٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدين في آيات الله، ثم بيّن شرف آيات الله، وعلو درجة كتاب الله رجع إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة من أنهم {قَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } إلى قوله { أية : فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } تفسير : [فصلت: 5] فقال: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } وفيه وجهان: الأول: وهو الأقرب أن المراد ما تقول لك كفار قومك إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزّلة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } للمحقين {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } للمبطلين ففوض هذا الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى الثاني: أن يكون المراد ما قال الله لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه السورة أن المقصود من هذه السورة، هو ذكر الأجوبة عن قولهم {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل، ثم إنه تعالى ذكر جواباً آخر عن قولهم {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ } فقال: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ ءاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: أأعجمي بهمزتين على الاستفهام، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله، كقوله { أية : أأَنذَرْتَهُمْ } تفسير : [البقرة: 6] ونحوها على الاستفهام، وروي عن ابن عباس بهمزة واحدة، وأما القراءة بهمزتين: فالهمزة الأولى همزة إنكار، والمراد أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي. المسألة الثانية: نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت، قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية، وعندي أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتاباً منتظماً، فضلاً عن ادعاء كونه معجزاً؟ بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } وهذا الكلام أيضاً متعلق به، وجواب له، والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب، ويصح لهم أن يقولوا {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } أي من هذا الكلام {وفي آذاننا وقر } منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب، وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها، وفي آذانكم وقر منها، فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جواباً عن ذلك الكلام، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جداً. ثم قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }. واعلم أن هذا متعلق بقولهم {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } إلى آخر الآية، كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة، فبقي أن يقال إن كل من آتاه الله طبعاً مائلاً إلى الحق، وقلباً مائلاً إلى الصدق، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين، فإن هذا القرآن يكون في حقه هدىً شفاء. أما كونه هدىً فلأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل، وأما من كان غارقاً في بحر الخذلان، وتائهاً في مفاوز الحرمان، ومشغوفاً بمتابعة الشيطان، كان هذا القرآن في آذانه وقراً، كما قال: { أية : وفي آذاننا وقر } تفسير : [فصلت: 5] وكان القرآن عليهم عمى كما قال: { أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تفسير : [فصلت: 5]، {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ببيان القرآن، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه، وقرأ الجمهور {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } على المصدر، وقرأ ابن عباس عم على النعت، قال أبو عبيد والأول هو الوجه، كقوله {هُدًى وَشِفَاء } وكذلك {عَمًى } وهو مصدر مثلها، ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في {عَمًى } أجود فيكون نعتاً مثلهما، وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع، وإن سمع لم يفهم، فكذا حال هؤلاء. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } وأقول أيضاً إن هذا متعلق بما قبله، كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه، فقبله بعضهم ورده الآخرون، فكذلك آتيناك هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده الآخرون، وهم الذين يقولون {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } يعني في تأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، كما قال: { أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ } تفسير : [القمر: 46] {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع بمن كذب وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب، فلا ينبغي أن تستعظم استيحاشك من قولهم {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }. ثم قال: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } يعني خفف على نفسك إعراضهم، فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا يُقَالُ لَكَ } من التكذيب {إِلاَّ } مثل {مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } للمؤمنين {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } للكافرين.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّا يُقَالُ لَكَ} من أنك ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو ما تخبر إلا بما يخبر به الأنبياء قبلك {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} الآية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ما يقال لك} من التكذيب {إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} فكما كذبت فقد كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر على أذى قومك إليك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} قال: من الأذى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: تعزية.
القشيري
تفسير : أصولُ التوحيدِ لا تختلف بالشرائع؛ فجوهرُها في الأحكام واحد: هو أنه تجب موافقة أوامره، واجتناب مزاجره. ثم إن الله تعالى قال في كل كتابٍ، وشَرَعَ لكل أمة أَنْ يعرفوا أنه للمطيعين مُثيبٌ، وللكافرين ذو عذابٍ شديد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما يقال لك} الخ تسلية لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عما يصيبه من اذية الكفار اى ما يقال فى شأنك وشأن ما انزل اليك من القرءآن من جهة كفار قومك {الا ما قد قيل للرسل من قبلك} الا مثل ما قد قيل فى حقهم وفى حق الكتب السماوية المنزلة عليهم مما لا خير فيه من الساحر والكاهن والمجنون والاساطير ونحوها {ان ربك لذو مغفرة} لانبيائه ومن آمن بهم {وذو عقاب اليم} لاعدآئهم الذين لم يؤمنوا بهم وبما انزل اليهم والتزموا الاذية وقد نصر من قبلك من الرسل وانتقم من اعدآئهم وسيفعل مثل ذلك بك وباعدآئك ايضا وفيه اشارة الى حال الاولياء ايضا فانهم ورثة الانبياء فلهم اعدآء وحساد يطلقون ألسنتهم فى حقهم باللوم والطعن بالجنون والجهل ونحو ذلك ولكنهم يصبرون على الجفاء والاذى فيظفرون بمراداتهم كما صبر الانبياء فظفروا وفى آية اخرى {أية : ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا} تفسير : اى ظاهرا بهلاك القوم او باجابة الدعوة وباطنا بالتخلق بالاخلاق الالهية مثل الصبر فانه نصر اى نصر اذ به يحصل المرام (وفى المثنوى) شعر : صد هزاران كيميا حق آفريد كيميايى همجو صبر آدم نديد تفسير : وبذلك ينقلب الانسان بالصبر من حال الى حال اخرى احسن من الاولى كما ينقلب النحاس بالاكسير فضة او ذهبا ودلت الآية على أنه ليس من الحكمة ان يقطع لسان الخلق بعضهم عن بعض الا ترى انه تعالى لم يقطع لسان الخلق عن ذاته الكريمة حتى قالوا فى حقه تعالى ان له صاحبة وولدا ونحو ذلك فكيف غيره تعالى من الانبياء والمرسلين والاولياء والمقربين فالنار لا ترتفع من الدنيا الا يوم القيامة وانما يرتفع الاحتراق بها كما وقع لابراهيم عليه السلام وغيره من الخواص فكل البلايا كالنار فبطون الاولياء وقلوب الصديقين فى سلامة من الاحتراق بها فانه لا يجرى الا ما قضاه الله تعالى ومن آمن بقضاء الله سلم من الاعتراض والانقباض وهكذا شأن الكبار نسأل الله الغفار السلامة من عذاب النار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ما يُقال لك} أي: ما يقول لك كفار قومك {إِلا ما قدْ قيلَ للرسل مِن قبلك}؛ إلا مثل ما قال للرسل كفارُ قومهم، من الكلمات المؤذية، والمطاعن في الكتب المنزلة، فاصبر كما صبروا، {إِن ربك لذو مغفرةٍ} ورحمة لأنبيائه {وذو عقابٍ أليمٍ} لأعدائهم، وقد نصر مَن قبلك مِن الرسل، وانتقم مِن أعدائهم، وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك، و: {ما يُقال لك} من الوحي وتخاطب به من جهته تعالى، {إِلا ما قد قيل للرسل} وأوحي إليهم، فلست ببدع منهم {إِن ربك لذو مغفرة} لمَن صدق وحيه، {وذو عقاب أليم} لمَن كذب. {ولو جعلناه} أي: الذكر {قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصِّلتْ آياتهُ} أي: هلاَّ بُيّنت بلسان العرب حتى نفهمها، كانوا يقولون: لتعنتِهم: هلاّ نزل القرآن بلغة العجم! فقيل لهم: لو كان كما تقترحون لقلتم: هلاّ بُيّنت آياته بلغتنا لنفهمه، {أأعجميٌّ وعربيٌّ}، بهمزتين الأولى للإنكار، يعني: لو نزل بلغة العجم لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ والأعجمي: الذي لا يفصح ولا يُفهم كلامه، سواء كان من العجم أو من العرب، والعجمي: منسوب إلى أمة العجم، فصيحاً كان أو غير فصيح، ومَن قرأ بهمزة واحدة، فالمعنى: هلاَّ فُصّلت آياته فيجعل بعضها أعجمياً لإفهام العجم، وبعضها عربيّاً لإفهام العرب، فيكون معنى "فُصِّلت": نُوِّعَت. وقُرىء "أعجمي" بفح العين، ويتجه على كونهم طعنوا فيه من أجل ما فيه من الكلمة العجمية، كـ {أية : سِجِّينٍ} تفسير : [المطفِفين: 7] و {أية : إِسْتَبْرَقٍ} تفسير : [الكهف: 31]، فقالوا: فيه أعجمي وعربي، مخلط من كلام العرب وكلام العجم، وأيّاً ما كان فالمقصود: أن آيات الله ـ عزّ وجل ـ على أيِّ طريق جاءتهم وجدوا متعنتاً يتعلّلون به؛ لأنهم غير طالبين للحقِّ، وإنما يتعبون أهواءهم. {قل هو للذين آمنوا هُدًى} يهديهم إلى الحق، {وشفاءٌ} لما في الصدور من شك وشبهة؛ إذ الشك مرض. {والذين لا يؤمنون} به {في آذانهم وَقْرٌ} أي: صمم، فالموصول: مبتدأ، والجار: خبره، وقيل: في موضع الجر، بدل من (الذين آمنوا) أي: هو للذين آمنوا هُدىً وللذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، إلا أن فيه عطفاً على عاملين، وهو جائز عند الأخفش. {وهو} أي: القرآن {عليهم عَمىً} ظلمة وشبهة، {أولئك} البعداء الموصوفون بما ذكر من التعامي عن الحق الذي يسمعونه، والتعامي عن الآيات الظاهرة التي يشاهدونها، {يُنادَوْنَ من مكان بعيدٍ} يعني: أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم، كأنهم يُنادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون، لبُعد المسافة، وهو تمثيل لحالهم بحال مَن يُنادي من مسافة بعيدة؛ لا يكاد يسمع من مسافتها الأصوات، وقيل: ينادون في القيامة من مكان بعيد بأقبح الأسماء. الإشارة: ما يُقال لك أيها المتوجه أو الوليّ، إلا ما قد قيل لِمن قبلك من المنتسبين، فقد أُوذِي مَن قبلك من أهل النسبة بأنواع الإذايات؛ من ضربٍ وقتلٍ وسجنٍ، وغير ذلك، ففيهم أُسوة لمن بَعدهم، {إِن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم}. ومما جرت عادة الله في خلقه ألا يُسَلِّموا لأحياء عصرهم ما نطقوا به من حِكَم، وأَتَوا به من علوم، ولو بلغت من البلاغة ما بلغت، كما وقع مِن طعن الكفرة في القرآن، على أيّ وجه جاء، وهي نزعة جاهلية. وقوله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}، قال الورتجبي: هُدىً، لقلوب العارفين إلى معدنه، وهو الذات القديم، وشفاء لقلوب العاشقين، وأرواح مرضى المحبة وسُقمى الصبابة، فلأنه خطاب حبيبهم، وكتاب مشوقهم، يستلذُّونه من حيث العبارات، ويعرفونه من حيث الإشارات. هـ. وقوله تعالى: {في آذانهم وقر} قال ذو النون: من وُقِر سمعُه وأصم عن نداء الحق في الأزل، لا يسمع نداءه عند الإيجاد، وإن سمعه كان ذلك عليه عمىً، ويكون عن دقائقه بعيداً، وذلك أنهم نُودوا عن بُعد، ولم يكونوا بالقرب. هـ. فكل مَن قرأه ذاهلاً عن تدبُّره بوساوس نفسه، فهو ممن نُودي في الأزل عن بُعد. وبالله التوفيق. ولما ذكر بيان القرآن؛ أتبعه بذكر التوراة، تسليةً أيضاً، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ}.
الجنابذي
تفسير : {مَّا يُقَالُ لَكَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّ محمّداً (ص) قال: ما افعل بهم وبما يقولون فى حقّى او فى حقّ علىٍّ (ع)؟ - فقال تعالى تسلية له: ما يقال لك {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} فيغفر لهم كثير اقوالهم ولا يؤاخذهم بما يقولون فتأسّ بهم واغفر لهم {وَذُو عِقَابٍ} فيؤاخذهم بمعاصيهم فلا تعجل لمؤاخذتهم {أَلِيمٍ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} كأنّهم قالوا بينهم او لمحمّدٍ (ص): لو كان من عند الله لكان بلسانٍ مغايرٍ للسان البشر، وقد قيل: انّه جواب لقولهم هلاّ نزل هذا القرآن بلغة العجم؟ {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} يعنى لولا نزلت بلغتنا حتّى نفهمه؟ {ءَاعْجَمِيٌّ} يعنى لقالوا ءاعجمىّ؟ {وَ} المخاطب، او المنزل عليه {عَرَبِيٌّ} والاعجمىّ هو الّذى لا يفهم كلامه، ويقال لكلامه ايضاً اعجمىّ وقرئ اعجمىّ بفتح العين وهمزة واحدة {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ} من حيث سماع المعنى والاعراض منه {وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} غير مفهوم لهم يقول للكلام الّذى لا يفهم معناه عمىً ومعمّىً {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} يعنى هذه الفرقة ينادون بهذا الكتاب من مكانٍ بعيدٍ لا يصل النّداء اليهم لانّ الكتاب نزل من مقامٍ عالٍ الى صدرٍ منشرحٍ بالاسلام وهؤلاء فى غاية البعد من مقام الصدر المنشرح بالاسلام لوغولهم فى البهيميّة والسّبعيّة والشّيطنة.
اطفيش
تفسير : {مَّا يُقَالُ لَكَ} من ألسنة كفار قومك {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} بألسنة أقوامهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة والوحي وهذا تسلية للنبي أو ما يقال لك من الله الا مثل ما قد قيل منه للرسل من التوحيد ونحوه* {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} للتائبين* {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لمن أصر على الكفر وقيل ذو مغفرة ورحمة لأنبيائه وذو عقاب أليم لأعدائهم ويجوز أن يكون قوله (إِنَّ رَبَّك) الى آخره مراد به لفظه بدلاً من ما قد قيل أي ما قيل لك (الا ان ربك).. الخ أي ما أوحى اليك والى الرسل الا وعد للمؤمنين بالمغفرة وللكافرين بالعقوبة والقصد تخويف العصاة أو أنه ذو مغفرة وذو عقاب فمن حقه أن يرجوه المطيع ويخافه العاصي
اطفيش
تفسير : {ما يُقال لَك إلا ما قَد قِيل للرُّسل مِنْ قبْلِك} من التوحيد والطاعة والأمر بهما، فكذبهم أقوامهم كما كذبك قومك، فاصبر كما صبروا، أو ما قيل للرسل من قبلك من الوعد بالنصر فى الدنيا والآخرة، والانتقام من الأعداء فيهما، والقائل الله، أو ما قيل للرسل من قبلك من التكذيب والشتم، فالقائل الكفار كقوله تعالى: "أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون" تفسير : [الذاريات: 52] وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما قيل للرسل هو قوله تعالى: {إنَّ ربَّك لذُو مغْفرةٍ} لذنوب الناس التائبين من التكذيب لهم والعناد. {وذُو عقابٍ أليمٍ} للمصرين منهم على التكذيب، وذلك للمسلمين نصرة، وعليه فالجملة بدل من ما، لأن المراد اللفظ، وعلى غيره يكون المراد ذو مغفرة للمؤمنين، وذو عقاب للكافرين هكذا، ولم يقل شديد مع مع أنه انسب بقوله: {حميد} وقوله: {مجيد} للايماء الى أن تراكيب القرآن ليست كالأسجاع والخطب، وأن حسنة ذاتى، والنظر فيه الى المعانى دون الألفاظ كما يأتى فيه كثيرا ما يشبه الايطاء.
الالوسي
تفسير : {مَّا يُقَالُ لَكَ } إلى آخره تسلية له صلى الله عليه وسلم عما يصيبه من أذية الكفار من طعنهم في كتابه وغير ذلك، فالقائل الكفار أي ما يقول كفار قومك في شأنك وشأن ما أنزل إليك من القرآن {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ } أي مثل ما قد قال الكفرة السابقون {لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } من الكلام المؤذي المتضمن للطعن فيما أنزل إليهم، وهذا نظير قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } تفسير : [الذاريات: 52]. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } قيل: تعليل لما يستفاد من السياق من الأمر بالصبر كأنه قيل: ما يقال لك إلا نحو ما قيل لأمثالك من الرسل فاصبر كما صبروا إن ربك لذو مغفرة عظيمة / لأوليائه وذو عقاب أليم لأعدائهم فينصر أولياءه وينتقم من أعدائهم، أو جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: إن ربك لذو مغفرة لأوليائه وذو عقاب أليم لأعدائهم وقد نصر لذلك من قبلك من الرسل عليهم السلام وانتقم من أعدائهم وسيفعل ذلك بك وبأعدائك أيضاً، وجوز أن يكون القائل هو الله تعالى والمعنى على ما سمعت عن أبـي حيان وقد جعل هذه الجملة خبر {إِن} أي ما يوحي الله تعالى إليك في شأن الكفار المؤذين لك إلا مثل ما أوحي للرسل من قبلك في شأن الكفار المؤذين لهم من أن عاقبتهم سيئة في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالعذاب الأليم فاصبر إن ربك الخ، وقد يجعل {إِنَّ رَبَّكَ } الخ باعتبار مضمونه تفسيراً للمقول فحاصل المعنى ما أوحي إليك وإلى الرسل إلا وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة دون العكس الذي يزعمه الكفرة بلسان حالهم فاصبر فسينجز الله تعالى وعده، وقيل: المقول هو الشرائع أي ما يوحي إليك إلا مثل ما أوحي إلى الرسل من الشرائع دون أمور الدنيا وقد جرت عادة الكفار بتكذيب ذلك فما عليك إذا كذب كفار قومك واصبر على ذلك، وجعل {إِنَّ رَبَّكَ } الخ تعليلاً لما يستفاد من السياق أيضاً، وجعله بعضهم تفسيراً لذلك المقول أعني الشرائع لأنها الأوامر والنواهي الإلهية وهي مجملة فيه، وفيه من البعد ما فيه، وإلى نحو ما ذكرناه أولاً ذهب قتادة. أخرح ابن أبـي حاتم عنه أنه قال في الآية: {مَّا يُقَالُ لَكَ } من التكذيب {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } فكما كذبوا كذبت وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر على أذى قومك لك، واختيار {أَلِيمٌ } على شديد مع أنه أنسب بالفواصل للإيماء إلى أن نظم القرآن ليس كالأسجاع والخطب وأن حسنه ذاتي والنظر فيه إلى المعاني دون الألفاظ، ويحسن وصف العقاب به هنا كون العقاب جزاء التكذيب المؤلم.
ابن عاشور
تفسير : {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}. استئناف بياني جواب لسؤال يثيره قوله: { أية : إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا } تفسير : [فصلت: 40]، وقوله: { أية : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } تفسير : [فصلت: 41] وما تخلل ذلك من الأوصاف فيقول سائل: فما بال هؤلاء طعنوا فيه؟ فأجيب بأن هذه سنة الأنبياء مع أممهم لا يعدمون معاندين جاحدين يكفرون بما جاءوا به. وإذا بنيت على ما جوزته سابقاً أن يكون جملة: {مَّا يُقَالُ} خبر { أية : إنّ } تفسير : [فصلت: 41] كانت خبراً وليست استئنافاً. وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بطريق الكناية وأمر له بالصبر على ذلك كما صبر من قبله من الرسل بطريق التعريض. ولهذا الكلام تفسيران: أحدهما: أن ما يقوله المشركون في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هو دأب أمثالهم المعاندين من قَبلهم فما صدقُ {مَا قَدْ قِيلَ للِرُّسُلِ} هو مقالات الذين كذبوهم، أي تشابهت قلوب المكذبين فكانت مقالاتهم متماثلة قال تعالى: { أية : أتواصوا به } تفسير : [الذاريات: 53]. التفسير الثاني: ما قُلنا لك إلا ما قلناه للرسل من قبلك، فأنت لم تكن بدعاً من الرسل فيكون لقومك بعض العذر في التكذيب ولكنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم، فمَا صدقُ: {مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسل} هو الدين والوحي فيكون من طريقة قوله تعالى: { أية : إن هذا لفي الصحف الأولى } تفسير : [الأعلى: 18]. وكلا المعنيين وارد في القرآن فيحمل الكلام على كليهما. وفي التعبير بــــ{ما} الموصولة وفي حذف فاعل القولين في قوله: {مَّا يُقَالُ} وقوله: {مَا قَدْ قِيلَ} نظم متين حمَّل الكلام هذين المعنيين العظيمين، وفي قوله: {إلاَّ ما قَدْ قِيل للرسل} تشبيه بليغ. والمعنى: إلا مثل ما قد قيل للرسل. واجتلاب المضارع في {مَا يُقَال} لإِفادة تجدد هذا القول منهم وعدم ارعوائهم عنه مع ظهور ما شأنه أن يصدهم عن ذلك. واقتران الفعل بــــ{قد} لتحقيق أنه قد قيل للرسل مثل ما قال المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم فهو تأكيد للازم الخبر وهو لزوم الصبر على قولهم. وهو منظور فيه إلى حال المردود عليهم إذ حسبوا أنهم جابهوا الرسول بما لم يخطر ببال غيرهم، وهذا على حد قوله تعالى: { أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } تفسير : [الذاريات: 52،53]. {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعد بأن الله يغفر له. ووقوع هذا الخبر عقب قوله: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} يومىء إلى أن هذا الوعد جزاء على ما لقيه من الأذى في ذات الله وأن الوعيد للذين آذوه، فالخبر مستعمل في لازمه. ومعنى المغفرة له: التجاوز عما يلحقه من الحزن بما يسمع من المشركين من أذى كثير. وحرف {إنَّ} فيه لإِفادة التعليل والتسبب لا للتأكيد. وكلمة {ذو} مؤذنة بأن المغفرة والعقاب كليهما من شأنه تعالى وهو يضعهما بحكمته في المواضع المستحقة لكل منهما. ووصف العقاب بــــ{أَلِيمٍ} دون وصف آخر للاشارة إلى أنه مناسب لما عوقبوا لأجله فإنهم آلموا نفس النبي صلى الله عليه وسلم بما عصوا وآذوا. وفي جملة: {إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرة وَذُو عِقَابٍ ألِيم} مُحسِّن الجمع ثم التقسيم، فقوله: {ما يقال لك} يجمع قائلاً ومقولاً له فكان الإِيماء بوصف (ذو مغفرة) إلى المقول له، ووصف {ذو عقاب أليم} إلى القائلين، وهو جار على طريقة اللف والنشر المعكوس وقرينة المقام ترد كُلاًّ إلى مناسبه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما يقال لك: أي من التكذيب أيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. إلا ما قد قيل للرسل من قبلك: أي من التكذيب لهم والكذب عليهم. إن ربك لذو مغفرة: أي ذو مغفرة واسعة تشمل كل تائب إليه صادق في توبته. وذو عقاب أليم: أي معاقبة شديدة ذات ألم موجع للمصرين على الكفر والباطل. ولو جعلناه قرءانا أعجمياً: أي القرآن كما اقترحوا إذ قالوا: هلا أنزل القرآن بلغة العجم. لقالوا: لولا فصلت آياته: أي بينت حتى نفهمها. أأعجمي وعربي: أي أقرآن أعجمي والمنزل عليه وهو النبي عربي يستنكرون ذلك تعنتاً منهم وعناداً ومجاحدة. هدى وشفاء: أي هدى من الضلالة، وشفاء من داء الجهل وما يسببه من أمراض. والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر: أي ثقل فهم لا يسمعونه هو عليهم عمى فلا يفهمونه. أولئك ينادون من مكان بعيد: والمنادي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادي له. ولقد آتينا موسى الكتاب: أي التوراة. فاختلف فيه: أي بالتصديق والتكذيب وفي العمل ببعض ما فيه وترك البعض الآخر كما هي الحال في القرآن الكريم. ولولا كلمة سبقت من ربك: أي ولولا الوعد بجمع الناس ليوم القيامة وحسابهم ومجازاتهم هناك. لقضي بينهم: أي لحكم بين المختلفين اليوم وأُكرم الصادقون وأُهين الكاذبون. وما ربك بظلام للعبيد: أي وليس ربك يا رسولنا بذي ظلم للعبيد. معنى الآيات: بعد توالي الآيات الهادية من الضلالة الموجبة للإِيمان كفار قريش لا يزيدهم ذلك إلا عناداً وإصراراً على تكذيب الرسول والكفر به وبما جاء به من عند ربه، ولما كان الرسول بشراً يحتاج إلى عون حتى يصبر أنزل تعالى هذه الآيات في تسليته صلى الله عليه وسلم وحمله على الثبات والصبر فقال تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ} يا رسولنا من الكذب عليك والتكذيب لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي لمن تاب فلذا لا يتعجل بإهلاك المكذبين رجاء أن يتوبوا ويؤمنوا ويوحدوا، وذو عقاب أليم اي موجع شديد لمن مات على كفره. وقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} أي كما اقترح بعض المشركين، لقالوا: لولا فصلت آياته أي هلاَّ بُينت لنا حتى نفهمها، ثم قالوا: أأعجمي وعربي أي أقرآناً عجمي ونبي عربي مُسْتَنكِرِينَ ذلك متعجبين منه وكل هذا من أجل الإِصرار على عدم الإِيمان بالقرآن الكريم والنبي الكريم وتوحيد الرب الكريم. ولما علم تعالى ذلك منهم أمر رسوله أن يقول لهم قل هو أي القرآن الكريم هدى وشفاء هدى يهتدي به إلى سبل السعادة والكمال والنجاح، وشفاء من أمراض الشك والشرك والنفاق والعجب والرياء والحسد والكبر، والذين لا يؤمنون بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد رسولاً هو أي القرآن في آذانهم وقر أي حمل ثقيل أولئك ينادون من مكان بعيد ولذا فهم لا يسمعون ولا يفهمون. هذه تسلية وأخرى في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي التوراة فاختلفوا فيه فمنهم المصدق ومنهم المكذب، ومنهم العامل بما فيه المطبق ومنهم المعرض عنه المتبع لهواه وشيطانه الذي أغواه وقوله تعالى {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} فيما اختلفوا فيه لحكم لأهل الصدق بالنجاة وأهل الكذب بالهلاك والخسران وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي من القرآن مريب أي موقع في الريبة وذلك من جراء محادته والمعاندة والمجاحدة، وقوله: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} وهذه تسلية أعظم فإن من عمل صالحاً في حياته بعد الإِيمان فإن جزاءه قاصر عليه ينتفع به دون سواه، ومن أساء أي عمل السوء وهو ما يسوء النفس من الذنوب والآثام فعلى نفسه عائد. سوءه الذي عمله ولا يعود على غيره، وأُخْرىَ في قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد أي ليس هو تعالى بذي ظلم لعباده. فقوله تعالى من عمل صالحاً فلنفسه عائد ذلك ومن أساء فعليها أي عائد الإِساءة إن فيه لتسلية لكل من أراد أن يتسلى ويصبر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول أي حمله على الصبر والسلوان ليواصل دعوته إلى نهايتها. 2- بيان مدى ما كان عليه المشركون من التكذيب للرسول والمعاندة والمجاحدة. 3- القرآن دواء وشفاء لأهل الإِيمان، وأهل الكفر فهم على العكس من أهل الإِيمان. 4- بيان سنة الله في الأمم السابقة في اختلافها على أنبيائها وما جاءتها به من الهدى والنور. 5- قوله تعالى {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أجرى مجرى المثل عند العالمين. 6- نفي الظلم عن الله مطلقاً.
د. أسعد حومد
تفسير : (43) - هَذِهِ الآيَةُ فُسِّرَتْ عَلَى وَجْهَينِ: 1 - مَا يُقَالُ لَكَ مِنَ التَّكْذِيبِ إِلاَّ كَمَا قَدْ قِيلَ لِمَنْ جَاءَ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ، فَكَمَا كُذِّبْتَ أَنْتَ، كُذِّبُوا هُمْ، وَكَمَا صَبَرُوا عَلَى أَذَى أقْوَامِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ فَاصْبِرْ أَنْتَ عَلَى أَذَى قَوْمِكَ وَتَكْذِيبِهِمْ لَكَ. 2 - إِنَّ رِسَالَةَ اللهِ لِرُسُلِهِ، وَاحِدَةٌ، وَمَبَادِئَ الدَّعْوَةِ التِي جَاءَ بِهَا الرُّسُلُ جَمِيعاً مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ وَاحِدَةٌ، وَالعَقِيدَةُ وَاحِدَةٌ، وَتَكْذِيبَ المُكَذِّبينَ وَاعْتِرَاضَاتِهِمْ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاحِدَةٌ. وَمِمَّا قِيلَ لِلرُّسُلِ، وَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ، وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ، لِتَسْتَقِيمَ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ فََيَطْمَعُوا فِي رَحْمَةِ اللهِ، وَيَحْذَرُوا عِقَابَهُ، وَيَخْشَوْا بَأْسَهُ، فَلاَ يَغْفلُوا عَنْ ذِكْرِهِ أبداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنت سيد الرسل، والرسل أُوذُوا، فلو كان الإيذاء على قَدْر المنزلة لكان إيذاء قومك لك أضعاف إيذاء الرسل السابقين، وما يُقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، فلسْتَ بدعاً في الرسل. والذي قيل للرُّسُل من قبلك: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173] وأنت يا محمد واحد منهم، فأبشر بنصر الله لك ولجندك ولمن تابعك. ويصح أيضاً أنْ يكون المعنى {مَّا يُقَالُ لَكَ} [فصلت: 43] أي: من أعدائك والمعاندين لك {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} [فصلت: 43] أي: من أعدائهم والمعاندين لهم. يعني: لا تحزن فهذه سنة الله في أهل الدعوات وحَمَلة الرسالات، وأنت واحد منهم فلا تُتعِبْ نفسك، ولا تُحمِّل نفسك في سبيل دعوتك ما لا تطيق. {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذاق حلاوة الإيمان بالله أحبه الناس جميعاً، وكانت عنده غيرة على ربه، يريد أن يسلم الناسُ جميعاً لا يفلت منهم أحد، ولا يشذ منهم عن الإيمان بالله أحد، لذلك كان يجهد نفسه وكثيراً ما عاتبه ربه على ذلك عتاب المحبِّ لحبيبه {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. وبيَّن له صلى الله عليه وسلم {أية : وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [العنكبوت: 18]. وكثيراً ما نرى القرآن الكريم يقصُّ على سيدنا رسول الله قصص الأنبياء السابقين تسليةً لرسول الله وتخفيفاً عنه، فسيدنا نوح - عليه السلام - عمّر في قومه يدعوهم إلى الله ألفَ سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل. وحكى القرآن عنه قوله: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} تفسير : [نوح: 5-7]. قوله: {أية : جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ} تفسير : [نوح: 7] مبالغة في الإعراض وسَدِّ الآذان عن السماع، فالذي يُوضع في الأذن الأنملة لا الأصبع، وأكثر من ذلك {وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} [نوح: 7] يعني: غطُّوا بها وجوههم، وبذلك سَدُّوا كل منافذ الإدراك والتلقي كأنهم لا يريدون سماعه ولا حتى رؤيته. إذن: اصبر يا محمد فلستَ جديداً في الإيذاء ولا في الإعراض والعناد. وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43] تأمل هذا الكلام الذي نُسميِّه (كلام سياسي) ويسميه العلماء (ترغيب وترهيب)، فالحق سبحانه وتعالى يراعي أحوال هؤلاء المعاندين لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويخاطبهم بما يناسب كلَّ الاحتمالات، فمَنْ عاد منهم إلى الحق وإلى الصراط المستقيم فبابُ التوبة مفتوح والله غفور رحيم، ومَنْ أصرَّ وتمادى في عناده فالله ذو عقاب أليم. وتلحظ هنا أن المغفرة سبقت العقاب، بل إن الحق سبحانه يَعِد مَنْ يؤمن ويَحسُنُ إيمانه أنْ يُكفِّر عنه ذنوبه، وأن يزيده بأنْ يُبدِّل سيئاته حسناتٍ تفضّلاً منه وكرماً، وكأن الحق سبحانه يُؤنس عباده ويُحنِّنهم إليه، وهو الغني عنهم. وتاريخ الإسلام حافلٌ بهؤلاء الذين صادموا الإسلام ودعوته وعاندوا رسول الله والمؤمنين معه، وكانوا ألدَّ الأعداء، ثم صاروا بعد ذلك حملة لوائه، وقدَّموا نفوسهم رخيصة في سبيله ولو أغلق الباب في وجوههم ما دخلوا في دين الله، وأنتم تعرفون قصة إسلام عمر وحمزة وعكرمة بن أبي جهل وخالد وعمرو وغيرهم ممَّنْ كانوا صناديد في الكفر. حتى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أخذوا دين الله على أنه دينٌ لا سلطة زمنية أنصفهم القرآن، فقال فيهم: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} تفسير : [آل عمران: 75]. وبعد ذلك يأتي القرآن ويحكم على أُنَاس أنهم لن يؤمنوا ولن يهتدوا، وهم في سَعَة الدنيا وفي وقت الاختيار، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومع ذلك ظلُّوا على كفرهم ولم يؤمنوا حتى نفاقاً، ولو رغبةً منهم في تكذيب القرآن لم يحدث. ومن هؤلاء أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي وراء رسول الله ويقول للناس: إنه كذاب، فحكم الله عليه بأنه سيموت على كفره، وأن مصير النار والعياذ بالله، وفيه نزلتْ: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. وقد سمع أبو لهب هذه السورة، وكان بوُسْعه أن يقف أمام نادي القوم وتجمُّعهم، ويقول بأعلى صوته: أشهد ألاَّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولو كذباً، لكنه لم يفعل لأن الله تعالى حكم عليه أنه لن يقولها أبداً. فالله تعالى {لَذُو مَغْفِرَةٍ} [فصلت: 43] لكل كافر ولكُل مُكذِّب ولكل معاند، رجع إلى الجادة وتاب وأناب {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43] لمن أصرَّ على كفره وتمادى في عناده ومصادمته لدعوة الحق. ولا يخفى أن الجمع بين المعنى وضده في موضع واحد سِمةٌ من سمات الأسلوب القرآني، لأن الضدَّ يُظهره الضد، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، وربك يخبرك ويترك لك أنْ تختار لنفسك دواعي المغفرة أو دواعي العقاب.
الجيلاني
تفسير : ثم أخذ سبحانه يسلي حبيبه صلى الله عليه وسلم ويزيل عنه أذى الكفرة الجهلة المعاندين معه بمقتضى آرائهم الباطلة وأهويتهم الفاسدة العاطلة فقال: {مَّا يُقَالُ لَكَ} أي: ما يقول لك كفار قومك ليس {إِلاَّ} مثل {مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ} الذين مضوا {مِن قَبْلِكَ} من قِبل قومهم، فصبروا على أذاهم حتى ظفروا عليهم وانتصروا، فاصبر أنت أيضاً على أذى هؤلاء المعاندين حتى تظفر عليهم، وبعدما ظفرت يؤمنوا بك، ويصروا على عنادهم {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} على المؤمنين بك، يغفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، إن أخلصوا في إيمانهم {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43] على من تولى واستكبر، وأصرَّ على كفره ولم يؤمن. وبعدما قدح كفار مكة في شأن القرآن، وقالوا: هلا نزل بلغة العجم كالكتب السالفة، مع أنه لم يعهد منه سبحانه إنزال كتاب بلغة العرب قط، ورود الله عليهم هذا بقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ} أي: الذِكر المنزل عليك يا أكمل الرسل {قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ} في شأنه من شدة بغضهم وشكيمتهم معك {لَوْلاَ فُصِّلَتْ} أي: هلا أُضحت وبُيِّنت {آيَاتُهُ} بلسان نفقهها وندركها، مع أنه إنما أنزل إليك وإلينا ونحن لا نفهم لغة العجم، ثم يأخذون في القدح والاستهزاء بوجه آ×ر، ويقولون: {ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} يعني: أينزل كلام أعجمي من قبل الحق على سبيل الوحي على نبي عربي، لا شعور له بكلام العجم أصلاً ليرشد الأعراب به ويبين له ما فيه؟! كلا وحاشا، ما هذا إلا كذب مفترى، وبالجملة" لا يسكتون أولئكك المعاندون عن القدح والطعن فيه بحال. وبعدما وضح حالهم في التعنت والعناد {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل كلاماً خالياً عن وصمة المجادلة والعناد: {هُوَ} أي: القرآن {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} به، وامتثلوا بأوامره ونواهيه، وتنبهوا من رموزه وإشارته، واعتبروا من عبره وأمثاله وقصصه وأخباره {هُدًى} يهديهم إلى الحق الصريح، ويوصلهم إلى محض اليقين والتحقيق {وَشِفَآءٌ} لما في النفوس من الجهل، والأمراض العضال المورثة لهم من تقليد آبائهم وتخمينات وأوهام صناديدهم ورؤسائهم {وَ} المكابرون {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يصدقون نزوله، بل يكذبونه ويستهزئون مع من أنزل إليه، هو بالنسبة إليهم {فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ} مستقر وصمم شديد يصمهم عن استماع آياته الدالة على تهذيب الظاهر والباطن، بل {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} يعمي بصائرهم وأبصارهم عن رؤية الحق الظاهر في الأنفس والآفاق. وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء عن ساحة عز الحضور {يُنَادَوْنَ} إلى مقصد التوحيد {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44] بمراحل عن الوصول إليه؛ يعني: هم وإن جبلوا على نشأة التوحيد صورة، إلا أنهم حطوا عنها ولحقوا بمرتبة البهائم، بل صاروا أبعد منها وأنزل لذلك ينادون من مكان بعيد إن نودوا. {وَ} إن عاندوا معك يا أكمل الرسل، واختلفوا في كتابك بالتصديق والتكذيب لا تبالِ بهم وبردهم وقبولهم، فإنَّا {لَقَدْ آتَيْنَا} من كمال جودنا أخاك {مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة المشتمل على ضبط ظاهر الأحكام وبواطنه، حفظاً لهم وضبطاً لأمور معاشهم ومعادهم، ومع ذلك {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي: في حق التوراة وشأنه، فقلبه بعضهم، ورده الآخر مثلما يفعل هؤلاء الغواة بكتابك هذا، وليس هذه الديدنة ببدع من هؤلاء الجهلة، بل هي من عادتهم المستمرة وشيمتهم القديمة. {وَ} بالجملة: {لَوْلاَ كَلِمَةٌ} موعودة معهودة {سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} من أخذ الظالم منهم على ظلمه في يوم الجزاء {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: بأخذهم سبحانه بظلمهم، ويستأصلهم اليوم بالكلية بلا إمهال لهم لاستئصالهم بالأخذ والانتقام، لكن ثبت حكمه سبحانه على ما وعد وقضى؛ إذ ما يبدل القول لديه {وَإِنَّهُمْ} من كمال تماديهم في الغفلة والإعراض عن الحق واقتداره على وجوه الانتقام {لَفِي شَكٍّ} عظيم {مِّنْهُ} أي: من قضاء الله وحكمه المبرم في يوم الجزاء {مُرِيبٍ} [فصلت: 45] فيه ريباً منتهياً إلى الإنكار والتكذيب. وبالجملة: لا تبالِ يا أكمل الرسل بهم وبريبهم، وإنكارهم وطغيانهم، فاعلم أنه {مَّنْ عَمِلَ} من عموم عبادنا عملاً {صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} أي: صلاحه عائد إلى نسه، راجع إلى إصلاح حاله في معاده ومعاشه {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أي: رجع وبال إساءتها أيضاً على نفسها {وَ} بالجملة: {مَا رَبُّكَ} المنزه في ذاته عن طاعة المطيع وعصيان العاصي {بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] أي: لا ينقص من أجورهم المطيعني، ولا يزيد عن جزاء العاصين، بل يتفضل على أهل الطاعة فوق ما استحقوا بأعمالهم أضعافاً وآلافاً عناية منه وفضلاً، ويقتصر على أصحاب المعصية والضلال بجزاء ما افترقوا لأنفسهم عدلاً منه وقهراً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { مَا يُقَالُ لَكَ } أيها الرسول من الأقوال الصادرة، ممن كذبك وعاندك { إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ } أي: من جنسها، بل ربما إنهم تكلموا بكلام واحد، كتعجب جميع الأمم المكذبة للرسل، من دعوتهم إلى الإخلاص للّه وعبادته وحده لا شريك له، وردهم هذا بكل طريق يقدرون عليه، وقولهم: {أية : مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا }. تفسير : واقتراحهم على رسلهم الآيات، التي لا يلزمهم الإتيان بها، ونحو ذلك من أقوال أهل التكذيب، لما تشابهت قلوبهم في الكفر، تشابهت أقوالهم، وصبر الرسل عليهم السلام على أذاهم وتكذيبهم، فاصبر كما صبر من قبلك. ثم دعاهم إلى التوبة والإتيان بأسباب المغفرة، وحذرهم من الاستمرار على الغيّ فقال: { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } أي: عظيمة، يمحو بها كل ذنب لمن أقلع وتاب { وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لمن: أصر واستكبر.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 862 : 9 : 7 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} من الأذى. [الآية 43].
همام الصنعاني
تفسير : 2711- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثّوري، عن سهيل بن أبي صالح في قوله: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}: [الآية: 43]، قال: من الأذى. 2720- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}: [الآية: 43]، قال: يعزيه قال، يقول: قد قِيلَ للأنبياء ساحر، وشبه ذلِكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):