٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي آمن به قوم وكذب به قوم. والكناية ترجع إلى الكتاب، وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم. وقيل: الكناية ترجع إلى موسى. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} أي في إمهالهم. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي بتعجيل العذاب. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} من القرآن {مُرِيبٍ} أي شديد الريبة. وقد تقدّم. وقال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخّر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم. وقيل: تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين. قوله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ} شرط وجوابه وكذا {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}. والله جل وعز مستغن عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} نَفَى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً}تفسير : [يونس: 44] وروى العدول الثقات، والأئمة الأثبات، عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب جل جلاله: «حديث : يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا»تفسير : الحديث. وأيضاً فهو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه؛ إذ له التصرف في ملكه بما يريد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } بالتصديق والتكذيب كالقرآن {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } في الدنيا فيما اختلفوا فيه {وَإِنَّهُمْ } أي المكذبين به {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } مُوقع في الريبة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } هذا كلام مستأنف يتضمن تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يحصل له من الاغتمام بكفر قومه، وطعنهم في القرآن، فأخبره أن هذا عادة قديمة في أمم الرسل، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة إليهم، والمراد بالكتاب: التوراة، والضمير من قوله: {فِيهِ } راجع إليه. وقيل: يرجع إلى موسى، والأوّل أولى {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } في تأخير العذاب عن المكذّبين من أمتك كما في قوله: {أية : وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } تفسير : [النحل: 61] {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بتعجيل العذاب لمن كذب منهم {وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ } أي: من كتابك المنزّلّ عليك، وهو: القرآن، ومعنى الشك المريب: الموقع في الريبة، أو الشديد الريبة. وقيل: إن المراد اليهود، وأنهم في شك من التوراة مريب، والأوّل أولى {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ } أي: من أطاع الله، وآمن برسوله، ولم يكذّبهم، فثواب ذلك راجع إليه، ونفعه خاصّ به {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } أي: عقاب إساءته عليه لا على غيره {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }، فلا يعذبّ أحداً إلاّ بذنبه، ولا يقع منه الظلم لأحد كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا } تفسير : [يونس: 44] وقد تقدّم الكلام على معنى هذه الآية في سورة آل عمران عند قوله: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [آل عمران: 182]، وفي سورة الأنفال أيضاً. ثم أخبر سبحانه: أن علم القيامة، ووقت قيامها لا يعلمه غيره، فقال: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ }، فإذا وقع السؤال عنها وجب على المسئول أن يردّ علمها إليه لا إلى غيره، وقد روي أن المشركين قالوا: يا محمد إن كنت نبياً، فخبرنا متى تقوم الساعة؟ فنزلت. و {ما} في قوله: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا } نافية، و{من} الأولى للاستغراق، و{من} الثانية لابتداء الغاية. وقيل: هي موصولة في محلّ جرّ عطفاً على الساعة، أي: علم الساعة، وعلم التي تخرج، والأوّل أولى. والأكمام جمع كمّ بكسر الكاف، وهو: وعاء الثمرة، ويطلق على كل ظرف لمال، أو غيره. قال أبو عبيدة: أكمامها أوعيتها، وهي ما كانت فيه الثمرة، واحدها كمّ، وكمة. قال الراغب: الكمّ ما يغطي اليد من القميص، وما يغطي الثمرة، وجمعه أكمام، وهذا يدلّ على أن الكمّ بضمّ الكاف، لأنه جعله مشتركاً بين كمّ القميص، وكمّ الثمرة، ولا خلاف في كمّ القميص أنه بالضمّ. ويمكن أن يقال: إن في الكمّ الذي هو وعاء الثمر لغتين. وقرأ الجمهور: (من ثمرة) بالإفراد، وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص بالجمع {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } أي: ما تحمل أنثى حملاً في بطنها، ولا تضع ذلك الحمل إلاّ بعلم الله سبحانه، والاستثناء مفرغ من أعمّ الأحوال أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع في حال من الأحوال إلاّ كائناً بعلم الله، فإليه يردّ علم الساعة كما إليه يرد علم هذه الأمور {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي: ينادي الله سبحانه المشركين، وذلك يوم القيامة، فيقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَائِىَ } الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في الدنيا من الأصنام، وغيرها، فادعوهم الآن، فليشفعوا لكم، أو يدفعوا عنكم العذاب، وهذا على طريقة التهكم بهم. قرأ الجمهور: {شركائي}، بسكون الياء، وقرأ ابن كثير بفتحها، والعامل في يوم محذوف، أي: اذكر {قَالُواْ ءاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } يقال: آذن يأذن: إذا أعلم، ومنه قول الشاعر:شعر : آذنتنا ببينها أسماء ربّ ثاو يمل منه الثواء تفسير : والمعنى: أعلمناك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكاً، وذلك أنهم لما عاينوا القيامة تبرءوا من الشركاء، وتبرّأت منهم تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها. وقيل: إن القائل بهذا هي: المعبودات التي كانوا يعبدونها، أي: ما منا من شهيد يشهد لهم بأنهم كانوا محقين، والأوّل أولى {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ } أي: زال، وبطل في الآخرة ما كانوا يعبدون في الدنيا من الأصنام، ونحوها {وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } أي: أيقنوا، وعلموا أنه لا محيص لهم، يقال: حاص يحيص حيصاً: إذا هرب. وقيل: الظنّ على معناه الحقيقي؛ لأنه بقي لهم في تلك الحال ظنّ، ورجاء، والأوّل أولى. ثم ذكر سبحانه بعض أحوال الإنسان، فقال: {لاَّ يَسْـئَمُ ٱلاْنْسَـٰنُ مِن دُعَاء ٱلْخَيْرِ } أي: لا يملّ من دعاء الخير لنفسه، وجلبه إليه، والخير هنا: المال، والصحة، والسلطان، والرفعة. قال السدّي: والإنسان هنا يراد به الكافر. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف. والأولى حمل الآية على العموم باعتبار الغالب، فلا ينافيه خروج خلص العباد. وقرأ عبد الله بن مسعود: (لا يسأم الإنسان من دعاء المال) {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أي: وإن مسه البلاء، والشدّة، والفقر، والمرض، فيئوس من روح الله قنوط من رحمته. وقيل: يئوس من إجابة دعائه قنوط بسوء الظنّ بربه. وقيل: يئوس من زوال ما به من المكروه قنوط بما يحصل له من ظنّ دوامه، وهما صيغتا مبالغة يدلان على أنه شديد اليأس عظيم القنوط. {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } أي: ولئن آتيناه خيراً، وعافية، وغنى من بعد شدّة، ومرض، وفقر {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى } أي: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي، فظنّ أن تلك النعمة التي صار فيها، وصلت إليه باستحقاقه لها، ولم يعلم أن الله يبتلي عباده بالخير والشرّ، ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع. قال مجاهد: معناه: هذا بعملي، وأنا محقوق به {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } أي: ما أظنها تقوم كما يخبرنا به الأنبياء، أو لست على يقين من البعث، وهذا خاص بالكافرين، والمنافقين، فيكون المراد، بالإنسان المذكور في صدر الآية: الجنس باعتبار غالب أفراده، لأن اليأس من رحمة الله، والقنوط من خيره، والشك في البعث لا يكون إلاّ من الكافرين، أو المتزلزلين في الدين المتظهرين بالإسلام المبطنين للكفر {وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى } على تقدير صدق ما يخبرنا به الأنبياء: من قيام الساعة، وحصول البعث، والنشور {إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أي: للحالة الحسنى من الكرامة، فظنّ أنه استحق خير الدنيا بما فيه من الخير، واستحق خير الآخرة بذلك الذي اعتقده في نفسه، وأثبته لها، وهو: اعتقاد باطل، وظنّ فاسد {فَلَنُنَبّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ } أي: لنخبرنهم بها يوم القيامة {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } شديد بسبب ذنوبهم، واللام هذه، والتي قبلها هي الموطئة للقسم. {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ } أي: على هذا الجنس باعتبار غالب أفراده {أَعْرَضَ } عن الشكر {وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أي: ترفع عن الانقياد للحق، وتكبر، وتجبر، والجانب هنا مجاز عن النفس، ويقال: نأيت، وتناءيت، أي: بعدت وتباعدت، والمنتأى: الموضع البعيد. ومنه قول النابغة:شعر : فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع تفسير : وقرأ يزيد بن القعقاع: (وناء بجانبه) بالألف قبل الهمزة {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ } أي: البلاء، والجهد، والفقر، والمرض {فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } أي: كثير، والعرب تستعمل الطول، والعرض في الكثرة مجازاً، يقال: أطال فلان في الكلام، وأعرض في الدعاء: إذا أكثر، والمعنى: أنه إذا مسه الشرّ تضرّع إلى الله، واستغاث به أن يكشف عنه ما نزل به، واستكثر من ذلك، فذكره في الشدّة، ونسيه في الرخاء، واستغاث به عند نزول النقمة، وتركه عند حصول النعمة، وهذا صنيع الكافرين، ومن كان غير ثابت القدم من المسلمين، ثم رجع سبحانه إلى مخاطبة الكفار، ومحاجتهم، فقال: {قُلْ أَرَءيْتُمْ } أي: أخبروني {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي: القرآن {ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ } أي: كذبتم به، ولم تقبلوه، ولا عملتم بما فيه {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: لا أحد أضلّ منكم لفرط شقاوتكم، وشدّة عداوتكم، والأصل: أيّ شيء أضلّ منكم، فوضع: {مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ } موضع الضمير لبيان حالهم في المشاقة، وأنها السبب الأعظم في ضلالهم. {سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ } أي: سنريهم دلالات صدق القرآن، وعلامات كونه من عند الله في الآفاق {وَفِى أَنفُسِهِمْ } الآفاق جمع أفق، وهو: الناحية. والأفق بضم الهمزة، والفاء، كذا قال أهل اللغة. ونقل الراغب أنه يقال: أفق بفتحهما، والمعنى: سنريهم آياتنا في النواحي، وفي أنفسهم. قال ابن زيد: في الآفاق آيات السماء، وفي أنفسهم حوادث الأرض. وقال مجاهد: في الآفاق فتح القرى التي يسر الله فتحها لرسوله، وللخلفاء من بعده، ونصار دينه في آفاق الدنيا شرقاً، وغرباً، ومن الظهور على الجبابرة، والأكاسرة، وفي أنفسهم فتح مكة، ورجح هذا ابن جرير. وقال قتادة، والضحاك: في الآفاق وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم في يوم بدر. وقال عطاء: في الآفاق يعني: أقطار السمٰوات، والأرض من الشمس، والقمر، والنجوم، والليل، والنهار، والرياح، والأمطار، والرعد، والبرق، والصواعق، والنبات، والأشجار، والجبال، والبحار، وغير ذلك، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة، كما في قوله: {أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 21] {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } الضمير راجع إلى القرآن. وقيل: إلى الإسلام الذي جاءهم به رسول الله. وقيل: إلى ما يريهم الله، ويفعل من ذلك. وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم: أنه الرسول الحق من عند الله، والأول أولى {أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } الجملة مسوقة لتوبيخهم، وتقريعهم، و {بربك} في موضع رفع على أنه الفاعل؛ ليكف، والباء زائدة، و {أنه} بدل من ربك، والهمزة للإنكار. والمعنى: ألم يغنهم عن الآيات الموعودة المبينة لحقية القرآن أنه سبحانه شهيد على جميع الأشياء. وقيل: المعنى: أو لم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل: أو لم يكف بربك شاهداً على أن القرآن منزل من عنده. والشهيد بمعنى: العالم، أو هو بمعنى: الشهادة التي هي: الحضور. قال الزجاج: ومعنى الكناية ها هنا: أن الله عزّ وجلّ قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة، والمعنى: أو لم يكف ربك أنه على كل شيءٍ شهيد شاهد للأشياء لا يغيب عنه شيء {أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ } أي: في شك من البعث، والحساب، والثواب، والعقاب {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطُ } أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، يقال: أحاط يحيط إحاطة، وحيطة، وفي هذا وعيد شديد؛ لأن من أحاط بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء جازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: في قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } سبق لهم من الله حين، وأجل هم بالغوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا } قال: حين تطلع. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ءاذَنَّاكَ } قال: أعلمناك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {لاَّ يَسْـئَمُ ٱلاْنْسَـٰنُ } قال: لا يملّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ } قال: محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عنه في الآية قال: ما يفتح الله من القرى {وَفِى أَنفُسِهِمْ } قال: فتح مكة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: أمسك المطر عن الأرض كلها {وَفِى أَنفُسِهِمْ } قال: البلايا التي تكون في أجسامهم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: كانوا يسافرون، فيرون آثار عاد، وثمود، فيقولون: والله لقد صدق محمد، وما أراهم في أنفسهم قال: الأمراض.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولولا كلمة سبقت من ربك} قال: سبق لهم من الله حين واجلهم بالغرة.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيانِ أن الاختلافَ في شأنِ الكتبِ عادةٌ قديمةٌ للأممٍ غيرُ مختصَ بقومكَ على منهاجِ قولِه تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } تفسير : [سورة فصلت، الآية 43] أيْ وبالله لقد آتينَاه التوراةَ فاختُلفَ فيها فمن مصدقٍ لها ومكذبٍ وهكذا حالُ قومكَ في شأنِ ما آتيناكَ من القرآنِ فمن مؤمنٍ به وكافرٍ. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} في حقِّ أمتكَ المكذبةِ وهي العِدَةُ بتأخيرِ عذابِهم وفصلُ ما بـينهم وبـينَ المؤمنينَ من الخصومةِ إلى يومِ القيامةِ بنحو قوله تعالى: { أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} تفسير : [سورة القمر، الآية 46] وقولِه تعالى: {أية : وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} تفسير : [سورة النمل، الآية 61، وسورة فاطر، الآية 45] {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} باستئصالِ المكذبـينَ كما فعلَ بمكذِبـي الأممِ السالفةِ {وَإِنَّهُمْ} أي كفارُ قومِكَ {لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ} أي من القرآنِ، وَجَعْلُ الضميرِ الأولِ لليهودِ والثانِي للتوراةِ مما لا وجْهَ لَهُ. {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً} بأنْ آمنَ بالكتبِ وعملَ بموجِبها {فَلِنَفْسِهِ} أي فلنفسِه يعملُه أو فنفعُه لنفسه لا لغيرِه {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} ضررُه لا على غيرِه {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لمضمونِ ما قبلَهُ مبنيٌّ على تنزيلِ تركِ إثابةِ المحسنِ بعملِه أو إثابةِ الغيرِ بعملِه وتنزيلِ التعذيبِ بغير إساءةٍ أو بإساءةِ غيرِه منزلةَ الظلمِ الذي يستحيلُ صدورُه عنه سبحانَهُ وتعالَى وقد مرَّ ما في المقامِ من التحقيقِ والتفصيلِ في سورةِ آل عمرانَ وسورةِ الأنفالِ. {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي إذا سئلَ عنها يقالُ الله يعلمُ أو لا يعلمُها إلا الله تعالى {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتِها جمعُ كِمٍ بالكسرِ وهُو وعاءُ الثمرةِ كَجُفِّ الطلعةِ. وقُرِىءَ من ثمرةٍ على إرادةِ الجنسِ والجمعُ لاختلافِ الأنواعَ. وقد قُرِىءَ بجمعِ الضميرِ أيضاً، ومَا نافيةٌ ومِنْ الأُولى مزيدةٌ للاستغراقِ، واحتمالُ أَنْ تكَونَ مَا موصولةً معطوفةً على الساعةِ ومِنْ مبـينةً بعيدٌ {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ} أي حَملَها. وقولُه تعالى {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أيْ وما يحدثُ شيـىء من خروجِ ثمرةٍ ولا حملِ حاملٍ ولا وضعِ واضعٍ ملابساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملابساً بعلمهِ المحيطِ {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى} أي بزعمِكم كما نصَّ عليه في قولِه تعالى: {أية : نَادُواْ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ}تفسير : [سورة الكهف، الآية 52] وفيهِ تهكمٌ بهِم وتقريعٌ لَهُم ويومَ منصوبٌ باذكُرْ أو ظرفٌ لمضمرٍ مؤخرٍ قد تُرك إيذاناً بقصورِ البـيانِ عنْه كما مرَّ في قولِه تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [سورة المائدة، الآية 109] {قَالُواْ ءاذَنَّاكَ} أي أخبرناكَ {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} لهم بالشركةِ إذ تبرأنَا منهم لَمَّا عاينَّا الحالَ وما منا أحدٌ إلا وهو موحدٌ لكَ، أو ما منا من أحدٍ يشاهدُهم لأنهم ضلُّوا عنهُم حينئذٍ وقيلَ: هو قولُ الشركاءِ أي ما منَّا من شهيدُ لهم بأنَّهم كانُوا محقِّينَ. وقولُهم آذناكَ إما لأنَّ هذا التوبـيخَ مسبوقٌ بتوبـيخٍ آخر مجابٍ عْنُه بهذا الجوابِ أو لأنَّ معناهُ أنك علمتَ من قلوبِنا وعقائدِنا الآنَ أنا لا نشهدُ تلكَ الشهادةَ الباطلةَ لأنَّه إذا علمَهُ من نفوسِهم فكأنَّهم أعلمُوه، أو لأنَّ معناهُ الإنشاءُ لا الإخبارُ بإيذانٍ قد كانَ قبلَ ذلكَ.
القشيري
تفسير : آتينا موسى التوراةَ، وأرسلناه إلى قومه، فاختلفوا في أمره.. فَمَنْ كَحَّلْنا سرَّه بنور التوحيد صَدَّقه، ومَنْ أعميناه عن مواقع البيان قابله بالتكذيب وجحده. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} وهي أن عقوبتَهم في النار بعد قيام القيامة لَعَجَّلنا استئصالهم، ولأذقناهم في الحال وبالَهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} اى وبالله لقد آتيناه التوراة فاختلف فيها فمن مصدق لها ومن مكذب وغيروها من بعده بخمسمائة عام وهكذا حال قومك فى شأن ما آتيناك من القرءآن فمن مؤمن به ومن كافر وان كانوا لا يقدرون على تحريفه فانا له لحافظون فالاختلاف فى شأن الكتب عادة قديمة للامم غير مختص بقومك ففيه تسلية له عليه السلام {ولولا كلمة سبقت من ربك} فى حق امتك المكذبة وهى العدة بتأخير عذابهم والفصل بينهم وبين المؤمنين من الخصومة الى يوم القيامة بنحو قوله تعالى {أية : بل الساعة موعدهم} تفسير : وقوله تعالى {أية : ولكن يؤخرهم الى اجل مسمى} تفسير : {لقضى} فى الدنيا وحكم {بينهم} باستئصال المكذبين كما فعل بمكذبى الامم السالفة. يقول الفقير انما لم يفعل الاستئصال لأن نبينا عيه السلام كان نبى الرحمة ولان مكة كانت مهاجر الانبياء والمرسلين ومهبط الملائكة المقربين بانواع رحمة رب العالمين فلو وقع فيها الاستئصال لكانت مثل ديار عاد وثمود ووقعت النفرة لقلوب الناس وقد دعا ابراهيم عليه السلام بقوله فاجعل افئدة من الناس تهوى اليهم فكان من حكمته ان لا يجعل الحرم المبارك الآمن مصارع السوء وان يقيه من نتائج سخطه {وانهم} اى كفار قومك {لفى شك منه} اى من القرءآن {مريب} موجب للاضطراب موقع فيه وبالفارسية كمانى باضطراب آورده. وتمامه فى آخر سورة سبأ فارجع والشك عبارة عن تساوى الطرفين ولتردد فيهما من غير ترجيح والوهم ملاحظة الطرف المرجوح وكلاهما تصور لا حكم معه اى لا تصديق معه اصلا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد آتينا موسى الكتابَ}؛ التوراة {فاختُلف فيه} فقال بعضهم: حق، وقال بعضهم: كتبه بيده في الجبل، كما اختلف قومك في كتابك القرآن، فمِن مؤمن به وكافر، {ولولا كلمةٌ سبقتْ من ربك} في حق أمتك بتأخير العذاب، {لقُضِيَ بينهم}؛ لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هو العدة بالقيامة لقوله: {أية : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} تفسير : [القمر: 46]، وأن الخصومات تُفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقُضي بينهم في الدنيا. {وإِنهم} أي: كفار قومك {لفي شكٍّ منه} من أجل القرآن {مُرِيبٍ}؛ موقع للريبة، وقيل: الضمير في (بينهم) و(إنهم) لليهود، وفي (منه) لموسى، أو: لكتابه، وهو ضعيف. {مَن عَمِلَ صالحاً} بأن آمن بالكُتب وعمل بوحيها، {فلنفسه} نفع، لا غيره، {ومَن أساء فعليها} ضرره، لا على غيره، {وما ربك بظلاّمٍ للعبيد}، فيعذب غير المسيء، أو يُنقص من إحسان المحسن. الإشارة: الاختلاف على أهل الخصوصية سُنَّة ماضية، {ولن تجد لسنة الله تبديلاً}، فمَن رام الاتفاق على خصوصيته، فهو كاذب في دعوى الخصوصية، وفي الحِكَم: "استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك". ثم ذكر بيان الساعة الموعودة بها في قوله: {ولولا كلمةٌ سبقتْ من ربك}؛ لأنها محل القضاء بين العباد، فكأن قائلاً قال: متى ذلك؟ فقال: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} بالرّدّ والقبول والعمل فيه وترك العمل والعمل ببعضه وترك بعضه كما اختلف قومك فى كتابك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بالامهال الى مدّةٍ معيّنةٍ {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} اى بين المختلفين من قوم موسى (ع) او بين قومك {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} من القرآن او من كتاب موسى (ع) {مُرِيبٍ مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً} اىّ صالح كان، او صالحاً عظيماً هو الولاية والبيعة الخاصّة {فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ} اى عمل سيّئة {فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} اى بذى ظلم يعنى لا يفعل بهم ما لا يستحقّونه.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} هو التوراة أو (ال) للجنس والمراد جميع كتبه* {فَاخْتُلِفَ} مبني للمفعول* {فِيهِ} نائب أي اختلف قومه فيه فمنهم مصدق به ومنهم مكذب كما اختلف قومك في كتابك {وَلوْلاَ كَلِمَةٌ} وجملة* {سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} نعت لكلمة والخبر محذوف ومن أجاز ذلك خبر ما بعد لولا اذا كان مقيداً جعلها خبراً والكلمة سابقة الوعد بالقيامة وفصل الخصومة في يوم القيامة أو تقدير الآجال أو تأخير العذاب* {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا فيما اختلفوا فيه وعجل هلاك المكذبين* {وَإِنَّهُمْ} أي اليهود* {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي من كتاب موسى أو من موسى ويجوز عود اسم (ان) على الذين لا يؤمنون ومجرور من على القرآن* {مُرِيبٍ} أي موقع في الريبة وموجب للاضطراب
اطفيش
تفسير : {ولقَد آتينا موسَى الكتاب} التوراة، أى وبالله، وإنما قدرت الباء لا الواو لئلا يجتمع واوان، ولكن لا بأس، لا سيما أن إحداهما محذوفة {فاخْتُلف فيه} صدقه بعض وكذبه بعض، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنه قد كذب الناس موسى عليه السلام: كما كذبك قومك، فاصبر كما صبر، والكلام تعلق بقوله تعالى: " أية : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك" تفسير : [فصلت: 43] إذا قلنا إلا ما قد قيل لهم من التكذيب {ولَولا كلمة} عدة {سَبقتْ مِن ربِّك} بتأخير عذاب من كذب بك الى وقته له بلا استئصال، كما قال الله عز وجل: " أية : بل الساعة موعدهم " تفسير : [القمر: 46] وقوله تعالى: " أية : ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" تفسير : [النحل: 61، فاطر: 45]. {لقُضيَ بيْنَهم} بين المؤمنين المدلول لهم بالمقام والكفار، باستئصال الكفار بالخسف أو النسخ، أو الرجم أو الريح، أو غير ذلك، كما فعل بالمكذبين من قبلك {وإنَّهم} كفار قومك {لَفي شَكٍّ مِنْه} من الذكر، وهو القرآن {مُريبٍ} موجب للريب والاضطراب، وقيل: هاء إنهم لليهود، وهاء منه لكتاب موسى، وهو التوراة، لأنهم المختلفون فى التوراة.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } كلام مستأنف مسوق لبيان أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم غير مختص بقومك على منهاج قوله تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ }تفسير : [فصلت: 43] على ما سمعت أولاً أي وبالله لقد آتينا موسى التوراة فاختلف فيها فمن مصدق لها ومكذب وهكذا حال قومك في شأن ما آتيناك من القرآن فمن مؤمن به وكافر. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } في حق أمتك المكذبة وهي العدة بتأخير عذابهم وفصل ما بينهم وبين المؤمنين من الخصومة إلى يوم القيامة بنحو قوله تعالى: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }تفسير : [القمر: 46] وقوله سبحانه: {أية : وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ }تفسير : [النحل: 61] {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } باستئصال المكذبين كما فعل بمكذبـي الأمم السالفة. {وَإِنَّهُمْ } أي كفار قومك {لَفِي شَكّ مّنْهُ } أي من القرآن {مُرِيبٍ } موجب للقلق والاضطراب، وقيل: الضمير الثاني للتوراة والأول لليهود بقرينة السياق لأنهم الذين اختلفوا في كتاب موسى عليه السلام وليس بشيء.
ابن عاشور
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ}. اعتراض بتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب المشركين وكفرهم بالقرآن بأنه ليس بأَوحدَ في ذلك فقد أوتي موسى التوراة فاختلف الذين دعاهم في ذلك، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر. والمقصود الاعتبار بالاختلاف في التوراة فإنه أشد من الاختلاف في القرآن فالاختلاف في التوراة كان على نوعين: اختلاف فيها بين مؤمن بها وكافر، فقد كفر بدعوة موسى فرعون وقومه وبعض بني إسرائيل مثلُ قارون ومثل الذين عبدوا العجل في مغيب موسى للمناجاة، واختلاف بين المؤمنين بها اختلافاً عطلوا به بعض أحكامها كما قال تعالى: { أية : ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر } تفسير : [البقرة: 253]، وكلا الاختلافين موضع عبرة وأسوة لاختلاف المشركين في القرآن. وهذا ما عصم الله القرآن من مثله إذ قال: { أية : وإنا له لحافظون } تفسير : [يوسف: 12] فالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بهذا أوقع، وهذا ناظر إلى قوله آنفاً: { أية : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } تفسير : [فصلت: 43] على الوجه الثاني من معنييه بذكر فرد من أفراد ذلك العموم وهو الأعظم الأهم. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} هذا متعلق بالذين كذبوا بالقرآن من العرب لأن قوله: {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} يقتضي أن الله أخر القضاء بينهم وبين المؤمنين إلى أجل اقتضته حكمتُه، فأَما قوم موسى فقد قضَى بينهم باستئصال قوم فرعون، وبتمثيل الأشوريين باليهود بعد موسى، وبخراب بيت المقدس، وزوال ملك إسرائيل آخراً. وهذا الكلام داخل في إتمام التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في استبطاء النصر. والكلمة هي كلمة الإمهال إلى يوم القيامة بالنسبة لبعض المكذبين، والإِمهالِ إلى يوم بدر بالنسبة لمن صرعوا ببدر. والتعبير عن الجلالة بلفظ {رَبِّكَ} لما في معنى الرب من الرأفة به والانتصار له، ولما في الإضافة إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من التشريف. وكلا الأمرين تعزيز للتسلية. ولك أن تجعل كلمة (بين) دالة على أخرى مقدرة على سبيل إيجاز الحذف. والتقدير: بينهم وبينَ المؤمنين، أي بما يظهر به انتصار المؤمنين، فإنه يكثر أن يقال: بين كذا وبين كذا، قال تعالى: { أية : وحيل بينهم وبين ما يشتهون } تفسير : [سبأ: 54]. ومعنى {سَبَقَتْ} أي تقدمت في علمه على مقتضى حكمته وإرادته. والأجلُ المسمى: جنس يصدق بكل ما أجل به عقابهم في علم الله. وأما ضمير {وإنَّهُمْ لَفِي شَكَ مِنْهُ مُرِيبٍ} فهو خاص بالمشركين الشاكين في البعث والشاكين في أن الله ينصر رسوله والمؤمنين. والريب: الشك، فوصف {شَكّ} بــــ{مُرِيبٍ} من قبيل الإسناد المجازي لقصد المبالغة بأن اشتق له من اسمه وصف كقولهم: لَيلٌ أَلْيل وشِعْرٌ شَاعر.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} (45) - وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى التَّوْرَاةَ (الكِتَابَ) عَلَى مُوسَى، فَاخْتَلَفَ قَوْمُهُ فِيهِ، وَقَدْ أَجَّلَ اللهُ تَعَالَى حُكْمَهُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لأَِنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ أَنْ يَكُونَ الفَصْلُ فِي هَذِهِ الاخْتِلاَفَاتِ كُلِّهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَلَوْلاَ سَبْقُ وَعْدِهِ بِهَذَا لَفَصَلَ بَيْنَهُمْ، وَلَعَجَّلَ العِقَابَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّونَهُ. وَلَمْ يَكُنْ تَكْذِيبُ مَنْ كَذَّبَ مِنْ قَوْمِهِ بِالكِتَابِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَيَقِينٍ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَهَلةً يُكَذِّبُونَ بِلاَ عِلْمٍ، وَهُمْ مُتَشَكِّكُونَ فِيمَا يَقُولُونَ. مُرِيبٍ - مُثِيرٍ لِلشَّكِّ أَوْ مُوقِعٍ فِي الرِّيبَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القرآن هنا يقصّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفاً من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، وهذا من ضمن {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [فصلت: 43] وموسى من الرسل الذين تحملوا العنت والعناد وأتعبه قومه، فقصَّته هنا تسلية لرسول الله {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} [فصلت: 45] أي: التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} [فصلت: 45] أي: كانت مجالاً لاختلافهم، فمنهم مَنْ حرَّفها، ومنهم مَنْ نسي بعضها، ومنهم مَنْ كتب الكتاب من عنده. وقال: هذا من عند الله. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} [فصلت: 45] أي: سبقتْ كلمة الله وحكمة بنهاية عذاب الاستئصال الذي يأخذ المكذِّبين جملة، كما رأينا في عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، أما هذه الأمة فلن يأخذها الله بمثل هذا في الدنيا، بل يُؤخِّر لها الجزاء إلى يوم القيامة. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [فصلت: 45] أي: في الدنيا كما فعل بالأمم السابقة ممَّنْ كذَّب الرسل (وإنهم) أي: قومك يا محمد {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [فصلت: 45] يعني: تردد يأخذهم إلى القلق والريبة. والشكُّ نسبة من النِّسب السِّت المعروفة التي تعتري الأحداث: أولها: العلم وهو أن يكون عندك قضية واقعة وأنت مقتنع بها وتستطيع أنْ تقدم عليها الدليل. ثم التقليد: وهو أن يكون لديك قضية واقعة يعني مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها، لكن لا تستطيع أنْ تُقدم الدليل عليها، مثل الطفل الصغير نُلقِّنه مثلاً أن الله واحد فيؤمن بها لثقته في والده الذي يلقنه، لأنه يعلم أن والده يريد له الخير ولا يُعلِّمه إلا الصواب، لكن الوالد لا يستطيع أن يقيم الدليل على أن الله واحد. ثم الجهل: وهو أن يكون عندك قضية غير مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها. لذلك قلنا في هذه المسألة: إن الجاهل أشقُّ على مُعلِّمه من الأُميِّ؛ لأن الجاهل عنده قضية باطلة كاذبة وهو مؤمن بها فيحتاج منك مجهوداً مرتين: مرة لتخرجه من جهله، ومرة لتقنعه بالصواب. أما الأمي فهو خالي الذهن ليس عنده قضية ما يدافع عنها، لذلك تراه طيِّعاً يقبل ما يُلْقَى إليه دون أنْ يجادل. ثم بعد ذلك الشك، وهو أن يكون لديك قضية واقعة لكن يقينك بها مُساوٍ لشكِّك فيها، فأنت غير متأكد منها، ثم إنْ كان الثبوت والتأكيد أوضحَ فهو الظن، وإنْ كان الشكُّ أوضحَ من اليقين فهو الوهم. فقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [فصلت: 45] يعني: لم يصلوا إلى درجة العلم، ولا درجة التقليد، ولا درجة الجهل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } كما آتيناك الكتاب، فصنع به الناس ما صنعوا معك، اختلفوا فيه: فمنهم من آمن به واهتدى وانتفع، ومنهم من كذبه ولم ينتفع به، وإن اللّه تعالى، لولا حلمه وكلمته السابقة، بتأخير العذاب إلى أجل مسمى لا يتقدم عليه ولا يتأخر { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بمجرد ما يتميز المؤمنون من الكافرين، بإهلاك الكافرين في الحال، لأن سبب الهلاك قد وجب وحق. { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } أي: قد بلغ بهم إلى الريب الذي يقلقهم، فلذلك كذبوه وجحدوه. { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا } وهو العمل الذي أمر اللّه به، ورسوله { فَلِنَفْسِهِ } نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة { وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } ضرره وعقابه، في الدنيا والآخرة، وفي هذا، حثٌّ على فعل الخير، وترك الشر، وانتفاع العاملين، بأعمالهم الحسنة، وضررهم بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. { وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } فَيُحمِّل أحدًا فوق سيئاتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):