاقبة أمرهم ممن لا يرى لهم أثر ومن يرى له، كما قال الله تعالى: {فَسِيرُواْ فِى الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} تروا أثر من استؤصلوا لكفرهم بعد إمهال، فلا تضجروا، أو تشكوا من وقعة أحد فيستأصل المشركون أى ذلك سنة الله، أن تكون الغلبة تارة للمؤمنين وتارة للكفرة، والعاقبة للمتقين، ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، أنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون، ولو كانت الغلبة كل مرة للمؤمنين لصار الإيمان كالأمر المضطر إليه، والحكمة غير ذلك. وقيل: المراد: سنة لله فى المؤمنين والكافرين، بأن كلا مصاب وصية من لدن آدم، ولكن للمؤمنين الثناء والثواب عند الله وللكافر اللعن فى الدنيا والآخرة، والعقاب فلا يكبرن عليكم ما نيل منكم يوم أحد، وقيل: السنن الأمم. كما قال الشاعر: شعر : ما عاين الناس من فضل كفضلكم ولا رأوا مثله فى سالف السنن تفسير : أى فى سالف الأمم، ويجوز أن يزيد فى سالف أهل السنن فحذف المضاف والأمران فى الآية للندب، إذ لا يجب السير والنظر فى ذلك، والواجب الإيمان واختار لفظ السير، لأنه ليس الخبر كالعيان، وقيل: السنن فى الآية الشرائع ولا يناسبه التفريع عليه، بقوله تعالى {فَسِيرُواْ فِى الأَرْض}. وقال ابن زيد سنن: أمثال والخطاب فى قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} الآية للمؤمنين قال النقاش: الخطاب للكفار، وفيه قلق فيما قيل، ووجه قول النقاش إن الله عز وجل، أرشدهم إلى ما يكون سبباً لإذعانهم، والنظر عند الجمهور فى قوله تعالى {فانظروا} نظر العين، ويترتب عليه الكفر، وقال قوم: نظره.

اطفيش

تفسير : {قَدْ خَلَتْ} مضت {مِن قَبْلِكُمْ} الخطاب للمؤمنين، وقيل للكفار {سُنَنٌ} قيل، طرق فى الأمم السابقة، من إهلاك بعض بالطاعون، وبعض بالخسف، وبعض بالرجم، وبعض بالصيحة، وبعض بالإعراق وغير ذلك بسبب كفرهم بعد إِمهالهم فلا تعجلوا وتضيقوا بوقعة أحد، وهذه تسلية للمؤمنين، ويجوز على ضعف أن يكون سنن بمعنى أمم، كقوله: شعر : ما عاين الناس من فضل كفضلكُم ولا رأوا مثله فى سالف السنن تفسير : لكن بحتمل أن المعنى فى سالف أهل السنن، أى الطرق، وليس السنن بمعنى الطرق متبادراً، وأيضاً يحتاج إلى تقدير، قد خلت من قبلكم سنن أى منهم، وخالف من خالف منهم نبيهم، وكذا يبعد كون السنن الأديان المنسوخة، وقدر الزجاج فى الآية أهل سنن {فَسِيرُوا فِى الأَرْضِ} أنشئوا السفر لتروا آثار المهلكين قبلكم، أو المراد سيروا بقلوبكم، أي تأملوا فى الأرض بسير وغيره، واختار لفظ السير لأن العيان أقوى، والعطف عطف إنشاء على إخبار، أو المراد تنبهوا، أو بقدر، إن لم تؤمنوا بإهلاك الأمم فسيروا، وذلك المؤمنين زيادة تثبيت {فَانظُرُوا} بأبصاركم وقلوبكم {كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ المُكَذِّبِينَ} لرسلهم، من الإهلاك آخر الأمر بعد إمهال.

الالوسي

تفسير : {قَدْ خَلَتْ } أي مضت {مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } أي وقائع في الأمم المكذبة أجراها الله تعالى حسب عادته، وقال المفضل: إن المراد بها الأمم، وقد جاءت السنة بمعنى الأمة في كلامهم، ومنه قوله:شعر : ما عاين الناس من فضل كفضلكم ولا رأوا مثلكم في سالف السنن تفسير : وقال عطاء: المراد بها الشرائع والأديان، فالمعنى قد مضت من قبلكم سنن وأديان نسخت، ولا يخفى أن الأول أنسب بالمقام لأن هذا إما مساق لحمل المكلفين أو آكلي الربا على فعل الطاعة أو على التوبة من المعصية أو على كليهما بنوع غير ما سبق ـ كما قيل ـ وإما عود إلى تفصيل بقية القصة بعد تمهيد مبادي الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح على رأي، وذكر مضي الأديان ليس له كثير ارتباط بذلك، وإن زعم بعضهم أن فيه تثبيتاً للمؤمنين على دين النبـي صلى الله عليه وسلم لئلا يهنوا بقول اليهود أن دين موسى عليه السلام لا ينسخ ولا يجوز النسخ على الله تعالى لأنه بداء وتحريضاً لليهود وحثاً على قبول دين الإسلام وإنذاراً لهم من أن يقع عليهم مثل ما وقع على المكذبين وتقوية لقلوب المؤمنين بأنه سينصرهم على المكذبين، نعم إطلاق السنة على الشريعة أقرب من إطلاقها على الوقعة لأنها في الأصل الطريقة والعادة، ومنه قولهم: سنة النبـي صلى الله عليه وسلم، والجار والمجرور إما متعلق بخلت أو بمحذوف وقع حالاً من {سُنَنَ } أي سنن كائنة من قبلكم. {فَسِيرُواْ فِى ٱلأًَْرْضِ } أي بأقدامكم أو بأفهامكم {فَٱنظُرُواْ } أي تأملوا. {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } أي آخر أمرهم الذي أدى إليه تكذيبهم لأنبيائهم، والفاء للإيذان بسببية الخلو للسير والنظر أو الأمر بهما، وقيل: المعنى على الشرط أي إن شككتم فسيروا الخ، والخطاب على كل تقدير مساق للمؤمنين، وقال النقاش: للكفار ـ وفيه بعد ـ و {كَيْفَ } خبر مقدم ـ لكان ـ معلق لفعل النظر، والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار وتجريد الفعل عن تاء التأنيث لأن المرفوع مجازي التأنيث.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي: تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحُد، وما بينهما استطراد، كما علمت آنفاً، وهذا مقدّمة التَّسلية والبشارة الآيتين. ابتدئت هاته المقدّمة بحقيقة تاريخية: وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية. وجيء بـ (قد)، الدّالة على تأكيد الخبر، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين، مع أنّهم يقاتلون لنصر دين الله، وبعد أن ذاقوا حلاوة النَّصر يوم بدر، فبيّن الله لهم أنّ الله جعل سنّة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالاً ومداولة، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية، فقال: {قد خلت من قبلكم سنن}. والله قادر على نصرهم، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلاّ يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين، فيحسب أنّ النَّصر حليفهم. ومعنى خلت مضت وانقرضت. كقوله تعالى: {أية : قد خلت من قبله الرسل}تفسير : [آل عمران: 137]. والسنن جمع سنة ـــ وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم المرءُ صدور العمل على مثالها قال لبيد: شعر : من معشر سنَّت لهم آباؤهم ولكُلّ قوم سْنَّة وإمَامُهَا تفسير : وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي: شعر : فَلاَ تَجْزَعَنْ من سُنّة أنتَ سرْتها فأوّلُ راضٍ سنّةً من يَسيرها تفسير : وقد تردّد اعتبار أيمّة اللّغة إيّاها اسماً جامداً غير مشتقّ، أو اسم مصْدر سَنّ، إذ لم يرد في كلام العرب السَّنُّ بمعنى وضْع السنّة، وفي «الكشاف» في قوله: {أية : سنة اللَّه في الذين خلوا من قبل}تفسير : في سورة [الأحزاب:38]: سنة الله اسم موضوع موضع المصدر كقولهم تُرْباً وَجَنْدَلاً، ولعلّ مراده أنَّه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تُربا وجندلاً مُقام تَبَّاً وسُحْقاً في النصب على المفعولية المطلقة، الَّتي هي من شأن المصادر، وأنّ المعنى تراب له وجندل له أي حُصِب بتراب ورُجم بجندل. ويظهر أنَّه مختار صاحب القاموس لأنَّه لم يذكر في مادّة سَنّ ما يقتضي أنّ السنّة اسم مصدر، ولا أتى بها عقب فعل سَنّ، ولا ذكر مصدراً لفعل سنّ. وعلى هذا يكون فعل سنّ هو المشتقّ من السنّة اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة، وهو اشتقاق نادر. والجاري بكثرة على ألسنة المفسّرين والمعربين: أنّ السنّة اسم مصدر سَنّ ولم يذكروا لِفعل سَنّ مصدراً قياسياً. وفي القرآن إطلاق السنّة على هذا المعنى كثيراً: {أية : فلن تجد لسنة اللَّه تبديلاً}تفسير : [فاطر: 43] وفسّروا السنن هنا بسنن الله في الأمم الماضية. والمعنى: قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هى عادة الله في الخلق، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتّقين المحقّين، ولذلك قال: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم. وفي الآية دلالة على أهميِّة علم التَّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها. قال ابن عرفة: «السير في الأرض حسّي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره». وإنَّما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين مَن كانوا أمِّيين، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علماً وتقوّي عِلْم من قرأ التَّاريخ أو قصّ عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قد خلت: خلت: مضت. سنن: جمع سنة وهي السيرة والطريقة التي يكون عليها الفرد أو الجماعة، وسنن الله تعالى في خلقه قانونه الماضي في الخلق. فسيروا في الأرض: الأمر للإرشاد، للوقوف على ديار الهالكين الغابرين لتعتبروا. عاقبة المكذبين: عاقبة أمرهم وهي ما حل بهم من الدمار والخسار كعاد وثمود. هذا بيان للناس: أي ما ذكر في الآيات بيان للناس به يتبينون الهدى من الضلال وما لازمهما من الفلاح، والخسران. موعظة: الموعظة الحال التي يتعظ بها المؤمن فيسلك سبيل النجاة. ولا تهنوا: لا تضعفوا. قرح: القرح: أثر السلاح في الجسم كالجرح، وتضم القاف فيكون بمعنى الألم. الأيام: جمع يوم والليالي معها والمراد بها ما يجريه الله من تصاريف الحياة من خير وغيره وإعزاز وإذلال. شهداء: جمع شهيد وهو المقتول في سبيل الله وشاهد وهو من يشهد على غيره. ليمحص: ليخلص المؤمنين من أدران المخالفات وأوضار الذنوب. ويمحق: يمحو ويذهب آثار الكفر والكافرين. معنى الآيات: لما حدث ما حدث من انكسار المؤمنين بسبب عدم الصبر، والطاعة اللازمة للقيادة ذكر تعالى تلك الأحداث مقرونة بفقهها لتبقى هدى وموعظة للمتقين من المؤمنين وبدأها بقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} فأخبر تعالى المؤمنين بأن سننه قد مضت فيمن قبلهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم فقد أرسل الله تعالى إليهم رسله فكذبوهم فأمضى تعالى سننه فيهم فأهلك المكذبين وأنجى المؤمنين بعد ما نالهم من أذى أقوامهم المكذبين، وستمضي سنته اليوم كذلك، فينجيكم وينصركم ويهلك المكذبين أعداءكم. وإن ارتبتم فسيروا في الأرض وقفوا على آثار الهالكين، وانظرو كيف كانت عاقبتهم،ثم قال تعالى: هذا الذي ذكرت في هذه الآيات بيان للناس يتبينون به الحق من الباطل والهدى من الضلال، وهدى يهتدون به إلى سبيل السلام وموعظة يتعظ بها المتقون لاستعدادهم بإيمانهم وتقواهم للإتعاظ فيطيعون الله ورسوله فينجون ويفلحون هذا ما تضمّنته الآيتان الأولى [137] والثانية [138] وأما الآيتان الثالثة [139] والرابعة [140] فقد تضمنتا تعزية الرب تعالى للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد إذ قال تعالى مخاطباً لهم {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا فتقعدوا عن الجهاد والعمل، ولا تحزنوا على ما فاتكم من رجالكم، وأنتم الأعلون أي الغالبون لأعدائكم المنتصرون عليهم، وذلك فيما مضى وفيما هو آتٍ مستقبلا بشرط إيمانكم وتقواكم واعلموا أنه إن يمسسكم قَرْح بموت أو جراحات لا ينبغي أن يكون ذلك موهناً لكم قاعداً بكم عن مواصلة الجهاد فإن عدوكم قد مسّه قَرْح مثله وذلك في معركة بدر، والحرب سِجَال يومٌ لكم ويومٌ عليكم وهي سنة من سنن ربكم في الحياة هذا معنى قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} ثم بعد هذا العزاء الكريم الحكيم ذكر تعالى لهم علَّة هذا الحدث الجَلَل، والسر فيه وقال: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي ليظهر بهذا الحادث المؤلم إيمان المؤمنين وفعلا فالمنافقون رجعوا من الطريق بزعامة رئيسهم المنافق الأكبر عبد الله بن أبي بن سلول، والمؤمنون واصلوا سيرهم وخاضوا معركتهم فظهر إيمانهم واتخذ الله منهم شهداء وكانوا نحواً من سبعين شهيداً منهم أربعة من المهاجرين وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصعب بن عمير، والباقون من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين. وقوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي أوجد هذا الذي أوجده في أحد من جهاد وانكسار تخليصا للمؤمنين من ذنوبهم وتطهيراً لهم ليصفوا الصفاء الكامل، ويمحق الكافرين بإذهابهم وإنهاء وجودهم. إن هذا الدرس نفع المؤمنين فيما بعد فلم يخرجوا عن طاعة نبيهم، وبذلك توالت انتصاراتهم حتى أذهبوا ريح الكفر والكافرين من كل أرض الجزيرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عاقبة المكذبين بدعوة الحق الخسار والوبال. 2- في آي القرآن الهدي والبيان والمواعظ لمن كان من أهل الإِيمان والتقوى. 3- أهل الإِيمان هم الأعلون في الدنيا والآخرة. 4- الحياة دول وتارات فليقابلها المؤمن بالكر والصبر. 5- الفتن تمحص الرجال، وتودي بحياة العاجزين الجزعين.

القطان

تفسير : خلت: مضت. سنن: مفردها سنّة، وهي الطريقة، وتأتي بمعنى الأمم ايضا. فيكون المعنى: لقد مضى من قبلكم أيها المؤمنون كثير من الأمم السالفة، كذّبوا رسله وجحدوا نبوّتهم، كعاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط الذين أهلكهم الله بأنواع العذاب، فبقيت لهم آثار في الديار فيها أعظم الاعتبار والاتعاظ، فسيروا في الأرض وانظروا الى آثارهم وديارهم الخاوية وتأملوا ما حلّ بهم. فان أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقِبتُكم الصلاح، وان سلكتم سبيل المكذِّبين مثلهم كان حالكم كحالهم. والمراد ان مشيئة الله في خلقه تسير على سنن حكيمة، من سار عليها ظفر، ومن خرج عنها خسر. وعلى هذا فلا عجب ان ينهزم المسلمون يوم أُحُد، بعد ان ركبهم الغرور وخالفوا النظام الذي عيّنه لهم رسول الله. وفي الذي تقدم بيان للناس كافة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة. فهو يرشد الى أنَّ سنن الله حاكمة على الانبياء والرسل كما هي حاكمة على سائر خلقه. أما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما تنطبق عليها من الوقائع، فيسيرون على النهج السوي، ويتجنّبون نتائج الاهمال التي تظهر لهم مضرّةُ عاقبتها. وفي الآية اللاحقة جاء ما يسلّي المؤمنين عما أصابهم من الهزيمة في وقعة أُحد ويقول لهم: ان انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنَّة الثابتة بل مجرد حادث عابر.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} (137) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بَعْدَ مُصَابِهِمْ فِي وَقْعَةِ أحُدٍ فَيَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ جَرَى عَلَى أتْبَاعِ الأنْبِياءِ السَّابِقِينَ مِنَ الأمَمِ الغَابِرَةِ نَحْوٌ مِمَّا جَرَى لَكُمْ يَوْمَ أحُدٍ، فَأُصِيبُوا وَقُتِلُوا وَهُزِمُوا.. وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ كَانَتْ لَهُمْ، وَالدَّائِرَةَ كَانَتْ عَلَى الكَافِرِينَ... وَهَذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ أنَّهُ مَا التَقَى الإِيمَانُ وَالشِّرْكُ إلاّ نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ، وَأعْلَى رَايَةَ الإِيْمَانِ، وَهَزَمَ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَنَكَّسَ أَعْلاَمَهُ. وَأجْدَرُ النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ فَسِيرُوا يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ فِي الأرْضِ، وَتَأَمَّلُوا فِيمَا حَلَّ بِالأمَمِ السَّابِقَةِ. السُنَنُ - جَمْعُ سُنّةٍ - الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ. خَلَتْ - مَضَتْ. العَاقِبَةُ - النِّهَايَةُ وَالمَصِيرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي أنتم لستم بدعاً في هذه المسألة. و"خلت" تعني "مضت"، أي حصلت واقعاً في أزمان سبقت هذا الكلام. وعادة فالأخبار التي يتكلم بها الإنسان مرة تكون خبراً يحتمل الصدق والكذب، لكن هذه المسألة لا تحتاج إلى صدق أو كذب؛ لأن الواقع ليس أمراً مستقبلاً، ولكنه أمر قد سبق، فبمجرد أن يجيء الكلام لا ننتظر واقعاً يؤكد صدق الكلام، لأنَّ الواقع قد حدث من قبل، فيقول سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]. والسنن هي الطرق التي يصرف الله بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون؛ ليضمن للإنسان - السيد في هذا الكون - ما يحقق مصلحته، ومصلحة الإنسان تتمثل في أن يسود الحق في حياة الإنسان المختار كما ساد الحق في الكون المسيّر قبل الإنسان. وقد قلنا إن في هذا الكون تسخيراً: أي لا إرادة له، لا إرادة للجماد ولا للنبات. ولا للحيوان في أن تفعل الخير لك أو لا تفعل. فلم يحدث أن جاء إنسان لأرض صالحة للزراعة، ووضع فيها بذوراً، فلم تنبت الأرض وقالت له: لن أعطيك، ولم تقل الأرض يوماً عن إنسان: إنه كافر فلن أعطي له الرزق. إن الأرض مسخرة لخدمة الإنسان ما دام يأخذ بأسبابها؛ فهي تؤدي له. والحيوانات أيضاً مسخرة لخدمتك لا باختيارك، ولا بقدرة تسخيرك لها، ولكن بتسخير الله لها أن تفعل. وقلنا: إن الإنسان قد تكون عنده مطية، مثل بعض الفلاحين، فمرة يجعلها صاحبها تحمل أكوام السباخ من روث الحيوان وفضلاته، وبعد ذلك يلوح له أن يخرجها من عملها هذا ويجعلها ركوبة له، ويدللها بالأشياء التي تعرفونها من لجام جميل وسرج أجمل، ويرفهها في حياتها وينظفها. هل في الحالة الأولى امتنعت المطية عن حمل السباخ أو امتنعت في الحالة الثانية عن حمل الإنسان؟ لا؛ أنت تسيرها مثلما تريد أنت، فليس لها اختيار. ولا النبات له اختيار، ولا الجماد له اختيار، ولا الحيوان أيضاً، إنما الاختيار للإنسان. وقد حكم الله اختيار الإنسان بمقادير يكون الإنسان مسخراً فيها حتى لا يظن أنه استقل بالسيادة فأصبحت له قدرة ذاتية. والحق يحكم الإنسان بأشياء يجعلها قهرية على الإنسان كي يظل في إطار التسخير. ويترك الحق للإنسان أشياء ليبقى له فيها الاختيار. فإذا ما نظرنا إلى الكون وجدنا أن ما لا اختيار فيه لشيء يسير على أحدث نظام ولا تصادم فيه، والذي فيه اختيار للإنسان هو الذي يختل، لماذا؟. لأن الإنسان قد يختار على غير منهج الذي خَلَق وهو الله - سبحانه وتعالى - فإذا أردت أن يستقيم لك الأمر أيها المختار فاجعل اختيارك في إطار منهج الله. وحين تجعل اختيارك في إطار منهج الله تكون قد أصبحت سويًّا كبقيّة الأجناس وتسير الأمور معك بانتظام. وعندما تقارن بين شيء للإنسان فيه اختيار وعمل، وشيء لا اختيار للإنسان فيه ولا عمل، فأنت تجد أن الشيء الذي لا اختيار للإنسان فيه مستقيم الأمر، ولا خلاف فيه أبداً، أما الشيء الذي فيه اختيار للإنسان، فأنت تجد فيه الخلاف. مثال ذلك: لو نظرنا إلى وسيلة مواصلات من الحيوانات كالجمال أو الخيل أو الحمير، فإننا نجدها تسير في طريق واحد، وتتقابل جيئة وذهاباً فلا يحدث تصادم بين حمار وحمار، ولا قتل لراكب أحد الحمارين. إن الحيوانات يتفادى ويتحامى بعضها بعضاً حتى لو كان الراكب نائماً. ومهما كان الطريق مزدحماً فالحيوانات لا تتصادم؛ لأن ذلك من نطاق تسخير الحق للحيوان. ولننظر إلى الإنسان حين تدخَّل ليصنع وسيلة مواصلات، صنع الإنسان ألوان السيارات، يقودها الإنسان، ومع أن الإنسان هو الذي يقود السيارات، وبرغم ذلك بدأت تأتي المخالفات والمصادمات والحوادث؛ لأن للإنسان يداً في ذلك. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يدلك على أن ما خلق مسخراً بأمر الله وتوجيهه لا يتأتى منه فسادٌ أبداً، إنما يتأتى الفساد مما لك فيه اختيار، فحاول أن تختار في إطار منهج الله. فعندما يقول الحق لك: "افعل كذا ولا تفعل كذا" فعليك أن تصدق وتطيع؛ لأن الحق سبحانه عندما سخر الأشياء للإنسان سارت بانتظام رائع، وأنت أيها العابد عندما تطيع الله فإن الأمور في حياتك تمشي بيسر. ولذلك قلنا: إن الناس لم تشتك قط أزمة شمس, ولم يشتكوا أزمة هواء، لكن لماذا اشتكوا أزمة طعام؟ إن الإنسان له دخل في إنتاج الطعام. فما للإنسان فيه دخل يجب أن يحكمه قانون التكليف من الله: "افعل كذا ولا تفعل كذا". الكون مخلوق بحق. ومعنى أنه مخلوق بحق أن كل شيء في الوجود يؤدي مهمته كما أرادها الله، وكما سُخِّر من أجله, إذا ما قام الإنسان بتنفيذ التكليف فكل شيء يسير بحق. وإن ترك الإنسان التكليف وأخذ باختياره فإنه يصير إلى باطل ونتج ما هو باطل، والكون مبني على الحق: {أية : مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الدخان: 39]. إن الحق جعل للكون قضايا ثابتة، فلا شيء يعتدي على شيء آخر أبداً. واختيار الإنسان هو الذي يأتي بمقابل الحق وهو الباطل، ولذلك يصون الله الكون بأن يبين أن الحق يصطدم بالباطل، والباطل يصطدم بالحق لكن الحق يجيء ويبقى، والباطل يزهق ويزول، ويظهر الله لنا ذلك أمام أعيننا يقول تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}تفسير : [الإسراء: 81]. إذن فقوله سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137] يعني: اعتبروا بما سبقكم وانظروا إلى اصطدام الباطل بالحق، أدام وبقى اصطدام الباطل بالحق؟ لا؛ لأن الباطل كان زهوقا. ولذلك نحن نرى أمثلة عملية لذلك لا أقول في مواكب الناس بعضهم مع بعض، ولكن في موكب الباطل مع حق السماء. وحق السماء يمثله الرسل والمناهج التي جاءت من عند الله وكل حق جاء من السماء وجاء من مناهج الله قابله قوم مبطلون. لماذا؟ لأن السماء دائماً لا تتدخل إلا حين يشيع الفساد، وما دام الفساد يشيع فإن هناك طائفة منتفعة بالفساد، وهذه الطائفة المنتفعة بالفساد وبالباطل تدافع عنه وبعد ذلك يأتي موكب السماء ليصادم هذا الباطل والفئة المنتصرة للباطل، فتنشأ معركة، فقال الحق حينئذ: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]. قالها الحق لنعرف أن الباطل زهوق، وأن كل معارك أهل الأرض مع منهج السماء قد انتصر فيها الحق. ولذلك تأتي سورة العنكبوت لتبين لنا ذلك، بداية من قوله سبحانه: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}تفسير : [العنكبوت: 36-37]. هذه هي الصورة الأولى، وتأتي الصورة الثانية:{أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ}تفسير : [العنكبوت: 38]. إذن فانظروا إلى مساكنهم الباقية لتدلكم على ما حدث لهم. والصورة الثالثة:{أية : وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ}تفسير : [العنكبوت: 39]. وساعة تسمع "وما كانوا سابقين". أي كأن هناك حاجة تلاحقهم، والذي يلاحقه شيء فإنه يحاول أن يسبقه، لكنهم لا يستطيعون. وتأتي السنن واضحة بعد ذلك: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 40]. إذن فصراع الحق والباطل قد تقدم ووقع في أمم قد سبقتكم وبقيت لها مساكن، فمن شاء أن يذهب إليها ليتأكد فليذهب، ولا تزال مدائن صالح، ولا تزال هناك آثار عاد، وكل مكان فيه أثر من الآثار. ولذلك يوضح الحق: فإن كنتم تريدون التأكد من ذلك فأنا قد أخبرت، ومن آمن بي فليصدق خبري، ولغير المؤمن ولمن يريد اطمئنان قلبه يقول سبحانه: {أية : فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}تفسير : [النحل: 36]. إن الحق سبحانه وتعالى يمثل صراع الحق - وهو الشيء الثابت - مع الباطل، وهذه القضية موجودة حتى فيما لا اختيار له. ويصنعها الحق فيهم، صراعاً بين حق وباطل فيما لا اختيار له لمصلحة الإنسان أيضاً. وقد جعل سبحانه الصراع بين الحق والباطل في أشياء ليست من الإنسان ولكنها تخدم الإنسان، وهذه نراها في الأمور العادية. أما في القيم فالحق يقول: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الرعد: 17]. إنه سبحانه أنزل من السماء ماء فسال في الأودية، والأودية كما نعرفها هي المكان المنحصر بين جبلين، فإذا نزلت الأمطار على الأعالي فإنها تنحدر إلى الأسفل وتسيل في الأودية. والوديان هي محل الخصب؛ لأن الغرين والطمى الذي ينزل من الجبال مع مياه المطر ويترسب ويصير تراباً خصباً يخرج منه الزرع. وكل وادٍ من الوديان يأخذ على قدر سعته، وباقي المياه يبحث له عن مسلك آخر، ولو إلى باطن الأرض، وذلك كان مظهراً مألوفاً في الجزيرة العربية, فعندما يأتي السيل فإن الأودية تمتلئ ماءً، كل وادٍ يأخذ على قدر سعته. {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} تفسير : [الرعد: 17] ونحن نراه في الحقول ونسميه "الريم" الذي يطفو على سطح الماء، ما الذي يحدث لهذا الريم؟ إنه يتجمع ويطفو ثم يركن ويميل جانباً. ألم تر القدْر بها لحم تفور؟. إننا نجد الريم قد طفا على السطح. وهذا الريم فيه أشياء خارجة عن عنصر الشيء الموجود في القدر، فإذا ما جاءت حرارة النار أخرجته على السطح، فإما أن يخرجه الإنسان خارج القدر، وإما أن يتركه فيتجمد على الجوانب وينتهي. ومن أين جاء هذا الزبد؟ إنه يأتي من الأرض, والأرض فيها أشياء كثيرة، كجذور النبات وبقايا ما حمله الهواء وتتخلل هذه الأشياء مسام الأرض، هذه الأشياء عندما توجد في المسام، وتأتي الجذور الصغيرة لتنمو فتعوقها عن أخذ غذائها؛ لذلك فعندما ينزل الحق الماء من السماء فإن الماء يجعل هذه الأشياء تطفو على السطح؛ ليجعل هناك منفذاً للجذور الصغيرة. وينزل الله المطر ليغسل التربة كلها، ويجعل هذه الأشياء تطفو؛ لأنها غثاء، ويطفو الغثاء. وساعة أن يطفو الغثاء فإياك أن تفهم أن ذلك علو، إنه علو إلى انتهاء، كذلك فورة الباطل. إياك أن تظن أن الزَبَد له فائدة، أو أنَّ ارتفاع الريم كان علواً على ما في القدر، لا. إنه تطهيرٌ لما في القدر أو الإناء، ولهذا قال الحق: {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} تفسير : [الرعد: 17]. وإن لم تذهب آثار الريم بحركة الماء التموجية فإنها ستذهب بطريقة أو بأخرى. ولننظر إلى الأشياء القذرة التي تلقى في البحر نجد أنها بعد مدة قد خرجت إلى الشاطئ. {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [المدثر: 31]. إنها تخرج على الشاطيء ويجمعها المكلفون بتنظيف الشاطئ. وإلا كيف تتم صيانة الماء؟ إنه سبحانه يجعل الماء ينظف نفسه بحركته الذاتية. إذن فالماء عندما ينزل سيلاً، فإنه ينقي التربة من العوائق التي تعوق غذاء الجذيرات الصغيرة، وقد لا يكتفي بعضنا بهذا المثل، فيضرب لنا الله مثلاً آخر: {أية : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الرعد: 17]. ونحن نرى هذه الحكاية عندما يضعون أي معدن في النار، فإن المعدن ينصهر ويصير كالعجينة وتخرج منه فقاقيع ونحن نسميها خبث المعدن وعندما نخرج الخبث من المعدن فانه يصير قوياً، إذن فالنار قد صهرت المعدن، وأخرجت منه الخبث الضار فيه، أو الذي يجعله لا يؤدي مهمته بكفاءة عالية، فأنا قد أصنع من الحديد درعاً قوية أو أريد أن أستخرج منه الصلب، وهذه العمليات معناها أننا نصْهر الحديد بالنار لنزيل خبثه ليزداد قوة. وكذلك الذهب والفضة ساعة نريد أن نخلصهما من هذه الآثار فإننا نصهرهما لنخرج منهما الأشياء الخارجة عنهما أي التي تختلط بهما وتشوبهما وهي ليست منهما. لماذا إذن يا ربيّ هذا التمثيل الحسي في المياه؟ والحلية التي لا تؤدي ضرورة، والمتاع وهو الذي يؤدي ضرورة؟ إنه سبحانه يقول: {أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الرعد: 17]. إن الحق كالماء، والحق كالنار، والماء يحمل الزبد الرابي بعيداً عن مسام الأرض، والنار تخرج الزبد والخَبث من المعادن، وتجعل المعادن خالصة للمنفعة المطلوبة لنا، كذلك يضرب الله الحق والباطل: {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} تفسير : [الرعد: 17]. وجفاءً أي مطروحاً مرمياً، {أية : وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الرعد: 17]. ذلك هو صراع الحق والباطل في المبادئ والقيم ويصوره الله في الأمور المادية. ومن العجيب أنه يصوره بمتناقضين ولكنهما متناقضان ويؤديان مهمة واحدة، ماء ونار، فإياك حين ترى شيئاً يناقض شيئاً أن تقول: هذا يناقض ذاك، لا لأن هذا الشيء مطلوب لمهمة، وذاك الشيء مطلوب لمهمة أخرى. إذن فقول الحق سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137] هو لفت لنا إلى صراع الحق مع الباطل، وأن الإنسان قد يرى الباطل مرة وله فورة وعلو، ونقول: هذا إلى جُفاء. وهذه سنة من سنن الحياة. وإن أردتم أن تتأكدوا منهما، فالتفتوا إلى دقة قول الحق تعالى: {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]. وهنا ملحظ عام، وملحظ خاص، الملحظ العام: أننا نفهم أن المقصود بذلك السير على الأرض، وتلك هي حدود رؤيتنا، لكن حين يتكلم الله فرؤية الله أشمل فهو الخالق لهذا الكون، ونحن ما زلنا نجهل جزيئات في هذا الكون، ولم نعرف بعضها إلا أخيراً، وخالق الكون هو الذي يعلم كل الخبايا. نحن نقول: إننا نسير على الأرض؛ لأننا كنا نفهم أن هذه الأرض ليس عليها إلاّ نحن فقط، ثم تبين لنا - بعد أن أخذ العلم حظه - أنه لولا وجود الهواء في الأرض لما صلحت للحياة. ولذلك فعندما تدور الأرض. فالهواء الذي حولها يدور معها ويسمونه الغلاف الجوي إذن فالغلاف الجوي جزء من الأرض وله امتداد كبير، فالإنسان عندما يسير فإنه يسير في الأرض، أما الذي يسير على الأرض فهو الذي يسير فوق الغلاف الجوي، أما السائر على اليابسة، والغلاف الجوي ما زال فوقه فهو يسير في الأرض لا على الأرض. وما دامت المسألة هي سنن تقدمت، ويريد الله منا أن نعتبر بالسنن المتقدمة، لذلك يقول لنا: {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْض} [آل عمران: 137] نسير بماذا؟. إما أن نسير بالانتقال، أو نسير بالأفكار؛ لأن الإنسان قد لا يملك القدرة على السير ويترك هذه المهمة للرحالة، والرحالة - مثلاً - هم الذين ذهبوا إلى جنوب الجزيرة، ورأوا وادي الأحقاف ووجدوا أن عاصفة رمل واحدة تطمر قافلة بتمامها. إذن ففيه عواصف وارت الكثير من الأشياء، فعاصفة واحدة تطمر قافلة. فكم من العواصف قد هبت على مرّ هذه القرون؟ والحق سبحانه يخبرنا بإرم ذات العماد فيقول:{أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}تفسير : [الفجر: 6-13]. إنه سبحانه يخبرنا أن إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد أي متفوقة على حضارة مصر القديمة. وهي عجيبة وفيها أكثر من عجيبة فأين هي الآن؟. وما دامت الرمال بعاصفة واحدة - كما قلنا - تطمر قافلة، فكم عاصفة مرت على هذه البلاد؟. ولذلك نجد أننا لا نزال جميعاً إلى الآن حين نريد أن ننقب عن الآثار فلا بد أن نحفر تحت الأرض. لماذا هذا الحفر وقد كانت هذه الآثار فوق الأرض؟ لقد غطتها العواصف الرملية. والمثال على ذلك: أنَّك تغيب عن بيتك شهراً واحداً وتعود لتجد من التراب الناعم ما يغطي أرض البيت على الرغم من إغلاق النوافذ. فماذا تجد من حجم التراب لو غبت عن بيتك عاماً، أو عامين، أو ثلاثة أعوام، رغم إحكام وإغلاق النوافذ والفتحات بالمطاط وخلافه؟ ولكن التراب الناعم يتسرب ويغطي الأثاث والأرض. وإذا كانت هذه الأمور تحدث في منازلنا فما بالك بالمنطقة التي فيها أعاصير وعواصف رملية؟ هل تطمر المدن أو لا؟ إن المدن والحضارات تطمر تحت الرمال؛ لذلك فعندما ننقب عن الآثار فنحن نحفر في الأرض، وهذا لون من السير في الأرض للرؤية والعظة. وحين يقول الحق: {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] فماذا يعني بعاقبة المكذبين؟ حين تكون أمة قد تحضرت حضارة كبيرة يقول عنها الحق:{أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ}تفسير : [الفجر: 6-12]. إن الذي أقام هذه الحضارات ألا يستطيع أن يجعل لهذه الحضارة ما يصونها؟ كيف يتم القضاء على هذه الحضارات الواسعة واندثارها وذهابها؟. لا بد أن ذلك يتم بقوة أعلى منها، فهذه الحضارات رغم تقدمها الرهيب لم تستطع أن تحفظ نفسها من الفناء. إنها القوة الأعلى منها، وهكذا نصدق قوله الحق: {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]. إنه القيّوم الذي يرى كل الخلق، فمن يطغى ويفسد فليلق النهاية نفسها. إذن فقوله سبحانه يحمل كل الصدق: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]. وبعد ذلك يقول الحق: {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} معناهُ مَضتْ. وسُنَنٌ: أَعْلامٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن سنن أهل السنن بقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى خص السائرين إلى الله تعالى بالمهاجرة عن الأوطان والمسافرة إلى البلدان؛ لمفارقة الخلان والأخدان ومصاحبة الإخوان غير الخوان، فيصبروا عن سنن أهل السنن فقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]؛ أي: أمم لهم سنن، {فَسِيرُواْ} [آل عمران: 137] على سنن أهل السنة، {فِي ٱلأَرْضِ} [آل عمران: 137]، نفوسكم الحيوانية بالعبور من أوصافها الدنية وأخلاقها الردية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية، وتتخلقوا بالأخلاق الربانية {فَٱنْظُرُواْ} [آل عمران: 137]؛ أي: ثم انظروا {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]؛ أي: صار حاصل أمر النفوس المكذبة بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية عند الوصول إليها. {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138]، أي: لأهل الغفلة والغيبة الناسين عهد الميثاق {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138]؛ لأهل الهداية والشهود الذاكرين للعهود الذين انقطعوا بالتجارب واتقوا عما سوى الله {وَلاَ تَهِنُوا} [آل عمران: 139]، يا سائرين إلى الله في السير إليه {وَلاَ تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139]، على ما فاتكم من تنعمات الدنيا والكرامات الأخروية {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]؛ يعني: وأنتم الأعلون من أهل الدنيا والآخرة في المقام عند ربكم إن كنتم مصدقين بهذه الأخبار تصديق الائتمار {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} [آل عمران: 140]، في أثناء السير من المجاهدات وأنواع البلاء والابتلاء {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ} [آل عمران: 140] من الأنبياء والأولياء، {قَرْحٌ} [آل عمران: 140] من المحن، {مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140]؛ أي: من المحن والبلاء والابتلاء والامتحان {نُدَاوِلُهَا} [آل عمران: 140] بين السائرين إلى يوماً نعمة ويوماً نقمة ويوماً منحة ويماً محنة، {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 140]، أي: لتحيزهم بالابتلاء والامتحان، ويجعلهم مستعدين لمقام الشهادة، {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ} [آل عمران: 140] يا مبتلون بالنعمة والنقمة في آثار السير {شُهَدَآءَ} [آل عمران: 140] أرباب الشهود والمشاهدة، {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]؛ يعني: الذين يصرفون استعدادهم في طلب غير الحق والسير إليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذه الآيات الكريمات، وما بعدها في قصة "أحد" يعزي تعالى عباده المؤمنين ويسليهم، ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم كثيرة، امتحنوا، وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين، فلم يزالوا في مداولة ومجاولة، حتى جعل الله العاقبة للمتقين، والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصلت الدولة على المكذبين، وخذلهم الله بنصر رسله وأتباعهم. { فسيروا في الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، وزال بذخهم وفخرهم، أفليس في هذا أعظم دليل، وأكبر شاهد على صدق ما جاءت به الرسل؟" وحكمة الله التي يمتحن بها عباده، ليبلوهم ويتبين صادقهم من كاذبهم، ولهذا قال تعالى: { هذا بيان للناس } أي: دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين. { وهدى وموعظة للمتقين } لأنهم هم المنتفعون بالآيات فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، وأما باقي الناس فهي بيان لهم، تقوم [به] عليهم الحجة من الله، ليهلك من هلك عن بينة. ويحتمل أن الإشارة في قوله: { هذا بيان للناس } للقرآن العظيم، والذكر الحكيم، وأنه بيان للناس عموما، وهدى وموعظة للمتقين خصوصا، وكلا المعنيين حق.