Verse. 4275 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

كَذٰلِكَ يُوْحِيْۗ اِلَيْكَ وَاِلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكَ۝۰ۙ اللہُ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۳
Kathalika yoohee ilayka waila allatheena min qablika Allahu alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذلك» أي مثل ذلك الإيحاء «يوحي إليك و» أوحى «إلى الذين من قبلك الله» فاعل الإيحاء «العزيز» في ملك «الحكيم» في صنعه.

3

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الإِيحاء {يُوحِى إِلَيْكَ و } أوحى {إِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ } فاعل الإِيحاء {ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

القشيري

تفسير : أقسم بهذه الأسماء وهذه الحروف إنه كما أوحى إلى الذين مِنْ قَبْلِكَ كذلك يوحِي إليك العزيز الحكيم، كما أوحى إليهم العزيز الحكيم.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذلك يوحى اليك والى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} الكاف فى حيز النصب على أنه مفعول ليوحى والجلالة فاعلة اى مثل ما فى هذه السورة من المعانى يوحى الله العزيز الحكيم اليك فى سائر السور والى من قبلك من الرسل فى كتبهم على أن مناط المماثلة هو الدعوة الى التوحيد والارشاد الى الحق وما فيه صلاح العباد فى المعاش والمعاد ويجوز ان يكون الكاف فى حيز النصب على انه نعت لمصدر مؤكد ليوحى اى مثل ايحاء هذه السورة يوحى الله العزيز الحكيم اليك عند ايحاء سائر السور والى سائر الرسل عند ايحاء كتبهم اليهم لا ايحاء مغايرا على أن مدار المثلية كونه بواسطة الملك وانما ذكر بلفظ المضارع مع أن مقتضى المقام ان يذكر بلفظ الماضى ضرورة ان الوحى الى الذين من قبله قد مضى دلالة على استمرار الوحى وتجدده وقتا فوقتا وان ايحاء مثله عادته تعالى ويجوز ان يكون ايذانا ان الماضى والمستقبل بالنسبة اليه تعالى واحد كما فى الكواشى والعزيز الحكيم صفتان مقررتان لعلو شان الموحى به لأنه اثر من اتصف بكمال القدرة والعلم

اطفيش

تفسير : {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} وروي عنه أن الحاء حلمه والميم مجده والعين علمه والسين سناه بالمد أي نوره والقاف قدرته وانه أقسم بهن وقيل ان العين من عزيز والسين من قدوس والقاف من قاهر وقيل: الحاء حرب في قريش تذل عزيزهم وتعز ذليلهم والميم ملك يتحول من قوم الى قوم والعين عدو لقريش يقصدهم والسين سنون كسني يوسف والقاف قدرة الله في خلقه وقيل الحاء حوض نبينا صلى الله عليه وسلم والميم ملكه الممدود والعين عزه الموجود والسين سناه المشهور والقاف قيامه في المقام المحمود وقربه من الملك المعبود. وقرأ ابن مسعود (حم سق) ورواها بعض عنه وعن ابن عباس وهو خلاف ما مر عنه والاشارة الى الايحاء أو الى معانى السورة أو الى الكتاب أي ما يوحى مثل ايحاء هذه السورة أو مثل ما فيها من المعاني أو مثل ذلك الكتاب وان قلت كيف يصح (يوحي اليك) مثل هذه السورة أو مثل معانيها وقد أوحاها حقيقة قلت ارادته انه يوحي اليك مثل هذه السورة أو مثل معانيها وقد أوحاها حقيقة قلت أراد انه يوحي اليك مثلها من السور والمعاني وكذا يوحى اليك مثل القرآن وهو ما عداه من الوحى وذكر الايحاء بلفظ المضارع ليدل على أن ايحاء مثل ذلك عادته فيما مضى وكأن هذه العادة الماضية حاضرة أي كرر الله هذه المعاني والايحاء في كل كتبه للتنبيه العظيم واللطف البليغ للاوائل والاواخر* {اللهُ} فاعل (يوحي) وقرأ ابن كثير (يوحى) بالبناء للمفعول فهو خبر والكاف الداخلة على (ذا) مبتدأ أي (مثل ذلك) يوحى ومن أجاز تقديم النائب مطلقاً واذا كان ظرفاً قال (كذلك) جار ومجرور نائب (والله) على هذه القراءة فاعل (ليوحى) مبنياً للفاعل محذوف دل عليه ذلك المبني للمفعول كقراءة بعضهم {أية : يُسَبح له بالغدو والآصال رجال} تفسير : ببناء (يسّبح) للمفعول (وله) نائب أو ما بعده (ورجال) فاعل لمحذوف أي سبح رجال بالبناء للفاعل كأنه قيل من يوحي؟ فقال: الله وقرئ (نوحي) بالنون والبناء للفاعل فالله مبتدأ و {الْعَزِيزُ الْحِكِيمُ} صفتان على كل حال مقررتان لعلو شأن الموحى به كما مر بيانه في السورة قبلها ومرت الاشارة اليه في هذه وجملة قوله.

اطفيش

تفسير : الاشارة الى التوحيد وتوابعه، أو الى الايحاء السابق، والمضارع للتجدد فى زمانه صلى الله عليه وسلم، وزمان من قبله، والله فاعل يوحى، أو الحكاية الحال الماضية، ومفعول يوحى محذوف، أى التوحيد وتوابعه، أو يوحى اليك الغيوب، أو مفعوله هو قوله تعالى: {له ما في السماوات} الى آخر السورة، أى يوحى إليك هذه الألفاظ لمعانيها، أو الكاف على أنها اسم مضاف لاسم الاشارة.

الالوسي

تفسير : كلام مستأنف وارد لتحقيق أن مضمون السورة موافق لما في تضاعيف الكتب المنزلة على سائر الرسل المتقدمين في الدعوة إلى / التوحيد والإرشاد إلى الحق أو أن إيحاءها [مثل إيحائها] بعد تنويهها بذكر اسمها والتنبيه على فخامة شأنها. والكاف مفعول {يُوحَي} على الأول: أي يوحي مثل ما في هذه السورة من المعاني أو نعت لمصدر مؤكد على الثاني: أي يوحي إيحاء مثل إيحائها إليك وإلى الرسل أي بواسطة الملك، وهي في الوجهين اسم كما هو مذهب الأخفش وإن شئت فاعتبرها حرفاً واعتبر الجار والمجرور مفعولاً أو متعلقاً بمحذوف وقع نعتاً، وقول العلامة الثاني في «التلويح»: إن جار الله لا يجوز الابتداء بالفعل ويقدر المبتدأ في جميع ما يقع فيه الفعل ابتداء كلام غير مسلم وقد ترددوا فيه حتى قيل: إنه لم يظهر له وجه. وجوز أبو البقاء كون {كَذٰلِكَ} مبتدأ و {يُوحَي} الخبر والعائد محذوف أي مثل ذلك يوحيه إليك الخ وحذف مثله شائع في الفصيح، نعم هذا الوجه خلاف الظاهر. والإشارة كما أشرنا إليه إلى ما في السورة أو إلى إيحائها. والدلالة على البعد لبعد منزلة المشار إليه في الفضل. وصيغة المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمراره في الأزمنة الماضية وأن إيحاء مثله عادته عز وجل، وقيل: إنها على التغليب فإن الوحي إلى من مضى مضى وإليه عليه الصلاة والسلام بعضه ماض وبعضه مستقبل، وجوز أن تكون على ظاهرها ويضمر عامل يتعلق به {إِلَى ٱلَّذِينَ} أي وأوحي إلى الذين وهو كما ترى. وفي جعل مضمون السورة أو إيحائها مشبهاً به من تفخيمها ما لا يخفى. وقرأ مجاهد وابن كثير وعياش ومحبوب كلاهما عن أبـي عمرو {يوحى} مبنياً للمفعول على أن {كَذٰلِكَ} مبتدأ و {يوحى} خبره المسند إلى ضميره أو مصدر و {يوحى} مسند إلى {إِلَيْكَ} و {ٱللَّهِ} مرتفع عند السكاكي على الفاعلية ليوحى الواقع في جواب من يوحي؟ نحو ما قرروه في قوله تعالى: {أية : يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ * رِجَالٌ} تفسير : [النور: 36ـ37] على قراءة {يُسَبّحُ} بالبناء للمفعول، وقوله:شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : وقال الزمخشري: رافعه ما دل عليه {يُوحَي} كأن قائلاً قال: من الموحي؟ فقيل: الله وإنما قدر كذلك على ما قاله صاحب «الكشف» ليدل على أن الإيحاء مسلم معلوم وإنما الغرض من الإخبار إثبات اتصافه بأنه تعالى من شأنه الوحي لا إثبات أنه موح، ولم يرتض القول بعدم الفرق بين هذا وقوله تعالى: {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ * رِجَالٌ} بل أوجب الفرق لأن الفعل المضارع هنالك على ظاهره لم يؤت به للدلالة على الاستمرار ولهم فيه مقال. و {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} صفتان له تعالى عند الشيخين. وجوز أبو حيان كون الاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبر له وقيل: {ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} إلى آخر السورة قائم مقام فاعل {يُوحِى} أي هذه الكلمات. وقرأ أبو حيوة. والأعشى عن أبـي بكر. وأبان {نوحي} بنون العظمة فالله مبتدأ وما بعده خبر أو {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} صفتان، وقوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ...}

ابن عاشور

تفسير : موقع الإشارة في قوله: {كذلك يوحي إليك} كموقع قوله: { أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143). والمعنى: مِثْلَ هذا الوحي يُوحِي الله إليك، فالمشار إليه: الإيحاء المأخوذ من فعل {يوحي}. وأما {وإلى الذين من قبلك} فإدماج. والتشبيه بالنسبة إليه على أصله، أي مثل وحيه إليك وحيه إلى الذين من قبلك، فالتشبيه مستعمل في كلتا طريقتيه كما يستعمل المشترك في معنييه. والغرض من التشبيه إثبات التسوية، أي ليس وحي الله إليك إلا على سنة وحيه إلى الرّسل من قبلك، فليس وحيه إلى الرّسل من قبلك بأوضح من وحيه إليك. وهذا كقوله تعالى: { أية : إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } تفسير : [النساء: 163]، أي ما جاء به من الوحي إن هو إلا مِثلُ ما جاءت به الرّسل السابقون، فما إعراض قومه عنه إلا كإعراض الأمم السالفة عما جاءت به رسلهم. فحصل هذا المعنى الثاني بغاية الإيجاز مع حسن موقع الاستطراد. وإجراء وصفي {العزيز الحكيم} على اسم الجلالة دون غيرهما لأن لهاتين الصفتين مزيدَ اختصاص بالغرض المقصود من أن الله يصطفي من يشاء لرسالته. فـــ{العزيز} المتصرف بما يريد لا يصده أحد. و{الحكيم} يُحَمِّل كلامَه معاني لا يبلغ إلى مثلها غيرُه، وهذا من متممات الغرض الذي افتتحت به السورة وهو الإشارة إلى تحدّي المعاندين بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن. وجملة {كذلك يوحي إليك} إلى آخرها ابتدائية، وتقديم المجرور من قوله {كذلك} على {يوحي إليك} للاهتمام بالمشار إليه والتشويق بتنبيه الأذهان إليه، وإذ لم يتقدم في الكلام ما يحتمل أن يكون مشاراً إليه بــ {كذلك} عُلم أن المشار إليه مقدر معلوم من الفعل الذي بعد اسم الإشارة وهو المصدر المأخوذ من الفعل، أي كذلك الإيحاء يوحي إليك الله. وهذا استعمال متّبع في نظائر هذا التركيب كما تقدم في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143). وأحسب أنّه من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثله في كلام العرب قبل القرآن. وما ذكره الخفاجي في سورة البقرة من تنظيره بقول زهير: شعر : كذلك خِيمهم ولكلِّ قوم إذا مسَّتهم الضّراء خِيم تفسير : لا يصحّ لأن بيْت زهير مسبوق بما يصلح أن يكون مشاراً إليه، وقد فاتني التنبيه على ذلك فيما تقدم من الآيات فعليك بضم ما هنا إلى ما هنالك. والجار والمجرور صفة لمفعول مطلق محذوف دلّ عليه {يوحي} أي إيحاءً كذلك الإيحاء العجيب. والعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع في قوله: {يوحي} للدلالة على أن إيحاءه إليه متجدد لا ينقطع في مدة حياته الشريفة لييأس المشركون من إقلاعه بخلاف قوله: { أية : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } تفسير : [الشورى: 52] وقوله: { أية : وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً } تفسير : [الشورى: 7] إذ لا غرض في إفادة معنى التجدد هناك. وأمّا مراعاة التجدّد هنا فلأنَّ المقصود من الآية هو ما أوحي به إلى محمّد صلى الله عليه وسلم من القرآن، وأنَّ قوله: {إلى الذين من قبلك} إدماج. ولك أن تعتبر صيغة المضارع منظوراً فيها إلى متعلِّقي الإيحاء وهو {إليك} و{إلى الذين من قبلك}، فتجعل المضارع لاستحضار الصورة من الإيحاء إلى الرّسل حيث استبعد المشركون وقوعه فجعل كأنّه مشاهد على طريقة قوله تعالى: { أية : الله الذي أرسل الرّياح فتثير سحاباً } تفسير : [فاطر: 9] وقوله: { أية : ويصنع الفلك } تفسير : [هود: 38]. وقرأ الجمهور {يوحي} بصيغة المضارع المبني للفاعل واسم الجلالة فاعل. وقرأه ابن كثير {يوحَى} بالبناء للمفعول على أن {إليك} نائب فاعل، فيكون اسم الجلالة مرفوعاً على الابتداء بجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنّه لما قال: يوحى إليك، قيل: ومن يُوحيه، فقيل: الله العزيز الحكيم، أي يوحيه الله على طريقة قول ضِرار بن نَهشل أو الحارث بن نهيك: شعر : ليُبْك يزيدُ ضارعٌ لخُصومة ومختَبِط ممّا تُطيح الطوائح تفسير : إذ كانت رواية البيت بالبناء للنائب.

د. أسعد حومد

تفسير : (3) - يُوحِي إِلَيكَ اللهُ تَعَالَى، العَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ، القَاهِرُ فوْقَ عِبَادِهِ، الحَكِيمُ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، بِمِثْلِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَإِلَى الإِيْمَانِ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ واليَوْمِ الآخَرِ، وَإِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا أَوْحَى اللهُ إِلَى مَنْ قَبْلكَ مِنَ الرُّسُلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكاف في {كَذَلِكَ} حرف معنى يفيد التشبيه و {ذَلِكَ} إشارة إلى الحروف المقطعة السابقة، يعني بمثل هذه الحروف {يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} [الشورى: 3] فهذه الحروف من وحي الله إلى نبيه محمد، وما يأتي بعدها أيضاً من وحي الله. والوحي: هو إعلام بخفاء من المتكلم للسامع، فلو جاءك ضيف وتريد أن تخبر خادمك بأمر دون أنْ يُحسَّ به الضيف، فإنك تنظر إلى الخادم أو تهمس إليه بطريقة ما يفهم منها ما تريد، فكأنك أوحيتَ إليه بهذا الأمر. والوحي يقتضي: مُوحِياً، ومُوحَىً إليه، ومُوحَىً به، وقد أخبرنا الحق سبحانه أنه يوحي لمن يشاء من مخلوقاته، يوحي إلى الملائكة: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} تفسير : [الأنفال: 12]. ويوحي للرسل: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ..} تفسير : [النساء: 163]. ويوحي إلى الصالحين من عباده، كما أوحى إلى الحواريين، وكما أوحى إلى أم موسى، وأوحى للنمل، وأوحى إلى الأرض وهي جماد: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5]. كذلك أخبرنا الحق سبحانه أن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعضهم، ومثلهم شياطين الإنس، قال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ..} تفسير : [الأنعام: 121] أي: من الإنس وقال: {أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112] والوصف العام لكلمة الوحي أنه بخفاء، هذا في المعنى العام لكلمة الوحي، وهو يكون بالخير ويكون بالشر. أما الوحي الشرعي المقصود هنا فالذي يكون من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة الملَك جبريل عليه السلام، قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الشورى: 51]. إذن: الوحي الشرعي: إعلام من الله لمن اختاره من الرسل بإحدى هذه الوسائل: أن يرسل إليه مَلَكاً أو عن طريق الإلهام، وسبق أنْ أوضحنا أن وارد الرحمن لا يصطدم بوارد الشيطان، لأن وارد الرحمن أقوى لا ينازعه شيء. ففي قصة أم موسى، قال تعالى {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 7] الوحي هنا بمعنى ألهمها، أو نفث في روعها، أو مرَّر بخاطرها {أية : أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} تفسير : هذا أمر العقل لا يقبله، لكنه لما كان من الله لم يعارضه اختيار آخر وأذعنتْ له أم موسى ونفَّذته على الفور. لذلك لما أراد الحق سبحانه أنْ يعلِّم صحابة رسول الله أمور دينهم أنزل إليهم جبريل في صورة رجل، وأخذ يسأل رسول الله عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان وكان يسأل ويصدق؛ لذلك تعجب منه الصحابة: كيف يسأل ويصدق، ولما انتهى الدرس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه جبريل جاء يعلمكم أمور دينكم ". تفسير : وتبين هذه الآية: {كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الشورى: 3] أن الموحي هو الله عز وجل ولم تقل مثلاً ربك، فاختارت لفظ الألوهية لماذا؟ الله هو المعبود بحقٍّ، والمعبود يعني له منهج وله تكاليف فيها أوامر وفيها نواه، فعطاء الألوهية كما قلنا عطاء تكليف، أما عطاء الربوبية فتربيةً ورعاية ومنح دون مقابل. فالحق سبحانه وتعالى في العطائيْن لا يعود عليه من العباد شيء ولا ينتفع منهم بشيء، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وما جعل التكليف والمنهج إلا لإسعاد العباد وسلامة المجتمع. كأن الله يقول لنا: أريدكم سعداء في مجتمع نظيف طاهر يقوم على المحبة والسلام، ويخلو من الغل والحسد والنفاق، مجتمع يقول وينبه على الفضيلة ويخلو من الرذيلة، ذلكم لأنكم عبادي وصنعتي، وكل صانع يريد لصنعته الصلاح، ويربأ بها عن الفساد. لذلك قلنا: إن الرجل العاقل لا يحقد على مَنْ هو أعلى منه في ناحية من النواحي ولا يحسده، وإذا اصطدم بظالم لا يدعو عليه إنما يدعو له، وإذا رأى فساداً أصلحه، وإذا رأى غير المسلمين تمنى لو كانوا مسلمين، لماذا؟ لأنه سيسعد بإصلاح هؤلاء، وسيجني ثمار صلاحهم واستقامتهم، وسيعود عليه خيرهم. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الشورى: 3] إشارة إلى أن الموحي بهذا الوحي والمنزِل لهذا الكتاب ولهذا المنهج (الله) أي: صاحب التكاليف والآمر بها. الله: عَلَم على واجب الوجود، بعضهم قال: هو مشتق من أله من العبادة، ومألوه يعني معبود، وبعضهم قال: الله عَلَم على الذات، لا تجد فيه إلا صفة العَلَمية على واجب الوجود، وهذا العلم موصوف بكل صفات الكمال، فهو القوي العزيز الجبار المتكبر الرحيم الحكيم الغفور الوهاب القهار. هذه من أسماء الحق سبحانه وهي صفات كمال لاسم الله، لذلك قال تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110]. الحق سبحانه يُعلِّمنا كيف ندعوه في شتى أمورنا، فمَنْ أراد العلم يدعو العليم، ومَنْ أراد القوة يقول يا قوي قوِّني، ومَنْ أراد الحكمة يقول: يا حكيم ألهمني الحكمة، ومَنْ أراد سعة الرزق قال: يا باسط ابْسُطْ لي الرزق، فإذا أراد كلّ هذه الصفات قال: يا الله. فهو الاسم الجامع لكل صفات الكمال. وهو سبحانه في تكاليفه لكم {ٱلْعَزِيزُ} يعني: غالب لا يغلب، وله صفات العزة والجبروت والغنى والاستغناء عن الخلق. ثم هو سبحانه {ٱلْحَكِيمُ} يعني: حين كلّف كلّف بقدر وبحكمة ذلك لأن القرآن به تكاليف قد يراها البعض شاقة، لكن إذا أخذنا هذه التكاليف بمصاحبة ثمرتها والثواب عليها نجدها سهلة يسيرة لأنها تُدِر عليك نفعاً تهون أمامه كل المشاق. ألاَ تراك تتعب في الدنيا ثم تجني من الثمار على قدر تعبك، ألاَ ترى أن نفاسة النتيجة على مقدار الكَدِّ؟ أنت في الدنيا مثلاً تزرع الفجل تجده فجلاً، وتستطيع أنْ تأكل منه بعد عدة أيام، وتزرع مثلاً الخيار وتأكل منه بعد أربعين يوماً والأرز مثلا بعد عدة شهور، وتزرع المانجو فلا تعطيك إلا بعد عدة سنوات. إذن: إذا كلَّفك الله بشيء فيه مشقة، فاعلم أن الثمرة على قدرها، واعلم أن الذي أوحى إلى النبي بهذا التكليف عزيز حكيم، فإنْ كان شاقاً في نظرك فمُكلِّفك به غنيٌّ عنك وعن طاعتك لا يستفيد منه بشيء بل أنت المستفيد، وهو حكيم يعني كلَّفك بما يؤدي إلى سلامة حركتك في المجتمع. وهذه العزة لله تعالى فهمها إبليس حين قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] يعني: بغناك عنهم، وترك الاختيار لهم {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] وإلا فالذي تريده وتستخلصه لك لا أستطيع أنْ أقترب منه: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40]. إذن: المعركة ليست بين الحق سبحانه وبين إبليس، إنما بينه وبين بني آدم، وهي معركة ممتدة منذ مسألة الأمر بالسجود لآدم وإلى قيام الساعة، وقد ظهر غباء إبليس في الحوار الذي دار بينه وبين الحق سبحانه، ثم بينه وبين سيدنا آدم، ففي قوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] كشف عن خططه وطريق إغوائه لبني آدم، وأنه سيأتيهم في أماكن الطاعات ليفسدها عليهم. لكن الحق سبحانه وتعالى علَّمنا كيفية التعامل مع هذا العدو، وعلَّمنا كيف نرده، فقال تعالى: {أية : وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 200] يعني الجأ إلى الله، وذَكِّره بالله لأنه خنَّاس إذا ذكر الله خنس، وهذه وصفة إياك أن تغفل عنها. وظهر أيضاً غباؤه وتغفيله في قوله لآدم وحواء وهما في الجنة: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] فلو كان يعلم أنها شجرة الخلد لأكل منها من باب أوْلى، ولم يسأل الله أنْ يُنظره إلى يوم يبعثون، وهذه غفل عنها آدم أيضاً، وقد قال الله في حقه: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]؛ ولذا لا نعتب على من نَسِي؛ فإن المُوَصَّيْن بنو سَهْوان.