٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في الآية المتقدمة بقوله { أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } تفسير : [فصلت: 46] ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة، وكأن سائلاً قال ومتى يكون ذلك اليوم؟ فقال تعالى إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } وهذه الكلمة تفيد الحصر أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين أحدهما: قوله {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا } والثاني: قوله {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة، قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم (من ثمرات) بالألف على الجمع والباقون (من ثمرة) بغير ألف على الواحد. واعلم أن نظير هذه الآية قوله { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } تفسير : [القمان: 34] إلى آخر لآية، فإن قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالاً كثيرة من أحوال العالم، وكذلك قد يتعرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم، وههنا شيء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير الإصابة وأيضاً علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية؟ قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب ألبتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين وبهذ لطريق زالت المنافاة والمعاندة والله أعلم، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه بشيء من أحوال يوم القيامة، وهذا االذي ذكره ههنا شديد التعلق أيضاً بما وقع الابتداء به في أول السورة، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل أنه قال في أول السورة { أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } تفسير : [فصلت: 6] فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء ولأنداد فقال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى } أي بحسب زعمكم واعتقادكم {قَالُواْ آذناك } قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى: { أية : وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ } تفسير : [الانشقاق: 2] بمعنى سمعت، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد، لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال. ثم قال: {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } وفيه وجوه الأول: ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكاً، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك لله تعالى الثاني: ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ الثالث: أن قوله {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } كلام الأصنام فإن الله يحييها، ثم إنها تقول ما منا من أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى أنها لا تنفعهم فكأنهم ضلوا عنهم. ثم قال: {وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول إن الكفار ظنوا أولاً ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب، ومنهم من قال إنهم ظنوا أولاً أنه لا محيص لهم عن النار ثم أيقنوا ذلك بعده، وهذا بعيد لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم، ولما بيّـن الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن أحسّ ببلاء ومحنة ذبل، كما قيل في المثل: إن هذا كالقرلى، إن رأى خيراً تدلى، وإن رأى شراً تولى، فقال: {لاَّ يَسْـأمُ ٱلإِنْسَـٰنُ مِن دُعَاء ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } يعني أنه في حال الإقبال ومجيء المرادات لا ينتهي قط إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها ويطمع بالفوز بها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيساً قانطاً، فالانتقال من ذلك الرجاء الذي لا آخر له إلى هذا اليأس الكلي يدل على كونه مبتدل الصفة متغير الحال وفي قوله {يئوس قنوط} مبالغة من وجهين أحدهما: من طريق بناء فعول والثاني: من طريق التكرير واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار ليأس في الوجه والأحوال الظاهرة. ثم بيّـن تعالى أن هذا الذي صار آيساً قانطاً لو عاودته النعمة والدولة، وهو المراد من قوله {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } فإن هذا الرجل يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر والبعد عن الله تعالى فأولها أنه لا بد وأن يقول هذا لي وفيه وجهان الأول: معناه أن هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما حصل عندي من أنواع الفضائل وأعمال البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، وذلك لأنه إن كان ذلك الشخص عارياً عن الفضائل، فهذا الكلام ظاهر الفساد وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة، فهي بأسرها إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه، وإذ تفضل الله بشيء على بعض عبيده، امتنع أن يصير تفضله عليه بتلك العطية سبباً لأن يستحق على الله شيئاً آخر، فثبت بهذا فساد قوله إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي والوجه الثاني: أن هذا لي أي لا يزول عني ويبقى علي وعلى أولادي وذريتي. والنوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أن يقول {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } يعني أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة، فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول إنها لي وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً }. والنوع الثالث: من كلماتهم الفاسدة أن يقول {وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبّي إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل، وبتقدير أن يكون حقاً فإن لي عنده للحسنى، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه الأول: أن كلمة إن تفيد التأكيد الثاني: أن تقديم كلمة لي تدل على هذا التأكيد الثالث: قوله {عِندَهُ } يدل على أن تلك الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لي عند فلان كذا من الدنانير، فإن هذا يفيد كونها حاضرة عنده، فلو قلت إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك والرابع: اللام في قوله {لَلْحُسْنَىٰ } تفيد التأكيد الخامس: للحسنى يفيد الكمال في الحسنى. ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: {فَلَنُنَبّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ } أي نظهر لهم أن الأمر على ضد ما اعتقدوه وعلى عكس ما تصوروه كما قال تعالى: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23] {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } في مقابلة قولهم {إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }. ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ } عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله {وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع، وقد استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول أيضاً كما استعير الغلظ لشدة العذاب. واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين يرجعون عن القول بالشرك في يوم القيامة، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع بسبب استيلاء الخوف عليهم، وبين أن الإنسان جبل على التبدل، فإن وجد لنفسه قوة بالغ في التكبر والتعظم، وإن أحسّ بالفتور والضعف بالغ في إظهار الذلة والمسكنة ذكر عقيبة كلاماً آخر يوجب على هؤلاء الكفار أن لا يبالغوا في إظهار النفرة من قبول التوحيد، وأن لا يفرطوا في إظهار العداوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } وتقرير هذا الكلام أنكم كلما سمعتم هذا القرآن أعرضتم عنه وما تأملتم فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم { أية : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت: 5] ثم من المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً علماً بديهياً، وليس العلم بفساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهياً، فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وأن يكون فاسداً بتقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات العقاب، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركوا هذه الثغرة، وأن ترجعوا إلى النظرة والاستدلال فإن دل الدليل على صحته قبلتموه، وإن دل على فساده تركتموه، فأما قبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل، وقوله {مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } موضوع موضع منكم بياناً بحالهم وصفاتهم، ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة في تقرير التوحيد والنبوة، وأجاب عن شبهات المشركين وتمويهات الضالين قال: {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } قال الواحدي واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء ونواحيها وأطرافها، وفي تفسير قوله {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ } قولان الأول: أن المراد بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار وآيات الأضواء والإضلال والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة، وقد أكثر الله منها في القرآن، وقوله {وَفِي أَنفُسِهِمْ } المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة، كما قال تعالى: { أية : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 21] يعني نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزّه عن المثل والضد، فإن قيل هذا الوجه ضعيف لأن قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ } يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد كان الله أطلعهم عليها قبل ذلك فثبت أنه تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه، قلنا إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زماناً فزماناً، ومثاله كل أحد رأى بعينه بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها فكلما ازداد وقوفاً على تلك العجائب والغرائب فصح بهذا الطريق قوله {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } والقول الثاني: أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة وبآيات أنفسهم فتح مكة والقائلون بهذا القول رجّحوه على القول الأول لأجل أن قوله {سَنُرِيهِمْ } يليق بهذا الوجه ولا يليق بالأول إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله {سَنُرِيهِمْ } لائق بالوجه الأول كما قررناه، فإن قيل حمل الآية على هذا الوجه بعيد لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صلى الله عليه وسلم استولى على بعض البلاد المحيطة بمكة، ثم استولى على مكة، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً، فإنا نرى أن الكفار قد يحصل لهم استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم، وذلك لا يدل على كونهم محقين، ولهذا السبب قلنا إن حمل الآية على الوجه الأول أولى، ثم نقول إن أردنا تصحيح هذا الوجه، قلنا إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل نستدل به من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي عليها ويقهر أهلها ويصير أصحابه قاهرين للأعداء، فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقاً لخبره، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً. ثم قال: {أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء شَهِيدٌ } وقوله {بِرَبّكَ } في موضع الرفع على أنه فاعل {يَكُفَّ } و{أنه على كل شيء شهيد} بدل منه، وتقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، ومعنى كونه تعالى شهيداً على الأشياء أنه خلق الدلائل عليها، وقد اسقضينا ذلك في تفسير قوله { أية : قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 19] والمعنى ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وفي كل سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة. ثم ختم السورة بقوله {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ } أي إن القوم في شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة، وقرىء {فِى مِرْيَةٍ } بالضم. ثم قال: {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ } أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فإن قيل قوله {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ } يقتضي أن تكون علومه متناهية، قلنا قوله {بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ } يقتضي أن يكون علمه محيطاً بكل شيء من الأشياء فهذا يقتضي كون كل واحد منها متناهياً، لا كون مجموعها متناهياً، والله أعلم بالصواب. تم تفسير هذه السورة وقت ظهر الرابع من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمدلله رب العالمين وصلاته على خاتم النبيين محمد وآله وصحبه وسلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي حين وقتها. وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن كنت نبيّاً فخبِّرنا متى قيام الساعة فنزلت: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ} «مِنْ» زائدة أي وما تخرج ثمرة. {مِّنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها كُمّة وهي كل ظرف لمال أو غيره؛ ولذلك سمي قشر الطَّلْع أعني كُفُرّاه الذي ينشق عن الثمرة كُمّة؛ قال ابن عباس: الكُمّة الكُفُرّى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست بكمة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الرحمن». وقرأ نافع وابن عامر وحفص «مِنْ ثَمَرَاتٍ» على الجمع. الباقون «ثَمَرَة» على التوحيد والمراد الجمع، لقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ} والمراد الجمع، يقول: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي ينادي الله المشركين {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع. {قَالُوۤاْ} يعني الأصنام. وقيل: المشركون. ويحتمل أن يريدهم جميعاً العابد والمعبود {آذَنَّاكَ} أسمعناك وأعلمناك. يقال: آذن يؤذن: إذا أعلم، قال:شعر : آذَنَتْنَا بِبَيْنها أَسْماءُ رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاء تفسير : {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكاً. لما عاينوا القيامة تبرؤوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدّم في غير موضع. {وَضَلَّ عَنْهُم} أي بطل عنهم {مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} في الدنيا {وَظَنُّواْ} أي أيقنوا وعلموا {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي فرار عن النار. و«مَا» هنا حرف وليس باسم؛ فلذلك لم يعمل فيه الظنّ وجعل الفعل ملغى؛ تقديره: وظنوا أنهم ما لهم محيص ولا مهرب. يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب. وقيل: إن الظن هنا الذي هو أغلب الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا منها. وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤيسوا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } متى تكون لا يعلمها غيره {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ } وفي قراءة ثمرة {مِّنْ أَكْمَامِهَا } أوعيتها جمع كِمّ بكسر الكاف إلا بعلمه {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ أَيْنَ شُرَكَءِى قَالُواْ ءَاذَنَّٰكَ} أعلمناك الآن {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } أي شاهد بأن لك شريكاً.
ابن عطية
تفسير : المعنى: أن وقت علم الساعة ومجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه إلى الله عز وجل. وذكر تعالى الثمار وخروجها من الأكمام وحمل الإناث مثالاً لجميع الأشياء، إذ كل شيء خفي فهو في حكم هذين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش: "من ثمرة" بالإفراد على أنه اسم جنس. وقرأ نافع وابن عامر: "ثمرات" بالجمع، واختلف عن عاصم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج والحسن بخلاف، وفي مصحف عبد الله: "في ثمرة من أكمامها". والأكمام: جمع كم، وهو غلاف التمر قبل ظهوره. وقوله تعالى: {ويوم يناديهم} تقديره: واذكر يوم يناديهم والضمير في: {يناديهم} ظاهره والأسبق فيه أنه يريد به الكفار عبدة الأوثان. ويحتمل أن يريد به كل من عبد من دون الله من إنسان وغيره، وفي هذا ضعف، وإنما الضمير في قوله: {وضل عنهم} فلا احتمال لعودته إلا على الكفار. و: {آنذاك} قال ابن عباس وغيره معناه: أعلمناك {ما منا من شهيد} ولا من يشهد بأن لك شريكاً. {وضل عنهم} أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: {وضل عنهم} الأصنام، أي تلفت لهم فلم يجدوا منها نصراً وتلاشى لهم أمرها. وقوله: {وظنوا} يحتمل أن يكون متصلاً بما قبله ويكون الوقف عليه، ويكون قوله: {ما لهم من محيص} استئناف نفي أن يكون لهم منجى أو موضع روغان، يقول: حاص الرجل: إذا راغ يطلب النجاة من شيء، ومنه الحديث: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه، أي ظنوا أن هذه المقالة: {ما منا من شهيد} منجاة لهم، أو أمر يموهون به، ويحتمل أن يكون الوقف في قوله: {من قبل}، ويكون: {وظنوا} متصلاً بقوله: {ما لهم من محيص} أي ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وبه فسر السدي، وهذه عبارة يطلقها أهل اللسان على الظن، ولست تجد ذلك إلا فيما علم علماً قوياً وتقرر في النفس ولم يتلبس به بعد، وإلا فمتى تلبس بالشيء وحصل تحت إدراك الحواس فلست تجدهم يوقعون عليه لفظة الظن. وقوله تعالى: {لا يسئم الإنسان} آيات نزلت في كفار قريش، قيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عتبة بن ربيعة، وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقاً ربما شارك فيه بعض المؤمنين. و: {دعاء الخير} إضافته المصدر إلى المفعول، والفاعل محذوف تقديره: من دعاء الخير هو. وفي مصحف ابن مسعود: "من دعاء بالخير". و {الخير} في هذه الآية: المال والصحة، وبذلك تليق الآية بالكافر، وإن قدرناه خير الآخرة فهي للمؤمن، وأما اليأس والقنط على الإطلاق فمن صفة الكافر وحده. وقوله تعالى: {ليقولن هذا لي} أي بعلمي وبما سعيت، ولا يرى أن النعم إنما هي بتفضل من الله تعالى: {وما أظن الساعة قائمة} قول بيّن فيه الجحد والكفر. ثم يقول هذا الكافر، ولئن كان ثم رجوع كما تقولون، لتكونن لي حال ترضيني من غنى ومال وبنين، فتوعدهم الله تعالى بأنه سيعرفهم بأعمالهم الخبيثة مع إذاقتهم العذاب عليها، فهذا عذاب وخزي. وغلظ العذاب شدته وصعوبته. وقال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للكافر أمنيتان، أما في دنياه فهذه: {إن لي عنده للحسنى}. وأما في آخرته: {أية : فيا ليتني كنت تراباً} تفسير : [النبأ: 40]. قال القاضي أبو محمد: والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد، فقد قال عليه السلام:حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله .
النسفي
تفسير : {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي علم قيامها يرد إليه أي يجب على المسؤول أن يقول الله يعلم ذلك {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ } مدني وشامي وحفص وغيرهم بغير ألف {مِّنْ أَكْمَامِهَا } أوعيتها قبل أن تنشق جمع «كم» {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ } حملها {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى} أضافهم إلى نفسه على زعمهم وبيانه في قوله {أَيْنَ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } وفيه تهكم وتقريع {قَالُواْ ءَاذَنَّاكَ } أعلمناك وقيل أخبرناك وهو الأظهر إذ الله تعالى كان عالماً بذلك وإعلام العالم محال، أما الإخبار للعالم بالشيء فيتحقق بما علم به إلا أن يكون المعنى إنك علمت من قلوبنا الآن إنا لنشهد تلك الشهادة الباطلة، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنه أعلموه. {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } أي ما منا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكاً وما منا إلا من هو موحد لك، أو مامنا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ. وقيل: هو كلام الشركاء أي ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ } يعبدون {مِن قَبْلُ } في الدنيا {وَظَنُّواْ } وأيقنوا {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } مهرب. {لاَّ يَسْـئَمُ } لا يمل {ٱلإِنسَـٰنث} الكافر بدليل قوله {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } {مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ } من طلب السعة في المال والنعمة والتقدير من دعائه الخير فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } الفقر {فَيَئُوسٌ } من الخير {قَنُوطٌ } من الرحمة بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير. والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر أي يقطع الرجاء من فضل الله وروحه وهذا صفة الكافر بدليل قوله تعالى {أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}تفسير : [يوسف: 87] {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى } وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال هذا لي أي هذا حقي وصل إليّ لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال بر، أو هذا لي لا يزول عني {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } أي ما أظنها تكون قائمة {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّى } كما يقول المسلمون {إِنَّ لِى عِندَهُ } عند الله {لَلْحُسْنَىٰ } أي الجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ } فلنخبرنهم بحقيقة ما علموا من الأعمال الموجبة للعذاب {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } شديد لا يفتر عنهم. {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ } هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن شكره {وَنَئَا بِجَانِبِهِ } وتباعد عن ذكرالله ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبر وتعظم، وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة نفسه ومنه قول الكتاب كتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز يريدون نفسه وذاته فكأنه قال: ونأى بنفسه {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ } الضر والفقر {فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } كثير أي أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام كما استعير الغلظ لشدة العذاب، ولا منافاة بين قوله {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } وبين قوله {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } لأن الأول في قوم والثاني في قوم، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان، أو قنوط من الصنم ذو دعاء لله تعالى. {قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني {إِن كَانَ } القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ } ثم جحدتم أنه من عند الله {مَنْ أَضَلُّ} منكم إلا أنه وضع قوله {مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } موضع «منكم» بياناً لحالهم وصفتهم {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ} من فتح البلاد شرقاً وغرباً {وَفِى أَنفُسِهِمْ } فتح مكة {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } أي القرآن أو الإسلام {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} موضع {بِرَبّكَ } الرفع على أنه فاعل والمفعول محذوف وقوله {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} بدل منه تقديره أولم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد أي أولم تكفهم شهادة ربك على كل شيء، ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد. {أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ } شك {مِّن لّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطُ } عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها فلا تخفى عليه خافية فيجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ...} الآية، المعنى: إنَّ علم الساعة ووقتَ مجيئها يَرُدُّهُ كُلُّ مؤْمِنٍ متكلِّم فيه إلى اللَّه عز وجل. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى...} الآية، التقدير: واذكر يوم يناديهم، والضمير في {يُنَادِيهِمْ} الأظهر والأسبق فيه للفهم: أنَّه يريد الكفارَ عَبَدَةَ الأوثان، ويحتمل أنْ يريد كُلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه من إنسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هذا ضَعْفٌ، وأَمَّا الضمير في قوله: {وَضَلَّ عَنْهُم} فلا ٱحتمالَ لِعَوْدَتِهِ إلاَّ على الكفار، و{ءَاذَنَّاكَ} قال ابن عباس وغيره: معناه: أعلمناك ما مِنَّا مَنْ يشهدُ، ولا مَنْ شَهِدَ بأنَّ لك شريكاً {وَضَلَّ عَنْهُم} أي: نَسُوا ما كانوا يقولُونَ في الدنيا، ويَدْعُونَ من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وضَلَّ عنهم الأصنام، أي: تلفت، فلم يجدوا منها نَصْراً، وتلاشَىٰ لهم أمْرُهَا. وقوله: {وَظَنُّواْ} يحتمل أنْ يكونَ متَّصِلاً بما قبله، ويكون الوقْفُ عليه، ويكون قوله: {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} استئنافاً، نفَى أنْ يكُونَ لهم مَلْجَأً أو موضِعَ رَوَغَانٍ، تقول: حَاصَ الرَّجُلُ: إذَا رَاغَ لِطَلَبِ النجاةِ مِنْ شَيْءٍ؛ ومنه الحديثُ: «حديث : فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلَى الأَبْوَابِ» تفسير : ، ويكونَ الظَّنُّ على هذا التأويل على بابه، أي: ظَنُّوا أَنَّ هذه المقالة {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} مَنْجَاةٌ لهم، أو أمر يموِّهون به، ويحتمل أنْ يكون الوقف في قوله: {مِن قَبْلُ}، ويكون {وَظَنُّواْ} متصلاً بقوله: {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي: ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين، وقد تقدَّم البحثُ في إطلاق الظن على اليقين. * ت *: وهذا التأويلُ هو الظاهرُ، والأوَّلُ بعيدٌ جدًّا. وقوله تعالى: {لاَّ يَسْـئَمُ ٱلإِنْسَـٰنُ مِن دُعَاءِ ٱلْخَيْرِ} هذه آياتٌ نزلَتْ في كُفَّارٍ، قيل: في الوليد بن المُغِيرَةِ، وقيل: في عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآية يُعْطِي أَنَّها نزلَتْ في كُفَّارٍ، وإنْ كان أَوَّلُها يتضمن خُلُقاً ربما شارك فيها بَعْضُ المؤمنين. و{دُعَاءِ ٱلْخَيْرِ} إضافته إضافة المصدر إلى المفعول، وفي مصحف ابن مسعود: «مِنْ دُعَاءٍ بالْخَيْرِ» والخيرُ في هذه الآية المالُ والصحَّةُ، وبذلك تليق الآية بالكفَّار. وقوله تعالى: {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى} أي: بعملي وبما سعيت ولا يرى أَنَّ النِّعَمَ إنَّما هي فَضْلٌ من اللَّهِ تعالَىٰ؛ قال * ص *: {لَيَقُولَنَّ} قال أبو البقاءِ: هو جَوَابُ الشَّرْطِ، والفاء محذوفةٌ، وقيل: هو جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، قال * ص *: قُلْتُ: هذا هو الحَقُّ، والأَوَّلُ غلَطٌ؛ لأَنَّ القَسَمَ قد تقدَّم في قوله: {وَلَئِنِ} فالجواب له، ولأَنَّ حذف الفاء في الجواب لا يجوزُ، انتهى، وفي تغليط الصَّفَاقُسِيِّ لأبي البقاء نظر. وقوله: {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} قولٌ بَيِّنٌ فيه الجَحْدُ والكُفْر، ثم يقول هذا الكافر: {وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّى}: كما تقولُونَ: «إن لي عنده للحسنى» أي: حالاً ترضيني من مال، وبنين، وغيرِ ذلك، قال * ع *: والأمانيُّ على اللَّه تعالى، وتركُ الجِدِّ في الطاعةِ مذمومٌ لكُلِّ أحد؛ فقد قال عليه السلام: «حديث : الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لَمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنِ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّىٰ عَلَى اللَّهِ » .
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وما تخرج من ثمرة من أكمامها} قال: حين تطلع. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {آذناك} أعلمناك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله {لا يسأم الإِنسان} قال: لا يمل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ولئن أذقناه رحمة منا..} الآية. قال: عافية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {سنريهم آياتنا في الآفاق} قال: كانوا يسافرون فيرون آثار عاد وثمود يقولون والله لقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم {وما أراهم في أنفسهم} قال: الأمراض.
القشيري
تفسير : لمَّا استعجلوا وقالوا: متى تقوم هذه القيامةُ التي يَتوعَّدنا بها؟ قال الله تعالى: إنَّ علمَ القيامة ينفرد به الحقُّ فلا يعلمه غيره، فكما لا يعلم أحدٌ ما الذي يخرج من الأشجار من الثمار، وما الذي تنطوي عليه أرحامُ النساءِ من أولادها ذكوراً وإناثاً، وما هم عليه من أوصاف الخِلْقة، وما يحصل من الحيوانات من نتاجها - فلا يعلم هذه الأشياء إلا الله - فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تقوم القيامة. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي}: يتبرؤون من شركائهم، ولكن في وقت لا تنفعهم كثرةُ نَدَمِهم وبكائهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {اليه} تعالى لا الى غيره {يرد علم الساعة} اذا سئل عن القيامة يقال الله يعلم اذ لا يعلمها الا الله فاذا جاءت يقضى بين المحسن والمسيئ بالجنة والنار {وما} نافية {تخرج من ثمرات} من مزيدة للتنصيص على الاستغراق فانه قبل دخولها يحتمل نفى الجنس ونفى الوحدة والمعنى بالفارسية وبيرون نيايد هيج ميوه {من اكمامها} من اوعيتها يعنى الكفرى قبل أن ينشق وقيل قشرها الاعلى من الجوز واللوز والفستق وغيرها جمع كم بالكسر وهو وعاء الثمرة وغلافها اى ما يغطى الثمرة كما أن الكم بالضم ما يغط اليد من القميص {وما تحمل من انثى} وبارنكيرد هيج ماده ازانسان وسائر حيوانات {ولا تضع} حملها بمكان على وجه الارض {الا بعلمه} استثناء مفرغ من اعم الاحوال ولم يذكر متعلق العلم للتعميم اى وما يحدث شىء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع ملابسا بشىء من الاشياء الا ملابسا بعلمه المحيط واقعا حسب تعلقه به يعلم وقت خروج الثمرة من اكمامها وعددها وسائر ما يتعلق بها من انها تبلغ اوان النضج او تفسد قبل ونحوه ووقت الحمل وعدد ايامه وساعاته واحواله من الحداج والتمام والذكورة والانوثة والحسن والقبح وغير ذلك ووقت الوضع وما يتعلق به ولعل ذكر هذه الجمل الثلاث بعد ذكر الساعة لاشتمالها على جواز البعث واحياء الموتى وفى حواشى ابن الشيخ المعنى أن اليه يضاف علم الساعة اى علم وقت وقوع القيامة فاذا سئلت عنه فرد العلم اليه فقل الله اعلم كما يرد اليه علم جميع الحوادث الآتية من الثمار والنبات وغيرهما (روى) أن منصورا الدو انقى اهمه مدة عمره فرآى فى منامه شخصا اخرج يده من البحر واشار بالاصابع الخمس فاستفتى العلماء فى ذلك فتأولوه بخمس سنين وبخمسة اشهر وبغير ذلك حتى قال ابو حنيفة تأويله ان مفاتح الغيب خمسة لا يعلمها الا الله وان ما طلبت معرفته لا سبيل لك اليه اخذه ابو حنيفة رحمه الله من قوله عليه السلام "حديث : مفاتح الغيب خمسة" وتلا قوله تعالى {ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الارحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس باى ارض تموت} . تفسير : يقول الفقير ظهر من هذا وجه الجمع بين علم الساعة وعلم خروج الثمرات اذ هو داخل فى تنزيل الغيث لانه بالغيث والرياح تخرج النباتات وتظهر الثمرات {ويوم يناديهم} اى اذكر يا محمد لقومك يوم يناديهم الله {اين شركائى} بزعمكم كما نص عليه فى قوله تعالى {أية : اين شركائى الذين زعمتم} تفسير : وبالفارسية كجا اند انبازان بزعم شما {قالوا آذناك} اى اخبرناك واعلمناك {ما منا} نيست ازما {من شهيد} من احد يشهد لهم بالشركة اذ تبرأنا منهم لما عاينا الحال فيكون السؤال عنهم للتوبيخ والشهيد من الشهادة او ما منا من احد يشهدهم لأنهم ضلوا عنهم حينئذ فهم لا يبصرونهم فى ساعة التوبيخ فالشهيد من الشهود قال فى حواشى سعدى المفتى والظاهر أنه كقولهم والله ربنا ما كنا مشركين بل الاشارة بقولهم آذناك الى هذا القول الذى اجابوا به اولا متعمدين للكذب انتهى وفى الارشاد قولهم آذناك اما لأن هذا التوبيخ مسبوق بتوبيخ آخر مجاب بهذا الجواب أو لأن معناه الانشاء لا الاخبار بايذان قد كان انتهى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِليه يُرَدُّ عِلْمُ الساعةِ} أي: إذا سُئل عنها يجب أن يقال: الله أعلم بوقت مجيئها، أو: لا يعلمها إلا الله، {وما تَخْرُجُ من ثمراتٍ من أكمامها}؛ من أوعيتها، جمع "كِمَ" بكسر الكاف؛ وهو وعاء الثمرة قبل أن تنشق، أي: لا يعلم كيفية خروجها ومآلها إلا الله. {وما تحمل من أُنثى} أي: تعلقُ النطفة في رحمها، وما ينشأ عنها من ذكورة وأنوثة وأوصاف الخلقة؛ تامة أو ناقصة، {ولا تضع} حَملها {إِلا بعلمه}؛ استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع، ملابساً بشيء من الأشياء إلا ملابساً بعلمه المحيط. {و} اذكر {يومَ يُناديهم} فيقولُ: {أين شركائي} بزعمكم، أضافهم إليه على زعمهم، وفيه تهكم بهم وتقريع، {قالوا آذَنَّاك ما مِنَّا من شهيدٍ} أي: من أحد يشهد لهم بالشركة، إذ تبرأنا منهم، لما عاينا حقيقة الحال، وتفسير "آذن" هنا بالإخبار، أحسن من تفسيره بالإعلام؛ لأن الله تعالى كان عالماً بذلك، وإعلام العالم محال؛ أما الإخبار للعالم بالشيء ليتحقق بما علم به فجائز، إلا أن يكون المعنى: إنك علمت من قلوبنا الآن: أنَّا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة؛ لأنه إذا علمه من نفوسهم، فكأنهم أعلموه، أي: أخبرناك بأنَّا ما منا أحد اليوم يشهد بأنّ لك شريكاً، وما منا إلا مَن هو مُوَحَّد. أو: (ما منا من) أحد يشاهدهم، لأنهم ضلُّوا عنهم في ساعة التوبيخ، وقيل: هو من كلام الشركاء، أي: ما منا شهيد يشهد بما أضافوا لنا من الشركة. {وضلّ عنهم ما كانوا يَدْعُون}؛ يعبدون {من قَبْلُ} في الدنيا {وظنوا}؛ وأيقنوا {ما لهم من محيصٍ}؛ من مهرب، والظن معلق عنهم بحرف النفي عن المفعولين. الإشارة: إليه تعالى يُرَدُّ علمُ الساعة، التي يقع الفتح فيها على المتوجه، بكشف الحجاب بينه وبين حبيبه، وما تخرج من ثمرات العلوم والحِكَم من أكمام قلبه، وما تحمل نفس من اليقين والمعرفة، إلا بعلمه. ثم ذمَّ مَن مال إلى غيره بالركون والمحبة، وذكر أنه يتبرأ منه في حال ضيقه، فلا ينبغي التعلُّق إلا به، ولا ميل القصد والمحبة إلا له ـ سبحانه ـ وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جبل عليه طبع الإنسان من الجزع والهلع، فقال: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ}.
الجنابذي
تفسير : {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} قد فسّر السّاعة بحين الموت وبالقيامة وبظهور القائم (ع) والكلّ واحد على التّحقيق وعلم ذلك مختصّ به تعالى وامّا قولهم (ع): عندنا علم البلايا والمنايا، فهم فى ذلك الهيّون لا بشريّون {وَمَا تَخْرُجُ} ما موصولة معطوفة على علم السّاعة او نافية والجملة معطوفة على جملة اليه يردّ علم السّاعة {مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} جمع الكمّ بالكسر وهو او الكمامة وعاء الطّلع وغطاء النّور {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} وعلم من يعلم ذلك من افراد البشر من علمه تعالى {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} متعلّق بمحذوفٍ اى اذكر او ذكّرهم او متعلّق بقالوا {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الّذين جعلتموهم شركائى فى الوجوب او فى العبادة او فى الطّاعة او أين شركائى بحسب مظاهرى وخلفائى من مقابلى علىّ (ع) {قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ} اعلمناك بضلالهم عنّا او ببراءتنا منهم او قوله تعالى {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} مفعولاه معلّق عنهما العامل والمعنى ما منّا شاهدٌ يشهد لهم بالشّراكة، او ما منّا احدٌ يشاهدهم لضلالهم عنّا، او انكروا اشراكهم وقالوا: ما كان احد منّا يشهد بشركهم فى الدّنيا.
اطفيش
تفسير : {إِلَيْهِ} لا الى غيره* {يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} يوم القيامة اذا وقع السؤال عنها لانه لا يعلمها الا الله* {وَمَا} موصول اسمي معطوف على الساعة* {تَخْرُجُ} بالتأنيث نظرا لمعنى ما لوقوعها على الثمرات* {مِّنْ ثَمَرَاتٍ} من البيان وقرأ غير نافع وحفص وابن عامر (من ثمرة) للافراد والمراد الجنس* {مِّنْ أَكْمَامِهَا} من للابتداء والاكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الثمر وهو الكفر وقيل يشق قاله ابن عباس أي لا يعلم الساعة وما يخرج من الأكمة الا الله وقرئ (من أكمامهن) ويجوز كون ما نافية (ومن) الاولى زائدة و (ثمرات) فاعل (تخرج) كما ان (ما) نافية في قوله {وَمَا تَحْمِلُ} (ومن) زائدة في الفاعل في قوله* {مِنْ أُنثَى} أي تحقق انه لا تخرج ثمرات من أكمامها ولا تحمل أنثى* {وَلاَ تَضَعُ} حملها {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي مع علمه عدد الثمرات وصغرها وكبرها وأيامها وحلوها وصفاتها وأيام الحمل وساعاته ومتى يكون الوضع وذكرا أو أنثى وغير ذلك والمراد التمثيل بذلك أنه لا يعلم الغيب الا الله وان قلت الرجل الصالح من أهل الكشف يقول فيصيب مثل الرجل الذي في وارجلان يرى انسانا فيخبره باسمه واسم أبيه وانه سعيد أو شقي وقد قال العلامة يوسف بن ابراهيم غاية المنجم أن يعلم سعادته أو شقاوته وأخبر الامام أفلح ببقرة تذبح غداً أو لا وان في بطنها جنيناً وقالت أخته ان في ذنبه بياضاً أو وقع الشك هل البياض في ذنبه أو وجهه وذبحت كذلك وجد الجنين ذنبه فيه بياض ملتو الى وجهه وغير ذلك قتل ذلك الهام من الله واعلام وليس غيباً استأثره الله به ثم ان المنجم ليس علمه يقيناً فلا يمكن القطع والكاهن يسمع من الجان* {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي واذكر يوم ينادى الله المشركين {أَيْنَ شُرَكَآئِي} أي الذين تزعمونهم شركائي (وشركائي) مبتدأ وأين خبره والجملة مفسرة للنداء أو مفعول به لتضمنه معنى القول أو في اضافة الشركاء الى الياء تهكم وتعنيف وفتح ابن كثير الياء وأجاز بعضهم على ضعف عود الهاء لكل معبود من دون الله من انسان أو غيره* {قَالُواْ} أي المشركون {آذَنَّاكَ}. قال ابن عباس: أعلمناك قلت هو انشاء أي أخبرناك الآن أي أوجدنا اعلامك الآن بقولنا. {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} (من) الأخيرة زائدة أي ليس منا شهيد لهم بالشركة اليوم وقد سمعنا وأبصرنا وعاينا العذاب وكل منا اليوم موحد ففي السؤال عنهم توبيخهم أو ليس منا مشاهد لهم لانهم ضلت عنهم شركاؤهم حال التوبيخ واذا رجعنا ضمير (يناديهم) الى (الشركاء) كما قيل أو (المشركين) كما مر صح عود (الواو) للشركاء أي (قالت الشركاء ليس منا من يشهد لهؤلاء المشركين بانهم محقون).
اطفيش
تفسير : {إليْه} الى الله وحده لا الى غيره، ولا إليه والى غيره {يُردُّ عِلْم السَّاعة} متى هى إذا تردد قلبك أو سئلت متى هى، فقل لا يعلم وقتها إلا هو، وأما يعلمه الله أو الله يعلمه بارادة الحصر فى قولك: الله يعلمه، وهو حصر فى العرف لا فى الوضع الأصلى، فجائز، كما إذا سئلت شيئا فقلت هو عند فلان، تريد نفيه عن نفسك، وأما فى الوضع فجائز أن يقول: يعلم الله كذا، أو والله يعلمه، وتريد أن غيره يعلمه أيضا. {وما تخرجُ مِنْ ثَمراتٍ} فاعل ومن صلة {من أكمامها} جمع كم بالكسر، وقد يضم، وهو وعاء التمرة فى شجرتها نخلة أو غيرها مما له كم {وما تَحْملُ} جنينا {مِنْ أنْثى} فاعل، ومن صلة، وسواء الآدمية والجنية والحيوان، ويجوز جعل ما فى الموضعين غير نافية معطوفة على الساعة، فتكون من للبيان، ويكون تأنيث تخرج مراعاة لما الواقعة على ثمرات كأنه قيل: إليه يرد علم الساعة، وعلم الثمرات التى تخرج، والأنثى التى تحمل، وجعل ما نافية كما مر أولى {ولا تَضَع} الحمل، أو لا تضع الجنين {إلا بعِلْمه} إلا مع علمه بما يمكث الجنين فى بطنها من مدة، وبأنه منفرد أو متعدد، وبأنه ذكر أو أنثى أو خنثى، وما تضع، وعلى النفى بما يقدر مثل هذا فى الموضعين، أعما تخرج من ثمرات من أكمامها إلا بعلمه، وما تحمل من أنثى إلا بعلمه، أو قدر متعلقا عاما بعد تفصيل، أى لا يحصل ذلك إلا بعلمه، ولا يقدر، هذا المقام إذا جعلت ما اسما، والعطف فى ذلك كله على قوله تعالى: "إليه يرد علم الساعة" فيكون ذلك كالبرهان على الحشر، وأجيز عطفه على قوله: " أية : ومن آياته أنك ترى الأرض" تفسير : [فصلت: 39] أو على: " أية : ومن آياته الليل والنهار"تفسير : [فصلت: 37] تقوية لبرهان البعث باختصاصه بعلم عموم ما يخرج من الثمرات، وما تحمل الأنثى، وعموم الوضع. {ويَوم يُناديهِم} اذكر يوم الخ، أو ظرف لمحذوف، أى ويوم يناديهم {أين شُركائي} يكون ما يكون، وسماهم شركاء على زعمهم كما قال: " أية : أين شركائي الَّذين كنتم تزعمون" تفسير : [القصص: 62، 74] وفيه تهكم وتفريع، ويجوز تعليقه بقوله تعالى: {قالُوا} وعلى كل وجه يكون قولهم {آذناك ما منَّا مِنْ شَهيدٍ} جوابا لندائهم، إلا أنه إذا لم يعلق بقالوا يكون قالوا جواب سؤال، كأنه قيل: فما قالوا فى جواب النداء، وهاء {يناديهم} عائد الى من عبد غير الله كصنم وملك ونير، ونار، ومعى آذناك أخبرناك والمخبر بفتح الباء يجوز أن يكون عالما بالخير قبل الإخبار، كما هنا، ويجوز أن يكون غير عالم به، ولا يجوز أعلمناك، لأن الله سبحانه لا يجهل، ومنَّا خبر، وشهيد مبتدأ، ومن صلة أو فاعل للظرف، أى لا شاهد منا بالشركة لشىء معك، يقرون تارة يوم القيامة بأهم جعلوا لله شركاء،وتارة ينكرون، والجملة مفعول به لآذنا معلق عنها بالنفى. وان تقدم عن قولهم: {آذناك ما منا من شهيد} ومثله فذلك إخبار، واعادة الله عز وجل السؤال زيادة توبيخ، وإلا فانشاء حملوا الإيذان بهذا الكلام، كقولك: اشتريت منشئاً للشراء، وموقعا له بهذا اللفظ لا إخبار عن شراء سابق، وقولك أعتقت عبدى منشئا للاعتاق بهذا اللفظ، ومحصلا له به،لا مخبرا عن اعتاق سابق، ويجوز أن يكون الايذان نفى الاشراك فى قلوبهم يوم القيامة، إذ علم ما فيها من النفى فسموه إخبارا بلسان الحال، وهذا لا يقتضى سبق سؤال، وكأنهم قالوا: أنت تعلم ما فيها، أو شهيد بمعنى حاضر، أى ما منَّا أحد يشاهد معبودا غيرك، وتارة يقرون بالمشاهدة، أو ذلك كناية عن نفى أن يكون له شريك، كقولك: فلان لا يشاهد فى السوق أك لا يوجد فيها، ولا نرى لك مثلا، أى لا مثل لك، وأجيز عود واو قالوا للشركاء، لما أسمعهم الله تعالى نداء من اتخذها شركاء، أجابوا بأنا لم يكن منا أحد يشهد أنهم محقون فى اتخاذهم ايانا آلهة، أو لم نشاهد عبادتهم، وفيه تفكيك الضمائر بعض لكذا، وبعض لكذا، بلا داع وما لا تفكيك فيه هو الأصل.
الالوسي
تفسير : {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي إذا سئل عنها قيل الله تعالى يعلم أو لا يعلمها إلا الله عز وجل فالمقصود من هذا الكلام إرشاد المؤمنين في التقصي عن هذا السؤال وكلا الجوابين يلزمه اختصاص علمها به تعالى. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأنك إذا سئلت عن مسألة وقلت فلان يعلمه كان فيه نفي عنك كناية وتنبيه على أن فلاناً أهل أن يسئل عنه دونك. {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتها جمع كم بالكسر وهو وعاء الثمرة كجف الطلعة من كمه إذا ستره وقد يضم وكم القميص بالضم وقرأ الحسن في رواية والأعمش وطلحة وغير واحد من السبعة {مِن ثَمَرَةٍ} على إرادة الجنس والجمع لاختلاف الأنواع. وقرىء {من ثمرات من أكمامهن} بجمع الضمير أيضاً وما نافية ومن الأولى مزيدة لتأكيد الاستغراق والنص عليه ومن الثانية ابتدائية وكذا {مَا} في قوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ} أي حملها، وقوله تعالى: {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} في موضع الحال والباء للملابسة أو المصاحبة والاستثناء من أعم الأحوال أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع ملابساً أو مصاحباً بشيء من الأشياء إلا مصاحباً أو ملابساً بعلمه المحيط سبحانه واقعاً حسب تعلقه به. وجوز في الأولى أن تكون موصولة معطوفة على (الساعة) أي إليه يرد علم الساعة وعلم ما يخرج ومن الأولى بيانية والجار والمجرور في موضع الحال ومن الثانية على حالها. وتأنيث {تُخْرِجُ} باعتبار المعنى لأن ما بمعنى ثمرة قيل: ولا يجوز في ما الثانية ذلك لمكان الاستثناء المفرغ وأجازه بعضهم، ويكفي لصحة التفريغ النفي في قوله تعالى: {وَلاَ تَضَعُ} وجملة {لاَ تَضَعُ} إما حال أو معطوفة على جملة {إِلَيْهِ يُرَدُّ} الخ، ولا يخفى عليك أن المتبادر في الموضعين النفي ثم إن الاستثناء متعلق بالكل وتبيين القدر المشترك بين الأفعال الثلاثة وجعله الأصل في تعلق المفرغ كما سمعت لإظهار المعنى والإيماء إلى أنه لا يحتاج في مثله إلى حذف من الأولين أعني (ما تخرج) و(ما تحمل) وهو قريب من أسلوب:شعر : وقد حيل بين العير والنزوان تفسير : لأن خرج زيد معناه حدث خروجه كما أن معنى ذلك فعل الحيلولة وليس ذاك من باب الاستثناء المتعقب لجمل والخلاف في متعلقه في شيء لأن ذلك في غير المفرغ فقد ذكر النحويون في باب التنازع وإن كان منفياً بالا فالحذف ليس إلا ولو كان منه لم يكن من المختلف فيه لاتحاد الجمل في المقصود وظهور قرينة الرجوع إلى الكل. والكلام على ما في «شرح التأويلات» متصل بأمر الساعة والبعث فإنه لا يعلم هذا كله إلا الله تعالى فذكر هذه الأمور لمناسبتها لعلم الساعة وان الكل إيجاد بعد العدم بقدرته عز وجل فيكون كالبرهان على الحشر، وجوز أن يكون متصلاً بقوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ} تفسير : [فصلت: 37] الخ وبقوله سبحانه: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً} تفسير : [فصلت: 39] الخ؛ فالمعنى من آيات ألوهيته تعالى وقدرته أن تخرج الثمرات وتحمل الحوامل وتضع حسب علمه جل وعلا، والأول أقرب. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي} أي بزعمكم كما نص عليه بقوله سبحانه: {أية : أَيْنَ شُرَكَائِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [القصص: 62] / وفيه تهكم بهم وتقريع لهم. و {يَوْمٍ} منصوب باذكر أو ظرف لمضمر مؤخر قد ترك إيذاناً بقصور البيان عنه كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} تفسير : [المائدة: 109] وضمير {يُنَادِيهِمْ} عام في كل من عبد غير الله تعالى فيندرج فيه عبدة الأوثان. {قَالُواْ} أي أولئك المنادون {ءاذَنَّاكَ} أي أعلمناك والمراد بالإعلام هنا الإخبار لأنه تعالى عالم فلا يصح إعلامه بما هو سبحانه عالم به بخلاف الإخبار فإنه يكون للعالم فكأنه قيل أخبرناك {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} أي بأنه ليس منا أحد يشهد لهم بالشركة فالجملة في محل نصب مفعول {ءاذَنَّاكَ} وقد علق عنها وفي تعليق باب أعلم وأنبأ خلاف والصحيح أنه مسموع في الفصيح. و {شَهِيدٌ} فعيل من الشهادة ونفي الشهادة كناية عن التبرؤ منهم لأن الكفرة يوم القيامة أنكروا عبادة غيره تعالى مرة وأقروا بها وتبرؤا عنها مرة أخرى وفسره السمرقندي بالإنكار لعبادتهم غير الله تعالى وشركهم كذباً منهم وافتراء كقوله تعالى حكاية عنهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. وظاهر {ءاذَنَّاكَ} يقتضي سبق الإيذان في جواب {أَيْنَ شُرَكَائِي} وإنما سئلوا ثانياً حتى أجابوا بأنه قد سبق الجواب لأنه توبيخ وفي إعادة التوبيخ من تأكيد أمر الجناية وتقبيح حال من يرتكبها ما لا يخفى. واستظهر أبو حيان أن المراد إحداث إيذان لا إخبار عن إيذان سابق على نحو طلقت وأمثاله، وجوز أن يقال: إنه إخبار بإعلام سابق وذلك الإعلام السابق ما علمه تعالى من بواطنهم يوم القيامة أنهم لم يبقوا على الشرك وعلى تلك الشهادة وكأنه إعلام منهم بلسان الحال وهذا لا يقتضي سبق سؤال ولا جواب وفيه حسن أدب كأنهم يقولون أنت أعلم به ثم يأخذون في الجواب. قال في «الكشف»: وهذا الوجه هو المختار لاشتماله على النكتة المذكورة وما في الآخرين من سوء الأدب؛ ويحتمل أن يكون المعنى آذناك بأنه ليس منا أحد يشاهدهم فشهيد من الشهود بمعنى الحضور والمشاهدة ونفي مشاهدتهم الظاهر أنه على الحقيقة وذلك في موقف وجعل بعض العبدة مقرين بمعبوداتهم في آخر فلا تنافي بينهما. وقيل: هو كناية عن نفي أن يكون له تعالى شريك نحو قولك: لا نرى لك مثلاً تريد لا مثل لك لنراه. والكلام في {ءاذَنَّاكَ} على ما آذناك. وقيل: ضمير {قَالُواْ} للشركاء أي قال الشركاء: ليس من أحد يشهد لهم بأنهم كانوا محقين فشهيد من الشهادة لا غير، والمراد التبرؤ منهم وفيه تفكيك الضمائر.
ابن عاشور
تفسير : كانوا إذا أُنذروا بالبعث وساعته استهزأوا فسألوا عن وقتها، وكان ذلك مما يتكرّر منهم، قال تعالى: { أية : يسألونك عن السّاعة أيّان مُرساها } تفسير : [الأعراف: 187] فلمّا جرى ذكر دليل إحياء الموتى وذكر إلحاد المشركين في دلالته بسؤالهم عنها استهزاء انتقل الكلام إلى حكاية سؤالهم تمهيداً للجواب عن ظاهره وتقديم المجرور على متعلّقه لإفادة الحصر، أي إلى الله يفوض علم السّاعة لا إليّ، فهو قصر قلب. وردّ عليهم بطريق الأسلوب الحكيم، أي الأجدر أن تعلموا أنْ لا يعلم أحد متى السّاعة وأن تؤمنوا بها وتستعدّوا لها. ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم وسأله رجل من المسلمين: متى الساعة؟ فقال له: "حديث : ماذا أعددت لها"تفسير : ، أي استعدادك لها أولى بالاعتناء من أن تسأل عن وقتها. والرّد: الإرجاع وهو مستعمل لتفويض علم ذلك إلى الله والتبرؤ من أن يكون للمسؤول علم به، فكأنّه جيء بالسؤال إلى النّبي صلى الله عليه وسلم فردّه إلى الله. وفي حديث موسى مع الخضر في «الصحيح» «فعاتب الله موسى أن لم يَرُدّ العِلم إليه» وقال تعالى: { أية : ولو رَدّوه إلى الرّسول } تفسير : [النساء: 83] الآية. وعطف جملة {وما تخرج من ثمرات من أكمامها} وما بعدها توجيه لصرف العلم بوقت السّاعة إلى الله بذكر نظائرِ لا يعلمها النّاس، وليس علم السّاعة بأقرب منها فإنّها أمور مشاهدة ولا يعلم تفصيل حالها إلاّ الله، أي فليس في عدم العلم بوقت السّاعة حجةٌ على تكذيب من أنذَر بها، لأنّهم قالوا: { أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [يس: 48]، أي إن لم تبيّن لنا وقته فلست بصادق. فهذا وجه ذكر تلك النظائر، وهي ثلاثة أشياء: أوّلها: علم ما تُخرجه أكمام النخيل من الثَمَر بقدره وجودتِه وثباته أو سقوطه، وضمير {أكمامها} راجع إلى الثمرات. والأكمام: جمع كِمّ بكسر الكاف وتشديد الميم وهو وعاء الثّمر وهو الجُفّ الذي يخرج من النّخلة محتوياً على طلْع الثّمر. ثانيها: حمل الأنثى من النّاس والحيوان، ولا يعلم التي تلقح من التي لا تلقح إلاّ الله. ثالثها: وقت وضع الأجنّة فإن الإناث تكون حوامل مثقلة ولا يعلم وقت وضعها باليوم والسّاعة إلا الله. وعُدل عن إعادة حرف {ما} مرة أخرى للتفادي من ذكر حرف واحد ثلاث مرّات لأنّ تساوي هذه المنفيات الثلاثة في علم الله تعالى. وفي كون أزمان حصولها سواءً بالنسبة للحال وللاستقبال يسدّ علينا باب ادعاء الجمهور الفرق بين {ما} و(لا) في تخليص المضارع لزمان الحال مع حرف {ما} وتخليصه للاستقبال مع حرف (لا). ويؤيّد ردّ ابن مالك عليهم فإن الحق في جانب قول ابن مالك. وحرف {من} بعد مدخولي {ما} في الموضعين لإفادة عموم النفي ويسمّى حرفاً زائِداً. والباء في {بعلمه} للملابسة. وتقدم نظيره في سورة فاطر. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم {ثمرات} بالجمع. وقرأه الباقون {ثمرةٍ} واحدةِ الثمرات. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى قَالُوۤاْ ءَاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ}. عطف على الجملة قبلها فإنّه لما تضمن قوله: {إليه يرد علم الساعة} إبطال شبهتهم بأن عدم بيان وقتها يدلّ على انتفاء حصولها، وأتبع ذلك بنظائر لوقت السّاعة مما هو جار في الدّنيا دَوْماً عاد الكلام إلى شأن السّاعة على وجه الإنذار مقتضياً إثبات وقوع السّاعة بذكر بعض ما يلْقونه في يومها. و{يوم} متعلّق بمحذوف شائعٍ حذفه في القرآن، تقديره: واذكر يوم يناديهم. والضّمير في (ينادي) عائد إلى {ربّك} في قوله { أية : وما ربّك بظلاّم للعبيد } تفسير : [فصلت: 46]، والنداء كناية عن الخطاب العلني كقوله: { أية : ينادونهم ألم نكن معكم } تفسير : [الحديد: 14]. وقد تقدم الكلام على النداء عند قوله تعالى: { أية : ربّنا إننا سمِعنا منادياً ينادي للإيمان } تفسير : في آل عمران (193)، وقوله: { أية : ونُودوا أن تلكُم الجنّة أورثتموها } تفسير : في سورة الأعراف (43). وجملة {أين شركائي} يصح أن يكون مقول قول محذوف كما صرّح به في آية أخرى { أية : ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } تفسير : [القصص: 74] { أية : ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } تفسير : [القصص: 65]. وحذف القول ليس بعزيز. ويصحّ أن تكون مبيّنة لما تضمنه {يناديهم} من معنى الكلام المعْلن به. وجاءت جملة {قالوا آذناك} غير معطوفة لأنّها جارية على طريقة حكاية المحاورات كما تقدّم عند قوله تعالى: { أية : وإذ قال ربّك للملائكة } تفسير : [البقرة: 30] إلى قوله: { أية : ما لا تعلمون } تفسير : [البقرة: 30]. و {آذناك} أخبرناك وأعلمناك. وأصل هذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو الأذن بضم الهمزة وسكون الذال وقال تعالى: { أية : فقل آذنتكم على سواء } تفسير : [الأنبياء: 109]، وقال الحارث بن حلزة: شعر : أذنَتْنَا بِبَيْنها أسماء تفسير : وصيغة الماضي في {آذناك} إنشاء فهو بمعنى الحال مثل: بعْتُ وطلقت، أي نأذنك ونُقر بأنّه ما منّا من شهيد. والشهيد يجوز أن يكون بمعنى المشاهد، أي المبصر، أي ما أحد منا يَرى الذين كنّا ندعوهم شركاءك الآن، أي لا نرى واحداً من الأصنام التي كنّا نعبدها فتكون جملة {وضلّ عنهم ما كانوا يدعون} في موضع الحال، والواو واو الحال. ويجوز أن يكون الشهيد بمعنى الشاهد، أي ما منّا أحد يشهد أنّهم شركاؤك، فيكون ذلك اعترافاً بكذبهم فيما مضى، وتكون جملة {وضل عنهم} معطوفة على جملة {قالوا آذناك}، أي قالوا ذلك ولم يجدوا واحداً من أصنامهم. وفعل {آذناك} معلّق عن العمل لورود النفي بعده. و{ضلّ}: حقيقته غاب عنهم، أي لم يجدوا ما كانوا يدعونهم من قبل في الدّنيا، قال تعالى: { أية : بل ضلُّوا عنهم } تفسير : [الأحقاف: 28]. فالمراد به هنا: غيبة أصنامهم عنهم وعدم وجودها في تلك الحضرة بقطع النّظر عن كونها ملقاة في جهنّم أو بقيت في العالم الدنيوي حين فنائه. وإذ لم يجدوا ما كانوا يزعمونه فقد علموا أنّهم لا محيص لهم، أي لا ملجأ لهم من العذاب الذي شاهدوا إعداده، فالظّنّ هنا بمعنى اليقين. والمحيصُ مصدر ميمي أو اسم مكان من: حاص يَحيصُ، إذا هرب، أي ما لهم مفر من النّار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}. تقدم الكلام على نحوه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187] وفي الأنعام عند قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59]. قوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد: 8] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إليه يرد علم الساعة: أي إلى الله يرد علم الساعة أي متى تقوم إذ لا يعلمها إلا هو. وما تخرج من ثمرات من أكمامها: أي من أوعيتها واحد الإِكمام كِمّ وكم الثوب مخرج اليد. وما تحمل من أنثى: أي من أي جنس كان إنساناً أو حيواناً. ولا تضع إلا بعلمه: أي ولا تضع حملها إلا ملابساً بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء. قالوا آذنَّاك: أي أعلمناك الآن. مامنا من شهيد: أي ليس منا من يشهد بان لك شريكاً أبداً. وظنوا مالهم من محيص: أي أيقنوا أنه مالهم من مهرب من العذاب. معنى الآيتين: يخبر تعالى أن علم الغيب قد انحصر فيه فليس لأحد من خلقه علم الغيب وخاصة علم الساعة أي علم قيامها متى تقوم؟ كما أخبر عن واسع علمه وأنه محيط بكل الكائنات فما تخرج من ثمرة من كمها وعائها وتظهر منه إلا يعلمها على كثرة الثمار والأشجار ذات الأكمام، وما تحمل من أنثى بِجَنِين ولا تضعه يوم ولادته أو إسقاطه إلا يعلمه أي يتم ذلك بحسب علمه تعالى وإذنه، وهذه مظاهر الربوبية المستلزمة للألوهية فلا إله غيره ولا رب سواه، ومع هذا فالجاهلون يتخذون له شركاء أنداداً من أحجار وأوثان يعبدونها معه ظلماً وسفهاً. ويوم يناديهم وذلك في يوم القيامة أين شركائي؟ أي الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لي، فيتبرءون منهم ويقولون: آذناك أعلمناك الآن أنه ما منا من شهيد يشهد بأن لك شريكا إنه لا شريك لك وضل عنهم أي غاب عنهم ما كانوا يدعون من قبل في الدنيا، وظنوا أيقنوا مالهم من محيص أي مهرب من عذاب الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- استئثار الله تعالى بِعِلْم الغيب وخاصة علم متى تقوم الساعة. 2- إحاطة علم الله تعالى بكل شيء فما تخرج من ثمرة من أوعيتها ولا تحمل من أُنثى ولا تضع حملها إلا بعلم الله تعالى وإذنه. 3- براءة المشركين يوم القيامة من شركهم، وغياب شركائهم عنهم.
القطان
تفسير : الساعة: يوم القيامة. اكمامها: جمع كِمّ بكسر الكاف، برعوم الثمرة ووعاؤها، وكذلك الكُم بضم الكاف: وعاء الثمر والزهر. آذنّاك: أعلمناك. ما منا من شهيد: ليس منا من يشهد لك شركاء. وظنوا ما لهم من محيص: وايقنوا ما لهم من مهرب. لا يسأم: لا يملّ. من دعاء الخير: من طلب المال، ويطلق الخير على المال والصحة والجاه والسلطة وغيرها. الشر: الفقر والمرض وكل سوء. والقنوط: بضم القاف، ظهور اثر اليأس على الانسان من المذلة والانكسار. الرحمة: الصحة وسعة العيش وكل ما يسرّ الانسان. والضرّاء: ضد الرحمة مثل المرض وضيق العيش ونحوهما. هذا لي: هذا ما أَستحقه لما لي من الفضل والعمل. الحسنى: الكرامة. عذاب غليظ: كثير وكبير. بعد تلك الجولة مع المشركين، وما ينتظرهم يوم القيامة حسب أعمالهم وسوء عقائدهم - يبيّن الله تعالى هنا أن لا سبيل الى معرفة يوم القيامة وتحديد موعده، فذاك لا يعلمه الا هو، وأن علم الحوادث المقبلة في أوقاتها عند الله، فلا يعلم احد متى تخرجُ الثمر من اكمامها، ولا متى تحمل المرأة ولا متى تضع. ثم ذكر سبحانه انه يوم القيامة ينادي المشركين تقريعاً لهم فيقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الذين كنتم تعبدونهم من دوني؟ فيكون جوابهم: {آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} إننا نُعلمك يا الله انه ليس منا الآن من يشهد ان لك شركاء. وغاب الشركاء السابقون عنهم فلا يرجون منهم نفعا، وايقنوا انه لا مهرب لهم من العذاب. ثم بين الله تعالى ان الانسان متبدّل الأحوال، لا يملّ من طلب المال والمنفعة، فان أحسّ بخيرٍ وقدرة واقبلت عليه الدنيا - تكبّر وصعَّر خدّه، وان اصابته محنة وبلاء تطامنَ ويئس من الفرج. واذا انعم الله عليه بالخير والرحمة بعد الضّراء واليأس يقول: {هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ}. كل هذا من الغرور والضلال. ولكن الله تعالى يبين لهم ان تمرُّدهم هذا وبطرهم لا ينفعهم اذ يقول: {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وهو عذاب جهنم خالدين فيها ابدا. قراءات: قرأ نافع وحفص وابن عامر من ثمرات بالجمع. والباقون: من ثمرة بالإفراد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ثَمَرَاتٍ} {شُرَكَآئِي} {آذَنَّاكَ} (47) - مَوْعِدُ قِيَامِ السَّاعَةِ (القِيَامَةِ) لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللهُ، وَقَدْ سَأَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، عَنْ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُ: (مَا المَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)، فَإِلَى اللهِ تَعَالَى يُرَدُّ عِلْمُهَا حِينَمَا يَسْأَلُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عَنْهَا. وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُخْرِجُهُ الأَشْجَارُ مِنَ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِ الأَزْهَارِ التِي تَحْمِلُهَا، وَهُوَ الذِي يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُهُ إِنَاثُ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ وَمَا تَضَعُهُ. وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يُنَادِي اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الآلِهَةِ التِي عَبَدُوهَا، وَزَعَمُوا أَنَّهَا شُرَكَاءُ للهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: (أَيْنَ شُرَكَائي؟)، فَيَردُّونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: لَقَدْ أَعْلَمْنَاكَ اليَومَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى وُجُودِ شَرِيكٍ لَكَ. آذَنَاكَ - أَعْلَمْنَاكَ أَوْ أَشْعَرْنَاكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: (إلَيْه) أي: إليه سبحانه وتعالى {يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} [فصلت: 47] الساعة هي القيامة وعِلْمها يعني وقتها، وهذه من الأمور التي استأثر الله تعالى بعلمها، ولم يُطلع عليها أحداً من خلقه {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 187]. وفي إخفاء وقت الساعة حِكم عظيمة، أهمها ألاَّ يتكل الناسُ وأَلاَّ يتمادى أهل الباطل وأهل النزوات والشهوات في شهواتهم، بل يستعد الجميع لها، ويبادر الجميع بالأعمال الصالحة لأن أحداً لا يضمن ميعاد موته وخروجه من دنيا العمل إلى دار الحساب وقلنا: إنه مَنْ مات قامتْ قيامته. لذلك قلنا: إن الموقوتات العبادية لها زمنٌ من كذا إلى كذا، فالظهر مثلاً من استواء الشمس إلى ظل المثلين، والذي يصلي في كل هذه المدة أدَّى الفرض، لكن يفضل المبادرة لماذا؟ لأنك لا تضمن عمرك إلى آخر الوقت، فربما أتتْك منيّتك بعد لحظة من دخول الوقت فتكون قد أثمتَ. لذلك لما سُئِلَ سيدنا رسول الله عن خير الأعمال قال: "حديث : الصلاة لوقتها ". تفسير : وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103] كذلك في الحج ترى الرجل مُوسِراً وقادراً على تكاليف الحج، لكنه لا يحج تسأله يقول لك: إنْ عشتُ لعام كذا وبعد كذا وكذا أحج، سبحانه الله هل ضمنتَ عمرك أنْ تعيش إلى هذا الوقت؟ فالحق سبحانه لحكمة أبهمَ وقت قيام الساعة، وأبهم وقت الموت، واستأثر سبحانه بعلمها، والقيامة حَقٌّ والموت حَقٌّ وسَهْم أُرسِلَ إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره ووصوله إليك. قالوا: وإبهام علم الساعة والأجل هو عَيْن البيان، فإشاعته في الوقت كله تجعلك مُستعداً له تتوقعه وتنتظره في كل لحظة، لذلك قال تعالى في سورة تبارك: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 1-2]. فقدّم الموت في الخلق على الحياة مع أن الحياة كائنة أولاً، قدَّم الموت ليكون دائماً في الذِّهْن وعلى البال، قدَّم الموت لتستقبل الحياة على حذر ولا تغتر بها، تستقبل الحياة بمصاحبة نقيضها الموت، لتنتظره في أيِّ لحظة. ومن رحمة الله بعباده أنْ جعل للقيامة علامات يُستدل بها على قُرْبها، علامات صغرى وعلامات كبرى ليُخوِّف الناس، ويُوقِظهم من غفلتهم عن الآخرة. وقوله {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} [فصلت: 47] الأكمام: جمع كِمّ. وهو القشرة الخضراء التي تغلف الثمرة، ثم تنفلق قليلاً قليلاً لتخرج الثمرة منها، كما ترى مثلاً الوردة قبل أن تتفتح تجدها داخل غلاف أخضر مغلق عليها كأنها مُغمضة، ثم تتفتح وتخرج من هذا الغلاف. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فصلت: 47] هذه كلها من الأمور التي تغيب عن علم الناس لكنها لا تغيب عن علم الله، كلمة {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ} [فصلت: 47] الحمل معروف، وهو التقاء البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي للذكر، ومن هذا الالتقاء يحدث الحمل، وهو هِبَةٌ من الله على أية حال. قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} تفسير : [الشورى: 49]. فكأن العُقْمَ نفسه هبةٌ لمن تدبَّر وبحث عن الحكمة، حين تنظر إلى الولد الذي قتل أباه أو قتل أمه، والولد الذي جلب العار لأهله حتى تمنَّوا أن الموت يُريحهم منه، حين تنظر في عقوق الأبناء تعرف أن العقمَ نعمة وهِبَةٌ من الله تستوجب الشكر كما تستوجبه نعمة الولد. ثم تجد السياق القرآني يُقدِّم الأنثى، لأنها كانت مكروهة عند العرب قديماً وغير مرغوب فيها؛ لذلك جعل الله منزلة خاصة لمن يُربي البنات ويحسن إليهن، ولمن يحترم قدر الله في إنجاب البنات، وكأن هاتفاً من الله يناديه: عبدي ما دُمْتَ قد قبلتَ هبتي ونعمتي، وعِزَّتي وجلالي لآتينَّكَ لكل بنت منهن بزوج يحقق لك آمالك فيها، ويكون أبرَّ لك من أبنائك. وفي مسألة الإنجاب هذه رأينا عجائب تؤكد قدرة الله تعالى وطلاقة هذه القدرة، رأينا زوجينِ لم يُرزَقا الإنجاب فافترقَا، ثم تزوَّج الرجل بأخرى فأنجب منها وتزوجتْ المرأة بآخر وأنجبتْ منه، فكأن الإنجاب كان ممتنعاً بين هذين بالذات. ثم حين تتأمل القسمة العقلية لمسألة الخَلْق هذه، تجد أن قدرة الله تعالى قد استوعبتْها بصورها الأربعة، فالإنجاب الطبيعي يأتي من ذكر وأنثى، لكن قدرة الله جاءتْ بآدم بلا زوج ولا زوجة، وجاءتْ بحواء من أب بلا أم، وجاءت بعيسى من أم بلا أب، وقد يتوفر الأب والأم ولا يحدث الإنجاب، هذه كلها صور تؤكد طلاقة القدرة الإلهية في مسألة الخَلْق. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي} [فصلت: 47] هو سبحانه الذي يقول (شُرَكَآئِي) أي: في زعمكم، لأنه قال في موضع آخر {أية : ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 22] فأجابوا - والكلام هنا يحكي موقفاً من مواقف القيامة {قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ} [فصلت: 47] يعني: أخبرناك وأعلمناك، والأذن هي وسيلة السمع، وإليها يصل الكلام، ويحصل العلم فكأن الأذن هي أول وسائل العلم. لذلك قال تعالى عن الأرض: {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2] يعني: استمتعتْ للأوامر، {قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ} [فصلت: 47] أخبرناك {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} [فصلت: 47] لا أحد منا يشهد أن لك شركاء، فالحق سبحانه قال {شُرَكَآئِي} ولم ينفِ الشركاءَ لينفُوهم هم. فبعد فوات الأوان يُقرُّونَ بأن الله تعالى ليس له شريكٌ، وكأن كلمة الشريك هذه لم تَرِدْ يوماً على لسان واحد منهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} معناه منْ أَعْمَاقِهَا التي فيها حَبُّهَا.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا يتفضل حين الجزاء على أرباب العناية، ولا يعدل على أصحاب الغواية حين الجزاء؛ إذ {إِلَيْهِ} لا إلى غيره من أظلال الوسائل والأسباب {يُرَدُّ} ويرجع {عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي: العلم المتعلق بوقت قيامها، وكيفية ما جرى فيها من الأهوال والأفزاع؛ إذ هي من جملة الغيوب التي استأثر الله بها ولم يطلع أحداً عليها {وَ} أيضاً يرجع إلى علمه سبحانه {مَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ} أي: من أجناس الثمار مع اختلاف أنواعها وأصنافها متى تخرج {مِّنْ أَكْمَامِهَا } أي: أوعيتها التي فيها أنوارها الحاصلة منها الأثمار؛ إذ هي أيضاً من جملة الأمور الغيبية المستأثرة بها سبحانه {وَ} كذا {مَا تَحْمِلُ} وتحبل {مِنْ أُنْثَىٰ} أي: فوائد المل والحبل {وَلاَ تَضَعُ} حملها بمكان من الأمكنة {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} سبحانه؛ إذ هو العالم لا غيره بما في الأرحام ومدة بقائه فيها وخروجه منها، لا اطلاع لأحد عليها. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله، وأثبت الوجود لغيره والشركة في ألهويته وربوبيته عدواناً وظلماً {يَوْمَ يُنَادِيهِمْ} الله لهم حين إرادة الانتقام عنهم، موبِّخاً لهم ومقرعاً أياهم: {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الذين تزعمون شركتهم معي وشفاعتهم عندي، أحضروهم ؛ لينجوكم من عذابي ويشفعوا لكم لدي، وبعدما سمعوا النداء الهائل {قَالُوۤاْ} متأسفين متحزنين: {آذَنَّاكَ} وأعلمناك يا مولانا اليوم، وإن كنت أعلم منَّا بحالنا إنا {مَا مِنَّا} أي: ما أحد منَّا اليوم {مِن شَهِيدٍ} [فصلت: 47] يشهد على شركة شركائنا الذين ادعينا شركتهم معك ظلماً وزوراً. {وَ} بعدما تقوَّلوا ما تقوَّلوا من شدة الأسف ونهاية الحسرة والضجرة {ضَلَّ} وغاب {عَنْهُم} وخف عن أبصارهم وبصائرهم {مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ} ويعبدون إليه {مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ} بل تيقنوا حينئذ {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} [فصلت: 48] مهرب ومخلِّص من عذاب الله، فتندموا وما ينفعهم الندم، ورجعوا إلى الله حينئذ وما يفيدهم الرجوع؛ لانقضاء مدة التدارك والاختبار. ومن العادة القديمة والديدنة المستمرة أنه {لاَّ يَسْأَمُ} أي: لا يمل ولا يفتر {ٱلإِنْسَانُ} المجبول على جلب الإحسان {مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} لنفسه وجذب المنفعة إلى ذاته حريصاً عليها، مولعاً لاقتنائها وجمعها {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ} وعرض عليه الضر حيناً من الأحيان {فَيَئُوسٌ} من قدرة الله على دفع الضر عنه، نوجلب النفع إياه بعدما أزال عنه ابتلاء {قَنُوطٌ} [فصلت: 49] من فض الله عليه وسعة رحمته وجوده. {وَ} من غاية يأسه وقنوطه عن مقتضى فضلنا وجودنا {لَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً} ووفرناها عليه؛ بحيث تسري في جميع أجزائها مع كونها تفضلاً {مِّنَّا} بلا اقتراف {مِن} جانبه سوى أنه {بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} لحقته أوائلها؛ إذ المساس يحصل بمجرد الملاقاة {لَيَقُولَنَّ} معرضاً عن الله: {هَـٰذَا لِي} وأنا أستحق بها لاحتمال الشدائد ولكمال فضلي وعلمي، أو هذا لي بمقتضى ذاتي {وَ} بالجملة: {مَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ} الموهومة الموعودة {قَآئِمَةً} أتية {وَلَئِن} فرضت وقوعها وقيامها على الوجه الذي زعم الرسل المدعون، ونطقت الكتب المزورة المفترية {رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ} كما زعموا {إِنَّ لِي} أي: ثبت وتحقق لي {عِندَهُ} سبحانه {لَلْحُسْنَىٰ} أي: الحالة التي هي أحسن الحالات وأكمر الكرامات؛ لاستحقاقي بها واقتضاء ذاتي : إياها، وإنما يقول ما يقول استهزاءً وتهكماً. {فَلَنُنَبِّئَنَّ} ونخبرن حين الجزاء الكافرين {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بوفور قدرتنا على وجوه الانتقام {بِمَا عَمِلُواْ} من الجرائم العظام وكبائر الآثام {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ} ونحيطن عليهم {مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [فصلت: 50] مؤلم فظيع فجيع، لا يمكنهم الخلاص عنه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} [فصلت: 47] يشير إلى علم جزاء أعمال العباد يوم القيامة، فإنه لا يعلمه إلا هو؛ لأنه {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فصلت: 47]؛ أي: لا تخرج من ثمرة عمل من أعمال العباد من أحكام التقدير الإلهي، ولا تحمل أنثى نفس بحمل صفة من صفاتها، ولا تضع من عمل هو من نتائج تلك الصفة إلا بعلمه وتقديره الأزلي، {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي} [فصلت: 47]؛ يعني: الذين كانوا يرون أنهم يخلقوا أفعالهم وأعمالهم {قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} [فصلت: 47] يشهد أنه خالق فعله، وكوشفوا بأنه لا خالق إلا الله ولا وجود في الحقيقة إلا الله، {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} [فصلت: 48] له وجود {وَظَنُّواْ} [فصلت: 48] وأيقنوا {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} [فصلت: 48] مهرب إلا الله عند قيام الساعة بتجلي صفة القهارية. ثم أخبر عن اللوم الإنساني والكرم الرباني بقوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} [فصلت: 49] يشير إلى أن الإنسان مجبول على طلب الخير بحيث لا تتطرق إليه الساعة، فبهذه الخصلة بلغ من بلغ رتبة خير البرية، وبها بلغ من بلغ دركة شر البرية وذلك؛ لأنه لما خلق لحمل الأمانة التي أشفق منها البرية {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} تفسير : [الأحزاب: 72]، وهي عبارة عن الفيض الإلهي بلا واسطة وذلك فيض لا نهاية له، فلحملها احتاج الإنسان إلى طلب غير متناه، فصرف بعضهم هذا الطلب في قبول الفيض الإلهي وأعرض عن غيره متأخر البرية، ومن صرف هذا الطلب في تحصيل الدنيا وزينتها وشهواتها واستيفاء لذاتها فما شئتم من الطلب، وصار شر البرية، {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ} [فصلت: 49] وهو فطامه عن مألوفات نفسه وهواه {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 49] لا يرجو زوال البلايا والمحن لعدم علمه بربه وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى الله؛ ليدفع عنه ذلك، {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} [فصلت: 50]؛ أي: لئن كشفنا عنه البلاء وأوحينا إليه الرضاء لدعاه استحقاقاً واتفاقاً، ولا يعتقد ذلك هنا فضلاً وإنعاماً؛ لأنه محجوب بأنانيته عن هويتنا؛ بل يرى ذلك من جلادته وكفايته أو من طالعه وجده {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي} [فصلت: 50] من حسن استعدادي وسعادة طالعي. وبقوله: {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ} [فصلت: 50] بالحشر والنشر {إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} [فصلت: 50] بحسب قسمي وسعد طالعي، {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} [فصلت: 50]؛ أي: فلينجزينهم بجزاء ما عملوا {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [فصلت: 50] وهو عذاب الطرد والبعد، وإفساد استعداد الروح لقبول الفيض وحرمة حرمانه، وقد كان معذباً بهذا العذاب ولكنه لم يجد ذوق العذاب وألمه، فلنذيقنه الآن بعد انتباهه من نومة غفلته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا إخبار عن سعة علمه تعالى واختصاصه بالعلم الذي لا يطلع عليه سواه فقال: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي: جميع الخلق ترد علمهم إلى الله تعالى، ويقرون بالعجز عنه، الرسل، والملائكة، وغيرهم. { وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا } أي: وعائها الذي تخرج منه، وهذا شامل لثمرات جميع الأشجار التي في البلدان والبراري، فلا تخرج ثمرة شجرة من الأشجار، إلا وهو يعلمها علما تفصيليًا. { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى } من بني آدم وغيرهم، من أنواع الحيوانات، إلا بعلمه { وَلا تَضَعُ } أنثى حملها { إِلا بِعِلْمِهِ } فكيف سوَّى المشركون به تعالى، من لا علم عنده ولا سمع ولا بصر؟. { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي: المشركين به يوم القيامة توبيخًا وإظهارًا لكذبهم، فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَائِيَ } الذين زعمتم أنهم شركائي، فعبدتموهم، وجادلتم على ذلك، وعاديتم الرسل لأجلهم؟ { قَالُوا } مقرين ببطلان إلهيتهم، وشركتهم مع الله: { آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } أي: أعلمناك يا ربنا، واشهد علينا أنه ما منا أحد يشهد بصحة إلهيتهم وشركتهم، فكلنا الآن قد رجعنا إلى بطلان عبادتها، وتبرأنا منها، ولهذا قال: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ } من دون الله، أي: ذهبت عقائدهم وأعمالهم، التي أفنوا فيها أعمارهم على عبادة غير الله، وظنوا أنها تفيدهم، وتدفع عنهم العذاب، وتشفع لهم عند الله، فخاب سعيهم، وانتقض ظنهم، ولم تغن عنهم شركاؤهم شيئًا { وَظَنُّوا } أي: أيقنوا في تلك الحال { مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } أي: منقذ ينقذهم، ولا مغيث، ولا ملجأ، فهذه عاقبة من أشرك بالله غيره، بينها الله لعباده، ليحذروا الشرك به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):