٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} الميم صلة؛ تقديره ٱتخذ مما يخلق بنات كما زعمتم أن الملائكة بنات الله؛ فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه التوبيخ. {وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} أي ٱختصكم وأخلصكم بالبنين؛ يقال: أصفيته بكذا؛ أي آثرته به. وأصفيته الودّ أخلصته له. وصافيته وتصافينا تخالصنا. عجب من إضافتهم إلى الله ٱختيار البنات مع اختيارهم لأنفسهم البنين، وهو مقدّس عن أن يكون له ولد إن توهم جاهل أنه ٱتخذ لنفسه ولداً فهلا أضاف إليه أرفع الجنسين! ولم جعل هؤلاء لأنفسهم أشرف الجنسين وله الأخس؟ وهذا كما قال تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ }تفسير : [النجم: 21 ـ 22].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بمعنى همزة الإِنكار والقول مقدر، أي أتقولون {ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } لنفسه {وَأَصْفَٰكُم } أخلصكم {بِٱلْبَنِينَ }؟ اللازم من قولكم السابق فهو من جملة المنكر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام اتخذ مما يخلق بنات} مفعول اتخذوا البنات بالفارسية دختران {واصفاكم بالبنين} وشمارا خالص كرد وبر كزيدبه بسران ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة على انها للانكار والتوبيخ والتعجيب من شأنهم وتنكير بنات لتربية الحقارة كما ان تعريف البنين لتربية الفخامة وقدم البنات لكون المنكر عليهم نسبتهن الى الله فكان ذكرهن اهم بالنظر الى مقصود المقام والالتفات الى خطابهم لتأكيد الالزام وتشديد التوبيخ والاصفاء والايثار وبالفارسية بركزيدن يقال اصفيت فلانا بكذا اى آثرته به والمعنى بل اتخذ من خلقه البنات التى هى اخس الصنفين واختار لكم البنين الذين هم افضلهما على معنى هبوا انكم اجترأتم على اضافة جنس الولد اليه سبحانه وتعالى مع ظهور استحالته وامتناعه اما كان لكم شئ من العقل ونبذة من الحياء حتى اجترأتم على ادعاء انه تعالى آثركم على نفسه بخير الصنفين واعلاهما وترك لنفسه شرهما وادناهما فان الاناث كانت ابغض الاولاد عندهم ولذا وأدوهن ولو اتخذ لنفسه البنات واعطى البنين لعباده لزم ان يكون حال العبد اكمل وأفضل من حال الله ويدفعه بديهة العقل
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {أو من ينشأ} بضم الياء وتشديد الشين. الباقون بفتح الياء والتخفيف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر "عند الرحمن" بالنون. الباقون "عباد" على الجمع وقرأ نافع "أأشهدوا" بضم الألف وفتح الهمزة من (اشهدت) الباقون "اشهدوا" من (شهدت) من قرأ (ينشأ) بالتشديد جعله في موضع مفعول لأنه تعالى قال {أية : إنا أنشأناهن إنشاء} تفسير : فانشأت ونشأت بمعنى إذا ربيت. وتقول: نشأ فلان ونشأه غيره وغلام ناشىء أي مدرك. وقيل في قوله {أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر} تفسير : قال هو نبات شعر ابطه ومن خفف جعل الفعل لله، لان الله انشأهم فنشؤوا، ويقال للجوار الملاح: النشأ قال نصيب: شعر : ولولا ان يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار تفسير : ومن قرء عباد فجمع (عبد) فهو كقوله {أية : لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون} تفسير : فاراد الله أن يكذبهم فى قولهم: إن الملائكة بنات الله، وبين انهم عباده. ومن قرأ "عند" بالنون، فكقوله {أية : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته} تفسير : وقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس فى مصحفي "عباد" فقال: حكه. ووجه قراءة نافع "أأشهدوا" انه جعله من اشهد يشهد جعلهم مفعولين وقال تعالى {أية : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} تفسير : من قرأ بفتح الهمزة جعله من شهد يشهد فهؤلاء الكفار إذا لم يشهدوا خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم من اين علموا ان الملائكة بنات الله وهم لم يشهدوا ذلك، ولم يخبرهم عنه مخبر؟!. لما اخبر الله تعالى عن الكفار انهم جعلوا له من عباده جزءاً على ما فسرناه، وحكم عليهم بأنهم يجحدون نعمه ويكفرون أياديه، فسر ذلك وهو انهم قالوا {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} فى هذا القول حجة عليهم لأنه ليس بحكيم من يختار لنفسه أدون المنزلتين ولغيره اعلاهما، فلو كان على ما يقول المشركون من جواز اتخاذ الولد عليه لم يتخذ لنفسه البنات ويصفيهم بالبنين فغلطوا فى الأصل الذي هو جواز إتخاذ الولد عليه، وفى البناء على الأصل باتخاذ البنات، فنعوذ بالله من الخطاء فى الدين. ومعنى (أصفاكم) خصكم وآثركم بالذكور واتخذ لنفسه البنات. ثم قال تعالى {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} يعني إذا ولد لواحد منهم بنت حسب ما اضافوها إلى الله تعالى ونسبوها اليه على وجه المثل لذلك {ظل وجهه مسوداً} أي متغيراً مما يلحقه من الغم بذلك حتى يسود وجهه ويربد {وهو كظيم} قال قتادة معناه حزين، وفى هذا ايضاً حجة عليهم لأن من اسود وجهه بما يضاف اليه مما لا يرضى فهو احق ان يسود وجهه باضافة مثل ذلك إلى من هو اجل منه، فكيف الى ربه. ثم قال تعالى على وجه الانكار لقولهم {أو من ينشؤا في الحلية} قال ابن عباس {أو من ينشؤا في الحلية} المراد به المرأة. وبه قال مجاهد والسدي، فهو في موضع نصب والتقدير او من ينشؤ فى الحلية يجعلون. ويجوز ان يكون الرفع بتقدير أولئك ولده على ما قالوا هم بناته يعني من ينشؤ فى الحلية على وجه التزين بها يعني النساء فى قول اكثر المفسرين. وقال ابو زيد: يعني الاصنام. والاول اصح {وهو في الخصام غير مبين} في حال الخصومة، فهو ناقص عمن هو بخلاف هذه الصفة من الشبيه على ما يصلح للجدال ودفع الخصم الالد بحسن البيان عند الخصومة، فعلى هذا يلزمهم ان يكونوا باضافة البنات قد اضافوا ادنى الصفات اليه. ثم قال تعالى {وجعلوا} يعني هؤلاء الكفار {الملائكة الذين هم عباد الرحمن} متذللون له خاضعون له. ومن قرأ بالنون اراد الذين هم مصطفون عند الله {إناثاً} فقال لهم على وجه الانكار {أشهدوا خلقهم} ثم قال {ستكتب شهادتهم} بذلك {ويسألون} عن صحتها. وفائدة الآية أن من شهد بما لا يعلم فهو حقيق بأن يوبخ ويذم على ذلك وشهادته بما هو متكذب به على الملائكة اعظم من الفاحشة، للاقدام على تنقصهم فى الصفة، وإن كان في ذلك على جهالة. ثم حكى عنهم إنهم قالوا {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} كما قالت المجبرة بأن الله تعالى أراد كفرهم، ولو لم يشأ ذلك لما كفروا، فقال الله لهم على وجه التكذيب {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} أي ليس يعلمون صحة ما يقولونه وليس هم إلا كاذبين. ففي ذلك إبطال مذهب المجبرة فى ان الله تعالى يريد القبيح من افعال العباد. لان الله تعالى قطع على كذبهم فى ان الله تعالى يشأ عبادتهم للملائكة، وذلك قبيح لا محالة وعند المجبرة الله تعالى شاءه. وقد نفاه تعالى عن نفسه وكذبهم فى قولهم فيه.
اطفيش
تفسير : {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} {أَمِ} بمعنى همزة الانكار والتوبيخ قال بعض وللاضراب وقدر بعضهم مع ذلك القول أي أتقولون اتخذ وفي {أَمِ} أيضاً التعجب بالنظر الينا وذلك انهم لم يكفهم جعل الجزء له حتى جعلوه أخس وهو الأنثى {وَأًصْفَاكُم} أخلصكم {بِالْبَنِينَ} وتنكير بنات وتقديمهن وتعريف البنين وتأخيره لما مر فى أواخر الشورى وكأنه قيل هب ان اتخاذ الولد جائز فرضاً وتمثيلاً أما تستحيون من هذه القسمة الضيزى وهي ادعاء ايثاره اياكم بخير الجزءين وهو الذكر وتركه لنفسه شرهما وهم الأنثى اليت أنتم أنفر خلق الله عنها حتى انهم يقولون الله صاحب بنات فألحقوا البنات به فيقتلونهن وحتى انهم يشتد غمهم عند ولادتهن كما قال* {وَإِذَا بَشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ}
اطفيش
تفسير : {أم اتَّخذَ مِمَّا يخْلقُ بنات} بل أأتخذ بالاضراب الانتقالى {وأصْفاكمْ} اختاركم {بالبَنين} روى أنه صلى الله عليه وسلم اذا قرأ الآية قال: "حديث : لا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" تفسير : والعطف على اتخذ فهو داخل فى الاضراب والانكار، ومعنى اختيارهم بالبنين أنه أعطاهم البنين، ولم يجعلها لنفسه، بل جعل لنفسه البنات، والا فقد أعطاهم أيضا البنات، ونكرت البنات، وعرف البنين لحقارتهن وفخامتهم، وخطابهم بعد اغتيابهم تشديد للانكار، وذلك من فنون الكلام، تعرض عن الانسان وتحتقره، أو تيأس منه فتغتابه وتريد مزيد التغليظ عليه، فتخاطبه، كما اغتابهم بعد هذا الخطاب فى قوله: {وإذا بُشِّر أحدُهُم بما ضَربَ للرَّحْمن مَثَلاً ظلَّ وجْهُه مُسودّاً وهُوَ كَظِيمٌ} ايذاناً بأن قبائحهم اقتضت أن يعرض عنهم كيف يضيفون الى الله، وهو لا جنس له جنسا تسود وجوههم به، ويملئون غيظا وحزنا اذا ولد لهم وهو الأنثى، وذلك كالأمر الغريب المضروب مثلا، وجملة {هو كظيم} حال من الهاء، أو من وجه، أو عن المستتر فى مسودا وكظيم، بمعنى مكظوم، أى مملوء بالهم، كما مر، روى أن اعرابيا اسمه أبو حمزة هاجر بيته، ومكث فى بيت جاره لما ولدت زوجه أنثى فقالت: شعر : ما لأبى حمزة لا يأتينا يظل فى البيت الذى يلينا غضبان أن لا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ما شئنا وإنما نأخذ ما أعطينا تفسير : ولفظ آخر: شعر : وإنما نلد ما أعطينا تفسير : وأن بفتح الهمز على تقديم لام التعليل، ويروى: شعر : غضبان إن لم نلد البنينا تفسير : ومثل هذا قول الشيخ درويش رحمه الله تعالى: ان ولدت زوجك أنثى فارض بها، ولا تلمها، لأن تدبير النسل ليس لها، وإنما هى بمنزلة الوعاء يضم ما يحط فيه، ولا قدرة له على تبديله.
الالوسي
تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} {أَمْ} مقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال والهمزة للإنكار والتعجيب من شأنهم. وقوله تعالى: {وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ} إما عطف على {ٱتَّخَذَ} داخل في حكم الإنكار والتعجيب أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه. والالتفات إلى خطابهم لتشديد الإنكار أي بل اتخذ سبحانه من خلقه أخس الصنفين واختار لكم أفضلهما على معنى هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه سبحانه جائزة فرضاً أما تفطنتم لما ارتكبتم من الشطط في القسمة وقبح ما ادعيتم من أنه سبحانه آثركم على نفسه بخير الجزئين وأعلاهما وترك له جل شأنه شرهما وأدناهما فما أنتم إلا في غاية الجهل والحماقة. وتنكير (بنات) وتعريف (البنين) لقرينة ما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة. وقوله تعالى: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}.
ابن عاشور
تفسير : {أم} للإضراب وهو هنا انتقالي لانتقال الكلام من إبطال معتقدهم بنوة الملائكة لله تعالى بما لزمه من انتقاض حقيقة الإلـٰهية، إلى إبطاله بما يقتضيه من انتقاض يُنافي الكمال الذي تقتضيه الإلـٰهية. والكلام بعد {أم} استفهام، وهو استفهام إنكاري كما اقتضاه قوله: {وأصفاكم بالبنين}. ومحل الاستدلال أن الإناث مكروهة عندهم فكيف يجعلون لله أبناءً إناثاً وهلاَّ جعلوها ذكوراً. وليست لهم معذرة عن الفساد المنجرّ إلى معتقدهم بالطريقتين لأن الإبطال الأول نظري يقيني والإبطال الثاني جدليّ بديهي قال تعالى: { أية : ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمةٌ ضيزى } تفسير : [النجم: 21، 22]. فهذه حجة ناهضة عليهم لاشتهارها بينهم. ولما ادَّعت سَجَاحِ بنتُ الحارث النبوءة في بني تميم أيام الردة وكان قد ادّعى النبوءةَ قبلها مُسَيْلمةُ الحنفي، والأسود العَنْسي، وطُليحة بن خويلد الأسدي، قال عُطاردُ بن حاجب التميمي: شعر : أضحت نبيئتُنا أنثى نُطيف بها وأصبحتْ أنبياء النّاس ذكرانا تفسير : وأوثر فعل {اتّخذ} هنا لأنه يشمل الاتخاذ بالولادة، أي بتكوين الانفصال عن ذات الله تعالى بالمزاوجة مع سَرَوات الجنّ، ويشمل ما هو دون ذلك وهو التبنّي فعَلَى كِلا الفَرضين يتوجه إنكارُ أن يكون ما هو لله أدْوَنَ مما هوَ لهم كما قال تعالى: { أية : ويجعلون لله ما يكرهون } تفسير : [النحل: 62]. وقد أشار إلى هذا قوله: {وأصفاكم بالبنين}، فهذا ارتقاء في إبطال معتقدهم بإبطال فرض أن يكون الله تبنَّى الملائكة، سَدًّا على المشركين بابَ التأول والتنصلِ من فساد نسبتهم البناتِ إلى الله، فلعلّهم يقولون: ما أردنا إلا التبني، كما تنصلوا حين دمغتهم براهين بطلان إلـٰهية الأصنام فقالوا: { أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } تفسير : [الزمر: 3]، وقالوا: { أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله } تفسير : [يونس: 18]. واعلم أن ما تُؤذن به {أم} حيثما وقعتْ من تقدير استفهام بعدها هو هنا استفهام في معنى الإنكار وتسلط الإنكار على اتخاذ البنات مع عدم تقدم ذكر البنات لكوْنِ المعلومِ من جعل المشْركين لله جزءاً أن المجعول جزءاً له هو الملائكة وأنهم يجعلون الملائكة إناثاً، فذلك معلوم من كلامهم. وجملة {وأصفاكم بالبنين} في موضع الحال. والنفي الحاصل من الاستفهام الإنكاري منصبّ إلى قيد الحال، فحصل إبطال اتخاذ الله البناتِ بدليلين، لأن إعطاءَهم البنين واقع فنفي اقترانه باتخاذه لنفسه البنات يقتضي انتفاء اتخاذه البنات فالمقصود اقتران الإنكار بهذا القيد. وبهذا يتضح أن الواو في جملة {وأصفاكم} ليست واو العطف لأن إنكار أن يكون أصفاهم بالبنين لا يقتضي نفي الأولاد الذكور عن الله تعالى. والخطابُ في {وأصفاكم} موجه إلى الذين جعلوا له من عباده جزءاً، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ليكون الإنكار والتوبيخ أوقع عليهم لمواجهتهم به. وتنكير {بنات} لأن التنكير هو الأصل في أسماء الأجناس. وأما تعريف {البنين} باللام فهو تعريف الجنس المتقدم في قوله: { أية : الحمدُ لله } تفسير : في سورة الفاتحة (2). والمقصود منه هنا الإشارة إلى المعروف عندهم المتنافَس في وجوده لديهم وتقدم عند قوله { أية : يهب لمن يشاء إناثاً ويَهَب لمن يشاء الذّكور } تفسير : في سورة الشورى (49). وتقديم {البنات} في الذكر على {البنين} لأن ذكرهن أهم هنا إذ هو الغرض المسوق له الكلام بخلاف مقام قوله: { أية : أفأصفاكم ربّكم بالبنين واتخذ من الملائكة إِناثاً } تفسير : في سورة الإسراءِ (40). ولِمَا في التقديم من الردّ على المشركين في تحقيرهم البنات وتطيُّرِهم منهن مثل ما تقدم في سورة الشورى. والإصفاء: إعطاء الصفوة، وهي الخيار من شيء. وجملة {وإذا بُشِّر أحدهم} يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير النصب في {أفأصفاكم ربّكم بالبنين}، ومقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب في قوله: {أحدهم} فعدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة على طريق الالتفات ليكونوا محكياً حالهم إلى غيرهم تعجيباً من فساد مقالتهم وتشنيعاً بها إذ نسبوا لله بنات دون الذّكور وهو نقص، وكانوا ممن يكره البنات ويَحقِرهُنَّ فنسبَتها إلى الله مفض إلى الاستخفاف بجانب الإلـٰهية. والمعنى: أأتّخذ مما يخلق بنات الله وأصفاكم بالبنين في حال أنكم إذا بُشّر أحدكم بما ضربه للرحمان مثلاً ظَلَّ وجهه مسودّاً. ويجوز أن تكون اعتراضاً بين جملة {أم اتخذ مما يَخْلُق بناتٍ} وجملة { أية : أوَ مَنْ ينشأ في الحِلية } تفسير : [الزخرف: 18]. واستعمال البشارة هنا تهكّم بهم كقوله: { أية : فبشرهم بعذابٍ أليمٍ } تفسير : [الإنشقاق: 2] لأن البشارة إعلام بحصول أمر مسرّ. و(ما) في قوله: {بما ضرب للرحمان مثلاً} موصولة، أي بُشر بالجنس الذي ضربه، أي جعله مثَلاً وشبهاً لله في الإلـٰهية، وإذ جعلوا جنس الأنثى جزْءاً لله، أي منفصلاً منه فالمبشَّر به جنس الأنثى، والجنس لا يتعين. فلا حاجة إلى تقدير بشر بمِثل ما ضربه للرحمان مثلاً. والمَثَل: الشبيه. والضرْب: الجعل والصنع، ومنه ضَرْب الدينار، وقولهم: ضَرْبةُ لاَزِبٍ، فَمَا صْدَقُ {بما ضرب للرحمان مثلاً} هو الإناث. ومعنى {ظَلّ} هنا: صار، فإن الأفعال الناقصة الخمسة المفتتح بها باب الأفعال الناقصة، تستعمل بمعنى صار. واسوِداد الوجه من شدة الغضب والغيظ إذ يصعد الدم إلى الوجه فتصير حمرته إلى سواد، والمعنى: تغيَّظ. والكظيم: الممسك، أي عن الكلام كرباً وحزناً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ}. أم هنا بمعنى استفهام الإنكار، فالكفار لما قالوا: الملائكة بنات الله أنكر الله عليهم أشد الإنكار، موبخاً لهم أشد التوبيخ، حيث افتروا عليه الولد، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما وهو الأنثى كما قال هنا: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات} وهي النصيب الأدنى من الأولاد، وأصفاكم أنتم، أي خصكم وآثركم بالبنين الذين هم النصيب الأعلى من الأولاد. وإنكار هذا عليهم وتوبيخهم عليه جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله هنا {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} تفسير : [الزخرف: 17] يعني الأنثى، كما أوضحه بقوله: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 58] يعني فكيف تجعلون لله الإناث وأنتم لو بشر الواحد منكم بأن امرأته ولدت أنثى لظل وجهه مسوداً يعني من الكآبة وهو كظيم أي ممتلئ حزناً وغماً، وكقوله تعالى هنا {أية : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} تفسير : [الزخرف: 18] ففيه إنكار شديد وتقريع عظيم لهم بأنهم مع افترائهم عليه جل وعلا الولد جعلوا له أنقص الولدين الذي لنقصه الخلقي، ينشأ في الحلية من الحلي والحلل وأنواع الزينة، من صغره إلى كبره ليجبر بتلك الزينة نقصه الخلقي الطبيعي، وهو في الخصام غير مبين، لأن الأنثى غالباً لا تقدر على القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها. وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم} تفسير : [الإسراء: 9] وكقوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [النحل: 57]. وقوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} تفسير : [النحل: 62]. وقوله تعالى: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40] وقوله تعالى {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 21-22]. وقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الصافات: 149-157]. وقد قدمنا كثيراً من الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [النحل: 57] ووجه التعبير عن الأنثى بما ضرب مثلاً لله في قوله: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} تفسير : [الزخرف: 17] الآية ظاهر، لأن البنات المزعومة يلزم ادعاءها أن تكون من جنس من نسبت إليه، لأن الوالد والولد من جنس واحد، وكلاهما يشبه الآخر في صفاته.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَأَصْفَاكُم} (16) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ قِسْمَتَهُمْ هَذِهِ فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلِ اتَّخَذَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِنَفْسِهِ أَدْنَى الصِّنْفَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ (البَنَاتِ)، وَاخْتَارَ لَكُمْ أَفْضَلَهُمَا (الذُّكُورَ)؟ أَصْفَاكُمْ - خَصَّكُمْ وَآثَرَكُمْ.
الثعلبي
تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم} أخلصكم وخصصكم. {بِٱلْبَنِينَ} نظيره قوله تعالى: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً}تفسير : [الإسراء: 40]. {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} يعني البنات. دليلها في النّحل {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} من الحزن والغيظ. {أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ} قرأها أهل الكوفة بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على غير تسمية الفاعل. أي يُربي غيرهم {يَنْشَؤا} بفتح الياء وجزم النون وتخفيف الشين، أي ينبت ويكبر. {فِي ٱلْحِلْيَةِ} في الزينة، يعني النساء. قال مجاهد: رخّص للنساء في الحرير والذهب، وقرأ هذه الآية. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني، حدثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي، حلّ لأُناثهم ". تفسير : {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} للحجة من ضَعفهنَّ وسَفَههُنَّ. قال قتادة في هذه الآية: قلما تتكلم امرأة بحجّتها إلاّ تكلمت الحجة عليها، وفي مصحف عبد الله (وهو في الكلام غير مبين). وقال بعض المفسرين: عني بهذه الآية أوثانهم الّتي كانوا يعبدونها ويجلّونها ويزينونها وهي لا تتكلم ولا تنبس. قال ابن زيد: هذه تماثيلهم الّتي يضربونها من فضة وذهب، وينشؤنها في الحلية يتعبدونها. في محلّ من ثلاثة وجوه: الرفع على الإبتداء، والنصب على الإضمار، مجازه: أو من ينشاء يجعلونه ربّاً أو بنات الله، والخفض ردّاً على قوله: {مِمَّا يَخْلُقُ} وقوله: {بِمَا ضَرَبَ}.. {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} بالألف والياء، وأختاره أبو عبيد قال: لأن الإسناد فيها أعلى ولأنّ الله تعالى إِنّما كذبهم في قوله: {بَنَاتٍ الله} فأخبر إنّهم عبيده وليسوا بناته، وهي قراءة ابن عباس. أخبرنا محمد بن نعيم، أخبرنا الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن سلام، حدثنا هيثم عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، إنَّهُ قرأها {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ}. قال سعيد: فقلت لابن عباس: إنَّ في مصحفي عبد الرّحمن. فقال: إمسحها وإكتبها {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ}، وتصديق هذه القراءة، قوله {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26]، وقرأ الآخرون عند الرّحمن بالنون وإختاره أبو حاتم، قال: لأن هذا مدح، وإذا قلت: {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} وتصديقها قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ}. {أَشَهِدُواْ} أَحَضِرُوا {خَلْقَهُمْ} حتّى يعرفوا إنّهم أناث، وقرأ أهل المدينة {أَشَهِدُواْ} على غير تسمية الفاعل أي أَحضروا. {خَلْقَهُمْ} حين خلقوا. {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} على الملائكة إنّهم بنات الله {وَيُسْأَلُونَ} عنها. {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} يعني الملائكة في قول قتادة ومقاتل والكلبي، وقال مجاهد: يعني الأوثان، وإنَّما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضا منا بعبادتها. قال الله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} فيما يقولون {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون. {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل هذا القرآن. {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} دين. {وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} وقراءة العامة (أُمة) بضم الألف، وهي الدين والملة، وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد اَمة بكسر الألف وإختلفوا في معناها، فقيل: هي الطريقة والمقصد من قولهم أممت، وقيل: هي النعمة. قال عدي بن زيد: ثمّ بعد الفلاح والملك والأمة وأريهم هناك القبور، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد. {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} مستنون متبعون. {قَٰلَ} قراءة العامة على الأمر، وقرأ ابن عامر على الخبر ومثله روى حفص بن عاصم. {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ} بالألف أبو جعفر. الباقون جئتكم على الواحد. {بِأَهْدَىٰ} بدين أَصوب. {مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ} أي بريء، ولا يثنّى البراء ولا يجمع ولا يؤنث لأنّه مصدر وضع موضع النعت، وفي قراءة عبد الله (بريء) بالياء. {مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} خلقني، ومجاز الآية: إنّني براء من كلّ معبود إلاّ الّذي فطرني. {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} إلى دينهِ. {وَجَعَلَهَا} يعني هذه الكلمة والمقالة {كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} قال مجاهد وقتادة: يعني لا إله إلاَّ الله، وقال القرظي: يعني وجعل وصية إبراهيم الّتي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته وهي الّتي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}تفسير : [البقرة: 132]، وقال ابن زيد: يعني قوله: {أية : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة: 131] وقرأ {أية : هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الحج: 78]. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} من كفرهم إلى الطاعة ويتوبون {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ} في الدّنيا فلم أهلكهم ولم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم. {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} القرآن، وقال الضحاك: الإسلام. {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} يبين لهم الأعلام والأحكام وهو محمد صلى الله عليه وسلم {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} القرآن {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}. يعني من إحدى القريتين ولم يختلفوا في القريتين إنَّهما مكّة والطائف، وإختلفوا في الرجلين من هما. قال ابن عباس: الوليد بن المغيرة من مكّة وكان يسمى ريحانة قريش، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من الطائف. وقال مجاهد: عتبة بن الربيع من مكّة وابن عبدياليل الثقفي من الطائف. قتادة: هما الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، وقال السدي: الوليد بن المغيرة وكنانة بن عبد عمرو بن عمير. قال الله سبحانه وتعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} نبوته وكرامته فيجعلونها لمن شاءوا. {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فجعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً وهذا ملكاً وهذا مملوكاً، وقرأ ابن عباس وابن يحيى (معايشهم) {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} أي ليُسخّر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل ويستخدمونهم ليكون بعضهم لبعض سبب المعاش في الدّنيا، هذا بماله وهذا باعماله؛ هذا قول السدي وابن زيد، وقال قتادة والضحاك: يعني ليملك بعضهم بعضاً فهذا عبد هذا، وقيل: يسخر بعضهم من بعض، وقيل: يتسخر بعضهم بعضاً. {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} يعني الجنّة {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} في الدنيا من الأموال {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} مجتمعين على الكفر فيصيروا كلّهم كفّاراً. هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن زيد: يعني: ولولا أن يكون النّاس أُمة واحدة في طلب الدّنيا وإختيارها على العقبى. {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ} وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد ويحيى بن وثاب (سَقُفاً) بفتح السين على الواحد ومعناه الجمع إعتباراً بقوله: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ}تفسير : [النحل: 26]، وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع. يقال سقف وسُقّف مثل رهن ورُهّن. قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما، وقيل: هو جمع سقيف، وقيل: هو جمع سقوف وجمع الجمع. {وَمَعَارِجَ} أي مصاعد ومراقي ودرجاً وسلاليم، وقرأ أبو رجاء العطاردي (ومعاريج) وهما لغتان واحدهما معراج مثل مفاتح ومفاتيح. {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} يعلون ويرتقون ويصعدون بها، ظهرت على السطح إذا علوته. قال النابغة الجعدي: شعر : بلّغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإِنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرا تفسير : أي مصعداً. {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً} من فضة {وَسُرُراً} من فضة {عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً} أي ولجعلنا لهم مع ذلك {وَزُخْرُفاً} وهو الذهب نظير بيت مزخرف، ويجوز أن يكون معناه من فضة وزخرف فلما نزع الخافض نصب. {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} شدده عاصم وحمزة على معنى {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الزخرف: 35]، وخففه الآخرون على معنى. {أية : ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [آل عمران: 14] فتكون [لغة] الواصلة {وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} للمؤمنين. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا أحمد بن شاذان، أخبرنا جيغويه بن محمد، حدثنا صالح بن محمد، حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبان، عن سليمان بن القيس العامري، عن كعب. قال: إنّي لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بأكاليل فلا يصدع ولا ينبض منه عرق يوجع. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شنبه،حدثنا الفربابي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزيدي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن مسلم بن أبي المجرد، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّه كان يقول: لو أنّ رجلاً هرب من رزقه لإتبعه حتّى يدركه، كما إنّ الموت يدرك من هرب منه له أجل هو بالغه، أو أثر هو واطئة ورزق هو آكله وحرف هو قائله فاتقوا الله وإجملوا في الطلب، فلا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله تعالى، فإنّ الله لا ينال ما عنده إلاّ بطاعته، ولن يُدرك ما عنده بمعصيته. فأتقوا الله وإجملوا في الطلب.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يرد عليهم بهذا الاستفهام الذي يفيد التعجب {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} [الزخرف: 16] يعني: أيُعقل وهو سبحانه الخالق أنْ يصطفيكم بالبنين وهم الجنس الأعلى ويختصُّ نفسه بالبنات وهُنَّ الجنس الأدنى؟ وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} تفسير : [النحل: 62]. ثم يعطينا الحق سبحانه الدليل على كذبهم وافترائهم عليه: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} معناه امتن عَليكم بِهِم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):