Verse. 4273 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

حٰـمۗ۝۱ۚ
Hameem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حم».

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح معلوم إلا أن في هذا الموضع سؤالان زائدان الأول: أن يقال إن هذه السور السبعة مصدرة بقوله {حـم } فما السبب في اختصاص هذه السورة بمزيد {عسق }؟ الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لا يفصل بين { أية : كهيعص } تفسير : [مريم: 1] وههنا يفصل بين {حـم } وبين {عسق } فما السبب فيه؟ واعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيف، وفتح باب المجازفات مما لا سبيل إليه، فالأولى أن يفوض علمها إلى الله، وقرأ ابن عباس وابن مسعود {حـم * عسق }. أما قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ } فالكاف معناه الثل وذا للإشارة إلى شيء سبق ذكره، فيكون المعنى: مثل حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك وعند هذا حصل قولان: الأول: نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: « لا نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق » وهذا عندي بعيد. الثاني: أن يكون المعنى: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في التوجه إلى الآخرة، والذي يؤكد هذا أنا بينا في سورة { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] أو أولها في تقرير التوحيد، وأوسطها في تقرير النبوة، وآخرها في تقرير المعاد، ولما تمم الكلام في تقرير هذه المطالب الثلاثة قال: { أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 18، 19] يعني أن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب الثلاثة، فكذلك ههنا يعني مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى كل من قبلك من الأنبياء، والمراد بهذه المماثلة الدعوة إلى هذه المطالب العالية والمباحث المقدسة الإلهية، قال صاحب «الكشاف» ولم يقل أوحي إليك، ولكن قال: {يُوحِي إِلَيْكَ } على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادته، وقرأ ابن كثير {كَذَلِكَ يُوحِى } بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله وهي إحدى الروايتين عن أبي عمرو وعن بعضهم {نُوحِي } بالنون، وقرأ الباقون {يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ } بكسر الحاء، فإن قيل فعلى القراءة الأولى ما رافع اسم الله تعالى؟ قلنا ما دل عليه بوحي، كأن قائلاً قال من الموحي؟ فقيل الله ونظيره قراءة السلمي { أية : وَكَـذٰلِكَ زُيّنَ لكَثِيرٍ منَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } تفسير : [الأنعام: 137] على البناء للمفعول ورفع شركاؤهم، فإن قيل فما رافعه فيمن قرأ {نُوحِي } بالنون؟ قلنا يرفع بالابتداء، والعزيز وما بعده أخبار، أو {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } صفتان والظرف خبره، ولما ذكر أن هذا الكتاب حصل بالوحي بين أن الموحي من هو فقال إنه هو العزيز الحكيم وقد بينا في أول سورة حم المؤمن أن كونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على ما لا نهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات فيحصل لنا من كونه عزيزاً حكيماً كونه قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات ومن كان كذلك كانت أفعاله وأقواله حكمة وصواباً، وكانت مبرأة عن العيب والعبث، قال مصنف الكتاب قلت في قصيدة: شعر : الحمد لله ذي الآلاء والنعم والفضل والجود والإحسان والكرم منزّه الفعل عن عيب وعن عبث مقدس الملك عن عزل وعن عدم تفسير : والصفة الثالثة قوله {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } وهذا يدل على مطلوبين في غاية الجلال أحدهما: كونه موصوفاً بقدرة كاملة نافذة في جميع أجزاء السمـٰوات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام والتكوين والإبطال والثاني: أنه لما بيّـن بقوله {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أن كل ما في السمـٰوات وما في الأرض فهو ملكه وملكله، وجب أن يكون منزّهاً عن كونه حاصلاً في السمـٰوات وفي الأرض، وإلا لزم كونه ملكاً لنفسه، وإذا ثبت أنه ليس في شيء من السمـٰوات امتنع كونه أيضاً في العرش، لأن كل ما سماك فهو سماء فإذا كان العرش موجوداً فوق السمـٰوات كان في الحقيقة سماء، فوجب أن يكون كل ما كان حاصلاً في العرش ملكاً لله وملكاً له، فوجب أن يكون منزّهاً عن كونه حاصلاً في العرش، وإن قالوا إنه تعالى قال: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } وكلمة ما لا تتناول من يعقل قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول: أن لفظة ما واردة في حق الله تعالى قال تعالى: { أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5، 6] وقال: { أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ }، تفسير : [الكافرون: 2، 3] والثاني: أن صيغة من وردت في مثل هذه السورة قال تعالى: { أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 93] وكلمة من لا شك أنها واردة في حق الله تعالى فدلّت هذه الآية على أن كل من في السمـٰوات والأرض فهو عبد الله فلو كان الله موجوداً في السمـٰوات والأرض وفي العرش لكان هو من جملة من في السمـٰوات فوجب أن يكون عبد الله، ولما ثبت بهذه الآية أن كل من كان موجوداً في السمـٰوات والعرش فهو عبد لله وجب فيمن تقدست كبرياؤه عن تهمة العبودية أن يكون منزّهاً عن الكون في المكان والجهة والعرش والكرسي. والصفة الرابعة والخامسة قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ } ولا يجوز أن يكون المراد بكونه علياً العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله { أية : ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] فوجب أن يكون المراد من العلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال الإلٰهية. ثم قال: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر {تَكَادُ } بالتاء {يَتَفَطَّرْنَ } بالياء والنون، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة {تَكَادُ } بالتاء {يَتَفَطَّرْنَ } بالياء والتاء، وقرأ نافع والكسائي: {يَكَادُ } بالياء {يَتَفَطَّرْنَ } أيضاً بالتاء، قال صاحب «الكشاف»: وروى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة {تتفطرن} بالتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر، روي في نوادر ابن الإعرابي: الإبل تتشمسن. المسألة الثانية: في فائدة قوله {مِن فَوْقِهِنَّ } وجوه الأول: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } قال والمعنى أنها تكاد تتفطر من ثقل الله عليها. واعلم أن هذا القول سخيف، ويجب القطع ببراءة ابن عباس عنه، ويدل على فساده وجوه: الأول: أن قوله {مِن فَوْقِهِنَّ } لا يفهم منه ممن فوقهن وثانيها: هب أنه يحمل على ذلك، لكن لم قلتم إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الله عليها، ولم لا يجوز أن يقال إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الملائكة عليها، كما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد » تفسير : وثالثها: لم لا يجوز أن يكون المراد تكاد السمٰوات تنشق وتنفطر من هيبة من هو فوقها فوقية بالإلٰهية والقهر والقدرة؟، فثبت بهذه الوجوه أن القول الذي ذكروه في غاية الفساد والركاكة والوجه الثاني: في تأويل الآية ما ذكره صاحب «الكشاف»: وهو أن كلمة الكفر إنما جاءت من الذين تحت السمٰوات، وكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك فقلب فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، ودع الجهة التي تحتهن، ونظيره في المبالغة قوله تعالى؛ { أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ ٱلْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ } تفسير : [الحج: 19، 20] فجعل مؤثراً في أجزائه الباطنة الوجه الثالث: في تأويل الآية أن يقال {مِن فَوْقِهِنَّ } أي من فوق الأرضين، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ثم قال: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } أي من فوق الأرضين والوجه الرابع: في التأويل أن يقال معنى {مِن فَوْقِهِنَّ } أي من الجهة التي حصلت هذه السمٰوات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقوله {مِن فَوْقِهِنَّ } أي من الجهة الفوقانية التي هن فيها. المسألة الثالثة: ااختلفوا في أن هذه الهيئة لم حصلت؟ وفيه قولان الأول: أنه تعالى لما بيّن أن الموحي لهذا الكتاب هو الله العزيز الحكيم، بيّن وصف جلاله وكبريائه، فقال: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } أي من هيبته وجلالته والقول الثاني: أن السبب في إثباتهم الولد لله لقوله { أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } تفسير : [مريم: 90]، وههنا السبب فيه إثباتهم الشركاء لله، لقوله بعد هذه الآية {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } والصحيح هو الأول، ثم قال: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ }. واعلم أن مخلوقات الله تعالى نوعان: عالم الجسمانيات وأعظمها السمٰوات، وعالم الروحانيات وأعظمها الملائكة، والله تعالى يقرر كمال عظمته لأجل نفاذ قدرته وهيبته في الجسمانيات، ثم يردفه بنفاذ قدرته واستيلاء هيبته على الروحانيات، والدليل عليه أنه تعالى قال في سورة { أية : عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [النبأ: 1] لما أراد تقرير العظمة والكبرياء بدأ بذكر الجسمانيات، فقال: { أية : رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً } تفسير : [النبأ: 37] ثم انتقل إلى ذكر عالم الروحانيات، فقال { أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تفسير : [النبأ: 38] فكذلك القول في هذه الآية بين كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات، فقال: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات، فقال: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } فهذا ترتيب شريف وبيان باهر. واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يقبل الأثر، وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الأقسام، ومتأثر لا يؤثر، وهو القابل وهو الجسم وهو أخس الأقسام، وموجود يقبل الأثر من القسم الأول، ويؤثر في القسم الثاني وهو الجواهر الروحانيات المقدسة، وهو المرتبة المتوسطة، إذا عرفت هذا فنقول الجواهر الروحانية لها تعلقان: تعلق بعالم الجلال والكبرياء، وهو تعلق القبول، فإن الجلايا القدسية والأضواء الصمدية إذا أشرقت على الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها وأشرقت ماهياتها، ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الروحانية، قويت بها على الاستيلاء على عوالم الجسمانيات، وإذا كان كذلك فلها وجهان: وجه إلى جانب الكبرياء وحضرة الجلال، ووجه إلى عالم الأجسام والوجه الأول أشرف من الثاني. إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } إشارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم الجلال والكبرياء، وقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } إشاارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام، فما أحسن هذه اللطائف وما أشرفها وما أشد تأثيرها في جذب الأرواح من حضيض الخلق إلى أوج معرفة الحق، إذا عرفت هذا فنقول: أما الجهة الأولى وهي الجهة العلوية المقدسة، فقد اشتملت على أمرين: أحدهما: التسبيح، وثانيهما: التحميد، لأن قوله {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } يفيد هذين الأمرين، والتسبيح مقدم على التحميد، لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مفيضاً لكل الخيرات وكونه منزّهاً في ذاته عما لا ينبغي، مقدم بالرتبة على كونه فياضاً للخيرات والسعادات، لأن وجود الشيء مقدم على إيجاد غيره، وحصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره، فلهذا السبب كان التسبيح مقدماً على التحميد، ولهذا قال: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ }. وأما الجهة الثانية: وهي الجهة التي لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيات، فالإشارة إليها بقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } والمراد منه تأثيراتها في نظم أحوال هذا العالم وحصول الطريق الأصوب الأصلح فيها، فهذه ملامح من المباحث العالية الإلٰهية مدرجة في هذه الآيات المقدسة، ولنرجع إلى ما يليق بعلم التفسير، فإن قيل كيف يصح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار، وقد قال تعالى: {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـٰئِكَةِ } فكيف يكونون لاعنين ومستغفرين لهم؟، قلنا الجواب: عنه من وجوه: الأول: أن قوله {لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } لا يفيد العموم، لأنه يصح أن يقال إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض، ولو كان قوله {لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } صريحاً في العموم لما صح ذلك التقسيم الثاني: هب أن هذا النص يفيد العموم إلا أنه تعالى حكى عن الملائكة في سورة حٰم المؤمن فقال: { أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } تفسير : [غافر: 7] الثالث: يجوز أن يكون المراد من الاستغفار أن لا يعاجلهم بالعقاب كما في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } إلى أن قال: { أية : إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } تفسير : [فاطر: 41] الرابع: يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبواسطة طلب الإيمان لهم، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، فإنا نقول اللّهم اهد الكافرين وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، وهذا في الحقيقة استغفار. واعلم أن قوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم، ولو كانوا مصرين على المعصية لكان استغفارهم لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، وحيث لم يذكر الله عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مبرءون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم السلام لهم ذنوب والذي لا ذنب له ألبتة أفضل ممن له ذنب وأيضاً فقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } يدل على أنهم يستغفرون للأنبياء لأن الأنبياء في جملة من في الأرض، وإذا كانوا مستغفرين للأنبياء عليهم السلام كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ولما حكى الله تعالى عن الملائكة التسبيح والتحميد والاستغفار قال: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة للحق سبحانه وتعالى وبيانه ممن وجوه الأول: أن إقدام الملائكة على طلب المغفرة للبشر من الله تعالى إنما كان لأن الله تعالى خلق في قلوبهم داعية لطلب تلك المغفرة، ولولا أن الله تعالى خلق في قلوبهم تلك الدواعي وإلا لما أقدموا على ذلك الطلب وإذا كان كذلك كان الغفور المطلق والرحيم المطلق هو الله سبحانه وتعالى الثاني: أن الملائكة قالوا في أول الأمر { أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } تفسير : [البقرة: 30] ثم في آخر الأمر صاروا يستغفرون لمن في الأرض، وأما رحمة الحق وإحسانه فقد كان موجوداً في الأولى والآخر فثبت أن الغفور المطلق والرحيم المطلق هو الله تعالى الثالث: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستغفرون لمن في الأرض ولم يحك عنهم أنهم يطلبون الرحمة لمن في الأرض فقال: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } يعني أنه يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة الكاملة التامة. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي جعلوا له شركاء وأنداداً {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } أي رقيب على أحوالهم وأعمالهم، لا يفوته منها شيء وهو محاسبهم عليها لا رقيب عليهم إلا هو وحده وما أنت يا محمد بمفوض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر فحسب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{حـمۤ * عۤسۤقۤ } قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لم قطع «حۤم» من «عۤـسۤـقۤ» ولم تقطع «كهيعص» و «المۤـرۤ» و «المۤـصۤ»؟ فقال: لأن «حۤـمۤ. عسق» بين سُوَرٍ أوّلها «حۤم» فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها؛ فكأن «حۤم» مبتدأ و «عۤـسۤـقۤ» خبره. ولأنها عدّت آيتين، وعدّت أخواتها اللواتي كتبت جملة آية واحدة. وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في المعنى واحد، من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام؛ ذكره الجُرْجَانِي. وكتبت «حۤم. عَـسۤـقۤ» منفصلاً و «كهيعص» متصلاً لأنه قيل: حۤم؛ أي حمّ ما هو كائن، ففصلوا بين ما يقدّر فيه فعل وبين ما لا يقدّر. ثم لو فُصل هذا ووُصِل ذا لجاز؛ حكاه القُشيري. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «حۤم. سق» قال ابن عباس: وكان عليّ رضي الله عنه يعرف الفتن بها. وقال أرطاة بن المنذر، قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قوله تعالى: «حۤم. عَـسۤـقۤ»؟ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثاً فأعرض عنه. فقال حذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها، قد عرفت لِم تركها؛ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإلٰه أو عبد الله؛ ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقاً، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم، بعث على إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداءَ مظلمة، فتحترق كلها كأنها لم تكن مكانها؛ فتصبح صاحبتها متعجبة، كيف قُلبت! فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً؛ فذلك قوله: «حۤم. عۤـسۤـقۤ» أي عزمة من عزمات الله، وفتنة وقضاء حُمّ: حۤم. «ع»: عدلاً منه، «س»: سيكون، «ق»: واقع في هاتين المدينتين. ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البَجَليّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تُبنى مدينة بين دجْلة ودُجيل وقُطْرَبُلّ والصَّراة، يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها ـ وفي رواية بأهلها ـ فَلهِيَ أسرع ذهاباً في الأرض من الوَتِد الجيّد في الأرض الرَّخوة»تفسير : . وقرأ ابن عباس «حۤم. سۤـقۤ» بغير عين. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود؛ حكاه الطبري. وروى نافع عن ابن عباس: «الحاء» حلمه، و «الميم» مجده، و «العين» علمه، و «السين» سَنَاه، و «القاف» قدرته؛ أقسم الله بها. وعن محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوّه وسَنَاه وقدرته ألا يُعذِّب من عاذ بلا إلٰه إلا الله مخلصاً من قلبه. وقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير: «الحاء» من الرحمٰن، و «الميم» من المجيد، و «العين» من العليم، و «السين» من القدّوس، و «القاف» من القاهر. وقال مجاهد: فواتح السور. وقال عبد الله بن بُريدة: إنه اسم الجبل المحيط بالدنيا. وذكر القشيريّ، واللفظ للثعلبيّ: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عُرفت الكآبة في وجهه؛ فقيل له: يا رسول الله، ما أحزنك؟ قال: «أخبِرت ببلايا تنزل بأمتي من خَسْف وقذف ونارٍ تحشرهم وريح تقذفهم في البحر وآياتٍ متتابعات متّصلات بنزول عيسى وخروج الدجال»تفسير : . والله أعلم. وقيل: هذا في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فـ «ـالحاء» حوضه المورود، و «الميم» ملكه الممدود، و «العين» عزه الموجود، و «السين» سناه المشهود، و «القاف» قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة من الملِك المعبود. وقال ابن عباس: ليس من نبيّ صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه: «حۤم. عۤـسۤـقۤ»؛ فلذلك قال:{يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}. المهدويّ: وقد جاء في الخبر أن «حۤم. عۤـسۤـقۤ» معناه أوْحيت إلى الأنبياء المتقدّمين. وقرأ ابن مُحَيْصِن وابن كثير ومجاهد «يُوحَى» (بفتح الحاء) على ما لم يُسَمَّ فاعله؛ وروي عن ابن عمر. فيكون الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ويجوز أن يكون اسم ما لم يسمّ فاعله مضمراً؛ أي يوحى إليك القرآن الذي تضمنته هذه السورة، ويكون اسم الله مرفوعاً بإضمار فعل، التقدير: يوحيه الله إليك؛ كقراءة ابن عامر وأبي بكر: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} تفسير : [النور: 36- 37] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه:شعر : لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ بخصومة وأشعثُ ممن طوّحته الطوائح تفسير : فقال: لِيُبْكَ يزيد، ثم بيّن من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف؛ كأنه قال: الله يوحيه. أو على تقدير إضمار مبتدأ أي الموحي الله. أو يكون المبتدأ والخبر «الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». وقرأ الباقون «يُوحِي إِلَيْكَ» بكسر الحاء، ورفع الاسم على أنه الفاعل: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ } تقدّم في غير موضع.

البيضاوي

تفسير : مكية وهي ثلاث وخمسون آية وتسمى سورة «الشورى» بسم الله الرحمن الرحيم {حَـمَ }. {عَسَقَ } لعله اسمان للسورة ولذلك فصل بينهما وعدا آيتين، وإن كانا اسماً واحداً فالفصل ليطابق سائر الحواميم، وقرىء «حم سق». {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي مثل ما في هذه السورة من المعاني، أو إيحاء مثل إيحائها أوحى الله إليك وإلى الرسل من قبلك، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته، وقرأ ابن كثير « يُوحَى» بالفتح على أن كذلك مبتدأ و «يُوحَى» خبره المسند إلى ضميره، أو مصدر و «يُوحَى» مسند إلى إليك، و {ٱللَّهُ} مرتفع بما دل عليه « يُوحَى»، و {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به كما مر في السورة السابقة، أو بالابتداء كما في قراءة «نوحي» بالنون و {ٱلْعَزِيزُ } وما بعده أخبار أو {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } صفتان. وقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ} خبران له وعلى الوجوه الأخر استئناف مقرر لعزته وحكمته. {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} وقرأ نافع والكسائي بالياء. {يَتَفَطَّرْنَ} يتشققن من عظمة الله، وقيل من ادعاء الولد له. وقرأ البصريان وأبو بكر «ينفطرن» بالنون والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر وهذا مطاوع فطر، وقرىء «تتفطرن» بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر. {مِن فَوْقِهِنَّ } أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية، وتخصيصها على الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على علو شأنه من تلك الجهة، وعلى الثاني ليدل على الانفطار من تحتهن بالطريق الأولى. وقيل الضمير للأرض فإن المراد بها الجنس. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ} بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإِلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة، وذلك في الجملة يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد، وحيث خص بالمؤمنين فالمراد به الشفاعة. {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } إذ ما من مخلوق إلا وهو ذو حظ من رحمته، والآية على الأول زيادة تقرير لعظمته وعلى الثاني دلالة على تقدسه عما نسب إليه، وإن عدم معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء باستغفار الملائكة وفرط غفران الله ورحمته. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } شركاء وأنداداً. {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها. {وَمَا أَنتَ } يا محمد. {عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم. {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } الإِشارة إلى مصدر {يُوحِى } أو إلى معنى الآية المتقدمة، فإنه مكرر في القرآن في مواضع جمة فتكون الكاف مفعولاً به و {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } حال منه. {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } أهل أم القرى وهي مكة شرفها الله تعالى. {وَمَنْ حَوْلَهَا } من العرب. {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } يوم القيامة يجمع فيه الخلائق أو الأرواح أو الأشباح، أو العمال والأعمال وحذف ثاني مفعول الأول وأول مفعولي الثاني للتهويل وإيهام التعميم، وقرىء «لينذر» بالياء والفعل «للقرآن». {لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراض لا محل له من الإعراب. {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } أي بعد جمعهم في الموقف يجمعون أولاً ثم يفرقون، والتقدير منهم فريق والضمير للمجموعين لدلالة الجمع عليه، وقرئا منصوبين على الحال منهم أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى مشارفين للتفرق، أو متفرقين في داري الثواب والعقاب. {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } مهتدين أو ضالين. {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ } بالهداية والحمل على الطاعة. {وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ } أي يدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه، ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد إذ الكلام في الإِنذار. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ } بل اتخذوا. {مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } كالأصنام. {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ } جواب لشرط محذوف مثل إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق. {وَهُوَ يُحْيِى ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} كالتقرير لكونه حقيقاً بالولاية. {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ } أنتم والكفار. {فِيهِ مِن شَىْءٍ } من أمر من أمور الدنيا أو الدين. {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } مفوض إليه يميز المحق من المبطل بالنصر أو بالإثابة والمعاقبة. وقيل {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ } من تأويل متشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في مجامع الأمور. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } إليه أرجع في المعضلات.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً منكراً فقال: أخبرنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال له، وعنده حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: { حـمۤ عۤسۤقۤ } قال: فأطرق، ثم أعرض عنه، ثم كرر مقالته، فأعرض عنه فلم يجبه بشيء، وكره مقالته، ثم كررها الثالثة، فلم يحر إليه شيئاً، فقال له حذيفة رضي الله عنه: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم كرهها، ونزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله، أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، تبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقاً، فإذا أذن الله تبارك وتعالى في زوال ملكهم، وانقطاع دولتهم ومدتهم، بعث الله عز وجل على إحداها ناراً ليلاً، فتصبح سوداء مظلمة، وقد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك، حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً، فذلك قوله تعالى: { حـمۤ عۤسۤقۤ } يعني عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء، حم عين: يعني: عدلاً منه، سين: يعني: سيكون، ق: يعني: واقع بهاتين المدينتين. وأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس رضي الله عنه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولكن إسناده ضعيف جداً ومنقطع فإنه قال: حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، حدثنا أبو عبد الله الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر، فقال: أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر { حـمۤ عۤسۤقۤ } فوثب ابن عباس رضي الله عنه، فقال: أنا، قال: حم: اسم من أسماء الله تعالى، قال: فعين؟ قال: عاين المولون عذاب يوم بدر، قال: فسين؟ قال: سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، قال: فقاف؟ فسكت، فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: قاف: قارعة من السماء تغشى الناس. وقوله عز وجل: {كَذَلِكَ يُوحِىۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي: كما أنزل إليك هذا القرآن، كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ} أي: في انتقامه، {ٱلْحَكِيمُ} في أقواله وأفعاله. قال الإمام مالك رحمه الله: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يأتيني الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول» تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه صلى الله عليه وسلم ليتفصد عرقاً. أخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري. وقد رواه الطبراني عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن الحارث بن هشام: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قاله ــــ وقال ــــ وهو أشده عليّ ــــ قال ــــ وأحياناً يأتيني الملك، فيتمثل لي، فيكلمني، فأعي ما يقول»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي، إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفسير : تفرد به أحمد، وقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة. وقوله تبارك وتعالى: {لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: الجميع عبيد له، وملك له تحت قهره وتصريفه {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ} كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} تفسير : [الرعد: 9] {أية : وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [سبأ: 23] والآيات في هذا كثيرة. وقوله عز وجل: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} وقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وقتادة والسدي وكعب الأحبار: أي: فرقاً من العظمة {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ} كقوله جل وعلا: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} تفسير : [غافر: 7] وقوله جل جلاله: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} إعلام بذلك، وتنويه به، وقوله سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} يعني: المشركين، {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} أي: شهيد على أعمالهم، يحصيها ويعدها عداً، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي: إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حم }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {حـم. عسق } قد تقدّم الكلام في أمثال هذه الفواتح، وسئل الحسن بن الفضل لم قطع: {حـم عسق }، ولم يقطع: {كۤهيعۤصۤ}، فقال: لأنها سور أوّلها {حمۤ}، فجرت مجرى نظائرها، فكأن {حمۤ} مبتدأ، و{عۤسۤقۤ} خبره، ولأنهما عدا آيتين. وأخواتهما مثل: {كۤهيعۤصۤ}، و{المرۤ}، و{المص} آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في: {كۤهيعۤصۤ}، وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في {حمۤ}، فقيل معناها: حمۤ، أي: قضى كما تقدّم. وقيل: إن "ح" حلمه، و"م" مجده، و"ع" علمه، و"س" سناه، و"ق" قدرته، أقسم الله بها. وقيل غير ذلك مما هو متكلف متعسف لم يدلّ عليه دليل، ولا جاءت به حجة، ولا شبهة حجة، وقد ذكرنا قبل هذا ما روي في ذلك مما لا أصل له، والحق ما قدّمناه لك في فاتحة سورة البقرة. وقيل: هما اسمان للسورة. وقيل: اسم واحد لها، فعلى الأوّل يكونان خبرين لمبتدأ محذوف، وعلى الثاني يكون خبراً لذلك المبتدأ المحذوف. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس: (حمۤ * سقۤ). {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا كلام مستأنف غير متعلق بما قبله أي: مثل ذلك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من كتب الله المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد، والبعث يوحى إليك يا محمد في هذه السورة. وقيل: إن حمۤ عۤسۤقۤ، أوحيت إلى من قبله من الأنبياء، فتكون الإشارة بقوله: {كَذٰلِكَ } إليها. قرأ الجمهور: {يوحي} بكسر الحاء مبنياً للفاعل، وهو: الله. وقرأ مجاهد، وابن كثير، وابن محيصن بفتحها مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير مستتر يعود على كذلك، والتقدير: مثل ذلك الإيحاء يوحى هو إليك، أو القائم مقام الفاعل إليك، أو الجملة المذكورة أي: يوحى إليك هذا اللفظ، أو القرآن، أو مصدر يوحي، وارتفاع الاسم الشريف على أنه فاعل لفعل محذوف كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم. وأما قراءة الجمهور فهي واضحة اللفظ، والمعنى، وقد تقدّم مثل هذا في قوله: {أية : يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ رِجَالٌ } تفسير : [النور: 36، 37]، وقرأ أبو حيوة، والأعمش، وأبان: «نوحي» بالنون، فيكون قوله: {ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } في محلّ نصب، والمعنى: نوحي إليك هذا اللفظ {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ } ذكر سبحانه لنفسه هذا الوصف، وهو ملك جميع ما في السماوات، والأرض لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرّفه في جميع مخلوقاته. {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } قرأ الجمهور: {تكاد} بالفوقية، وكذلك: (تتفطرن) قرؤوه بالفوقية مع تشديد الطاء. وقرأ نافع، والكسائي، وابن وثاب يكاد (يتفطرن) بالتحتية فيهما، وقرأ أبو عمرو، والمفضل، وأبو بكر، وأبو عبيد: (يتفطرن) بالتحتية، والنون من الانفطار كقوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الانفطار: 1]. والتفطر: التشقق. قال الضحاك، والسدّي: يتفطرن يتشققن من عظمة الله، وجلاله من فوقهنّ. وقيل: المعنى: تكاد كلّ واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين اتخذ الله ولداً. وقيل: من فوقهنّ: من فوق الأرضين، والأوّل أولى. و"من" في {من فوقهنّ} لابتداء الغاية، أي: يبتدىء التفطر من جهة الفوق. وقال الأخفش الصغير: إن الضمير يعود إلى جماعات الكفار، أي: من فوق جماعات الكفار، وهو بعيد جداً، ووجه تخصيص جهة الفوق: أنها أقرب إلى الآيات العظيمة، والمصنوعات الباهرة، أو على طريق المبالغة كأن كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت أثرت في جهة الفوق، فتأثيرها في جهة التحت بالأولى. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } أي: ينزهونه عما لا يليق به، ولا يجوز عليه متلبسين بحمده. وقيل: إن التسبيح موضوع موضع التعجب، أي: يتعجبون من جراءة المشركين على الله. وقيل: معنى {بحمد ربهم}: بأمر ربهم قاله السدّي {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ } من عباد الله المؤمنين كما في قوله: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [غافر: 7]، وقيل: الاستغفار منهم بمعنى: السعي فيما يستدعي المغفرة لهم، وتأخير عقوبتهم طمعاً في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، فتكون الآية عامة كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين، وإن كانوا داخلين فيها دخولاً أوّلياً {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } أي: كثير المغفرة والرحمة لأهل طاعته، وأوليائه، أو لجميع عباده، فإن تأخير عقوبة الكفار، والعصاة نوع من أنواع مغفرته، ورحمته. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } أي: أصناماً يعبدونها {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } أي: يحفظ أعمالهم؛ ليجازيهم بها {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } أي: لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بذنوبهم، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ. قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } أي: مثل ذلك الإيحاء أوحينا إليك، وقرآناً مفعول أوحينا؛ والمعنى: أنزلنا عليك قرآناً عربياً بلسان قومك كما أرسلنا كلّ رسول بلسان قومه {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ }، وهي: مكة، والمراد: أهلها {وَمَنْ حَوْلَهَا } من الناس، والمفعول الثاني محذوف، أي: لتنذرهم العذاب {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } أي: ولتنذر بيوم الجمع وهو: يوم القيامة، لأنه مجمع الخلائق. وقيل: المراد جمع الأرواح بالأجساد. وقيل: جمع الظالم، والمظلوم. وقيل: جمع العامل، والعمل {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي: لا شك فيه. والجملة معترضة مقررة لما قبلها، أو صفة ليوم الجمع، أو حال منه {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } قرأ الجمهور برفع: {فريق} في الموضعين، إما على أنه مبتدأ، وخبره الجار والمجرور، وشاع الابتداء بالنكرة، لأن المقام مقام تفصيل، أو على أن الخبر مقدّر قبله، أي: منهم فريق في الجنة، ومنهم فريق في السعير، أو أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو ضمير عائد إلى المجموعين المدلول عليهم بذكر الجمع، أي: هم فريق في الجنة، وفريق في السعير. وقرأ زيد بن علي: (فريقاً) بالنصب في الموضعين على الحال من جملة محذوفة، أي: افترقوا حال كونهم كذلك، وأجاز الفراء، والكسائي النصب على تقدير؛ لتنذر فريقاً. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } قال الضحاك: أهل دين واحد، إما على هدى، وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله: {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ } في الدين الحق وهو: الإسلام {وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ } أي: المشركون ما لهم من وليّ يدفع عنهم العذاب، ولا نصير ينصرهم في ذلك المقام، ومثل هذا قوله: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [الأنعام: 35]، وقوله: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } تفسير : [السجدة: 13]، وها هنا مخاصمات بين المتمذهبين المحامين على ما درج عليه أسلافهم، فدبوا عليه من بعدهم، وليس بنا إلى ذكر شيء من ذلك فائدة كما هو عادتنا في تفسيرنا هذا، فهو تفسير سلفي يمشي مع الحق، ويدور مع مدلولات النظم الشريف، وإنما يعرف ذلك من رسخ قدمه، وتبرأ من التعصب قلبه، ولحمه، ودمه. وجملة: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } مستأنفة مقررّة لما قبلها من انتفاء كون للظالمين، ولياً، ونصيراً، وأم هذه هي المنقطعة المقدّرة ببل المفيدة للانتقال، وبالهمزة المفيدة للإنكار، أي: بل أأتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها؟ {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ } أي: هو الحقيق بأن يتخذوه ولياً، فإنه الخالق الرازق الضار النافع، وقيل: الفاء جواب شرط محذوف، أي: إن أرادوا أن يتخذوا ولياً في الحقيقة فالله هو الوليّ {وَهُوَ } أي: ومن شأنه أنه {يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } أي: يقدر على كل مقدور، فهو: الحقيق بتخصيصه بالألوهية، وإفراده بالعبادة. {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } هذا عامّ في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه، ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحقّ من المبطل، ويتميز فريق الجنة، وفريق النار. قال الكلبي: وما اختلفتم فيه من شيء، أي: من أمر الدين، فحكمه إلى الله يقضي فيه. وقال مقاتل: إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن به بعضهم، فنزلت، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويمكن أن يقال: معنى حكمه إلى الله: أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين أنه يردّ إلى كتاب الله. ومثله قوله: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } تفسير : [النساء: 59]، وقد حكم سبحانه بأن الدين هو: الإسلام، وأن القرآن حق، وأن المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقاً إلاّ في الدار الآخرة، وعدهم الله بذلك يوم القيامة {ذٰلِكُمْ } الحاكم بهذا الحكم {ٱللَّهُ رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } اعتمدت عليه في جميع أموري، لا على غيره، وفوّضته في كلّ شؤوني {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي: أرجع في كل شيء يعرض لي لا إلى غيره. {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر آخر لذلكم، أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي؛ لأن الإضافة محضة، ويكون {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } معترضاً بين الصفة، والموصوف. وقرأ زيد بن عليّ: (فاطر) بالجرّ على أنه نعت للاسم الشريف في قوله: {إِلَى ٱللَّهِ }، وما بينهما اعتراض، أو بدل من الهاء في عليه أو إليه، وأجاز الكسائي النصب على النداء، وأجازه غيره على المدح. والفاطر: الخالق المبدع، وقد تقدّم تحقيقه {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } أي: خلق لكم من جنسكم نساء، أو المراد: حوّاء لكونها خلقت من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلاً بعد نسل {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً } أي: وخلق للأنعام من جنسها إناثاً، أو وخلق لكم من الأنعام أصنافاً من الذكور، والإناث، وهي: الثمانية التي ذكرها في الأنعام {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } أي: يبثكم، من الذرء وهو: البثّ، أو يخلقكم، وينشئكم، والضمير في يذرؤكم للمخاطبين، والأنعام إلاّ أنه غلب فيه العقلاء، وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل. وقيل: راجع إلى ما ذكر من التدبير، وقال الفراء، والزجاج، وابن كيسان: معنى يذرؤكم فيه: يكثركم به، أي: يكثركم بجعلكم أزواجاً؛ لأن ذلك سبب النسل. وقال ابن قتيبة: يذرؤكم فيه، أي: في الزوج. وقيل: في البطن. وقيل: في الرحم. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } المراد بذكر المثل هنا: المبالغة في النفي بطريق الكناية، فإنه إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود. وقيل: إن الكاف زائدة للتوكيد، أي: ليس مثله شيء. وقيل: إن مثل زائدة قاله ثعلب، وغيره كما في قوله: {أية : فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 137] أي: بما آمنتم به، ومنه قول أوس بن حجر:شعر : وقتلى كمثل جذوع النخيـ ـل يغشاهم مطر منهمر تفسير : أي: كجذوع، والأوّل أولى، فإن الكناية باب مسلوك للعرب، ومهيع مألوف لهم، ومنه قول الشاعر:شعر : ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل تفسير : وقال آخر:شعر : على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا تفسير : وقال آخر:شعر : سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم فما كمثلهم في الناس من أحد تفسير : قال ابن قتيبة: العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي. وقال أبو البقاء مرجحاً لزيادة الكاف: إنها لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال، إذ يكون المعنى: أن له مثلاً، وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض، لأنه إذا كان له مثل، فلمثله مثل، وهو: هو مع أن إثبات المثل لله سبحانه محال، وهذا تقرير حسن، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرنا من كون الكلام خارجاً مخرج الكناية، ومن فهم هذه الآية الكريمة حقّ فهمها، وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ }، فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للماثل قد اشتمل على برد اليقين، وشفاء الصدور، وانثلاج القلوب، فاقدر يا طالب الحقّ قدر هذه الحجة النيرة، والبرهان القويّ، فإنك تحطم بها كثيراً من البدع، وتهشم بها رؤوساً من الضلالة، وترغم بها آناف طوائف من المتكلفين، ولا سيما إذا ضممت إليه قول الله سبحانه: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } تفسير : [طه: 110]، فإنك حينئذٍ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام، وعلم أصول الدين:شعر : ودع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديث ما حديث الرواحل تفسير : {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: خزائنهما، أو مفاتيحهما، وقد تقدّم تحقيقه في سورة الزمر، وهي: جمع إقليد، وهو: المفتاح جمع على خلاف القياس. قال النحاس: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن. ثم لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليد السمٰوات، والأرض ذكر بعده البسط، والقبض، فقال: {يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ } أي: يوسعه لمن يشاء من خلقه، ويضيقه على من يشاء {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء } من الأشياء {عَلِيمٌ } فلا تخفى عليه خافية، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع، ومعصية العاصي. فهو يجازي كلا بما يستحقه من خير، وشرّ. وقد أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابان، فقال: «حديث : أتدرون ما هذان الكتابان؟» تفسير : قلنا: لا، إلاّ أن تخبرنا يا رسول الله، قال: للذي في يده اليمنى: حديث : هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم»تفسير : ثم قال للذي في شماله: حديث : هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً» تفسير : فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟، فقال: حديث : سدّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أيّ عمل له»تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، فنبذهما، ثم قال: حديث : فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة، وفريق في السعير» تفسير : قال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح غريب. وروى ابن جرير طرفاً منه عن ابن عمرو موقوفاً عليه. قال ابن جرير: وهذا الموقوف أشبه بالصواب، قلت: بل المرفوع أشبه بالصواب. فقد رفعه الثقة، ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ويقوّي الرّفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء. قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده كتاب ينظر فيه قالوا: انظروا إليه كيف، وهو أميّ لا يقرأ، قال: فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء قبائلهم لا يزاد منهم، ولا ينقص منهم» تفسير : وقال: حديث : فريق في الجنة، وفريق في السعير فرغ ربكم من أعمال العباد».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {حم عسق} فيه سبعة تأويلات. أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثاني: أنه اسم من أسماء الله أقسم به، قاله ابن عباس. الثالث: فواتح السور، قاله مجاهد. الرابع: أنه اسم الجبل المحيط بالدنيا، قاله عبد الله بن بريدة. الخامس: أنها حروف مقطعة من أسماء الله فالحاء والميم من الرحمن والعين من العليم، والسين من القدوس، والقاف من القاهر، قاله محمد بن كعب. السادس: أنها حروف مقطعة من حوادث آتية، فالحاء من حرب والميم من تحويل ملك، والعين من عدو مقهور، والسين من استئصال سنين كسني يوسف، والقاف من قدرة الله في ملوك الأرض، قاله عطاء. السابع: ما حُكي عن حذيفة بن اليمان أنها نزلت في رجلٍ يقال له عبد الإله كان في مدينة على نهر بالمشرق خسف الله بها، فذلك قوله حم يعني عزيمة من الله تعالى، عين يعني عدلاً منه: سين يعني سكون، قاف يعني واقعاً بهم. وكان ابن عباس يقرؤها: {حم سق} بغير عين، وهي في مصحف ابن مسعود كذلك حكاه الطبري. قوله عز وجل: {تَكَادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يتشققن فَرَقاً من عظمة الله، قاله الضحاك والسُّدي، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: شعر : ليت السماء تفطرت أكنافها وتناثرت منها نجوم تفسير : الثاني: من علم الله، قاله قتادة. الثالث: ممن فوقهن، قاله ابن عباس. الرابع: لنزول العذاب منهن. {وَالْمَلآئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: بأمر ربهم، قاله السدي. الثاني: بشكر ربهم. وفي تسبيحهم قولان: أحدهما: تعجباً مما يرون من تعرضهم لسخط الله، قاله علي رضي الله عنه. الثاني: خضوعاً لما يرون من عظمة الله، قاله ابن عباس. {وَيَسْتَغْفِرُونَ لَمَن فِي الأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما: لمن في الأرض من المؤمنين، قاله الضحاك والسدي. الثاني: للحسين بن علي رضي الله عنهما، رواه الأصبغ بن نباتة عن علي كرم الله وجهه. وسبب استغفارهم لمن في الأرض ما حكاه الكلبي أن الملائكة لما رأت الملكين اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما بينهم، فافتتنا بالزهرة وهربا إلى إدريس وهو جد أبي نوح عليه السلام، وسألاه أن يدعو لهما سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم. وفي استغفارهم قولان: أحدهما: من الذنوب والخطايا. وهو ظاهر قول مقاتل. الثاني: أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم، قاله الكلبي. وفي هؤلاء الملائكة قولان: أحدهما: أنهم جميع ملائكة السماء وهو الظاهر من قول الكلبي. الثاني: أنهم حملة العرش. قال مقاتل وقد بين الله ذلك من حم المؤمن فقال {أية : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ} تفسير : وقال مطرف: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين.

ابن عطية

تفسير : فصلت: {حم} من: {عسق}، ولم يفعل ذلك بـ {أية : كهيعص} تفسير : [مريم: 1] لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. وقرأ الجمهور: "حم عسق". وقرأ ابن مسعود وابن عباس: "حم سق" بسقوط عين، والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وروى حذيفة في هذا حديثاً مضمنه: أنه سيكون في هذه الأمة مدينتان يشقهما نهر بالمشرق، تهلك إحداهما ليلاً ثم تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة المدينتين متعجبين من سلامتها، فتهلك من الليلة القابلة، وأن {حم} معناه: حم هذه الأمر. وعين: معناه عدلاً من الله. وسين: سيكون ذلك. وقاف: معناه يقع ذلك بهم. وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الأحرف التي في أوائل السور. والكاف في قوله: {كذلك} نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك تختلف بحسب الأقوال في الحروف. وقرأ جمهور القراء: "يوحي" بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي جعفر والجحدري وعيسى وطلحة والأعمش. وقرأ أبو حيوة والأعشى عن أبي بكر عن عاصم: "نوحي": بنون العظمة، ويكون قوله: {الله} ابتداء وخبره: {العزيز} ويحتمل أن يكون خبره: {له ما في السماوات}. وقرأ ابن كثير وحده: "يوحَى" بالياء وفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول، وهي قراءة مجاهد، والتقدير: يوحى إليك القرآن يوحيه الله، وكما قال الشاعر: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} تفسير : [النور: 36]. وقوله تعالى: {وإلى الذين من قبلك} يريد من الأنبياء الذين نزلت عليهم الكتب. وقوله تعالى: {له ما في السماوات} أي الملك والخلق والاختراع. و: {العلي} من علو القدر والسلطان. و: {العظيم} كذلك، وليس بعلو مسافة ولا عظم جرم، تعالى الله عن ذلك وقرأ نافع والكسائي: "يكاد" بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة وأبو عمرو وعاصم: "تكاد" بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ونافع وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وقتادة: "يتفطرون" من التفطر، وهو مطاوع فطرت. وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن والأعرج وأبو رجاء والجحدري: "ينفطرون" من الإفطار وهو مطاوع فطر، والمعنى فيهما: يتصدعن ويتشققن من سرعة جريهن خضوعاً وخشية من سلطان الله تعالى وتعظيماً له وطاعة، وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود، لأن الله تعالى لا يوصف به. وقوله: {من فوقهن} أي من أعلاهن. وقال الأخفش علي بن سليمان: الضمير للكفار. قال القاضي أبو محمد: المعنى من فوق الفرق والجماعات الملحدة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات يتفطرن، فهذه الآية على هذا كالآية التي في: {أية : كهيعص} تفسير : [مريم: 1]. وقالت فرقة معناه: من فوق الأرضين، إذ قد جرى ذكر الأرض، وذكر الزجاج أنه قرئ "يتفطرن ممن فوقهن". وقوله تعالى: {يسبحون بحمد ربهم} قيل معناه: يقولون سبحان الله، وقيل معناه: يصلون لربهم. وقوله تعالى: {ويستغفرون لمن في الأرض} قالت فرقة: هذا منسوخ بقوله تعالى: في آية أخرى: {أية : ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : [غافر: 7] وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الإخبار لا يتصور. وقال السدي ما معناه: إن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمن، فكأنه قال: {ويستغفرون لمن في الأرض} من المؤمنين، إذ الكفار عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقالت فرقة: بل هي على عمومها، لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة، وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وكأن الملائكة تقول: اللهم اهد أهل الأرض واغفر لهم. ويؤيد هذا التأويل تأكيده صفة الغفران والرحمة لنفسه بالاستفتاح، وذلك قوله: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} أي لما كان الاستغفار لجميع من في الأرض يبعد أن يجاب، رجا عز وجل بأن استفتح الكلام تهيئة لنفس السامع فقال: {ألا إن الله} هو الذي يطلب هذا منه، إذ هذه أوصافه، وهو أهل المغفرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {حـمۤ عۤسۤقۤ} اسم للقرآن، أو لله أقسم به "ع"، أو فواتح السور، أو اسم الجبل المحيط بالدنيا، أو حروف مقطعة من أسماء ا لله ـ تعالى ـ الحاء والميم من الرحمن والعين من عليم والسين من قدوس والقاف من قاهر أو حروف مقطعة من حوادث آتية الحاء من حرب والميم من تحويل ملك والعين من عدو مقهور والسين من استئصال سنين كسني يوسف، والقاف من قدرة الله في ملوك الأرض قاله عطاء، أو نزلت في رجل يقال له عبد الإله كان بمدينة على نهر بالمشرق خسف الله ـ تعالى ـ به الأرض فقوله حم يعني عزيمة من الله عين عدلاً منه سين سيكون ق واقعاً بهم قاله حذيفة بن اليمان.

النسفي

تفسير : فصل {حـم } من {عسق } كتابة مخالفاً لـ {كهيعص } تلفيقاً بأخواتها ولأنه آيتان و {أية : كهيعص }تفسير : آية واحدة {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ} أي مثل ذلك الوحي أو مثل ذلك الكتاب يوحي إليك {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ } وإلى الرسل من قبلك {ٱللَّهُ} يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله وفي غيرها من السور، وأوحاه إلى من قبلك يعني إلى رسله. والمعنى أن الله كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من نبي صاحب كتاب إلا أوحي إليه بـ {حـم عسق}. {يُوحَى} بفتح الحاء: مكي. ورافع اسم الله على هذه القراءة ما دل عليه {يُوحَى } كأن قائلاً قال: من الموحي؟ فقيل: الله {ٱلْعَزِيزُ } الغالب بقهره {ٱلْحَكِيمُ } المصيب في فعله وقوله {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ملكاً وملكاً {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } شأنه {ٱلْعَظِيمُ} برهانه. {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ } وبالياء: نافع وعلي. {يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } يتشققن، {ينفطرن}: بصري وأبو بكر ومعناه يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته يدل عليه مجيئه بعد قوله { ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ } وقيل: من دعائهم له ولداً كقوله {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } تفسير : [مريم: 90] ومعنى {مِن فَوْقِهِنَّ } أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية. وكان القياس أن يقال ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر لأنها جاءت من الذين تحت السماوات، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن مع الجهة التي تحتهن. وقيل: من فوقهن من فوق الأرض فالكناية راجعة إلى الأرض لأنه بمعنى الأرضين. وقيل: يتشققن لكثرة ما على السماوات من الملائكة، قال عليه السلام «حديث : أطت السماء أطاً وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد»تفسير : {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} خضوعاً لما يرون من عظمته {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي للمؤمنين منهم كقوله: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ }تفسير : [غافر: 7] خوفاً عليهم من سطواته أو يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين مما رأوا من تعرضهم لسخط الله تعالى، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرءوا من تلك الكلمة، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } لهم {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ } أي جعلوا له شركاء وأنداداً {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء فيجازيهم عليها {وَمَآ أَنتَ} يا محمد {عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بموكل عليهم ولا مفوض إليك أمرهم إنما أنت منذر فحسب. {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } وذلك إشارة إلى معنى الآية التي قبلها من أن الله رقيب عليهم لا أنت بل أنت منذر لأن هذا المعنى كرره الله في كتابه أو هو مفعول به لـ {أَوْحَيْنَا } {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربي بيّن {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } أي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها ولأنها أشرف البقاع والمراد أهل أم القرى {وَمَنْ حَوْلَهَا } من العرب {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } يوم القيامة لأن الخلائق تجتمع فيه {لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراض لا محل له، يقال: أنذرته كذا وأنذرته بكذا. وقد عدي {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } إلى المفعول الأول {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } إلى المفعول الثاني {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير، والضمير للمجموعين لأن المعنى يوم جمع الخلائق. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } أي مؤمنين كلهم {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ } أي يكرم من يشاء بالإسلام {وَٱلظَّـٰلِمُونَ } والكافرون {مَا لَهُمْ مِّن وَلِىٍّ } شافع {وَلاَ نَصِيرٍ } دافع {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ } الفاء لجواب شرط مقدر كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق، وهو الذي يجب أن يتولى وحده لا ولي سواه. {وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ } حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أي ما خالفتكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين {فَحُكْمُهُ } أي حكم ذلك المختلف فيه مفوض {إِلَى ٱللَّهِ } وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين {ذٰلِكُمُ } الحاكم بينكم {ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فيه رد كيد أعداء الدين {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أرجع في كفاية شرهم. وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره. {فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } ارتفاعه عل أنه أحد أخبار {ذٰلِكُمْ } أو خبر مبتدأ محذوف {جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } خلق لكم من جنسكم من الناس {أَزْوٰجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً } أي وخلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً {يَذْرَؤُكُمْ } يكثركم. يقال: ذرأ الله الخلق بثهم وكثرهم {فِيهِ } في هذا التدبير وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، واختير {فِيهِ }على «به» لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. والضمير في {يَذْرَؤُكُمْ } يرجع إلى المخاطبين والأنعام مغلباً فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ} قيل: إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل وتقديره ليس مثله شيء. وقيل: المثل زيادة وتقديره ليس كهو شيء كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنْتُمْ بِهِ}تفسير : [البقرة: 137]. وهذا لأن المراد نفي المثلية، وإذا لم تجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل. وقيل: المراد ليس كذاته شيء لأنهم يقولون «مثلك لا يبخل» يريدون به نفي البخل عن ذاته ويقصدون المبالغة في ذلك بسلوك طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده فقد نفوه عنه فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله «ليس كالله شيء» وبين قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها وكأنهم عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته ونحوه {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }تفسير : [المائدة: 64] فمعناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها، لأنها وقعت عبارة عن الجود حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لجميع المسموعات بلا أذن {ٱلبَصِيرُ } لجميع المرئيات بلا حدقة، وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له كما لا مثل له.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {حم عسق} سئل الحسين بن الفضل لم قطع حروف حم عسق ولم يقطع حروف المص والمر وكهيعص، فقال: لأنها بين سور أوائلها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره لأن حم عسق عدت آيتين وعدت أخواتها التي لم تقطع آية واحدة. وقيل لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلاً فقال معناها حم الأمر أي قضى وبقي عسق على أصله. وقال ابن عباس ح حلمه م مجده ع علمه س سناه ق قدرته أقسم الله عز وجل بها. وقيل إن العين من العزيز والسين من قدوس والقاف من قاهر وقيل ح حرب في قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز م ملك يتحول من قوم إلى قوم ع عدو لقريش يقصدهم س سنون كسني يوسف ق قدرة الله في خلقه، وقيل هذا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فالحاء حوضه المورود و الميم ملكه الممدرد والعين عزه الموجود والسين سناؤه المشهود والقاف قيامه في المقام المحمود وقربه من الملك المعبود وقال ابن عباس ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق فلذلك قال الله تعالى: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك} وقيل معناه كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى الذين من قبلك {الله العزيز} في ملكه {الحكيم} في صنعه، والمعنى كأنه قيل من يوحي فقال الله العزيز الحكيم ثم وصف نفسه وسعة ملكه فقال تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يوحي} على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس {يكاد} بالياء التحتانية: نافع وعلي {تنفطرن} بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل {إبراهام} كنظائره. {يبشر الله} مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي. الوقوف: {حم عسق} كوفي {من قبلك} ط لمن قرأ {يوحى} مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله {الحكيم} ه {في الأرض} ط {العظيم} ه {لمن في الأرض} ط {الرحيم} ه {عليهم} ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله {بوكيل} ه {لا ريب فيه} ط {السعير} ه {رحمته} ط {نصير} ه {أولياء} ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء {الموتى} ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين {قدير} ه {إلى الله} ط {أنيب} ه {والأرض} ط {أزواجاً} الثاني ط لأن ضمير {فيه} يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره {فيه} ط {شيء} ج لعطف الجملتين المختلفتين {البصير} ه {والأرض} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك. {ويقدر} ط {عليم} ه {فيه} ط {إليه} ط {ينيب} ه {بينهم} ط كذلك ما بعده ط {مريب} ه {فادع} ج {كما أمرت} ج {أهواءهم} ج {كتاب} ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان {بينكم} ط {وربكم} ط {أعمالكم} ط {وبينكم} ط {بيننا} ج {المصير} ه {شديد} ه {والميزان} ط {قريب} ه {بها} ج لعطف الجملتين المختلفتين {منها} ج للعطف أو الحال {الحق} ط {بعيد} ه {من يشاء} ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله {الله لطيف} وهما متفقتان {العزيز} ه {في حرثه} ج لعطف جملتي الشرط {نصيب} ه {به الله} ط {بينهم} ط {أليم} ه {بهم} ط {الجنات} ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {ربهم} ط {الكبير} ه {الصالحات} ط {في القربى} ط {حسناً} ط {شكور} ه. التفسير: الكلام في {حم} كما سبق وأما {عسق} فقد قيل: إنه مع {حم} اسم للسورة. وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها. وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته. وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي. وهذه الأقاويل مما لا معول عليها. وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده. أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات. والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح. وإنما فصل {حم} من {عسق} حتى عدا آيتين خلاف {أية : كهيعص}تفسير : [مريم: 1] لتقدم {حم} قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب. روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه {حم عسق} والله أعلم بصحة هذه الرواية. والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك. والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}تفسير : [الأعلى: 18 - 19] وفي ورود لفظ {يوحى} مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته. ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله {له ما في السموات} الخ. ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال {تكاد السموات يتفطرن} وقد سبق في آخر سورة مريم. ومعنى {من فوقهن} أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل. قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن. وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا. وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن. فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة. ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد."تفسير : ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال {والملائكة} قيل: هو عام. وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال {لمن في الأرض} أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم. وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ. قوله {وكذلك أوحينا} قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض. وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، {وذلك} إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب. وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع. {وقرآناً عربياً} حال. والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار. ويجوز أن يكون {ذلك} إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر. قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا. فمن الاستعمال الثاني قوله {لتنذر أم القرى} أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف. ومن الاستعمال الأول قوله {وتنذر يوم الجمع} والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله. قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله {وتنذر} يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع. وقد مر في القصص في قوله {أية : حتى يبعث في أمها}تفسير : [الآية: 59] أن مكة لم سميت أم القرى. وقوله {ومن حولها} يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس} تفسير : [سبأ: 28] وقوله {لا ريب فيه} اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة. وقوله {فريق} مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع. ثم بين بقوله {ولو شاء الله} الخ. أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته. وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً. والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم. وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله {أية : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة}تفسير : [الزخرف: 33] ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً {أم اتخذوا من دونه أولياء} إن أرادوا أولياء بحق {فالله هو الولي} الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه {يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً. وحين منع الرسول صلى الله عليه وسلم من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال {وما اختلفتم} والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله {ذلكم الله ربي} الآية. والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين. وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله {أية : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}تفسير : [النساء: 59] وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة. وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره. قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم. قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده. وقوله {وما اختلفتم} شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل {يا أيها الناس} ومثل {أقيموا الصلاة} والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد. فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد. قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال {فاطر السموات والأرض} وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى {ومن الأنعام أزواجاً} أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً {يذرؤكم فيه} يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل. والضمير في {يذرؤكم} راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم. وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل. وإنما قال {يذرؤكم فيه} ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله {أية : ولكم في القصاص حياة}تفسير : [البقرة: 179] ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى {ليس كمثله شيء} نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله تعالى شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا. قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل. يعنون أنت لا تبخل. وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء. وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد. وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه تعالى لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية. قوله {له مقاليد السموات والأرض} أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً. وحين عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله {كذلك يوحى إليك} إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال {شرع لكم} أي أوجب وبين لأجلكم {من الدين ما وصى به نوحاً} وهو أقدم الأديان بعد الطوفان {والذي أوحينا إليك} وهو ختمها {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} وهي الملل المعتبرة المتوسطة. ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله {أن أقيموا الدين} الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول {شرع} أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين. يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}تفسير : [المائدة: 48] وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في {أوحينا} والخطاب في {إليك} تفخيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله {كبر على المشركين} أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله. ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه. يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين. ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته كقوله في آل عمران {أية : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم}تفسير : [الآية: 19] وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به. قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله {إلا من بعدما جاءهم العلم} حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله {إلى أجل مسمى} ليكون محدوداً من الطرفين. وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية {وإن الذين أورثوا الكتاب} هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين {فلذلك} أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم {فادع} إلى الملة الحنيفية. وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن {وأستقم} عليها كما أمرت {ولا تتبع أهواءهم} المختلفة {وقل آمنت بما أنزل الله من} أي {كتاب} كان {وأمرت لأعدل بينكم} أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري. ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال {الله ربنا وربكم لنا} جزاء {أعمالنا ولكم} جزاء {أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم} وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف. وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله {الله يجمع بيننا} إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم. ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله {من بعدما استجيب له} أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر {حجتهم داحضة} أي باطلة زائلة {عند ربهم} وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا. وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم مختلف فيها. والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد صلى الله عليه وسلم كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً. ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال {الله الذي أنزل الكتاب} أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح {والميزان} أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان. وقيل: هو العقل. وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح. وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بالكتاب {وما يدريك} يا محمد أو أيها المكلف {لعل الساعة} أي مجيئها {قريب} أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب. ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف. ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه. ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال. ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً. ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله {ألا إن الذين يمارون} وأصله من المرية الشك {لفي ضلال بعيد} عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله سبحانه إلى ضد العلم والقدرة. ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال {الله لطيف بعباده} عمم البر ثم خصص بقوله {يرزق من يشاء} يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله {أية : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 50] وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا. وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله {أية : وهو اللطيف الخبير}تفسير : [الآية: 103] وأما قوله {القوي العزيز} ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره. وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال {نؤته منها} أي بعض ذلك {وما له في الآخرة من نصيب} قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة"تفسير : هذا لفظه أو لفظ هذا معناه. وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا. وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة. قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله {أم لهم شركاء} وهي المنقطعة عند بعضهم. وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة. {شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله {أية : أتنبؤن الله بما لا يعلم}تفسير : [يونس: 18] والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله {ولولا كلمة الفصل} أي القضاء السابق بتأخير الجزاء {لقضي بينهم} والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء {ترى الظالمين} في القيامة {مشفقين} خائفين {مما كسبوا} من الجرائم {وهو} أي وبال ذلك {واقع بهم} واصل إليهم لا محالة {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} أي منتزهاتها. قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات. ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا. والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر". {ذلك} المذكور أو الثواب أو التبشير هو {الذي يبشر الله} به {عباده} ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول {لا أسألكم عليه} على هذا التبليغ {أجراً إلا المودة} الكائنة {في القربى} جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم. فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء". وقد جاء في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً {أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم}تفسير : [سبأ: 47] {أية : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}تفسير : [ص: 86] والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة. وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة. قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل {أية : والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل}تفسير : [الرعد: 21] ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير {المودة في القربى} أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ. القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا. ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم. القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح. الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما. ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً رضي الله عنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة "تفسير : وكان يقول "حديث : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" تفسير : وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله {أية : فاتبعوه}تفسير : [الأنعام: 153] وكفى شرفاً لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة. قال بعض المذكرين: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" تفسير : فنحن نركب سفينة حب آل محمد صلى الله عليه وسلم ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة. ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله {ومن يقترف حسنة} أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير. عن السدي أنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها. ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها {إن الله غفور} لمن أذنب {شكور} لمن أطاع الله والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ عۤسۤقۤ} قال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: إنَّ {حـمۤ عۤسۤقۤ} هذه الحروف بأعيانِهَا نزلَتْ في كُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ علَىٰ كُلِّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ عليه كتاب؛ ولذلك قال تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}، وقرأ الجمهور: {يُوحِى} بإسناد الفعل إلى اللَّه تعالى، وقرأ ابن كثير وحده: «يوحَى» ـــ بفتح الحاء ـــ على بناء الفعل لِلْمَفْعُولِ، والتقدير: يُوحِي إليكَ القرآنَ. وقوله تعالى: {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}: يريدُ من الأنبياءِ الذين نَزَلَ عليهم الكتابُ، وقرأ نافع والكسائيُّ «يَتَفَطَّرْنَ»، وقرأ أبو عمرو، وعاصم: «يَنْفَطِرْنَ» والمعنى فيهما: يتصدَّعْنَ ويتشقَّقْنَ، خضوعاً وخشيةً من اللَّه تعالى، وتعظيماً وطاعةً. وقوله: {مِن فَوْقِهِنَّ} أي: من أعلاهن، وقال الأخفشُ، عليُّ بْنُ سُلَيْمَان: الضمير في {مِن فَوْقِهِنَّ} للكُفَّار، أي: من فوق الجماعاتِ الكافرةِ والفِرَقِ المُلْحِدَةِ مِنْ أجْلِ أقوالها تَكادُ السَّمٰواتُ يتفطَّرْنَ، فهذه الآية على هذا كالتي في «كۤهيعۤصۤ»: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } تفسير : [مريم:90] الآية، وقالت فرقة: معناه: من فوق الأرضين، إذْ قد جَرَىٰ ذِكْرُ الأرض. وقوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ} قالَتْ فرقةٌ: هذا منسوخٌ بقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ}تفسير : [غافر:7] قال * ع *: وهذا قولٌ ضعيفٌ، لأَنَّ النَّسْخ في الأخبار لاَ يُتَصَوَّرُ، وقال السَّدِّيُّ ما معناه: إنَّ ظاهر الآية العمومُ، ومعناها الخصوصُ في المؤمنين، فكأنَّه قال: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، وقالت فرقة: بل هِيَ علَىٰ عمومها: لكنَّ استغفارَ الملائكة ليس بطَلَبِ غفرانٍ للكفرة مَعَ بقائهم على كُفْرهم، وإنَّما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تُؤَدِّي إلى الغفران لهم، وتأويل السُّدِّيِّ أرجحُ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: "حم عسق" تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها "حم" فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ "حم" مبتدأ "عسق" خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في "حم" فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أنه قال: "ح" حلمه "م" مجده "ع" علمه، "س" سناؤه، "ق" قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: "ح" حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش "م" ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم "ع" عدوٌّ لقريش يقصدهم "س" سبيٌ يكون فيهم "ق" قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحكيم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حـمۤ سۤق. قوله: "كَذَلِكَ يُوحِي" القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير ـ وتُرْوَى عن أبي عمرو ـ يُوحَى ـ بفتح الحاء مبنياً للمجهول ـ وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. "فمِثْلُ ذَلِك" مبتدأ، و "يُوحَى إِلَيْكَ" خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل "إليك" والكاف منصوبة المحل على الوجهين المتقدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله "اللهُ العزيزُ" أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي ـ بالنون ـ وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} منصوبة المحل مفعولة بنُوحِي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و "يُوحِي" على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: "وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ" وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: "اللهُ العَزيزُ" يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ}تفسير : [النور:36، 37] وقوله: شعر : 4370ـ لِيُبْــكَ يَـزِيــدُ ضَــارعٌ لِخُصُـومَـــةٍ تفسير : وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون "العَزِيزُ الحَكِيمُ" خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في "العَزِيزِ الحَكِيم". وجوَّز أبو البقاء يكون "العَزِيزُ" مبتدأ، و "الحكيم" خبره، أو نعته و {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: "جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ" لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في "كَذَلِكَ" معناه المثل و "ذَا" للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: لا نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: "وهذا عندي بعيد". والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لا نهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيانه في أول سورة "حم" المؤمن. وقوله: {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، إلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: "الإِبل تتشمَّمْنَ". قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه "تَنْفَطِرْنَ" بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: "بتاءين مع النون" فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النون كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو(ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءين منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله: "مِنْ فَوْقِهِنَّ" في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}تفسير : [الكهف:4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة "فِمَنْ" لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ}تفسير : [الحج:19و20]. فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [غافر:7]. فإن قيل: (قوله): ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: {أية : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [البقرة:161] فكيف (يكونون) لاعنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله {لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ}تفسير : [فاطر:41] إلى أن قال: {أية : إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}تفسير : [فاطر:41]. الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدِ الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: "ويستغفرون لمن في الأرض" يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لاستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقوله: "ويستغفرون لمن في الأرض" يدل على أنهم يستغفرون للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذا كانوا مستغفرين للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم} يا محمد "بِوَكِيل" أي لم يوكلك بهم ولا أمرهم إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، و الكاف هي المفعول "لأَوْحَيْنَا" أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: و {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر ـ بالياء من تحت ـ أي القرآن، وأم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أصل كلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى "مَنْ حَوْلَها" أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع بين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من "يَوْمِ الجَمْعِ" وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: "فَرِيقٌ" العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: شعر : 4371ـ ........................ فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ تفسير : ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في "فريقاً" على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل "فريقاً" مفعولاً أول لتنذر، "ويوم الجمع" مفعولاً ثانياً. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و "فِي الجَنَّةِ" صفة "فَرِيقاً" أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال!. فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال ابن عباس (ـ رضي اللهُ عَنْهُمَا ـ) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [الأنعام:35] {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} أي في دين الإسلام "والظَّالِمُونَ" الكافرون {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ} يرفع عنهم العذاب "وَلاَ نَصِير" يمنعهم من النار وهذا تقرير لقوله تعالى: {حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ}، قال ابن عباس ـ (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا): وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ} (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله ـ صلى لله عليه وسلم ـ ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85]. قوله: {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيان الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟. فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ} أي الذي يحكم بين المختلفين {رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

البقاعي

تفسير : {حم عسق*} هذه الحروف يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام عظيم يشير إلى أن معنى هذا الجمع يجوز أن يقال: حكمة محمد علت وعمت فعفت سقام القلوب، وقسمت حروفها قسمين موافقة لبقية أخواتها وبعدها آيتين، ولم تقسم {كهيعص} لأنها آية واحدة ولا أخت لها ولم تقسم {المص} مثلاً وإن كان لها أخوات لأنها آية واحدة، ولم يعد في شيء من القرآن حرف واحد آية، ويجوز أن يعتبر مفردة فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار، وتشرح الصدور والأفكار، فإن نظرت إلى مخارجها وجدتها قد حصل الابتداء فيها بأدنى وسط الحلق إلى اللسان باسم الحاء, وثنى بأوسط حروف الشفة وهي الميم, وحصل الرجوع إلى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين، وهو جامع للحلق واللسان، وقصد رابعاً إلى اللسان بالسين التي هي من أدناه إلى الشفتين وهو رأسه ولها التصاق بالشفتين واتصال بأعلى الفم, ففيها بهذا الاعتبار جمع, ثم جعل بعد هذا الظهور بطوناً إلى أصل اللسان، وهو أقصاه من الشفة بالقاف، ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق والاختتام بالشفة العليا والثنيتين السفليين، ففي هذه الحروف ثلاثة وهي أكثرها لها نظر بما فيها من الجمع إلى مقصود السورة، وقد اتسق الابتداء فيها فيما كان من حرفين جمعهما مخرج بالأعلى ثم بالأدنى إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون كما كان في أول الإسلام حيث حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأقاربه في الشعب، وذلك أيضاً إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع الأعمال الصالحة صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة على أن في هذا التدلي بشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول، كما كان عند الظهور من الشعب بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة الذي كان الضيق سبباً له، لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجاً، فإن الحاء لها من الصفات الهمس والرخاوة والاستفال والانفتاح والميم له من الصفات الجهر والانفتاح والاستفال وبين الشدة والرخاوة، والعين لها من الصفات ما للميم سواء، والسين لها من الصفات ما للحاء، وتزيد بالصفير، والقاف له من الصفات الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر صفاته الضعف، ويزيد بالإمالة التي قرأ بها كثير من القراء، والثاني والثالث على السواء، وهما إلى القوة أرجح قليلاً، وذلك كما تقدم من وسط الحال عند الخروح من الشعب، والرابع فيه قوة وضعف وضعفه أكثر، فإن فيه للضعف ثلاث صفات وللقوة صفتين، وذلك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم عند آخر أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران خديجة رضي الله عنها وأبو طالب لكن ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على الصفات الضعيفة بما فيهما بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه من الإشارة إلى ضخامة تكون باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار، والخامس وهو الأخير كله قوة كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم"تفسير : ثم تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يميناً وشمالاً، فما قام لهم مخالف، ولا وافقتهم أمه من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم وقوة غيرهم وكثرتهم إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار، وقد جمعت هذه الحروف كما مضى وصفي المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ظهور هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود، وصنفي المنقطوطة والعاطلة، وكانت كلها عاطلة إلا حرفاً واحداً، إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن أن يكون أغلب أحواله محواً لا يرى له صفة من الصفات بل يعد في زمرة الأموات وإلى أن المتحلي بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا الدين قليل جداً، وكان المنقوط آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل الحق الجمع بعد المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم، وهي ذات الدائرة المستوية الاستدارة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع فيه والانطباق عليه والإطافة به والإسراع إليه ما ليس لغيرهم, وإلى أن هم من القدم الراسخ في القول المقتطع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم بحيث أنه لا نهاية له مع حسن استنارته بتناسب استدارته، ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية وسبعون وفي السنة الموافقة لهذا العدد كانت ولادتي، فكان الابتداء في هذا الكتاب الديني حينئذ بالقوة القريبة من الفعل, وسنة ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين في شعبان كان سني إذا ذاك قد شارف أربعاً وخمسين سنة، وهو موافق لعدد حرفي (دن) أمراً من الدين الذي هو مقصود السورة، فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها، وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف أربعاً وستين سنة، وهو عدد موافق لعدد أحرف (دين) الذي هو مقصود السورة، فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك مشيراً إلى أن الله تعالى يجمع بكتابي هذا الذي خصني بإلهامه وادخر لي المنحة بحله وإبرامه، واعتناقه والتزامه، أهل هذا الدين القيم جمعاً عظيماً جليلاً جسيماً، يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته وأتباعه، ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم عليها السلام بيان اتصاف الرحمن، المنزل لهذا القرآن، بشمول الرحمة لجميع الأكوان، وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة، وهي الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر، فكان لذلك محيطاً قاهراً لحظ كل قاهر وظالم، وكانت هذه الرحمة الخاصة - لنسبتها إلى الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها، كانت لكونها من أوصاف الخلق بمنزلة اليسار، وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين، لذلك - والله أعلم - قال الاستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له في الحرف: ولما كان ذلك - أي هذه الاسم المجتمع من هذه الأحرف المقطعة - أول هذه السورة مما ينسب إلى أمر الشمال كان متى وضع على أصابع اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله، وكانت خمسها مضافة إلى خمس {كهيعص} المستولية على حكمة اليمين محيطاً ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف - انتهى. ولما كانت هذه الحروف - والله أعلم - مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه آخر السورة الماضية، قال الله سبحانه وتعالى: {كذلك} أي مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن الذي أخبرك به ربك صريحاً أول "فصلت" من أن الإله إله واحد وآخرها من أنه ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ومن أنه يجمع أمتك على هذا الدين بما يتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق بما يريهم من الآيات البينات والدلالات الواضحات في الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ولا سيما إذا أقدم ضال على معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية البيان "وبضدها تتبين الأشياء" ورمز لك به سبحانه تلويحاً اول هذه السورة بهذه الأحرف المقطعة التي هي أعلى وأغلى من الجواهر المرصعة - إلى مثل ذلك، فهما نوعان من الوحي: صريح وعبارة، وتلويح وإشارة. ولما كان المقصود الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع أنبيائه ورسله والبشارة له صلى الله عليه وسلم بتجديده له، مدة حياته تثبيتاً لفؤاده، ودلالة على دوام وداده، عبر بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار، وتقدم في أول البقرة نقلاً عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري وغيره أنه قد لا يلاحظ منه زمن معين، بل يراد مطلق الوجود فقال: {يوحى إليك} أي سابقاً ولاحقاً ما دمت حياً لا يقطع ذلك عنك أصلاً توديعاً ولا قلى بما يريد من أمره مما يعلي لك مقدارك، وينشر أنوارك ويعلي منارك. ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة أنه حق - كما أشارت إليه قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول - والموحي إليه لمعرفة أنه رسول حقاً وكان المراد بالمضارع مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد الاستقبال صح أن يتعلق به قوله مقدماً على الفاعل: {وإلى الذين} والقائم مقام الفاعل في قراءة ابن كثير ضمير يعود على "كذلك". ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل، ادخل الجار فقال: {من قبلك} أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام، بأن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء، وأخذ على كل منهم العهد باتباعك، وأن يكون من أنصارك وأشياعك. ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه، أتى بفاعل {يوحي} في قراءة العامة فقال: {الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال.. وهو مرفوع عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه. ولما كان نفوذ الأمر دائراً على العزة والحكمة قال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله، فلأجل ذلك لا يقدر على نقض ما أبرمه، ولا نقص ما أحكمه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حالي المعاندين والجاحدين، وأعقبت بسورة السجدة بياناً أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمه وإيضاحاً لأنه الكتاب العزيز وعظيم برهانه، ومع ذلك فلم يجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم الأزلية {فريق في الجنة وفريق في السعير} {وما أنت عليهم بوكيل} {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} {ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم} {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} {وما أنتم بمعجزين في الأرض} {ومن يضلل الله فما له من سبيل} {إن عليك إلا البلاغ} {نهدي به من نشاء من عبادنا} فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر، ومحكم ما استجره، وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها. ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى {إلا إنهم في مرية من لقاء ربهم} أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم، فقال تعالى {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} كما أعقب بمثله في قوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ولما تكرر في سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى {فأعرض أكثرهم وقالوا قلوبنا في أكنة} إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة الشورى {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} - انتهى. ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائماً قديماً وحديثاً، علل ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال: {له ما في السماوات} أي من الذوات والمعاني {وما في الأرض} كذلك. ولما كان العلو مستلزماً للقدرة قال: {وهو العلي} أي على العرش الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان وملابسة، فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها {العظيم *} أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه بالقهر والملك، فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل، لا اعتراض لأحد عليه. ولما كان السياق مفهماً عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل، قال مبيناً لذلك: {تكاد السماوات} أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن، وفلقهن بما أعلم به الواقع، ونبه عليه بتذكير {تكاد} في قراءة نافع والكسائي {يتفطرن} أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم، وتفطراً شديداً في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء، مبتدئاً ذلك {من فوقهن} الذي جرت العادة أن يكون أصلب مما تحته، فانفطار غيره من باب الأولى، وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذين لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علماً إلا الذي يراهم بحيث إنّ أحدهم إذا أشير له إلى الأرض حملها كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم يصلي" تفسير : ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء، أو يكون انفطارهن من عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أنداداً كما قال في السورة المناظرة لهذه سورة مريم {أية : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولدا}تفسير : [آية: 90-91] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد، وهذا كناية عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط، فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة لا يحيط بها إلا بارئها، فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذا الانفطار من البلايا الكبار، وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا بفاطرها. ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن حلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سبباً آخر وهو عظيم قولهم، فقال: {والملائكة} أي والحال أنهم، وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال: {يسبحون} أي يوقعون التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ملتبسين {بحمد ربهم} أي بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحاً يليق بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة دائماً لا يفترون، فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول، ولا تثبت لها الجبال، فلا تستبعدن ذلك، فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب، ولفت القول إلى صفة الإحسان لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما اقتضاه إحسانه فصار تعريضاً بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه، وتذرعوا من كفرانه. ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى، وكانوا يعلمون مما جادلهم سبحانه عنهم أن له بهم عناية، فكانوا يرون أن الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم، فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذقاً ما أوجبه السياق في {غافر} من ذكر الإيمان، إشارة إلى أن أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في الإيمان المشروط بالغيب إبلاغاً في التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا: {ويستغفرون} أي وهم مع التسبيح يطلبون الغفران {لمن في الأرض} لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك العظمة، التي لا تضاهى، أما للمؤمن فمطلقاً، وأما للكافر فبتأخير المعالجة، وكذا لبقية الحيوانات، وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت. قال ابن برجان: لم يشأ الله جل ذكره كون شيء إلا قيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه، وكذلك في إبقاء ما شاء إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه، وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين، وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم لما يرين من فوقهن من العظمة، ومن تحتهن من ذنوب الثقلين، فلولا ذكرهم لتفطرن وحضر العذاب، فعوجل الخلق بالهلاك، وقامت القيامة، وقضي الأمر، وإذا كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار، فما ظنك بما يكون لو عرى الأمر عنه وخلا منه، ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما في {غافر} لما اقتضاه السياق هنا من العموم، ولأن مقصود غافر تصنيف الناس في الآخرة صنفين, وتوفية كل ما يستحقه فناسب ذلك إفراد الذين تلبسوا بالإيمان, ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ليجازى كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها بالتأخير في الدنيا للكافر. ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم يستحقون المعاجلة بسببها، أجاب من كأنه قال: هذا يستجاب لهم في المؤمنين، فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله والبشارة واللطف والتيسير في آخره، فقال لافتاً القول عن صفة الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفاً بعظيم الأمر حملاً على لزوم الحمد وإدامة الشكر: {ألا إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال، فله جميع العظمة، وأكد لأن ذلك لعظمه لا يكاد يصدق {هو} أي وحده، ورتب وصفيه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال: {الغفور الرحيم *} أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا وآخرة، وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}تفسير : [فاطر: 45] وأما غير الله فلا يغفر لأهل معصيته، ولو أراد ذلك ما تمكن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت ‏ {حـمۤ عۤسۤقۤ‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن ابن الزبير - رضي الله عنهما - قال‏:‏ أنزلت بمكة ‏ {‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن جعفر بن محمد رضي الله عنه‏.‏ ‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذات ليلة ‏ {‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏} ‏ فرددها مراراً‏ {‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏} ‏ في بيت ميمونة‏.‏ فقال‏: يا ميمونة، أمعك ‏{‏‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏‏}‏‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فاقرئيها؛ فلقد نسيت ما بين أولها وآخرها ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند صحيح، عن ميمونة قالت‏:‏ حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏{‏‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏}‏ فقال‏: ‏يا ميمونة، أتعرفين ‏{‏‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏‏}‏ لقد نسيت ما بين أولها وآخرها‏. قالت‏:‏ فقرأتها، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، ونعيم بن حماد، والخطيب، عن ابن [7] قال‏:‏ جاء رجل إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - وعنده حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - فقال‏:‏ أخبرني عن تفسير ‏ {‏‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏‏} ‏ فاعرض عنه، ثم كرر مقالته، فاعرض عنه، ثم كررها الثالثة، فلم يجبه، فقال له حذيفة‏:‏ رضي الله عنه - أنا أنبئك بها، لم كررتها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد إله، أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين، يشق النهر بينهما شقاً، يجتمع فيها كل جبار عنيد، فإذا أذن الله في زوال ملكهم، وانقطاع دولتهم، ومدتهم، بعث الله على إحداهما ناراً ليلاً، فتصبح سوداء مظلمة، قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة، كيف أفلتت‏!‏ فما هو إلا بياض يومها، وذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها، وبهم جميعاً، فذلك عدل منه سين - يعني سيكون‏.‏ ق - يعني واقع بهاتين المدينتين‏.‏ وأخرج أبو يعلى، وابن عساكر بسند ضعيف، عن أبي معاوية رضي الله عنه قال‏:‏ صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر، فقال‏:‏ يا أيها الناس، هل سمع أحد منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏{‏‏حـمۤ عۤسۤقۤ‏}‏ فوثب ابن عباس رضي الله عنهما، فقال‏:‏ إن حم، اسم من أسماء الله تعالى‏.‏ قال‏:‏ فعين‏؟‏ قال‏:‏ عاين المذكور عذاب يوم بدر‏.‏ قال‏:‏ فسين‏؟‏ قال‏:‏ ‏{أية : و‏سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}‏ تفسير : ‏[‏الشعراء: 227‏]‏ قال‏:‏ فقاف‏؟‏ فسكت، فقام أبو ذر رضي الله عنه، ففسر كما فسر ابن عباس، رضي الله عنهما، وقال‏:‏ قاف قارعة من السماء تصيب الناس‏.

ابو السعود

تفسير : سورة حم عسق وتُسمى الشورى مكية وهي ثلاث وخمسون آية {حـم * عسق} اسمانِ للسورةِ، ولذلكَ فصِلَ بـينهما. وعُدَّا آيتينِ، وقيلَ: اسمٌ واحدٌ والفصلُ ليناسبَ سائرَ الحواميمِ. وقُرىءَ حم سق. فعلى الأولِ هُما خبرانِ لمبتدأٍ محذوفٍ، وقيلَ: حم مبتدأٌ وعسق خبرُهُ وعَلى الثَّانِي الكلُّ خبرٌ واحدٌ. وقولُه تعالَى: {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتحقيق أنَّ مضمونَ السورةِ موافقٌ لما في تضاعيفِ سائرِ الكتبِ المنزَّلةِ على الرسلِ المتقدمةِ في الدعوةِ إلى التوحيدِ والإرشادِ إلى الحقِّ أو أنَّ إيحاءَهَا مثلُ إيحائِها بعدَ تنويهِها بذكرِ اسمِها والتنبـيه على فخامةِ شأنها. والكافُ في حيزِ النصبِ على أنَّه مفعولٌ ليُوحِي عَلى الأولِ وعلى أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ لهُ على الثَّانِي وذلك على الأول إشارةٌ إلى ما فيها وعلى الثَّانِي إلى إيحائِها، وما فيه مِنْ مَعْنى البُعدِ للإيذانِ بعلوِّ رتبة المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي مثل ما في هذه السورةِ من المعانِي أُوحيَ إليكَ في سائر السورِ وإلى من قبلك من الرسلِ في كتبِهم، على أنَّ مناطَ المماثلةِ ما أُشيرَ إليه من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق وما فيه صلاحُ العبادِ في المعاش والمعادِ، أو مثلَ إيحائِها أُوحيَ إليكَ عند إيحاءِ سائرِ السورِ وإلى سائرِ الرسلِ عند إيحاءِ كتبِهم إليهم لا إيحاءً مغايراً له كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [سورة النساء، الآية 163] الآيةَ. على أنَّ مدارَ المْثليةِ كونُه بواسطةِ الملكِ. وصيغةُ المضارعِ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ للإيذان باستمرارِ الوحي وأنَّ إيحاءَ مثلِه عادتُه. وفي جعلِ مضمونِ السورةِ أو إيحائها مشبهاً به من تفخيمِها مالا يخفى وكذا في وصفِه تعالَى بوصفي العزةَ والحكمةِ. وتأخيرُ الفاعلِ لمراعاةِ الفواصلِ مع ما فيهِ من التشويقِ. وقُرِىءَ يُوحَى، على البناءِ للمفعولِ على أنَّ كذلكَ مبتدأٌ ويُوحَى خبره المسندُ إلى ضميرِه أو مصدرٍ، ويُوحَى مسندٌ إلى إليكَ والله مرتفعٌ بما دلَّ عليهِ يُوحَى كأنَّه قيلَ: مَنْ يُوحِي، فقيلَ الله. والعزيزُ الحكيمُ صفتان لهُ، أو مبتدأٌ كما في قراءةِ نُوحِي، والعزيزُ وما بعدَهُ خبرانِ له أو العزيرُ الحكيمُ صفتانِ له.

السلمي

تفسير : قال ابن طاهر: الحاء من الحكيم والميم من الملك والعين من العالم والسين من السيد والقاف من القادر هو الذى يوحى إليك إلى الذين من قبلك أنباء ما قد سلف من الأمم ويوحى إلى الذين من قبلك فضلك وفضل أمتك.

القشيري

تفسير : الحاء مفتاح اسمه: حليم وحافظ وحكيم، والميم مفتاح اسمه: مَلِك وماجد ومجيد ومنَّان ومؤمن ومهيمن، والعين مفتاح اسمه: علام وعدل وعالٍ، والعين مفتاح اسمه: سيِّد وسميع وسريع الحساب، والقاف مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدير وقدوس.

البقلي

تفسير : {حـمۤ عۤسۤقۤ} هذه الاحرف رمز الله مع حبيبه صلى الله عليه وسلم يخبره بهن من كان اهله من سر الذات والصفات والافعال الحاء رمز الحياة الازلية والميم رمز محبة القديم والعين رمز عينيه ذاته وعلمه القديم وعيانه لاهل العيان والسين رمز سره وسر سره وغيبة وغيب غيبه وسنا سبحات وجهه وكشفه لاهل الكشوف والقاف عن قديمية وجوده وقوله القديم الذى منه بدا العالم وأدم بالحاء لاحيوتى لحيا قلوب العارفين حين تحلى منها حيوته لها وبالميم المحيى بملك الارواح المحبين بحلاوة محبته التى برقت سناها فى عيونها ثم يسر الحرفين ورمز النعتين حمى اسار الواصلين عن هطرات الريب وكاشف لها اسرار الغيب ومن العين عاين ذاته وصفاته للعالمين به وباوصافه ونعوته والسين سار سنا برق سبحانه فى اسرار السابقين والقاف ظهر قاف كبرياء قدم ذاته وقيوميته صفاته للقائمين به فى قربه عند ظهور قيامه عليهم وافهم ان الحروف على اوائل السور رموز الحق اخفى اسرارها عن غير اهلها ثم اخفى من تلك الخفيات هذه الاحرف على اوئل هذه السورة بان رفع عن السين نقوش الشين فراد بالسين الشين وبيان حم عسق اى يحيى الازلى وجمال الابدى عشق العاشقون وانا عشيقهم وبرمز العشق اخاطبهم حتى لا يطلع على احوالهم اهل الرسول فيهلكون لان من بين العاشق والمعشوق ارتفع حشمة الربوبية وكلفة العبودية فى مقام المشاهدة ثم اقسم الحق بهذه النعوت اى بحيوتى يا حبيبى ومجدى وجمال وملك ومحبتى لك والاولياء امتك يا محب يا محمد بعلو شانى وعلمى المحيط وعزى وعيانى وعينى يا عارف يا عالم يا عالى الهمته يا عزيز وبسنائى وقدسى وسرمديتى وسبق وجودى على كل شئ باوصاف سرى ويا سباق كل سابق بالشرف والفضل والتقدم ويا سباح بحر قدسى وانسى ومقدمى وقيوميتى وقيامى على كل شئ وبقولى الحق وبقدرتى القديمة وبقضائى وقدرى وبعشقى يا عاشقى وبصدقى يا صادق ان هذه الاشارة قد اشرتها اليك كذلك اشرتها الى انبيائى قبلك واوليائى واهل خالصتى وذلك قوله {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} عزيز بعزى عززتك وعززت اوليائى وبحكمتى اصطفيتك واصطفيت احبائى واعطيتك واعطيتهم حكمى وموتى ومنعت عنك وعن اهل محبتى كيد الكايدين وغلبة الجاهلين قال ابن طاهر الحاء من الحكيم والميم من الملك والعين من العالم والسين من السّيد والقاف من القدر هو الذى يوحى اليك الى الذين من قبلك يوحى اليك انباء من قد سلف من الامم ويوحى الى الذين من قبلك فضلك وفضل امنتك وقال ابو بكر الوراق الحاء علم والميم ملكه والعين علوه وعلمه وسين سناؤه والقاف قدرته يقول بحلمى وملكى وعلوى وعلمى وسنائى وقدرتى انى لا اعذب عرف ربوبيتى واحسن ظنه فى واجب الرجوع الىّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {حم عسق} اسمان للسورة ولذلك فصل بينهما فى الكتابة وعد آيتين بخلاف كهيعص والمص والمر فانها آية واحدة وان اسما واحدا او آية واحدة فالفصل لتطابق سائر الحواميم وفى القاموس آل حاميم وذوات حاميم السور المفتتحة بها ولا تقل حواميم وقد جاء في شعر وهو اسم الله الأعظم او قسم او حروف الرحمن مقطعة وتمامه الرون انتهى روى الطبرى أنه جاء رجل الى ابن عباس رضى الله عنهما وعنده حذيفة اليمانى رضى الله عنه فسأله عن تفسير حم عسق فأطرق واعرض عنه حتى اعاد عليه ثلاثا فاعرض فقال له حذيفة انا انبئك بها قد عرفت لم كرهها وتركها نزلت فى رجل من اهل بيته يقال له عبد الله او عبد الاله ينزل على نهر من انهار المشرق فيبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا فاذا اراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ينزل على احداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها وتصبح صاحبتها سالمة متعجبة كيف افلتت فما هو الا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم اى من اهل المدينتين ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فى الليلة القابلة فذلك قوله تعالى حم عسق اى عزمة من عزمات الله وفتنة حم اى قضى وقدر عدلا منه سيكون واقعا فى هاتين المدينتين ونظير هذا التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلى رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول "حديث : تبنى مدينتان بين دخلة ودجيل وقطربل والصراة يجتمع فيهما جبابرة الارض يجبى اليهما الخزآئن يخسف بهما" تفسير : وفى رواية باهلهما "حديث : فلهما اسرع ذهابا فى الارض من الوتد الحديد فى الارض الرخوة" تفسير : قوله دخلة بالخاء المعجمة على وزن حمزة قرية كثيرة التمر ودجيل بالجيم كزبير شعب من دجلة نهر بغداد وقطربل بالضم وتشديد الباء الموحدة او بتخفيفها موضعان احدهما بالعراق ينسب اليه الخمر والصراة بالفتح نهر بالعراق وقال الضحاك قضى عذاب سيكون واقعا وارجو ان يكون قد مضى يوم بدر وذكر الثعلبى والقشيرى أن النبى عليه السلام لما نزلت هذه الآية عرف الكآبة فى وجهه اى اثر الحزن والملالة فقيل يا رسول الله ما احزنك قال "حديث : اخبرت ببلايا تنزل بامتى من خسف ومسخ ونار تحشرهم وريح تقذفهم فى البحر وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى وخروج الدجال " تفسير : كفته اند حاحرفست وميم مهلكه وعين عذاب وسين مسخ وقاف قذف وثعلبى كويد ابن عباس رضى الله عنهما حم عسق خواندى وكفتى على رضى الله عنه فتنهارا باين دو لفظ دانست. وروى عن على رضى عنه أنه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الحروف التى فى اوآئل السور وقال شهر بن حوشب حم عسق حرب يذل فيها العزيز ويعز فيها الذليل من قريش ثم تفضى الى العرب الى العجم ثم هى متصلة الى خروج الدجال. يقول الفقير الفتن المتصلة بخروج الدجال بعضها قد مضى وبعضها سيقع فيما بين المائتين بعد الالف دل عليه حم وهو ثمان واربعون والعين وهو سبعون والسين وهو ستون والقاف وهو مائة لأنه قد صح أن الدجال متأخر عن المهدى وان المهدى يخرج على رأس لمائة الثالثة او على اربعة ومائتين فيقع قبيل ظهور المهدى الطامات الكبرى وقال عطاء الحاء حرب وهو موت ذريع فى الناس وفى الحيوان حتى يبيدهم ويفنيهم والميم تحويل ملك من قوم الى قوم والعين عدو لقريش يقصدهم ثم ترجع اليهم الدولة لحرمة البيت والسين هو استئصال بالسنين كسنى يوسف عليه السلام وسبى يكون فيهم والقاف قدرة الله نافذة فى ملكوت الارض لا يخرجون من قدرة الله وهى نافذة فيهم وقال ابن عباس رضى الله عنهما الحاء حكم الله والميم ملك الله والعين علوم الله والسين سنا الله والقاف قدرة الله اقسم الله بها فكأنه يقول فبحكمى وملكى وعلوى وسناى وقدرتى لا اعذب عبدا قال لا اله الله مخلصا فلقينى بها ومعناه على ما قال ابو الليث فى تفسيره لا يعذبه عذابا دآئما خالدا وفى الحديث "حديث : افتتحوا صبيانكم لا اله الا الله ولقنوا امواتكم لا اله الا الله" تفسير : والحكمة فى ذلك أن حال الصبيان حال حسن لا غل ولا غش فى قلوبهم وحال الموتى حال الاضطرار فاذا قلتم فى اول ما يجرى عليكم القلم وآخر ما يجف عليكم القلم فعسى الله ان يتجاوز ما بين ذلك ويقال الحاء من الرحمن والميم من المجيد والعين من العليم والسين من القدوس والقاف من القاهر ويقال الحاء حلمه والميم مجده والعين عظمته والسين سناه والقاف قدرته ويقال ان القاف اسم لجبل يحيط بالدنيا. دركشف اسرار آورده كه اين حروف ايمائيست بان عطايا كه حق سبحانه وتعالى بحضرت رسالت ارزانى داشت جاء حوض مورود اوست يعنى حوض كوثركه تشنه لبان امت را ازان سيراب كردانند وميم ملك ممدود اوكه ازمشرق تابمغرب بتصرف امت اودر آيدو عين عزموجود اوكه اعزهمه اشيا نزدحق سبحانه بوده وسين سناء مشهود اوكه مرتبه هيجكس برتبه رفعت او همه نرسيد وقاف مقام محمود اوكه درشب معراج درجه اوادناست ودر روز ميامت شفاعت كبرى شعر : مقام تو محمود ونامت محمد بدين سان مقامى ونامى كه دارد تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى القسم بحاء حبه وميم محبوبه محمد وعين عشقه على سيده وقاف قربه الى سيده بكمال لا يبلغه احد من خلقه. يقول الفقير الحاء هو الحجر الاسود والميم مقام ابراهيم والعين عين زمزم والسين والقاف سقياها فمن استلم الحجر الاسود ساد سيادة معنوية ومن صلى خلف المقام اكرم الله بالخلة ومن دعا عند زمزم اجابه الله ومن شرب من زمزم سقاه الله شرابا طهورا لا يبقى فيه وجعا ولا مرضا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {حم. عسق} يُشير ـ والله أعلم ـ بكل حرف إلى وصف يدلّ على تعظيم قدر حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالحاء: أحبَبْنَاك، أو: حبيْناك، أي: أَعطيناك الملك والملكوت، والميم: ملَّكناك، والعين: عَلَّمناك ما لم تكن تعلم، أو: عيّناك للرسالة، والسين: سيّدناك، والقاف: قرّبناك. {كذلك يُوحِي إِليك} أي: كما خصصناك بهذه الخصائص العظام أوحينا إليك {وإِلى الذين مِن قبلك}، فقد خصصناهم ببعض ذلك، وأوحينا إليهم، وفي ابن عطية: عن ابن عباس: أن هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله، المنزلة على كل نبيّ أُنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: {كذلك يُوحي إليك وإلى الذين من قبلك}. وقال القشيري: الحاء: مفتاح اسمه حكيم وحفيظ، والميم: مفتاح اسمه مالك وماجد ومؤمن ومهيمن، والعين: مفتاح اسمه عليم وعليّ، والسين: مفتاح اسمه سيد وسميع وسريع الحساب، والقاف: مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدوس، أقسم الله تعالى بهذه الحروف أنه كذلك يُوحي إليك يا محمد. هـ. وقال ابن عطية: وإنما فصلت "حم عسق"، ولم يفعل ذلك بـ "كهيعص"؛ لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. هـ. زاد النسفي: وأيضاً: هذه آيتان، و "كهيعص" آية واحدة. هـ. فانظره. {اللهُ} أي: يوحي الله {العزيزُ الحكيمُ}: فاعل "يُوحي"، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول. و"الله": فاعل بمحذوف، كأن قائلاً قال: مَن المُوحِي؟ فقال: {الله العزيز الحكيم} أي: الغالب بقهره، الحكيم في صنعه وتدبيره. {له ما في السماوات وما في الأرض} مُلكاً وملِكاً، {وهو العليُّ} شأنه {العظيمُ} سلطانه وبرهانه. ثم بيّن عظمته، فقال: {يكادُ السماواتُ يتفطَّرْنَ من فوقهن}؛ تتشققن من عظمة الله تعالى وعلو شأنه، يدلّ عليه مجيئه بعد قوله: {وهو العلي العظيم}. وقيلَ: من دعائهم له ولداً، كقوله: {أية : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ} تفسير : [مريم: 90] إلخ، ويؤيده: مجيء قوله: {أية : وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [الشورى: 6]. وقرأ البصريّ وشبعة: "ينفطرن"، والأول أبلغ. ومعنى: {من فوقهن} أي: يبتدين بالانفطار من جهتهنّ الفوقانية. وتخصيصها على التفسير الأول؛ لأن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال من تلك الجهة، وأيضاً: استقرار الملائكة إنما هو من فوق، فكادت تنشق من كثرة الثِقل، كما في الحديث: "حديث : أطَّت السماء، وحُقّ لها أن تَئطَّ، ما فيها موضع قدم إلا وفيها ملك راكع أو ساجد ". تفسير : وعلى الثاني للدلالة على التفطُّر من تحتهن بالطريق الأولى؛ لأن تلك الكلمة الشنعاء، الواقعة في الأرض حين أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى. وقيل: "من فوقهن": من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض، من قوله: {له ما في السماوات وما في الأرض} لأنه بمعنى الأرضين. {والملائكةُ يُسبِّحون بحمدِ ربهم} خضوعاً؛ لِمَا يرون من عظمته، {ويستغفرون لمَن في الأرض} أي: للمؤمنين منهم، خوفاً عليهم من سطواته، ويُوحدون اللهَ وينزهونه عما لا يليق به من الصفات، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه، متعجبين لما رأوا من تعرُّض الكفرة لسخط الله تعالى. ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض، الذين تبرؤوا من تلك الكلمات، {ألا إِنَّ اللهَ هو الغفورُ الرحيمُ} حيث لا يعاجلهم بالعقوبة على ما وصفوه به مما لا يجوز عليه. الإشارة: حم عسق، الحاء تُشير إلى حمده لأوليائه، وتنويهه بقدرهم، والميم إلى تمليكهم التصرُّف في حس المُلك، وأسرار الملكوت، والعين إلى علو رتبتهم، أو إلى علومهم اللدنية، والسين إلى سيادتهم وسَنَا نورهم وسرهم، والقاف إلى قُربهم وتقريبهم حتى يمتحق وجودهم في وجود محبوبهم، فيمتحي القرب من شدة القرب، وبذلك صاروا مقربين. والوحي ينقسم إلى أربعة أقسام؛ وحي أحكام، ووحي منام، ووحي إلهام، ووحي إعلام، فاختصت الأنبياء بالأول، وشاركتهم الأولياء في الثلاثة. ووحي إعلام هو إطّلاعهم على بعض المغيبات. وقوله تعالى: {يكاد السماوات يَتَفَطَّرن} أي: يتشققن من هيبته تعالى وكبريائه. وذلك لما لطُف حسها أدركت هيبة معاني أسرار الذات، وكذلك الأرواح؛ إذا لطفت ورقّ حسن بشريتها أدركت عظمة الحق وجلاله وجماله، وإذا كثفت بشريتها، بمباشرة الحس واتباع الهوى، غلظ حجابها، فبعدت عن حضرة الحق في حال قربها. وقوله تعالى: {ويستغفرون لمَن في الأرض}، انظر جلالة قدر هذا الآدمي، حتى سخَّر الله له الملائكة الكرام يستغفرون له، ويسعون في مصالحه، فاستحِي من الله أيها العبد، إن كان لك عقل وتمييز. ثم ردّ على أهل الشرك، فقال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}.

الطوسي

تفسير : خمس آيات فى الكوفى وثلاث فى ما عداه عدّ الكوفيون {حم} وعدّوا {عسق} ولم يعده الباقون. قال ابو عبد الله بن خالويه سألت ابن مجاهد، فقلت: إن القاف أبعد من الميم، فلم اظهر حمزة النون عند الميم في (طسم) ولم يظهرها عند القاف في (عسق) فقال والله ما فكرت في هذا قط، قال ابو عبد الله الحجة فى ذلك ان (طسم) اول سورة النمل ثم جاءت سورتان فيهما الميم، فبين ليعلم ان الميم زائدة على هجاء السين واتفق اهل الكوفة على ان لم يفردوا السين بين حرفين في الكلام هذا على الأصل. واما الحجة من جهة التخفي، فان النون تدغم في الميم وتخفى عند القاف والمخفي بمنزلة المظهر، فلما كره التشديد في (طسم) اظهروا لما كان المخفي بمنزلة الظاهر ولم يحتج إلى اظهار القاف، قال الفراء: ذكر عن ابن عباس انه قال (حمسق) بلا عين. وقال السين كل فرقة تكون. والقاف كل جماعة كانت، قال الفراء وكانت في بعض مصاحف عبد الله مثل ذلك. وقرأ ابن كثير وحده {يوحي إليك} بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله، فعلى هذا يكون اسم الله مرتفعاً بمحذوف يدل عليه المذكور قال الشاعر: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : أي يبكيه ضارع، فيكون التقدير يوحى اليك يوحي الله. قال ابو علي: ذكر أن مثل هذه السورة أوحى إلى من تقدم من الأنبياء، فعلى هذا يكون التقدير يوحي اليك هذه السورة كما اوحى إلى الذين، وقال الزجاج، والفراء: يقال إن {حمعسق} اوحيت إلى كل نبي كما اوحيت إلى محمد صلى الله عليه وآله قال ابن عباس: وبها كان علي عليه السلام يعلم الفتن. وقرأ الباقون يوحي - بكسر الحاء - فيكون على هذا إسم الله مرتفعاً بأنه فاعل (يوحي) وقد قرىء شاذاً {نوحي} بالنون مع كسر الحاء فعلى هذا يحتمل رفع اسم الله لوجهين: احدهما - ان يكون رفعاً بالابتداء. والثاني - ان يكون مرتفعاً بفعل مقدر يدل عليه {يوحى} الأول، كما قلناه في من فتح الحاء. ويجوز أن يكون بدلا من الضمير. ويجوز أن يجعل اسم الله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو الله العزيز الحكيم. وقرأ ابو عمرو وعاصم فى رواية أبي بكر {يكاد} بالياء {ينفطرن} بالياء والنون، لأن تأنيث السموات غير حقيقي، وقد تقدم الفعل ولذلك أتت (يتفطرن) لما تأخر الفعل عن السموات وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة في رواية حفص (تكاد) بالتاء لتأنيث السموات (وينفطرن) بالياء والنون لما قدمناه. وقرأ نافع والكسائي {يكاد} بالياء لما قلناه من ان التأنيث غير حقيقي {يتفطرن} بياء، وتاء و {يتفطرن} في معنى تنفطر وهو مضارع فطرته فتفطر وفطرته بالتخفيف فانفطر، ومعنى بتفطرن يتشققن. قيل إنما عدوا {حم} و {عسق} آية ولم يعد {طس} لأن {طس} لما انفرد عن نظيره من {طسم} فاشبه الاسم حمل عليه، ولما لم ينفرد {حم} عن نظيره جرى عليه حكم الجملة التامة التي تعد آية من اجل انها آية. فلما اجتمع في (طس) الانفراد عن النظير وأشبه (قابيل) وكل واحد من هذين الوجهين يقتضي مخالفة حكم (طسم) وجب الخلاف. وأما إنفراد (حاميم) بالزنة فقط، لم يجب الخلاف كما وجب في ما اجتمع فيه سببان. وفى (حم) من الفائدة تعظيم الله - عز وجل - السورة وتسميتها وتشريفاً لها وتنويهاً باسمها وإجراؤها في التفصيل مجرى ما يعقل في فضله على ما لا يعقل من الاجسام والاعراض. وقيل ان {حم عسق} انفردت بأن معاينها اوحيت إلى سائر الأنبياء، فلذلك خصت بهذه التسمية. وقيل إنما فصل {حم عسق} من سائر الحواميم بـ (عسق) لان جميعها استفتح بذكر الكتاب على التصريح به إلا هذه السورة فانه دل عليه دلالة التضمين بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب، والوحي أعم من الكتاب في معناه إلا انه دال في هذا الموضع على الكتاب بهذه الصفة. وقوله {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك} قيل في المشبه به في قوله {كذلك} وجهان: احدهما - كالوحي الذي تقدم يوحي اليك. والثاني - هذا الوحي الذي يأتي في هذه السورة يوحى اليك، لان ما لم يكن حاضراً يراه صلح فيه (هذا) لقرب وقته و (ذلك) لبعده في نفسه. ومعنى التشبيه في {كذلك} أن بعضه كبعض في انه حكمة وصواب بما تضمنه من الحجج والمواعظ والفوائد التي يعمل عليها في الدين {وإلى الذين من قبلك} معناه مثل ذلك اوحى إلى الذين من قبلك من الأنبياء وتعبدهم بشريعة كما تعبدك بمثل ذلك. وقوله {العزيز الحكيم} معناه القادر الذي لا يغالب الحكيم في جميع أفعاله. ومن كان بهاتين الصفتين خلصت له الحكمة في كل ما يأتي به، لانه العزيز الذي لا يغالب والغني الذي لا يحتاج إلى شيء، ولا يجوز أن يمنعه مانع مما يريده، وهو الحكيم العليم بالأمور لا يخفى عليه شيء منها لا يجوز أن يأتي إلا بالحكمة. فاما الحكيم غيره يحتاج فلا يوثق بكل ما يأتي به إلا أن يدل على ذلك الحكمة دليل. قوله {له ما في السماوات والأرض} معناه أنه مالكهما ومدبرهما وله التصرف فيهما ولا احد له منعه من ذلك ويكون {العلي} مع ذلك بمعنى المستعلي على كل قادر العظيم في صفاته التي لا يشاركه فيها احد. وقوله {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} قيل فى معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يتفطرن من فوقهن من عظمة الله وجلاله. والثاني - ان السموات تكاد تتفطرن من فوقهن استعظاماً للكفر بالله والعصيان له مع حقوقه الواجبة على خلقه، وذلك على وجه التمثيل ليس لأن السموات تفعل شيئاً او تنكر شيئاً، وإنما المراد ان السموات لو انشقت لمعصيته استعظاماً لها أو لشيء من الاشياء لتفطرت استعظاماً لكفر من كفر بالله وعبد معه غيره. وقوله {الملائكة يسبحون بحمد ربهم} معناه ينزهونه عما لا يجوز عليه من صفات، وما لا يليق به من افعال {ويستغفرون لمن في الأرض} من المؤمنين. وفي ذلك صرف الاهلاك لهم ولغيرهم من اهل الأرض يصرفه عنهم. ثم قال {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} لعباده عصيانهم تارة بالتوبة وتارة ابتداء منه كل ذلك تفضلا منه ورأفة بهم ورحمة لهم.

الجنابذي

تفسير : {حـمۤ عۤسۤقۤ كَذَلِكَ} الوحى الّذى اوحينا اليك قبل ذلك من اخبار المغيبات ومن الاحكام والمواعظ {يُوحِيۤ إِلَيْكَ} بعد هذا الزّمان، او كذلك الوحى بالرّمز والحروف المقطّعة الّذى اوحينا اليك قبل ذلك يوحى اليك بعد ذلك، او كذلك الوحى المحفوف باذى القوم وانكارهم الّذى اوحينا اليك يوحى بعد ذلك، او كذلك الوحى باهلاك القوم واسكان الارض يوحى اليك {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} اى واوحى الى الّذين من قبلك وأتاه بطريق عطف المفرد للاغتفار فى الثّوانى او لتقدير المعطوف بقرينة المعطوف عليه، وقرئ: يوحى بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول، واذا كان مبنيّاً للمفعول فقوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} يكون فاعل فعلٍ محذوفٍ او مبتدءً والجملة مستأنفة فى موضع التّعليل وخبره العزيز او الحكيم او قوله تعالى {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}.

الأعقم

تفسير : {حم} {عسق}، قيل: اسم للسورة، وقيل: إشارة إلى القرآن مؤلف من هذه الحروف فيكون محدثاً، وقيل: قسم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء، وقيل: من أسماء الله تعالى {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك} كل وحي نزل إلى نبي فإنما أنزل من جهة الله تعالى الذي تحق له العبادة {العزيز الحكيم} القادر العالم المحكم الأفعال {له ما في السماوات وما في الأرض} خلقاً وملكاً {وهو العلي العظيم} في صفاته لا يشاركه فيها أحد، العظيم في أفعاله فلا قبح فيها {تكاد} تقرب {السماوات يتفطّرن} يتشققن، وقيل: كادت القيامة تقوم وتفطر السماوات، اختلفوا من أي شيء قيل: من عظمة الله وجلاله عن ابن عباس، وقيل: استعظاماً للكافرين الله والعصيان له، وقيل: عظم قول المشركين اتخذ الله ولداً وهذا على طريق أي لو كانت السماوات تتفطرن لشيء لانفطرن لهذا {من فوقهن}، قيل: السماوات يفطرن بعضها فوق بعض وكل واحد فوق الذي يليه، وقيل: فوق الأرضين {والملائكة يسبحون} أي ينزهون الله عن وصفه بما لا يليق، وقيل: الملائكة الذين اتخذوهم الكفار آلهة ينزهون الله عن مقالتهم وتسبيحهم {بحمد ربهم} أي بإضافة النعم إليه والثناء الحسن {ويستغفرون لمن في الأرض} من المؤمنين، وقيل: التائبين {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} لذنوبهم، الرحيم لا يعاجلهم بالعقوبة {والذين اتخذوا من دونه أولياء} أي اتخذوا الأوثان آلهة {الله حفيظ عليهم} أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها {وما أنت عليهم بوكيل} أي يحفظ أعمالهم فيمنعهم منها إنما عليك البلاغ، وفيه تسلية له (صلى الله عليه وآله وسلم).

الهواري

تفسير : تفسير سورة حم عسق، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حـمۤ عۤسۤقۤ} كان بعضهم يقول في هذه الحروف وأشباهها: ذكر الحروف من الاسم من أسماء الله، ثم ذكر الحروف من الاسم في موضع آخر، ثم ذكر تمام ذلك الاسم من حرف آخر حتى صار اسماً، مثل قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {الۤر}، و {حمۤ}، وَ{نۤ}: الرحمن. وقال بعضهم: ذكر الحروف من الاسم فجعله اسماً، كقوله: {كۤهيعۤصۤ}: كاف، هاد، عالم، صادق، وقوله: {يس}: يا إنسان، والسين خرف من اسم الإنسان. وكان الحسن يقول في أشباه ذلك: ما أدري ما تفسيره، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها. قال: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} أي: هكذا يوحي إليك كما أوحى إلى الذين من قبلك من الأنبياء؛ كقوله: (أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ) تفسير : [النساء:163] {اللَّهُ الْعَزِيزُ} في نفسه، {الْحَكِيمُ} في أمره. قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ} أي: فلا أعلى منه {الْعَظِيمُ} فلا أعظم منه. قوله: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} أي: يتشقّقن، وهي تقرأ أيضاً: ينفطرن، أي: يتشققن {مِن فَوْقِهِنَّ} أي: من مخافة من فوقهن، وهو الله تبارك وتعالى. وبلغنا أن ابن عباس كان يقرأها: يكاد السماوات يتفطرن مِّمَّن فوقهن. قال: {وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} أي: من المؤمنين؛ كقوله في حم المؤمن: (أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا) تفسير : [غافر:7]. {أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم عسق} مجهول المعنى وان جعل اسماً للسورة فهو خبر لمحذوف أو مفعول لمحذوف وانما فصل العين عن الميم ليطابق سائر الحواميم وقيل لانهما أعنى (حم وعسق) اسمان للسورة وعدا آيتين وسئل الحسين ابن المفضل لم قطع حروف {حم عسق} ولم يقطع {المص} و {المر} و {كهيعص} فأجاب بأنها بين سور أوائلها حم فجرت مجرى نظائرها وان {حم} مبتدأ و {عسق} خبر وزعم بعض ان أهل التأويل لم يختلفوا في نحو {كهيعص} انها حروف تهج واختلفوا في {حم} فأخرجها بعض من حيز الحروف وجعلها فعلاً فقال معناها (حم الأمر) أي قضي وبقي {عسق} على أصله وعن ابن عباس ان {حم عسق} حروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله ولذلك قال. {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}

اطفيش

تفسير : فصل حم عسق ولم يفصل المص والمر، وكهيعص ونحو ذلك، لأنها بين سور أوائلها حم، فجرت مجرى نظائرها، ولأن بعضا قال حم فعل، أى حم الأمر أى قضى، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ما من نبى صاحب كتاب إلا أوحى اليه حم عسق.

الالوسي

تفسير : {حـمۤ * عۤسۤقۤ } لعلهما اسمان للسورة وأيد بِعدهِمَا آيتين والفصل بينهما في الخط وبورود تسميتها {عۤسۤقۤ} من غير ذكر {حـمۤ}، وقيل: هما اسم واحد وآية واحدة وحقه أن يرسم متصلاً كما في {أية : كۤهيعۤصۤ }تفسير : [مريم: 1] لكنه فصل ليكون مفتتح السورة على طرز مفتتح أخواتها حيث رسم في كل مستقلاً وعلى الأول: هما خبران لمبتدأ محذوف، وقيل: {حـمۤ} مبتدأ و {عۤسۤقۤ} خبره وعلى الثاني: الكل خبر واحد، وقيل: إن {حـمۤ * عۤسۤقۤ} إشارة إلى هلاك مدينتين تبنيان على نهر من أنهار المشرق يشق النهر بينهما يجتمع فيهما كل جبار عنيد يبعث الله تعالى على إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها ويخسف بالأخرى في الليلة الأخرى، وروي ذلك عن حذيفة، وقيل: إن {حـمۤ} اسم من أسماء الله تعالى وعين إشارة إلى عذاب يوم بدر وسين إشارة إلى قوله تعالى: {أية : وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } تفسير : [الشعراء: 227] وقاف إلى قارعة من السماء تصيب الناس، وروي ذلك بسند ضعيف عن أبـي ذر، والذي يغلب على الظن عدم ثبوت شيء من الروايتين. وفي «البحر» ذكر المفسرون في {حـمۤ * عۤسۤقۤ} أقوالاً مضطربة لا يصح منها شيء ضربنا عن ذكرها صفحاً. وما ذكرناه أولاً قد اختاره غير واحد. ومنهم من اختار أنها مقطعات جىء بها للإيقاظ. وقرأ ابن عباس وابن مسعود (حم سق) بلا عين. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}

سيد قطب

تفسير : هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية؛ ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة، حتى ليصح أن يقال: إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها؛ وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعاً لتلك الحقيقة الرئيسية فيها. هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية، وتعرضها من جوانب متعددة؛ كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها؛ ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها. وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها. كما تلم بقضية الرزق: بسطه وقبضه؛ وصفة الإنسان في السراء والضراء. ولكن حقيقة الوحي والرسالة، وما يتصل بها، تظل ـ مع ذلك ـ هي الحقيقة البارزة في محيط السورة، والتي تطبعها وتظللها. وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها. ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة، وما يصاحبها من موضوعات أخرى بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبر والملاحظة. فهي تعرض من جوانب متعددة. يفترق بعضها عن بعض ببضع آيات تتحدث عن وحدانية الخالق. أو وحدانية الرازق. أو وحدانية المتصرف في القلوب. أو وحدانية المتصرف في المصير.. ذلك بينما يتجه الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة إلى تقرير وحدانية الموحي ـ سبحانه ـ ووحدة الوحي. ووحدة العقيدة. ووحدة المنهج والطريق. وأخيراً وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة. ومن ثم يرتسم في النفس خط الوحدانية بارزاً واضحاً، بشتى معانيه وشتى ظلاله وشتى إيحاءاته، من وراء موضوعات السورة جميعاً.. ونضرب بعض الأمثلة من السورة إجمالاً، قبل أن نأخذ في التفصيل: تبدأ بالأحرف المقطعة: "حام. ميم. سين. قاف".. يليها: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم}.. مقرراً وحدة مصدر الوحي في الأولين والآخرين: {إليك وإلى الذين من قبلك}.. ثم يستطرد السياق في صفة الله العزيز الحكيم: {له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم}.. مقرراً وحدانية المالك لما في السماوات والأرض واستعلاءه وعظمته على وجه الانفراد. ثم يستطرد استطراداً آخر في وصف حال الكون تجاه قضية الإيمان بالمالك الواحد، وتجاه الشرك الذي يشذ به بعض الناس: {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن، والملائكة يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور الرحيم، والذين اتخذوا من دونه أولياء، الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل}.. فإذا الكون كله مشغول بقضية الإيمان والشرك حتى إن السماوات ليكدن يتفطرن من شذوذ بعض أهل الأرض، بينما الملائكة يستغفرون لمن في الأرض جميعا من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين! وبعد هذه الجولة يعود السياق إلى الحقيقة الأولى: {وكذلك أوحينا إليك، قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها، وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في السعير}.. ثم يستطرد مع {فريق في الجنة وفريق في السعير}.. فقوله ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة. ولكن مشيئته اقتضت ـ بما له من علم وحكمة ـ أن {يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير}.. ويقرر أن الله وحده هو الولي {وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير}.. ومن ثم يعود إلى الحقيقة الأولى، حقيقة الوحي والرسالة، فيقرر أن الحكم فيما يختلف فيه البشر من شيء هو الله الذي أنزل هذا القرآن ليرجع إليه الناس في كل اختلاف: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله. ذلكم الله ربي عليه توكلت، وإليه أنيب}.. ويستطرد مع الربوبية إلى وحدانية الخالق، وتفرد ذاته. ووحدانية المتصرف في مقادير السماوات والأرض، وفي بسط الرزق وقبضه. وفي علمه بكل شيء: {فاطر السماوات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجاً، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم}.. ثم يعود إلى الحقيقة الأولى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادع واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب.. الخ}.. وعلى مثل هذا النسق تمضي السورة في عرض هذه الحقيقة؛ محوطة بمثل هذا الجو، وهذه الاستطرادات المتعلقة بقضايا العقيدة الأخرى، المثبتة في الوقت ذاته للحقيقة الأولى التي تبدو كأنها موضوع السورة الرئيسي. وهذا النسق واضح وضوحاً كاملاً في هذا الدرس الأول من السورة. فالقارئ يلتقي بعد كل بعض آيات بحقيقة الوحي والرسالة في جانب من جوانبها. فأما الدرس الثاني ويؤلف بقية السورة، فيبدأ باستعراض بعض آيات الله في بسط الرزق وقبضه؛ وفي تنزيل الغيث برحمته؛ وفي خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة؛ وفي الفلك الجواري في البحر كالأعلام. ويستطرد من هذه الآيات إلى صفة المؤمنين التي تفردهم وتميز جماعتهم. فإلى مشهد من مشاهد القيامة يعرض صورة الظالمين لما رأوا العذاب: {أية : يقولون هل إلى مرد من سبيل، وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي}.. تفسير : واستعلاء المؤمنين يومئذ ووقوفهم موقف المقرر لحال الظالمين: {أية : وقال الذين آمنوا: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ألا إن الظالمين في عذاب مقيم}.. تفسير : وفي ظل هذا المشهد يدعو الناس إلى إنقاذ أنفسهم من مثل هذا الموقف قبل فوات الأوان: {أية : استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، ما لكم من ملجأ يومئذ، وما لكم من نكير }.. تفسير : ومن ثم يعود إلى الحقيقة الأولى في السورة. حقيقة الوحي والرسالة. في جانب من جوانبها: {أية : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ.. }. تفسير : ويمضي سياق السورة حتى ختامها يدور حول هذا المحور مباشرة أو غير مباشرة، مع طابع الاستطراد بين كل إشارة وإشارة إلى تلك الحقيقة، حتى يكون ختام السورة هذا البيان في شأن الوحي والرسالة: {أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه عليّ حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان؛ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور }.. تفسير : وبعد فمن وراء التركيز على حقيقة الوحي والرسالة في سياق السورة كله يبرز هدف خاص لعرضها على هذا النحو وفي هذا التتابع. هذا الهدف هو تعيين القيادة الجديدة للمبشرين ممثلة في الرسالة الأخيرة، ورسولها، والأمة المسلمة التي تتبع نهجه الإلهي الثابت القويم. وتبدأ أول إشارة مع مطلع السورة {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم}.. لتقرر أن الله هو الموحي بجميع الرسالات لجميع الرسل، وأن الرسالة الأخيرة هي امتداد لأمر مقرر مطرد من قديم. وتأتي الإشارة الثانية بعد قليل: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها}.. لتقرر مركز القيادة الجديدة التي سترد الإشارة إليها فيما بعد. وفي الإشارة الثالثة يقرر وحدة الرسالة بعد ما قرر في الإشارة الأولى وحدة المصدر: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}.. وتستطرد هذه الإشارة إلى تقرير أن التفرق قد وقع، مخالفاً لهذه التوصية، ولم يقع عن جهل من أتباع أولئك الرسل الكرام ولكن عن علم. وقع بغيا وظلما وحسدا: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم}.. ثم تستطرد كذلك إلى بيان حال الذين جاءوا من بعد أولئك الذين اختلفوا: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}.. وعند هذا الحد يتبين أن البشرية قد آلت إلى فوضى وارتياب، ولم تعد لها قيادة راشدة تقوم على نهج ثابت قويم.. فرسالة السماء التي تقود البشرية قد آلت إلى اختلاف بين أتباعها. والذين جاءوا من بعدهم تلقوها في ريبة وفي شك لا تستقيم معهما قيادة راشدة. ومن ثم يعلن انتداب الرسالة الأخيرة وحاملها ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه القيادة: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم. وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم. الله ربنا وربكم.. الخ}.. ومن ثم تجيء صفة الجماعة المؤمنة المميزة لها طبيعية في سياق هذه السورة ـ في الدرس الثاني ـ بوصفها الجماعة التي ستقوم على قيادة هذه البشرية على ذلك النهج الثابت القويم. وعلى ضوء هذه الحقيقة يصبح سياق السورة وموضوعها الرئيسي والموضوعات الأخرى فيه واضحة القصد والاتجاه. وتتبع هذا السياق بالتفصيل يزيد هذا الأمر وضوحا.. {حم. عسق. كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم. له ما في السماوات وما في الأرض، وهو العلي العظيم. تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن، والملائكة يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض. ألا إن الله هو الغفور الرحيم. والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل}.. سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور بما فيه الكفاية. وهي تذكر هنا في مطلع السورة، ويليها قوله تعالى: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم}.. أي مثل ذلك، وعلى هذا النسق، وبهذه الطريقة يكون الوحي إليك وإلى الذين من قبلك. فهو كلمات وألفاظ وعبارات مصوغة من الأحرف التي يعرفها الناس ويفهمونها ويدركون معانيها؛ ولكنهم لا يملكون أن يصوغوا مثلها مما بين أيديهم من أحرف يعرفونها. ومن الناحية الأخرى تتقرر وحدة الوحي. وحدة مصدره فالموحي هو الله العزيز الحكيم. والموحى إليهم هم الرسل على مدار الزمان. والوحي واحد في جوهره على اختلاف الرسل واختلاف الزمان: {إليك وإلى الذين من قبلك}.. إنها قصة بعيدة البداية، ضاربة في أطواء الزمان. وسلسلة كثيرة الحلقات، متشابكة الحلقات. ومنهج ثابت الأصول على تعدد الفروع. وهذه الحقيقة ـ على هذا النحو ـ حين تستقر في ضمائر المؤمنين تشعرهم بأصالة ما هم عليه وثباته، ووحدة مصدره وطريقه. وتشدهم إلى مصدر هذا الوحي: {الله العزيز الحكيم}.. كما تشعرهم بالقرابة بينهم وبين المؤمنين أتباع الوحي في كل زمان ومكان، فهذه أسرتهم تضرب في بطون التاريخ، وتمتد جذورها في شعاب الزمن؛ وتتصل كلها بالله في النهاية. فيلتقون فيه جميعا. وهو {العزيز} القوي القادر {الحكيم} الذي يوحي لمن يشاء بما يشاء وفق حكمة وتدبير. فأنى يصرفون عن هذا المنهج الإلهي الواحد الثابت إلى السبل المتفرقة التي لا تؤدي إلى الله؛ ولا يعرف لها مصدر، ولا تستقيم على اتجاه قاصد قويم؟ ويستطرد في صفة الله الذي يوحي وحده إلى الرسل جميعا؛ فيقرر أنه المالك الوحيد لما في السماوات وما في الأرض، وأنه وحده العلي العظيم: {له ما في السماوات وما في الأرض، وهو العلي العظيم}.. وكثيراً ما يُخدع البشر فيحسبون أنهم يملكون شيئاً، لمجرد أنهم يجدون أشياء في أيديهم، مسخرة لهم، ينتفعون بها، ويستخدمونها فيما يشاءون. ولكن هذا ليس ملكاً حقيقياً. إنما الملك الحقيقي لله؛ الذي يوجد ويعدم، ويحيي ويميت؛ ويملك أن يعطي البشر ما يشاء، ويحرمهم ما يشاء؛ وأن يذهب بما في أيديهم من شيء، وأن يضع في أيديهم بدلاً مما أذهب.. الملك الحقيقي لله الذي يحكم طبائع الأشياء، ويصرفها وفق الناموس المختار، فتلبي وتطيع وتتصرف وفق ذلك الناموس. وكل ما في السماوات وما في الأرض من شيء "لله" بهذا الاعتبار الذي لا يشاركه فيه أحد سواه.. {وهو العلي العظيم}.. فليس هو الملك فحسب، ولكنه ملك العلو والعظمة على وجه التفرد كذلك. العلو الذي كل شيء بالقياس إليه سفول؛ والعظمة التي كل شيء بالقياس إليها ضآلة! ومتى استقرت هذه الحقيقة استقراراً صادقاً في الضمائر، عرف الناس إلى أين يتجهون فيما يطلبون لأنفسهم من خير ومن رزق ومن كسب. فكل ما في السماوات وما في الأرض لله. والمالك هو الذي بيده العطاء. ثم إنه هو {العلي العظيم} الذي لا يصغر ولا يسفل من يمد يده إليه بالسؤال؛ كما لو مدها للمخاليق، وهم ليسوا بأعلياء ولا عظماء. ثم يعرض مظهراً لخلوص الملكية لله في الكون، وللعلو والعظمة كذلك. يتمثل في حركة السماوات تكاد تتفطر من روعة العظمة التي تستشعرها لربها، ومن زيغ بعض من في الأرض عنها. كما يتمثل في حركة الملائكة يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لأهل الأرض من انحرافهم وتطاولهم: {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن، والملائكة يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض. ألا إن الله هو الغفور الرحيم}.. والسماوات هي هذه الخلائق الضخمة الهائلة التي نراها تعلونا حيثما كنا على ظهر هذه الأرض، والتي لا نعلم إلا أشياء قليلة عن جانب منها صغير. وقد عرفنا حتى اليوم أن بعض ما في السماوات نحو من مئة ألف مليون مجموعة من الشموس. في كل منها نحو مئة ألف مليون شمس كشمسنا هذه، التي مبلغ حجمها أكثر من مليون ضعف من حجم أرضنا الصغيرة! وهذه المجموعات من الشموس التي أمكن لنا ـ نحن البشر ـ أن نرصدها بمراصدنا الصغيرة، متناثرة في فضاء السماء مبعثرة، وبينها مسافات شاسعة تحسب بمئات الألوف والملايين من السنوات الضوئية. أي المحسوبة بسرعة الضوء، التي تبلغ 168.000 ميل في الثانية! هذه السماوات التي عرفنا منها هذا الجانب الصغير المحدود يكدن يتفطرن من فوقهن.. من خشية الله وعظمته وعلوه، وإشفاقاً من انحراف بعض أهل الأرض ونسيانهم لهذه العظمة التي يحسها ضمير الكون، فيرتعش، وينتفض، ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه! {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض}.. والملائكة أهل طاعة مطلقة، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة. ولكنهم دائبون في تسبيح ربهم، لما يحسون من علوه وعظمته، ولما يخشون من التقصير في حمده وطاعته. ذلك بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف ينكرون وينحرفون؛ فيشفق الملائكة من غضب الله؛ ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير. ويجوز أن يكون المقصود هو استغفار الملائكة للذين آمنوا، كالذي جاء في سورة غافر: {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا}.. تفسير : وفي هذه الحالة يبدو: كم يشفق الملائكة من أية معصية تقع في الأرض، حتى من الذين آمنوا، وكم يرتاعون لها، فيستغفرون ربهم وهم يسبحون بحمده استشعاراً لعلوه وعظمته؛ واستهوالاً لأية معصية تقع في ملكه؛ واستدرارا لمغفرته ورحمته؛ وطمعاً فيهما: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم}.. فيجمع إلى العزة والحكمة، العلو والعظمة، ثم المغفرة والرحمة.. ويعرف العباد ربهم بشتى صفاته. وفي نهاية الفقرة ـ بعد تقرير تلك الصفات وأثرها في الكون كله ـ يعرض للذين يتخذون من دون الله أولياء. وقد بدا أن ليس في الكون غيره من ولي. ليعفى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمرهم ـ فما هو عليهم بوكيل، والله هو الحفيظ عليهم، وهو بهم كفيل: {والذين اتخذوا من دونه أولياء، الله حفيظ عليهم، وما أنت عليهم بوكيل}.. وتبدو للضمير صورة هؤلاء المناكيد التعساء؛ وهم يتخذون من دون الله أولياء؛ وأيديهم مما أمسكت خاوية، وليس هنالك إلا الهباء! تبدو للضمير ـ في ضآلتهم وضآلة أوليائهم من دون الله. والله حفيظ عليهم. وهم في قبضته ضعاف صغار. فأما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون معه، فهم معفون من التفكير في شأنهم، والاحتفال بأمرهم، فقد كفاهم الله هذا الاهتمام. ولا بد أن تستقر هذه الحقيقة في ضمائر المؤمنين لتهدأ وتطمئن من هذا الجانب في جميع الأحوال. سواء كان أولئك الذين يتخذون من دون الله أولياء أصحاب سلطان ظاهر في الأرض، أم كانوا من غير ذوي السلطان. تطمئن في الحالة الأولى لهوان شأن أصحاب السلطان الظاهر ـ مهما تجبروا ـ ما داموا لا يستمدون سلطانهم هذا من الله؛ والله حفيظ عليهم؛ وهو من ورائهم محيط؛ والكون كله مؤمن بربه من حولهم، وهم وحدهم المنحرفون كالنغمة النشاز في اللحن المتناسق! وتطمئن في الحالة الثانية من ناحية أن ليس على المؤمنين من وزر في تولي هؤلاء غير الله؛ فهم ليسوا بوكلاء على من ينحرفون من الخلق؛ وليس عليهم إلا النصح والبلاغ. والله هو الحفيظ على قلوب العباد. ومن ثم يسير المؤمنون في طريقهم. مطمئنين إلى أنه الطريق الموصول بوحي الله. وأن ليس عليهم من ضير في انحراف المنحرفين عن الطريق. كائنا ما يكون هذا الانحراف.. ثم يعود إلى الحقيقة الأولى: {وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها، وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في السعير. ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، ولكن يدخل من يشاء في رحمته، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير. أم اتخذوا من دونه أولياء؟ فالله هو الولي. وهو يحيي الموتى. وهو على كل شيء قدير}.. {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً....}.. يعطف هذا الطرف من حقيقة الوحي على ذاك الطرف الذي بدأ به السورة. والمناسبة هنا بين تلك الأحرف المقطعة، وعربية القرآن، مناسبة ظاهرة. فهذه أحرفهم العربية، وهذا قرآنهم العربي. نزل الله به وحيه في هذه الصورة العربية، ليؤدي به الغاية المرسومة: {لتنذر أم القرى ومن حولها}.. وأم القرى مكة المكرمة. المكرمة ببيت الله العتيق فيها. وقد اختار الله أن تكون هي ـ وما حولها من القرى ـ موضع هذه الرسالة الأخيرة؛ وأنزل القرآن بلغتها العربية لأمر يعلمه ويريده. و {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته }. تفسير : وحين ننظر اليوم من وراء الحوادث واستقرائها، ومن وراء الظروف ومقتضياتها، وبعد ما سارت هذه الدعوة في الخط الذي سارت فيه، وأنتجت فيه نتاجها.. حين ننظر اليوم هذه النظرة ندرك طرفاً من حكمة الله في اختيار هذه البقعة من الأرض، في ذلك الوقت من الزمان، لتكون مقر الرسالة الأخيرة، التي جاءت للبشرية جميعاً. والتي تتضح عالميتها منذ أيامها الأولى. كانت الأرض المعمورة ـ عند مولد هذه الرسالة الأخيرة ـ تكاد تتقسمها امبراطوريات أربع: الامبراطورية الرومانية في أوربا وطرف من آسيا وإفريقية. والامبراطورية الفارسية وتمد سلطانها على قسم كبير من آسيا وإفريقية. والامبراطورية الهندية. ثم الامبراطورية الصينية. وتكادان تكونان مغلقتين على أنفسهما ومعزولتين بعقائدهما واتصالاتهما السياسية وغيرها وهذه العزلة كانت تجعل الامبراطوريتين الأوليين هما ذواتا الأثر الحقيقي في الحياة البشرية وتطوراتها. وكانت الديانتان السماويتان قبل الإسلام ـ اليهودية والنصرانية ـ قد انتهتا إلى أن تقعا ـ في صورة من الصور ـ تحت نفوذ هاتين الامبراطوريتين، حيث تسيطر عليهما الدولة في الحقيقة، ولا تسيطران على الدولة! فضلا على ما أصابهما من انحراف وفساد. ولقد وقعت اليهودية فريسة لاضطهاد الرومان تارة، ولاضطهاد الفرس تارة، ولم تعد تسيطر في هذه الأرض على شيء يذكر على كل حال؛ وانتهت ـ بسبب عوامل شتى ـ إلى أن تكون ديانة مغلقة على بني إسرائيل، لا مطمع لها ولا رغبة في أن تضم تحت جناحها شعوبا أخرى. وأما المسيحية فقد ولدت في ظل الدولة الرومانية. التي كانت تسيطر حين الميلاد على فلسطين وسورية ومصر وبقية المناطق التي انتشرت فيها المسيحية سرا؛ وهي تتخفى من مطاردة الامبراطورية الرومانية التي اضطهدت العقيدة الجديدة اضطهاداً فظيعاً، تخللته مذابح شملت عشرات الألوف في قسوة ظاهرة. فلما انقضى عهد الاضطهاد الروماني، ودخل الامبراطور الروماني في المسيحية، دخلت معه أساطير الرومان الوثنية، ومباحث الفلسفة الإغريقية الوثنية كذلك؛ وطبعت المسيحية بطابع غريب عليها؛ فلم تعد هي المسيحية السماوية الأولى. كما أن الدولة ظلت في طبيعتها لا تتأثر كثيراً بالديانة؛ وظلت هي المهيمنة، ولم تهيمن العقيدة عليها أصلا. وذلك كله فضلاً على ما انتهت إليه المذاهب المسيحية المتعددة من تطاحن شامل ـ فيما بينها ـ مزق الكنيسة، وكاد يمزق الدولة كلها تمزيقاً. وأوقع في الاضطهاد البشع المخالفين للمذهب الرسمي للدولة. وهؤلاء وهؤلاء كانوا في الانحراف عن حقيقة المسيحية سواء! وفي هذا الوقت جاء الإسلام. جاء لينقذ البشرية كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد وجاهلية عمياء في كل مكان معمور. وجاء ليهيمن على حياة البشرية ويقودها في الطريق إلى الله على هدى وعلى نور. ولم يكن هنالك بد من أن يسيطر الإسلام لتحقيق هذه النقلة الضخمة في حياة البشر. فلم يكن هنالك بد من أن يبدأ رحلته من أرض حرة لا سلطان فيها لامبراطورية من تلك الامبراطوريات؛ وأن ينشأ قبل ذلك نشأة حرة لا تسيطر عليه فيها قوة خارجة على طبيعته؛ بل يكون فيها هو المسيطر على نفسه وعلى من حوله. وكانت الجزيرة العربية، وأم القرى وما حولها بالذات، هي أصلح مكان على وجه الأرض لنشأة الإسلام يومئذ، وأصلح نقطة يبدأ منها رحلته العالمية التي جاء من أجلها منذ اللحظة الأولى. لم تكن هناك حكومة منظمة ذات قوانين وتشريعات وجيوش وشرطة وسلطان شامل في الجزيرة. تقف للعقيدة الجديدة. بسلطانها المنظم، وتخضع لها الجماهير خضوعا دقيقاً، كما هو الحال في الامبراطوريات الأربع. ولم تكن هنالك ديانة ثابتة كذلك ذات معالم واضحة؛ فقد كانت الوثنية الجاهلية ممزقة، ومعتقداتها وعباداتها شتى. وكان للعرب آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب والأصنام. ومع أنه كان للكعبة وقريش سلطان ديني عام في الجزيرة، فإنه لم يكن ذلك السلطان المحكم الذي يقف وقفة حقيقية في وجه الدين الجديد. ولولا المصالح الاقتصادية والأوضاع الخاصة لرؤساء قريش ما وقفوا هذه الوقفة في وجه الإسلام. فقد كانوا يدركون ما في عقائدهم من خلخلة واضطراب. وكانت خلخلة النظام السياسي للجزيرة إلى جانب خلخلة النظام الديني، أفضل ظرف يقوم فيه دين جديد، متحرراً من كل سلطان عليه في نشأته، خارج عن طبيعته. وفي وسط هذه الخلخلة كان للأوضاع الاجتماعية في الجزيرة قيمتها كذلك في حماية نشأة الدعوة الجديدة. كان النظام القبلي هو السائد. وكان للعشيرة وزنها في هذا النظام. فلما قام محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدعوته وجد من سيوف بني هاشم حماية له؛ ووجد من التوازن القبلي فرصة، لأن العشائر كانت تشفق من إثارة حرب على بني هاشم بسبب حمايتهم لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم على غير دينه. بل إنها كانت تشفق من الاعتداء على كل من له عصبية من القلائل الذين أسلموا في أول الدعوة، وتدع تأديبه ـ أو تعذيبه ـ لأهله أنفسهم. والموالي الذين عذبوا لإسلامهم عذبهم سادتهم. ومن ثم كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يشتري هؤلاء الموالي ويعتقهم، فيمتنع تعذيبهم بهذا الإجراء، وتمتنع فتنتهم عن دينهم.. ولا يخفى ما في هذا الوضع من ميزة بالقياس إلى نشأة الدين الجديد. ثم كانت هنالك صفات الشعب العربي نفسه من الشجاعة والأريحية والنخوة. وهي استعدادات ضرورية لحمل العقيدة الجديدة والنهوض بتكاليفها. وقد كانت الجزيرة في ذلك الزمان تزخر بحضانة عميقة لبذور نهضة؛ وكانت تجيش بكفايات واستعدادات وشخصيات تتهيأ لهذه النهضة المذخورة لها في ضمير الغيب؛ وكانت قد حفلت بتجارب إنسانية معينة من رحلاتها إلى أطراف امبراطوريتي كسرى وقيصر. وأشهرها رحلة الشتاء إلى الجنوب ورحلة الصيف إلى الشمال. المذكورتان في القرآن في قوله تعالى: {أية : لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.. تفسير : وتضافرت أسباب كثيرة لحشد رصيد ضخم من التجارب مع التفتح والتأهب لاستقبال المهمة الضخمة التي اختيرت لها الجزيرة. فلما جاءها الإسلام استغل هذا الرصيد كله، ووجه هذه الطاقة المختزنة، التي كانت تتهيأ كنوزها للتفتح؛ ففتحها الله بمفتاح الإسلام. وجعلها رصيداً له وذخراً. ولعل هذا بعض ما يفسر لنا وجود هذا الحشد من الرجال العظام في الصحابة في الجيل الأول في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمثال: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وحمزة والعباس وأبي عبيدة. وسعد ابن أبي وقاص وخالد بن الوليد وسعد بن معاذ، وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم وغيرهم من تلك العصبة التي تلقت الإسلام؛ فتفتحت له، وحملته، وكبرت به من غير شك وصلحت؛ ولكنها كانت تحمل البذرة الصالحة للنمو والتمام. وليس هنا مكان التفصيل في وصف استعداد الجزيرة لحمل الرسالة الجديدة، وصيانة نشأتها، وتمكينها من الهيمنة على ذاتها وعلى من حولها، مما يشير إلى بعض أسباب اختيارها لتكون مهد العقيدة الجديدة، التي جاءت للبشرية جميعها. وإلى اختيار هذا البيت بالذات ليكون منه حامل هذه الرسالة ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذلك أمر يطول. ومكانه رسالة خاصة مستقلة. وحسبنا هذه الإشارة إلى حكمة الله المكنونة، التي يظهر التدبر والتفكر بعض أطرافها كلما اتسعت تجارب البشر وإدراكهم لسنن الحياة. وهكذا جاء هذا القرآن عربياً لينذر أم القرى ومن حولها. فلما خرجت الجزيرة من الجاهلية إلى الإسلام، وخلصت كلها للإسلام، حملت الراية وشرقت بها وغربت؛ وقدمت الرسالة الجديدة والنظام الإنساني الذي قام على أساسها، للبشرية جميعها ـ كما هي طبيعة هذه الرسالة ـ وكان الذين حملوها هم أصلح خلق الله لحملها ونقلها؛ وقد خرجوا بها من أصلح مكان في الأرض لميلادها ونشأتها. وليس من المصادفات أن يعيش الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام؛ ويتمحض هذا المهد للعقيدة التي اختير لها على علم. كما اختير لها اللسان الذي يصلح لحملها إلى أقطار الأرض جميعا. فقد كانت اللغة العربية بلغت نضجها وأصبحت صالحة لحمل هذه الدعوة والسير بها في أقطار الأرض. ولو كانت لغة ميتة أو ناقصة التكوين الطبيعي ما صلحت لحمل هذه الدعوة أولاً، وما صلحت بالذات لنقلها إلى خارج الجزيرة العربية ثانياً.. وقد كانت اللغة، كأصحابها، كبيئتها، أصلح ما تكون لهذا الحدث الكوني العظيم. وهكذا تبدو سلسلة طويلة من الموافقات المختارة لهذه الرسالة، حيثما وجه الباحث نظره إلى تدبر حكمة الله واختياره ومصداق قوله: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته }.. تفسير : {لتنذر أم القرى ومن حولها، وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في السعير}.. وقد كان الإنذار الأكبر والأشد والأكثر تكراراً في القرآن هو الإنذار بيوم الجمع. يوم الحشر. يوم يجمع الله ما تفرق من الخلائق على مدار الأزمنة واختلاف الأمكنة، ليفرقهم من جديد: {فريق في الجنة وفريق في السعير}. بحسب عملهم في دار العمل، في هذه الأرض، في فترة الحياة الدينا. {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة. ولكن يدخل من يشاء في رحمته، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير}.. فلو شاء الله لخلق البشر خلقة أخرى توحد سلوكهم، فتوحد مصيرهم، إما إلى جنة وإما إلى نار. ولكنه ـ سبحانه ـ خلق هذا الإنسان لوظيفة. خلقه للخلافة في هذه الأرض. وجعل من مقتضيات هذه الخلافة، على النحو الذي أرادها، أن تكون للإنسان استعدادات خاصة بجنسه، تفرقه عن الملائكة وعن الشياطين، وعن غيرهما من خلق الله ذوي الطبيعة المفردة الموحدة الاتجاه. استعدادات يجنح بها ومعها فريق إلى الهدى والنور والعمل الصالح؛ ويجنح بها ومعها فريق إلى الضلال والظلام والعمل السيِّئ كل منهما يسلك وفق أحد الاحتمالات الممكنة في طبيعة تكوين هذا المخلوق البشري؛ وينتهي إلى النهاية المقررة لهذا السلوك: {فريق في الجنة وفريق في السعير}.. وهكذا: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير}.. وفق ما يعلمه الله من حال هذا الفريق وذاك، واستحقاقه للرحمة بالهداية أو استحقاقه للعذاب بالضلال. ولقد سبق أن بعضهم يتخذ من دون الله أولياء. فهو يقرر هنا أن الظالمين: {ما لهم من ولي ولا نصير}.. فأولياؤهم الذين يتخذونهم لا حقيقة لهم إذن ولا وجود. ثم يعود فيسأل في استنكار: {أم اتخذوا من دونه أولياء؟}.. ليقرر بعد هذا الاستنكار أن الله وحده هو الولي، وأنه هو القادر تتجلى قدرته في إحياء الموتى. العمل الذي تظهر فيه القدرة المفردة بأجلى مظاهرها: {فالله هو الولي، وهو يحيي الموتى}.. ثم يعمم مجال القدرة ويبرز حقيقتها الشاملة لكل شيء والتي لا تنحصر في حدود: {وهو على كل شيء قدير}.. ثم يعود إلى الحقيقة الأولى، لبيان الجهة التي يرجع إليها عند كل اختلاف. وهي هذا الوحي الذي جاء من عند الله يتضمن حكم الله كي لا يكون للهوى المتقلب أثر في الحياة بعد ذلك المنهج الإلهي القويم: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله. ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب. فاطر السماوات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجا، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم}.. وطريقة إيراد هذه الحقائق وتسلسلها وتجمعها في هذه الفقرة طريقة عجيبة، تستحق التدبر. فالترابط الخفي والظاهر بين أجزائها ترابط لطيف دقيق. إنه يرد كل اختلاف يقع بين الناس إلى الله: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله}.. والله أنزل حكمه القاطع في هذا القرآن؛ وقال قوله الفصل في أمر الدنيا والآخرة؛ وأقام للناس المنهج الذي اختاره لهم في حياتهم الفردية والجماعية، وفي نظام حياتهم ومعاشهم وحكمهم وسياستهم، وأخلاقهم وسلوكهم. وبيّن لهم هذا كله بياناً شافيا. وجعل هذا القرآن دستوراً شاملاً لحياة البشر، أوسع من دساتير الحكم وأشمل. فإذا اختلفوا في أمر أو اتجاه فحكم الله فيه حاضر في هذا الوحي الذي أوحاه إلى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتقوم الحياة على أساسه. وعقب تقرير هذه الحقيقة يحكي قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسلما أمره كله لله، منيباً إلى ربه بكليته: {ذلكم الله ربي عليه توكلت، وإليه أنيب}.. فتجيء هذه الإنابة، وذاك التوكل، وذلك الإقرار بلسان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في موضعها النفسي المناسب للتعقيب على تلك الحقيقة.. فها هو ذا رسول الله ونبيه يشهد أن الله هو ربه، وأنه يتوكل عليه وحده، وأنه ينيب إليه دون سواه. فكيف يتحاكم الناس إذن إلى غيره عند اختلافهم في شيء من الأمر، والنبي المهدي لا يتحاكم إلا إليه، وهو أولى من يتحاكم الناس إلى قوله الفصل، لا يتلفتون عنه لحظة هنا أو هناك؟ وكيف يتجهون في أمر من أمورهم وجهة أخرى، والنبي المهدي يتوكل على الله وحده، وينيب إليه وحده، بما أنه هو ربه ومتولي أمره وكافله وموجهه إلى حيث يختار؟ واستقرار هذه الحقيقة في ضمير المؤمن ينير له الطريق ويحدد معالمه، فلا يتلفت هنا أو هناك. ويسكب فيه الطمأنينة إلى طريقه، والثقة بمواقع خطواته، فلا يتشكك ولا يتردد ولا يحتار. ويشعره أن الله راعيه وحاميه ومسدد خطاه في هذا الاتجاه. والنبي المهدي سالك هذا الطريق إلى الله. واستقرار هذه الحقيقة في ضمير المؤمن يرفع من شعوره بمنهجه وطريقه، فلا يجد أن هناك منهجاً آخر أو طريقاً يصح أن يتلفت إليه؛ ولا يجد أن هنالك حكما غير قول الله وحكمه يرجع عند الاختلاف إليه. والنبي المهدي ينيب إلى ربه الذي شرع هذا المنهج وحكم هذا الحكم. ثم يعقب مرة أخرى بما يزيد هذه الحقيقة استقراراً وتمكيناً: {فاطر السماوات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا. يذرؤكم فيه. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.. فالله منزل ذلك القرآن ليكون حكمه الفصل فيما يختلفون فيه من شيء.. هو {فاطر السماوات والأرض}.. وهو مدبر السماوات والأرض. والناموس الذي يحكم السماء والأرض هو حكمه الفصل في كل ما يختص بهما من أمر. وشؤون الحياة والعباد إن هي إلا طرف من أمر السماوات والأرض؛ فحكمه فيها هو الحكم الذي ينسق بين حياة العباد وحياة هذا الكون العريض، ليعيشوا في سلام مع الكون الذي يحيط بهم، والذي يحكم الله في أمره بلا شريك. والله الذي يجب أن يرجعوا إلى حكمه فيما يختلفون فيه من شىء هو خالقهم الذي سوى نفوسهم، وركبها: {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً}.. فنظم لكم حياتكم من أساسها، وهو أعلم بما يصلح لها وما تصلح به وتستقيم. وهو الذي أجرى حياتكم وفق قاعدة الخلق التي اختارها للأحياء جميعا: {ومن الأنعام أزواجاً}.. فهنالك وحدة في التكوين تشهد بوحداينة الأسلوب والمشيئة وتقديرها المقصود.. إنه هو الذي جعلكم ـ أنتم والأنعام ـ تتكاثرون وفق هذا المنهج وهذا الأسلوب. ثم تفرد هو دون خلقه جميعا، فليس هنالك من شيء يماثله ـ سبحانه وتعالى ـ: {ليس كمثله شىء}.. والفطرة تؤمن بهذا بداهة. فخالق الأشياء لا تماثله هذه الأشياء التي هي من خلقه.. ومن ثم فإنها ترجع كلها إلى حكمه عندما تختلف فيما بينها على أمر، ولا ترجع معه إلى أحد غيره؛ لأنه ليس هناك أحد مثله، حتى يكون هناك أكثر من مرجع واحد عند الاختلاف. ومع أنه - سبحانه - {ليس كمثله شىء}.. فإن الصلة بينه وبين ما خلق ليست منقطعة لهذا الاختلاف الكامل. فهو يسمع ويبصر: {وهو السميع البصير}.. ثم يحكم حكم السميع البصير. ثم إنه إذ يجعل حكمه فيما يختلفون فيه من شيء هو الحكم الواحد الفصل. يقيم هذا على حقيقة أن مقاليد السماوات والأرض كلها إليه بعد ما فطرها أول مرة، وشرع لها ناموسها الذي يدبرها: {له مقاليد السماوات والأرض}.. وهم بعض ما في السماوات والأرض، فمقاليدهم إليه. ثم إنه هو الذي يتولى أمر رزقهم قبضاً وبسطاً ـ فيما يتولى من مقاليد السماوات والأرض ـ: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}.. فهو رازقهم وكافلهم ومطعمهم وساقيهم. فلمن غيره يتجهون إذن ليحكم بينهم فيما يختلفون فيه؟ وإنما يتجه الناس إلى الرازق الكافل المتصرف في الأرزاق. الذي يدبر هذا كله بعلم وتقدير: {إنه بكل شىء عليم}.. والذي يعلم كل شىء هو الذي يحكم وحكمه العدل، وحكمه الفصل.. وهكذا تتساوق المعاني وتتناسق بهذه الدقة الخفية اللطيفة العجيبة؛ لتوقع على القلب البشري دَقة بعد دَقة، حتى يتكامل فيها لحن متناسق عميق. ثم يعود إلى الحقيقة الأولى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ـ بغياً بينهم ـ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادع واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب؛ وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير. والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد}.. لقد جاء في مطلع السورة: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم}.. فكانت هذه إشارة إجمالية إلى وحدة المصدر، ووحدة المنهج، ووحدة الاتجاه. فالآن يفصل هذه الإشارة؛ ويقرر أن ما شرعه الله للمسلمين هو ـ في عمومه ـ ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى. وهو أن يقيموا دين الله الواحد، ولا يتفرقوا فيه. ويرتب عليها نتائجها من وجوب الثبات على المنهج الإلهي القديم، دون التفات إلى أهواء المختلفين. ومن هيمنة هذا الدين الواضح المستقيم، ودحض حجة الذين يحاجون في الله، وإنذارهم بالغضب والعذاب الشديد. ويبدو من التماسك والتناسق في هذه الفقرة كالذي بدا في سابقتها بشكل ملحوظ: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}.. وبذلك يقرر الحقيقة التي فصلناها في مطلع السورة. حقيقة الأصل الواحد، والنشأة الضاربة في أصول الزمان. ويضيف إليها لمحة لطيفة الوقع في حس المؤمن. وهو ينظر إلى سلفه في الطريق الممتدة من بعيد. فإذا هم على التتابع هؤلاء الكرام.. نوح. إبراهيم. موسى. عيسى، محمد ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ ويستشعر أنه امتداد لهؤلاء الكرام وأنه على دربهم يسير. إنه سيستروح السير في الطريق، مهما يجد فيه من شوك ونصب، وحرمان من أعراض كثيرة. وهو برفقة هذا الموكب الكريم على الله. الكريم على الكون كله منذ فجر التاريخ. ثم إنه السلام العميق بين المؤمنين بدين الله الواحد، السائرين على شرعه الثابت؛ وانتفاء الخلاف والشقاق؛ والشعور بالقربى الوثيقة، التي تدعو إلى التعاون والتفاهم، ووصل الحاضر بالماضي، والماضي بالحاضر، والسير جملة في الطريق. وإذا كان الذي شرعه الله من الدين للمسلمين المؤمنين بمحمد هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى. ففيم يتقاتل أتباع موسى وأتباع عيسى؟ وفيم يتقاتل أصحاب المذاهب المختلفة من أتباع عيسى؛ وفيما يتقاتل أتباع موسى وعيسى مع أتباع محمد؟ وفيم يتقاتل من يزعمون أنهم على ملة إبراهيم من المشركين مع المسلمين؟ ولم لا يتضام الجميع ليقفوا تحت الراية الواحدة التي يحملها رسولهم الأخير؟ والوصية الواحدة الصادرة للجميع: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}؟ فيقيموا الدين، ويقوموا بتكاليفه، ولا ينحرفوا عنه ولا يلتووا به؛ ويقفوا تحت رايته صفا، وهي راية واحدة، رفعها على التوالي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ـ صلوات الله عليهم ـ حتى انتهت إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العهد الأخير. ولكن المشركين في أم القرى ومن حولها ـ وهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ـ كانوا يقفون من الدعوة القديمة الجديدة موقفاً آخر: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}.. كبر عليهم أن يتنزل الوحي على محمد من بينهم؛ وكانوا يريدون أن يتنزل {أية : على رجل من القريتين عظيم}تفسير : أي صاحب سلطان من كبرائهم. ولم تكن صفات محمد الذاتية وهو بإقرارهم الصادق الأمين، ولا كان نسبه وهو من أوسط بيت في قريش. ما كان هذا كله يعدل في نظرهم أن يكون سيد قبيلة ذا سلطان! وكبر عليهم أن ينتهي سلطانهم الديني بانتهاء عهد الوثنية والأصنام والأساطير التي يقوم عليها هذا السلطان؛ وتعتمد عليها مصالحهم الاقتصادية والشخصية. فتشبثوا بالشرك وكبر عليهم التوحيد الخالص الواضح الذي دعاهم إليه الرسول الكريم. وكبر عليهم أن يقال: إن آباءهم الذين ماتوا على الشرك ماتوا على ضلالة وعلى جاهلية؛ فتشبثوا بالحماقة، وأخذتهم العزة بالإثم، واختاروا أن يلقوا بأنفسهم إلى الجحيم، على أن يوصم آباؤهم بأنهم ماتوا ضالين. والقرآن يعقب على موقفهم هذا بأن الله هو الذي يصطفي ويختار من يشاء؛ وأنه كذلك يهدي إليه من يرغب في كنفه، ويتوب إلى ظله من الشاردين: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}.. وقد اجتبى محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ للرسالة. وهو يفتح الطريق لمن ينيب إليه ويثوب. ثم يعود إلى موقف أتباع الرسل، الذين جاءوا قومهم بدين واحد، فتفرق أتباعهم شيعا وأحزابا: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ـ بغياً بينهم ـ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}.. فهم لم يتفرقوا عن جهل؛ ولم يتفرقوا لأنهم يعرفون الأصل الواحد الذي يربطهم، ويربط رسلهم ومعتقداتهم. إنما تفرقوا بعد ما جاءهم العلم. تفرقوا بغيا بينهم وحسدا وظلما للحقيقة ولأنفسهم سواء. تفرقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة، والشهوات الباغية. تفرقوا غير مستندين إلى سبب من العقيدة الصحيحة والمنهج القويم. ولو أخلصوا لعقيدتهم، واتبعوا منهجهم ما تفرقوا. ولقد كانوا يستحقون أن يأخذهم الله أخذا عاجلا، جزاء بغيهم وظلمهم في هذا التفرق والتفريق. ولكن كلمة سبقت من الله لحكمة أرادها، بإمهالهم إلى أجل مسمى {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم}.. فحق الحق وبطل الباطل؛ واتنهى الأمر في هذه الحياة الدنيا. ولكنهم مؤجلون إلى يوم الوقت المعلوم. فأما الأجيال التي ورثت الكتاب من بعد أولئك الذين تفرقوا وفرقوا من أتباع كل نبي، فقد تلقوا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم؛ إذ كانت الخلافات السابقة مثارا لعدم الجزم بشيء، وللشك والغموض والحيرة بين شتى المذاهب والاختلافات: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}.. وما هكذا تكون العقيدة. فالعقيدة هي الصخرة الصلبة التي يقف عليها المؤمن، فتميد الأرض من حوله وهو ثابت راسخ القدمين فوق الصخرة الصلبة التي لا تميد. والعقيدة هي النجم الهادي الثابت على الأفق يتجه إليه المؤمن وسط الأنواء والزوابع، فلا يضل ولا يحيد. فأما حين تصبح العقيدة ذاتها موضع شك ومثار ريبة، فلا ثبات لشىء ولا لأمر في نفس صاحبها، ولا قرار له على وجهة، ولا اطمئنان إلى طريق. ولقد جاءت العقيدة ليعرف أصحابها طريقهم ووجهتهم إلى الله؛ ويقودوا من وراءهم من البشر في غير ما تلجلج ولا تردد ولا ضلال. فإذا هم استرابوا وشكوا فهم غير صالحين لقيادة أحد، وهم أنفسهم حائرون. وكذلك كان حال أتباع الرسل يوم جاء هذا الدين الجديد. يقول الأستاذ الهندي أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين": "أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرفين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعاً صافياً من الدين السماوي، ولا نظاماً ثابتا من الحكم البشري". ويقول الكاتب الأوربي "ج. هـ. دنيسون" في كتابه "العواطف كأساس للحضارة": "ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هارٍ من الفوضى، لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت؛ ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها. وكان يبدو إذ ذاك أن المدينة الكبرى، التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة، مشرفة على التفكك والانحلال؛ وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية، إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام. أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار: بدلاً من الاتحاد والنظام. وكانت المدينة كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله. واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب.. وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه".. يعني محمداً ـ صلى الله عليه وسلم.. ولأن أتباع الرسل تفرقوا ـ من بعد ما جاءهم العلم ـ ولأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم كانوا في شك منه مريب.. لهذا وذلك، ولخلو مركز القيادة البشرية من قائد ثبت مستيقن يعرف طريقه إلى الله.. أرسل الله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووجه إليه الأمر أن يدعو وأن يستقيم على دعوته، وألا يلتفت إلى الأهواء المصطرعة حوله وحول دعوته الواضحة المستقيمة؛ وأن يعلن تجديد الإيمان بالدعوة الواحدة التي شرعها الله للنبيين أجمعين: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب. وأمرت لأعدل بينكم. الله ربنا وربكم. لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. لا حجة بيننا وبينكم. الله يجمع بيننا، وإليه المصير}.. إنها القيادة الجديدة للبشرية جمعاء. القيادة الحازمة المستقيمة على نهج واضح ويقين ثابت. تدعو إلى الله على بصيرة. وتستقيم على أمر الله دون انحراف. وتنأى عن الأهواء المضطربة المتناوحة من هنا وهناك. القيادة التي تعلن وحدة الرسالة ووحدة الكتاب ووحدة النهج والطريق. والتي ترد الإيمان إلى أصله الثابت الواحد، وترد البشرية كلها إلى ذلك الأصل الواحد: {وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب}.. ثم هو الاستعلاء والهيمنة بالحق والعدل. {وأمرت لأعدل بينكم}.. فهي قيادة ذات سلطان، تعلن العدل في الأرض بين الجميع. (هذا والدعوة بعد في مكة محصورة بين شعابها مضطهدة هي وأصحابها. ولكن طبيعتها المهيمنة الشاملة تبدو واضحة). وتعلن الربوبية الواحدة: {الله ربنا وربكم}.. وتعلن فردية التبعة: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم}.. وتعلن إنهاء الجدل بالقول الفصل: {لا حجة بيننا وبينكم}.. وتكل الأمر كله إلى الله صاحب الأمر الأخير: {الله يجمع بيننا وإليه المصير}.. وتكشف هذه الآية الواحدة عن طبيعة هذه الرسالة الأخيرة، في مقاطعها القصيرة الفاصلة على هذا النحو الجامع الحازم الدقيق. فهي رسالة جاءت لتمضي في طريقها لا تتأثر بأهواء البشر. وجاءت لتهيمن فتحقق العدالة في الأرض. وجاءت لتوحد الطريق إلى الله كما هو في حقيقته موحد على مدى الرسالات.. وبعد وضوح القضية على هذا النحو، واستجابة العصبة المؤمنة لله هذه الاستجابة، يبدو جدل المجادلين في الله مستنكراً لا يستحق الالتفات، وتبدو حجتهم باطلة فاشلة ليس لها وزن ولا حساب. فتنتهي هذه الفقرة بالفصل في أمرهم، وتركهم لوعيد الله الشديد: {والذين يحاجون في الله. من بعد ما استجيب له. حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد}.. ومن تكون حجته باطلة مغلوبة عند ربه فلا حجة له ولا سلطان. ووراء الهزيمة والبطلان في الأرض، الغضب والعذاب الشديد في الآخرة. وهو الجزاء المناسب على اللجاج بالباطل بعد استجابة القلوب الخالصة؛ والجدل المغرض بعد وضوح الحق الصريح. ثم يبدأ جولة جديدة مع الحقيقة الأولى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان. وما يدريك لعل الساعة قريب. يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق، ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد. الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. من كان يريد حرث الآخرة نزد له من حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وما له في الآخرة من نصيب}.. فالله أنزل الكتاب بالحق وأنزل العدل؛ وجعله حكما فيما يختلف فيه أصحاب العقائد السالفة، وفيما تختلف فيه آراء الناس وأهواؤهم؛ وأقام شرائعه على العدل في الحكم. العدل الدقيق كأنه الميزان توزن به القيم، وتوزن به الحقوق، وتوزن به الأعمال والتصرفات. وينتقل من هذه الحقيقة. حقيقة الكتاب المنزل بالحق والعدل. إلى ذكر الساعة. والمناسبة بين هذا وهذه حاضرة، فالساعة هي موعد الحكم العدل والقول الفصل. والساعة غيب. فمن ذا يدري إن كانت على وشك: {وما يدريك لعل الساعة قريب؟}.. والناس عنها غافلون، وهي منهم قريب، وعندها يكون الحساب القائم على الحق والعدل، الذي لا يهمل فيه شىء ولا يضيع.. ويصور موقف المؤمنين من الساعة وموقف غير المؤمنين: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق}.. والذين لا يؤمنون بها لا تحس قلوبهم هولها، ولا تقدر ما ينتظرهم فيها؛ فلا عجب يستعجلون بها مستهترين. لأنهم محجوبون لا يدركون. وأما الذين آمنوا فهم مستيقنون منها، ومن ثم هم يشفقون ويخافون، وينتظرونها بوجل وخشية، وهم يعرفون ما هي حين تكون. وإنها لحق. وإنهم ليعلمون أنها الحق. وبينهم وبين الحق صلة فهم يعرفون. {ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد}.. فقد أوغلوا في الضلال وأبعدوا، فعسير أن يعودوا بعد الضلال البعيد.. وينتقل من الحديث عن الآخرة والإشفاق منها أو الاستهتار بها، إلى الحديث عن الرزق الذي يتفضل الله به على عباده: {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز}.. وتبدو المناسبة بعيدة في ظاهر الأمر بين هذه الحقيقة وتلك. ولكن الصلة تبدو وثيقة عند قراءة الآية التالية: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب}.. فالله لطيف بعباده يرزق من يشاء. يرزق الصالح والطالح، والمؤمن والكافر. فهؤلاء البشر أعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً؛ وقد وهبهم الله الحياة، وكفل لهم أسبابها الأولية؛ ولو منع رزقه عن الكافر والفاسق والطالح ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعاً وعرياً وعطشاً، وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى، ولما تحققت حكمة الله من إحيائهم وإعطائهم الفرصة ليعملوا في الحياة الدنيا ما يحسب لهم في الآخرة أو عليهم. ومن ثم أخرج الرزق من دائرة الصلاح والطلاح، والإيمان والكفر، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة واستعدادات الأفراد الخاصة. وجعله فتنة وابتلاء. يجزي عليهما الناس يوم الجزاء. ثم جعل الآخرة حرثا والدنيا حرثا يختار المرء منهما ما يشاء. فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه، وزاد له الله في حرثه، وأعانه عليه بنيته، وبارك له فيه بعمله. وكان له مع حرث الآخرة رزقه المكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئا. بل إن هذا الرزق الذي يعطاه في الأرض قد يكون هو بذاته حرث الآخرة بالقياس إليه، حين يرجو وجه الله في تثميره وتصريفه والاستمتاع به والإنفاق منه.. ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه الله من عرض الدنيا رزقه المكتوب له لا يحرم منه شيئا. ولكن لم يكن له في الآخرة نصيب. فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئاً ينتظر عليه ذلك النصيب! ونظرة إلى طلاب حرث الدنيا وطلاب حرث الآخرة، تكشف عن الحماقة في إرادة حرث الدنيا! فرزق الدنيا يتلطف الله فيمنحه هؤلاء وهؤلاء. فلكل منهما نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له في علم الله. ثم يبقى حرث الآخرة خالصا لمن أراده وعمل فيه. ومن طلاب حرث الدنيا نجد الأغنياء والفقراء؛ بحسب أسباب الرزق المتعلقة بالأوضاع العامة والاستعدادات الخاصة. وكذلك نجد الحال عند طلاب حرث الآخرة سواء بسواء. ففي هذه الأرض لا اختلاف بين الفريقين في قضية الرزق. إنما يظهر الاختلاف والامتياز هناك! فمن هو الأحمق الذي يترك حرث الآخرة. وتركه لا يغير من أمره شيئا في هذه الحياة؟! والأمر في النهاية مرتبط بالحق والميزان الذي نزل به الكتاب من عند الله. فالحق والعدل ظاهران في تقدير الرزق لجميع الأحياء. وفي زيادة حرث الآخرة لمن يشاء. وفي حرمان الذين يريدون حرث الدنيا من حرث الآخرة يوم الجزاء.. ومن ثم يبدأ جولة أخرى حول الحقيقة الأولى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم، وإن الظالمين لهم عذاب أليم. ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات، لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك هو الفضل الكبير. ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى؛ ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً، إن الله غفور شكور}.. في فقرة سابقة قرر أن ما شرعه الله للأمة المسلمة هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى، وهو ما أوحى به إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي هذه الفقرة يتساءل في استنكار عما هم فيه وما هم عليه، من ذا شرعه لهم ما دام الله لم يشرعه؟ وهو مخالف لما شرعه منذ أن كان هناك رسالات وتشريعات؟ {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟}.. وليس لأحد من خلق الله أن يشرع غير ما شرعه الله وأذن به كائنا من كان؛ فالله وحده هو الذي يشرع لعباده. بما أنه ـ سبحانه ـ هو مبدع هذا الكون كله، ومدبره بالنواميس الكلية الكبرى التي اختارها له. والحياة البشرية إن هي إلا ترس صغير في عجلة هذا الكون الكبير، فينبغي أن يحكمها تشريع يتمشى مع تلك النواميس؛ ولا يتحقق هذا إلا حين يشرع لها المحيط بتلك النواميس. وكل من عدا الله قاصر عن تلك الإحاطة بلا جدال. فلا يؤتمن على التشريع لحياة البشر مع ذلك القصور. ومع وضوح هذه الحقيقة إلى حد البداهة؛ فإن الكثيرين يجادلون فيها، أو لا يقتنعون بها، وهم يجرؤون على استمداد التشريع من غير ما شرع الله، زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم، ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشئونه من عند أنفسهم. كأنما هم أعلم من الله وأحكم من الله! أو كأنما لهم شركاء من دون الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله! وليس أخيب من ذلك ولا أجرأ على الله! لقد شرع الله للبشرية ما يعلم سبحانه، أنه يتناسق مع طبيعتها وفطرتها وطبيعة الكون الذي تعيش فيه وفطرته. ومن ثم يحقق لهذه البشرية أقصى درجات التعاون فيما بينها، والتعاون كذلك مع القوى الكونية الكبرى. شرع في هذا كله أصولاً، وترك للبشر فقط استنباط التشريعات الجزئية المتجددة مع حاجات الحياة المتجددة، في حدود المنهج الكلي والتشريعات العامة. فإذا ما اختلف البشر في شىء من هذا ردوه إلى الله؛ ورجعوا به إلى تلك الأصول الكلية التي شرعها للناس، لتبقى ميزاناً يزن به البشر كل تشريع جزئي وكل تطبيق. بذلك يتوحد مصدر التشريع، ويكون الحكم لله وحده. وهو خير الحاكمين. وما عدا هذا النهج فهو خروج على شريعة الله، وعلى دين الله، وعلى ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً عليهم الصلاة والسلام. {ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم}.. فقد قال الله كلمة الفصل بإمهالهم إلى يوم القول الفصل. ولولاها لقضى الله بينهم، فأخذ المخالفين لما شرعه الله، المتبعين لشرع من عداه. لأخذهم بالجزاء العاجل. ولكنه أمهلهم ليوم الجزاء. {وإن الظالمين لهم عذاب أليم}.. فهذا هو الذي ينتظرهم جزاء الظلم. وهل أظلم من المخالفة عن شرع الله إلى شرع من عداه؟ ومن ثم يعرض هؤلاء الظالمين في مشهد من مشاهد القيامة. يعرضهم خائفين من العذاب وكانوا من قبل لا يشفقون، بل يستعجلون ويستهترون: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم}.. والتعبير العجيب يجعل إشفاقهم {مما كسبوا} فكأنما هو غول مفزع؛ وهو هو الذي كسبوه وعملوه بأيديهم وكانوا به فرحين! ولكنهم اليوم يشفقون منه ويفزعون {وهو واقع بهم}.. وكأنه هو بذاته انقلب عذابا لا مخلص منه، وهو واقع بهم! وفي الصفحة الأخرى نجد المؤمنين الذين كانوا يشفقون من هذا اليوم ويخافون. نجدهم في أمن وعافية ورخاء: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات، لهم ما يشاءون عند ربهم. ذلك هو الفضل الكبير. ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.. والتعبير كله رُخاء يرسم ظلال الرخاء: {في روضات الجنات}.. {لهم ما يشاءون عند ربهم} بلا حدود ولا قيود. {ذلك هو الفضل الكبير}.. {ذلك الذي يبشر الله عباده} فهو بشرى حاضرة، مصداقاً للبشرى السالفة. وظل البشرى هنا هو أنسب الظلال. وعلى مشهد هذا النعيم الرخاء الجميل الظليل يلقن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول لهم: إنه لا يطلب منهم أجراً على الهدى الذي ينتهي بهم إلى هذا النعيم، وينأى بهم عن ذلك العذاب الأليم. إنما هي مودته لهم لقرابتهم منه، وحسبه ذلك أجراً: {قل: لا أسألكم عليه أجرا. إلا المودة في القربى. ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا. إن الله غفور شكور}.. والمعنى الذي أشرت إليه، وهو أنه لا يطلب منهم أجرا، إنما تدفعه المودة للقربى ـ وقد كانت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرابة بكل بطن من بطون قريش ـ ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم، وهذا أجره وكفى! هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها. وهناك تفسير مروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أثبته هنا لوروده في صحيح البخاري: قال البخاري حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت طاووسا يحدث عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه سأل عن قوله تعالى: {إلا المودة في القربى} فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت. إن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال: "حديث : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة ". تفسير : ويكون المعنى على هذا: إلا أن تكفوا أذاكم مراعاة للقرابة. وتسمعوا وتلينوا لما أهديكم إليه. فيكون هذا هو الأجر الذي أطلبه منكم لا سواه. وتأويل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أقرب من تأويل سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ ولكنني ما أزال أحس أن ذلك المعنى أقرب وأندى.. والله أعلم بمراده منا. وعلى أية حال فهو يذكرهم ـ أمام مشهد الروضات والبشريات ـ أنه لا يسألهم على شيء من هذا أجراً. ودون هذا بمراحل يطلب عليه الأدلاء أجرا ضخماً! ولكنه فضل الله الذي لا يحاسب العباد حساب التجارة، ولا حساب العدل، ولكن حساب السماحة وحساب الفضل: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا}.. فليس هو مجرد عدم تناول الأجر. بل إنها الزيادة والفضل.. ثم هي بعد هذا كله المغفرة والشكر: {إن الله غفور شكور}.. الله يغفر. ثم.. الله يشكر.. ويشكر من؟ يشكر لعباده. وهو وهبهم التوفيق على الإحسان. ثم هو يزيد لهم في الحسنات، ويغفر لهم السيئات. ويشكر لهم بعد هذا وذاك.. فيا للفيض الذي يعجز الإنسان عن متابعته. فضلاً على شكره وتوفيته! ثم يعود إلى الحديث عن تلك الحقيقة الأولى: {أم يقولون: افترى على الله كذباً؟ فإن يشأ الله يختم على قلبك، ويمح الله الباطل، ويحق الحق بكلماته، إنه عليم بذات الصدور}. هنا يأتي على الشبهة الأخيرة، التي قد يعللون بها موقفهم من ذلك الوحي، الذي تحدث عن مصدره وعن طبيعته وعن غايته في الجولات الماضية: {أم يقولون: افترى على الله كذبا؟}.. فهم من ثم لا يصدقونه، لأنهم يزعمون أنه لم يوح إليه، ولم يأته شىء من الله؟ ولكن هذا قول مردود. فما كان الله ليدع أحدا يدعي أن الله أوحى إليه، وهو لم يوح إليه شيئاً، وهو قادر على أن يختم على قلبه، فلا ينطق بقرآن كهذا. وأن يكشف الباطل الذي جاء به ويمحوه. وأن يظهر الحق من ورائه ويثبته: {فإن يشأ الله يختم على قلبك، ويمح الله الباطل، ويحق الحق بكلماته} وما كان ليخفى عليه ما يدور في خلد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى قبل أن يقوله: {إنه عليم بذات الصدور}.. فهي شبهة لا قوام لها. وزعم لا يقوم على أساس. ودعوى تخالف المعهود عن علم الله بالسرائر، وعن قدرته على ما يريد، وعن سنته في إقرار الحق وإزهاق الباطل.. وإذن فهذا الوحي حق، وقول محمد صدق؛ وليس التقول عليه إلا الباطل والظلم والضلال.. وبذلك ينتهي القول ـ مؤقتاً ـ في الوحي. ويأخذ بهم في جولة أخرى وراء هذا القرار.

ابن عاشور

تفسير : ابتدئت بالحروف المقَطَّعة على نحو ما ابتدئت به أمثالها مثل أول سورة البقرة لأن ابتداءها مشير إلى التحدّي بعجزهم عن معارضة القرآن وأن عجزهم عن معارضته دليل على أنه كلام منزل من الله تعالى. وخصت بزيادة كلمة {عۤسۤقۤ} على أوائل السور من آل {حم} ولعل ذلك لحال كانوا عليه من شدّة الطعن في القرآن وقت نزول هذه السورة، فكان التحدي لهم بالمعارضة أشد فزيد في تحدّيهم من حروف التهجّي. وإنّما لم تُوصل الميم بالعين كما وصلت الميم بالراء في طالعة سورة الرعد، وكما وصلت الميم بالصاد في مفتتح سورة الأعراف، وكما وصلت العين بالصاد في مفتتح سورة مريم، لأن ما بعد الميم في السور الثلاث حرف واحد فاتصاله بما قبله أولى بخلاف ما في هذه السورة فإنه ثلاثة حروف تشبه كلمة فكانت أولى بالانفصال.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود. وقول الزمخشري في تفسير هذه الآية {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ} أي مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل من قبلك الله. يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني، قد أوحى الله إليك مثله، في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى أن الله تعالى كرر هذه المعاني، في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه البليغ، واللطف العظيم، لعباده من الأولين والآخرين. اهـ منه. وظاهر كلامه، أن التشبيه في قوله: كذلك يوحى بالنسبة إلى الموحى باسم المفعول. والأظهر أن التشبيه في المعنى المصدري الذي هو الإيحاء. وقوله في هذه الآية الكريمة {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} لم يصرح هنا بشيء من أسماء الذين من قبله الذين أوحى إليهم، كما أوحى إليه، ولكنه قد بين أسماء جماعة منهم في سورة النساء، وبين فيها أن بعضهم لم يقصص خبرهم عليه، وأنه أوحى إليهم وأرسلهم لقطع حجج الخلق، في دار الدنيا وذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 163ـ165]. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ذكر جل وعلا فيه الثناء على نفسه، باسمه العزيز واسمه الحكيم بعد ذكره إنزاله وحيه على أنبيائه، كما قال في آية النساء المذكورة {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 165] بعد ذكره إيحاءه إلى رسله. وقد قدمنا في أول سورة الزمر أن استقراء القرآن. قد دل على أن الله جل وعلا إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذكرنا كثيراً من أمثلة ذلك. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير (يوحي) بكسر الحاء بالبناء للفاعل، وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله: الله العزيز الحكيم فاعل يوحي. وقرأه ابن كثير (يُوحى إليك) بفتح الحاء بالبناء للمفعول، وعلى هذه القراءة، فقوله: الله العزيز الحكيم، فاعل فعل محذوف تقديره يوحى كما قدمنا إيضاحه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} تفسير : [النور: 36ـ37] الآية. وقد قدمنا معاني الوحي مع الشواهد العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68] وغير ذلك من المواضع.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2- حم. عسق: افتتحت هذه السورة بهذه الحروف الصوتية على طريقة القرآن الكريم فى افتتاح كثير من السور بمثل هذه الحروف. 3- مثل ما فى هذه السورة من المعانى يوحى إليك وإلى المرسلين من قبلك الله الغالب بقهره، الذى يضع كل شئ موضعه، على وفق الحكمة فى أفعاله وتدبيره. 4- لله - وحده - ما فى السموات وما فى الأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً، وهو المتفرد بعلو الشأن وعظم السلطان. 5- تكاد السموات - مع عِظَمِهِن وتماسكهن - أن يتشققن من فوقهن، خشية من الله، وتأثراً بعظمته وجلاله، والملائكة ينزهون الله عما لا يليق به، مثنين عليه بما هو أهله، ويسألون الله المغفرة لأهل الأرض، وينبه - سبحانه - إلى أن الله هو - وحده - صاحب المغفرة الشاملة والرحمة الواسعة. 6- والذين اتخذوا من دون الله نصراء، الله رقيب عليهم فيما يفعلون، وما أنت بمُفَوَّضٍ إليك أمر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: حـمۤ عۤسۤقۤ: هذه أحد الحروف المقطعة تكتب هكذا: حـمۤ عۤسۤقۤ وتقرأ هكذا حَامِيمْ عَيْنْ سِينْ قَافْ. كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك: أي مثل ذلك الإِيحاء يوحى إليك وإلى الذين من قبلك. الذي يوحى إليك. له ما في السماوات وما في الأرض: أي خلقا وملكا وتصرفا. وهو العزيز الحكيم: أي العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه. يتفطرن من فوقهن: أي يتشققن من عظمة الرحمن وجلاله. والذين اتخذوا من دونه أولياء: أي آلهة يعبدونها. الله حفيظ عليهم: أي يحصي لهم أعمالهم ويجزيهم بها. وما أنتم عليهم بوكيل: أي ولست موكلا بحفظ أعمالهم وإنما عليك البلاغ. معنى الآيات: قوله تعالى: {حـمۤ عۤسۤقۤ} الله أعلم بمراده به وقد تقدم التنبيه إلى أن هذا من المتشابه الذي يجب الإِيمان به وتفويض أمر فهم معناه إلى منزله وهو الله سبحانه وتعالى وقد ذكرنا أن له فائدتين جليلتين تقدمتا في كثير من فواتح السور المبدوءة بمثل هذه الحروف المقطعة فليرجع إليها. وقوله {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ} أي مثل ذلك الإِيحاء بأصول الدين الثلاثة وهي التوحيد والنبوة والبعث يوحى إليك بمعنى أوحى إليك وإلى الذين من قبلك من الرسل الله العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه وقوله {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقاً وملكاً وهو العلي أي ذو العلو المطلق على خلقه العظيم في ذاته وشأنه وحكمه وتدبيره سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله تعالى {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ} أي يتصدعن ويتشققن من فوقهن من عظمة الرب تبارك وتعالى والملائكة يسبحون بحمد ربهم أي يصلون له ويستغفرون لمن فى الأرض أي يطلبون المغفرة للمؤمنين فهذا من العام الخاص بما في صورة المؤمن إذ فيها ويستغفرون للذين آمنوا وقوله تعالى {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} إخبار بعظيم صفاته عز وجل وهما المغفرة والرحمة يغفر لمن تاب من عباده ويرحم بالرحمة العامة سائر مخلوقاته في هذه الحياة ويرحم بالرحمة الخاصة عباده الرحماء وسائر عباده المؤمنين في دار السلام وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي شركاء آلهة يعبدونهم هؤلاء الله حفيظ عليهم فيحصي عليهم أعمالهم ويجزيهم بها يوم القيامة، وليس على الرسول من ذلك شيء إن عليه إلاّ البلاغ وقد بلغ وهو معنى قوله: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} تحفظ عليهم أعمالهم وتجزيهم بها وفي الآية تسلية للرسول وتخفيف عليه لأنه كان يشق عليه إعراض المشركين وإصرارهم على الشرك بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وحدة الوحي بين سائر الأنبياء إذ هي تدور على التوحيد والنبوة والبعث والجزاء والترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل الفاسد. 2- بيان عظمة الله تعالى وجلاله وكماله حتى إن السماوات تكاد يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمده تعالى ويستغفرون للمؤمنين. 3- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه بأنه غير موكل بحفظ أعمال المشركين ومجازاتهم عليها إنما هو الله تعالى، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

القطان

تفسير : يتفطّرن: يتشقّقْن من خشية الله وعظمته. من فوقهن: من جهتهن الفوقانية. حفيظ عليهم: رقيب عليهم. لتنذر: لتخوّف. وما أنت عليهم بوكيل: لست موكلاً بهم. أُم القرى: مكة. يوم الجمع: يوم القيامة، سمي بذلك لاجتماع الخلائق. الفريق: الجماعة. السعير: النار الموقدة المتأججة. حم عسق: تقرأ هكذا: حاميم عَين سِين قاف، وقد تقدم الكلام على مثلها اكثر من مرة. يبين الله تعالى أن ما جاء في هذه السورة موافقٌ لما في الكتُبِ المنزلة على سائر الرسل، من الدعوة الى توحيدِ الله، والإيمان باليوم الآخر، وأمرِ النبوة، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة، والتزهيدِ في جمع حُطام الدنيا، والعملِ على سعادة الإنسان والمجتمع. وهذا كله إنما يُوحى اليك ايها الرسول الكريم من الله العزيز الحكيم. ثم بين الله تعالى ان ما في السماوات والأرض تحتَ قبضته وفي ملكه، له التصرف فيه وحده ايجاداً وعدماً، وان السماواتِ والأرض على عِظَمِها تكاد تتشقّق فَرَقاً من هيبته وجلاله، وان الملائكة يسبّحون بحمد ربهم وينزهونه عما لا يليق به، ويطلبون المغفرة لعباده المؤمنين. وبين بوضوح {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} ثم أتبع ذلك بتسلية الرسول الكريم بأنه ليس رقيباً ولا وكيلاً على المشركين حتى يستطيع ردَّهم الى سواء السبيل، وما هو الا نذيرٌ يبلّغهم، وحسابُهم على الله. ثم بيّن بوضوح انه تعالى أنزل على رسوله قرآناً عربياً بلغة قومه ليفهموه، لينذر أهلَ مكة ومن حولهم من العرب ابتداءً ثم ينشرونه في العالم. وهذه سُنة الله كما قال: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 4]. وكذلك لتنذرَهم يا محمد أن يوم القيامة آتٍ لا شك فيه، وان الناس في ذلك اليوم فريقان: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} الأول يدخل الجنة بايمانه وما قدّم من صالح الاعمال، والثاني يدخل النار بكفره وما قدّم من سيء الاعمال. ثم ذكر الله تعالى ان حكمته اقتضت ان يكون الإيمان اختياراً، ولم يشأ أن يكون قسراً وجبرا {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} فمن آمن وأناب الى الله وعمل صالحاً افلح وفاز بالسعادة الأبدية {وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. قراءات: قرأ ابن كثير وحده: كذلك يوحى اليك بفتح الحاء. والباقون: يوحي بكسر الحاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (حَا. مِيم). (1) - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : {حـمۤ * عۤسۤقۤ} سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت أبا عثمان بن أبي بكر المقري الزعفراني، يقول: سمعت شيخي يقول: سمعت أبا بكر المؤمن يقول: سألت الحسين بن الفضل لِمَ قطّع {حـمۤ * عۤسۤقۤ} ولم تقطّع {كۤهيعۤصۤ} [مريم: 1]، و{الۤمۤر} [الرعد: 1] و {الۤمۤصۤ} [الأعراف: 1] ؟. قال: لكونها من سور أوائلها {حـمۤ}، فجرت مجرى نظائرها، قبلها وبعدها، وكان {حـمۤ} مبتدأ، و {عۤسۤقۤ} خبره، ولأنّها آيتان، وعدت أخواتها الّتي كتبت موصولة آية واحدة. وقيل: لأنّ أهل التأويل لم يختلفوا في {كۤهيعۤصۤ} وأخواتها، إنّها حروف التهجي لا غيره، وإختلفوا في {حـمۤ}، فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلوها فعلاً، وقالوا، معناه {حـمۤ}، أي قضي ما هو كائن إلى يوم القيامة. فأمّا تفسيرها أخبرنا عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه: إنّ أبا الفرج المعافى بن زكريا القاضي، أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثني أحمد، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج، عن أرطأة بن المنذر، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: {حـمۤ * عۤسۤقۤ} قال: فأطرق ثمّ أعرض عنه، ثمّ كرّر مقالته، فلم يجيبه بشيء، وكرّر مقالته، ثمّ كرّر الثالثة، فلم يجيبه شيئاً، فقال له حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لِمَ كرهها، نزلت في رجل من أهل بيته، يقال له: عبد الاله أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله تعالى في زوال ملكهم انقطاع دولتهم ومدّتهم، بعث الله تعالى على احداهما ناراً ليلاً، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كلّها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت، فما هو إلاّ بياض يومها ذلك حتّى يجمع فيها كلّ جبّار عنيد منهم، ثمّ يخسف الله تعالى بها وبهم جميعاً، فذلك قوله تعالى: {حـمۤ * عۤسۤقۤ}. يعني عزيمة من الله وفتنة وقضاء {حـمۤ * عۤسۤقۤ} عدلاً منه، سين سيكون فتنة، قاف واقع بهما بهاتين المدينتين. ونظير هذا التفسير ما أخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن مخلد، حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا عمار بن سيف الضبي أبو عبد الرّحمن، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي عن جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" حديث : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصّراة تجتمع فيها جبابرة أهل الأرض، تجبى إليها الخزائن، يخسف بها، وقال مرة: يخسف بأهلها، فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة ". تفسير : وذكر عن ابن عباس إنّه كان يقرأ (حم سق) بغير عين، ويقال: إنّ السين فيها كلّ فرقة كائنة، وإنّ القاف كلّ جماعة كائنة، ويقول: إنّ علياً إنّما كان يعلم الفتن بهما، وكذلك هو في مصحف عبد الله (حم سق). وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: {حـمۤ * عۤسۤقۤ}. فقال: (ح) حلمه، (م) مجده، (عين) علمه، (سين) سناه، (ق) قدرته، أقسم الله تعالى بها. وفي رواية أبي الجوزاء إنّ ابن عباس، قال لنافع: (عين) فيها عذاب، (سين) فيها مسخ، (ق) فيها قذف. يدلّ عليه ما روي في حديث مرفوع إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: ما هذه الكآبة يارسول الله؟ قال:" حديث : أخبرت ببلاء ينزل في أمتي. من خسف ومسخ وقذف، ونار تحشرهم وريح تقذفهم في اليم، وآيات متتابعات متصلة بنزول عيسى (عليه السلام)، وخروج الدجال ". تفسير : وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: (ح) حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش، ثمّ تُقضى إلى العرب، ثمّ تُقضى إلى العجم، ثمّ تمتد إلى خروج الدجال. وقال عطاء: (ح) حرب في أهل مكّة يجحف بهم حتّى يأكلون الجيف وعظام الموتى، (م) ملك يتحول من قوم إلى قوم (ع) عدو لقريش قصدهم، (س) سيء يكون فيهم، (ق) قدرة الله النافذة في خلقه. وقال بكر بن عبد الله المزني: (ح) حرب تكون بين قريش والموالي، فتكون الغلبة لقريش على الموالي، (م) ملك بني أُمية، (ع) علو ولد العبّاس، (سين) سناء المهدي (ق) قوة عيسى (عليه السلام) حين ينزل، فيقتل النصارى ويخرب البيع. وقال محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسناءه وقدرته، أن لا يعذب من عاد إليه بلا إله إلاّ الله مخلصاً له من قلبه، وقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير: (ح) من رحمن، (م) من مجيد، (عين) من عالم، (سين) من قدوس، (ق) من قاهر. السدي: هو من الهجاء المقطع، (عين) من العزيز، (سين) من السلام، (ق) من القادر. وقيل: هذا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم (فالحاء) حوضه المورود، و (الميم) ملكة الممدود، و (العين) عزه الموجود، و (السين) سناؤه المشهود، و (القاف) قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة إلى المعبود. وقال ابن عباس: ليس من نبيّ صاحب كتاب إلاّ وقد أوحيت {حـمۤ * عۤسۤقۤ} إليه، فلذلك، قال: {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ} قرأ ابن كثير بفتح الحاء ومثله روى عباس، عن ابن عمرو ورفع الاسم بالبيان، كأنّه قال: يوحي إليك. قيل: من الّذي يوحي؟ قال: الله، وهي كقراءة من قرأ {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا}تفسير : [النور: 36] بفتح الباء، الباقون بكسره. {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وقال مقاتل: نزل حكمها على الأنبياء (عليهما السلام) {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ * تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} أي من عظمة الله وجلاله فوقهنّ. قال ابن عباس: تكاد السّماوات كلّ واحدة منها تتفطّر فوق الّتي تليها من قول المشركين، {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}: نظيره قوله: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}تفسير : [مريم: 90-91]. {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} من المؤمنين بيانها ويستغفرون للَّذين آمنوا {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. قال الحكماء: وعظّم في الإبتداء، ثمّ بشّر وألطف في الإنتهاء. { وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} يحفظ أعمالهم ويحصي عليهم أفعالهم ليجازيهم بها {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} إن عليك إلاّ البلاغ. { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} مكّة، يعني أهلها. {وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أي بيوم الجمع. {لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ} أي منهم فريق {فِي ٱلْجَنَّةِ} فضلاً وهم المؤمنون. {وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} عدلاً وهم الكافرون. أخبرنا الإمام أبو منصور الجمشاذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد ابن عثمان بن حبيب السوحي، حدثنا بشر بن مطر، حدثني سعيد بن عثمان، عن أبي راهويه جدير بن كريب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يفضّل عبد الله على أبيه أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل،حدثني أبي، حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل حيّ بن هانئ المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، قابضاً على كفيه ومعه كتابان، فقال: "حديث : أتدرون ما هذان الكتابان؟، قلنا: لا يارسول الله. فقال للّذي في يده اليمنى: هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنّة وأسماء آباءهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزايد فيهم، ولا ناقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة"، ثمّ قال للّذي في يساره: "هذا كتاب من ربّ العالمين، بأسماء أهل النار وأسماء آباءهم وعشائرهم وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب وقبل أن يستقروا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزايد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة". فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل؟، إذ قال: "إعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وأن عَمِلَ أي عَمَل، وإنّ صاحب النّار يختم له بعمل أهل النّار وإن عَمِلَ، أي عَمَل". ثمّ قال: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} عدل من الله تعالى ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الحروف من الحروف المقطَّعة التي تقع في بدايات بعض سور القرآن الكريم، وقد سبق الحديث عنها في أكثر من موضع، ولكنا نُذكّر بأن القرآن كله مبنيّ على الوصل، الوصل في آياته، والوصل في سُوره، والوصل في آخره بأوله. فأنت تقرأ: {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 6] هكذا بالكسر لتصلها ببسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة. أما الحروف المقطعة فهي مبنية على الوَقْف، بحيث يُقرأ كلّ حرف على حِدَة تقول هنا (حا ميم عين سين قاف). وأنت تقرأ في أول البقرة (ألف لام ميم) وتقرأ نفس الحروف في أول سورة الشرح: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] لتعلم أن القرآن ليس كأيِّ كتاب آخر، وأن قراءته تعتمد أولاً على السماع، قال تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} تفسير : [القيامة: 18-19]. إذن: حين تتدبر القرآن تجد للقراءة بالوصل حكمة، وللقراءة بالوقف حكمة، ومعلوم أن الحرف هو اللبنة الأولى في بناء الكلمة وبالتالي العبارة، وقد بيَّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الوقف على هذه الحروف، فقال: "حديث : لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". تفسير : وحروف اللغة قسمان: حروف مبني وهي اللبنات التي تدخل في بناء الكلمات والعبارات، فكلمة كتب تكوَّنت من الكاف والتاء والباء، وهذه الحروف لا تعطي معنىً إلا إذا تركبت مع بعضها لتكوِّن الكلمات، والأخرى حروف معنى مثل كاف التشبيه في الجندي كالأسد، فالكاف هنا أفادت معنى التشبيه، وهذه الحروف لا تعطي معنىً إلا إذا رُكِّبتْ مع غيرها من الكلمات. واللغة عامة ظاهرة اجتماعية، وهي ألفاظ يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وبها يتفاهمون، واللغة كما قال العلماء بنت المحاكاة، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الذي ينشأ في مجتمع عربي يتكلم العربية، ولو كان في مجتمع إنجليزي لتكلَّم الإنجليزية. إذن: ليست اللغة جنساً ولا دماً، بل ظاهرة اجتماعية تعتمد على السماع، حتى في داخل اللغة الواحدة قد تسمع الكلمة لأول مرة فلا تفهمها ولا تعرف معناها، مع أن ألفاظها عربية لكنها لم تمرّ بسمعك من قبل. يُرْوى أن أبا علقمة النحوي كان مُغرماً بالفصحى، ولا ينطق إلا بها، فكان يأتي بألفاظ غريبة حتى شَقَّ ذلك على خادمه الذي كان لا يفهم كثيراً من هذه الألفاظ، وفي إحدى الليالي استيقظ من نومه وسأل الخادم: يا غلام أصقعتْ العتاريف؟ لم يفهم الغلام إلا أنه ردَّ في ضيق وقال له: زِقْ فَيْلم فتعجَّب أبو علقمة وقال له: وما زِقْ فَيْلم؟ قال الغلام: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردتُ أصاحتْ الديَكة؟ قال: وأنا أردتُ لم تَصِحْ؟ ومن نوادر اللغة أن أحدهم ذهب إلى الطبيب، فقال له الطبيب وكان اسمه أعين: ما بك؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسأت منها طسأة أصابني منها وجع من الوابلة إلى دأْية العنق ولم يزل يَنْمي حتى خالط الحلْب وأَلِمَتْ منه الشراسيف، فقال الطبيب: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً، فأعاد كالأولى، فردَّ الطبيب وقال له: خُذْ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً وزهزقه وزقزقه بماء روث ثم اشربه، فقال الرجل: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمتُ منك شيئاً. فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهماماً لصاحبه. إذن: نقول إن اللغة بنت المحاكاة، فهي تعتمد أولاً على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فالولد الصغير يتعلم الكلام من أسرته وممن حوله، أما الأخرس فإنه لا يتكلم لأنه لم يسمع؛ لذلك قال تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} تفسير : [البقرة: 18] فالبَكَم لا يأتي إلا بعد الصَّمم، ولو سلسلنا مسألة تعلُّم الكلام هذه سنصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، فكُلٌّ منا تعلم الكلام من أبيه وأمه ممن حوله، أما آدم عليه السلام فعلَّمه ربه، كما قال سبحانه: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] يعني أسماء الأشياء، فالله سبحانه هو المعلم الأول. وفي الحروف المقطعة هذه ملحظ هام، فهي تعلِّمنا الإيمان بالغيب، كيف؟ الحق سبحانه وتعالى له في خَلْقه غيب ومشهد، وقد جعل سبحانه للغيب مشهداً يدل عليه، ففي مجال العقائد مثلاً أنا معتقد أن لهذا الكون إلهاً خالقاً، وهذه العقيدة يمكن أنْ أدلِّل عليها بالآيات الكونية الموجودة المشاهدة. لكن يأتي في العقيدة أيضاً مسائل غيبية ليس لها دليلٌ من المشهد المُحَسِّ، مثل الإيمان بالملائكة وهي غيب، وما دام هناك تكاليف وطاعة ومعصية فلا بدَّ أنْ توجد جنة ونار، وقبلها مرحلة القبر وما فيه من نعيم أو عذاب، كل هذه أمور سمعية لا يُقام عليها دليل عقلي، إنما نؤمن بها لأن الإله الذي آمنا به أخبرنا بوجودها ونحن نثق في خبره. إذن: كل إيمان عقدي مُشَاهد يأخذ بجانبه إيماناً غيبياً، والإيمان بالغيب هو الأهم لأنه المحكّ في مسألة الإيمان، وهو الدليل على قوة العقيدة، لأن الإيمان بالمشهد يستوي فيه الجميع. قلنا: هَبْ أن عندك خادماً وقلتَ له: يا فلان ارفع هذا الحجر في الحديقة مثلاً فيقول لك: إنه ثقيل لا أقدر على رفعه تقول له: إنَّ تحته كيس النقود الذي سأعطلك منه راتبك فيسرع إليه ويرفعه، هذا آمن بالغيب أم بالمشهد؟ آمن بالمشهد, لم يثق بك وإنما بكيس النقود. إذن: المحك الحقيقي للإيمان هو الغيب، لذلك قال تعالى في صفات المؤمنين {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3] لأن المحسَّ والمشَاهد الكل يعرفه ويؤمن به. كذلك الحال في كلام ربِّ العالمين وفي قرآنه الكريم كلام وحروف لها معنى، وحروف أخرى ليس لها معنى واضح نعرفه ونفهم تفسيره، وهذه هي الحروف المُقطَّعة نؤمن بها ونُصدِّق بها على أنها من الغيب. وسبق أنْ أوضحنا أن الحروف المقطعة في بدايات السور أخذت نصف حروف المعجم يعني أربعة عشر حرفاً، والمتأمل في هذه الحروف يجد لها نظاماً ورتابة لم تُؤخذ هكذا كيفما اتفق، فلو قسَّمنا حروف الهجاء إلى تسعة حروف في أولها وتسعة في آخرها ويتبقى عشرة في الوسط نجد الحروف المقطعة أخذت فقط حرفين من المجموعة الأولى هما الألف والحا وترك سبعة، وأخذت سبعة من المجموعة الأخيرة وتركت اثنين، وأخذت من الوسط الحروف غير المنقوطة وتركت المنقوط، إذن: لها موازين ولها حكمة. ونحن نحاول ونفكر في معاني هذه الحروف، ويحوم العقل حول هذه المعاني قد يبلغ بعضها، وقد يقف عاجزاً يقول: الله أعلم بمراده، وكُلُّ عالم يحاول فَهْم هذه الحروف أو استجلاء الحكمة منها مجتهد ومُثَاب، أصاب أو جانبه الصواب. المهم أن الحق سبحانه يريد منا أن نؤمن بهذه الحروف، وأن نقبلها كما هي، عرفنا معانيها أو لم نعرف، فهي أشبه بأسنان المفتاح الذي يعنيك منها أنْ تفتح لك دون أنْ تعرف لها نظاماً، ويكفي أن صاحبها يعرف أسرارها، وأنها تؤدي لك مهمتها على ما هي. فصحيح أننا نحوم حول هذه المعاني وقد نصل إلى شيء منها، لكن يظل للقرآن إعجازه، وتظل هذه الحروف محتفظة بعطاء متجدد لا ينفد. والقرآن لما تحدَّى العرب وأعجزهم، البعض فهم من ذلك أنه تقليل من شأن العرب، لكن هذا التحدي يعني براعتهم في هذا المجال وتمكّنهم منه وإلا ما تحداهم القرآن، إذن: تحدَّى القرآن لهم شرف لهم وإعلاء لشأنهم، ويكفي أن الله جعلهم المقياس في هذه المسألة. والقرآن حين تحدَّى العرب لم يأت بكلمات جديدة ولا بحروف جديدة، فهي نفس الحروف ونفس الخامات التي تتكوَّن منها لغتهم، ومع ذلك ظل كلام الحق سبحانه هو المعجز، ولم يستطيعوا الإتيان بمثله، فوجه الإعجاز هنا أن القرآن كلام الله، الله هو الذي يتكلم، فكلامه مُعْجز لأنه سبحانه يضفي عليه من قدرته، وكلامك أنت أيها العبد غير معجز لأن فيه شيئاً من عجزك. وسورة الشورى من سُوَر الحواميم. يعني: السور التي بدأتْ بقوله تعالى (حم) وقد رأينا أن هذه الحروف جاءت بحرف واحد مثل (ن) و (ق) و (ص). وجاءت بحرفين مثل (طس). وجاءت على ثلاثة أحرف مثل (الم) و (طسم) وجاءت على أربعة أحرف مثل (المر) و (المص). وعلى خمسة أحرف مثل (حم عسق) و (كهيعص) وهذه الحروف لا تُعرف معانيها، ونؤمن أنها من الغيب الذي يجب علينا التسليم به، وأن نقول في تفسيرها: الله أعلم بمراده.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {يتفطَّرنْ} يتشققن، والفطور: الشقوق ومنه {أية : هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} تفسير : [الملك: 3] {فاطر} خالد ومبدع ومخترع {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} يوم القيامة لاجتماع الخلائق فيه {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} مكة المكرمة {يَذْرَؤُكُمْ} ينشئكم ويكثِّركم {مَقَالِيدُ} مفاتيح جمع إقليد على غير قياس {شَرَعَ} بيَّن وسنَّ وأوضح {كَبُرَ} عظم وشقَّ {يُنِيبُ} يرجع ويتوب من ذنبه {مُرِيبٍ} موقع في الريبة والقلق {دَاحِضَةٌ} باطلة وزائلة يقال: دحضت حجته أي بطلت، ودَحضت رجله أي زلقت. التفسِير: {حـمۤ * عۤسۤقۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وإثارة انتباه الإِنسان بحروف أولية، وبدءٍ غير مألوف {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي مثل ما أوحى إليك ربك يا محمد هذا القرآن، أوحى إلى الرسل من قبلك في الكتب المنزلة، اللهُ العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي له ما في الكون ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ} أي هو المتعالي فوق خلقه، المنفرد بالكبرياء والعظمة {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} أي تكاد السماواتُ يتشققن من عظمة الله وجلاله، ومن شناعة ما يقوله المشركون من اتخاذ الله الولد {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي والملائكةُ الأبرار دائبون في تسبيح الله، ينزهونه عما لا يليق به {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي ويطلبون المغفرة لذنوب من في الأرض من المؤمنين قال في التسهيل: والآية عمومٌ يراد به الخصوص لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله تعالى {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [غافر: 7] {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي ألاَ فانتبهوا أيها القوم إن الله هو الغفور لذنوب عباده، الرحيم بها حيث لا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم قال القرطبي: هيَّب وعظَّم جل وعلا في الابتداء، وألطف وبشَّر في الانتهاء {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي جعلوا له شركاء وأنداداً {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} أي اللهُ تعالى رقيبٌ على أحوالهم وأعمالهم، لا يفوته منها شيءٌ، وهو محاسبُهم عليها {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي وما أنت يا محمد بموكَّل على أعمالهم حتى تقسرهم على الإِيمان، إنما أنت منذرٌ فحسب {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي وكما أوحينا إلى الرسل قبلك أوحينا إليك يا محمد قرآناً عربياً معجزاً، بلسان العرب لا لبس فيه ولا غموض {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} أي لتنذر بهذا القرآن أهل مكة ومن حولها من البلدان قال الإِمام الفخر: وأمُّ القُرى أصلُ القرى وهي مكة، وسميت بهذا الاسم إجلالاً لها، لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعربُ تسمي أصلُ كل شيءٍ أُمه، حتى يقال: هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أي وتخوّف الناس ذلك اليوم الرهيب، يوم اجتماع الخلائق للحساب في صعيدٍ واحد {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك في وقوعه، ولا محالة من حدوثه {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} أي فريقٌ منهم في جنات النعيم وهو المؤمنون، وفريق منهم في دركات الجحيم وهم الكافرون، حيث ينقسمون بعد الحساب إلى أشقياء وسعداء كقوله تعالى {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}تفسير : [هود: 105] {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو شاء الله لجعل الناس كلهم مهتدين، أهل دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدة وهي الإِسلام قال الضحاك: أهل دينٍ واحد، أهل ضلالةٍ أو أهل هُدى {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} أي ولكنَّه تعالى حكيمٌ لا يفعل إلاَّ ما فيه المصلحة، فمن علم منه اختيار الهدى يهديه فيدخله بذلك في جنته، ومن علم منه اختيار الضلال يضلُّه فيدخله بذلك السعير ولهذا قال {وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي والكافرون ليس لهم وليٌّ يتولاهم يوم القيامة، ولا نصيرٌ ينصرهم من عذاب الله قال أبو حيان: والآية تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم عمَّا كان يقاسيه من كفر قومه، وتوقيفٌ على أنَّ ذلك راجعٌ إلى مشيئته جل وعلا، ولكنْ من سبقت له السعادة أدخله في رحمته يعني دين الإِسلام {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} استفهامٌ على سبيل الإِنكار أي بل اتخذ المشركون من دون الله آلهة، يستعينون بهم، ويطلبون نصرهم وشفاعتهم؟ {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ} أي فاللهُ وحده هو الوليُّ الحقُّ، الناصرُ للمؤمنين، لا وليَّ سواه {وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} أي هو تعالى القادر على إحياء الموتى، لا تلك الأصنام التي لا تضر ولا تنفع {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي لا يعجزه شيء فهو الحقيق بأن يُتخذ ولياً دون من سواه {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي وما اختلفتم فيه أيها المؤمنون من شيء من أمر الدنيا أو الدين، فالحكم فيه إلا الله جل وعلا، هو الحاكم فيه بكتابه أو بسنة نبيه عليه السلام {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي} أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده، وَليِّي ومالك أمري قال القرطبي: وفيه إضمارٌ أي قل لهم يا محمد: ذلكم الذي يُحيي الموتى، ويحكم بين المختلفين هو ربّي {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي عليه وحده اعتمدت في جميع أموري {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي وإِليه وحده أرجع في كل ما يعرض عليَّ من مشكلاتٍ ومعضلات، لا إلى أحدٍ سواه قال الرازي: والعبارة تفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله ولياً.. ثم بيَّن تعالى صفاته الجليلة القدسية، التي هي من آثار ومظاهر الربوبية فقال {فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو جل وعلا خالقهما ومبدعهما على غير مثالٍ سابق {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} أي أوجد لكم بقدرته من جنسكم نساءً من الآدميات {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} أي وخلق لكم كذلك من الإِبل والبقر والضأن والمعز أصنافاً، ذكوراً وإِناثاً {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي يكثّركم بسببه بالتوالد، ولولا أنه خلق الذكر والأثنى لما كان ثَمة تناسلٌ ولا توالدٌ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أي ليس له تعالى مثيلٌ ولا نظير، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد، الفردُ الصمد والغرضُ: تنزيهُ الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، والكاف هنا لتأكيد النفي أي ليس مثله شيءٌ، قال ابن قتيبة: العربُ تقيم المثل مقام النفس فتقول: مثلي لا يُقال له هذا أي أنا لا يُقال لي هذا، ومعنى الآية ليس كالله جل وعلا شيءٌ وقال القرطبي: والذي يُعتقد في هذا الباب أن الله - جلَّ اسمُه - في عظمته وكبريائه، وملوكته وحُسنى أسمائه، لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا يُشبَّه به أحد، وما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذْ صفاتُ القديم - عزَّ وجلَّ - بخلاف صفات المخلوق، وإذْ صفاتُهم لا تنفك عن الأعراض والأغراض، وهو تعالى منزَّه عن ذلك، وقد قال بعض المحققين: التوحيدُ إثباتُ ذاتٍ غير مشبهةٍ للذوات، ولا معطَّلة من الصفات، وزاد الواسطيُّ فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، وهذا مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} أي وهو تعالى السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي بيده جل وعلا مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وسائر الحاجات {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسِّعُ الرزق على من يشاء، ويضيّق على من يشاء، حسب الحكمة الإِلهية {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تعليل لما سبق أي لأن علمه تعالى محيط بكل الأشياء، فهو واسع العلم، يعلم إِذا كان الغنى خيراً للعبد أو الفقر {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي سنَّ وبيَّن لكم أيها المؤمنون من الشريعة السمحة والدين الحنيف، ما وصَّى به الرسل، وأرباب الشرائع من مشاهير الأنبياء، كنوح ومحمد عليه السلام {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} أي وما أمرنا به بطريق الإِلزام إبراهيم وموسى وعيسى من أصول الشرائع والأحكام قال الصاوي: خصَّ هؤلاء بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء، وأولوا العزم، وأصحاب الشرائع المعظمة، فلكل واحد من هؤلاء الرسل شرعٌ جديد، وأمَّا من عداهم، فإِنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله، ولم يزل الأمر يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء، واحداً بعد واحد، وشريعةً إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل، ملةِ أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فتبيَّن أن شرعنا - معشَر الأمة المحمدية - قد جمع جميع الشرائع المتقدمة في أصول الاعتقادات، وأصول الأحكام ولهذا قال تعالى {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} أي وصيناهم بأن أقيموا الدين الحق - دين الإِسلام - الذي هو توحيدُ الله وطاعتُه، والإِيمان بكتبه ورسله، وبالبعث والجزاء قال القرطبي: المراد اجعلوا الدين قائماً مستمراً محفوظاً من غير خلافٍ فيه ولا اضطراب، في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة وهي: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها، فهذا كله مشروعاً ديناً واحداً وملة متحدة. {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} أي عظُم وشقَّ على الكفار ما تدعوهم إليه من عبادة الله، وتوحيد الواحد القهار {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي اللهُ يصطفي ويختار للإِيمان والتوحيد من يشاء من عباده، ويهدي إلى دينه الحق من يرجع إلى طاعته، فيوفقه له ويقربه إليه رحمةً وإِكراماً {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي وما تفرَّق أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم إلاّ من بعد ما قامت عليهم الحجج والبراهين من النبي المرسل إليهم {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي ظلماً وتعدياً، وحسداً وعناداً {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي ولولا أن الله قضى بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} أي لعجَّل لهم العقوبة في الدنيا سريعاً باستئصالهم قال ابن كثير: أي لولا الكلمة السالفة من الله تعالى بإِنظار العباد إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة سريعاً {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} أي وإِن بقيَّة أهل الكتاب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد أسلافهم السابقين {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} أي لفي شك من التوراة والإِنجيل، موقع لهم في أشد الحيرة والريبة، لأنهم ليسوا على يقين من أمر دينهم وكتابهم، وإِنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا برهان قال البيضاوي: لا يعلمون كتابهم كما هو ولا يؤمنون به حق الإِيمان، فهم في شك مقلق {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} أي فلأجل ذلك التفرق الذي حدث لأهل الكتاب، أمرناك يا محمد أن تدعو الناس إلى دين الحنيفية السمحة، الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، فادع يا محمد إليه والزام النهج القويم مع الاستقامة كما أمرك ربك {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي ولا تتبع أهواء المشركين الباطلة فيما يدعونك إليه من ترك دعوة التوحيد {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ} أي صدَّقت بكل كتابٍ أنزله الله تعالى قال الرازي: يعني الإِيمان بجميع الكتب السماوية، لأن أهل الكتاب المتفرقين في دينهم آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي وأمرني ربي بأن أعدل بينكم في الحكم قال ابن جزي: يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي الله خالقنا جميعاً ومتولي أمورنا فيجب أن نفرده بالعبادة {لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم، من خير أو شرٍّ، لا نستفيد من حسناتكم ولا نتضرر من سيئاتكم قال ابن كثير: هذا تبرؤٌ منهم أي نحن برآء منكم كقوله تعالى {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 41] {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي لا جدال ولا مناظرة بيننا وبينكم، فإِن الحقَّ قد ظهر وبَانَ كالشمس في رابعة النهار، وأنتم تعاندون وتكابرون {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي الله يجمع بيننا يوم القيامة لفصل القضاء، وإليه المرجع والمآب فيجازي كل أحدٍ بعمله من خير وشر قال الصاوي: والغرضُ أن الحقَّ قد ظهر، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا جدل، والله يفصل بين الخلائق يوم المعاد، ويجازي كلاً بعمله {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ} أي يخاصمون في دينه لصدِّ الناس عن الإِيمان {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} أي من بعد ما استجاب الناسُ له ودخلوا في دينه {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي حجتهم باطلة لا ثبوت لها عند الله قال ابن عباس: نزلت في طائفةٍ من بني إسرائيل همَّت برد الناس عن الإِسلام وإضلالهم ومحاجتهم بالباطل {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي وعليهم غضب عظيم في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي نزَّل القرآن وسائر الكتب الإِلهية متلبسا بالصدق القاطع، والحقِّ الساطع، في أحكامه وتشريعاته وأخباره {وَٱلْمِيزَانَ} أي ونزَّل الميزان أي العدل والإِنصاف قاله ابن عباس قال المفسرون: وسمى العدلُ ميزانا لأن الميزان يحصل به العدل والإِنصاف، فهو من تسمية الشيء باسم السبب {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} أي وما ينبئك أيها المخاطب لعلَّ وقت الساعة قريب؟ فإن الواجب على العاقل أن يحذر منها، ويستعدُّ لها. قال أبو حيان: ووجه اتصال الآية بما سبق أن الساعة يوم الحساب فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} أي يستعجل بالقيامة المشركون الذين لا يُصدِّقون بها فيقولون على سبيل الاستهزاء: متى تكون؟ {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} أي والمؤمنون المصدِّقون بها خائفون وجلون من قيامها {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} أي ويعلمون أنها كائنة وحاصلة لا محالة {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي الذين يُجادلون في أمر القيامة في ضلالٍ بعيد عن الحق، لإِنكارهم عدل الله وحكمته.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال: أخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن الإِمامُ زيد بن علي عليه السّلامُ في قوله تعالى: {حـمۤ عۤسۤقۤ} قالَ الإِمامُ زيد صلوات الله عليهِ حم: قَضي هذا الأَمرُ. عسق: العينُ: العَذابُ والسِّينُ: سِنونٌ. والقَافُ: قَذفٌ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حـمۤ * عۤسۤقۤ} الآية، قال ابن عباس هذه السورة مكية إلا أربع آيات من قوله: لا أسألكم إلى آخر الأربع الآيات ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال: قل أرأيتم وكان في ذلك الحكم عليهم بالضلال لما كفروا به قال هنا. {كَذَلِكَ} أي مثل الإِيحاء السابق في القرآن الذي كفر به هؤلاء. {يُوحِيۤ إِلَيْكَ} أي أن وحيه تعالى إليك متصل غير منقطع يتعهدك به وقتاً بعد وقت وقرىء: يوحى مبنياً للفاعل والجلالة فاعل وقرىء: يوحى مبنياً للمفعول والجار والمجرور في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله والجلالة فاعل بفعل محذوف تقديره بوحي الله. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي أصناماً وأوثاناً. {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} أعمالهم فيجازيهم عليها. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي بمفوض إليك أمرهم ولا قائماً وما في هذا من الموادعة منسوخ بآية السيف. {وَكَذَلِكَ} أي مثل هذا الإِيحاء والقضاء إنك لست بوكيل عليهم. {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} والظاهر أن قرآناً مفعول أوحينا. وقال الزمخشري: الكاف مفعول به لأوحينا وقرآناً عربياً حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربيّ لا ليس فيه عليك إذ نزل بلسانك "انتهى". فاستعمل الكاف إسماً في الكلام وهو مذهب الأخفش لتنذر أم القرى أي سبب إيحائنا إليك هو الإِنذار ولا تكلف غيره وأم القرى مكة ولذلك عطف عليها ومن حولها والمفعول الثاني محذوف. {وَمَنْ حَوْلَهَا} هم العرب. {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} والمفعول الأول محذوف والثاني هو يوم الجمع أي اجتماع الخلائق والمنذر به هو ما يقع في يوم الجمع من الجزاء وانقسام الجمع إلى الفريقين واجتماع الأرواح والأجساد وأهل الأرض بأهل السماء والناس بأعمالهم. {يَذْرَؤُكُمْ} يقال ذرأ الله الخلق أي بثهم وكثرهم. وقال ابن عباس يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها والضمير في فيه عائد على الجعل أي يخلقكم ويكثركم في الجعل. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تقول العرب مثلك لا يفعل هذا بمعنى أنت لا تفعل هذا فيكون المعنى في الآية ليس كهو أي كالله شىء وخرج على أن الكاف زائدة فكأنه قيل ليس شىء مماثل الله تعالى ويجوز أن يكون مثل بمعنى الصفة فتكون الكاف باقية على تشبيهها ليس كصفته شىء من الصفات. {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} الآية لما كان نوح عليه السلام أول الرسل وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم قال ما وصى به نوحاً والذين أوحينا إليك ثم اتبع ذلك ما وصى به إبراهيم إذ كان أبا العرب وفي ذلك هزٌّ لهم وبعث على اتباع طريقته وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين لأنهما اللذان كان اتباعهما موجودين في زمان بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والشرائع متفقة في العقائد وفي كثير من الأحكام كتحريم الزنى والقتل بغير حق والشرائع مجتملة على عقائد وأحكام ويقال ان نوحاً عليه السلام أول من أتى بتحريم البنات والأمهات وذوات المحارم ومعنى شرع اختار ويحتمل أن تكون مفسرة لأن ما قبلها هو بمعنى القول فلا موضع لها من الإِعراب وان تكون مصدرية فتكون في موضع نصب على البدل من ما وما عطف عليها ثم نهى عن التفرق فيه لأن الفرق سبب الهلاك والاجتماع والألفة سبب لنجاة. {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} أي عظم وشق وما فاعل بكبر. {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ} قال ابن عباس: يعني قريشاً والعلم محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي كما قال: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 42] يريدون نبياً وقيل الضمير يعود على أمم الأنبياء جاءهم العلم فطال عليهم الأحد فآمن قوم وكفر قوم. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ} أي عدة التأخير إلى يوم القيامة فحينئذٍ يقع الجزاء. {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} أي لجوزوا بأعمالم في الدنيا. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ} هم بقية أهل الكتاب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. {مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد أسلافهم أو هم المشركون أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإِنجيل. {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في إيصال ما أمرت به إليكم لا أخص شخصاً بشىء دون شخص الشريعة واحدة والأحكام مشترك فيها. {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي قد وضحت الحجج وقامت البراهين وأنتم محجوجون فلا حاجة إلى إظهار حجة بعد ذلك. {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} أي يوم القيامة فيفصل بيننا وما يظهر في هذه الآية من الموادعة منسوخ بآية السيف. {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ} أي يخاصمون في دينهم قال ابن عباس ومجاهد نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإِسلام واضلالهم ومحاجتهم بأن قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فديننا أفضل فنزلت الآية في ذلك. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} أي باطلة لا ثبوت لها ولمّا ذكر تعالى الرزق ذكر حديث الكسب ولمّا كان الحرث في الأرض أصلاً من أصول المكاسب استعير لكل مكسب أريد به النماء والفائدة في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} أي من كان يريد عمل الآخرة ويسعى لها سعيها. {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} أي من في جزاء حرثه من تضعيف الحسنات. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} لأنه لم يعمل للآخرة شيئاً فالجملة الأولى وعد منجز والثانية مقيدة بمشيئته تعالى لمن يشاء وجاء فعل الشرط ماضياً والجواب مجزوماً كقوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [هود: 15]. ولا نعلم خلافاً في جواز الجزم وإنه فصيح المختار إلا ما ذكره صاحب كتاب الاعراب وهو أبو الحكم بن عذرة عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الكلام الفصيح وإنما يجيء مع ما كان لأنها أصل الأفعال ولا يجيء مع غيرها من الأفعال ونص كلام سيبويه والجماعة أنه لا يختص ذلك بكان بل سائر الأفعال في ذلك مثلها وأنشد سيبويه قول الفرزدق: شعر : دست رسولاً بأن القوم ان قدروا عليك يشفوا صدوراً ذات توغير

الجيلاني

تفسير : {حـمۤ * عۤسۤقۤ} [الشورى: 1-2] يا حامل وحي الله، وماحي الوجود عن غيره يا عالم سرائر قدرة الله، وعارف سريان سر وحدته الذاتية على قلوب خُلَّص عباده من الأنبياء والأولياء. {كَذَلِكَ} أي: مثل ما ذكر في هذه السورة من سرائر التوحيد والأخلاق المرضية الإلهية {يُوحِيۤ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل في كتابك هذا {وَإِلَى ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِكَ} من الأنبياء والرسل في كتبهم وصحفهم {ٱللَّهُ} المتوحد بذاته المحيط بعموم مظاهره ومصنوعاته، المستقل بأمر الإرسال والإنزال والوحي والإلهام {ٱلْعَزِيزُ} الغالب في أمره وشأنه {ٱلْحَكِيمُ} [الشورى: 3] المتقن في أفعاله وتدبيراته الجارية في ملكه وملكوته. إذ {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ملكاً وتصرفاً، إيجادً وإعداماً {وَ} بالجملة: {هُوَ ٱلْعَلِيُّ} المستقل بالعلو في مطلق ملكه وملكوته {ٱلعَظِيمُ} [الشورى: 4] في شأنه وأمره، لا علو ولا عظمة إلا له، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا حكم ولا حكمة إلا منه. ومن كمال عزته وعظمته {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ} السبع {يَتَفَطَّرْنَ} بالياء والتاء، أو بالياء والنون معناه على كلتا القراءتين: يتشققن {مِن فَوْقِهِنَّ} أي: من فوق السماوات أو من فوق الأرضين السبع من كمال خشية الله ورهبته، خوفاً من تجليه عليهم باسمه القهار المفني للأغيار مطلقاً {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} أيضاً من خشيتهم من كمال غضبه وقهره سبحانه {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} تعديداً لنعمه إياهم بإفاضة الشعور والإدراك على حقوق ربوبيته ومقتضيات ألوهيته، والتمكن والاقتدار على مواظبة عبوديته ومشاهدة آثار سلطنته وعظمته {وَيَسْتَغْفِرُونَ} أيضاً بإذنه وبمقتضى أمره {لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} من خُلَّص عباده الموحدين المجبولين على صورته، المجعلوين لخلافته ونيابته {أَلاَ} أي: تنبهوا أيها الأظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال {إِنَّ ٱللَّهَ} الذي أظهركم من كتم العدم، ورباكم بأنواع اللطف والكرم {هُوَ ٱلْغَفُورُ} الستار لذنوب أنانياتكم، المحَّاء لآثام هوياتكم إن تبتم وأخلصتم فيها {ٱلرَّحِيمُ} [الشورى: 5] لكم يقبل توبتكم يغفر زلتكم، ويوصلكم إلى ما جبلتم لأجله. ثم قال سبحانه تهديداً على المشركين المتخذين لله المتوحد في ذاته، المستقل في وجوده أنداداً {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ} سبحانه {أَوْلِيَآءَ} يوالونهم كولايته سبحانه، ويتوجهون نحوهم مثل توجهه، ولا تلتفت يا أكمل الرسل إليهم، ولا تبالِ بشأنهم؛ إذ {ٱللَّهُ} المحيط بذواتهم وأفعالهم وصفاتهم {حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} عليم بأعمالهم ونياتهم فيها، ويحاسبهم عليها ويجازيهم بمقتضاها {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6] كفيل يخلصهم عن مفاسد أعمالهم ومقابح أفعالهم، بل ما أنت إلا مبلغ ونذير.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {حـمۤ * عۤسۤقۤ} [الشورى: 1-2] يشير إلى القسم بحاء حبه، وميم محبوبه محمد، وعين عشقه على سيده، وقاف قربه إلى سيده بكمال لم يبلغه أحد في خلقه، أقسم بأنه: {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ} [الشورى: 3] أنك محبوبه الأزلي وبحبك خلق الموجودات بتبيعتك {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} [الشورى: 3]؛ أي: وكذلك أوحى إلى الأنبياء من قبلك أنك محبوبه الأزلي، {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ} [الشورى: 3]؛ أي: أوحى الله العزيز الذي لا يحتاج إلى وجودك ووجود غيرك، {ٱلْحَكِيمُ} [الشورى: 3] الذي لحمكة بالغة اتخذك حبيباً في الأزل للأبد وخلق الموجودات بتبيعتك، {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 4] ملكاً وملكاً {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ} [الشورى: 4] أعلى رتبة وأعظم عزة في الألوهية، في أن استحقاقه لأوصاف المجد والجلال بمالكية ما في السماوات وما في الأرض، وبملكية من فيهما. وبقوله: {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} [الشورى: 5] يشير إلى قبيح أقوال المشركين من بني آدم وأفعالهم وجراءتهم على الله تعالى، ولعظم كفرهم كادت السماوات تنشق إلى أسفلهن؛ أي: تنفطر جملتها، فالمعنى أن أولاد آدم بهذه الصفة {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى: 5] لا يفترون، ومع هذا عناية الله تعالى في حق أولاد آدم أن الملائكة مأمورون بترك التسبيح {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ} [الشورى: 5] فيه إشارة إلى أن استغفار الملائكة لهم ليس من اختيارهم؛ بل أن الله هو الغفور لبني آدم {ٱلرَّحِيمُ} [الشورى: 5] بهم، وبرحمته يأمر الملائكة بالاستغفار لهم وهو يغفر مع كثرة عصيانهم، والكفار الذين يرتكبون عظيم هذا الجرم من الشرك والذنوب العظائم لا يقطع رزقهم ولا صحبتهم ولا تمتعاتهم في الدنيا، وإن كان يريد أن يعذبهم في الآخرة، وبقوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} [الشورى: 6] يشير إلى أن كل من عمل بمتابعة هواه وترك الله حداً ونقض له عهداً، فهو متخذ الشياطين أولياء؛ لأنه من يعمل بأوامرهم وأفعاله موافقة لطباعهم، {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} [الشورى: 6] بأعمال سرهم وعلانيتهم، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6] ؛ لتمنعهم عن معاملاتهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه أوحى هذا القرآن العظيم إلى النبي الكريم، كما أوحى إلى من قبله من الأنبياء والمرسلين، ففيه بيان فضله، بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، سابقا ولاحقا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل، وأن طريقته طريقة من قبله، وأحواله تناسب أحوال من قبله من المرسلين. وما جاء به يشابه ما جاءوا به، لأن الجميع حق وصدق، وهو تنزيل من اتصف بالألوهية والعزة العظيمة والحكمة البالغة، وأن جميع العالم العلوي والسفلي ملكه وتحت تدبيره القدري والشرعي. وأنه { الْعَلِيُّ } بذاته وقدره وقهره. { الْعَظِيمُ } الذي من عظمته { تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ } على عظمها وكونها جمادا، { وَالْمَلائِكَةُ } الكرام المقربون خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته، مذعنون بربوبيته. { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } ويعظمونه عن كل نقص، ويصفونه بكل كمال، { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ } عما يصدر منهم، مما لا يليق بعظمة ربهم وكبريائه، مع أنه تعالى هو { الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } الذي لولا مغفرته ورحمته، لعاجل الخلق بالعقوبة المستأصلة. وفي وصفه تعالى بهذه الأوصاف، بعد أن ذكر أنه أوحى إلى الرسل كلهم عموما، وإلى محمد - صلى الله عليهم أجمعين- خصوصا، إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم، فيه من الأدلة والبراهين، والآيات الدالة على كمال الباري تعالى، ووصفه بهذه الأسماء العظيمة الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله وإكرامه، وصرف جميع أنواع العبودية الظاهرة والباطنة له تعالى، وأن من أكبر الظلم وأفحش القول، اتخاذ أنداد للّه من دونه، ليس بيدهم نفع ولا ضرر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم، ولهذا عقبه بقوله: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } يتولونهم بالعبادة والطاعة، كما يعبدون الله ويطيعونه، فإنما اتخذوا الباطل، وليسوا بأولياء على الحقيقة. { اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } يحفظ عليهم أعمالهم، فيجازيهم بخيرها وشرها. { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } فتسأل عن أعمالهم، وإنما أنت مبلغ أديت وظيفتك. ثم ذكر منته على رسوله وعلى الناس، حيث أنزل الله { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } بين الألفاظ والمعاني { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى } وهي مكة المكرمة { وَمَنْ حَوْلَهَا } من قرى العرب، ثم يسري هذا الإنذار إلى سائر الخلق. { وَتُنْذِرَ } الناس { يَوْمَ الْجَمْعِ } الذي يجمع الله به الأولين والآخرين، وتخبرهم أنه { لا رَيْبَ فِيهِ } وأن الخلق ينقسمون فيه فريقين { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ } وهم الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، { وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } وهم أصناف الكفرة المكذبين. { و } مع هذا { لَوْ شَاءَ اللَّهُ } لجعل الناس، أي: جعل الناس { أُمَّةً وَاحِدَةً } على الهدى، لأنه القادر الذي لا يمتنع عليه شيء، ولكنه أراد أن يدخل في رحمته من شاء من خواص خلقه. وأما الظالمون الذين لا يصلحون لصالح، فإنهم محرومون من الرحمة، فـ { مَا لَهُمْ } من دون الله { مِنْ وَلِيٍّ } يتولاهم، فيحصل لهم المحبوب { وَلا نَصِيرٍ } يدفع عنهم المكروه. والذين { اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } يتولونهم بعبادتهم إياهم، فقد غلطوا أقبح غلط. فالله هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات، ويتولى عباده عموما بتدبيره، ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصا، بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتربيتهم بلطفه، وإعانتهم في جميع أمورهم. { وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي: هو المتصرف بالإحياء والإماتة، ونفوذ المشيئة والقدرة، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له.

همام الصنعاني

تفسير : 2726- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حـمۤ * عۤسۤقۤ}: [الآية: 1-2]، قَالَ: اسم من أسماء القرآنِ.