٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ } نفعه. {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } ضره. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله. {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي إذا سئل عنها إذ لا يعلمها إلا هو. {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَةٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} من أوعيتها جمع كم بالكسر. وقرأ نافع وابن عامر وحفص «مِن ثَمَرٰتٍ» بالجمع لاختلاف الأنواع، وقرىء بجمع الضمير أيضاً و {مَا} نافية و {مِنْ } الأولى مزيدة للاستغراق، ويحتمل أن تكون موصولة معطوفة على {ٱلسَّاعَةَ} و {مِنْ } مبينة بخلاف قوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ } بِمكان. {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} إلا مقروناً بعلمه واقعاً حسب تعلقه به. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى } بزعمكم. {قَالُواْ ءَاذَنَّاكَ} أعلمناك. {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } من أحد يشهد لهم بالشركة إذ تبرأنا عنهم لما عاينا الحال فيكون السؤال عنهم للتوبيخ، أو من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنا. وقيل هو قول الشركاء أي ما منا من يشهد لهم بأنهم كانوا محقين. {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ } يعبدون. {مِن قَبْلُ } لا ينفعهم أو لا يرونه. {وَظَنُّواْ } وأيقنوا. {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ} مهرب والظن معلق عنه بحرف النفي. {لاَّ يَسْـئَمُ ٱلإِنْسَـٰنُ} لا يمل. {مِن دُعَاءِ ٱلْخَيْرِ} من طلب السعة في النعمة، وقرىء «من دعاء بالخير». {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } الضيقة. {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } من فضل الله ورحمته وهذا صفة الكافر لقوله: {أية : إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ }تفسير : [يوسف: 87] وقد بولغ في يأسه من جهة البنية والتكرير وما في القنوط من ظهور أثر اليأس. {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} بتفريجها عنه. {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى } حقي أستحقه لمالي من الفضل والعمل، أولي دائماً لا يزول. {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } تقوم. {وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } أي ولئن قامت على التوهم كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة، وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه. {فَلَنُنَبّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فلنخبرنهم. {بِمَا عَمِلُواْ } بحقيقة أعمالهم ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } لا يمكنهم التقصي عنه. {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ} عن الشكر. {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} وانحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبراً، والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله: {أية : فِى جَنبِ ٱللَّهِ }تفسير : [الزمر: 56] {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} كثير مستعار مما له عرض متسع للاشعار بكثرته واستمراره، وهو أبلغ من الطويل إذ الطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله؟ {قُلْ أَرَءَيْتُمْ} أخبروني. {إِن كَانَ} أي القرآن. {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ } من غير نظر واتباع دليل. {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي من أضل منكم، فوضع الموصول موضع الضمير شرحاً لحالهم وتعليلاً لمزيد ضلالهم. {سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ} يعني ما أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام به من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة. {وَفِى أَنفُسِهِمْ } ما ظهر فيما بين أهل مكة وما حل بهم، أو ما في بدن الإنسان من عجائب الصنع الدالة على كمال القدرة. {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } الضمير للقرآن أو الرسول أو التوحيد أو الله {أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ} أي أو لم يَكف ربك، والفاء مزيدة للتأكيد كأنه قيل: أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد تزاد في الفاعل إلا مع كفى. {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} بدل منه، والمعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة، أو مطلع فيعلم حالك وحالهم، أو لم يكف الإنسان رادعاً عن المعاصي أنه تعالى مطلع على كل شيء لا يخفى عليه خافية. {أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ} شك، وقرىء بالضم وهو لغة كخفية وخفية. {مّن لّقَاء رَبّهِمْ } بالبعث والجزاء. {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ مُّحِيطُ} عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها، مقتدر عليها لا يفوته شيء منها. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} أي: إنما يعود نفع ذلك على نفسه، {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أي: إنما يرجع وبال ذلك عليه، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي: لا يعاقب أحداً إلا بذنبه، ولا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه. ثم قال جل وعلا: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي لا يعلم ذلك أحد سواه؛ كما قال محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر، لجبريل عليه الصلاة والسلام، وهو من سادات الملائكة، حين سأله عن الساعة، فقال: «حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» تفسير : وكما قال عز وجل: {أية : إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَـٰهَآ} تفسير : [النازعات: 44] وقال جل جلاله:{أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأعراف:187]. قوله تبارك وتعالى: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي: الجميع بعلمه، لايعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقد قال سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} تفسير : [الأنعام: 59] وقال جلت عظمته: {أية : يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد:8] وقال تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} تفسير : [فاطر: 11] وقوله جل وعلا: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى} أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رؤوس الخلائق: أين شركائي الذين عبدتموهم معي؟ {قَالُوۤاْ ءَاذَنَّاكَ} أي: أعلمناك {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي: ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكاً {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} أي: ذهبوا، فلم ينفعوهم، {وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي: وظن المشركون يوم القيامة، وهذا بمعنى اليقين {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي: لا محيد لهم عن عذاب الله؛ كقوله تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} تفسير : [الكهف: 53].
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ } عمل {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } أي فضرر إساءته على نفسه {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍ لّلْعَبِيدِ } أي بذي ظلم لقوله تعالى { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }تفسير : [40:4].
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} فيه وجهان: أحدهما: علمواْ ما لهم من معدل. الثاني: استيقنوا أن ليس لهم ملجأ من العذاب، قاله السدي، وقد يعبر بالظن عن اليقين فيما طريقه الخبر دون العيان لأن الخبر محتمل والعيان غير محتمل.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر بما مضى أن المطيع ناجٍ، وتحرر أن العاصي هالك كانت النتيجة من غير تردد: {من عمل صالحاً} كائناً من كان من ذكر أو أنثى {فلنفسه} أي فنفع عمله لها ببركتها به لا يتعداها، والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص، فلذا عبر بها، وكان قياس العبارة في جانب الصلاح. "ومن عمل سيئاً" فأفاد العدول إلى ما عبر به مع ذكر العمل أولاً الذي مبناه العلم إن الصالح تتوقف صحته على نيته، وأن السيء يؤاخذ به عامله في الجملة من الله أو الناس ولو وقع خطأ فلذا قال: {ومن أساء} أي في عمله {فعليها} أي على نفسه خاصة ليس على غيره منه شيء. ولما كان لمقصد السورة نظر كبير إلى الرحمة، كرر سبحانه وصف الربوبية فيها كثيراً، فقال عاطفاً على ما تقديره: فما ربك بتارك جزاء أحد أصلا خيراً كان أو شراً: {وما ربك} أي المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق. ولما كان لا يصح أصلاً ولا يتصور أن ينسب إليه سبحانه ظلم، عبر للدلالة على ذلك بنكرة في سياق النفي دالة على النسبة مقرونة بالجار فقال: {بظلام} أي بذم ظلم {للعبيد *} أي الجنس فلا يتصور أن يقع منه ظلم لأحد أصلاً لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة، وعبر بـ "عبيد" دون عباد لأنه موضع إشفاق وإعلام بضعف وعدم قدرة على انتصار وعناد يدل على طاعة وعدم حقارة بل إكرام هذا أغلب الاستعمال، ولعل حكمة التعبير بصيغة المبالغة الإشارة إلى أنه لو ترك الحكم والأخذ للمظلوم من الظالم، لكان بليغ الظلم من جهة ترك الحكمة التي هي وضع الأشياء في أتقن محالها ثم من جهة وضع الشيء وهو العفو عن المسيء وترك الانتصار للمظلوم في غير موضعه، ومن جهة التسوية بين المحسن والمسيء، وذلك أشد في تهديد الظالم لأن الحكيم لا يخالف الحكمة فكيف إذا كانت المخالفة في غاية البعد عنها - هذا مع أن التعبير بها لا يضر لأنها موضوعة أيضاً للنسبة إلى أصل المعنى مطلقاً ولأن نفي مطلق الظلم مصرح به في آيات أخرى. ولما تضمنت الآية السالفة الجزاء على كل جليل وحقير، وقليل وكثير، والبراءة من الظلم، كما قال تعالى {وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون} {أية : ووفيت كل نفس ما عملت}تفسير : [آل عمران: 25] {وهو أعلم بما يفعلون} وأشير إلى التوعد بالجزاء في يوم الفصل لأنا نشاهد أكثر الخلق يموت من غير جزاء، وكان من عادتهم السؤال عن علم ذلك اليوم، وكان ترك الجزاء إنما يكون للعجز، والظلم إنما يكون للجهل، لأنه وضع الأشياء في غير محالها فعل الماشي في الظلام، دل على تعاليه عن كل منهما بتمام العلم المستلزم لشمول القدرة على وجه فيه جوابهم عن السؤال عن علم الوقت الذي تقوم فيه الساعة الذي كان سبباً لنزول هذه الآية - كما ذكره ابن الجوزي - بقوله على سبيل التعليل: {إليه} أي إلى المحسن إليك لا إلى غيره {يرد} من كل راد {علم الساعة} أي التي لا ساعة في الحقيقة غيرها، لما لها من الأمور التي لا نسبة لغيرها بها، فهي الحاضرة لذلك في جميع الأذهان، وإنما يكون الجزاء على الإساءة والإحسان فيها حتى يظهر لكل أحد ظهوراً بينا لكل أحد أنه لا ظلم أصلاً، فلا يمكن أن يسأل أحد سواه عنها ويخبر عنها بما يغنى في تعيين وقتها وكيفيتها وصنعتها، وكلما انتقل السائل من مسؤول ألى أعلم منه وجده كالذي قبله حتى يصل الأمر إلى الله تعالى، والعالم منهم هو الذي يقول: الله أعلم، فاستئثاره بعلمها دال على تناهي علمه، وحجبه له عن كل من دونه دال على تمام قدرته، واجتماع الأمرين مستلزم لبعده عن الظلم، وأنه لا يصح اتصافه به، فلا بد من إقامته لها ليوفي كل ذي حق حقه، ويأخذ لكل مظلوم ظلامته غير متعتع. ولما كانوا ينازعون في وقوعها فضلاً عن العلم بها، عدها أمراً محققاً مفروغاً منه وذكر ما يدل على شمول علمه لكل حادث في وقته دليلاً على علمه بما يعين وقت الساعة، وذلك على وجه يدل على قدرته عليها وعلى كل مقدور بما لا نزاع لهم فيه من ثمرات النبات والحيوان التي هي خبء في ذوات ما هي خارجة منه، فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء الأرض، فقال مقدماً للرزق على الخلق كما هو الأليق، عطفاً على ما تقديره: فما يعلمها ولا يعلمها إلا هو: {وما تخرج} أي في وقت من الأوقات الماضية والكائنة والآية، فإن "ما" النافية لا تدخل إلا على معناه الحلول، فالمراد مجرد تصوير إن كان زمانه قد مضى أو لم يأت، وأكد النفي بالجار فقال: {من ثمرات} أي صغيرة أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها؛ والإفراد في قراءة الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير، نبهت قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالجمع على كثرة الأنواع {من أكمامها} جمع كم وكمامة بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وغطاء النور، وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئاً من شابه أن يخرج فهوكم، ومنه قيل للقلنسوة: كمة، ولكم القميص ونحوه: كم، أي إلا بعلمه {وما تحمل من أنثى} خداجاً أو تماماً، ناقصاً أو تاماً، وكذا النفي باعادة النافي ليشمل كلا على حياله، وعبر بـ "لا" لأن الوضع ليس كالحمل يقع في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال: {ولا تضع} حملاً حياً أو ميتاً {إلا} حال كونه ملتبساً {بعلمه} ولا علم لأحد غيره بذلك، ومن ادعى علماً به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئاً أصلاً, والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئاً، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علماً إلا الله سبحانه وتعالى. ولما ثبت بهذا علمه صريحاً وقدرته لزوماً وعجز من سواه وجهله، وتقرر بذلك أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام من الأدلة، وأنه لا بد من كونها لما وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم أحداً وإن كانوا في إيجادها ينازعون، ولم ينكرون قال تعالى مصوراً ما تضمنه ما سبق من جهلهم، ومقرراً بعض أحوال القيامة، عاطفاً على أرشد السياق إلى تقديره من نحو: فهو على كل شيء قدير لأنه على كل شيء شهيد وهم بخلاف ذلك، مقرراً قدرته تصريحاً وعجز ما ادعوا من الشركاء: {ويوم يناديهم} أي المشركين بعد بعثهم من القبور، للفصل بينهم في سائر الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع والتنديم: {أين شركائي} أي الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم، والعامل في الظرف {قالوا} أي المشركون: {آذنّاك} أي اعلمناك سابقاً بألسنة أحوالنا والآن بألسنة مقالنا، وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك لأنك سامع لكل ما يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك، ولذا عبروا بما منه الإذن {ما منا} وأكدوا النفي بإدخال الحار في المبتدأ المؤخر فقالوا: {من شهيد *} أي حي دائماً حاضر دون غيبة، مطلع على ما يريد من غير خفاء بحيث لا يغيب عن علمه شيء فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع والشهادة، فآل الأمر إلى أن المعنى: لا نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ما منا من هو محيط العلم. ولما قرر جهلهم، أتبعه عجزهم فقال: {وضل} أي ذهب وشذ وغاب وخفي {عنهم} ولما كانت معبوداتهم إما ممن لا يعقل كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم لا فعل لهم في الحقيقة، عبر عنهم بأداة ما لا يعقل فقال: {ما كانوا} أي دائماً {يدعون} في كل حين على وجه العادة. ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبل} فهم لا يرونه فضلاً عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه، كأنهم كانوا لما هم عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا بهم فيشفعوا لهم، فلذلك عبر بالظن في قوله: {وظنوا} أي في ذلك الحال {ما لهم} وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال {من محيص *} أي مهرب وملجأ ومعدل.
القشيري
تفسير : "فلنفسه" لأن النفعَ عائدٌ إليه. ومَنْ عمل عملاً سيئاً فإنما ظَلَمَ نَفْسَه، وأساء إليها؛ لأنه هو الذي يقاصي ضرَّه ويلاقي شرَّه.
اسماعيل حقي
تفسير : {من} هركه {عمل صالحا} بان آمن بالكتب وعمل بموجبها {فلنفسه} فعمله او فنفعه لنفسه لا لغيره {ومن اساء} وهركه بكند عمل بد والاساءة بدى كردن {فعليها} ضرره لا على غيرها {وما ربك بظلام للعبيد} فيفعل بهم ما ليس له ان يفعله بل هو العادل المتفضل الذى يجازى كل احد بكسبه وهو اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله مبنى على تنزيل ترك اثابة المحسن بعمله او اثابة الغير بعمله وتنزيل التعذيب بغير اساءة او باساءة غيره منزلة الظلم الذى يستحيل صدوره عنه سبحانه اى هو منزه عن الظلم يقال من ظلم وعلم أنه يظلم فهو ظلام وقال بعضهم اصله وما ربك بظالم ثم نقل مع نفيه الى صيغة المبالغة فكانت المبالغة راجعة الى النفى على معنى أن الظلم منفى عنه نفيا مؤكدا مضاعفا ولو جعل النفى داخلا على صيغة المبالغة بتضعيف ظالم بدون نفيه ثم ادخل عليه النفى لكان المعنى أن تضعيف الظلم منفى عنه تعالى ولا يلزم منه نفيه عن اصله والله تعالى منزه عن الظلم مطلقا ويجوز ان يقال صيغة المبالغة باعتبار كثرة العبيد لا باعتبار كثرة الظلم كما قال تعالى {أية : ولا يظلم ربك احدا} تفسير : وفى الحديث القدسى "حديث : انى حرمت الظلم على نفسى وعلى عبادى ألا فلا تظالموا" تفسير : بفتح التاء اصله تتظالموا والظلم هو التصرف فى ملك الغير او مجاوزة الحد وهذا محال فى حق الله تعالى لأن العالم كله ملك وليس فوقه احد يحد له حدا ولا تجاوز عنه فالمعنى تقدست وتعاليت عن الظلم وهو ممكن فى حق العباد ولكن الله منعهم عنه وفى الحديث "حديث : من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الاسلام" تفسير : وفى حديث آخر "حديث : من مشى خلف ظالم سبع خطوات فقد اجرم" تفسير : قال الله تعالى {أية : انا من المجرمين منتقمون} تفسير : وكان من ديدن السلطان بسمرقند الامتحان بنفسه مرات لطلبة مدرسته المرتبين اعالى واواسط وادانى بعد تعيين جماعة كثيرة من العدول غير المدرس للامتحان من الافاضل حذرا من الحيف وكان يعد الحيف فى الرتبة بين المستعدين من قبيل الكفر فى الدين واكثر المستعدين فى هذا الزمان على الخذلان والحرمان (قال الصائب) تير بختى لازم طبع بلندافتاده است باى خودراجون تواند داشتن روشن جراغ. فينبغى للعاقل ان يسارع الى الاعمال الصالحة دآئما خصوصا فى زمان انتشار الظلم والفساد وغلبة الهوى على النفوس والطباع فان الثبات على الحق فى مثل ذلك الوقت افضل واعظم قال ابن الماجشون وهو اى الماجشون كان من اهل المدينة وكان مع عمر بن عبد العزيز فى ولايته على المدينة لما خرج روح ابى وضعناه على السرير فدخل عليه غاسل فرأى عرقا يتحرك فى اسفل قدمه فمكث ثلاثة ايام ثم استوى جالسا وقال ائتونى بسويق فأتوا به فشرب فقلنا له خبرنا ما رأيت قال عرج بروحى فصعد بى الملك حتى اتى الى السماء الدنيا فاستفتح ففتح له حتى انتهى الى السابعة فقيل له من معك قال الماجشون فقيل لم يؤذن له بعد بقى من عمره كذا ثم هبط بى فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم وابو بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه فقلت للملك انه لقريب المقعد من رسول الله عليه السلام قال انه عمل بالحق فى زمن الجور وانهما عملا بالحق فى زمن الحق بقومى كه نيكى بسندد خداى شعر : دهد خسروعادل ونيك راى جوخواهد كه ويران كند عالمى كند ملك دربنجة ظالمى ومن الله الامن والسلامة
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص {ثمرات} على الجمع. الباقون "ثمرة" على التوحيد من قرأ على الجمع فلاختلاف أجناس الثمار، ولانه فى المصاحف مكتوباً بتاء ممدودة. ومن وحده قال: الثمرة تفيد الجمع والتوحيد فلا يحتاج إلى الجمع، لأنه في مصحف عبد الله مكتوب بالهاء، و "الاكمام" جمع (كم) في قول الفراء، و (كمة) فى قول ابي عبيدة. وهي الكفرى. قال ابن خالويه: يجوز أن يكون (الاكمام) جمع (كم) و (كم) جمع كمة، فيكون جمع الجمع. يقول الله تعالى {من عمل صالحاً} أي فعل افعلا هي طاعة {فلنفسه} لان ثوابه واصل اليه، وهو المنتفع به دون غيره {ومن أساء} يعني فعالا فعلا قبيحاً، من الاساءة إلى غيره او غيرها {فعليها} أي فعلى نفسه لأن وبال ذلك وعقابه يلحقه دون غيره. ثم قال تعالى على وجه النفي عن نفسه ما لا يليق به من فعل القبيح والتمدح به {وما ربك} أي وليس ربك {بظلام للعبيد} وإنما قال (بظلام) على وجه المبالغة فى نفي الظلم عن نفسه مع انه لا يفعل مثقال ذرة لأمرين: احدهما - انه لو فعل فاعل الظلم، وهو غير محتاج اليه مع علمه بقبحه وبأنه غني لكان ظلاماً، وما هو تعالى بهذه الفصة لأنه غني عالم. الثاني - إنه على طريق الجواب لمن زعم انه يفعل ظلم العباد. فقال: ما هو بهذه الصفة التي يتوهمها الجهال، فيأخذ احداً بذنب غيره، والظلام هو الفاعل لما هو من افحش الظلم. والظالم من فعل الظلم، وظالم صفة ذم، وكذلك قولنا فاعل الظلم هما سواء، وكذلك آثم فاعل الاثم، وسيء فاعل الاساءة. وقوله {إليه يرد علم الساعة} معناه اليه يرد علم الساعة التي يقع فيها الجزاء للمطيع والعاصي فاحذروها قبل ان تأتي، كما يرد اليه علم إخراج الثمار وما يكون من الاولاد والنتاج، فذاك غائب عنكم وهذا مشاهد لكم، وقد دل عليه ولزم، وكل من سئل متى قيام الساعة؟ وجب أن يقول: الله تعالى العالم به حتى يكون قد ردّه إلى الله {وما يخرج من ثمرة من أكمامها} معناه وعنده علم ذلك. وآكمام الثمرة وعائها الذي تكون فيه. وقيل: الآكمام جمع كمة، وهو الطرف المحيط بالشيء. وقال الحسن: الآكمام - ها هنا - ليف النخيل. وقيل: من أكمامها معناه خروج الطلع من قشره {وما تحمل من أنثى وما تضع إلا بعلمه} أي وعنده تعالى علم ما تحمله كل انثى من حمل ذكراً كان او انثى ولا تضع الانثى إلا بعلمه أي إلا في الوقت الذي علمه انه تضع فيه. وقوله {ويوم يناديهم أين شركائي} أي ويوم يناديهم مناد اين شركاء الله الذين كنتم تعبدونهم من دون الله {قالوا أذناك ما منا من شهيد} معناه إنهم يقولون اعلمناك ما منا من شهيد لمكانهم. ثم بين ذلك فقال {وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص} قال السدي: معناه ايقنوا وقال ابن عباس أذناك معناه أعلمناك. وقيل المنادي هو الله تعالى، وقال السدي: ما منا من شهيد ان لك شريكاً. وقيل: معناه أذناك اقررنا لك ما منا من شهيد بشريك له معك. وقيل قوله أذناك من قول المعبودين ما منا من شهيد لهم بما قالوا: وقيل هذا: من قول العابدين ما منا من شهيد بأنهم آلهة. وقال آخرون: يجوز ان يكون العابدون والمعبودون يقولون ذلك. وقوله {وظنوا ما لهم من محيص} أي ايقنوا ليس لهم من مخلص. ودخل الظن على (ما) التي للنفي كما تدخل (علمته) على لام الابتداء، وكلاهما له صدر الكلام. وقوله {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير} أي لا يمل الانسان من طلب المال وصحة الجسم - وهو قول ابن زيد - وقال بعضهم: معناه لا يمل الانسان من الخير الذي يصيبه {وإن مسه الشر} أي إن ناله بذهاب مال او سقم في جسمه {فيؤس قنوط} أي يقنط من رحمة الله وييأس من روحه، ففي ذلك إخبار عن سرعة تحمل الانسان وتنقله من حال إلى حال. ثم قال تعالى {ولئن أذقناه رحمة منا} يعني لئن أذقنا الانسان نعمة وأنلناه إياها {من بعد ضراء مسته} أي من بعد شدة لحقته {ليقولن هذا لي} قال مجاهد: يقول أنا حقيق بهذا الفعل {وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} أي لو قامت لكان لي الحسني يعني الجنة. فقال الله تعالى على وجه التهديد لمن هذه صفته {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} أي فلنجزين الكفار بعد ان نعلمهم ما عملوه من كفرهم ومعاصيهم ثم نجازيهم عليها بأن نذيقهم من عذاب غليظ قدر ما يستحقونه.
الهواري
تفسير : قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} أي: فعلى نفسه. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. قوله: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: لا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا هو. قوله: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} وهي تقرأ أيضاً من ثمرة من أكمامها. تفسير الحسن قال: هذا في النخل خاصة [حين يُطل]. والأكمام كقوله: (أية : وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ) تفسير : [الرحمن:11] والأَكْمَامُ: الليف. لا يعلم أحد كيف يخرجه الله. قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}. كقوله: (أية : اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) تفسير : [الرعد:8] أي: ولا يعلم وقت قيام الساعة وما بخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا هو [لا إله إلا هو]. قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} يعني المشركين {أَيْنَ شُرَكَائِي} الذين زعمتم أنهم شركائي {قَالُوا آذَنَّاكَ} أي: أعلمناك وأسمعناك {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي: يشهد اليوم أن معك إلهاً. قال الله عز وجل: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} أي: في الدنيا، أي: ضلّت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدون من قبل فلم تنفعهم. كقوله: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ} أي الذين أشركتموهم بالله {أية : فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} تفسير : [القصص:64] {وَظَنُّوا} [أي: علموا] {مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} أي: من ملجأ من النار دون أن يدخلوها.
اطفيش
تفسير : {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً} أي عملاً صالحاً وهو مفعول به أي مفعول مطلق على حد خلق الله السموات* {فَلِنَفْسِهِ} أي فعمله لنفسه وجزاؤه لنفسه ونفعه لنفسه ويجوز إن اللام زائدة والنفس مفعول مقدم للحصر لعامل مقدر بعده أي فمنه نفع ونظيره في الزيادة {أية : ان كنتم للرؤيا تعبرون} تفسير : والاولى ما مر بدليل* {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أي فاساءته عليها أو جزاؤه أو جزاؤها أو ضره بضعف جد زيادة عليّ فيجعل مجروراً مفعولاً لمحذوف أي فعليها ضر بفتح الراء أي فاياها ضر والحصر مستفاد على تقدير المبتدأ من المقام ومن لام الاختصاص في الاول أو يقدر المبتدأ بعد المجرور أو من تقدم المفعول على تقدم الفعل. ذكر ابن هشام بعض ذلك يرجع تقدير المبتدأ كثرة حذفه بعد فاء الجواب وان قلت لو قدر الفعل لم تكن الفاء قلت كانت للفصل بينه وبينها ولحذفه أو لتقدير (قد) أو هي زائدة أو لتقدير مبتدأ أي فهو أنفع فهو اياها ضر. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} المبالغة في النفي أي انتفي انتفاء بليغاً ظلمه للعباد ظلام للنسب أي بذي ظلم أو على أصله رداً على من كفر ونسب المبالغة في الظلم لله. قال ابن هشام: يصاغ فعّال للنسب غالباً في الحرفة شاذ في غيرها وحمل عليه قوم وما ربك بظلام أو قاسه بعضهم في الحرفة وبعضهم مطلقاً وقيل لا مطلقاً وذلك نصيحة بليغة للعامل وترجية وتخويف أي له الخير ان فعله والشر ان فعله ولا يظلم بنقص الثواب للمطيع أو حرمانه وبعذاب غير المسمى
اطفيش
تفسير : {مَنْ عَملَ صَالحاً} وحد الله سبحانه وتعالى، وعمل بما كلف به {فلنَفْسه} يعمله، أو فلنفسه عمله، أو فلنفسه نفعة، أو فلنفسه ثوابه، ومن شرطية، ولا داعى الى أنها موصولة، لأنها تحتاج الى أن يقال: أشبهت من الشرطية فى العموم زيدت الفاء فى جوابها، وإذا كان فذلك فلتجعل شرطية من أول الأمر، وكذا البحث فى قوله: {ومَنْ أساء فَعَليها} إساءته، أو فعليها عقابه، والضمير لمن، ولو كان مؤنثا، لأن من فى معنى النفس، أو النفس قبل مرادا بها ما أريد بمن على طريق الاستخدام، وكان على يقول: ما عملت خيرا لأحد، ولا شرا لى، ما عملت أو على {وما ربُّك بظلامٍ للْعَبِيد} بأن ينقص من الثواب أو يبطله بدون استحقاق، أو يثيب أحدا بثواب غيره إلا ما بتوسط فيثابان معا، أو بزيادة على المذنب، أو أخذ أحد بذنب غيره إلا ما بتوسط، فيعاقبان معاً، لا يلقى على الظالم ذنوب المظلوم، ومعنى بظلام بذى ظلم.
الالوسي
تفسير : {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } بأن آمن بالكتب وعمل بموجبها {فَلِنَفْسِهِ } أي فلنفسه يعمله أو فلنفسه نفعه لا لغيره، و {مِنْ } يصح فيها الشرطية والموصولية وكذا في قوله تعالى: {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } ضره لا على الغير {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مبني على تنزيل ترك إثابة المحسن بعمله أو إثابة الغير بعمله وتنزيل التعذيب بغير إساءة أو بإساءة غيره منزلة الظلم الذي يستحيل صدوره عنه تعالى ولم يحتج بعضهم إلى التنزيل، وقد مر الكلام في ذلك وفي توجيه النفي والمبالغة فتذكر.
ابن عاشور
تفسير : هذا من مكملات التسلية ومن مناسبات ذكر الأجل المسمى. وفيه معنى التذييل لأن {مَن} في الموضعين مفيدة للعموم سواء اعتبرت شرطية أو موصولة. ووجود الفاء في الموضعين: إمّا لأنهما جوابان للشرط، وإما لمعاملة الموصول معاملةَ الشرط وهو استعمال كثير. والمعنى: أن الإِمهال إعذار لهم ليتداركوا أمرهم. وتقديم قريب من هذه الآية في سورة الزمر، كما تقدم نظير { أية : وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيد } تفسير : لفظاً ومعنى في سورة غافر (31). وحرف (على) مؤذن بمؤاخذة وتحمُّل أعباء كما أن اللام في قوله: {فَلِنَفْسِهِ} مؤذن بالعطاء. والخطاب في {رَبُّكَ} للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ما تقدم من تعزيز تسليته عند قوله آنفاً: { أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ } تفسير : [فصلت: 45] من العدول إلى لفظ الرب المضاف إلى ضمير المخاطب. والمراد بنفي الظلم عن الله تعالى لعبيده: أنه لا يعاقب من ليس منهم بمجرم، لأن الله لما وضع للناس شرائع وبيّن الحسنات والسيئات، ووعد وأوعد فقد جعل ذلك قانوناً، فصار العدول عنه إلى عقاب من ليس بمجرم ظلماً إذ الظلم هو الاعتداء على حق الغير في القوانين المتلقاة من الشرائع الإِلهية أو القوانين الوضعية المستخرجة من العقول الحكيمة. وأما صيغة (ظلاَّم) المقتضية المبالغة في الظلم فهي معتبرة قبل دخول النفي على الجملة التي وقعت هي فيها كأنه قيل: ليعذب الله المسيء لكان ظلاّماً له وما هو بظلاّم، وهذا معنى قول علماء المعاني: إن النفي إذا توجه إلى كلام مقيَّد قد يكون النفي نفياً للقيد وقد يكون القَيد قيداً في النفي ومثلوه بهذه الآية. وهذا استعمال دقيق في الكلام البليغ في نفي الوصف المصوغ بصيغة المبالغة من تمام عدل الله تعالى أن جعل كل درجات الظلم في رتبة الظلم الشديد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7] وفي سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} تفسير : [النمل: 40]. قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونه ليس بظلام للعبيد، ذكره في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} تفسير : [آل عمران: 182ـ183] الآية. وقوله في الأنفال {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} تفسير : [الأنفال: 51ـ52] الآية. وقوله في الحج: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ} تفسير : [الحج: 10ـ11] الآية. وقوله في سورة ق: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق: 29]. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن لفظة ظلام فيها صيغة مبالغة. ومعلوم أن نفي المبالغة، لا يستلزم نفي الفعل من أصله. فقولك مثلاً: زيد ليس بقتال للرجال لا ينفي إلا مبالغته في قتلهم، فلا ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال. ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة، في الآيات المذكورة هو نفي الظلم من أصله. والجواب عن هذا الإشكال من أربعة أوجه: الأول: أن نفي صيغة المبالغة في الآيات المذكورة، قد بينت آيات كثيرة، أن المراد به نفي الظلم من أصله. ونفي صيغة المبالغة، إذا دلت أدلة منفصلة على أن يراد به نفي أصل الفعل، فلا إشكال لقيام الدليل على المراد. والآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} تفسير : [النساء: 40] الآية. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [يونس: 44]. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49] وقوله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} تفسير : [الأنبياء: 47] الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه في سورة الكهف والأنبياء. الوجه الثاني: أن الله جل وعلا نفي ظلمه للعبيد، والعبيد في غاية الكثرة. والظلم المنفي عنهم تستلزم كثرتهم كثرته، فناسب ذلك الإتيان بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة المنفي التابعة لكثرة العبيد، المنفي عنهم الظلم، إذ لو وقع على كل عبد ظلم ولو قليلاً، كان مجموع ذلك الظلم في غاية الكثرة، كما ترى. وبذلك تعلم اتجاه التعبير بصيغة المبالغة، وأن المراد بذلك نفي أصل الظلم، عن كل عبد من أولئك العبيد، الذين هم في غاية الكثرة، سبحانه وتعالى عن أن يظلم أحداً شيئاً، كما بينته الآيات القرآنية المذكورة. وفي الحديث: "حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" تفسير : الحديث. الوجه الثالث: أن المسوغ لصيغة المبالغة، أن عذابه تعالى بالغ من العظم والشدة، أنه لولا استحقاق المعذبين لذلك العذاب بكفرهم، ومعاصيهم لكان معذبهم به ظلاماً بليغ الظلم متفاقمه، سبحانه وتعالى في ذلك علواً كبيراً. وهذا الوجه والذي قبله أشار لهما الزمخشري في سورة الأنفال. الوجه الرابع: ما ذكره بعض علماء العربية وبعض المفسرين، من أن المراد بالنفي في قوله {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد} [فصلت:46] نفي نسبة الظلم إليه، لأن صيغة فعال مراداً بها النسبة فتغني عن ياء النسب كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : ومع فاعل وفعَّال فِعلْ في نَسَب أغنى عَنِ اليَا فقبِلْ تفسير : ومعنى البيت المذكور، أن الصيغ الثلاثة المذكورة فيه التي هي فاعل كظالم وفعَّال كظالم، وفعِل كفرح، كل منها قد تستعمل مراداً بها النسبة، فيستغنى بها عن ياء النسب، ومثاله في فاعل قول الحطيئة فيه هجوه الزبر قان بن بدر التميمي: شعر : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي تفسير : فالمراد بقوله الطاعم الكاسي النسبة، أي ذو طعام وكسوة، وقول الآخر وهو من شواهد سيبويه: شعر : وغررتني وزعمت أنك لابن في الصيف تامر تفسير : أي ذو لبن وذو تمر، وقول نابغة ذبيان: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكبي تفسير : فقوله: ناصب أي ذو نصب، ومثاله في فعال قول امرئ القيس: شعر : وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال تفسير : فقوله: وليس بنبال أي ليس بذي نبل، ويدل عليه قوله قبله: وليس بذي رمح وليس بذي سيف. وقال الأشموني بعد الاستشهاد بالبيت المذكور: قال المصنف يعني ابن مالك: وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت:46] أي بذي ظلم اهـ. وما عزاه لابن مالك جزم به غير واحد من النحويين والمفسرين، ومثاله في فعل قول الراجز وهو من شواهد سيبويه: شعر : لست بليلى ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر تفسير : فقوله نهر بمعنى نهاري، وقد قدمنا إيضاحه معنى الظلم بشواهده العربية، في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 46- من عمل عملاً صالحاً فأجره لنفسه، ومن أساء فى عمله فإثمه على نفسه، وليس ربك بظلام لعبيده، فيعاقب أحداً بذنب غيره. 47- إلى الله - وحده - يرجع علم قيام الساعة، وما تخرج من ثمرات من أوعيتها، وما تحمل من أنثى ولا تضع حملها إلا كان هذا مقترناً بعلمه، واذكر يوم ينادى الله المشركين - توبيخاً لهم -: أين شركائى الذين كنتم تدعونهم من دونى؟ قالوا - معتذرين -: نُعْلمك - يا الله - ليس منا من يشهد أن لك شريكاً. 48- وغاب عنهم ما كانوا يعبدونه من قبل من الشركاء، وأيقنوا أنه لا مهرب لهم. 49- لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير الدنيوى، فإذا أصابه الشر فهو ذو يأس شديد من الخير، ذو قنوط بالغ من أن يستجيب الله دعاءه. 50- ونقسم: إن أذقنا الإنسان نعمة - تفضلا منا - من بعد ضر شديد أصابه ليقولن: هذا الذى نلته من النعم حق ثابت لى، وما أظن القيامة آتية، وأقسم: إن فُرِضَ ورجعت إلى ربى إن لى عنده للعاقبة البالغة الحسن. ونقسم نحن لنجزين الذين كفروا - يوم القيامة - بعملهم، ولنذيقنهم من عذاب شديد متراكماً بعضه فوق بعض. 51- وإذا أنعمنا على الإنسان تولى عن شكرنا، وبعد بجانبه عن ديننا، وإذا مسه الشر فهو ذو دعاء كثير.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالِحاً} {بِظَلاَّمٍ} (46) - وَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ يَتْرُكَ النَّاسَ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ يُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَعْمَلُونَ، فَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّ نَفْعَ عَمَلِهِ يَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُ عَمَلِهِ عَلى نَفْسِهِ، وَلاَ يَظْلِمُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ، فَلاَ يُعَاقِبُ أَحَداً مِنْهُمْ إِلاَّ بِذَنْبِهِ، وَلاَ يُعَذِّبُهُ إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يقرر هنا حقيقة واقعية، يريد سبحانه للعباد أن يؤمنوا بها، حتى يرسخ في أذهانهم أن كلاً منهم يعمل لصالح نفسه، وأن إيمان المؤمنين لا يعود على الله تعالى بشيء، ولا يزيده سبحانه صفة لم تكُنْ له. كذلك لا تضره معصية العاصين، ولا جحد الجاحدين، ولا إنكار المنكرين، لأنه سبحانه مُستوْفٍ كلَّ صفات الجلال والجمال والكمال قبل أنْ يخلق هذا الخَلْق، فالله تعالى ليس في حاجة أبداً إلى طاعة الطائعين ولا إيمان المؤمنين، بل العباد هم المستفيدون من أعمالهم الصالحة. وما أمور التكاليف الشرعية إلا حرصاً من الله تعالى على خَلْقه، ورحمةً من الصانع بصَنْعته، فكُلُّ صانع يريد لصنعته الصلاح، ويرْبأ بها عن الفساد وأسباب الهلكة. وتذكرون الحديث القُدسيّ: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، ولو أنَّ أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من مُلْكي إلا كما ينقص المخْيَط إذا أُدخِلَ البحر ذلك أني جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أنْ أقول له: كُنْ فيكون ". تفسير : إذن: أنتم أحرار، يؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، فكلٌّ مُجازَى بعمله {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46] هو المستفيد، وليس لي من عمله شيء {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] أي: على نفسه تحسب إساءته، هذه قضية يقررها ربك عز وجل، ولك أن تختار لنفسك، وأنْ تُوردها المورد الذي يُسعدها لا الذي يُشقيها. ومن العجيب أن الإنسان بعد أنْ عرف هذه الحقيقة يورد نفسه موارد الهلاك، لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه ظلوم وجهول. والحق سبحانه حين ينذرنا بالعقوبة، وحين يشددها ليس من حظه أنْ يُوقع هذه العقوبة بالعباد، إنما أراد سبحانه أنْ يصرفنا نحن عن أسبابها ويُخوِّفنا منها حتى لا نقع فيها، الله تعالى مُنزَّه عن الظلم {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]. إنه يُخوِّفك حمايةً لك، بالله حين يقول لنا: مَنْ قتل يُقتل، أيريد أنْ يقتل الناس، أم يريد أنْ يحقن الدماء ويحفظها؟ ومَنْ يقدم على القتل وهو يعرف أن مَنْ قتل يُقتل؟ لذلك تجد القرآن في مسألة القوة العسكرية يقول: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 60]. العجيب أن أعداء الإسلام يأخذون من هذه الآية دليلاً على أن الإسلام يؤيد الإرهاب لأنه ذكر كلمة (تُرْهِبُونَ) وهذا فَهْم خاطئ لأسلوب القرآن، لأن معنى إعداد القوة التي ترهب أنني لا أريد المعركة ولا أريد المواجهة، فحين يعرف عدوى أنِّي مستعد يخاف ولا يُقدِم على القتال. نسمعهم في المسائل العسكرية يقولون: توازن القوى، هذا التوازن هو الذي يحفظ السلام في المجتمع الدولي كله، وأيام كان في العالم قوتان متكافئتان هي روسيا وأمريكا كان هناك استقرارٌ عسكريٌّ، فكلٌّ منهما تخشى الأخرى حتى كانوا يقولون على الحروب بينهما (الحرب الباردة) لكن لما تفككتْ قوة روسيا أصبح لأمريكا الغَلَبة، فهي القوة الوحيدة الآن، ونراها تعمل ما تريد دون رادع من قوة أخرى. إذن: نقول: الحق سبحانه وتعالى حين يأمرنا بإعداد القوة العسكرية لا يعني أنه سبحانه يدفعنا إلى ساحة القتال، إنما يعني حفظ السلام بيننا وبين غيرنا، ومعلوم أنك لا تُقدِم أبداً على مهاجمة مَنْ هو أقوى منك، فالآية تريد السلام، لا تريد الإرهاب كما يدَّعُون. وقوله سبحانه: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] كلمة (ظَلاَّم) على وزن فعَّال، وهي صيغة مبالغة من ظالم مثل: قاتل وقتَّال، والآية حينما تنفي صيغة المبالغة لا يقتضي ذلك نَفْيَ الأصل وهو ظالم، فالوصف الأقلّ موجود، لأنك لو قلت في الإثبات فلان علاَّم دلَّ ذلك على أنه عالم من باب أَوْلَى، لكن في النفي لو قلت: فلان ليس بعلاَّم، فلا يمنع أنْ يكون عالماً. إذن: فهل يعني نَفْي المبالغة ظلاَّم إثبات ظالم - تعالى الله عن الظلم - قالوا: لا، لأن لفظ الآية {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] ولم يقل للعبد، فصيغة المبالغة جاءت من تكرار الفعل. يعني: ظلم عبداً واحداً يعني ظالم، فإنْ ظلم الكل فلا بدَّ أن عنده قوة كبيرة تُحوله إلى ظلاَّم. فنَفْي ظلاَّم بهذا المعنى نَفْيٌ لظالم أيضاً، ثم مَنْ يريد أن يظلم يظلم على قدر قوته، فعلى فَرْض أن الحق سبحانه وتعالى يظلم فهو ظلاَّم {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]. الحق سبحانه وتعالى حين ينفي صفة الظلم عن نفسه تعالى بعد قوله {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] كأنه يقول سبحانه: أنا حكَم عَدْلٌ بينكم وبين أنفسكم، أجزي كل نفس بما عملت وبما سعَتْ دون ظلم، فأنا أحكم لكم وعليكم، فأنتم لستُمْ خصوماً لي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):