٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر أنه لما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } وهي معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله {وَلابَيّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } يعني أن قوم موسى كانوا قد اختلفوا في أشياء من أحكام التكاليف واتفقوا على أشياء فجاء عيسى ليبين لهم الحق في تلك المسائل الخلافية، وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين و{بعض الذي تختلفون فيه } معناه فروع الدين، فإن قيل لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه؟ قلنا لأن الناس قد يختلفون في أشياء لا حاجة بهم إلى معرفتها، فلا يجب على الرسول بيانها، ولما بين الأصول والفروع قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الكفر به والإعراض عن دينه {وَأَطِيعُونِ } فيما أبلغه إليكم من التكاليف {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } والمعنى ظاهر {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ } أي الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وقيل اليهود والنصارى {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } وهو وعيد بيوم الأحزاب، فإن قيل قوله {مِن بَيْنِهِمْ } الضمير فيه إلى من يرجع؟ قلنا إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله {قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } وهم قومه. ثم قال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } فقوله أن تأتيهم بدل من الساعة والمعنى هل ينظرون إلا إتيان الساعة. فإن قالوا قوله {بَغْتَةً } يفيد عين ما يفيده قوله {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } فما الفائدة فيه؟ قلنا يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} قال ابن عباس: يريد إحياء الموتى وإبراء الأسقام، وخَلْقَ الطير، والمائدة وغيرها، والإخبار بكثير من الغيوب. وقال قتادة: البينات هنا الإنجيل. {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} أي النبوّة؛ قاله السُّدّي. ابن عباس: علم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح. وقيل الإنجيل؛ ذكره القشيري والماوردي. {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} (قال مجاهد: من تبديل التوراة. الزجاج: المعنى لأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. قال مجاهد: وبيّن لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: بيّن لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام) التوراة على قدر ما سألوه. ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها. وقيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وأشياء من أمر دنياهم فبيّن لهم أمر دينهم. ومذهب أبي عبيدة أن البعض بمعنى الكل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} تفسير : [غافر: 28]. وأنشد الأخفش قول لبيد:شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو تعتلق بعض النفوس حِمامها تفسير : والموت لا يعتلق بعض النفوس دون بعض. ويقال للمنية: عَلُوق وعَلاّقة. قال المفضل البكري:شعر : وسائلة بثَعْلَبَة بن سَيْر وقد عَلِقت بثعلبة العَلُوقُ تفسير : وقال مقاتل: هو كقوله: {أية : وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [آل عمران:50]. يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرّماً في التوراة؛ كلحم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي ٱتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا الله وحده؛ وإذا كان هذا قول عيسى فكيف يجوز أن يكون إِلٰهاً أو ٱبن إلٰه. {وَأَطِيعُونِ } فيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي عبادة الله صراط مستقيم، وما سواه معوّج لا يؤدّي سالكه إلى الحق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا جآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ } بالمعجزات والشرائع {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } بالنبوّة وشرائع الإِنجيل {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من أحكام التوراة من أمر الدين وغيره فبيَّن لهم أمر الدين {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ }.
ابن عطية
تفسير : "البينات" التي جاء بها عيسى عليه السلام هي: إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، إلى غير ذلك. وقال قتادة: الإنجيل. والحكمة: النبوءة قاله السدي وغيره. وقوله: {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} قال أبو عبيدة: {بعض} بمعنى كل، وهذا ضعيف ترده اللغة، ولا حجة له من قول لبيد: شعر : أو يعتلق بعض النفوس حمامها تفسير : لأنه أراد نفسه ونفس من معه، وذلك بعض النفوس، وإنما المعنى الذي ذهب إليه الجمهور، أن الاختلاف بين الناس هو في أمور كثيرة لا تحصى عدداً، منها أمور أخروية ودينية، ومنها ما لا مدخل له في الدين، فكل نبي فإنما يبعث ليبين أمر الأديان والآخرة، فذلك بعض ما يختلف فيه. وقوله تعالى: {هذا صراط مستقيم} حكاية عن عيسى عليه السلام إذ أشار إلى شرعه. و: {الأحزاب} المذكورون: قال جمهور المفسرين أراد: اختلف بنو إسرائيل وتحزبوا، فمنهم من آمن به، وهو قليل، وكفر الغير، وهذا إذا كان معهم حاضراً. وقال قتادة: {الأحزاب} هم الأربعة الذين كان الرأي والمناظرة صرفت إليهم في أمر عيسى عليه السلام. وقال ابن حبيب وغيره: {الأحزاب} النصارى افترقت مذاهبهم فيه بعد رفعه عليه السلام، فقالت فرقة: هو الله، وهم اليعقوبية قال الله عز وجل: {أية : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} تفسير : [المائدة: 17]. وقالت فرقة: هو ابن الله، وهم النسطورية قال الله تعالى فيهم: {أية : وقالت النصارى المسيح ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]، وقالت فرقة: هو ثالث ثلاثة، وهم الملكانية قال الله تعالى فيهم: {أية : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} تفسير : [المائدة: 73]. وقوله تعالى: {من بينهم} بمعنى من تلقائهم ومن أنفسهم ثار شرهم، ولم يدخل عليهم الاختلاف من غيرهم. والضمير في: {ينظرون} لقريش، والمعنى: ينتظرون. و: {بغتة} معناه: فجأة دون مقدمة ولا إنذار بها. ثم صرف تعالى بعض حال القيامة، وإنها لهول مطلعها والخوف المطبق بالناس فيها يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقى، لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من قبل خليله، وأما المتقون فيرون أن النفع دخل بهم من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام علي رضي الله عنه. وقوله: {يا عبادي} المعنى يقال لهم، أي للمتقين. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "يا عباديَ" بفتح الياء، وهذا هو الأصل. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: "يا عبادي" بسكون الياء. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم "يا عباد" بحذف الياء. قال أبو علي: وحذفها أحسن، لأنه في موضع تنوين وهي قد عاقبته، فكما يحذف التنوين في الاسم المنادى المفرد، كذلك تحذف الياء هنا لكونها على حرف، كما أن التنوين كذلك، ولأنها لا تنفصل من المضاف كما لا ينفصل التنوين من المنون. وذكر الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: {لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} فيرجوها الناس كلهم، قال فيتبعها. {أية : الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} تفسير : [الزخرف: 69] قال: فييأس منها جميع الكفار. وقرأ الحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر ويعقوب: "لا خوفَ" بنصب الفاء من غير تنوين. وقرأ ابن محيصن برفع الفاء من غير تنوين.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْبَيِّنَاتِ} الإنجيل، أو آياته من إحياء الموتى وإبراء الأسقام والإخبار بكثير من الغيوب "ع" {بِالْحِكْمَةِ} النبوة، أو علم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح {بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} تبديل التوراة، أو ما تختلفون فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم، أو يبين بعضه ويكل البعض إلى اجتهادهم، أو بعض بمعنى كل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} يعني: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، وباقي الآية تكرَّر معناه. وقوله: {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} حكايةٌ عن عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، إذْ أشار إلى شرعه.
القشيري
تفسير : ذكرَ مجيءَ عيسى عَلْيه السلام أول مرة؛ حيث أتى قومَه بالشرائع الواضحة، ودعاهم إلى دين الله، ولكنهم تحزَّبوا عليه، وإن الذين كفروا به لمستحقون للعقوبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما جاء عيسى} وآن هتكام كه عيسى آمد {بالبينات} اى بالمعجزات الواضحة او بآيات الانجيل او بالشرائع {قال قد جئتكم} آمدم شمارا ويا آوردم شمارا {بالحكمة} اى الانجيل او الشريعة لأعملكم اياها {ولابين لكم بعض الذى تختلفون فيه} وهو ما يتعلق بامور الدين واما ما يتعلق بامور الدنيا فليس بيانه من وظائف الانبياء كما قال عليه السلام "حديث : انتم اعلم بامور دنياكم" تفسير : وفى الاسئلة المقحمة كيف قال بعض وانما بعث ليبين الكل والجواب قال ابن عباس رضى الله عنهما ان البعض ههنا بمعنى الكل وكذا قال فى عين المعانى الاصح ان البعض يراد به الكل كعكسه فى قوله {أية : ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} تفسير : وقال بعض أهل المعانى كانوا يسألون عن اشياء لا فائدة فيها فقال ولأبين لكم الخ يعنى اجيبكم عن الاسئلة التى لكم فيها فوائد وفى الاية اشارة الى ان الانبياء كما يجيئون بالكتاب من عند الله يجيئون بالحكمة مما آتاهم كما قال {أية : ويعلمهم الكتاب والحكمة} تفسير : ولذا قال ولأبين لكم الخ لان البيان عما يختلفون فيه هو الحكمة {فاتقوا الله} فى مخالفتى {واطيعون} فيما ابلغه عنه تعالى فان طاعتى طاعة الحق كما قال {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله }
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولما جاء عيسى بالبينات}؛ بالمعجزات؛ أو: بآيات الإنجيل؛ أو: بالشرائع الواضحات {قال} لبني إسرائيل: {قد جئتكم بالحكمة}؛ بالشريعة، أو: بالإنجيل المشتمل عليها {ولأُبَينَ لكم بعضَ الذي تختلفون فيه} وهو ما يتعلق بأمور الدين، وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من وظائف الأنبياء عليهم السلام كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أنتم أعلمُ بدُنياكم"تفسير : ، وهو عطف على مقدّر، ينبئ عنه المجيء بالحكمة، كأنه قيل: جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها، ولأُبيّن لكم ما تختلفون فيه، {فاتقوا الله} في مخالفتي {وأطيعونِ} فيم أُبلغكم عن الله تعالى: {إِن الله هو ربي وربُّكم فاعبدوه} بيان لما أمرهم به من الطاعة، وهو اعتقاد التوحيد، والتعبُّد بالشرائع، {هذا صراطٌ مستقيمٌ} لا يضل سالكه؛ فهذا تمام كلام عيسى عليه السلام، وقيل: قوله: {هذا...} الخ من كلام الله تعالى، مُقرر لمقالة عيسى عليه السلام. {فاختلف الأحزابُ} أي: الفرق المتحزِّبة بعد عيسى، وهم: اليعقوبية والنسطورية، والملكانية، والشمعونية، {من بينهم} أي: من بين النصارى، أو: من بين مَن بُعِثَ إليهم من اليهود والنصارى، أي: اختلافاً ناشئاً من بينهم، من غير حجة ولا برهان، {فَويلٌ للذين ظلموا} من المختلفين، حيث قالوا في عيسى ما كفروا به، {من عذاب يومٍ أليم} وهو يوم القيامة {هل ينظرون} أي: ما ينتظر أولئك الكفرة، أو قوم عيسى {إِلا الساعة أن تأتيهم}: بدل من "الساعة" أي: هل ينتظرون إلا إتيان الساعة {بغتةً}؛ فجأة {وهم لا يشعرون} غافلون عن الاستعداد لها، لاشتغالهم بأمر دنياهم، أو: منكرون لها، غير مترقبيبن وقوعها. الإشارة: كانت الرسل - عليهم السلام - يُبينون لأممهم ما يقع فيه الاختلاف من أمر الدين، سواء تعلّق ذلك بالظاهر أو بالباطن، بما يوحى إليهم من إلهام، أو بملَك مرسل، فلما ماتوا بقي خلفاؤهم من العلماء والأولياء، فالعلماء يُبينون ما اختُلِف فيه من الشرائع والعقائد، بما عندهم من القواعد والبراهين، والأولياء يُبينون الحقائق، وما يتعلق بالقلوب من الشكوك والخواطر، وسائر الأمراض، بما عندهم من الأذواق والكشوفات. فالعلماء يرجعون إلى كتبهم وعلومهم، والأولياء يرجعون إلى قلوبهم وأذواقهم، حتى كان فيما سلف من العلماء إذا توقفوا في مسألة عقلية أو قلبية أخذوا صوفيّاً أُميّاً فيسألونه، ويجبرونه على الجواب، فيجيبهم عن كل ما يسألونه، كقصة أبي الحسن النوري مع القاضي، وغيره، وقد كان الشعراني يسأل شيخه الخواص - وهو أُمي - عن أمر معضلة، فيجيب عنها، حتى إن كتبه كلها مطرزة بكلامه رضي الله عنهم أجمعين. وأهل الأذواق هم المتقون المتحابُّون في الله، الذين أشار إليهم تعالى بقوله: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ}.
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} ذكر حكاية عيسى (ع) وقوله لقومه وبيان حال قومه وقالهم له تسلية للرّسول (ص) ولامير المؤمنين (ع) وتهديد لقومهما.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ} بالمعجزات كاحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص والاخبار بالمأكول والمدخر أو بآيات الانجيل أو بالشرائع الواضحات أو بالجميع* {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ} بالانجيل أو بالشريعة وقيل بالتوبة. {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} قال مجاهد: يعني تبديل التوراة وقيل ما تختلفون فيه من أحكام التوراة وقيل من اختلاف الفرق الذي تحزبوا في أمر عيسى وقيل الذى جاءهم به عيسى هو الانجيل وهو بعض ما اختلفوا فيه ولم يبين لهم في غير الانجيل ما احتاجوا اليه وذلك الذي اختلفوا فيه هو شيء كثير بين لهم بعضه فقط وهو ما كان من أمر الدين فان الانبياء لم تبعث لبيان ما كان من أمر الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أنتم أعلم بأمر دنياكم" تفسير : {فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ} فيما أبلغكم إياه عنه
اطفيش
تفسير : {ولمَّا جاء عِيسَى بالبينَّات} المتلوة وهى الانجيل والشرائع والمعجزات {قال قد جِئتُكم بالحِكْمَةِ} هى البينات بمعناها المذكور، وفسرها بعض بالانجيل، على أن البينات غيره أو على أنها الانجيل، فانه من حيث البيان بينات، ومن حيث انه صواب لائق نافع هو حكمة، وفسر السدى الحكمة بالنبوة، وبعض أنها قضايا يحكم بها العقل، وبعض بالموعظة {ولأبيِّن لَكُم} لو أسقطت الواو لتعلق بجئتكم، وكان جزءاً مما قبله، ولكن ذكرت على طريق الاعتناء بهذا التبيين، حتى يكون من كلام مستقل هكذا، وجئتكم لأبين لكم، أو لأعملكم إياها، أى الحكمة، ولأبين لكم {بَعْض الذي تخْتلفون فيه} هو أمور الديانات التى يخلفون فيها الحق، أو يخالف بعضهم بعضا فيها، والبعض الآخر لم أرسل به، بل فوض الى تجربتكم واصطلاحكم كالحرث وما يصلح به أو يفسد، وتأبير النخل، كما أمرهم صلى الله عليه وسلم بتركه فلم تصلح الثمار فقال لهم: "حديث : أنتم أعلم بمصالح دنياكم ". تفسير : وكالقمر يبدوا صغيرا ثم ينموا فيفهم الناس أنه يستمد الضوء من الشمس، فلا يزال يزداد أجزاء مقابلة لها بزيادة البعد، واستضاءة حتى يكمل، ثم لا يزال يزداد قرب منها، وعدم مقابلة ونقصا حتى ينقضى، وبعض الأهلة يطلع كثيرا الضوء لكونه بالأمس فى آخر منزلته، فازداد بعدا فازداد نورا، وليس ذلك لازما لاحتمال أن يكون وجه منه مضيئا دائما منكوسا، فكل ليلة يرتفع منه جزء مضىء حتى ينقلب كله، فيظهر كله، فلا يزل ينكس الى أن يتم النكس، ثم لا يزال يظهر منه بعضه مضيئا، فان الرسل لم تبعث لبيان ذلك أو البعض الآخر من الدين أيضا، بأن لم ينزل، ولكن فوض الى القياس الى نظيره، والاجتهاد، وقد تنازعوا فيه على أن لغير هذه الآمة اجتهادا وقيل: الذى يبيته لهم هو تحليل الابل، وشموع الحيوانات المحللة، وعيد السمك يوم السبت، والبعض الآخر باق على ما فى التوراة التى لم تحرف، وقيل: يبين لهم ما حرفوا من التوراة وقيل: يبين لهم أمر التحزب فى شأنه {فاتقوا الله} احذورا عقابه فانه ينزل عليكم بمخالفتى {وأطيعُون} فى أمرى ونهيى لكم.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا جَاء عِيسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالأمور الواضحات وهي المعجزات أو آيات الإنجيل أو الشرائع ولا مانع من إرادة الجميع {قَالَ } لبني إسرائيل {قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } أي الإنجيل كما قال القشيري والماوردي، وقال السدي: بالنبوة، وفي رواية أخرى عنه هي قضايا يحكم بها العقل، وقال أبو حيان: أي بما تقتضيه الحكمة الإلهية من الشرائع، وقال الضحاك: أي بالموعظة {وَلأُبَيّنَ لَكُم } متعلق بمقدر أي وجئتكم لأبين لكم، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حيث جعلت كأنها كلام برأسه. وفي «الإرشاد» ((هو عطف على مقدر ينبـىء عنه المجىء بالحكمة كأنه قيل قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم)) {بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو أمر الديانات وما يتعلق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبدوا بمعرفتها ككيفية نضد الأفلاك وأسباب اختلاف تشكلات القمر مثلاً فإن الأنبياء عليهم السلام لم يبعثوا لبيان ما يختلف فيه من ذلك ومثلها ما يتعلق بأمر الدنيا ككيفية الزراعة وما يصلح الزرع وما يفسده مثلاً فإن الأنبياء عليهم السلام لم يبعثوا لبيانه أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل «حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم»تفسير : . وجوز أن يراد بهذا البعض بعض أمور الدين المكلف بها وأريد بالبيان البيان على سبيل التفصيل وهي لا يمكن بيان جميعها تفصيلاً وبعضها مفوض للاجتهاد. وقال أبو عبيدة: المراد بعض الذي حرم عليهم وقد أحل عليه السلام لهم لحوم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت، وقال مجاهد: بعض الذي يختلفون فيه من تبديل التوراة، وقال قتادة: لأبين لكم اختلاف الذين تحزبوا في أمره عليه السلام. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } من / مخالفتي {وَأَطِيعُونِ } فيما أبلغه عنه تعالى.
ابن عاشور
تفسير : قد علمت آنفاً أن هذا هو المقصود من ذكر عيسى عليه السلام فهو عطف على قصة إرسال موسى. ولم يذكر جواب {لمّا} فهو محذوف لدلالة بقية الكلام عليه. وموقع حرف {لمّا} هنا أن مجيء عيسى بالبينات صار معلوماً للسامع مما تقدم في قوله: { أية : إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل } تفسير : [الزخرف: 59] الآية، أي لما جاءهم عيسى اختلف الأحزاب فيما جاء به، فحذف جواب {لما} لأن المقصود هو قوله: { أية : فويلٌ للذين ظلموا من عذاب يومٍ أليمٍ } تفسير : [الزخرف: 65] لأنه يفيد أن سَنن الأمم المبعوث إليهم الرسل لم يختلف فإنه لم يخل رسول عن قوم آمنوا به وقومٍ كذبوه ثم كانوا سواءً في نسبة الشركاء في الإلـٰهية بمزاعم النصارى أن عيسى ابن لله تعالى كما أشار إليه قوله: { أية : فويل للذين ظلموا } تفسير : [الزخرف: 65] أي أشركوا كما هو اصطلاح القرآن غالباً. فتم التشابه بين الرسل السابقين وبين محمد صلى الله عليهم أجمعين، فحصل في الكلام إيجاز تدل عليه فاء التفريع. وفي قصة عيسى مع قومه تنبيه على أن الإشراك من عوارض أهل الضلالة لا يلبث أن يخامر نفوسهم وإن لم يكن عالقاً بها من قبل، فإن عيس بُعث إلى قوم لم يكونوا يدينون بالشرك إذ هو قد بعث لبني إسرائيل وكلهم موحّدونَ فلما اختلف أتباعه بينهم وكذبت به فِرق وصدقه فريق ثم لم يتبعوا ما أمرهم به لم يلبثوا أن حدثت فيهم نحلة الإشراك. وجملة قال {قد جئتكم بالحكمة} مُبَيّنَةٌ لجملة {جاء عيسى بالبينات} وليست جواباً لشرط {لما} الذي جعل التفريع في قوله: { أية : فاختلف الأحزاب من بينهم } تفسير : [مريم: 37] دَليلاً عليه. وفي إيقاع جملة {قد جئتكم بالحكمة} بياناً لجملة {جاء عيسى بالبينات} إيماء إلى أنه بادَأهم بهذا القول، لأن شأن أهل الضلالة أن يسرعوا إلى غاياتها ولو كانت مبادىءُ الدعوة تنافي عقائدهم، أي لم يَدْعُهم عيسى إلى أكثر من اتباع الحكمة وبيان المختلَف فيه ولم يدْعهم إلى ما ينافي أصول شريعة التوراة ومع ذلك لم يخل حاله من صدود مريع عنه وتكذيب. وابتداؤه بإعلامهم أنه جاءهم بالحكمة والبيان (وهو إجمال حال رسالته) ترغيبٌ لهم في وعْي ما سيلقيه إليهم من تفاصيل الدعوة المفرع بعضها على هذه المقدمة بقوله: {فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربّي وربّكم فاعبدوه}. والحكمة هي معرفة ما يؤدي إلى الحسن ويكفّ عن القبيح وهي هنا النبوءة، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : يؤتي الحكمة من يشاء } تفسير : في سورة البقرة (269). وقد جاء عيسى بتعليمهم حقائق من الأخلاق الفاضلة والمواعظ. وقوله: {ولأُِبيّنَ لكم}، عطف على {بالحكمة} لأن كليهما متعلّق بفعل {جئتكم}. واللام للتعليل. والتبيين: تجلية المعاني الخفيّة لِغموض أو سوء تأويل، والمراد ما بيّنه عيسى في الإنجيل وغيره مما اختلفت فيه أفهام اليهود من الأحكام المتعلقة بفهم التوراة أو بتعيين الأحكام للحوادث الطارئة. ولم يذكر في هذه الآية قوله المحكي في آية سورة آل عمران (50) { أية : ولأحِلّ لكم بعضَ الذي حرّم عليكم } تفسير : لأن ذلك قد قاله في مقام آخر. والمقصود حكاية ما قاله لهم مما ليس شأنه أن يثير عليه قومه بالتكذيب فهم كذبوه في وقت لم يذكر لهم فيه أنه جاء بنسخ بعض الأحكام من التوراة، أي كذبوه في حال ظهور آيات صدقه بالمعجزات وفي حال انتفاء ما من شأنه أن يثير عليه شكاً. وإنما قال: {بعض الذي تختلفون فيه}، إمّا لأن الله أعلمه بأن المصلحة لم تتعلق ببيان كل ما اختلفوا فيه بل يقتصر على البعض ثم يُكَمَّل بيان الباقي على لسان رسول يأتي من بعده يبيّن جميع ما يَحتاج إلى البيان. وإما لأنّ ما أُوحي إليه من البيان غيرُ شامل لجميع ما هم مختلفون في حكمه وهو ينتظر بيانه من بعدُ تدريجاً في التشريع كما وقع في تدريج تحريم الخمر في الإسلام. وقيل: المراد بــ{بعض الذي تختلفون فيه} ما كان الاختلاف فيه راجعاً إلى أحكام الدّين دون ما كان من الاختلاف في أمور الدنيا. وفي قوله: {بعضُ الذي تختلفون فيه} تهيئة لهم لقبول ما سيبيّن لهم حينئذٍ أو من بعدُ. وهذه الآية تدل على جواز تأخير البيان فيما له ظاهر وفي ما يرجع إلى البيان بالنسخ، والمسألة من أصول الفقه. وفرع على إجمال فاتحة كلامه قوله: {فاتقوا الله وأطيعون}. وهذا كلام جامع لتفاصيل الحكمة وبيان ما يختلفون فيه، فإن التقوى مخافة الله. وقد جاء في الأثر « حديث : رأس الحكمة مخافةُ الله »، تفسير : وطاعة الرّسول تَشمل معنى {ولأبين لكم بعضَ الذي تختلفون فيه} فإذا أطاعوه عملوا بما يبين لهم فيحصل المقصود من البيان وهو العمل. وأجمعُ منه قول النبي صلى الله عليه وسلم لسفيان الثَقفي وقد سأله أن يقول له في الإسلام قولاً لا يسْأل عنه أحداً غيره « حديث : قُلْ آمنتُ بالله ثم استَقِم »، تفسير : لأنه أليق بكلمة جامعة في شريعةٍ لا يُترقب بعدها مجيء شريعة أخرى، بخلاف قول عيسى عليه السلام {وأطيعون} فإنه محدود بمدة وجوده بينهم. وجملة {إن الله هو ربّي وربّكم} تعليل لجملة {فاتقوا الله وأطيعون} لأنه إذا ثبت تفرده بالربوبية توجه الأمر بعبادته إذ لا يَخاف الله إلا مَن اعترف بربوبيته وانفرادِه بها. وضمير الفصل أفاد القصر، أي الله ربّي لا غيره. وهذا إعلان بالوحدانية وإن كان القوم الذين أرسل إليهم عيسى موحِّدين، لكن قد ظهرت بدعةٌ في بعض فرقهم الذين قالوا: عزيرُ ابنُ الله. وتأكيد الجملة بِــ{إنَّ} لمزيد الاهتمام بالخبر فإن المخاطبين غير منكرين ذلك. وتقديم نفسه على قومه في قوله: {ربّي وربّكم} لقصد سدّ ذرائع الغلوّ في تقديس عيسى، وذلك من معجزاته لأن الله علم أنه ستغلو فيه فِرق من أتباعه فيزعمون بنوَّتَه من الله على الحقيقة، ويضلّون بكلمات الإنجيل التي يَقول فيها عيسى: أبي، مريداً به الله تعالى. وفرع على إثبات التوحيد لله الأمر بعبادته بقوله: {فاعبدوه} فإن المنفرد بالإلـٰهية حقيق بأن يعبد. والإشارة بــ{هذا صراط مستقيم} إلى مضمون قوله: {فاتقوا الله وأطيعون}، أي هذا طريق الوصول إلى الفوز عن بصيرة ودون تردد، كما أن الصراط المستقيم لا ينبهم السير فيه على السائر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 63- وحينما أرسل عيسى إلى بنى إسرائيل بالمعجزات الواضحات والآيات البينات قال لهم: قد جئتكم بشريعة حكيمة تدعوكم إلى التوحيد، وجئتكم لأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه من أمر الدين لتجتمعوا على الحق، فاخشوا عذاب الله وأطيعون فيما أدعوكم إليه. 64- إن الله - وحده - هو خالقى وخالقكم، فاعبدوه دون سواه، وحافظوا على شريعته، هذا الذى أدعوكم إليه طريق مستقيم موصل إلى النجاة. 65- فاختلف الأحزاب من بين النصارى بعد عيسى فرقاً فى أمره، فهلاك للذين ظلموا بما قالوه فى عيسى مما كفروا به من عذاب شديد الإيلام يوم القيامة. 66- ما ينتظر الكافرون شيئاً بعد إعراضهم عن الإيمان إلا إتيان الساعة بغتة، وهم غافلون عنها. 67- الأصدقاء الذين جمعهم الباطل فى الدنيا يكون بعضهم لبعض عدواً يوم إتيان الساعة بغتة، وتنقطع كل محبة إلا محبة الذين خافوا - وهم فى الدنيا - عذاب الله، واجتمعوا فيها على طاعته. 68- ينادى الله المتقين - تكريماً لهم - يا عبادى، لا تخافوا اليوم عذاباً، ولا أنتم تحزنون، فقد أمنتم العذاب، وضمن الله لكم الثواب. 69- الذين صدَّقوا بآيات الله وأطاعوه، وكانوا له منقادين. 70- يقال لهم يوم القيامة تشريفاً: ادخلوا الجنة أنتم مع أزواجكم، تُسرُّون فيها سروراً عظيماً، يظهر أثره على وجوهكم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولما جاء عيسى بالبينات: أي ولما جاء عيسى بن مريم إلى بني إسرائيل بالمعجزات والشرائع. قال قد جئتكم بالحكمة: أي قال لبني إسرائيل قد جئتكم بالنبوة وشرائع الإنجيل. ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه: أي وجئتكم لأبين لكم ما اختلفتم فيه من أحكام التوراة من أمر الدين وغيره. فاتقوا الله وأطيعون: أي خافوا الله وأطيعون فيما أبلغكموه عن الله من الأمر والنهي. إن الله ربي وربكم فاعبدوه: أي إن الله إلهي وإلهكم فاعبدوه بحبه وتعظيمه والذلة له. هذا صراط مستقيم: أي تقوى الله وطاعة الرسول وعبادة الله بما شرع هو الإسلام المعبر عنه بالصراط المستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم: أي في شأن عيسى أهو الله: أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم: أي فويل للذين كفروا بما قالوا في عيسى من الكذب والباطل. هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون: أي ما ينتظر هؤلاء الأحزاب مع إصرارهم على ما قالوه في عيسى إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فجأة وهو لا يشعرون. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى جدل المشركين في مكة وفرحهم بالباطل الذي قاله ابن الزبعرى في شأن الملائكة والعزير وعيسى عليهم السلام من أنهم في النار مع من عبدوهم، وبرأ تعالى الملائكة والعزيز وعيسى لأنهم ما أمروا الناس بعبادتهم حتى يؤاخذوا بها، وإنما أمر بعبادتهم الشيطان فالشيطان ومن عبدوهم الذين في النار، وذكر تعالى شرف عيسى ومكانته وإنه عبد أنعم عليه بالنبوة وجعله مثلا لبني إسرائيل يستدلون به على قدرة الله تعالى إذ خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وإنما خلقه من تراب ذكر رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل ليكون ذلك موعظة لكفار مكة فقال تعالى ولما جاء عيسى بالبينات أي جاء بني إسرائيل مصحوبا بالبينات هي الإنجيل والمعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما إلى ذلك، قال لهم قد جئتكم بالحكمة أي النبوة من عند الله، ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة وأمور إذاً فاتقوا الله يا بني إسرائيل أي خافوا عقابه المترتب على معاصيه وأطيعون فيما أبلغكموه من أمر ونهي عن الله تعالى، إن الله ربي وربكم أي إلهي وآلهكم لا إله إلا هو فاعبدوه بفعل محابه وترك مساخطه حباً فيه وتعظيماً له ورهبة ورغبة. وقوله {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي هذا الذي دعوتكم إليه من اتقاء الله، وطاعة رسوله وعبادته وحده هو الطريق المستقيم الذي يفضي بسالكه إلى سعادة الدارين. قال تعالى: فاختلف الأحزاب من بينهم أي من بين بني إسرائيل من يهود ونصارى فقالت طائفة من اليهود إفتراء أن عيسى ابن مريم ابن زنا وأمه بغي وقالوا ساحر. وقال النصارى: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. قال تعالى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} أي مؤلم فتوعدهم الرب تعالى بالويل الذي هو وادٍ يسيل في جهنم بما يتجمع من صديد فروج أهل النار وأبدانهم من دماء وقروح وأوساخ وهو عذاب يوم القيامة الأليم توعد هؤلاء الظالمين بما قالوا في عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام وقال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ} أي ما ينظرون إلا الساعة لأنهم ما تابوا إلى الله ولا راجعوا الحق فيما قالوه في عيسى بل أصروا: اليهود يصفونه بأخس الصفات والنصارى يصفونه بالألوهية التي هي حق الله رب عيسى ورب العالمين أن تأتيهم بغتة أي فجأة وهم لا يشعرون لأنهم مشغولون بالذرة والهدروجين والاستعمار والتجارة والانغماس في الشهوات كما هو واقع ومشاهد اليوم. وصدق الله العظيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان رسالة عيسى إلى بني إسرائيل. 2- وجوب التقوى لله وطاعة الرسول، وتوحيد الله في عبادته. 3- بيان شؤم الخلاف، وما يجره من التوغل في الكفر والفساد. 4- وعيد الله لليهود والنصارى الذين لم يدخلوا في الإسلام بالويل وهو عذاب يوم أليم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (63) - وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْمُعْجِزَاتِ الوَاضِحَةِ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ جَاءَهُمْ بِالشَّرَائِعِ التِي فِيهَا صَلاَحُ البَشَرِ (الحِكْمَةِ)، وَإِنَّهُ جَاءَ لِيُبَيّنَ لَهُمْ بَعْضَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ. ثُمَّ طَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَتَقُّوا اللهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَنْ يُطِيعُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا يُبَلِّغُهُمْ مِنْ الشَّرَائِعِ والتَّكَالِيفِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} [الزخرف: 63] الآيات والمعجزات {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} [الزخرف: 63] يعني: الإنجيل وما فيه من أحكام {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف: 63] والذي اختلفوا فيه قبل عيسى أو بعد أن انتقل عيسى، فقالوا عنه: ابن الله. وقالوا: ثالث ثلاثة. واليهود قالوا أكثر من هذا. الحق سبحانه يقول: أنا أعطيتُه الحكمة يعني: الإنجيل. والحكمة تعني: وضع الشيء في موضعه، وعيسى عليه السلام جاء بعد اليهودية، وكانت اليهودية مسرفة في المادية ومنها ينطلقون في كل شيء. وقلنا: إن هذه المادية هي التي دعتهم إلى أنْ يطلبوا من رسولهم رؤية الله {أية : فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] فلا مجالَ للغيبيات في حياتهم، حتى في طعامهم وشرابهم لما أنزل الله عليهم المنّ والسَّلْوى لم يقتنعوا به، وأرادوا طعاماً يصنعونه بأيديهم، فقال لهم: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} تفسير : [البقرة: 61]. لذلك حينما تقرأ التوراة لا تجد فيها ذكراً لليوم الآخر وكذلك التلمود، مع أن اليوم الآخر والإيمان به ركن من أركان الإيمان، لكنهم لماديتهم لا يُصدقون به؛ لذلك لما جاءت رسالة عيسى عليه السلام جاءت كلها روحانيات لتَجْبُرَ النقص الروحي في اليهودية ولتستوي كفّة الاعتدال في الخَلْق. لذلك لا نجد في الإنجيل شيئاً عن تقنينات المجتمع، فإنْ أرادوا شيئاً من ذلك أخذوه من التوراة، وقد اضطروا - مع ما بينهم من عداء - إلى أنْ يجمعوا التوراة والإنجيل في كتاب واحد وأسْموه العهد القديم؛ لأن عيسى عليه السلام سُئِلَ مرة عن الميراث فقال: أنا لم أُبعث مُورِّثاً. إذن: لما طغَتْ المادية قابلها بروحانية، ليحدثَ الاعتدالُ في حركة الحياة لأن الروحانيةَ هي التي تدفع الحركة المادية؛ لذلك جاءت رسالة عيسى تُربِّي المواجيد الدينية وترتفع بالروحانيات. فالحياة تحتاج للجانبين معاً الحركة المادية التي تتفاعل مع الكون والطبيعة، ففي الكون أشياء تعطيك دون أنْ تتفاعل معها كالشمس والقمر والنجوم والماء والهواء، فأنت فقط مُستقبل، وأشياء أخرى لا تعطيك إلا حين تتفاعل معها، كالأرض تزرعها وتحرثها وترعاها فتعطيك الزرع. ولأن اليهودية بالغتْ في المادية بالغتْ كذلك المسيحية في الروحانية، ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام أنه لما رآهم يرجمون امرأة قال: "مَنْ كان منكم بلا خطيئة فليرجمها"، وقال: من ضربك على خَدِّك الأيمن أعطه خدك الأيسر. وهذه رهبانية لم يكتبها الله عليهم، إنما تطوعوا بها، وآفة ذلك أنهم ما رعوْهَا حَقَّ رعايتها، يقول تعالى: {أية : ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 27]. إذن: الذي أُخذ عليهم ليس الرهبانية، إنما أُخذ عليهم أنهم ما رَعوْهَا حَقَّ رعايتها، وما دامت اليهودية بالغتْ في المادية، وجاءت المسيحية روحانية صِرفة ليس فيها شيء قوانين تنظيم المجتمع، كان لا بدَّ من إصلاح الحالتين، واحتاجت حركة الحياة لدين جديد ورسالة جديدة تراعي الجانبين الروحاني والمادي، فكانت هي رسالة الإسلام. وتأمل كيف ضرب القرآن مثلاً لمحمد وأمته، مرة في التوراة، ومرة في الإنجيل: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} تفسير : [الفتح: 29]. هكذا جمعتْ أمة الإسلام بين الروح والمادة، فالمسلم لم يُطبع على الشدة، ولم يُطبع على الرحمة، بل يُشكِّله الموقف، لكن أشداء على مَنْ؟ ورحماءُ لمنْ؟ وتأمل دقة التعبير القرآني في إعطاء مَثَل لأمة الإسلام في التوراة وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوماً ماديين أعطاهم الجانب الروحي في الإسلام: {أية : تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الفتح: 29]. أما في الإنجيل فذكر الجانب المادي في الإسلام: {أية : كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} تفسير : [الفتح: 29]. فكأن الإسلام بجمعه بين المادية والروحية هو المنهج المناسب الصالح لقيادة حركة الحياة، فالروحية لا تستقيمُ أبداً بدون المادية، فالعابد مثلاً لا يقيم عبادته إلا برغيف يقيم أَوْده وثوب يستر عورته، فمن أين يأتي بالرغيف؟ ومن أين يأتي بالثوب؟ الرغيف يحتاج إلى فلاح يزرع ويحصد، ويحتاج إلى مطحن، وإلى مخبز وعمال .. إلخ وكذلك الثوب وكلها حركة مادية. لذلك جعل الحق سبحانه القرآن مهيمناً على الكتب السابقة {أية : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 48] وقال: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الزخرف: 4] أي: يعلو على كُلِّ الكتب السماوية. وقوله تعالى: {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف: 63] مثل الأشياء المحرمة على اليهود، والتي أحلَّها الله لهم مثل الإبل، كما قال تعالى: {أية : وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [آل عمران: 50] وقال: {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} تفسير : [الأنعام: 146].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} معناه كُلُ الذي تَختلفونَ فيهِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف لا يكون عيسى عبداً من عبادنا، اذكر لهم يا أكمل الرسل {لَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ} إلى بني إسرائيل من عندنا مؤيداً {بِٱلْبَيِّنَاتِ} الباهرة التي ما ظهر مثلها من نبي من الأنبياء {قَالَ} مظهراً لهم الدعوة إلى طريق الحق وتوحيده: {قَدْ جِئْتُكُم} من عند ربي {بِٱلْحِكْمَةِ} البالغة {وَ} إنما جئتكم {لأُبَيِّنَ} أوضح وأظهر {لَكُم} طريق العبودية والعرفان سيما {بَعْضَ ٱلَّذِي} أي: بعض المعالم الدينية التي {تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} وفي نزوله في كتب الله، وعدم نزوله فيها {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أولاً حق تقاته {وَأَطِيعُونِ} [الزخرف: 63] فيما جئت لكم من عنده. {إِنَّ ٱللَّهَ} المتوحد المتفرد بالألوهية والربوبية {هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} دبر أمري وأمركم، وبينه في كتابه {فَٱعْبُدُوهُ} بمقتضى وحيه وإنزاله، واعلموا أن {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 64] موصل إلى توحيده الذي جبلتم لأجله، إن كنتم مؤمنين موقنين. وبعدما تم أمر الدعوة والتبليغ {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ} وتفرقا تفرقاً ناشئاً {مِن بَيْنِهِمْ} أي: من بين قومه المبعوث إليهم، بعدما دعاهم إلى طريق الحق وتوحيده، وهداهم إلى صراط مستقيم {فَوَيْلٌ} عظيم وعقاب شديد يتوقع {لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ} خرجوا عن مقتضى العبودية المأمورة لهم بالوحي الإلهي {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: 65] مؤلم في غاية الإيلام. {هَلْ يَنظُرُونَ} أي: ما ينظرون وينتظرون {إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة قيامها {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} فجأة بلا سبق مقدمة وأمارات {وَهُمْ} من غاية اشتغالهم بالملاهي الدنيوية {لاَ يَشْعُرُونَ} [الزخرف: 66] إيتانها إلا وقت وقوعهم في أهوالها. {ٱلأَخِلاَّءُ} والأحباء {يَوْمَئِذٍ} من شدة الهول والفزع {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} إذ يتذكرون حينئذ ما جرى بينهم من المعاونة والمشاركة في الإعراض عن الله وكتبه ورسله، وعدم الانقياد والإطاعة للدين القويم {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] أي: الأحياء الذين تحابوا في الله، وتشاركوا في طريق توحيده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} [الزخرف: 63] يشير إلى أن الأنبياء عليهم السلام كما يجيئون بالكتاب من عند الله يجيئون بالحكمة مما آتاهم الله كما قال تعالى: {أية : وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [البقرة: 151]، وقال: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269]؛ ولهذا قال: {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف: 63]؛ لأن البيان عما تختلفون هو الحكمة، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الزخرف: 63] فإن طاعتي الحق كما قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]، {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} [الزخرف: 64]؛ أي: لا تعبدوني فإن بالعبودية شريك معكم، وإنه متفرد في ربوبيته إيانا، {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 64] أن نعبده جميعاً {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} [الزخرف: 65]؛ يعني: قومه تحزبوا عليه حزب آمنوا بأنه عبد الله ورسوله، وحزب آمنوا بأنه {أية : ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73] فعبدوه بالإلهية، وحزب اتخذوه ولداً لله وابناً له {أية : تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا}تفسير : [النمل: 63] يقول الظالمون، وحزب كفروا به وجحدوا نبوته، وظلموا عليه وأرادوا قتله، فقال تعالى فيهم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: 65]؛ أي: أليم عذابه، {هَلْ يَنظُرُونَ} [الزخرف: 66]؛ أي: الذين تحزبوا عليه، {إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزخرف: 66] بإتيانها، فيجازي كل حزب بحسب أختلافهم فيه. ثم أخبر عن وصف الأخلاء والأصدقاء على المعصية في الدنيا بقوله تعالى: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] يشير إلى أن كل خلة وصداقة تكون في الدنيا مبنية على الهوى، والطبيعة الإنسانية تكون في الآخرة عداوة يتبرأ بعضهم من بعض وبعض، والأخلاء في الله خلتهم باقية إلى الأبد وينتفع بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، وهم المتقون الذين استثناهم الله تعالى، وشرائط الخلة في الله أن يكونوا متحابين في الله، خالصة لوجه الله من غير شوب بعلة دنيوية هوائية متعاونين في طلب الله ولا يجري بينهم مداهنة، فبقدر ما يرى بعضهم في بضعض صدق الطلب والجد في الاجتهاد ليساعده ويرافقه ويعاونه، فإذا علم منه شيئاً لا يرضاه الله لا يرضى من صاحبه ولا يدار به، فقد قيل: المداراة في الطريقة كفر؛ بل ينصحه بالرفق والموعظة الحسنة، فإذا عاد إلى ما كان عليه وترك ما [لا يرضي ربه] يعود إلى صدق مودته وحسن صحبته كما قال تعالى: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}تفسير : [الإسراء: 8]، وبقوله: {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: 68] يشير إلى أن من أعتقه الله من رق المخلوقات، واختصه بشرف عبوديته في الدنيا لا خوف عليه يوم القيامة من شيء يحجبه عن الله، ولا يحزن على ما فاته من نعيم الدنيا والآخرة مع استغراقه في لجي بحر المعارف والعواطف، ثم وصفهم وشرح سيرتهم فقال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا} [الزخرف: 69]؛ أي: بأنوار شواهد تجلي آثار صفاتنا آمنوا إيماناً عيانياً {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الزخرف: 69] في البداية لأوامرنا ونواهينا في الظاهر، وفي الوسط مسلمين لآداب الطريقة على وفق الشرع بتأديب أرباب الحقيقة في تبديل الأخلاق والتزكية في الباطن، وفي النهاية مسلمين للأحكام الأزلية والتقديرات الإلهية، وجريان الحكم ظاهراً وباطناً في الإخراج عن ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):