٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [الزخرف: 9] بين أنهم مع إقرارهم بذلك، جعلوا له من عباده جزءاً والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: {جُزْء } بضم الزاي والهمزة في كل القرآن وهما لغتان، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاي بلا همزة. المسألة الثانية: في المراد من قوله {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } قولان: الأول: وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولداً، وتقرير الكلام أن ولد الرجل جزء منه، قال عليه السلام: « حديث : فاطمة بضعة مني » تفسير : ولأن المعقول من الوالد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثل ذلك الأصل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه، فقوله {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا } معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به، والمعنى أنهم أثبتوا له جزءاً، وذلك الجزء هو عبد من عباده. واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءاً، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل جزء من أجزائه في بعض عباده وذلك هو الولد، فكذا قوله {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } معناه وأثبتوا له جزءاً، وذلك الجزء هو عبد من عباده، والحاصل أنهم أثبتوا لله ولداً، وذكروا في تقرير هذا القول وجوهاً أُخر، فقالوا الجزء هو الأنثى في لغة العرب، واحتجوا في إثبات هذه اللغة ببيتين فالأول قوله: شعر : إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزىء الحرة المذكاة أحياناً تفسير : وقوله: شعر : زوجتها من بنات الأوس مجزئة للعوسج اللدن في أبياتها غزل تفسير : وزعم الزجاج والأزهري وصاحب «الكشاف»: أن هذه اللغة فاسدة، وأن هذه الأبيات مصنوعة والقول الثاني: في تفسير الآية أن المراد من قوله {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } إثبات الشركاء لله، وذلك لأنهم لما أثبتوا الشركاء لله تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس لله، بل بعضها لله، وبعضها لغير الله، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له منهم بعضاً وجزءاً منهم، قالوا والذي يدل على أن هذا القول أولى من الأول، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله، وحملنا الآية التي بعدها إلى إنكار الولد لله، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين. ثم قال تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ }. واعلم أنه تعالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه، وذلك لأنه تعالى بيّن أن إثبات الولد لله محال، وبتقدير أن يثبت الولد فجعله بنتاً أيضاً محال، أما بيان أن إثبات الولد لله محال، فلأن الولد لا بد وأن يكون جزءاً من الوالد، وما كان له جزء كان مركباً، وكل مركب ممكن، وأيضاً ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، وما كان كذلك فهو عبد محدث، فلا يكون إلهاً قديماً أزلياً. وأما المقام الثاني: وهو أن بتقدير ثبوت الولد فإنه يمتنع كونه بنتاً، وذلك لأن الابن أفضل من البنت، فلو قلنا إنه اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال الله، وذلك مدفوع في بديهة العقل، يقال أصفيت فلاناً بكذا، أي آثرته به إيثاراً حصل له على سبيل الصفاء من غير أن يكون له فيه مشارك، وهو كقوله { أية : أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ } تفسير : [الإسراء: 40] ثم بيّن نقصان البنات من وجوه الأول: قوله {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ } والمعنى أن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى! وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: شعر : ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ماشينا وإنما نأخذ ما أعطينا تفسير : وقوله {ظِلّ } أي صار، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة، قال صاحب «الكشاف»: قرىء مسود مسواد، والتقدير وهو مسود، فتقع هذه الجملة موقع الخبر والثاني: قوله {أَو مَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ينشؤ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على ما لم يسم فاعله، أي يربى، والباقون ينشأ، بضم الياء وسكون النون وفتح الشين، قال صاحب «الكشاف»: وقرىء يناشأ، قال ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء، المغالاة بمعنى الإغلاء. المسألة الثانية: المراد من قوله {أَو مَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ } التنبيه على نقصانها، وهو أن الذي يربى في الحلية يكون ناقص الذات، لأنه لولا نقصان في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية، ثم بيّن نقصان حالها بطريق آخر، وهو قوله {وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } يعني أنها إذا احتاجت المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين، وذلك لضعف لسانها وقلة عقلها وبلادة طبعها، ويقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بما كان حجة عليها، فهذه الوجوه دالة على كمال نقصها، فكيف يجوز إضافتهن بالولدية إليه!. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن التحلي مباح للنساء، وأنه حرام للرجال، لأنه تعالى جعل ذلك من المعايب وموجبات النقصان، وإقدام الرجل عليه يكون إلقاء لنفسه في الذل وذلك حرام، لقوله عليه السلام: « حديث : ليس للمؤمن أن يذل نفسه » تفسير : وإنما زينة الرجل الصبر على طاعة الله، والتزين بزينة التقوى، قال الشافعي: شعر : تدرعت يوماً للقنوع حصينة أصون بها عرضي وأجعلها ذخرا ولم أحذر الدهر الخئون وإنما قصاراه أن يرمي بي الموت والفقرا فأعددت للموت الإله وعفوه وأعددت للفقر التجلد والصبرا تفسير : ثم قال تعالى: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بقوله: {جَعَلُواْ }، أي حكموا به، ثم قال: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعني أنهم لم يشهدوا خلقهم، وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بالدلائل العقلية، وأما الدلائل النقلية فكلها مفرعة على إثبات النبوّة، وهؤلاء الكفار منكرون للنبوة، فلا سبيل لهم إلى إثبات هذا المطلوب بالدلائل النقلية، فثبت أنهم ذكروا هذه الدعوى من غير أن عرفوه لا بضرورة ولا بدليل، ثم إنه تعالى هددهم فقال: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـئَلُونَ } وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد يوجب الذم العظيم والعقاب الشديد. قال أهل التحقيق: هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه أولها: إثبات الولد لله تعالى وثانيها: أن ذلك الولد بنت وثالثها: الحكم على الملائكة بالأنوثة. المسألة الثانية: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: (عند الرحمٰن) بالنون، وهو اختيار أبي حاتم واحتج عليه بوجوه الأول: أنه يوافق قوله { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [الأعراف: 206] وقوله { أية : وَمَنْ عِندَهُ } تفسير : [الأنبياء: 19] والثاني: أن كل الخلق عباده فلا مدح لهم فيه والثالث: أن التقدير أن الملائكة يكونون عند الرحمٰن، لا عند هؤلاء الكفار، فكيف عرفوا كونهم إناثاً؟ وأما الباقون فقرأوا عباد جمع عبد وقيل جمع عابد، كقائم وقيام، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وهي قراءة ابن عباس، واختيار أبي عبيد، قال لأنه تعالى رد عليهم قولهم: إنهم بنات الله، وأخبر أنهم عبيد، ويؤيد هذه القراءة قوله { أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26]. المسألة الثالثة: قرأ نافع وحده: {آأشهدوا} بهمزة ومدة بعدها خفيفة لينة وضمة، أي (أ) أحضروا خلقهم، وعن نافع غير ممدود على ما لم يسم فاعله، والباقون: أشهدوا، بفتح الألف، من (أ) شهدوا، أي أحضروا. المسألة الرابعة: احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية، فقال أما قراءة (عند) بالنون، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل والقرب من الله تعالى بسبب الطاعة، ولفظة {هُمْ } توجب الحصر، والمعنى أنهم هم الموصوفون بهذه العندية لا غيرهم، فوجب كونهم أفضل من غيرهم رعاية للفظ الدال على الحصر، وأما من قرأ (عباد) جمع العبد، فقد ذكرنا أن لفظ العباد مخصوص في القرآن بالمؤمنين فقوله {هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ } يفيد حصر العبودية فيهم، فإذا كان اللفظ الدال على العبودية دالاً على الفضل والشرف، كان اللفظ الدال على حصر العبودية دالاً على حصر الفضل والمنقبة والشرف فيهم وذلك يوجب كونهم أفضل من غيرهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} أي عِدْلاً؛ عن قتادة. يعني ما عبد من دون الله عز وجل. الزجاج والمبرد: الجزء هاهنا البنات؛ عجّب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله ثم جعلوا له شريكاً أو ولداً، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السموات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به؛ لأن هذا من صفات النقص. قال الماوردي: والجزء عند أهل العربية البنات؛ يقال: قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات؛ قال الشاعر:شعر : إن أجزأتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عجبٌ قد تجزىء الحُرَّةُ المِذكار أحيانا تفسير : الزمخشري: ومن بِدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وٱدّعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدَث متحوّل، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتاً، وبيتاً:شعر : إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب زُوِّجْتُهَا من بنات الأوسِ مُجزِئة تفسير : وإنما قوله: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} متصل بقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به؛ وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءاً فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى «مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً» أن قالوا الملائكة بنات الله؛ فجعلوهم جزءاً له وبعضا، كما يكون الولد بَضْعَة من والده وجزءاً له. وقرىء «جزؤا» بضمتين. {إِنَّ ٱلإنسَانَ} يعني الكافر. {لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} قال الحسن: يعدّ المصائب وينسى النعم. «مُبِينٌ» مظهر الكفر.
البيضاوي
تفسير : {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} متصل بقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف من عباده ولداً فقالوا الملائكة بنات الله، ولعله سماه جزءاً كما سمي بعضاً لأنه بضعة من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته، وقرأ أبو بكر «جزأ» بضمتين. {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} ظاهر الكفران ومن ذلك نسبة الولد إلى الله لأنها من فرط الجهل به والتحقير لشأنه. {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ } معنى الهمزة في {أَمْ} للإِنكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءاًً حتى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخس مما اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم، بحيث إذا بشر أحدهم بها اشتد غمه به كما قال. {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} بالجنس الذي جعله له مثلاً إذ الولد لا بد وأن يماثل الوالد. {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة. {وَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء قلبه من الكرب، وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه، وتعريف البنين بما مر في الذكور، وقرىء «مسود» و «مسواد» على أن في {ظِلّ } ضمير المبشر و «وَجْهُهُ مُسْوَدّ» جملة وقعت خبراً. {أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ} أي أو جعلوا له، أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات. {وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ } في المجادلة. {غَيْرُ مُبِينٍ} مقرر لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي، ويجوز أن يكون من مبتدأ محذوف الخبر أي أو من هذا حالة ولده و {فِى ٱلْخِصَامِ } متعلق بـ {مُّبِينٌ}، وإضافة {غَيْرِ } إليه لا يمنعه لما عرفت. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {يُنَشَّأُ} أي يربي. وقرىء {يُنَشَّأُ} و «يناشأ» بمعناه ونظير ذلك أعلاه وعلاه وعالاه بمعنى. {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله تعالى أنقصهم رأياً وأخسهم صنفاً. وقرىء عبيد وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب «عند» على تمثيل زلفاهم. وقرىء «أنثاً» وهو جمع الجمع. {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثاً، فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم به. وقرأ نافع «أَشْهَدُواْ» بهمزة الاستفهام وهمزة مضمومة بين بين، و «آأشهدوا» بمدة بينهما. {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ} التي شهدوا بها على الملائكة. {وَيُسْـئَلُونَ} أي عنها يوم القيامة، وهو وعيد شديد. وقرىء «سيكتب» و «سنكتب» بالياء والنون. و «شهاداتهم» وهي أن الله جزء أو أن له بنات وهن الملائكة ويساءلون من المساءلة. {وَقَالُواْ لَوْ شَاءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} أي لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها، وذلك باطل لأن المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأموراً كان أو منهياً حسناً كان أو غيره، ولذلك جهلهم فقال: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يتمحلون تمحلاً باطلاً، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى أصل الدعوى كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل فقال: {أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ} من قبل القرآن أو ادعائهم ينطق على صحة ما قالوه. {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} بذلك الكتاب متمسكون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما افتروه وكذبوه؛ في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم، وبعضها لله تعالى؛ كما ذكر الله عز وجل عنهم في سورة الأنعام في قوله تبارك وتعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 136] وكذلك جعلوا له في قسمي البنات والبنين أخسهما وأردأهما، وهو البنات؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } تفسير : [النجم: 21-22] وقال جل وعلا ههنا: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} ثم قال جل وعلا: { أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ} وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار، فقال جلت عظمته: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات، يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول تبارك وتعالى: فكيف تأنفون من ذلك، وتنسبونه إلى الله عز وجل؟ ثم قال سبحانه وتعالى: { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي: المرأة ناقصة، يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت، فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عيية. أومن يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم؟ فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي، وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص؛ كما قال بعض شعراء العرب:شعر : وما الحَلْيُ إلا زينةٌ من نَقيصةٍ يُتَمِّمُ من حُسْن إذا الحُسْنَ قَصَّرا وأَمَّا إذا كانَ الجَمالُ مُوَفَّراً كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إلى أن يُزَوَّرا تفسير : وأما نقص معناها، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب، وقد بشر ببنت: ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة. وقوله تبارك وتعالى: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}؟ أي: شاهدوه وقد خلقهم الله إناثاً؟ {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ} أي: بذلك {وَيُسْـئَلُونَ} عن ذلك يوم القيامة، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} أي: لو أراد الله، لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك، وهو يقرنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: (أحدها) جعلهم لله تعالى ولداً، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً. (الثاني) دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً. (الثالث) عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل، بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء. (الرابع) احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدراً، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلاً كبيراً، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار؛ فإنه منذ بعث الرسل، وأنزل الكتب، يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [النحل: 76] وقال عز وجل: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45]؟ وقال جل وعلا في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي: يكذبون ويتقولون. وقال مجاهد في قوله تعالى:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يعني: ما يعلمون قدرة الله تبارك وتعالى على ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } حيث قالوا الملائكة بنات الله لأن الولد جزء من الوالد، والملائكة من عباد الله تعالى {إِنَّ ٱلإنسَٰنَ } القائل ذلك {لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } بيِّن ظاهر الكفر.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: عدلاً أي مثلاً، قاله قتادة. الثاني: من الملائكة ولداً، قاله مجاهد. الثالث: نصيباً، قاله قطرب. الرابع: أنه البنات، والجزء عند أهل العربية البنات. يقال قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات. قال الشاعر: شعر : إن أجزأت مرة قوماً فلا عجب قد تجزىء الحرة المذكارُ أحيانا تفسير : {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} قال الحسن: يعد المصائب وينسى النعم. قوله عز وجل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً} أي بما جعل للرحمن البنات ولنفسه البنين. {ظَلَّ وَجْههُه مُسْوَداً} يحتمل وجهين: أحدهما: ببطلان مثله الذي ضربه. الثاني: بما بشر به من الأنثى. {وَهُوَ كَظِيمٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حزين، قاله قتادة. الثاني: مكروب، قاله عكرمة. الثالث: ساكت، حكاه ابن أبي حاتم. وذلك لفساد مثله وبطلان حجته. قوله عز وجل: {أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي الْحِلْيَةِ} النشوء التربية، والحلية الزينة. وفي المراد بها ثلاثة أوجه: أحدها: الجواري، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: البنات. قاله ابن قتيبة. الثالث: الأَصنام، قاله ابن زيد. وفي {الْخِصَامِ} وجهان: أحدهما: في الحجة. الثاني: في الجدل. {غَيْرُ مُبِينٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عني قلة البلاغة، قاله السدي. الثاني: ضعف الحجة، قال قتادة: ما حاجت امرأة إلا أوشكت أن تتكلم بغير حجتها. الثالث: السكوت عن الجواب، قاله الضحاك وابن زيد ومن زعم أنها الأصنام. قوله عز وجل: {وَجَعَلُواْ الْمَلآئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً} في قوله {عِبَادُ الرَّحْمَنِ} وجهان: أحدهما: أنه سماهم عباده على وجه التكريم كما قال {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الِّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً}. الثاني: أنه جمع عابد. وفي قوله: {إِنَاثاً} وجهان: أحدهما: أي بنات الرحمن. الثاني: ناقصون نقص البنات. {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: مشاهدتم وقت خلقهم. الثاني: مشاهدتهم بعد خلقهم حتى علموا أنهم إناث. {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} أي ستكتب شهادتهم إن شهدوا ويسألون عنها إذا بعثوا.
ابن عطية
تفسير : الضمير في: {جعلوا} لكفار قريش والعرب، والضمير في: {له} لله تعالى: والجزء: القطع من الشيء، وهو بعض الكل، فكأنهم جعلوا جزءاً من عباده نصيباً له وحظاً، وذلك في قول كثير من المتأولين قول العرب: الملائكة بنات الله، وقال بعض أهل اللغة الجزء: الإناث، يقال أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : إن أجزأتْ حرة يوماً فلا عجب قد تجزئ المرأة المذكار أحيانا تفسير : وقد قيل في هذا البيت إنه بيت موضوع. وقال قتادة: المراد بالجزء: الأصنام وفرعون وغيره ممن عبد من دون الله، أي جزءاً نداً، فعلى هذا التأويل فتعقيب الكفرة في فصلين في أمر الأصنام وفي أمر الملائكة، وعلى هذا التأويل الأول فالآية كلها في أمر الملائكة. وقوله تعالى: {إن الإنسان لكفور} أي بلفظ الجنس العام، والمراد بعض الإنسان، وهو هؤلاء الجاعلون ومن أشبههم. و: {مبين} في هذا الموضع غير متعد. وقوله تعالى: {أم اتخذ} إضراب وتقرير، وهذه حجة بالغة عليهم. إذ المحمود من الأولاد والمحبوب قد خوله الله بني آدم، فكيف يتخذ هو لنفسه النصيب الأدنى. {وأصفاكم} معناه: خصكم وجعل ذلك صفوة لكم، ثم قامت الحجة عليهم في هذا المعنى وبانت بقوله تعالى: {وإذا بشر} الآية. و؛ {مسوداً} خبر: {ظل}. والكظيم: الممتلئ غيظاً الذي قد رد غيظه إلى جوفه، فهو يتجرعه ويروم رده، وهذا محسوس عند الغيظ، ثم زاد توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: {أو من ينشأ}. و: {من} في موضع نصب بفعل يدل عليه: {جعلوا} كأنه قال: أو من ينشأ في الحلية وهو الذي خصصتم به الله ونحو هذا، والمراد به: {من} النساء، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، و: {ينشأ} معناه: ينبت ويكبر. وقرأ جمهور القراء: "يَنشأ" بفتح الياء. وقرأ ابن عباس وقتادة: "يُنشىء" بضم الياء على تعدية الفعل بالهمزة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: "يُنشأ" بضم الياء وفتح الشين على تعدية الفعل بالتضعيف، وهي قراءة ابن عباس أيضاً والحسن ومجاهد، وفي مصحف ابن مسعود: "أومن لا ينشأ إلا في الحلية". و: {الحلية} الحلي من الذهب والفضة والأحجار. و: {الخصام} المحاجة ومجاذبة المحاورة، وقل ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود: "وهو في الكلام غير مبين". و: {مبين} في هذه الآية متعد، والتقدير {غير مبين} غرضاً أو منزعاً ونحو هذا. وقال ابن زيد: المراد بـ: {من ينشأ في الحلية} الآية: الأصنام والأوثان، لأنهم كانوا يتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة، وكانوا يجعلون الحلي على كثير منها. ولما فرغ تعنيفهم على ما أتوا في جهة الله تعالى بقولهم: الملائكة بنات الله، بين تعالى فساداً في مقالتهم بعينها من جهة أخرى من الفساد، وذلك شنيع قولهم في عباد الله مختصين مقربين أنهم إناث. وقرأ أكثر السبعة وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وعلقمة: "عباد الرحمن إناثاً". وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عند الرحمن إناثاً" وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة وقربها في التكرمة كما قيل: ملك مقرب، وقد يتصرف المعنيان في كتاب الله تعالى في وصف الملائكة في غير هذه الآية فقال تعالى: {أية : بل عباد مكرمون} تفسير : [الأنبياء: 26]، وقال تعالى في أخرى: {أية : فالذين عند ربك} تفسير : [فصلت: 38]، وفي مصحف ابن مسعود: "وجعلوا الملائكة عبد الرحمن إناثاً". وقرأ نافع وحده "أَأُشهدوا" بالهمزتين وبلا مد بينهما، وبفتح الأولى وضم الثانية وتسهيلها بين الهمزة والواو، ورواها المفضل عن عاصم بتحقيق الهمزتين. وقرأ المسيبي عن نافع بمد بين الهمزتين. وقرأ أبو عمرو ونافع أيضاً وعلي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد: "أ. شهدوا" بتسهيل الثانية بلا مد. وقرأ جماعة من القراء بالتسهيل في الثانية ومدة بينهما. وقرأ آخرون: "أشهدوا" بهمزة واحدة بغير استفهام، وهي قراءة الزهري، وهي صفة الإناث، أي مشهداً خلقهم. ومعنى الآية: التوبيخ وإظهار فساد عقولهم، وادعائهم وأنها مجردة من الحجة، وهذا نظير الآية الرادة على المنجمين وأهل البضائع، وهي قوله تعالى: {أية : ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} تفسير : [الكهف: 51] الآية. وقرأ جمهور الناس: "ستُكتب شهادتُهم" برفع الشهادة وبناء الفعل للمفعول. وقرأ الأعرج وابن عباس وأبو جعفر وأبو حيوة. "سنكتب" بنون الجمع "شهادتَهم" بالنصب وقرأت فرقة: "سيكتب" بالياء على معنى: سيكتب الله "شهادتَهم" بالنصب. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ستُكتب شهاداتُهم" على بناء الفعل للمفعول وجمع الشهادات. وفي قوله تعالى: {ويسألون} وعيد مفصح. و: {أشهدوا} في هذه الآية معناه: أحضروا وليس ذلك من شهادة تحمل المعاني التي تطلب أن تؤدى.
ابن عبد السلام
تفسير : {جُزْءاً} عدلاً، أو نصيباً، أو من الملائكة ولداً، أو البنات، الجزء: البنات أجزأت المرأة إذا ولدت البنات.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} أيْ: جَعَلَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ والعربِ للَّه جزءاً، أي: نصيباً وحَظًّا، وهو قولُ العَرَبِ: «الملائكة بنات اللَّه»؛ هذا قول كثير من المتأولين، وقال قتادة: المراد بالجُزْء: الأَصنَامُ وغيرها فـ{جُزْءاً} معناه: نِدًّا. * ت *: وباقي الآية يُرَجِّحُ تأويلَ الأكثرِ. وقوله: {أَمِ ٱتَّخَذَ}: إضرابٌ وتقريرٌ وتوبيخٌ؛ إذِ المحمود المحبوبُ من الأولاد قد خَوَّلَهُ اللَّه بني آدم، فكيفَ يتَّخِذُ هو لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا ذُكِرَ في «سورة النحل» وغيرها. ثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ} التقدير: أو مَنْ يُنَشَّأُ في الْحِلْيَةِ هو الذي خَصَصْتُم به اللَّه عز وجل، والحِلْيَةُ: الْحَليُ من الذهب والفضة والأحجار، و{يُنَشَّأُ} معناه: ينبت وَيَكْبُر، و{ٱلْخِصَامِ}: المحاجَّةُ ومجاذبة المحاورة، وقَلَّ ما تجد امرأة إلاَّ تُفْسِدُ الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود: «وَهُوَ في الكَلاَمِ غَيْرُ مُبِينٍ» والتقدير: غير مُبِينٍ غَرَضاً أو منزعاً ونحو هذا، وقال ابن زيد: المراد بـ{مَنْ يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ}: الأصنامُ والأوثان، لأنَّهم كانوا يجعلون الحَلْيَ علَىٰ كثيراً منها، ويتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة، وقرأ أكثر السبعة: «وجَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمٰنِ إناثاً» وقرأ الحَرَمِيَّانِ وابنُ عَامِرٍ: «عِنْدَ الرَّحْمٰنِ إناثاً» وهذه القراءة أَدَلُّ على رفع المنزلة. وقوله تعالى: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} معناه أَأُحْضِرُوا خَلْقَهُمْ، وفي قوله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـئَلُونَ} وعيدٌ مُفْصِحٌ، وأسند ابن المبارك عن سليمان بن راشِدٍ؛ أنه بلغه أَنَّ ٱمْرَأً لا يشهدُ شهادةً في الدنيا إلاَّ شَهِدَ بها يومَ القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبداً في الدنيا إلاَّ امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته»: وهذا صحيح؛ يَدُلُّ على صِحَّتِهِ قوله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـئَلُونَ} وقوله: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }تفسير : [ق:18] انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: "جُزْءاً" قرأ عاصم ـ في رواية أبِي بَكْرٍ ـ جزءاً ـ بضم الجيم والزَّاي، في كل القرآن، والباقون بإسكان الزاي في كُلِّ القرآن. وهما لغتان. وأما حمزة فإذا وقف قال: جُزَا ـ بفتح الزاي بلا همزٍ. و "جزءاً" مفعول أول للجعل والجعل تَصْيِيرٌ قولي. ويجوز أن يكون بمعنى سَمَّوْا واعْتَقَدُوا. وأغربُ ما قيل هنا: أن الجزء الأنثى، وأنشدوا: شعر : 4396ـ إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومْاً فَلاَ عَجَبٌ قَدْ تُجْزِىءُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا تفسير : وقال الآخر: شعر : 4397ـ زَوَّجْتُهُ مِنْ بَنَاتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً لِلْعَوْسجِ اللَّدْنِ في أَبْيَاتِهَا زَجَلُ تفسير : قال الزمخشري: أثر الصنعة فيهما ظاهر. وقال الزَّجَّاجُ والأَزْهَرِيُّ: هذه اللغة فاسدة، وهذه الآبيات مصنوعة. فصل المشهور أن المراد من هذا الجعل أنهم أثبتوا لله وَلَداً بمعنى حكموا به، كما تقول: جَعَلْتُ زيداً أفضلَ الناس أي وصَفْتُهُ وحكمت به، وذلك قولهم: المَلاَئكةُ بناتُ الله؛ لأن ولد الرجل جزء منه، قال ـ عليه الصلاة والسلام -: "حديث : فَاطِمَةُ بضْعَةٌ منِّي ". تفسير : والمعقول من الولد أن ينفصل من الوالد جزء من أجزائه ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثلك ذلك الأصل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه. وقيل: المراد بالجزء إثبات الشركاء لله، وذلك أنهم لما أثبتوا الشركاء فقد زعموا أن كل العباد ليست لله، بل بعضها لله، وبعضها لغير الله، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له من بعضهم جزءاً منهم. قالوا: وهذا القول أولى، لأنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله وحملنا الآية التي بعدها على إنكار الولد لله كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين، ثم قال: "إنَّ الإنْسَانَ لَكَفُور" يعني الكافر لكفور جحود لنعم الله "مُبين" ظاهر الكفر. قوله: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} هذا استفهام توبيخ وإنكار، يقول اتخذ رَبُّكُمْ لِنَفْسِهِ البَنَاتِ و "أصْفَاكُمْ" أخلَصكم بالبَنين يقال: أصْفَيْتُ فُلاَناً أي آثَرْتُهُ به إيثَاراً حصل له على سبيل الصفاء من غير أن يكون فيه مشارك، كقوله: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ}تفسير : [الإسراء:40] فقوله: "وأصْفَاكُمْ" يجوز أن يكون داخلاً في حيز الإنكار معطوفاً على "اتَّخَذَ"، ويجوز أن يكون حالاً، أي أَمِ اتَّخَذَ في هذه الحالة. و "قد" مقدرة عن الجُمْهُورِ. فصل واعلم أن الله تعالى رَتَّبَ هذه المناظر على أحسن الوجوه، وذلك لأنه بين أن إثبات الولد لله محال، وبتقدير أن ثبت الولد فجعله بنْتاً محالٌ أيضاً. أما بيان أن إثباتَ الولد لله محال؛ فلأن الوَلَدَ لا بدّ وأن يكون جُزْءاً من الوَالِدِ، ولَمَّا كان له جزء كان مركباً، وكل مركب ممكن وأيضاً ما كان كذلك، فإنه يقبل الاتِّصالَ والانْفِصَالَ والاجْتَمَاعَ والافْتِرَاقَ وما كان كذلك فهو مُحْدَث عبد، فلا يكون إلهاً قديماً أزليًّا. وأما المقام الثاني وهو أن يكون لله ولد فإنه يمتنع أن يكون بنتاً، لأن الابن أفضلُ من البنت فلو اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنينَ لعباده لزم أن يكون حال العبد أفضل وأكمل من حال الله، وذلك مدفوع ببديهة العقل. قوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم} تقدم نظيره. قال الزمخشري: "وقرىء هنا: وَجْهُهُ مُسْوَدٌّ ومُسْوَادٌّ بالرفع على أنها جملة في موضع خبر "ظل"، واسم "ظل" ضمير الشأن". فصل والمعنى بما ضرب للرحمن مثلاً، أي جعل لله شبهاً؛ لأنَّ وَلَد كُلّ شيء يُشْبِهُهُ، {ظَلَّ وَجْهُهُ} أي صار وجهه {مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} من الحزن والغيظ. والمعنى أن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته؟ روي أن بعض العرب هجر بيته حين وضعت امرأته بِنْتاً فقالت المرأة: شعر : 4398ـ مَـا لأَبِي حَمْـزَةَ لاَ يَـأتِينَـا يَظَـلُّ فِــي الْـبَيـتِ الَّـذِي يَلِينَـا غَضْبَــانَ أَن لا نَلِـــدَ البَنِينَـا لَيْـسَ لَنَـا مِـنْ القَضَـاءِ مَـا شِينَـا وَإِنَّمَـــا نَأخُــــذُ مَــا أُعْطِينَــا تفسير : قوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ...} يجوز في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أن تكون في محل نصب مفعولاً بفعل مقدر، أي: أَوَ تَجْعَلُونَ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ. والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف، تقديره أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ جزءٌ أو وَلَدٌ، إذ جعلوا الله جُزْءاً. وقال البغوي: يجوز أن يكون في محل خفض ردًّا على قوله: مما يخلق، وقوله: "بِمَا ضَرَبَ". وقرأ العامة يَنْشَأُ ـ بفتح الياء وسكون النون ـ من نشأ في كذا يَنْشأُ فِيهِ. والأَخَوَانِ وَحَفْصٌ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين مبنياً للمفعول أي يُرَبَّى وقرأ الجَحْدَرِيُّ كذلك، إلا أنه خفف الشين أخذه من أَنْشَأَهُ. والحسن: يُنَاشَأُ كيقاتل، مبنياً للمفعول. والمفاعلة تأتي بمعنى الإفعال، كالمُعَالاَةِ بمعنى الإعْلاَءِ. فصل المراد من هذا الكلام التنبيه على نُقْصَانِهَا والمعنى: أن الذي يتربى في الحِلية والزينة يكون ناقصَ الذات؛ لأنه لولا نُقْصَانُها في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحِلْية، ثم بين نُقْصَانَ حالها بطريق آخرٍ وهو قوله: {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الجملة حال. و "في الخِصَامِ" يجوز أن يتعلق بمحذوف يدل عليه من بعده تقديره وهو لا يُبينُ في الخِصَام أي الحجة ويجوز أن يتعلق "بمُبِينٍ" وجاز للمضاف إليه أن يَعْمَلَ فيما قبل المضاف، لأنَّ غَيْر بمعنى "لا" كما تقدم تحقيقه آخر الفاتحة. فصل المعنى وهو في المخاصمة غير مبين الحجة من ضعفهن وسَقَمَهِنّ. قال قتادة في هذه الآية: كل ما تتكلم امرأة، فتريد أن تتكلم بحُجَّتِها إلا تكلمت بالحُجَّةِ عليها. قوله: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} جعلوا أي حكموا به. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: "عِنْدَ الرَّحْمَن" ظرفاً ويؤيده قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ}تفسير : [الأعراف:206] والباقون "عباد" جمع عَبْد والرسم يحتملهما. وقرأ الأعمش كذلك، إلا أنه نصب "عباد" على إضمار فِعْل، أي الذين هم خُلِقُوا عِبَاداً ونحوه وقرأ عبد الله وكذلك هي في مصحفه الملائكة عبادَ الرحمن وأبي عبد الرحمن بالإفراد، وإناثاً هو المفعول الثاني للجَعْلِ بمعنى الاعتقاد أو التصيير القولي. وقرأ زَيْدُ بْنُ عِليّ: أُنُثاً جمعُ الجَمْعِ. قوله: "أَشَهِدُوا" قرأ نافع بهمزة مفتوحة، ثم بأخرى مضمومة مُسَهَّلةٍ بينها وبين الواو وسكون الشين على ما لم يسمّ فاعله أي أحَضَرُوا خَلْقَهُمْ حين خلقوا، كقوله: {أية : أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ}تفسير : [الصافات:150]. وهذا استفهام على سبيل الإنكار. وقرأ قالون ذلك بالمد يعني بإدخَال ألِفٍ بين الهمزتين، والقصر يعني بعدم الألف. والباقون بفتح الشين بعد همزة واحدة. فنافع أدخل همزة للتوبيخ على "أَشَهِدُوا" فعلاً رباعياً مَبْنيًّا للمفعول فسهّل همزته الثانية وأدخل ألفاً بينهما كراهة لاجتماعهما، وتارة لم يدخلها اكتفاء بتسهيل الثانية وهي أَوْجَهُ. والباقون أدخلوا همزة الإنكار على "شَهِدُوا" ثلاثياً. ولم ينقل أبو حيان عن نافع تسهيلَ الثانية. بل نقله عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ. وقرأ الزهري أُشْهِدُوا رباعياً مبنياً للمفعول وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون حذف الهمزة لدلالة القراءة الأخرى عليها، كما تقدم في قراءة أَعْجَميٌّ. والثاني: أن تكون الجملة خبرية، وقعت صفة لإناثاً، أي أجَعَلُوهُمْ إنَاثاً مَشْهُوداً خَلْقَهُمْ كذلك. قوله: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} قرأ العام ستُكْتَب بالتاء من فوق مبنياً للمفعول "شهادتهم" بالرفع لقيامه مقام الفاعل. وقرأ الحسن: شَهَادَاتُهُمْ بالجَمْع، والزُّهْريُّ: سَيَكْتُبُ بالياء من تحت وهو في الباقي كالعامة. وابن عباس وزيدُ بْنُ عليّ وأبو جعفر وأبو حَيْوَةَ سَنَكْتُبُ ـ بنون العظمة ـ شَهَادَتَهُمْ بالنصب مفعولاً به. فصل المعنى سنكتب شهادتهم على الملائكة أنهم بنات الله ويسألون عنها. قال الكلبي ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما يُدْرِيكُمْ أنهم إناث؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لَمْ يُكَذِّبُوا فقال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} عنها في الآخرة وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم، والعقاب الشديد. قال المحققون: هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه: أولها: إثبات الولد. ثانيها: أن ذلك الولد بنت. وثالثها: الحكم على هؤلاء الملائكة بالأنوثة. فصل احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه القراءات، أما قراءة "عِنْدَ" بالنون، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل والقرب من الله تعالى بسبب الطاعة ولفظة "هُمْ" يوجب الحصر والمعنى أنهم هم الموصوفون بهذه العندية لا غيرهم، فوجب كونهم أفضل من غيرهم، رعاية للفظ الدال على الحَصْرِ. وأما قراءة عِبَاد جمع "العَبْد" فقد تقدم أن لفظ العباد في القرآن مخصوصٌ بالمؤمنين، فقوله "عِبَاد الرَّحْمَنِ" يفيد حَصْرَ العُبُودِيَّة فيهم، فَإذَا كَانَ اللَّفظُ الدّالُ على العُبُوديَّة دالاً على حصر الفضل والقرب والشرف لهم وجب كونهم أفضل؛ والله أعلم. قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ...} الآية يعنى الملائكة قاله قتادة ومقاتل والكلبي. وقال مجاهد: يعني الأوثان. وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياهم، لرضاه منا بعبادتها وهذا نوع آخر من كفرهم وشبهاتهم. فصل قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على فساد القول بالجبر في أن كفر الكافر يقع بإرادة الله من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: لو شاء الرحمن ما عَبَدْنَاهُمْ وهذا تصريح بقول المجبرة. ثم إنه تعالى أبطله بقولهم: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} فثبت بطلان هذا المذهب ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا}تفسير : [الأنعام:148] إلى قوله: {أية : قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ}تفسير : [الأنعام:148]. الثاني: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم، فأولها: قوله (تعالى): {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} وثانيها: قوله: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} وثالثها: قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}. فلما حكى هذه الأقاويل بعضها على إثر بعض وثبت أن القولين الأولين كفر محض، فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفراً وأجاب الواحدي في البسيط بوجهين: الأول: ما ذكره الزجاج وهو أن قوله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} عائد إلى قولهم: الملائكةُ بناتُ الله. والثاني: أنهم أرادوا بقولهم: لَوْ شَاءَ الرحمن ما عبدناهم أنه أمرنا بذلك ورضي بذلك فقررنا عليه فأنكر عليهم ذلك. قال ابن الخطيب: وهذان الوجهان عندي ضعيفان، أما الأول، فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بُطْلاَنهما، ثم حكى بعده وجهاً ثالثاً في مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين، ثم حكى البطلان، والوعيد، فصرف هذا الإبطال الذي ذكره عنه إلى كلام متقدم وأجنبي عنه في غاية البعد. وأما الوجه الثاني: فهو أيضاً ضعيف؛ لأن قوله: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} ليس فيه بيان متعلق خلاف تلك المشيئة والإجمال خلاف الدليل، فوجب أن يكون التقدير: لو شاء الله أن نعبدَهم ما عبدناهم. وكلمة "لو" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة لعدم عبادتهم، وهذا غير مذهب المجبرة. والإبطال والإفساد يرجع إلى فساد هذا المعنى. ومن الناس من أجاب عن هذا الاستدلال بأن قال: إنهم لما ذكروا ذلك الكلام على سبيل الاستهزاء والسخرية، فلهذا السبب استوجبوا الظن والذم. وأجاب الزمخشري عنه من وجهين: الأول: أنه ليس في اللفظ ما يدل على أنهم قالوه مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه باطل. الثاني: أنه تعالى حكى فيهم ثلاثة أشياء وهي أنهم جعلوا له من عباده جزءاً، وأنهم جعلوا الملائكة إناثاً، وأنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم قالوه على طريق الهُزْء لا على سبيل الجدّ وجب أن يكون الحال في الحِكَاية للقولين كذلك فيلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين ومعلوم أنه كفر. وأما القول بأن الظن في القولين الأولين إنما يوجد على بعض ذلك القول وبعض القول الثالث لا على نفسه، بل على إيراده على سبيل الاستهزاء فهذا يوجب تشويش النظم، وأنهم لا يجوز في كلام الله تعالى. قال ابن الخطيب: والجواب الحق عندي عن هذا الحكم هو ما ذكرنا في سورة الأنعام وهو أن القوم لما ذكروا هذا الكلام، استدلوا بمشيئة الله تعالى للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان، فاعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما مُتَطَابِقيْنِ وعندنا أن هذا باطل فالقوم لم يستحقوا الذم لمجرد قولهم: إن الله يريد الكفر من الكافر، بل لأجل أنهم قالوا: لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان، فإذا صرفنا الذمَّ إلى هذا المقام سقط استدلال المعتزلة بهذه الآية. وتمام التقرير موجود في سورة الأنعام. قوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} فيما يقولون {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} ما هم إلا كاذبون في قولهم: إن الله رَضِيَ عَنَّا بعبادتنا. وقيل: إنْ هُمْ إلا يخرصون في قولهم: الملائكة إناث وهم بنات الله. قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن، أو الرسول بأن يعبد غير الله {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} يعني أن القول الباطل الذي حكاه الله عنهم عرفوا صحته بالعقل أو بالنقل؟ أما إثباته بالعقل فهو أيضاً باطل، لقوله تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} والمعنى أنهم وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن، حتى جاز لهم أن يتمسكوا به؟ فذكر هذا في مَعْرِض الإنكار. قوله: {بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} والمقصود أنه تعالى لما بين أنه لا دليل على صحة قولهم ألبتة لا من العقل ولا من النقل، بين أنه ليس لهم حاملٌ يحمِلُهُم عليه إلا التقليد المحض. ثم بين أن تمسك الجهال بالتقليد أمر كان حاصلاً من قديم الزمان فقال: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}، قوله: أمه العامة على ضم الهمزة بمعنى الطريقة والدين قال قَيْسُ بن الخَطيم: شعر : 4399ـ كُنَّــا عَلَـى أُمَّـةِ آبَائِنَــا وَيَقْتَـدِي بـالأَوَّلِ الآخــرُ تفسير : أي على طريقتهم، وقال آخر: شعر : 4400ـ هـل يَسْتَــوِي ذُو أمَّــةٍ وَكَفُـــور تفسير : أي ذو دين. وقرأ مجاهدٌ وقتادةُ وعمرُ بنُ العَزِيزِ بالكسر. قال الجوهري: (هي الطريقة الحسنة لغة في أُمَّةٍ بالضم قال الزمخشري): كلتاهما من الأَمِّ وهو القصد، والأُمَّة الطريقة التي تؤم كالرحلة للمرحول إليه، والإمّة الحالة (التي) يكون عليها الآمّ وهو القاصد. وقرأ ابن عباس بالفتح وهي المرة من الأم، والمراد بها القصد والحال. فصل المراد بالمترفين الأغنياء والرؤساء. والمُتْرَفُ هو الذي آثر النعمة، فلا يحب إلا الشهوات والملاهي ويبغض المشاق في طلب الحق. وإذا عرف ذلك علمنا أن رأس جميع الآفات حب الدنيا واللذات الجسمانية ورأس جميع الخيرات هو حب الله تعالى، والدار الآخرة، ولهذا قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَة ".
ابو السعود
تفسير : {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} متصلٌ بقولِه تعالى ولئِن سألتَهُم. الخ أيْ وقد جعلُوا له سبحانَهُ بألسنتِهم واعتقادِهم بعد ذكلَ الاعترافِ من عبادِه ولداً وإنَّما عبَّر عنهُ بالجُزءِ لمزيدِ استحالتهِ في حقِّ الواحدِ الحقِّ من جميعِ الجهاتِ. وقُرِىءَ جُزُؤا بضمَّتينِ. {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} ظاهرُ الكُفرانِ مبالغٌ فيهِ ولذلكَ يقولونَ ما يقولونَ، سبحانَ الله عمَّا يصفونَ. {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} أَمْ منقطعةٌ وما فيها من مَعْنى بَلْ للانتقالِ من بـيانِ بطلانِ جَعْلِهم لهُ تعالى ولداً على الإطلاقِ إلى بـيانِ بُطلانِ جعلِهم ذلكَ الولدَ من أخسَّ صنفيهِ. والهمزةُ للإنكارِ والتوبـيخِ والتعجيبِ من شأنِهم. وقولُه تعالى {وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ} إما عطفٌ على اتخذَ داخلٌ في حُكْمِ الإنكارِ والتعجيبِ أو حالٌ من فاعلِه بإضمارِ قَدْ أو بدونِه على الخلافِ المشهورِ. والالتفاتُ إلى خطابِهم لتأكيدِ الإلزامِ وتشديدِ التوبـيخِ أي بلْ اتخذَ من خلقِه أخسَّ الصنفينِ واختارَ لكم أفضلَهُما: على مَعْنى هَبُوا أنكم اجترأتُم على إضافةِ اتخاذِ جنسِ الولدِ إليه سُبحانَهُ مع ظهورِ استحالتِه وامتناعِه أما كانَ لكم شيءٌ من العقلِ ونُبذٌ من الحياءِ حتى اجترأتُم على التفوهِ بالعظيمةِ الخارقةِ للعقولِ من ادعاءِ أنَّه تعالى آثركُم على نفسِه بخيرِ الصنفينِ وأعلاهُما وتركَ له شرَّهُما وأدناهُما. وتنكيرُ بناتِ وتعريفُ البنينَ لتربـيةِ ما اعتُبرَ فيهما من الحقارةِ والفخامةِ. {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} الخ استئنافٌ مقررٌ لما قبلَهُ، وقيلَ حالٌ على مَعنْى أنَّهم نسبُوا إليه ما ذُكِرَ ومن حالِهم أنَّ أحدَهُم إذَا بُشِّرَ بهِ اغتمَّ. والالتفاتُ للإيذانِ باقتضاءِ ذكرِ قبائِحهم أنْ يُعرضَ عنهم وتُحكَى لغيرِهم تعجيباً منها أيْ إذَا أخبرَ أحدُهم بولادةِ ما جعلَه مثلاً له سُبحانَه إذِ الولدُ لا بُدَّ أنْ يجانسَ الوالدَ ويماثلَهُ {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} أي صارَ أسودَ في الغايةِ من سوءِ ما بُشِّرَ به {وَهُوَ كَظِيمٌ} مملوءٌ من الكربِ والكآبةِ. والجملةُ حالٌ وقُرِىءَ مُسودُّ ومُسوادٌّ، على أنَّ في ظَلَّ ضميرُ المبشِّرِ، ووجهُهُ مسودٌّ جملةٌ وقعتْ خبراً لهُ. {أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ} تكريرٌ للإنكارِ، وتثنية للتوبـيخِ. ومَنْ منصوبةٌ بمضمرِ معطوفٍ على جعلُوا أي أو جعلُوا مَنْ شأنُهُ أنْ يُربَّى في الزينةِ وهُو عاجزٌ عنْ أنْ يتولَّى أمره بنفسهِ، فالهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه، وقد جُوِّزَ انتصابُها بمضمرٍ معطوفٍ على اتخذَ فالهمزةُ حينئذٍ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه، وإقحامُها بـين المعطوفينِ لتذكيرِ ما في أمِ المنقطعةِ من الإنكارِ وتأكيدهِ. والعطفُ للتغايرِ العُنوانِي أيْ أوَ اتخذَ من هذهِ الصفةِ الذميمةِ صفتَهُ {وَهُوَ} مع ما ذُكِرَ من القصورِ {فِى ٱلْخِصَامِ} أي الجدالِ الذي لا يكادُ يخلُو عنه الإنسانُ في العادةِ {غَيْرُ مُبِينٍ} غيرُ قادرٍ على تقريرِ دعواهُ وإقامةِ حُجَّتِه لنقصانِ عقلِه وضعفِ رأيه. وإضافةُ غيرُ لا تمنعُ عملَ ما بعدَهُ في الجارِّ المتقدمِ لأنَّه بمعْنى النَّفي. وقُرِىءَ ينُشأُ، ويُنَاشَأُ من الإفعالِ والمفاعلةِ والكلُّ بمَعْنى واحدٍ، ونظيرُه غَلاهُ وأغلاهُ وغالاهُ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا}[15] أي في عبادته جزءاً ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أحدكم يصلي وليس له من صلاته إلا ثلثها أو ربعها ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الآية: 15]. قال ابن عطاء: لم يصحح التفويض والتسليم من كل وجه. قال سهل: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أحدكم يصلى وليس له من صلاته إلاَّ ثلثها وربعها..." تفسير : الحديث.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}. هم الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ فجعلوا البناتِ لله جزءاً على التخصيص من جملة مخلوقاته.. تَعَسَاً لهم في قولهم ذلك وخِزْياً!! فردَّ عليهم ذلك قائلاً: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ}. قال لهم على جهة التوبيخ، وعابهم بما قالوا؛ إذ - على حدِّ قولهم - كيف يُؤْثِرُهم بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟ ففي قولهم ضلالٌ؛ إذ حكموا للقديم بالوَلَد. وفيه جهلٌ؛ إذ حكموا له بالبنات ولهم بالبنين - وهم يستنكفون من البنات.. ثم.. أي عيب في البنات؟ ثم.. كيف يحكمون بأن الملائكة إناثٌ - وهم لم يشاهدوا خِلْقَتَهم؟ كلُّ ذلك كان منهم خطأ محظوراً.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلوا له من عباده جزءا} الجاعلون هم قبائل من العرب قالوا ان الله صاهر الجن فولدت له الملائكة وقال بعضهم هو رد على بنى مليح حيث قالوا الملائكة بنات الله ومليح بالحاء المهملة كزبير حى من خزاعة والجعل هنا بمعنى الحكم بالشئ والاعتقاد به جعلت زيدا افضل الناس اى حكمت به ووصفته والمراد بالعباد الملائكة وهو حال من جزأ قال فى القاموس الجزء البعض واجزأت الام ولدت الاناث وجعلوا له من عباده جزا اى اناثا انتهى ولذا قال الزجاج والمبرد والمارودى الجزء عند اهل العربية البنات يقال اجزأت المرأة اذا ولدت البنات ولذا قال الراغب جزء الشئ ما تتفوم به جملته وجعلوا له من عباد. جزأ قيل ذلك عبارة عن الاناث من قولهم اجزأت المرأة اتت بأنثى وقال جار الله ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالاناث وادعاء ان الجزء فى لغة العرب اسم للاناث وما هو الا كذب على العرب ووضع مستحدث ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه اجزأت المرأة ثم صنعوا بيتا وقالوا ان شعر : اجزأت حمدة يوما فلا عجب زوجتها من بنات الاوس مجزنة تفسير : انتهى. يقول الفقير لم يكن الجزء فى الاصل بمعنى الاناث وانما ذكره اهل اللغة اخذا من الآية لانه فيها بمعنى الولد المفسر بالاناث فذكره فى اللغات لا ينافى حدوثه وانما عبر عن الولد بالجزء لانه بعض ابيه وجزء منه كما قال عليه السلام "حديث : ان فاطمة منى" تفسير : اى قطعة منى وقال "حديث : فاطمة بضعة منى" تفسير : والبضعة بالفتح القطعة من اللحم واثبات الولد له تعالى مستلزم للتركيب المستلزم للامكان المنافى للوجوب لذاتى فالله تعالى يستحيل ان يكون له ولد وهو جزء من والده لانه واحد وحدة حقيقية ومعنى الآية واعتقد المشركون وحكموا واثبتوا له تعالى ولدا حال كون ذلك الولد من الملائكة الذين هم عباده فقالوا الملائكة بنات الله بعد اعترافهم بألسنتهم واعتقادهم ان خالق السموات هو الله فكيف يكون له ولد والولادة من صفات الاجسام وهو خالق الاجسام كلها ففيه تعجيب من جهلهم وتنبيه على قلة عقولهم حيث وصفوه بصفات المخلوقين واشارة الى ان الولد لا يكون عبد أبيه والملائكة عباد الله فكيف تكون البنات عبادا وقيل الجزء ههنا بمعنى النصيب كما فى قوله تعالى {أية : لكل باب منهم جزء مقسوم} تفسير : اى نصيب ومعنى الآية قوله {أية : جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا} تفسير : وذلك انهم جعلوا البنات لله والبنين لانفسهم كما يجيئ {ان الانسان لكفور مبين} ظاهر الكفر مبالغ فيه او مظهر لكفره ولذلك يقولون ما يقولون سبحانه عما يصفون. بى زن وفرزندشدذات احد از ازل فردوصمد شدنا ابد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وجعلوا} أي: المشركين {له من عباده جُزْءاً} حيث قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له، وبعضاً منه، كما يكون الولد لوالده جزءاً. وهذا متصل بقوله {ولئن سألتهم...} الخ، أي: ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض لَيَعترفن به، وقد جعلوا له سبحانه بألسنتهم، واعتقادهم مع ذلك الاعتراف، من عباده جُزءاً، وعبَّر بالجزء لمزيد استحالته في حق الواحد الأحد، من جميع الجهات. وقرأ أبو بكر وحماد بضمتين. {إنَّ الإِنسانَ لكفور مبين}؛ لَجَحود للنعمة، ظاهر الكفران، مبالغ فيه؛ لأن نسبة الولد إليه أشنع الكفر. والكفر أصل الكفران كله. ثم ردّ عليهم بقوله: {أمِ اتخذَ مما يخلُق بناتٍ وأصْفَاكم بالبنينَ}، الهمزة للإنكار، تجهيلاً وتعجيباً من شأنهم، حيث ادَعوا أنه اختار لنفسه أخس الأشياء، ولهم الأعلى، أي: بل اتخذ لنفسه أخس الصنفين، واختار لكم أفضلهما؟ على معنى: هَبُوا أنكم اجترأتم إضافة جنس الولد إليه سبحانه، مع استحالته وامتناعه، أمَا كان لكم شيء من العقل، ونبذة من الحياء، حتى اجترأتم على التفوُّه بهذه العظيمة، الخارقة للمعقول، من ادعاء أنه تعالى آثركم على نفسه بخير الصنفين وأعلاهما، وترك له شرهما وأدناهما؟ وتنكير "بنات"، وتعريف "البنين" لما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة. وجملة: {وأصفاكم}: إما عطف على {اتخذ}، داخل في حكم التعجيب والإنكار، أو: حال من فاعله، بإضمار قد، أو: بدونه، على الخلاف. والالتفات إلى الخطاب لتأكيد الإجرام وتشديد التوبيخ. ثم قرّره بقوله: {وإِذا بُشِّر أحدُهُم بما ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً} أي: وإذا أُخبر أحدُهم بولاده ما جُعل مثلاً له سبحانه، وهي الأنثى، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله، وجزءاً منه؛ إذ الولد لا بد أن يُجانس الوالِد ويشابهه. {ظَلَّ وجهُهُ مُسوداً وهو كظيمٌ} يعني: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومِن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: قد وُلدت لك بنت، اغتمّ، واربدّ وجهه غيظاً وتأسُّفاً، وهو مملوءٌ من الكرب. والظلول: بمعنى الصيرورة، أي: صار أسود في الغاية من سوء ما بُشر به. {أوَ مَن ينشأ في الحِلْيةِ وهو في الخصام غير مُبينٍ} أي: أو يَجْعَلُ للرحمن من الولد مَن هذه الصفة المذمومة صفته، وهو أنه ينشأ في الحلية، أي: يتربّى في الزينة والتخنُّث، وإذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم، ومجاراة الرجال، كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان؛ لضعف عقولهن. قال مقاتل: لا تتكلم المرأة إلا وتأتي بالحجة عليها - أي: في الغالب - وفيه: أنه جعل النشأة في الزينة من المعايب. فعلى الرجل أن يجتنبَ ذلك، له ولأولاده، ويتزين بلباس التقوى. و"مَنْ" منصوب المحل، أي: أوَ جعلوا مَن يربى في الحلية - يعني البنات - لله عزّ وجل. وقرأ الأخَوان وحفص؛ "يُنشَّأُ" أي: يُربّى. {وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إِناثاً} أي: اعتقدوا الملائكة وسموهم إناثاً. وهو بيان لتضمُّن كفرهم كفراً آخر، وتقريع لهم بذلك؛ وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله - عزّ وجل - أنقصهم رأياً. والعندية عندية منزلة ومكانة، لا مكان. ومَن قرأ "عبِاد" فجمع "عبد"، وهو ألزم في الاحتجاج مع أهل العناد لتضاد العبودية والولادة. {أَشَهِدوا خلقَهم} أي: أَحضروا خلقهم، فشاهدوا الله حين خلقهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتهم، فإنّ ذلك لا يُعلم إلا بالمشاهدة، وهو تجهيل لهم، وتهكُّم بهم. وقرأ نافع بهمزتين، أي: أاحضروا خلقهم. {ستُكتبُ شهادتُهم} التي شهدوا بها على الملائكة من أنهم إناث، في ديوان أعمالهم. {ويسألونَ} عنها يوم القيامة، وقرئ: شهاداتهم وهي قولهم: إن لله جزءاً من خلقه، وإن لله بنات، وأنها الملائكة. الإشارة: وجعلوا له من عباده جزءاً، أشركوا في المحبة معه غيره، والمطلوب: إفراد المحبة للمحبوب، فلا يُجب معه شيئاً. إن الإنسان لكفور مبين، حيث علم أن الحبيب الذي أنعم عليه واحد، وأنه غيور، لا يرضى لعبده أن يُحب معه غيره. قال القشيري: جعلوا الملائكة جزءاً على التخصيص من جملة مخلوقاته. هـ. أي: جعلوا له جزءاً من عين الفرق، ولو نظرا بعين الجمع لرأوا الأشياء كلها متدفقة من بحر الجبروت. وفي الآية تحذير من كراهية البنات، حيث جعله من نعت أهل الكفر. ثم أبطل شبهتهم، فقال: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} اى ولداً فانّه جزء من الوالد بحسب مادّته يعنى بعد ما اقرّوا بخالقيّته للسّماوات والارضين جعلوا له من مخلوقاته ولداً {إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ} بنعمة الحقّ وصفاته فيجرى على لسانه ما لا يليق بمنعمه غفلةً عن المنعم وصفاته {مُّبِينٌ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} يعنى ينبغى التّعجّب من حالهم حيث لم يقنعوا بان جعلوا له من عباده جزءً وجعلوا اخسّ الاولاد له.
الهواري
تفسير : قوله: {وَجَعَلُوا لَهُ} يعني المشركين {مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} يعني الملائكة جعلوهم بنات لله. قال: {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}. قال: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} على الاستفهام {وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} أي: لم يفعل ذلك. قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً} أي: بالأنثى، لقولهم إن الملائكة بنات الله، وكانوا يقولون: إن الله صاحب بنات، فألحقوا البنات به، فيقتلون بناتهم {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} أي: مغبرّاً {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: قد كظم على الغيظ والحزن، أي: رضوا لله ما كرهو لأنفسهم. قال: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} وهذا تبع للكلام الأول: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ}، يقول: أو يتَّخِذَ من ينشأ في الحلية، يعني النساء، بنات، لقولهم: الملائكة بنات الله. قال الله عز وجل: {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي: لا تبين عن نفسها من ضعفها، {وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} أي: لم يفعل. قال الكلبي في قوله: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}، يقول: هؤلاء النساء اتخذهن منكم، جعلتم لله بنات مثلهن. قوله: {وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} كقوله: (أية : وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) تفسير : [الأنبياء:19] يعني الملائكة. وقرأ ابن عباس {الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} كقوله: (أية : سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) تفسير : [الأنبياء:26]. قال: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} أي: إنهم لم يشهدوا خلقهم {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} أي: عنها يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلُواْ} حال من واو ليقولن المحذوفة أي ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليعترفن بالله وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف جزءا وصفوه بصفات الخلق والماضي يقع حالاً مقروناً بالواو ولو جرد من قد وقيل: لا إلا ان قرن بها أو قدرت وعليه تقدر كما رأيت أو يقدر مبتدأه أي (وهم جعلوا) ويصح الاستئناف والجعل الاثبات فهو متعد أو واحد للاعتقاد أو التصيير لاثنين* {لَهُ} أي الله {مِنْ عِبَادِهِ} من خلقه* {جُزْءاً} أي ولداً وهو الملائكة يقولون انهم بناته تعالى واطلاق الجزء على الولد لانه جزء أبيه وزعم بعض الكذابين أن الجزء في لغة العرب يطلق على الأنثى وفسر به الآية وادعى انه يقال أجزأت المرأة بمعنى أتت بجزء وهو الولد وصنع بيتاً هو قوله: شعر : ان أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحياناً تفسير : فلعنه الله ولعن أمثاله وقيل جعلوا له جزءا نصيباً وحظاً وهو الملائكة زعموا انهم بناته وذلك المعنى على القولين قول الأكثرين ويؤيده السياق وقال قتادة: المراد بالجزء الأصنام ونحوها وقرئ (جزء) بضم الزاي كالجيم وعليه أبو بكر وقرأ أبو جعفر بتشديد الزاي* {إِنَّ الإِنسَانَ} القائل ذلك أو حقيقة الانسان مطلقاً {لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} كثير الجحود للنعمة مبالغة واضحة ومن ذلك نسبة الولد اليه لفرط جهله والكفر أصل للكفران كله.
اطفيش
تفسير : {وجَعَلوا لهُ مِن عِباده جزءاً} الجملة متعلقة بقوله تعالى: "أية : ولئن سألتهم" تفسير : [الزخرف: 9] ناقضوا قولهم أنه خلق السماوات والأرض بجعلهم له جزءا، فان من له جزء لا يقدر على الخلق، والجزء الملائكة، قالوا: الملائكة بنات الله تعالى علوا كبيراً، والولد جزء من أبيه، وزعم بعض أن الجزء بمعنى الأنثى، لأن حواء جزء من آدم، وليس ذلك فى لغة العرب، ولا تفسر به الآية. {إنَّ الإنسان لكفورٌ مُبينٌ} ظاهر الكفر أو مظهره من نفسه، أو منشره للناس ليقتدوا به، والمراد كفر النعمة، هكذا أو مع الاشراك، وأشد الكفر جحود الله، وقد رجع اليه من وصف الله بصفة غيره، كالولادة والتزوج.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} متصل بقوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} تفسير : [الزخرف: 9] إلى آخره فهو حال من فاعل {لَّيَقُولَنَّ} بتقدير قد أو بدونه، والمراد بيان أنهم مناقضون مكابرون حيث اعترفوا بأنه عز وجل خالق السمٰوات والأرض ثم وصفوه سبحانه بصفات المخلوقين وما يناقض كونه تعالى خالقاً لهما فجعلوا له سبحانه جزأً وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وعبر عن الولد بالجزء لأنه بضعة ممن هو ولد له كما قيل: أولادنا أكبادنا، وفيه دلالة على مزيد استحالته على الحق الواحد الذي لا يضاف إليه انقسام حقيقة ولا فرضاً ولا خارجاً ولا ذهناً جل شأنه وعلا، ولتأكيد أمر المناقضة لم يكتف بقوله تعالى: {جُزْء} وقيل {مِنْ عِبَادِهِ} لأنه يلزمهم على موجب اعترافهم أن يكون ما فيهما مخلوقه تعالى وعبده سبحانه إذ هو حادث بعدهما محتاج إليهما ضرورة. وقيل: الجزء اسم للإناث يقال: أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى، وأنشد قول الشاعر:شعر : إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزىء الحرة المذكار أحياناً تفسير : وقوله:شعر : زُوِّجْتُها من بنات الأوس مجزئة للعوسج اللدن في أبياتها زجل تفسير : وجعل ذلك الزمخشري من بدع التفاسير وذكر أن ادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث كذب عليهم ووضع مستحدث منحول وأن البيتين مصنوعان، وقال الزجاج: في البيت الأول لا أدري قديم أم مصنوع. ووجه بعضهم ذلك بأن حواء خلقت من جزء آدم عليه السلام فاستعير لكل الإناث. وقرأ أبو بكر عن عاصم {جزأ} بضمتين. ثم للكلام وإن سيق للفرض المذكور يفهم منه كفرهم لتجسيم الخالق تعالى والاستخفاف به جل وعلا حيث جعلوا له سبحانه أخس النوعين بل إثبات ذلك يستدعي الإمكان / المؤذن بحدوثه تعالى فلا يكون إلهاً ولا بارئاً ولا خالقاً تعالى عما يقولون وسبحانه عما يصفون، وليس الكلام مساقاً لتعديد الكفران كما قيل. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} لا يقتضيه فإن المراد المبالغة في كفران النعمة وهي في إنكار الصانع أشد من المبالغة في كفرهم به كما أشير إليه. و {مُّبِينٌ} من أبان اللازم أي ظاهر الكفران، وجوز أن يكون من المتعدي أي مظهر كفرانه.
ابن عاشور
تفسير : هذا متصل بقوله: { أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض } تفسير : [الزخرف: 9] أي ولئن سألتهم عن خالق الأشياء ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف جُزْءاً. فالواو للعطف على جملة {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض}. ويجوز كونها للحال على معنى: وقد جعلوا له من عباده جزءاً، ومعنى الحال تفيد تعجيباً منهم في تناقض آرائهم وأقوالهم وقلبهم الحقائقَ، وهي غبارة في الرأي تعرض للمقلدين في العقائد الضالّة لأنهم يلفقون عقائدهم من مختلف آراء الدُعاة فيجتمع للمقلد من آراء المختلفين في النظر ما لو اطلع كل واحد من المقتَدَيْنَ بهم على رأي غيره منهم لأبطله أو رجع عن الرأي المضادّ له. فالمشركون مقرّون بأن الله خالق الأشياء كلّها ومع ذلك جعلوا له شركاء في الإلَهية، وكيف يستقيم أن يكون المخلوق إلـٰهاً، وجعلوا لله بنات، والبنوة تقتضي المماثلة في الماهية، وكيف يستقيم أن يكون لخالق الأشياء كلّها بنات فهنّ لا محالة مخلوقات له فإنْ لم يكنّ مخلوقات لزم أن يكنّ موجودات بوجوده فكيف تكنّ بناته. وإلى هذا التناقض الإشارة بقوله: {من عباده} أي من مخلوقاته، أو ليست العبودية الحقة إلاّ عبودية المخلوق جزءاً، أي قطعة. والجزء: بعْض من كُلَ، والقطعة منْه. والوَلَد كجزء من الوالد لأنه منفصل مِنه، ولذلك يقال للولد: بَضْعة. فهم جمعوا بين اعتقاد حدوث الملائكة وهو مقتضى أنها عباد الله وبين اعتقاد إلـٰهيتها وهو مقتضى أنها بنات الله لأن البُنوة تقتضي المشاركة في الماهية. ولما كانت عقيدة المشركين معروفة لهم ومعروفة للمسلمين كان المراد من الجزء: البنات، لقول المشركين: إن الملائكة بناتُ الله من سَرَوَاتِ الجِنّ، أي أمهاتهم سَرَوَات الجنّ، أي شريفات الجنّ فسَرَوَات جمع سريّة. وحكى القرطبي أن المُبرد قال: الجزء ها هنا البنات، يقال: أجزأت المرأة، إذا وَلدت أنثى. وفي «اللّسان» عن الزجاج أنه قال: أنشدت بيتاً في أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيْتَ أقديم أم مصنوع، وهو: شعر : إنْ أجزأتْ حرةٌ يوماً فلا عجب قد تُجزىء الحرّة المِذْكَارُ أحياناً تفسير : وفي «تاج العروس»: أن هذا البيت أنشده ثعلب، وفي «اللّسان» أنشد أبو حنيفة: شعر : زُوِّجْتُها من بناتِ الأوْس مُجْزِئَةً لِلعَوْسَج الرطْبِ في أبياتِها زَجَل تفسير : ونسبهُ الماوردي في تفسيره إلى أهل اللّغة. وجزم صاحب «الكشاف» بأن هذا المعنى كَذب على العرب وأن البيتين مصنوعان. والجعل هنا معناه: الحكم على الشيء بوصفه حكماً لا مستند له فكأنه صنع باليد والصنع باليد يطلق عليه الجعل. وجملة {إن الإنسان لكفورٌ مبين} تذييل يدل على استنكار ما زعموه بأنه كفر شديد. والمراد بــ {الإنسان} هؤلاء النّاس خاصة. والمُبينُ: المُوضِّح كفرَه في أقواله الصريحة في كفر نعمة الله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا}. قال بعض العلماء {جُزْءًا} أي عدلاً ونظيراً، يعني الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله. وقال بعض العلماء: {جُزْءًا} أي ولداً. وقال بعض العلماء: {جُزْءًا} يعني البنات. وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن الجزء النصيب، واستشهد على ذلك بآية الأنعام. أعني قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} تفسير : [الأنعام: 136] الآية. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن قول ابن كثير هذا رحمه الله غير صواب في الآية. لأن المجعول لله في آية الأنعام، هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام، والمجعول له في آية الزخرف هذه، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث والأنعام. وبين الأمرين فرق واضح كما ترى. وأن قول قتادة ومن وافقه: إن المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو الشريك غير صواب أيضاً. لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب. أما كون المراد بالجزء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإناث، فهذا هو التحقيق في الآية. وإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين: أحدهما: ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مراداً به البنات، ويقولون: أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وامرأة مجزئة أي تلد البنات، قالوا ومنه قول الشاعر: شعر : إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحياناً تفسير : وقول الآخر: شعر : زوجتها من بنات الأوس مجزئة للعوسج اللدن في أبياتها زجل تفسير : وأنكر الزمخشري هذه اللغة قائلاً إنها كذب وافتراء على العرب. قال في الكشاف في الكلام على هذه الآية الكريمة: ومن بدع التفاسير، تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث منحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتاً وبيتاً: شعر : *إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب* تفسير : زوجتها من بنات الأوس مجزئة ا هـ. منه بلفظه. وقال ابن منظور في اللسان: وفي التنزيل العزيز: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15]. قال أبو إسحاق يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات الله تعالى وتقدس عما افتروا، قال: وقد أنشدت بيتاً يدل على أن معنى جزءاً معنى الإناث قال: ولا أدري البيت هو قديم أم مصنوع؟ شعر : *إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب* تفسير : والمعنى في قوله: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] أي جعلوا نصيب الله من الولد الإناث، قال ولم أجده في شعر قديم ولا رواه عن العرب الثقات، وأجزأت المرأة ولدت الإناث، وأنشد أبو حنيفة: شعر : *زوجتها من بنات الأوس مجزئة* تفسير : انتهى الغرض من كلام صاحب اللسان. وظاهر كلامه هذا الذي نقله عن الزجاج أن قولهم: أجزأت المرأة إذا ولدت الإناث معروف، ولذا ذكره وذكر البيت الذي أنشده له أبو حنيفة كالمسلم له. والوجه الثاني: وهو التحقيق إن شاء الله أن المراد بالجزء في الآية الولد، وأنه أطلق عليه اسم الجزء، لأن الفرع كأنه جزء من أصله والولد كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى. وأما كون المراد بالولد المعبر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث فقرينة السياق دالة عليه دلالة واضحة، لأن جعل الجزء المذكور لله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله إنكاراً شديداً وقرع مرتكبه تقريعاً شديداً في قوله تعالى بعده {أية : أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} تفسير : [الزخرف: 16-17] إلى قوله: {أية : وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} تفسير : [الزخرف: 18]. وقرأ هذا الحرف شعبة عن عاصم {جُزْءًا} بضم الزاي وباقي السبعة بإسكانها وحمزة عند الوقف يسقط الهمزة، بنقل حركتها إلى الزاي مع حذف التنوين للوقف.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وجعلوا له من عباده جزءاً: أي وجعل أولئك المشركون المقرون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض من عباده جزءاً إذ قالوا الملائكة بنات الله. إن الإِنسان لكفور مبين: أي إن الإنسان المعترف بأن الله خلق السماوات وجعل من عباده جزءاً هذا الإِنسان لكفور مبين أي لكثير الكفر بينه. وأصفاكم بالبنين: أي خصكم بالبنين وأخلصهم لكم. بما ضرب للرحمن مثلا: أي بما جعل للرحمن شبها وهو الولد. ظل وجهه مسودا وهو كظيم: أي أقام طوال نهاره مسود الوجه من الحزن وهو ممتلئ غيظاً. أو من يُنْشَأَ في الحلية: أي أيجترئون على الله ويجعلون له جزءاً هو البنت التي تربي في الزينة. وهو في الخصام غير مبين: أي غير مظهر للحجة لضعفه بالأنوثة. عباد الرحمن إناثاً: أي لأنهم قالوا بنات الله. أشهدوا خلقهم: أي أحضروا خلقهم عندما كان الرحمن يخلقهم. ستكتب شهادتهم: أي سيكتب قولهم إن الملائكة إناثاً. ويسألون: أي يوم القيامة عن شهاداتهم الباطلة ويعاقبون عليها. مالهم بذلك من علم: أي دعواهم أن الله راض عنهم بعبادة الملائكة لا دليل لهم عليه ولا علم. إن هم إلا يخرصون: أي ما هم إلا يكذبون يتوارثون الجهل عن بعضهم بعضا. أم آتيناهم كتابا من قبله: أي أم أنزلنا عليهم كتابا قبل القرآن. فهم به مستمسكون: أي متمسكون بما جاء فيه، والجواب لم يقع ذلك أبداً. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة: أي إنهم لا حجة لهم إلا التقليد الأعمى لآبائهم. وإنا على آثارهم مهتدون: أي على طريقتهم وملتهم ماشون وهي عبادة غير الله من الملائكة وغيرهم من الأصنام والأوثان. إلا قال مترفوها: أي متنعموها. إنا وجدنا آباءنا على أمة: أي ملة ودين. وإنا على آثارهم مقتدون: أي على طريقهم متبعون لهم فيها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد، والمكذبين إلى التصديق فقال تعالى مُنكراً عليهم باطلهم موبخاً لهم على اعتقاده والقول به، فقال {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} أي وجعل أولئك المشركون الجاهلون لله جزءاً أي نصيباً من خلقه حيث قالوا الملائكة بنات الله، وهذا من أكذب الكذب وأكفر الكفر إذ كيف عرفوا أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، وأنهم يستحقون العبادة مع الله فعبدوهم؟ حقاً إن الإنسان لكفور مبين أي كثير الكفر وبينه لا يحتاج فيه إلى دليل وقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} أي أتقولون أيها المشركون المفترون اتخذ الله مما يخلق من المخلوقات بناتٍ، وخصكم بالبنين، بمعنى أنه فضلكم على نفسه بالذكور الذين تحبون ورضي لنفسه بالإِناث اللاتي تبغضون. عجباً منكم هذا الفهم السقيم. وقوله تعالى وإذا بشر أحدكم بما ضرب للرحمن مثلا أي بما جعل لله شبها وهو الولد ظَلَّ وجهه مسودا وهو كظيم، أي إن هؤلاء الذين يجعلون لله البنات كذبا وافتراء، إذا ولد لأحدهم بنت فبشر بها أي أخبر بأن امرأته جاءت ببنت ظل وجهه طوال النهار مسوداً من الكآبة والغم وهو كظيم أي ممتلئ غماً وحزناً. وقوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ينكر تعالى عليهم ويوبخهم على كذبهم وسوء فهمهم فيقول: أيجترئون ويبلغون الغاية في سوء الأدب ويجعلون لله من يربى في الزينة لنقصانه وهو البنات، وهو في الخصام غير مبين لخفة عقله حتى قيل ما أدلت امرأة بحجة إلا كانت عليها لا لها. فقوله {غَيْرُ مُبِينٍ} أي غير مظهر للحجة لضعفه بالخِلقة وهي الأنثى والضمير عائد على من في قوله {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} أي الزينة. وقوله تعالى {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} أي حيث قالوا الملائكة بنات الله وعبدوهم لذلك طلبا لشفاعتهم والانتفاع بعبادتهم. قال تعالى: موبخا لهم مقيما الحجة على كذبهم أشهدوا خلقهم أي أحضروا خلقهم عندما كان الله يخلقهم، والجواب لا، ومن أين لهم ذلك وهم ما زالوا لم يخلقوا بعد ولا آباؤهم بل ولا آدم أصلهم عليه السلام وقوله تعالى {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} هذه وهي قولهم إن الملائكة بنات الله ويسألون عنها ويحاسبون ويعاقبون عليها بأشد أنواع العقاب، لأنها الكذب والافتراء، وعلى؟ إنه على الله، والعياذ بالله وقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}. أي قال أولئك المشركون المفترون لمن أنكر عليهم عبادة الملائكة وغيرها من الأصنام قالوا: لو شاء الرحمن منا عدم عبادتهم ما عبدناهم. قال تعالى في الرد عليهم {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي ليس لهم أي علم برضا الله تعالى بعبادتهم لهم، ما هم في قولهم ذلك إلا يخرصون أي يقولون بالخرص والكذب إذ العلم يأتي من طريق الكتاب أو النبي ولا كتاب عندهم ولا نبي فيهم قال بقولتهم، ولذا قال تعالى منكراً عليهم قولتهم الفاجرة {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ}؟ لا لا، ما آتاهم الله من كتاب ولا جاءهم قبل محمد من نذير إذا فلا حجة لهم إلا التقليد الأعمى للآباء والأجداد الجهال الضلال وهو ما حكاه تعالى عنهم في قوله: {بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} أي ملة {وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} أي ماشون مقتفون آثارهم وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي رسول إلا قال مترفوها اي متنعموها بنضارة العيش وغضارته {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} أي ملة ودين {وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} أي متبعون لهم فيها. فهذه سنة الأمم قبل أمتك يا رسولنا فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق بما يقولون ويعتقدون ويفعلون أيضا. وهو معنى قوله تعالى {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} إلى آخر الآية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير صفة من صفات الإِنسان قبل شفائه بالإِيمان والعبادة وهي الكفر الواضح المبين. 2- وجوب إنكار المنكر ومحاولة تغييره في حدود ما يسمح به الشرع وتتسع له طاقة الإِنسان. 3- بيان حال المشركين العرب في الجاهلية من كراهيتهم البنات خوف العار وذلك لشدة غيرتهم. 4- بيان ضعف المرأة ونقصانها ولذا تكمل بالزينة، وإن النقص فيها فطري في البدن والعقل معاً. 5- بيان أن من قال قولاً وشهد شهادة باطلة سوف يسأل عنها يوم القيامة ويعاقب عليها. 6- حرمة القول على الله بدون علم فلا يحل أن يُنسب إلى الله تعالى شيء لم ينسبه هو تعالى لنفسه. 7- حرمة التقليد للآباء وأهل البلاد والمشايخ فلا يقبل قول إلا بدليل من الشرع.
القطان
تفسير : جزءا: ولداً، إذ قالوا الملائكة بنات الله. مبين: ظاهر واضح. بما ضرب للرحمن مثَلاً: يعني بالبنات. أصفاكم: خصّكم. كظيم: ممتلئ غيظا. يُنشَّأ: يربَّى. بعد ان بيّن الله أنهم يعترفون بالألوهية وأن الله هو خالق هذا الكون - ذكر هنا أنهم متناقضون مكابرون، فهم مع اعترافهم لله بخلْق السماوات والأرض قد جعلوا بعضَ خلقه ولدا ظنوه جزءا منه. وهذا كفرٌ عظيم. ومن عجيب أمرِهم أنهم خصّوه بالبنات، وجعلوا لهم البنين، مع انهم إذا بُشِّر أحدُهم بالأنثى صار وجهه مسودّا من الغيظ، وامتلأ كآبة وحزناً لسوء ما بُشّر به. {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} وقد جعلوا لله الأنثى التي تتربّى في الزينة، واذا خوصِمتْ لا تقْدِر على الجَدل والمخاصمة، واختاروا لأنفسِهم الذكور!! ثم نعى عليهم في جَعْلهم الملائكة إناثا، وزاد في الانكار عليهم بأن مثلَ هذا الحكم لا يكون الا عن مشاهدة، فهل شَهدوا ولادتهم؟ {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} يوم القيامة حيث يُسألون عنها ويجازون بها. ثم حكى عنهم شُبهةً أخرى، وهي انهم قالوا: لو شاء الله ما عبدْنا الملائكة، وردّ عليهم بقوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}. ثم ردّ عليهم بقوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} ويعني: هل اعطيناهم كتاباً قبل القرآن يؤيّد افتراءهم هذا فهم متعلقون به! وعندما فقدوا كل حجة ودليل قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} لقد وجدْنا آباءنا على دينٍ فقلّدناهم، وبذلك ينقطع الجدل بعد عنادهم وعجزهم. ان حال هؤلاء مثلُ الأمم السابقة، فقد قالت {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} وفي هذا تسليةٌ للرسول الكريم ودلالة على ان التقليد في نحو ذلك ضلالٌ قديم. ثم حكى الكتابُ الكريم ما قاله كل رسول لأمته: {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ} اتتبعون آباءكم وتقلّدونهم ولو جئتكم بدينٍ هو خيرٌ من دين آبائكم بما فيه من الهداية والرشاد!. فقالوا مجيبين ومصرّين على كفرهم: {قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. ولم يبق لهم عذرٌ بعد هذا كله ولذلك قال تعالى: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} وفي هذا تسليةٌ كبرى للرسول الكريم، وإرشادٌ له إلى عدم الاكتراث بتكذيب قومه له، ووعيدٌ وتهديد لهم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: أوَمَن يُنَشّأ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين المفتوحة والباقون: أوَمَن يَنْشأ بفتح الياء وسكون النون وفتح الشين من غير تشديد. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن. والباقون: الذي هم عباد الرحمن. وقرأ نافع: أأُشْهدوا خلقهم بفتح الهمزة وبضم الألف واسكان الشين. وقرأ الباقون: أشهِدوا بهمزة واحدة وكسر الشين. وقرأ ابن عامر وحفص: قال أولو جئتكم. وقرأ الباقون: قل أولو جئتكم، بفعل الأمر.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإنسَانَ} (15) - وَجَعَلَ المُشْرِكُونَ للهِ تَعَالَى وَلَداً (جُزْءاً) (عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الوَلَدَ جزْءٌ مِنَ الوَالِدِ)، إِذْ قَالَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ: إِنَّ المَلاَئِكَةَ بَنَاتُ اللهِ، فَخَصُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالذُّكُورِ مِنَ الأَبْنَاءِ وَجَعَلُوا للهِ البَنَاتِ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ البَنَاتِ لأَِنْفُسِهِمْ، فَجَعَلُوا للهِ أَدْنَى النَّصِيبيَنِ. وَالإِنْسَانُ جَحُودٌ بِنِعَمِ اللهِ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الكُفْرَانِ لَهَا، وَجُحُودُهُ بِالنِّعَمِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ فِي ذَلِكَ وَتَدَبَّرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله سبحانه {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ..} [الزخرف: 15] إشارة إلى الذين نسبوا إلى الله تعالى الولد، تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً، ذلك لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاطمة بضعة مني" تفسير : يعني: قطعة مني. ولما نسبوا لله تعالى الولد مرة سمَّوْهُ ابن الله، ومرة قالوا: الله، ومرة قالوا: ثالث ثلاثة. والعجيب أنهم وقعوا في هذا الخطأ مع مَنْ؟ مع النبي الذي أرسله الله إليهم، فجعلوا النبي ذاته وسيلة للشرك. الأمر الثاني: أن الجزء المنفصل عن الأبوين إما ذكر وإما أنثى، ومعلوم أن الذكر عندهم أشرف من الأنثى ومُقدَّم عليها، بدليل قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 58-59]. وهؤلاء لما نسبوا لله تعالى الولد نسبوا له الأنثى، وهي مذمومة عندهم، تعلمون قصة أبي حمزة لما تزوج من امرأة لا تلد ذكراً، فهجرها إلى غيرها، فقالت تُنفِّس عن نفسها: شعر : مَا لأَبِي حَمْزَةَ لاَ يأْتينَا يَظَلُّ فِي البَيْت الذِي يَلِينَا غَضْبَانَ إلاَّ نلِدَ البَنِينَا تَالله مَا ذَلِكَ فِي أَيْدِينَا فنَحنُ كالأرْضِ لغَارسِينَا نُعطِي الذي غَرَسُوه فِينَا تفسير : وهكذا أخبرتْ المرأة العربية قديماً ما أثبته العلم الحديث من أن المرأة غير مسئولة عن الذكورة أو الأنوثة في الولد، فهي مُتلقية وحاضنة فقط، والرجل هو المسئول عن هذه المسألة. والقرآن يقول: {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} تفسير : [النجم: 45-46] والنطفة هي ماء الرجل الذي يُلقح البويضة، ويتحكم في الذكورة والأنوثة. ولأن نسبة الولد إلى الله تعالى أمرٌ عظيم وفادح ذُيِّلَتْ الآية بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} [الزخرف: 15] تأمل دقة التعبير هنا الذي يناسب فداحة الاتهام، فـ {إِنَّ ..} للتوكيد و {لَكَفُورٌ} [الزخرف: 15] صيغة مبالغة من كافر. و {مُّبِينٌ} [الزخرف: 15] يعني: بيِّن وواضح الكفر، فكفره لا يَخْفى على أحد.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الآية: 15]. يعني: ولداً بنات من الملائكة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} [الآية: 18]. يعني: الجواري. يقول: جعلتموهن للرحمان ولدا، فكيف تحكمون؟ عز وجل، عن ذلك. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} [الآية: 17]. يعني: البنات. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الآية: 20]. يعنون: الأَوثان /70 و/ يقول الله، عز وجل: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الآية: 20]. يعني: الأَوثان، إِنهم لا يعلمون. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الآية: 20]. يقول: لم يعلموا قدرة الله، عز وجل على ذلك. أَنا عبد الرحمن قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} [الآية: 23]. أَي على ملة {وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الآية: 23]. أَي نقتدي بفعلهم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فِي عَقِبِهِ} [الآية: 28]. يعني: ولده. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الآية: 31]: عتبة بن ربيعة بمكة، وابن عبد يا ليل الثقفي بالطائف.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} معناه نَصيبٌ. ويقال: عِدلٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من غاية غفلتهم عن الحق وجهلهم بحقوق ألوهيته وربوبيته: {جَعَلُواْ لَهُ} سبحانه واتخذوا {مِنْ عِبَادِهِ} بعضاً، وادعوه {جُزْءًا} له، وولداً ناشئاً منه حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والعزير ابن الله، والمسيح كذلك، وبالجملة: {إِنَّ ٱلإنسَانَ} المجبول على الجهل والنسيان {لَكَفُورٌ} متناهٍ في الغفلة عن الله، والكفران بنعمه وحقوق كرمه {مُّبِينٌ} [الزخرف: 15] ظاهر البغي والطغيان على الله، والإلحاد عن دينه وطريق توحيده. ومن شدة ظهور بغيهم وطغيانهم: أثبتوا له أولاداً {أَمِ ٱتَّخَذَ} أي: بل قالوا: اتخذ وأخذ {مِمَّا يَخْلُقُ} سبحانه؛ أي: من مظاهره ومصنوعاته أخسها وأدونها؛ أعني: {بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم} أي: أخلص أنفسكم {بِٱلْبَنِينَ} [الزخرف: 16]. {وَ} كيف تثبتون لله الواحد الأحد الصمد بنات، وتختارون لأنفسكم بنين مع أنه {إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} من إثبات البنات له {ظَلَّ} صار {وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} من كمال ضجرته وكآبتها {وَهُوَ} حينئذ {كَظِيمٌ} [الزخرف: 17] مملوء من الغيظ والكرب. {أَوَمَن يُنَشَّأُ} أي: أتثبتون للصمد المنزه عن الأهل والولد ولداً ناقصاً يُربى ويزين {فِي ٱلْحِلْيَةِ} والزينة، لعدم كماله الذاتي {وَ} الحال أنه {هُوَ فِي ٱلْخِصَامِ} أي: المجادلة والمحاباة {غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] معرب مظهر؛ لما يدعيه لنقصان عقله وركاكة رأيه وفهمه، وهن البنات الناقصات عقلاً وديناً وخلقة، وبالجملة: أثبوا لله ما ينزهون أنفسه عنه، ويتغممون عند حصوله لهم. {وَ} من نهاية جهلهم وركاكة رأيهم {جَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} المستغرقون الوالهون بمطالعة وجهه الكريم، المستغفرون لعموم عباد الله من سعة رحمته وجوده {إِنَاثاً} ناقصات العقل والدين، منحطات عن زمرة الكاملين مع أنهم - أي: الملائكة - من أعزة عباد الله وأجلهم متمكنون عند كنف قربه وجواده، مسبحون له في عموم الأوقات والحالات {أَشَهِدُواْ} وحضروا أولئك الحمقى {خَلْقَهُمْ} أي: خلق الله إياهم في بدء الأمر؛ إذ الأنوثة والذكورة من جملة الأمور التي لا اطعلا لأحد عليها إلا بالمشاهدة، أم شهدوا رجماً بالغيب، ظلماً وزوراً {سَتُكْتَبُ} في النشأة الأولى {شَهَادَتُهُمْ} التي شهدوا بها على خُلَّص عباد الله، وافتراؤهم على الله الصمد المنزله من الاستيلاد {وَ} بالجملة: {يُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] يوم القيامة عن جميع ما أتوا من المعاصي، سيما عن هذه الشهادة والافتراء، ثم يجازون بمقتضاها. {وَ} بعدما سفَّه المسلمون أهل الشرك وعيروهم باتخاذ الملائكة والأوثان والأصنام، وجميع المعبودات الباطلة آلهة من دونه الله، شركاء له في الألوهية، مع كونهم منحطين عن رتبة الألوهية والربوبية مطلقاً {قَالُواْ} مستدلين على أخذهم واتخاذهم: {لَوْ شَآءَ} وأراد {ٱلرَّحْمَـٰنُ} عدم أخذنا وعبادتنا إياهم {مَا عَبَدْنَاهُمْ} ألبتة، لكن أراد سبحانه عبادتنا فعبدناهم؛ إذ لا يبدل قوله سبحانه ولا يغير حكمه ومشيئته، إنما قالوا ما قالوا تهكماً واستهزاءً، وعلى زعم المؤمنين، لا عن اعتقاد ويقين بمشيئة الله وتقديره، وعدم تغيير مراده سبحانه؛ لذلك جعلهم سبحانه بقوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي: ما صدر عنهم هذا الاستدلال عن علم بمقدماته واعتقاد بنتيجته، بل {إِنْ هُمْ} أي: ما هم في قولهم هذا واستدلالهم {إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] يتمحلون تمحلاً باطلاً، ويتزورون زوراً ظاهراً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين، الذين جعلوا للّه تعالى ولدا، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وإن ذلك باطل من عدة أوجه: منها: أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة. ومنها: أن الولد جزء من والده، واللّه تعالى بائن من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد، فمحال أن يكون للّه تعالى ولد. ومنها: أنهم يزعمون أن الملائكة بنات اللّه، ومن المعلوم أن البنات أدون الصنفين، فكيف يكون لله البنات، ويصطفيهم بالبنين، ويفضلهم بها؟! فإذا يكونون أفضل من اللّه، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا. ومنها: أن الصنف الذي نسبوه للّه، وهو البنات، أدون الصنفين، وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك { إِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا } من كراهته وشدة بغضه، فكيف يجعلون للّه ما يكرهون؟ ومنها: أن الأنثى ناقصة في وصفها، وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } أي: يجمل فيها، لنقص جماله، فيجمل بأمر خارج عنه؟ { وَهُوَ فِي الْخِصَامِ } أي: عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام، { غَيْرُ مُبِينٍ } أي: غير مبين لحجته، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف ينسبونهن للّه تعالى؟ ومنها: أنهم جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الله إِنَاثًا، فتجرأوا على الملائكة، العباد المقربين، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل، إلى مرتبة المشاركة للّه، في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية، فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه وعاند رسله. ومنها: أن اللّه رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق اللّه لملائكته، فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد، أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. وقوله تعالى: { وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة، وهي حجة لم يزل المشركون يطرقونها، وهي حجة باطلة في نفسها، عقلا وشرعا. فكل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر، ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه. وأما شرعا، فإن اللّه تعالى أبطل الاحتجاج به، ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله، فإن اللّه تعالى قد أقام الحجة على العباد، فلم يبق لأحد عليه حجة أصلا ولهذا قال هنا: { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } أي: يتخرصون تخرصا لا دليل عليه، ويتخبطون خبط عشواء. ثم قال: { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } يخبرهم بصحة أفعالهم، وصدق أقوالهم؟ ليس الأمر كذلك، فإن اللّه أرسل محمدا نذيرا إليهم، وهم لم يأتهم نذير غيره، أي: فلا عقل ولا نقل، وإذا انتفى الأمران، فلا ثَمَّ إلا الباطل. نعم، لهم شبهة من أوهى الشُّبَه، وهي تقليد آبائهم الضالين، الذين ما زال الكفرة يردون بتقليدهم دعوة الرسل، ولهذا قال هنا: { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } أي: على دين وملة { وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } أي: فلا نتبع ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم. { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا } أي: منعموها، وملأها الذين أطغتهم الدنيا، وغرتهم الأموال، واستكبروا على الحق. { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } أي: فهؤلاء ليسوا ببدع منهم، وليسوا بأول من قال هذه المقالة. وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين الضالين، بتقليدهم لآبائهم الضالين، ليس المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من الباطل. ولهذا كل رسول يقول لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة: { أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } أي: فهل تتبعوني لأجل الهدى؟ { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } فعلم بهذا، أنهم ما أرادوا اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الباطل والهوى. { فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } بتكذيبهم الحق، وردهم إياه بهذه الشبهة الباطلة. { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم، فيصيبهم ما أصابهم.
همام الصنعاني
تفسير : 2756- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا}: [الآية: 15]، أيْ عِدْلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):