٤٤ - ٱلدُّخَان
44 - Ad-Dukhan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله {حـم * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } وجوه من الاحتمالات أولها: أن يكون التقدير: هذه حٰم والكتاب المبين كقولك هذا زيد والله وثانيها: أن يكون الكلام قد تمّ عند قوله {حـم } ثم يقال {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ }، وثالثها: أن يكون التقدير: وحٰم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه، فيكون ذلك في التقدير قسمين على شيء واحد. المسألة الثانية: قالوا هذا يدل على حدوث القرآن لوجوه الأول: أن قوله {حـم } تقديره: هذه حٰم، يعني هذا شيء مؤلف من هذه الحروف، والمؤلف من الحروف المتعاقبة محدث الثاني: أنه ثبت أن الحلف لا يصح بهذه الأشياء بل بإلٰه هذه الأشياء فيكون التقدير ورب حٰم ورب الكتاب المبين، وكل من كان مربوباً فهو محدث الثالث: أنه وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الجمع فمعناه أنه مجموع والمجموع محل تصرف الغير، وما كان كذلك فهو محدث الرابع: قوله {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } والمنزل محل تصرف الغير، وما كان كذلك فهو محدث، وقد ذكرنا مراراً أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشيء المركب من الحروف المتعاقبة والأصوات المتوالية محدث، والعلم بذلك ضروري بديهي، لا ينازع فيه إلا من كان عديم العقل وكان غير عارف بمعنى القديم والمحدث، وإذا كان كذلك فكيف ينازع في صحة هذه الدلائل، إنما الذي ثبت قدمه شيء آخر سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات. المسألة الثالثة: يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة التي أنزلها الله على أنبيائه، كما قال تعالى: { أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الحديد: 25] ويجوز أن يكون المراد اللوح المحفوظ، كما قال: { أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 39] وقال: { أية : وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا } تفسير : [الزخرف: 4] ويجوز أن يكون المراد به القرآن، وبهذا التقدير فقد أقسم بالقرآن على أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه: أستشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك. المسألة الرابعة: {ٱلْمُبِينُ } هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم، فوصفه بكونه مبيناً، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى، لأجل أن الإبانة حصلت به، كما قال تعالى: { أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بني إسرائيل } تفسير : [النمل: 76] وقال في آية أخرى { أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3] وقال: { أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } تفسير : [الروم: 35] فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة، فكأنه ذو لسان ينطق، والمعنى فيه المبالغة في وصفه بهذا المعنى. المسألة الخامسة: اختلفوا في هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون: إنها ليلة القدر، وقال عكرمة وطائفة آخرون: إنها ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها: أنه تعالى قال: { أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] وهٰهنا قال: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض وثانيها: أنه تعالى قال: { أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِي أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] فبيّن أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان، وقال هٰهنا {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان، قال إنها ليلة القدر، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها: أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر { أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ * سَلَـٰمٌ هِيَ } تفسير : [القدر: 4، 5] وقال أيضاً ههنا {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وهذا مناسب لقوله {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا } وههنا قال: {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } وقال في تلك الآية {بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ } وقال ههنا {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وقال في تلك الآية {سَلَـٰمٌ هِيَ } وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى ورابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في «تفسيره»: عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، والإنجيل لثمان عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان، والليلة المباركة هي ليلة القدر وخامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزمان، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة، ومعلوم أن منصب الدين أعلى وأعظم من منصب الدنيا، وأعلى الأشياء وأشرفها منصباً في الدين هو القرآن، لأجل أن به ثبتت نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل في سائر كتب الله المنزّلة، كما قال في صفته { أية : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } تفسير : [المائدة: 48] وبه ظهرت درجات أرباب السعادات، ودركات أرباب الشقاوات، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً منه فلو كان نزوله إنما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر، لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا الأولى، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر التي وقعت في رمضان، علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة، وأما القائلون بأن المراد من الليلة المباركة المذكورة في هذه الآية، هي ليلة النصف من شعبان، فما رأيت لهم فيه دليلاً يعول عليه، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس، فإن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه، وإلا فالحق هو الأول، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة، وقيل إنما سميت بليلة البراءة، وليلة الصك، لأن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله عزّ وجلّ يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال الأول: تفريق كل أمر حكيم فيها، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } والثانية: فضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من صلّى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان »، تفسير : الخصلة الثالثة: نزول الرحمة، قال عليه السلام: « حديث : إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب » تفسير : والخصلة الرابعة: حصول المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة، إلا لكاهن، أو مشاحن، أو مدمن خمر، أو عاق للوالدين، أو مصر على الزنا » تفسير : والخصلة الخامسة: أنه تعالى أعطى رسوله في هذه الليلة تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر، فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر، فأعطي الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير، هذا الفصل نقلته من «الكشاف»، فإن قيل لا شك أن الزمان عبارة عن المدة الممتدة التي تقديرها حركات الأفلاك والكواكب، وأنه في ذاته أمر متشابه الأجزاء فيمتنع كون بعضها أفضل من بعض، والمكان عبارة عن الفضاء الممتد والخلاء الخالي فيمتنع كون بعض أجزائه أشرف من البعض، وإذا كان كذلك كان تخصيص بعض أجزائه بمزيد الشرف دون الباقي ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وإنه محال، قلنا القول بإثبات حدوث العالم وإثبات أن فاعله فاعل مختار بناء على هذا الحرف وهو أنه لا يبعد من الفاعل المختار تخصيص وقت معين بإحداث العالم فيه دون ما قبله وما بعده، فإن بطل هذا الأصل فقد بطل حدوث العالم وبطل الفاعل المختار وحينئذ لا يكون الخوض في تفسير القرآن فائدة، وإن صح هذا الأصل فقد زال ما ذكرتم من السؤال، فهذا هو الجواب المعتمد، والناس قالوا لا يبعد أن يخص الله تعالى بعض الأوقات بمزيد تشريف حتى يصير ذلك داعياً للمكلف إلى الإقدام على الطاعات في ذلك الوقت، ولهذا السبب بيّن أنه تعالى أخفاه في الأوقات وماعيته لأنه لم يكن معيناً جوز المكلف في كل وقت معين أن يكون هو ذلك الوقت الشريف فيصير ذلك حاملاً له على المواظبة على الطاعات في كل الأوقات، وإذا وقعت على هذا الحرف ظهر عندك أن الزمان والمكان إنما فازا بالتشريفات الزائدة تبعاً لشرف الإنسان فهو الأصل وكل ما سواه فهو تبع له، والله أعلم. المسألة السادسة: روي أن عطية الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله { أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] وقوله {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا في نفسك ولم تجد جوابه هلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور، وهو في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالاً فحالا، والله أعلم. المسألة السابعة: في بيان نظم هذه الآيات، اعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها: بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته الثاني: بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه الثالث: بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته، أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه أحدها: أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه وثانيها: أنه تعالى أقسم به على كونه نازلاً في ليلة مباركة، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه في غاية الشرف وثالثها: أنه تعالى وصفه بكونه مبيناً وذلك يدل أيضاً على شرفه في ذاته. وأما النوع الثاني: وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو قوله {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } وهذا تنبيه على أن نزوله في ليلة مباركة يقتضي شرفه وجلالته، ثم نقول إن قوله {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } يقتضي أمرين: أحدها: أنه تعالى أنزله والثاني: كون تلك الليلة مباركة فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما، أما بيان أنه تعالى لم أنزله فهو قوله {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } يعني الحكمة في إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران: أحدهما: أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم، والثاني: أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصاً بشرف أنه إنما يظهر من عنده، وإليه الإشارة بقوله {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا }. وأما النوع الثالث: فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } فبيّن أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى، ثم بيّن أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين، ثم بيّن أن تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم، ويعلم أنواع حاجاتهم، فلهذا قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض. المسألة الثامنة: في تفسير مفردات هذه الألفاظ، أما قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أنزل في كل وقت ما يحتاج إليه المكلف، وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. أما قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ } أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ويبين من قوله فرقت الشيء أفرقه فرقاً وفرقاناً، قال صاحب «الكشاف» وقرىء يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصب كل والفارق هو الله عز وجل، وقرأ زيد ابن علي نفرق بالنون. أما قوله {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } فالحكيم معناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله تعالى، فلما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة، وهذا من الإسناد بالمجازي، لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز، ثم قال: {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } وفي انتصاب قوله {أمْراً } وجهان: الأول: أنه نصب على الاختصاص، وذلك لأنه تعالى بيّـن شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة، ثم زاد في بيان شرفها بأن قال أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كائناً من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا والثاني: أنه نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون حال من أحد الضميرين في {أَنزَلْنَـٰهُ }، إما من ضمير الفاعل أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً أو من ضمير المفعول أي: إنا أنزلناه في حال كونه أمراً من عندنا بما يجب أن يفعل والثالث: ما حكاه أبوعلي الفارسي عن أبي الحسن رحمهما الله أنه حمل قوله {أمْراً } على الحال وذو الحال قوله {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وهو نكراً. ثم قال: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } يعني أنا إنما فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين يعني الأنبياء. ثم قال: {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } أي للرحمة فهي نصب على أن يكون مفعولاً له. ثم قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يعني أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين، إما أن يذكروا بألسنتهم حاجاتهم، وإما أن لا يذكروها فإن ذكروها فهو تعالى يسمع كلامهم فيعرف حاجاتهم، وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها فثبت أن كونه سميعاً عليماً يقتضي أن ينزل رحمته عليهم. ثم قال: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الباء من رب عطفاً على قوله {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } والباقون بالرفع عطفاً على قوله {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }. المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية أن المنزل إذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة. المسألة الثالثة: الفائدة في قوله {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } من وجوه الأول: قال أبو مسلم معناه إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا، كقولهم فلان منجد متهم أي يريد نجداً وتهامة والثاني: قال صاحب «الكشاف» كانوا يقرون بأن للسمـٰوات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب سبحانه وتعالى، ثم قيل إن هذا هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم ويقين، كما تقول هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وسمعت قصته، ثم إنه تعالى رد أن يكونوا موقنين بقوله {بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ } وأن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ولا عن جد وحقيقة بل قول مخلوط بهزء ولعب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : إن جعلت «حۤم» جواب القسم تمّ الكلام عند قوله: {ٱلْمُبِينِ } ثم تبتدىء «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ». وإن جعلت «إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ» جواب القسم الذي هو «الْكِتَابِ» وقفت على «مُنْذِرِينَ» وابتدأت «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ». وقيل: الجواب «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ»، وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمُقْسَم به، ولا تكون صفة المقسم به جواباً للقَسَم، والهاء في «أَنْزَلْنَاهُ» للقرآن. ومن قال: أقسم بسائر الكتب فقوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} كنى به عن غير القرآن، على ما تقدّم بيانه في أوّل «الزخرف». والليلة المباركة ليلة القدر. ويقال: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصَّك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لسِتّ مضَيْن من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان»تفسير : . ثم قيل: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل نَجْماً نَجْماً في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل: كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل: كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة. وقال عكرمة: الليلة المباركة هاهنا ليلة النصف من شعبان. والأوّل أصح لقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1]. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185]، ويأتي آنفاً إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : مكية إِلا قَوْلُهُ تَعَالَى :{ إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ } الآية، وهي سبع أو تسع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {حَـم وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} القرآن والواو للعطف إن كان {حـم} مقسماً به وإلا فللقسم والجواب قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} ليلة القدر، أو البراءة ابتدىء فيها إنزاله، أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، ثم أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نجوماً وبركتها لذلك، فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية والدنيوية، أو لما فيها من نزول الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وقسم النعمة وفصل الأقضية. {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} استئناف يبين المقتضى للإنزال وكذلك قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} فَإِن كونها مفرق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها، ويجوز أن يكون صفة {لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} وما بينهما اعتراض، وهو يدل على أن الليلة ليلة القدر لأنه صفتها لقوله: {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ} وقرىء «يُفْرَقُ» بالتشديد و {يُفْرَقُ} كل أي يفرقه الله، و«نفرق» بالنون. {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا} أي أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا على مقتضى حكمتنا، وهو مزيد تفخيم للأمر ويجوز أن يكون حالاً من كل أوامر، أو ضميره المستكن في {حَكِيمٌ} لأنه موصوف، وأن يكون المراد به مقابل النهي وقع مصدراً لـ {يُفْرَقُ} أو لفعله مضمراً من حيث أن الفرق به، أو حالاً من أحد ضميري {أَنزَلْنَـٰهُ} بمعنى آمرين أو مأموراً. {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ }. {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} بدل من {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} أي أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم، وضع الرب موضع الضمير للإِشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك، فإنه أعظم أنواع التربية أو علة لـ {يُفْرَقُ } أو {أمْراً }، و {رَحْمَةً } مفعول به أي يفصل فيها كل أمر أو تصدر الأوامر {مّنْ عِنْدِنَا} لأن من شأننا أن نرسل رحمتنا، فإن فصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها وصدور الأوامر الإِلهية من باب الرحمة، وقرىء {رَحْمَةً } على تلك رحمة. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم، وهو بما بعده تحقيق لربوبيته فإنها لا تحق إلا لمن هذه صفاته. {رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } خبر آخر أو استئناف. وقرأ الكوفيون بالجر بدلاً {مِن رَبّكَ}. {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم، أو كنتم موقنين في إقراركم إذا سئلتم من خلقها؟ فقلتم الله، علمتم أن الأمر كما قلنا، أو إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إذ لا خالق سواه. {يُحْيِي وَيُميتُ} كما تشاهدون. {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} وقرئا بالجر بدلاً {مِن رَبّكَ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال عز وجل: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تبارك وتعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىۤ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185] وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان؛ كما روي عن عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى» تفسير : فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص. وقوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعاً؛ لتقوم حجة الله على عباده. وقوله: { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد من السلف. وقوله جل وعلا: {حَكِيمٍ} أي: محكم، لا يبدل ولا يغير، ولهذا قال جل جلاله: {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه، فبأمره وإذنه وعلمه {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي: إلى الناس رسولاً يتلو عليهم آيات الله مبينات؛ فإن الحاجة كانت ماسة إليه، ولهذا قال تعالى: {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي: الذي أنزل القرآن هو رب السموات والأرض، وخالقهما ومالكهما وما فيهما {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي: إن كنتم متحققين. ثم قال تعالى: { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ} تفسير : [الأعراف: 158] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حم } الله أعلم بمراده به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {حـم * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } قد تقدّم في السورتين المتقدمتين قبل هذه السورة الكلام على هذا معنى، وإعراباً، وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } جواب القسم، وإن جعلت الجواب {حمۤ} كانت هذه الجملة مستأنفة، وقد أنكر بعض النحويين أن تكون هذه الجملة جواباً للقسم، لأنها صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم به جواباً للقسم، وقال: الجواب {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ }، واختاره ابن عطية، وقيل: إن قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } جواب ثانٍ، أو جملة مستأنفة مقرّرة للإنزال، وفي حكم العلة له كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار، والضمير في {أنزلناه} راجع إلى الكتاب المبين، وهو: القرآن. وقيل: المراد بالكتاب: سائر الكتب المنزّلة والضمير في {أنزلناه} راجع إلى القرآن على معنى: أنه سبحانه أقسم بسائر الكتب المنزّلة: أنه أنزل القرآن، والأوّل أولى. والليلة المباركة: ليلة القدر كما في قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة القدر. قال عكرمة: الليلة المباركة هنا: ليلة النصف من شعبان. وقال قتادة: أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أمّ الكتاب، وهو: اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة، وقد تقدّم تحقيق الكلام في هذا في البقرة عند قوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وقال مقاتل: كان ينزل من اللوح كل ليلة قدر من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام. ووصف الله سبحانه هذه الليلة، بأنها مباركة لنزول القرآن فيها، وهو مشتمل على مصالح الدين والدنيا، ولكونها تتنزّل فيها الملائكة، والروح كما سيأتي في سورة القدر، ومن جملة بركتها ما ذكره الله سبحانه ها هنا بقوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }، ومعنى يفرق: يفصل، ويبين من قولهم: فرقت الشي أفرقه فرقاً، والأمر الحكيم: المحكم، وذلك أن الله سبحانه يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت، وبسط وقبض، وخير وشرّ، وغير ذلك، كذا قال مجاهد، وقتادة، والحسن، وغيرهم. وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة، وما بينهما اعتراض، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها. قرأ الجمهور: {يفرق} بضمّ الياء، وفتح الراء مخففاً، وقرأ الحسن، والأعمش، والأعرج بفتح الياء وضم الراء، ونصب كل أمر، ورفع حكيم على أنه الفاعل. والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي: ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان، لأن الله سبحانه أجملها هنا، وبينها في سورة البقرة بقوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وبقوله في سورة القدر: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1]، فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف، ولا ما يقتضي الاشتباه {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } قال الزجاج، والفراء: انتصاب {أمراً} بـ {يفرق}، أي: يفرق فرقاً، لأن أمراً بمعنى: فرقاً. والمعنى: إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل قولك: يضرب ضرباً. قال المبرد: {أمراً} في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالاً. وقال الأخفش: انتصابه على الحال، أي: آمرين. وقيل: هو منصوب على الاختصاص، أي: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، وفيه تفخيم لشأن القرآن، وتعظيم له. وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب {أمراً} اثني عشر وجهاً أظهرها ما ذكرناه، وقرأ زيد بن علي: (أمر) بالرفع، أي: هو أمر {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } هذه الجملة إما بدل من قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ }، أو جواب ثالث للقسم، أو مستأنفة. قال الرازي: المعنى: إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين للأنبياء {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } انتصاب {رحمة} على العلة، أي: أنزلناه للرحمة، قاله الزجاج. وقال المبرد: إنها منتصبة على أنها مفعول لمرسلين أي: إنا كنا مرسلين رحمة. وقيل: هي مصدر في موضع الحال، أي: راحمين، قاله الأخفش. وقرأ الحسن: (رحمة) بالرفع على تقدير هي رحمة {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لمن دعاه {ٱلْعَلِيمُ } بكل شيء. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدلّ على عظيم قدرته الباهرة، فقال: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض وَمَا بَيْنَهُمَا } قرأ الجمهور: (ربُّ) بالرفع عطفاً على السميع العليم، أو على أنه مبتدأ، وخبره {لا إلٰه إلاّ هو}، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو ربّ، وقرأ الكوفيون: {ربّ} بالجرّ على أنه بدل من ربك، أو بيان له، أو نعت {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } بأنه ربّ السمٰوات، والأرض، وما بينهما، وقد أقرّوا بذلك كما حكاه الله عنهم في غير موضع، وجملة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } مستأنفة مقرّرة لما قبلها، أو خبر ربّ السموات كما مرّ، وكذلك جملة {يُحْيِـي وَيُمِيتُ}، فإنها مستأنفة مقرّرة لما قبلها {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأوَّلِينَ } قرأ الجمهور بالرفع على الاستئناف بتقدير مبتدأ، أي: هو ربكم، أو على أنه بدل من {ربّ السموات}، أو بيان، أو نعت له، وقرأ الكسائي في رواية الشيرازي عنه، وابن محيصن، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، والحسن بالجرّ، ووجه الجرّ ما ذكرناه في قراءة من قرأ بالجرّ في ربّ السمٰوات {بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ } أضرب عن كونهم موقنين إلى كونهم في شكّ من التوحيد والبعث، وفي إقرارهم بأن الله خالقهم، وخالق سائر المخلوقات، وأن ذلك منهم على طريقة اللعب والهزو، ومحلّ {يلعبون} الرفع على أنه خبر ثان، أو النصب على الحال. {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، لأن كونهم في شك ولعب يقتضي ذلك؛ والمعنى: فانتظر لهم يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين، وقيل المعنى: احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين. وقد اختلف في هذا الدخان المذكور في الآية متى يأتي؟ فقيل: إنه من أشراط الساعة، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً. وقد ثبت في الصحيح: أنه من جملة العشر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة، وقيل: إنه أمر قد مضى، وهو ما أصاب قريشاً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان الرجل يرى بين السماء، والأرض دخاناً، وهذا ثابت في الصحيحين، وغيرهما: وذلك حين دعا عليهم النبي بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، وكان الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وقيل: إنه يوم فتح مكة، وسيأتي في آخر البحث بيان ما يدلّ على هذه الأقوال. وقوله: {يَغْشَى ٱلنَّاسَ } صفة ثانية لدخان، أي: يشملهم، ويحيط بهم {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: يقولون هذا عذاب أليم، أو قائلين ذلك، أو يقول الله لهم ذلك {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } أي: يقولون ذلك، وقد روي أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، والمراد بالعذاب: الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان، أو يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة، أو إذا رأوه يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال. والراجح منها: أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجهد، وشدّة الجوع، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضاً ما قيل: إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه. {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذّكْرَىٰ } أي: كيف يتذكرون، ويتعظون بما نزل بهم والحال أن {قَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ } يبين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر الدين، والدنيا {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } أي: أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم، ولم يكتفوا بمجرّد الإعراض عنه، بل جاوزوه {وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } أي قالوا: إنما يعلمه القرآن بشر، وقالوا: إنه مجنون، فكيف يتذكر هؤلاء، وأنى لهم الذكرى. ثم لما دعوا الله بأن يكشف عنهم العذاب، وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا أجاب سبحانه عليهم بقوله: {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً } أي: إنا نكشفه عنهم كشفاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، ثم أخبر الله سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا عليه من الشرك، ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان، فقال: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } أي: إلى ما كنتم عليه من الشرك، وقد كان الأمر هكذا، فإن الله سبحانه لما كشف عنهم ذلك العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، والعناد، وقيل المعنى: إنكم عائدون إلينا بالبعث، والنشور، والأوّل أولى {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ } الظرف منصوب بإضمار اذكر، وقيل: هو بدل من يوم تأتي السماء، وقيل: هو متعلق بـ {منتقمون}، وقيل: بما دلّ عليه منتقمون، وهو ننتقم. والبطشة الكبرى: هي: يوم بدر، قاله الأكثر. والمعنى: أنهم لما عادوا إلى التكذيب، والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم بوقعة بدر. وقال الحسن، وعكرمة: المراد بها: عذاب النار، واختار هذا الزجاج، والأوّل أولى. قرأ الجمهور: {نبطش} بفتح النون، وكسر الطاء، أي: نبطش بهم، وقرأ الحسن، وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة، وقرأ أبو رجاء، وطلحة بضم النون، وكسر الطاء. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس {فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ونزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً لجواب الناس. وأخرج محمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } قال: يكتب من أمّ الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق وموت، وحياة، ومطر، حتى يكتب الحاج: يحج فلان، ويحج فلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } قال: أمر السنة إلى السنة إلا الشقاء والسعادة، فإنه في كتاب الله لا يبدّل، ولا يغير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } الآية، يعني: ليلة القدر، قال: ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل من موت، أو حياة، أو رزق، كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها. وأخرج ابن زنجويه، والديلمي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح، ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى»تفسير : . وأخرجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، وهذا مرسل، ولا تقوم به حجة، ولا تعارض بمثله صرائح القرآن. وما روي في هذا، فهو إما مرسل، أو غير صحيح. وقد أورد ذلك صاحب الدرّ المنثور، وأورد ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان، وذلك لا يستلزم أنها المراد بقوله: {في ليلة مباركة}. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن مسعود: أن قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطئوا عن الإسلام قال: «حديث : اللهمّ أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»تفسير : ، فأصابهم قحط، وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } الآية، فأتي النبي فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر، فاستسقى لهم، فسقوا، فأنزل الله: {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ }، فانتقم الله منهم يوم بدر، فقد مضى البطشة، والدخان، واللزام. وقد روي عن ابن مسعود، نحو هذا من غير وجه، وروي نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت: لم؟ قال: طلع الكوكب، فخشيت أن يطرق الدخان. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، وكذا صححه السيوطي، ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية. وقد عرّفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدّخان من آيات الساعة، وعلاماتها، وأشراطها، فقد وردت أحاديث صحاح، وحسان، وضعاف بذلك، وليس فيها أنه سبب نزول الآية، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، والواجب التمسك بما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: أن دخان قريش عند الجهد، والجوع هو سبب النزول، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي هو من أشراط الساعة كابن كثير في تفسيره، وغيره، وهكذا يندفع قول من قال: إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكاً بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال: كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين على تقدير صحة إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه ظنّ من وقوع ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرّح بأنه سبب نزولها. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى: يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم القيامة. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح. وقال ابن كثير قبل هذا: فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدّخان بما تقدّم، وروي أيضاً عن ابن عباس من رواية العوفي عنه، وعن أبيّ بن كعب، وجماعة، وهو محتمل. والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضاً. انتهى. قلت: بل الظاهر أنه يوم بدر، وإن كان يوم القيامة يوم بطشة أكبر من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاص من الإنس والجنّ.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} يعني والقرآن المبين، فأقسم به، وفي قسمه بــ{حم} وجهان من اختلافهم في تأويله. {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} يعني القرآن أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. {فِي لَيلَةِ مُّبَارَكَةٍ} فيها قولان: أحدهما: أنها ليلة النصف من شعبان؛ قاله عكرمة. الثاني: أنها ليلة القدر. روى قتادة عن وائلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ في أَوَّلِ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ، وَأُنزِلَت التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضَانَ وَأُنزِلَ الزَّبُورُ لاثْنَتَي عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ، وَأُنزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضَانَ. وَأُنزِلَ القْرآنُ لأَرْبعٍ وَعشرِينَ مِن رَمَضَانَ " تفسير : وفي تسميتها مباركة وجهان: أحدهما: لما ينزل فيها من الرحمة. الثاني: لما يجاب فيها من الدعاء. {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} بالقرآن من النار. ويحتمل: ثالثاً: منذرين بالرسل من الضلال. {فِيهَا} في هذه الليلة المباركة. {يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وفي يفرق أربعة أوجه: أحدها: يقضى، قاله الضحاك. الثاني: يكتب، قاله ابن عباس. الثالث: ينزل، قاله ابن زيد. الرابع: يخرج، قاله ابن سنان. وفي تأويل {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أربعة أوجه: أحدها: الآجال والأرزاق والسعادة والشقاء من السنة إلى السنة، قاله ابن عباس. الثاني: كل ما يقضى من السنة إلى السنة، إلا الشقاوة والسعادة فإنه في أم الكتاب لا يغير ولا يبدل، قاله ابن عمر. الثالث: كل ما يقضى من السنة إلى السنة إلا الحياة والموت، قاله مجاهد. الرابع: بركات عمله من انطلاق الألسن بمدحه، وامتلاء القلوب من هيبته، قاله بعض أصحاب الخواطر. الحكيم هنا هو المحكم. وليلة القدر باقية ما بقي الدهر، وهي في شهر رمضان في العشر الأواخر منه. ولا وجه لقول من قال إنها رفعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم، ولا لقول من جوزها في جميع السنة لأن الخبر والأثر والعيان يدفعه. واختلف في محلها من العشر الأواخر من رمضان على أقاويل ذكرها في سورة القدر أولى. قوله عز وجل: {أَمْراً مِنْ عِندِنَا} فيه قولان: أحدهما: أن الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده، حكاه النقاش. الثاني: أنه ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده, قاله ابن عيسى. ويحتمل: ثالثاً: أنه إرسال محمد صلى الله عليه وسلم نبياً. {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مرسلين الرسل للإنذار. الثاني: منزلين ما قضيناه على العباد. الثالث: مرسلين رحمة من ربك. وفي{رَحْمَةً مِّن رِّبِّكَ} هنا وجهان: أحدهما: أنها نعمة الله ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنها رأفته بهداية من آمن به. {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لقولهم {الْعَلِيمُ} بفعلهم.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في: {حم}. وقوله: {والكتاب المبين} قسم أقسم الله تعالى به. و: {المبين} يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي، أي يبين الهدى والشرع ونحوه، ويحتمل أن يكون من غير المتعدي، أي هو مبين في نفسه. وقوله تعالى: {إنا أنزلناه} يحتمل أن يقع القسم عليه، ويحتمل أن يكون: {إنا أنزلناه} من وصف الكتاب فلا يحسن وقوع القسم عليه، وهذا اعتراض يتضمن تفخيم الكتاب ويحسن القسم به، ويكون الذي وقع القسم عليه: {إنا كنا منذرين}. واختلف الناس في تعيين الليلة المباركة، فقال قتادة والحسن: هي ليلة القدر، وقالوا: إن كتب الله كلها إنما نزلت في رمضان: التوراة في أوله، والإنجيل في وسطه، والزبور في نحو ذلك ونزل القرآن في آخره في ليلة القدر، ومعنى هذا النزول: أن ابتداء النزول كان في ليلة القدر، وهذا قول الجمهور. وقالت فرقة: بل أنزله الله جملة ليلة القدر إلى البيت المعمور، ومن هنالك كان جبريل يتلقاه. وقال عكرمة وغيره: الليلة المباركة هي النصف من شعبان. وقوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا} معناه: يفصل من غيره ويتخلص، وروي عن عكرمة في تفسير هذه الآية أن الله تعالى يفصل للملائكة في ليلة النصف من شعبان، وقال الحسن وعمير مولى غفرة ومجاهد وقتادة: في ليلة القدر كل ما في العام المقبل من الأقدار والآجال والأرزاق وغير ذلك، ويكتب ذلك لهم إلى مثلها من العام المقبل. قال هلال بن يساف كان يقال: انتظروا القضاء من شهر رمضان. وروي في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الرجل يتزوج ويعرس وقد خرج اسمه في الموتى، لأن الآجال تقطع في شعبان ". تفسير : وقرأ الحسن والأعرج والأعمش: "يَفرُق" بفتح الياء وضم الراء. و: {حكيم} بمعنى محكم. وقوله: {أمراً من عندنا} نصب على المصدر. وقوله: {من عندنا} صفة لقوله: {أمراً}. وقوله: {إنا كنا مرسلين} يحتمل أن يريد الرسل والأنبياء، ويحتمل أن يريد الرحمة التي ذكر بعد، وعلى التأويل الأول نصب قوله: {رحمة} على المصدر، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال. وقوله: {إن كنتم موقنين} تقرير وتثبيت، أي إن كنت موقناً بهذا يكون يقينك، كما تقول لإنسان تقيم نفسه: العلم غرضك إن كنت رجلاً. وقوله: {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي مالككم ومالك آبائكم الأولين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: "ربُّ السماوات" بالرفع على القطع والاستئناف، وهي قراءة الأعرج وابن أبي إسحاق وأبي جعفر وشيبة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالكسر على البدل {من ربك} المتقدم، وهي قراءة ابن محيصن والأعمش. وأما قوله تعالى: "ربُّكم وربُّ" فالجمهور على رفع الباء. وقرأ الحسن بالكسر،رواها أبو موسى عن الكسائي. وقوله تعالى: {بل هم في شك} إضراب قبله نفي مقدر، كأنه يقول: ليس هؤلاء ممن يؤمن ولا ممن يتبع وصاة، بل هم في شك يلعبون في أقوالهم وأعمالهم. واختلف الناس في الدخان الذي أمر الله تعالى بارتقابه، فقالت فرقة منها علي بن أبي طالب وزيد بن علي وابن عمر وابن عباس والحسن بن أبي الحسن وأبو سعيد الخدري: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام، وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين حتى تكون كأنها مصلية حنيذة. وقالت فرقة منها عبد الله بن مسعود وأبو العالية وإبراهيم النخعي: هو الدخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع يوسف، فكان الرجل يرى من الجدب والجوع دخاناً بينه وبين السماء، وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل. وقال ابن مسعود: خمس قد مضين، الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم وذكر الطبري حديثاً عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أول آيات الساعة الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن"، تفسير : وضعف الطبري سند هذا الحديث، واختار قول ابن مسعود رضي الله عنه في الدخان قال: ويحتمل إن صح حديث حذيفة أن يكون قد مر دخان ويأتي دخان.
النسفي
تفسير : في الخبر «من قرأها ليلة جمعة أصبح مغفوراً له». {حـم وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } أي القرآن. الواو في {وَٱلْكِتَـٰبِ } واو القسم. إن جعلت {حـم } تعديداً للحروف، أو اسماً للسورة مرفوعاً على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف إن كانت {حـم } مقسماً بها وجواب القسم {إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } أي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان. وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. والجمهور على الأول لقوله { أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }تفسير : [القدر: 1] وقوله {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ }تفسير : [البقرة: 185] وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان. ثم قالوا: أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل في وقت وقوع الحاجة إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ابتداء نزوله في ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ } هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكمية وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. ومعنى {يُفْرَقُ } يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة {حَكِيمٍ} ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجازاً. {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَا } نصب على الاختصاص جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وفخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } بدل من {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} مفعول له على معنى أنزلنا القرآن. لأن من شأننا وعادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، أو تعليل لقوله {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا }، و {رَحْمَةً } مفعول به. وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله {أية : وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ }تفسير : [فاطر: 2] والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا فوضع الظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ } بأحوالهم {رَبِّ} كوفي بدل من {رَبَّكَ} وغيرهم بالرفع أي هو ربٌ {ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } ومعنى الشرط أنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرّون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان كما تقول: إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته {لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِى وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ } أي هو ربكم {وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} عطف عليه. ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله {بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ } وإن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزؤ ولعب {فَٱرْتَقِبْ } فانتظر {يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ } يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص. وقيل: إن قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: «حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»تفسير : فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان {مُّبِينٍ} ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان {يَغْشَى ٱلنَّاسَ } يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة لـ {دُخَان} وقوله {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } أي سنؤمن إن تكشف عنا العذاب منصوب المحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب المحل على الحال أي قائلين ذلك {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ } كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب {وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } أي وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الاذّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات والبينات من الكتاب المعجز وغيره فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأن عدّاساً غلاماً أعجمياً لبعض ثقيف هو الذي علمه ونسبوه إلى الجنون {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً } زماناً قليلاً أو كشفاً قليلاً {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} إلى الكفر الذي كنتم فيه أو إلى العذاب {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ } هي يوم القيامة أو يوم بدر {إِنَّا مُنتَقِمُونَ } أي ننتقم منهم في ذلك اليوم. وانتصاب {يَوْمَ نَبْطِشُ } بـ «اذكر» أو بما دل عليه {إِنَّا مُنتَقِمُونَ } وهو ننتقم لا بـ {مُنتَقِمُونَ } لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها. {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ } قبل هؤلاء المشركين أي فعلنا بهم فعل المختبر ليظهر منهم ما كان باطناً {قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه حسيب نسيب لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا من سراة قومه وكرامهم {أَنْ أَدُّوآ إِلَىَّ } هي «أن» المفسرة لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله، أو المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدوا إليَّ سلِّموا إلي {عِبَادَ ٱللَّهِ } هو مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول: أدوهم إلي وأرسلوهم معي كقوله: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ }تفسير : [طه: 47]. ويجوز أن يكون نداء لهم على معنى أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بقوله {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي على رسالتي غير متهم {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ } «أن» هذه مثل الأولى في وجهيها أي لا تستكبروا على الله بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبي الله {أَنِّى ءَاتِيكُم بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ} بحجة واضحة تدل على أني نبي {وَإِنِّى عُذْتُ } مدغم: أبو عمرو وحمزة وعلي {بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } أن تقتلوني رجماً ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم فهو غير مبالٍ بما كانوا يتوعدونه من الرجم والقتل {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ } أي إن لم تؤمنوا لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن فتنحوا عني، أو فخلوني كفافاً لا لي ولا عليَّ ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ذلك. {ترجموني}، {فاعتزلوني} في الحالين: يعقوب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {حم والكتاب المبين} يعني المبين ما يحتاج الناس إليه من حلال وحرام وغير ذلك من الأحكام {وإنا أنزلناه في ليلة مباركة} قيل هي ليلة القدر أنزل الله تعالى فيها القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوماً على حسب الوقائع في عشرين سنة، وقيل هي ليلة النصف من شعبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب" تفسير : أخرجه الترمذي. {إنا كنا منذرين} أي مخوفين عقابنا {فيها} أي في تلك الليلة المباركة {يفرق} أي يفصل {كل أمر حكيم} أي محكم، قال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال: يحج فلان ويحج فلان وقيل هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات، وروى البغوي بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى" تفسير : وعن ابن عباس "إن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر" {أمراً} أي أنزلنا أمراً {من عندنا إنا كنا مرسلين} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {رب السموات} بالجر على البدل {من ربك}: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالرفع {أني آتيكم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {ترجموني} {فاعتزلوني} بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل {لي} بالفتح: ورش {فكهين} بغير الألف: يزيد {يغلي} على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان. الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة {فاعتلوه} بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب. الآخرون: بالكسر {ذق أنك} بفتح الهمزة على حذف لام التعليل. {في مقام} بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الوقوف: {حم} كوفي ه {المبين} ه لا ومن لم يقف على {حم} وقف على {المبين} {منذرين} ه {حكيم} ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً {من عندنا} ط {مرسلين} ه ج لاحتمال أن {رحمة} مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة {من ربك} ط {العليم} ه لا لمن خفض {رب} {بينهما} ط {موقنين} ه {ويميت} ط {الأولين} ه {يلعبون} ه {مبين} ه ط {الناس} ط {أليم} ه {مؤمنون} ه {مبين} ه لا للعطف {مجنون} ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار {عائدون} ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود {الكبرى} ج لاحتمال التعليل {منتقمون} ه {كريم} ه لا {عباد الله} ط {أمين} ه {على الله} ج {مبين} ه ج {ترجمون} ه {فاعتزلون} ه {مجرمون} ه {متبعون} ه لا {رهوا} ط {مغرقون} ه {وعيون} ه لا {كريم} ه لا {فاكهين} ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت {آخرين} ه {منظرين} ه {المهين} ه لا {من فرعون} ط {المفسرين} ه {العالمين} ه ج {مبين} ه {ليقولون} ه لا {بمنشرين} ه {صادقين} ه {تبع} لا للعطف {من قبلهم} ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار {أهلكناهم} ج لأن التعليل أوضح {مجرمين} ه {لاعبين} ه {لا يعلمون} ه {أجمعين} ه لا لأن ما بعده بدل {ولا هم ينصرون} ه لا {رحم الله} ط {الرحيم} ه {الأثيم} ه ج لاحتمال أن يكون {كالمهل} خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف {في البطون} لا {الحميم} ه {الجحيم} ه {الحميم} ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق {الكريم} ه {تمترون} ه {أمين} ه لا {وعيون} ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {متقابلين} ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك {عين} ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور {آمنين} ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به {الأولى} ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد {الجحيم} ه لا لأن {فضلاً} مفعول به {من ربك} ط {العظيم} ه {يتذكرون} ه {مرتقبون} ه. التفسير: أقسم بالقرآن {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله {إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم} كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم {إنا كنا منذرين} وقوله {إنا أنزلناه} اعتراض. والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة. وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله {أية : إنا أنزلناه في ليلة القدر}تفسير : [القدر: 1] وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان. ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر. وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان. وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه. قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان. "تفسير : وقال " حديث : إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" تفسير : وقال: "حديث : إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" تفسير : ومما أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير. ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. ومعنى {يفرق} يفصل ويكتب {كل أمر} هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته. وفي انتصاب {أمراً} وجوه: إما أن يكون حالاً من {أمر حكيم} لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في {أنزلناه} أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو {يفرق} لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله {إنا كنا مرسلين} يجوز أن يكون بدلاً من قوله تعالى {إنا كنا منذرين} أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله {أمراً من عندنا} وقوله {من ربك} وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة. ثم حقق ربوبيته بقوله {إنه هو السميع العليم} إلى قوله الأولين. ومعنى الشرط في قوله {إن كنتم موقنين} نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض. قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك. وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله {بل هم في شك يلعبون} في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله {فارتقب} و {يوم} مفعول به أي انتظره. والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين. وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر"تفسير : أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها. وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم. وقيل: الدخان الشر والفتنة. وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام. وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف. فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان. فمشى إليه صلى الله عليه وسلم أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا. فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله {هذا عذاب} أي قائلين هذا إلى آخره. ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم} ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا {وتولوا عنه} واتهموه صلى الله عليه وسلم بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون. ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين. ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً. واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى. والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين. و {يوم} ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله. وقيل: بدل من {يوم تأتي السماء} ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقصة موسى. ومعنى {فتنا} امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال {أية : فقولا له قولاً ليناً}تفسير : [طه: 44] "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف. و {عباد الله} مفعول به لقوله {أية : أرسل معنا بني إسرائيل}تفسير : [طه: 47] أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة. والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و {وأن ترجمون} أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر {وإن لم تؤمنوا لي} أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي {فدعا ربه} شاكياً {أن هؤلاء قوم مجرمون} مصرون على الكفر {فأسر} أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم. ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" {أية : ربنا اطمس على أموالهم}تفسير : [الآية: 88] وفي {رهواً} وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه. ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً. وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله تعالى أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله. والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء". وقوله {فما بكت} كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "حديث : وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء"تفسير : وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك. وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك. قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية "تفسير : . ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم. وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين {وما كانوا إذا منظرين} أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا. قوله {من فرعون} بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه. وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه. وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس {من فرعون} على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال. ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله {ولقد اخترناهم} بإيتاء الملك والنبوة {على علم} منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم. ولا ريب أن هذا قبل التحريف. وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها. ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله {بل هم في شك يلعبون} فقال {إن هؤلاء} يعني كفار قريش {ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر {أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا}تفسير : [المؤمنون: 37] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً. ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات {وما نحن بمنشرين} أنشر الله الموتى أحياهم {فأتوا} أيها النبي والذين آمنوا معه {بآبائنا إن كنتم صادقين} يروى أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله {أهم خير أم قوم تبع} أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة. ابن عباس: تبع نبي. أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي"تفسير : رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه. وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً. وعن سعيد بن جبير كسا البيت. وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند. وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً. ثم برهن على صحة البعث بقوله {وما خلقنا} إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره. وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة {رب السموات} وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله. والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة. والضمير في {لا ينصرون} للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه. وقوله {إلا من رحم الله} في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء {إنه هو العزيز} الغالب على من عصى {الرحيم} لمن أطاع. ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال {إن شجرت الزقوم} وقد مر تفسيرها في الصافات. و {الأثيم} مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر. والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف". ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله {أية : طلعها كأنه رؤوس الشياطين}تفسير : [الصافات: 65] هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً {يغلي} إلى آخره. ثم أخبر أنه سبحانه يقول للزبانية {خذوه} أي خذوا الأثيم {فاعتلوه} جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار. ومنه العتل للجافي الغليظ. وقوله {من عذاب الحميم} دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته. يروي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية. أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه {إن هذا} العذاب {ما كنتم به تمترون} تشكون. ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. وقوله {وزوجناهم} اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا. والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن. وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان. وهكذا اختلفوا في الحور. فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر. وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا. {يدعون} أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان {آمنين} من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته. فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة. وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى. ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
الثعالبي
تفسير : {حمۤ * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ...} الآية، قوله: {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} قَسَمٌ أقسم اللَّه تعالى به، وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ} يحتمل أنْ يقَعَ القَسَمُ عليه، ويحتملُ أَنْ يكون وصفاً للكتاب، ويكون الذي وقع القَسَمُ عليه {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}، واخْتُلِفَ في تعيين الليلة المباركة، فقال قتادَةُ، والحسن، وابن زيد: هي ليلة القَدْرِ، ومعنى هذا النزول أَنَّ ابتداء نزوله كان في ليلة القَدْرِ؛ وهذا قول الجمهور،، وقال عِكْرَمَةَ: الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، قال القُرْطُبِيُّ: والصحيح أَنَّ الليلةَ التي يُفْرَقُ فِيهَا كُلَّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، ليلةُ القَدْرِ مِنْ شَهْر رمضانَ، وهي الليلة المباركة، انتهى من «التذكرة»، ونحوُهُ لابن العربيِّ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} فيه احتمالان: الأول: أن يكون التقدير: هذه حمۤ والكِتَابِ المُبِين، كقولك: هَذَا زَيْدٌ واللهِ. الثاني: أن يكون التقدير: (و) حمۤ وَالكِتَابِ المبين إنَّا أَنْزَلْنَاهُ؛ فيكون في ذلك تقدير قسمين على شيء واحد. قوله: "إنَّا أَنْزَلْنَاهُ" يجوز أن يكون جواب القسم، وأن يكون اعتراضاً، والجواب قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} واختاره ابن عطية. وقيل: إنَّا كُنَّا (مُنْذِرِينَ) مستأنف، أو جواب ثانٍ من غير عاطف. قوله: "يُفْرَقُ" يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن تكون صفة لليلة وما بينهما اعتراض. قال الزمخشري: فإن قلتَ: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} "فِيهَا يُفْرَقُ" ما موقع هاتين الجملتين؟. قلتُ: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان، فسر بهما جواب القسم الذي هو: "إنَّا أَنْزَلْنَاهُ" كأنه قيل: أنزلناه؛ لأن من شأننا الإنذارَ والتحذيرَ، وكأن إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزالَ القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم. وقرأ الحسن، والأعرج والأعمش: يَفْرُقُ بفتح الياء، وضَمِّ الراء "كُلَّ" بالنصب، أي يَفْرُقُ اللهُ كُلَّ أمرٍ. وزيدُ بن علي: نَفْرِقُ ـ بنون العظمة ـ "كُلَّ" بالنصب (كذا) نقله الزمخشري. ونقل عنه الأهوازي بفتح الياء وكسر الراء كُلّ بالنصب حَكِيمٌ بالرفع على أنه فاعل يَفْرِقُ. وعن الحسن والأعمش أيضاً يُفَرَّقُ كالعامة، إلا أنه بالتشديد. فصل استدلوا بهذه الآية على حدوث القرآن من وجوه: الأول: أن قوله حم تقديره: هذه حم يعني هذا شيء مُؤَلَّف من هذه الحروف والمؤلف من الحروف المتعاقبة مُحْدَثٌ. الثاني: أنه ثبت أن الحَلِفَ لا يصح بهذه الأشياء، بل بإِله هذه الأشياء فيكون التقدير: وَرَبِّ حَمۤ وَرَبِّ الكِتَابِ المُبِينَ، وكُلُّ ما كان مربوباً فهو مُحْدَثٌ. الثالث: أنه وصفه بكون "كتاباً"، والكتاب مشتق من الكتبِ، وهو الجمع فمعناه أنه مجموع، والمجموع مَحَلُّ تصرفِ الغير. وما كان كذلك فهو مُحْدَث. الرابع: قوله: "إنا أنزلناه" والمنزَل مَحَلّ تصرفِ الغير، وما كان كذلك فهو محدث. قال ابن الخطيب: وقد ذكرنا أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشيء المركب من الحروب المتعاقبة، والأصواب المتوالية محدث والعلم بذلك ضروري بَديهِيّ لا نزاع فيه، إنما القديم شيء آخر سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات. فصل يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء، كما قال: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الحديد:25] ويجوز أن يكون المراد به اللوحُ المحفوظ. قال الله تعالى: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد:39] وقال: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}تفسير : [الزخرف:4]ويجوز أن يكون المراد به القرآن، وبهذا التقدير فقد أقسم بالقرآن على أنه أنزل في ليلة مباركة وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل (له) إليه حاجةً: "أسْتَشْفِعُ بِكَ إِلَيْكَ، وأُقْسِمُ بِحَقِّكَ عَلَيْكَ". وجاء في الحديث: "حديث : أَعوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وبِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ". تفسير : قوله: "المُبين" هو المشتمل على بيان ما بالناس من حاجة إليه في دينهم ودنياهم فوصفه بكونه مبيناً وإذا كانت حقيقة الإبانة لله تعالى، لأن الإبانةَ حَصَلَتْ به، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [النمل:76] وقوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}تفسير : [يوسف:3] وقوله: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ}تفسير : [الروم:35] فوصفه بالتكلم، إذ كان غاية في الإبانة، فكأنه ذُو لسانٍِ ينطق مبالغةً. فصل قال قتادة وابنُ زيد وأكثر المفسرين: المراد بقوله: إنا أنزلناه في ليلة مباركة هي ليلة القدر. وقال عكرمة وطائفة: إنها ليلة البَرَاءَة وهي ليلة النصفِ مِن شعبان. واحتج الأولون بوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر:1] وقوله: ههنا: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} فوجب أن تكون هي تلك الليلة المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض. الثاني: قوله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة:185] فقوله ههنا: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان:3] فيجب أن تكون تلك الليلة المباركة في رمضان فثبت أنها ليلة القدر. الثالث: قوله تعالى: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}تفسير : [القدر:4] وقال ههنا: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وقال ههنا: {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} وقال في ليلة القدر: {أية : سَلاَمٌ هِيَ}تفسير : [القدر:5]، وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى. الرابع: نقل محمد بن جَرير الطَّبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحفُ إبراهيم في أول ليلة من رمضان والتوراة لست ليال منه والزبور لثنتي عشرة ليلة مضت منه، والإنجيل لِثماني عشرة ليلةً مضت منه، والقرآن لأربعٍ وعشرينَ مضت منه، والليلة المباركة هي ليلة القدر. الخامس: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها لسبب نفس الزمان، لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمورٌ شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا، وأعظم الأشياء وأشرفها منصباً في الدين هو القرآن؛ لأنه ثبت به نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل كما قال تعالى في صفته: "وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدراً، وأعْلَى ذكراً, وأعظم منصباً، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة. واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بأن لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصَكّ، وليلة الرحمة، ولأنها مختصة بخمسِ خصالٍ: الأولى: قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} والثانية: فضيلة العبادة فيها، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَرْسَلَ اللهُ تعالى إليه مائةَ مَلَكٍ، ثلاثونَ يبشرونَه بالجنةِ، وثلاثونَ يُؤَمِّنُونَهُ من عذاب النار، وثلاثونَ يدْفَعُونَ عنه آفاتِ الدنيا وعشرةٌ يدفعون عنه مكايدَ الشيطان"تفسير : . الثالثة: نزول الرحمة قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : إنَّ اللهَ يَرْحَمُ أُمَّتِي فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ بعَدَدِ شَعْرِ أَغْنَام بَنِِي كَلْبٍ"تفسير : . الرابعة: حصول المغفرة قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِجَمِيعِ المُسْلمِينِ في تلك الليلة إلا الكاهنَ، والمشاحنَ ومُدْمِنَ الخمر وعاقَّ والديه والمصرَّ على الزنا"تفسير : . والخامسة: أنه تعالى أعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الليلة تمام الشّفاعة وذلك أنه سأل في الليلة الثالثةَ عَشَرَ الشفاعة في أمته فأعطي الثُّلُثَ منها ثم سأل الليلة الرابِعَةَ عَشَرَ فأعطِي الثُلْثَينِ ثم سأل ليلةَ الخامس عشر فأعطي جميعَ الشفاعة إلا من شَرَدَ عن الله شِرَادَ البَعِيرِ، نقله الزمخشري. فصل رُوِيَ أن عطية الحَرُورِيَّ سأل ابن عباس (رضي الله عنهم) عن قوله: {إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة} وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر:1] كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الأيام؟. فقال ابن عباس: يا ابن الأسود لو هلكتُ أنا ووقع في نفسك هذا، ولم تجد جوابه لهلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالاً فحالاً. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريلُ على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نجوماً في عشرينَ سنةً. قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} يعني إن الحكمة في إنزال القرآن أن إنذارَ الخلق لا يتم إلا به. قوله: "فِيهَا" أي في الليلة المباركة "يُفرقُ" يُفصَلُ {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} محكم ومعناه ذو الحكمة، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل واحد بحالة معينة من الأجل والرزق والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله عز وجل، فلما دلت تلك الأقضية على حكمة فاعلها، وصفت بكونها حكمة، وهذا إسناد مجازيّ لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز. قال ابن عباس: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير، والشر، والأرزاق، والآجال حتى الحُجَّاج يقال: يَحُجُّ فلانٌ ويَحُجُّ فلان. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: يُبْرَمُ في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل، وعمل، وخلق، ورزق، وما يكون في تلك السنة. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يقوم فيها أمر السنة، وتنسخُ الأحياء من الأموات، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منه أحد. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : تُقْطَع الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ، ويُولدُ لَهُ، وَلَقْدَ أُخْرِج اسْمُهُ في المَوْتَى"تفسير : . وعن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ إن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر وروي أن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ووقع الفراغ في ليلة القدر، وتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروف إلى جبريل، وكذلك الزَّلازِل، والصواعق، والخسف، ونَسخَة الأعمال إلى إسرافيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. قوله: "أَمْراً" فيه اثْنَا عَشَرَ وَجْهَاً: أحدها: أن ينتصب حالاً من فاعل "أَنْزَلْنَاهُ". الثاني: (أنه) حال من مفعوله أي أنْزَلْنَاهُ آمرينَ، أو مَأمُوراً بِهِ. الثالث: أن يكون مفعولاً له وناصبه إمَّا "أَنْزَلْنَاهُ" وإما "مُنْذِرِينَ" وإما "يُفْرَقُ". الرابع: أنه مصدر من معنى يفرق أي فَرْقاً. الخامس: أنه مصدر "لأَمْرَنَا" محذوفاً. السادس: أن يكون يُفْرَقُ بمعنى يأمر. والفرق بين هذا وما تقدم أنك رددت في هذا بالعامل إلى المصدر، وفيما تقدم بالعكس. السابع: أنه حال من "كُلُّ". حكى أبو علي الفارسي عن (أبي) الحسن أنه حمل قوله: "أمْراً" على الحال، وذُو الحال "كل أمر حكيم". الثامن: أنه حال من "أَمْرٍ". وجاز ذلك؛ لأنه وصف؛ إلا أن فيه شيئين: مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المذكورة. والثاني: أنها مؤكدة. التاسع: أنه مصدر لأَنْزَلَ، أي (إنَّا) أَنْزَلْنَاهُ إِنْزَالاً، قاله الأخفش. العاشر: أنه مصدر لكن بتأويل العامل فيه إلى معناه، أي أَمَرْنَا به أَمْراً بسبب الإنْزَال، كما قالوا ذلك في وجهي: "فِيهَا يُفْرَقُ" فرقاً، أو يَنْزِلُ إنزالاً. الحادي عشر: أنه منصوب على الاختصاص، قاله الزمخشري. ولا يعني بذلك الاختصاص الاصطلاحي فإنه لا يكون نكرةً. الثاني عشر: أن يكون حالاً من الضمير في "حَكِيمٍ". الثالث عشر: أن ينتصب مفعولاً به بمُنْذِرينَ، كقوله: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً}تفسير : [الكهف:2] ويكون المفعول الأول محذوفاً أي مُنْذِرينَ الناسَ أمراً، والحاصل أن انتصابه يرجع إلى أربعة أشياء: المفعول به والمفعول له، والمصدريةِ، والحاليةِ، وإنما التكثير بحسب المحالِّ. وقرأ زيد بن علي: أَمْرٌ بالرفع. قال الزمخشري: وهي تُقَوِّي النصب على الاختصاص. قوله: "مِنْ عِنْدنَا" يجوز أن يتعلق "بيُفْرَقُ" أي من جهتنا وهي لابتداء الغاية مجازاً. ويجوز أن تكون صفة لأمراً. قوله: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} جواب ثالث، أو مستأنف، أو بدل من قوله: إنا كنا منذرين. قال ابن الخطيب: أي إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل أَنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، يعني الأنبياء. قوله: "رَحْمَةً" فيها خمسة أوجه: الأول: المفعول له والعامل فيه: إما "أنزلناه"، وإما "أمراً"، وإما "يفرق"، وإما "منذرين". الثاني: مصدر بفعل مقدراً، أي رَحِمْنَا رحمة. الثالث: مفعول بمرسِلِينَ. الرابع: حال من ضمير "مرسلين"، أي ذَوِي رَحْمَةٍ. الخامس: أنها بدل من "أَمْراً" فيجيء فيها ما تقدم، وتكثر الأوجه فيها حينئذ. و "مِنْ رَبِّكَ" يتعلق برَحْمةٍ، أو بمحذوف على أنها صفة. وفي: "مِنْ رَبِّكَ" التفات من المتكلم إلى الغيبة ولو جرى على مِنْوَالِ ما تقدم لقال: رَحْمَةً مِنَّا. فصل قال ابن عباس (رَضِيَّ اللهُ عَنُهُمْ): معنى رحمة من ربك أي رأفة مني بخلقي، ونعمةً عليهم بما بعثت إليهم من الرسل. وقال الزجاج: أنزلناه في ليلةٍ مباركة، {إنه هو السميع العليم} أي إن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة؛ لأن المحتاجين إما أن يذكروا حاجاتهم بألسنتهم أول يذكروها فإن ذكروها فهو سميع، وإن لم يذكروها فهو تعالى عالمٌ بها. قوله تعالى: {رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قرأ الكوفيون بخفض "رَبّ" والباقون برفعه. فالجر على البدل أو البيان، أو النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، أو على أنه مبتدأ خبره: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. فصل المقصود من هذه الآية أن المنزِّل إذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء كان المُنزَّل ـ الذي هو القرآن ـ في غاية الشرف والرفعة. ثم قال: {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} قال أبو مسلم معناه: إن كنتم تطلبونه وتريدونه فاعرفوا أن الأمور كما قلنا؛ كقولهم: فُلاَنٌ مُنْجِدٌ مُنْهِمٌ، أي يريد نَجْداً وتِهَامَةً. وقال الزمخشري: كانوا يقرون بأن (رب) السموات والأرض ربُّ خالقٌ فقيل لهم: إن إرسالنا الرسل وإِنْزَالَنَا الكتبَ رحمةً من الربّ ثم قال: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به، ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم ويقين، كما تقول: هذا إنْعَامُ زَيْد الّذِي تَسَامَعِ الناسُ بكَرَمِهِ إن بَلَغَكَ حديثُه وسمعت بصِيتِهِ. والمعنى إن كنتم موقنين بقوله. {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}، وأن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ولا عن حد وحقيقة بل قول مخلوط بهُزْءِ ولَعِبٍ. قوله تعالى: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ} العامة على الرفع، بدلاً أو بياناً أو نعتاً لرب السموات فيمن رفعه أو على أنه مبتدأ، والخبر: لا إله إلا هو. أو خبر بعد خبر، لقوله: إنه هو السميع أو خبر مبتدأ مضمر عند الجميع، أعني قراء الجر والرفع، أو فاعل لقوله: "يُمِيتُ". وفي "يُحْيِي" ضمير يرجع إلى ما قبله أي يُحْيِي هو أي رب السموات، ويُميت هو، فأوقع الظاهر موقع المضمر. ويجوز أن يكون "يحيي ويميت" من التنازع يجوز أن ينسب الرفع إلى الأول أو الثاني، نحو: يَقُومُ وَيَقْعُدُ زَيْدٌ. وهذا عنى أبو البقاء بقوله: على شريطة التفسير. وقرأ ابن مُحَيْصِن وابنُ أبي إسحاقَ وأبو حَيْوَةَ والحَسَنُ بالجر، على البدل أو البيان أو النعت لرب السموات، وهذا يوجب أن يكونوا يقرأون رب السموات بالجر. والأنطاكي بالنصب على المَدْح.
البقاعي
تفسير : فقال: {والكتاب} أي الجامع لكل خير {المبين *} أي البين في نفسه، الموضح لما تقدم من دقيق البشارة لأهل الصفاء والبصارة، واضح النذارة بصريح العبارة، وغير ذلك من كل ما يراد منه، ولأجل ما ذكر من الاستبعاد أكد جواب القسم وأتى به في مظهر العظمة فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {أنزلناه} أي الكتاب إما جميعاً إلى بيت العزة في سماء الدنيا أو ابتدأنا إنزاله إلى الأرض {في ليلة مباركة} أي ليلة القدر - قاله ابن عباس رضي الله عنهما أو النصف من شعبان، فلذلك يتأثر عنه من التأثيرات ما لم تحط به الأفهام في الدين والدنيا، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: ينزل إلى سماء الدنيا كل سنة بمقدار ما كان جبريل عليه السلام ينزله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك السنة وسماها {مباركة} لأنها ليلة افتتاح الوصلة وأشد الليالي بركة يكون العبد فيها حاضراً بقلبه مشاهداً لربه، يتنعم فيها بأنوار الوصلة ويجد فيها نسيم القربة، وقال الرازي في اللوامع: وأعظم الليالي بركة ما كوشف فيها بحقائق الأشياء. ولما كان هذا موضحاً لما لوح به آخر تلك من البشارة في ظاهر النذارة، علل الإنزال أو استأنف ما فيه من واضح النذارة الموصل إلى المعاني المقتضية للبشارة، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم: {إنا} أي على ما نحن عليه من الجلال {كنا} بما لنا من العظمة دائماً لعبادنا {منذرين *} لا نؤاخذهم من غير إنذار، فلأجل رحمتنا لهؤلاء القوم وهم أرق الناس طبعاً وأصفاهم قلوباً وأوعاهم سمعاً نوصلهم بما هيأناهم به من ذلك إلى ما لم يصل غيرهم إليه ولم يقاربه من المعالي في الأخلاق والشمائل والاكتساب لجميع الفضائل. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى من ذكر الكتاب العزيز ما قد أشير إليه مما لم تنطو سورة غافر على شيء منه، وحصل من مجموع ذلك الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وكونه قرآناً عربياً إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله{أية : وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون}تفسير : [الزخرف: 44] وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة، افتتح تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض، وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا فقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ثم ذكر من فضلها فقال {فيها يفرق كل أمر حكيم} فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا وتقدم الأهم من ذلك في السورتين قبل، وتأخر التعريف بوقت إنزاله إلى السماء الدنيا إذ ليس في التأكيد كالمتقدم، ثم وقع إثر هذا تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} وما تقدمه من قوله {أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون} وقوله سبحانه {أم يحسبون أنا نسمع سرهم ونجواهم} وتنزيهه سبحانه وتعالى نفسه عن عظيم افترائهم في جعلهم الشريك والولد - إلى آخر السورة، ففصل بعض ما أجملته هذه الآي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} وقوله تعالى {يوم نبطش البطشة الكبرى}، والإشارة إلى يوم بدر، ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم عقلوا واعتبروا، ثم عرض بقرنهم في مقالته ما بين لابتيها أعز مني ولا أكرم، ثم ذكر تعالى: {شجرة الزقوم} إلى قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} والتحم هذا كله التحاماً يبهر العقول، ثم اتبع بذكر حال المتقين جرياً على المطرد من شفع الترغيب والترهيب ليبين حال الفريقين وينتج علم الواضح من الطريقين، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} وقد أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه {إنما يتذكر من يخشى} ثم قال {فارتقب} وعدك ووعيدهم {إنهم مرتقبون}. ولما وصف ليلة إنزال هذا القرآن بالبركة، وأعلم أن من أعظم بركتها النذارة، وكانت النذارة مع أنها فرقت من البشارة أمراً عظيماً موجباً لفرقان ما بين المحاسن والمساوىء من الأعمال قائدة إلى كل خير بدليل أن أتباع ذوي البركة من العلماء، وإذا تعارض عندهم أمر العالم والظالم، قدموا أمر الظالم لما يخافون من نذارته، وأهملوا أمر العالم وإن عظم الرجاء لبشارته، قال معللاً لبركتها بعد تعليل الإنزال فيها، ومعمماً لها يحصل فيها من بركات التفضيل: {فيها} أي الليلة المباركة سواء قلنا: إنها ليلة القدر أو ليلة النصف أصالة أو مآلاً {يفرق} أي ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة {كل أمر حكيم *} أي محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحى به من الكتب وغيرها والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئياً في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيماناً، قال البغوي رحمه الله: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق والآجال، قال: وروى أبو الضحى عنه أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان فيسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. وقال الكرماني: فيسلمها إلى إلى أربابها وعملها من الملائكة ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. ولما كان هذا مفهماً لأمور لا حصر لها، بين أنه لا كلفة عليه سبحانه فيه، ولا تجدد عنده في وقت من الأوقات لشيء لم يكن قبل إلا تعليق القدرة على وفق الإرادة، فقال مؤكداً لفخامة ما تضمنه وصفه بأنه حكيم: {أمراً} أي حال كون هذا كله مع انتشاره وعدم انحصاره أمراً عظيماً جداً واحداً لا تعدد فيه دبرناه في الأزل وقررناه وأتقناه واخترناه ليوجد في أوقاته بتقدير، ويبرز على ما له من الإحكام في أحيانه في أقل من لمح البصر، ودل على أنه ليس مستغرقاً لما تحت قدرته سبحانه بإثبات الجار فقال: {من عندنا} أي من العاديات والخوارق وما وراءها. ولما بين حال الفرقان الذي من جملته الإنذار، علله بقوله مؤكداً لما لهم من الإنكار: {إنا} أي بما لنا من أوصاف الكمال وكمال العظمة {كنا} أي أزلاً وأبداً {مرسلين *} أي لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح العباد، لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس، فلا يكون لأحد على الله حجة بعد الرسل، وهذا الكلام المنتظم والقول الملتحم بعضه ببعض، المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال دال على أنه لم تنزل صحيفة ولا كتاب إلا في هذه الليلة، فيدل على أنها ليلة القدر للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها كما بينته في كتابي "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" وكذا قوله في سورة القدر {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمور الحكيمة، وبين سبحانه حال الرسالات بقوله: {رحمة} وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم بالعظمة من قوله "منا" إلى قوله: {من ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى من قبلك، فإن رسالاتهم كانت لبث الأنوار في العباد، وتمهيد الشرائع في العباد، حتى استنارت القلوب، واطمأنت النفوس، بما صارت تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان، فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق، فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق. ولما كانت الرسالة لا بد فيها من السمع والعلم، قال: {إنه هو} أي وحده {السميع} أي فهو الحي المريد {العليم *} فهو القدير البصير المتكلم، يسمع ما يقوله رسله وما يقال لهم، وكل ما يمكن أن يسمع وإن كان بحيث لا يسمعه غيره من الكلام النفسي وغيره الذي هو بالنسبة إلى سمعنا كنسبة ما تسمعه من الكلام إلى سمع الأصم وسمعه ليس كأسماعنا، بل هو متعلق بالمسموعات على ما هي عليه قبل وجودها كما أن علمه متعلق بالمعلومات كما هي قبل كونها. ولما ذكر إنزال الكتاب على تلك الحال العظيمة البركة لأجل الإرسال، وبين أن معظم ثمرة الإرسال الإنذار لما للمرسل إليهم من أنفسهم من التوراة، دل على ذلك من التدبير المحكم الذي اقتضته حكمة التربية فقال: {رب} أي مالك ومنشئ ومدبر {السماوات} أي جميع الأجرام العلوية {والأرض} وما فيها {وما بينهما} مما تشاهدون من هذا الفضاء، وما فيه من الهواء وغيره، مما تعلمون من اكتساب العباد، وغيرهما مما لا تعلمون، ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله. ولما كانوا مقرين بهذا الربوبية ويأنفون من وصفهم بأنهم غير محققين لشيء يعترفون به، أشار إلى ما يلزمهم بهذا الإقرار إن كانوا كما يزعمون من التحقيق فقال: {إن كنتم موقنين *} أي إن كان لكم إيقان بأنه الخالق لما ركز في غرائزكم وجبلاتكم رسوخ العلم الصافي السالم عن شوائب الأكدار من حظوظ النفوس وعوائق العلائق، فأنتم تعلمون أنه لا بد لهذه الأجرام الكثيفة جداً المتعالي بعضها عن بعض بلا ممسك تشاهدونه مع تغير كل منها بأنواع الغير من رب، وأنه لا يكون وهي على هذا النظام إلا وهو كامل العلم شامل القدرة، مختار في تدبيره، حكيم في شأنه كله وجميع تقديره، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يدع من فيها من العلماء العقلاء الذين هم خلاصة ما فيهما هملاً يبغي بعضهم على بعض من غير رسول معلم بأوامره، وأحكامه وزواجره، منبه لهم على أنه ما خلق هذا الخلق كله إلا لأجلهم، ليحذروا سطواته ويقيدوا بالشكر على ما حباهم به من أنواع هباته. ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته، وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان وحدانيته، وبعدم الجري على نظام واحد من كل وجه فعله بالاختيار وقدرته، صرح بذلك منبهاً لهم على أن النظر الصحيح أنتج ذلك ولا بد فقال تعالى: {لا إله إلا هو} أي وإلا لنازعه في أمرهما أو بعضه منازع، أو أمكن أن ينازع فيكون محتاجاً لا محالة، وإلا لدفع عنه من يمكن نزعه له وخلافه إياه، فلا يكون صالحاً للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإيحاء لكل من يوافقهم على مر الزمان وتطاول الدهر ومد الحدثان على نظام مستمر، وحال ثابت مستقر. ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره، ثبت قوله تعالى: {يحيى ويميت} لأن ذلك من أجل ما فيهما من التدبير، وهو تنبيه على تمام دليل الوحدانية لأنه لا شيء ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه، ويحال شيء من الأمور عليه، فهما جملتان: الأولى نافية لما أثبتوه من الشركة، والثانية مثبتة لما نفوه من البعث. ولما ثبت أنه المختص بالإفاضة والسلب، وكان السلب أدل على القهر، ذكرهم ما لهم من ذلك في أنفسهم فقال سبحانه: {ربكم} أي الذي أفاض عليكم ما تشاهدون من النعم في الأرواح وغيرها {ورب آبائكم} ولما كانوا يشاهدون من ربوبيته لأقرب آبائهم ما يشاهدون لأنفسهم، رقي نظرهم إلى النهاية فقال: {الأولين *} أي الذين أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون، فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، ثم نزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً بجواب كلام الناس. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال: هي (ليلة القدر). وأخرج عبد بن حميد، عن أبي الجلد قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزل الإِنجيل لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين. وأخرج سعيد بن منصور، عن إبراهيم النخعي في قوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال: نزل القرآن جملة على جبريل وكان جبريل يجيء بعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن من السماء العليا إلى السماء الدنيا جميعاً في (ليلة القدر) ثم فصل بعد ذلك في تلك السنين. وأخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: يكتب من {أية : أم الكتاب}تفسير : [الرعد: 39] {في ليلة القدر} ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر حتى يكتب الحاج، يحج فلان ويحج فلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر في قوله {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: أمر السنة إلى السنة إلا الشقاء والسعادة، فإنه في كتاب الله لا يبدل ولا يغير. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني، عن عكرمة {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: يقضي في (ليلة القدر) (كل أمر محكم). وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن المنذر من طريق محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: يؤذن للحاج ببيت الله في (ليلة القدر) فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر تلك الليلة أحد ممن كتب، ثم قرأ {فيها يفرق كل أمر حكيم} فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم. وأخرج سعيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه أنه سئل عن قوله {حمۤ والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: يفرق {في ليلة القدر} ما يكون من السنة إلى السنة إلا الحياة والموت، يفرق فيها المعايش والمصائب كلها. وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن جرير، عن ربيعة بن كلثوم قال: كنت عند الحسن فقال له رجل يا أبا سعيد (ليلة القدر) في كل رمضان هي؟ قال: أي والله إنها لفي كل رمضان وإنه لليلة {يفرق فيها كل أمر حكيم} فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها. وأخرج ابن جرير، عن عمر مولى غفرة قال: يقال ينسخ لملك الموت من يموت من (ليلة القدر) إلى مثلها، وذلك لأن الله يقول: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} إلى قوله {فيها يفرق كل أمر حكيم} فتجد الرجل ينكح النساء ويفرش الفرش واسمه في الأموات. وأخرج ابن جرير عن هلال بن يساف قال: كان يقال انتظروا القضاء في شهر رمضان. وأخرج ابن جرير، عن قتادة {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال: (ليلة القدر). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} {فيها يفرق كل أمر حكيم} يعني (ليلة القدر) قال: ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل موت أو حياة أو رزق كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها من قابل. وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر والبيهقي، عن أبي مالك في قوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: عمل السنة إلى السنة. وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن جرير والبيهقي، عن أبي عبد الرحمن السلمي في قوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: يدبر أمر السنة إلى السنة (في ليلة القدر). وأخرج البيهقي، عن أبي الجوزاء {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: هي (ليلة القدر) يجاء بالديوان الأعظم السنة إلى السنة، فيغفر الله عز وجل لمن يشاء، ألا ترى أنه قال: {رحمة من ربك} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير والبيهقي، عن قتادة في قوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: فيها يفرق أمر السنة إلى السنة، وفي لفظ قال: فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر والبيهقي، عن أبي نضرة {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: يفرق أمر السنة في كل (ليلة قدر) خيرها وشرها ورزقها وأجلها وبلاؤها ورخاؤها ومعاشها إلى مثلها من السنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق محمد بن سوقة، عن عكرمة {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد. وأخرج ابن زنجويه والديلمي، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى أن الرجل لينكح ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء بن يسار قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، وذلك أنه ينسخ فيه آجال من ينسخ في السنة. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن عائشة قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياماً منه في شعبان لأنه ينسخ فيه أرواح الأحياء في الأموات، حتى أن الرجل يتزوج وقد رفع اسمه فيمن يموت، وإن الرجل ليحج وقد رفع اسمه فيمن يموت. وأخرج أبو يعلى، عن عائشة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله، فسألته؟ قال: "إن الله يكتب فيه كل نفس مبتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم" ". تفسير : وأخرج الدينوري في المجالسة، عن راشد بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في ليلة النصف من شعبان يوحي الله إلى ملك الموت بقبض كل نفس يريد قبضها في تلك السنة ". تفسير : وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان، عن الزهري، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل ينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى"تفسير : قال: الزهري وحدثني أيضاً عثمان بن محمد بن المغيرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من يوم طلعت شمسه إلا يقول من استطاع أن يعمل فيّ خيراً فليعمله، فإني غير مكر عليكم أبداً، وما من يوم إلا ينادي مناديان من السماء يقول أحدهما: يا طالب الخير أبشر، ويقول الآخر: يا طلب الشر أقصر، ويقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً مالاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم اعط ممسكاً مالاً تلفاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عطاء بن يسار قال: إذا كان ليلة النصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة، فيقال اقبض من في هذه الصحيفة، فإن العبد ليفرش الفراش وينكح الأزواج ويبني البنيان وان اسمه قد نسخ في الموتى. وأخرج الخطيب في رواة مالك، عن عائشة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يفتح الله الخير في أربع ليال، ليلة الأضحى والفطر، وليلة النصف من شعبان، ينسخ فيها الآجال والأرزاق ويكتب فيها الحاج، وفي ليلة عرفة إلى الأذان ". تفسير : وأخرج الخطيب وابن النجار، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله حتى يصله برمضان ولم يكن يصوم شهراً تاماً إلا شعبان، فقلت يا رسول الله: إن شعبان لمن أحب الشهور إليك أن تصومه؟ فقال: "حديث : نعم يا عائشة إنه ليس نفس تموت في سنة إلا كتب أجلها في شعبان، فأحب أن يكتب أجلي وأنا في عبادة ربي وعمل صالح"تفسير : ولفظ ابن النجار"حديث : يا عائشة إنه يكتب فيه ملك الموت من يقبض، فأحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم"تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي في شعب الإِيمان، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا سائل فأعطيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة والبيهقي، "حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فخرجت أطلبه، فإذا هو بالبقيع رافعاً رأسه إلى السماء، فقال يا عائشة: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت: ما بي من ذلك؛ ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه أو عن عمه أو جده أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ينزل الله إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لكل شيء، إلا لرجل مشرك أو في قلبه شحناء ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان ليلة النصف من شعبان، اطلع الله تعالى إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يطلع الله في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، "حديث : عن عائشة قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل يصلي، فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك، قمت حتى حركت إبهامه، فتحرك، فرجعت، فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته، فقال: "يا عائشة، أو يا حميراء ظننت أن النبي قد خاس بك" قلت: لا والله يا نبي الله ولكني ظننت أنك قبضت لطول سجودك فقال: "أتدرين أي ليلة هذه؟" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هذه ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم" ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عنه ثوبيه ثم لم يستتم أن قام، فلبسهما فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي، فخرجت أتبعه فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، فقلت: بأبي أنت وأمي أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت في حجرتي ولي نَفَسٌ عالٍ، ولحقني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا النفس يا عائشة؟ فقلت: بأبي أنت وأمي أتيتني، فوضعت عنك ثوبيك ثم لن تستتم أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع. قال يا عائشة: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ بل أتاني جبريل عليه السلام، فقال هذه الليلة ليلة النصف من شعبان، ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب، لا ينظر الله فيها إلى مشرك ولا إلى مشاحن ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل ولا إلى عاق لوالديه ولا إلى مدمن خمر. قالت: ثم وضع عنه ثوبيه، فقال لي: يا عائشة أتأذنين لي في القيام هذه الليلة؟ فقلت: نعم بأبي وأمي، فقام فسجد ليلاً طويلاً حتى ظننت أنه قد قبض، فقمت ألتمسه ووضعت يدي على باطن قدميه، فتحرك وسمعته يقول في سجوده، أعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك جل وجهك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فلما أصبح ذكرتهن له، فقال يا عائشة: تعلمتيهن؟ فقلت: نعم، فقال: تعلميهن وعلميهن، فإن جبريل عليه السلام علمنيهن وأمرني أن أرددهن في السجود" ". تفسير : وأخرج البيهقي، حديث : عن عائشة قالت: كانت ليلة النصف من شعبان ليلتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي، فلما كان في جوف الليل، فقدته فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فتلفعت بمرطي، فطلبته في حجر نسائه، فلم أجده فانصرفت إلى حجرتي، فإذا أنا به كالثوب الساقط وهو يقول في سجوده: "سجد لك خيالي وسوادي وآمن بك فؤادي فهذه يدي وما جنيت بها على نفسي يا عظيم يرجى لكل عظيم يا عظيم اغفر الذنب العظيم سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره، ثم رفع رأسه، ثم عاد ساجداً، فقال: أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ بك منك أنت كما أثنيت على نفسك، أقول كما قال أخي داود أعفر وجهي في التراب لسيدي وحق له أن يسجد، ثم رفع رأسه فقال: اللهم ارزقني قلباً تقياً، من الشر نقياً، لا جافياً ولا شقياً، ثم انصرف فدخل معي في الخميلة ولي نفس عال، فقال ما هذا النفس يا حميراء؟ فأخبرته، فطفق يمسح بيديه على ركبتي ويقول: ويح هاتين الركبتين ما لقيتا في هذه الليلة! هذه ليلة النصف من شعبان ينزل الله فيها إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده إلا المشرك والمشاحن" ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن عثمان بن أبي العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل فيها إلى السماء الدنيا نادى مناد هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فلا يسأل أحد إلا أعطي، إلا زانية بفرجها أو مشرك ". حديث : وأخرج البيهقي، عن علي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النصف من شعبان قام، فصلى أربع عشرة ركعة ثم جلس بعد الفراغ، فقرأ بأم القرآن أربع عشرة مرة، وقل هو الله أحد أربع عشرة مرة، وقل أعوذ برب الفلق أربع عشرة مرة، وقل أعوذ برب الناس أربع عشرة مرة، وآية الكرسي مرة {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] الآية فلما فرغ من صلاته سألته عما رأيت من صنيعه؟ قال: "من صنع مثل الذي رأيت، كان له ثواب عشرين حجة مبرورة، وصيام عشرين سنة مقبولة، فإذا أصبح في ذلك اليوم صائماً كان له كصيام سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة" قال البيهقي: يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعاً وهو منكر وفي رواته مجهولون.
ابو السعود
تفسير : سورة الدخان مكية إلا قوله {إنا كاشفوا العذاب} الآية وهي سبع أو تسع وخمسون آية {حـم * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} الكلامُ فيهِ كالذي سلفَ في السورةِ السابقةِ. {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ} أي الكتابَ المبـينَ الذي هُو القُرآنُ. {فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} هيَ ليلةُ القدرِ، وقيلَ ليلةُ البراءةِ ابتدىءَ فيها إنزالُه، وأُنزلَ فيها جُملةً إلى السماءِ الدُّنيا من اللوحِ وأملاهُ جبريلُ عليهِ السَّلامُ على السَّفرَةِ ثم كانَ ينزله على النبـيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَ ما في ثلاثٍ وعشرينَ سنةً كما مرَّ في سورةِ الفاتحةِ. ووصفُها بالبركةِ لَما أنَّ نزولَ القُرآنِ مستتبعٌ للمنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ بأجمعِها أو لِما فيها من تنزلِ الملائكةِ والرحمةِ وإجابةِ الدعوةِ وقسمِ النعمةِ وفصلِ الأقضيةِ وفضيلةِ العبادةِ وإعطاءِ تمامِ الشفاعةِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقيلَ: يزيدُ في هذهِ الليلةِ ماءُ زمزمَ زيادةً ظاهرةً {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} استئنافٌ مبـينٌ لما يقتضِي الإنزالَ كأنَّه قيلَ: إنَّا أنزلناهُ لأن من شأنِنا الإنذارَ والتحذيرَ من العقابِ، وقيلَ: جوابٌ للقسمِ وقولُه تعالى إنَّا أنزلناهُ الخ اعتراضٌ وقيلَ: جوابٌ ثانٍ بغيرِ عاطفٍ. {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} استئنافٌ كما قبلَهُ فإنَّ كونَها مفْرَقَ الأمورِ المحكمةِ أو الملتبسةِ بالحكمةِ الموافقةِ لها يستدعِي أنْ ينزلَ فيها القرآنُ الذي هُو من عظائِمها، وقيلَ: صفةٌ أُخرى لليلةِ وما بـينَهُما اعتراضٌ وهذا يدلُّ على أنَّها ليلةُ القدرِ ومَعْنى يُفرقُ أنه يكتبُ ويفصلُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ من أرزاقِ العبادِ وآجالِهم وجميعُ أمورِهم من هذِه الليلةِ إلى الأُخرى من السنةِ القابلةِ، وقيلَ: يبدأُ في استنساخِ ذلك من اللوحِ في ليلةِ البراءةِ ويقعُ الفراغُ في ليلةِ القدرِ فتدفعُ نسخةُ الأرزاقِ إلى ميكائيلَ ونسخةُ الحروبِ إلى جبريلَ وكذا الزلازلُ والخسفُ والصواعقُ، ونسخةُ الأعمالِ إلى إسماعيلَ صاحبِ سماءِ الدُّنيا وهُو مَلكٌ عظيمٌ ونسخةُ المصائبِ إلى مَلكِ الموتِ عليهم السَّلامُ. وقُرِىءَ يُفرَّقُ بالتشديدِ، وقُرِىءَ يَفرُقُ على البناءِ للفاعلِ أي يفرقُ الله تعالى كلَّ أمرٍ حكيمٍ، وقُرىءَ نَفْرُقُ بنونِ العظمةِ.
القشيري
تفسير : الحاء تشير إلى حقِّه؛ والميم تشير إلى محبته. ومعناه: بحقي وبمحبتي لِعِبادي، وبكتابي العزيز إليهم: إنِّي لا أُعِذِّبُ أهل معرفتي بفرقتي.
البقلي
تفسير : {حمۤ} الحاء الوحى الخاص الى محمد والميم محمد عليه الصلاة والسّلام وذلك الوحى الخاص بلا واسطة خبر من سر فى سر لا يطلع على ذلك السر الذى بين المحق والمحبوب احد من خلق الله الا ترى كيف قال سبحانه فاوحى الى عبده ما اوحى وذلك اشارة الى وحى السر فى السر وجملتها قسم اى بحق الوحى السر والمحب والمحبوب والقرأن الظاهر الذى ينبى عن الاسرار {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} الليلة المباركة ليلة المعراج التى وصل الحبيب الى الحبيب وذلك مبارك عليه حيث راى ربه وانزل على قلبه القران من سماء الازل الى روحه ووصل اليه بركات جماله وخطابه سمع من الحق كلامه شفاها ونزل اليه من الحق انوار كلامه وكلمه تسعين الف كلمة وما نزل القران فى اى وقت كان الا وذلك الوقت مبارك عليه وعلى امته وليلة نصف شعبان ليلة يتجلى الحق بعزته وجلاله للعالمين الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسّلام ان الله تعالى ينزل من السّماء فى ليلة النصف من شعبان وما بارك تلك الليلة حيث يصل بركات جماله الى كل ذرة من العرش الى الثرى وفى تلك الليلة اجتماع جميع الملائكة فى حظيرة القدس قال ابن عطا ليلة مباركة لمجاورة الملائكة ومقارنتهم وقال سهل انزل القران فى هذه الليلة من اللوح المحفوظ على روح محمد صلى الله عليه وسلم وهو الروح المبارك فسمى الله الليلة مباركة لاتصال البركات بعضها ببعض قال جعفر اصادق هذا من العلوم المكتومة الا ان العلماء يخبرون عنها بلطائف الفهوم فالحاء هو وحى كتابه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم والميم كتابه الى محمد صلى الله عليه وسلم وقال ايضا ان نزوله كانت ليلة القدر وقال الاستاذ فى حم فالحاء تشير الى حقه والميم تشير الى محبته ومعناه وحقى ومحبتى بعبادى وكتابى العزيز اليهم انى لا اعذب اهل محبتى بفرقتى ولا بشئ دونها وقال فى قوله ليلة مباركة لانها ليلة افتتاح الوصلة لاهل الفرقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {حم} اى بحق حم وهى هذه السورة او مجموع القرءآن
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {حم} يا محمد {و} حق {الكتاب المبين} الواضح البيِّن، وجواب القسم: {إِنا أَنزلناه} أي: الكتاب الذي هو القرآن {في ليلة مباركةٍ} ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان، والجمهور على الأول، لقوله:{أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ }تفسير : [القدر: 1] وقوله:{أية : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ}تفسير : [البقرة: 185]، وليلة القدر على المشهور في شهر رمضان، وسيأتي الجمع بينهما. ثم قيل: أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل نجوماً، على حسب الوقائع، في ثلاث وعشرين سنة، وقيل: معنى نزوله فيها: ابتداء نزوله. والمباركة: الكثيرة الخير؛ لما ينزل فيها من الخير والبركة، والمنافع الدينية والدنيوية، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. {إِنا كنا منذِرينَ} استئناف مبين لما يقتضي الإنزال، كأنه قيل: إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، {فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم} استئناف أيضاً مبين لسر تخصيص هذه الليلة بالإنزال، أي: إنما أنزلناه في هذه الليلة المباركة، لأنها فيها يُفرق كل أمر حكيم، أي: ذي حكمة بالغة، ومعنى "يُفرق": يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، من هذه الليلة إلى ليلة القدر المستقبلة، وقيل: الضمير في "فيها" يرجع لليلة النصف، على الخلاف المتقدم. وروى أبو الشيخ، بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قال: "ليلة النصف من شعبان، يُدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء ويُثبت غيره؛ الشقاوة والسعادة، والموت والحياة". قال السيوطي: سنده صحيح لا غُبار عليه ولا مطعن فيه. هـ. وروي عن ابن عباس: قال: إن الله يقضي الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر. وفي رواية: ليلة السابع والعشرين من رمضان، قيل: وبذلك يرتفع الخلاف أن الأمر يبتدأ في ليلة النصف من شعبان، ويكمل في ليلة السابع والعشرين من رمضان. والله أعلم. وقوله تعالى: {حكيم} الحكيم: ذو الحكمة، وذلك أن تخصيص الله كل أحد بحالة معينة من الرزق والأجل، والسعادة والشقاوة، في هذه الليلة، يدلّ على حكمة بالغة؛ فأسند إلى الليلة لكونها ظرفاً، إسناداً مجازياً. وقوله: {أمراً من عندنا} منصوب على الاختصاص، أي: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، على مقتضى حكمتنا، وهو بيان لفخامته الإضافية، بعد بيان فخافمته الذاتية، ويجوز أن يكون حالاً من كل أمر؛ لتخصيصه بالوصف، {إِنا كنا مرسِلين} بدل من {إنا كنا منذرِين}. و {رحمةً من ربك} مفعول له، أي: أنزلنا القرآن؛ لأن من عادتنا إرسال الرسل باكتب؛ لأجل إفاضة رحمتنا. ووضع الرب موضع الضمير، والأصل: رحمة منا؛ للإيذان بأن ذلك من أحكام الربوبية ومقتضياتها، وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه وفخامته. وقال الطيبي: هذه الجمل كلها واردة على التعليل المتداخل؛ فكأنه لما قيل: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قيل: فلِمَ أُنزل؟ فأجيب: لأن من شأننا التحذير والعقاب، فقيل: لِمَ خص الإنزال في هذه الليلة؟ فقيل: لأنه من الأمور المُحكَمة، ومن شأن هذه الليلة أن يُفرق فيها كل أمر حكيم، فقيل: لِمَ كان من الأمور المُحكَمة؟ فأجيب: لأن ذا الجلال والإكرام أراد إرسال الرحمة للعالمين، ومن حق المنزَل عليه أن يكون حكيماً، لكونه للعالمين نذيراً، أو {داعياً إلى الله بإذنه...} الآية، فقيل: لماذا رحمهم الرب بذلك؟ فأجيب: لأنه وحده سميع عليم، يعلم جريان أحوال عباده، ويعلم ما يحتاجون إليه دنيا وأخرى. هـ. وهذا معنى قوله: {إِنه هو السميع} لأقوالهم وحده، {العليم} بأحوالهم. {ربِّ السماوات والأرض وما بينهما} مَن جرّه بدر من "ربك"، ومَن رفعه خبر من ضمر، أي: هو رب العوالم العلوية والسفلية، وما بينها، {إِن كنتم موقنين} أي: من أهل الإيقان، ومعنى الشرط، أنهم كانوا يُقرون بأن للسموات والأرض ربّاً وخالقاً، فإن كان إقرارهم عن علم وإيقان فهو الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل رحمة منه، وإن كانوا مذبذبين فليعلموا ذلك. {لا إِله إِلا هو} مِن قصر إفرادٍ لا قصر قلبٍ، لأن المشركين كانوا يُثبتون الألوهية لله تعالى ويشركون معه غيره، فردّ الله عليهم بكونه لا يستحق العبادة غيره، {يُحيي ويُميت} ثم يبعث للجزاء، {ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين} أي: هو رب الجميع، ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: {بل هم في شك يلعبون} وإقرارهم غير صادر عن علم وإيقان، بل قول مخلوط بهزؤ ولعب. والله تعالى أعلم. الإشارة: {حم}، قال الورتجبي: الحاء: الوحي الخاص إلى محمد، والميم: محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك الوحي الخاص بلا واسطة خبرٌ عن سر في سر، لا يطلع على ذلك - الذي بين المحب والمحبوب - أحد من خلق الله، ألا ترى كيف قال سبحانه:{أية : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى }تفسير : [النجم: 10]؟ وذلك إشارة إلى وحي السر في السر، وجملتها قسم، أي بمعنى الوحي السري والمحبوب، والقرآن الظاهر الذي ينبئ عن الأسرار، {إنا أنزلناه} هـ. قال القشيري: الحاء تشير إلى حقِّه، والميم إلى محبته، ومعناه: بحقي ومحبتي لعبادي، وكتابي العزيز إليهم، ألا أُعَذِّب أهلَ محبتي بفرقتي. هـ. والليلة المباركة عند القوم، هي ليلة الوصال والاتصال، حين يُمْتَحى وجودُهم، ويتحقق فناؤهم، وكل وقت يجدون فيه قلوبهم، ويفقدون وجودهم؛ فهو مبارك، وهو ليلة القدر عندهم، فإذا دام اتصالهم، كانت أوقاتهم كلها ليلة القدر، وكلها مباركة. قال الورتجبي: قوله تعالى: {في ليلة مباركة} كانت مباركة لتجلِّي الحق فيها بالأقضية، والرحمة غالبة فيها، ومن جملتها: إنزال القرآن فيها؛ فإنه افتتاح وصلة لأهل القرية. هـ. قال القشيري: وسمّاها ليلة مباركة؛ لأنها ليلة افتتاح الوصلة، وأشدُّ الليالي بركةً، ليلةٌ يكون العبد فيها حاضراً بقلبه، مشاهداً لربه، يتنسّم بأنوار الوصلة، ويجد فيها نسيم القربة، وأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة، كما قالوا، وأنشدوا: شعر : لا أَظْلِمْ الليلَ ولا أَدَّعي أنّ نُجومَ الليلِ ليست تَغُورُ لَيْلِي كما شَاء فإن لم يَزرْ طالَ، وإن زار فلَيْلي قَصيرُ تفسير : هـ. أي: لَيْلِي كما شاء المحبوب، فإن لم يزرني طال ليلِي، وإن زارني قَصُر. والحاصل: أن أوقات الجمال والبسط كلها قصيرة، وأوقات الجلال كلها طويلة، وقوله تعالى: {فيها يُفرق كل أمر حكيم} أي: في ليلة الوصال تفرق وتبرز الحِكَم والمواهب القدسية، بلا واسطة، بل أمراً من عندنا، والغالب أن هذه الحالة لا تكون إلا عند الحيرة والشدة من الفاقة أو غيرها، وكان بعض العارفين من أشياخنا يستعدُّون فيها لكتب المواهب، ويسمونها ليلة القدر. وقوله تعالى: {إِنّا كنا مرسلين رحمةً من ربك} هو الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أنا الرحمة المهداة"تفسير : ، فرحمة مفعول به، {إِنه هو السميع العليم} قال القشيري: السميع لأنين المشتاقين، العليم بحنين المحبين. هـ. {لا إِله إلا هو} أي: لا يستحق أن يَتَأله ويُعشق إلا هو، {يُحيي ويميت} يُحيي قلوب قوم بمعرفته ومحبته، ويُميت قلوباً بالجهل والبُعد، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ثم وصف أهل الجهل والبُعد بقوله: {بل هم في شك يلعبون} وأما أهل المعرفة والقُرب فهم في حضرة محبوبهم يتنعّمون، ومن روح وصاله يتنسّمون. قال القشيري: واللعب يجري على غير ترتيب، تشبيهاً باللعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص، ووصف الكافر باللعب لتردُّده وشكِّه وتحيُّره في عقيدته. هـ. ثم هدّدهم بقوله: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ}.
الطوسي
تفسير : ست آيات في الكوفي وخمس فى الباقين. قد بينا معنى (حم) في ما مضى وإختلاف الناس فيه وان أقوى الوجوه انه اسم للسورة. وإنما كرر ذكر (حم) لانه ينبىء عن استفتاح السورة بذكر الكتاب على وجه التعظيم إذ على ذلك جميع الحواميم، فهو اسم علم للسورة مضمن بمعنى الصفة من وجهين: احدهما - انها من الحروف العربية. والآخر أنه استفتحت بذكر الكتاب على طريق المدحة. وقوله {والكتاب المبين} فالمراد بالكتاب القرآن، وجره بأنه قسم. وقال قوم: تقديره ورب الكتاب المبين، وإنما أقسم به لينبىء عن تعظيمه. لان القسم يؤكد الخبر بذكر المعظم منعقداً بما يوجب أنه حق كما أن تعظيمه حق. وإنما وصف بأنه مبين وهو بيان مبالغة فى وصفه بأنه بمنزلة الناطق بالحكم الذي فيه من غير أن يحتاج إلى استخراج الحكم من مبين غيره، لأنه يكون من البيان ما لا يقوم بنفسه دون مبين حتى يظهر المعنى فيه. وقوله {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} إخبار منه تعالى أنه انزل القرآن في الليلة المباركة، وهي ليلة القدر - فى قول قتادة وابن زيد - وقال قوم: هي ليلة النصف من شعبان. والأول أصح لقوله تعالى {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} تفسير : وقيل هي فى كل شهر رمضان فيها تقسم الآجال والأرزاق وغيرهما من الألطاف - فى قول الحسن - وقيل: انزل إلى السماء الدنيا فى ليلة القدر. ثم انزل نجوماً على النبي صلى الله عليه وآله وقيل ينزل فى ليلة القدر قدر ما يحتاج اليه فى تلك السنة. وقيل المعنى إن ابتداء انزاله فى ليلة مباركة، ووصفها. بأنها مباركة لان فيها يقسم الله تعالى نعمه على عباده من السنة إلى السنة. والبركة نماء الخير، وضده الشؤم وهو نماء الشر، فالليلة التي انزل فيها كتاب الله مباركة، فان الخير ينمى فيها على ما دبره الله لها من علو الخير الذي قسمه فيها. وقوله {إنا كنا منذرين} فالانذار الاعلام بموضع الخوف ليتقى وموضع الأمن ليرتجى، فالله تعالى قد انذر العباد بأتم الانذار من طريق العقل والسمع وقوله {فيها يفرق كل أمر حكيم} فحكيم - هٰهنا - بمعنى محكم، وهو ما بيناه من انه تعالى يقسم فى هذه الليلة الآجال والارزاق وغيرها. وقوله {أمراً من عندنا} يحتمل أن يكون نصباً على الحال، وتقديره انزلناه آمرين. ويحتمل أن يكون على المصدر وتقديره يفرق كل أمر فرقاً، ووضع امراً موضعه. وقوله {إنا كنا مرسلين} اخبار منه تعالى انه يرسل الرسل {رحمة} أي نعمة. ونصبه على المصدر واختار الأخفش النصب على الحال أي انزلناه آمرين راحمين. ويجوز ان يكون نصباً على انه مفعول له أي انزلناه للرحمة. وسميت النعمة رحمة، لانها بمنزلة ما يبعث على فعله رقة القلب على صاحبه ومع داعي الحكمة إلى الاحسان اليه يؤكد أمره. وقوله {إنه هو السميع العليم} معناه إنه يسمع ما يقوله خلقه من المبطلين والمحقين فيجيب كلا منهم على ما يعلمه من مصلحته من إرساله الرسل اليه وإنعامه عليه
الجنابذي
تفسير : {حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} الظّاهر او المظهر فضل من نزّل عليه، او صدقه، او ظاهر المعنى، او ظاهر الآثار.
الأعقم
تفسير : {حم} قد بينا ما قالوا فيه قيل: أقسم بالكتاب وهو القرآن وسورة حم، وقيل: برب الكتاب ومنزله عن أبي علي {المبين} لأنه بين مصالح المخلوقين وما يحتاجون اليه في الدين {إنَّا أنزلناه} يعني القرآن {في ليلة مباركة} هي ليلة القدر، وقيل: ليلة النصف من شعبان ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة لأن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، وقيل: هي مختصة بخمس خصال تفريق {كل أمر حكيم} وفضيلة العبادة فيها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من صلى هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله اليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشر تصدّ عنه مكائد الشيطان" تفسير : ونزول الرحمة، قال (عليه السلام): "أن الله يرحم من أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أنعام بني كلب" وحصول المغفرة، قال (عليه السلام): "ان الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو لساحر أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو قاطع رحم"، وقيل: ليلة النصف من شعبان، وقيل: أنزل القرآن إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل نجوماً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: ابتدأ بانزاله في ليلة القدر {مباركة} لأن الله يقسّم فيها رحمته بين العباد من السنة إلى السنة ويعفو ويقسم الرزق {إنَّا كنا منذرين} مخوفين لهم أن عصوا بالعقاب فيها في هذه الليلة {يفرق} ويقضي {كل أمر حكيم} قيل: مبرم فيها كل أحد وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة {من عندنا} يعني الفصل يكون بأمرنا {إنا كنا مرسلين} بذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: مرسلين الأنبياء إلى الخلق، وقيل: مرسلين الملائكة إلى الأنبياء.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الدخان، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حـمۤ} قد فسّرنا ذلك فيما مضى من الحواميم. قوله عز وجل: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}، قسم، أقسم بالقرآن المبين. ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم جعل بعد ذلك ينزل نجوماً: ثلاث آيات، وأربع آيات وخمس آيات وأقل من ذلك وأكثر. ثم تلا هذه الآية: (أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)تفسير : [الواقعة:75]. ذكروا عن الأعمش قال: نزل به جبريل ليلة القدر جملة واحدة في سماء الدنيا، فوضعه في البيت المعمور، ثم جعل ينزل بعد ذلك الأول فالأول. قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} أي منذرين العباد من النار. {فِيهَا } يعني ليلة القدر {يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي: يفصل كل أمر حكيم أي: مُحْكَم. قال بعضهم: يدبّر فيها أمر السنة إلى السنة، ثم يدفع إلى الحفظة فيعملون عليها. وفيها يدبر الله ما يدبر، وينزل من الوحي ما ينزل مما يريد من الأمور في سمائه وأرضه وخلقه تلك السنة، من الحياة والموت، وما ينزل من المطر، وما يقبض ويبسط، وما يحدث في خلقه تلك السنة، فينزله في ليلة القدر إلى بعض سمائه، ثم ينزله في الليالي والأيام على ما قدر حتى يحول الحول من تلك السنة من قابل ليلة القدر. وذلك إلى اليوم على هذه الصفة إلا الوحي فإنه قد انقطع بموت النبي عليه السلام.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم والْكِتَابِ} أي القرآن والواو للقسم ان جعلت {حم} تعدادا للحروف أو اسماً للسورة خبراً لمحذوف وللعطف ان كان {حم} قسماً. وانا أنزلنا جواب القسم* {الْمُبِينِ} المظهر للحلال والحرام والأحكام
اطفيش
تفسير : مرّ مثله، وحم اسم للسورة أو للقرآن أى هذه سورة أو هو قسم، والكتاب مقسم به أيضاعطف على حم على تقدير حرف القسم، أو هو قسم مستأنف، ومدار العطف المغايرة فى العنوان، ولو اتحد الماصدق، فان مفهوم السورة أو القرآن ومفهوم للكتاب متغايران، والماصدق واحد، ويلزم على أن حم قسم حذف حرف الجر، وسهله عدم ظهور الجر كما ظهر فى قوله: شعر : إذا قيل أى الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع تفسير : بجر كليب أى أشارت الأصابع الى كليب، وتكرير القسم لتأكيد الانزال، والكتاب المبين الواضح أو الموضح وهو القرآن.
الالوسي
تفسير : الكلام فيه كالذي سلف في السورة السابقة.
سيد قطب
تفسير : يشبه إيقاع هذه السورة المكية، بفواصلها القصيرة، وقافيتها المتقاربة، وصورها العنيفة، وظلالها الموحية.. يشبه أن يكون إيقاعها مطارق على أوتار القلب البشري المشدودة. ويكاد سياق السورة أن يكون كله وحدة متماسكة، ذات محور واحد، تشد إليه خيوطها جميعاً. سواء في ذلك القصة، ومشهد القيامة، ومصارع الغابرين، والمشهد الكوني، والحديث المباشر عن قضية التوحيد والبعث والرسالة. فكلها وسائل ومؤثرات لإيقاظ القلب البشري واستجاشته لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة، كما يبثها هذا القرآن في القلوب. وتبدأ السورة بالحديث عن القرآن وتنزيله في ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم، رحمة من الله بالعباد وإنذاراً لهم وتحذيراً. ثم تعريف للناس بربهم: رب السماوات والأرض وما بينهما، وإثبات لوحدانيته وهو المحيي المميت رب الأولين والآخرين. ثم يضرب عن هذا الحديث ليتناول شأن القوم: {بل هم في شك يلعبون}! ويعاجلهم بالتهديد المرعب جزاء الشك واللعب: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم}.. ودعاءهم بكشف العذاب عنهم وهو يوم يأتي لا يكشف. وتذكيرهم بأن هذا العذاب لم يأت بعد، وهو الآن عنهم مكشوف، فلينتهزوا الفرصة، قبل أن يعودوا إلى ربهم، فيكون ذلك العذاب المخوف: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. ومن هذا الإيقاع العنيف بمشهد العذاب ومشهد البطشة الكبرى والانتقام؛ ينتقل بهم إلى مصرع فرعون وملئه يوم جاءهم رسول كريم، وناداهم: {أن أدوا إليَّ عباد الله إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله}.. فأبوا أن يسمعوا حتى يئس منهم الرسول. ثم كان مصرعهم في هوان بعد الاستعلاء والاستكبار: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}.. وفي غمرة هذا المشهد الموحي يعود إلى الحديث عن تكذيبهم بالآخرة، وقولهم: {إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين، فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} ليذكرهم بمصرع قوم تبع، وما هم بخير منهم ليذهبوا ناجين من مثل مصيرهم الأليم. ويربط بين البعث، وحكمة الله في خلق السماوات والأرض، {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق. ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. ثم يحدثهم عن يوم الفصل: {ميقاتهم أجمعين}. وهنا يعرض مشهداً عنيفاً للعذاب بشجرة الزقوم، وعتل الأثيم، وأخذه إلى سواء الجحيم، يصب من فوق رأسه الحميم. مع التبكيت والترذيل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم. إن هذا ما كنتم به تمترون}.. وإلى جواره مشهد النعيم عميقاً في المتعة عمق مشهد العذاب في الشدة. تمشياً مع ظلال السورة العميقة وإيقاعها الشديد.. وتختم السورة بالإشارة إلى القرآن كما بدأت: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون}.. وبالتهديد الملفوف العنيف: {فارتقب إنهم مرتقبون}. إنها سورة تهجم على القلب البشري من مطلعها إلى ختامها، في إيقاع سريع متواصل. تهجم عليه بإيقاعها كما تهجم عليه بصورها وظلالها المتنوعة المتحدة في سمة العنف والتتابع. وتطوف به في عوالم شتى بين السماء والأرض، والدنيا والآخرة، والجحيم والجنة، والماضي والحاضر، والغيب والشهادة، والموت والحياة، وسنن الخلق ونواميس الوجود.. فهي ـ على قصرها نسبياً ـ رحلة ضخمة في عالم الغيب وعالم الشهود.. {حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم. رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين}.. تبدأ السورة بالحرفين حا. ميم. على سبيل القسم بهما وبالكتاب المبين المؤلف من جنسهما. وقد تكرر الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور؛ فأما عن القسم بهذه الأحرف كالقسم بالكتاب، فإن كل حرف معجزة حقيقية أو آية من آيات الله في تركيب الإنسان، وإقداره على النطق، وترتيب مخارج حروفه، والرمز بين اسم الحرف وصوته، ومقدرة الإنسان على تحصيل المعرفة من ورائه.. وكلها حقائق عظيمة تكبر في القلب كلما تدبرها مجرداً من وقع الألفة والعادة الذي يذهب بكل جديد! فأما المقسم عليه فهو تنزيل هذا الكتاب في ليلة مباركة: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة. إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}.. والليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي ـ والله أعلم ـ الليلة التي بدأ فيها نزوله؛ وهي إحدى ليالي رمضان، الذي قيل فيه: {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}.. تفسير : والقرآن لم ينزل كله في تلك الليلة؛ كما أنه لم ينزل كله في رمضان؛ ولكنه بدأ يتصل بهذه الأرض؛ وكانت هذه الليلة موعد هذا الاتصال المبارك. وهذا يكفي في تفسير إنزاله في الليلة المباركة. وإنها لمباركة حقاً تلك الليلة التي يفتح فيها ذلك الفتح على البشرية، والتي يبدأ فيها استقرار هذا المنهج الإلهي في حياة البشر؛ والتي يتصل فيها الناس بالنواميس الكونية الكبرى مترجمة في هذا القرآن ترجمة يسيرة، تستجيب لها الفطرة وتلبيها في هوادة؛ وتقيم على أساسها عالماً إنسانياً مستقراً على قواعد الفطرة واستجاباتها، متناسقاً مع الكون الذي يعيش فيه، طاهراً نظيفاً كريماً بلا تعمل ولا تكلف؛ يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين. ولقد عاش الذين أنزل القرآن لهم أول مرة فترة عجيبة في كنف السماء، موصولين مباشرة بالله؛ يطلعهم أولاً بأول على ما في نفوسهم؛ ويشعرهم أولاً بأول بأن عينه عليهم، ويحسبون هم حساب هذه الرقابة، وحساب هذه الرعاية، في كل حركة وكل هاجسة تخطر في ضمائرهم؛ ويلجأون إليه أول ما يلجأون، واثقين أنه قريب مجيب. ومضى ذلك الجيل وبقي بعده القرآن كتاباً مفتوحاً موصولا بالقلب البشري، يصنع به حين يتفتح له ما لا يصنعه السحر؛ ويحول مشاعره بصورة تحسب أحياناً في الأساطير! وبقي هذا القرآن منهجاً واضحاً كاملاً صالحاً لإنشاء حياة إنسانية نموذجية في كل بيئة وفي كل زمان. حياة إنسانية تعيش في بيئتها وزمانها في نطاق ذلك المنهج الإلهي المتميز الطابع، بكل خصائصه دون تحريف. وهذه سمة المنهج الإلهي وحده. وهي سمة كل ما يخرج من يد القدرة الإلهية. إن البشر يصنعون ما يغني مثلهم، وما يصلح لفترة من الزمان، ولظرف خاص من الحياة. فأما صنعة الله فتحمل طابع الدوام والكمال، والصلاحية المستمرة وتلبية الحاجات في كل ظرف وفي كل حين؛ جامعة بين ثبات الحقيقة وتشكل الصورة في اتساق عجيب. أنزل الله هذا القرآن في هذه الليلة المباركة.. أولا للإنذار والتحذير: {إنا كنا منذرين}. فالله يعلم غفلة هذا الإنسان ونسيانه وحاجته إلى الإنذار والتنبيه. وهذه الليلة المباركة بنزول هذا القرآن كانت فيصلاً وفارقاً بهذا التنزيل: {فيها يفرق كل أمر حكيم}.. وقد فرق فيها بهذا القرآن في كل أمر، وفصل فيها كل شأن، وتميز الحق الخالد والباطل الزاهق، ووضعت الحدود، وأقيمت المعالم لرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة إلى يوم الدين؛ فلم يبق هناك أصل من الأصول التي تقوم عليها الحياة غير واضح ولا مرسوم في دنيا الناس، كما هو واضح ومرسوم في الناموس الكلي القديم. وكان ذلك كله بإرادة الله وأمره، ومشيئته في إرسال الرسل للفصل والتبيين: {أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين}. وكان ذلك كله رحمة من الله بالبشر إلى يوم الدين: {رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}.. وما تتجلى رحمة الله بالبشر كما تتجلى في تنزيل هذا القرآن، بهذا اليسر، الذي يجعله سريع اللصوق بالقلب، ويجعل الاستجابة له تتم كما تتم دورة الدم في العروق. وتحول الكائن البشري إلى إنسان كريم، والمجتمع البشري إلى حلم جميل، لولا أنه واقع تراه العيون! إن هذه العقيدة ـ التي جاء بها القرآن ـ في تكاملها وتناسقها ـ جميلة في ذاتها جمالاً يحبّ ويعشق؛ وتتعلق به القلوب! فليس الأمر فيها أمر الكمال والدقة وأمر الخير والصلاح. فإن هذه السمات فيها تظل ترتفع وترتفع حتى يبلغ الكمال فيها مرتبة الجمال الحبيب الطليق. الجمال الذي يتناول الجزئيات كلها بأدق تفصيلاتها، ثم يجمعها، وينسقها، ويربطها كلها بالأصل الكبير. {رحمة من ربك} نزل بها هذا القرآن في الليلة المباركة.. {إنه هو السميع العليم}. يسمع ويعلم، وينزل ما ينزل للناس على علم وعلى معرفة بما يقولون وما يعملون، وما يصلح لهم ويصلحون به من السنن والشرائع والتوجيه السليم. وهو المشرف على هذا الكون الحافظ لمن فيه وما فيه: {رب السماوات والأرض وما بينهما. إن كنتم موقنين}.. فما ينزله للناس يربيهم به، هو طرف من ربوبيته للكون كله، وطرف من نواميسه التي تصرف الكون.. والتلويح لهم باليقين في هذا إشارة إلى عقيدتهم المضطربة المزعزعة المهوشة، إذ كانوا يعترفون بخلق الله للسماوات والأرض، ثم يتخذون من دونه أرباباً، مما يشي بغموض هذه الحقيقة في نفوسهم وسطحيتها وبعدها عن الثبات واليقين. وهو الإله الواحد الذي يملك الموت والحياة؛ وهو رب الأولين والآخرين: {لا إله إلا هو يحيي ويميت، ربكم ورب آبائكم الأولين}.. والإحياء والإماتة أمران مشهودان للجميع، وأمرهما خارج عن طاقة كل مخلوق. يبدو هذا بأيسر نظر وأقرب تأمل. ومشهد الموت كمشهد الحياة في كل صورة وفي كل شكل يلمس القلب البشري ويهزه؛ ويستجيشه ويعده للتأثر والانفعال ويهيئه للتقبل والاستجابة. ومن ثم يكثر ذكره في القرآن وتوجيه المشاعر إليه ولمس القلوب به بين الحين والحين. وعندما يبلغ الموقف هذا الحد من الاستثارة والاستجاشة يضرب السياق عنه، ويلتفت بالحديث إلى حكاية حالهم تجاهه، وهو حال مناقض لما ينبغي أن يكونوا عليه تجاه حقيقة الموقف الجاد الذي لا مجال للعب فيه: {بل هم في شك يلعبون. فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس، هذا عذاب أليم. ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين. ثم تولوا عنه وقالوا: معلم مجنون. إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون. يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. يقول: إنهم يلعبون إزاء ذلك الجد، ويشكون في تلك الآيات الثابتة. فدعهم إلى يوم هائل عصيب: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. يغشى الناس. هذا عذاب أليم}.. وقد اختلف السلف في تفسير آية الدخان. فقال بعضهم. إنه دخان يوم القيامة، وإن التهديد بارتقابه كالتهديد المتكرر في القرآن. وإنه آت يترقبونه ويترقبه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل هو قد وقع فعلاً، كما توعدهم به. ثم كشف عن المشركين بدعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنذكر هنا ملخص القولين وأسانيدها. ثم نعقب بما فتح الله به، ونحسبه صواباً إن شاء الله. قال سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق. قال: دخلنا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ عند أبواب كندة. فإذا رجل يقص على أصحابه: {يوم تأتي السماء بدخان مبين}.. تدرون ماذا الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام. قال: فأتينا ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ فذكرنا ذلك له، وكان مضطجعاً ففزع فقعد، وقال: إن الله عز وجل قال لنبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {أية : قل: ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}. تفسير : إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. أحدثكم عن ذلك. إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة؛ وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان ـ وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ـ قال الله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم}.. فأتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقيل له: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. فاستسقى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم فسقوا. فنزلت. {إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون}.. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟.. فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله عز وجل: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. قال: يعني يوم بدر. قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ فقد مضى خمسة: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام".. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. رواه الإمام أحمد في مسنده. وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما. وعند ابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به. وقد وافق ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي. وهو اختيار ابن جرير. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما ورد في حديث أبي سريحة حذيفة ابن أسيد الغفاري ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : أشرف علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرف، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس ـ أو تحشر ـ الناس ـ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا"تفسير : .. تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: حديث : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن ربكم أنذركم ثلاثاً الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجالتفسير : . ورواه الطبراني عن هاشم بن زيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش بهذا النص (وقال ابن كثير في التفسير: وهذا إسناد جيد). وقال ابن جرير كذلك: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبدالله بن أبي مليكة. قال: غدوت على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.. وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن ابن عمر، عن سفيان، عن عبدالله بن أبي يزيد، عن عبدالله ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: رضي الله عنهما فذكره. قال ابن كثير في التفسير: (وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حبر الأمة وترجمان القرآن. وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها، مما فيه مقتنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن. قال الله تبارك وتعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}.. أي بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر به ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله تعالى: {يغشى الناس}.. أي يتغشاهم ويعميهم. ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: {يغشى الناس}.. وقوله تعالى: {هذا عذاب أليم}.. أي يقال لهم ذلك، تقريعاً وتوبيخاً. كقوله تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. هذه النار التي كنتم بها تكذبون}. أو يقول بعضهم لبعض ذلك. وقوله ـ سبحانه وتعالىـ: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}.. أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته: {أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}.. تفسير : وكذا قوله جل وعلا: {أية : وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا: ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل. أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟}.. تفسير : وهكذا قال جل وعلا ها هنا: {أنى لهم الذكرى، وقد جاءهم رسول مبين، ثم تولوا عنه وقالوا: معلم مجنون}.. يقول: كيف لهم التذكر وقد أرسلنا إليهم رسولاً بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه، وما وافقوه بل كذبوه، وقالوا: معلم مجنون. وهذا كقوله جلت عظمته: {أية : يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى}.. تفسير : الآية. وقوله عز وجل: {أية : ولو ترى إذ فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب. وقالوا: آمنا به. وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟}تفسير : إلى آخر السورة.. وقوله تعالى: {إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون}.. يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يقول تعالى: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب. كقوله تعالى: {أية : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون}.. تفسير : وكقوله جلت عظمته: {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}.. تفسير : والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلاً بعد انعقاد أسبابه، ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال. ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم. كقوله تعالى: {أية : إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}.. تفسير : ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم.. وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله.. وقوله عز وجل: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. فسر ذلك ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه، وجماعة عنه على تفسير الدخان بما تقدم وروي أيضاً عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من رواية العوفي عنه وأبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ وهو محتمل: والظاهر أن ذلك يوم القيامة. وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضاً. قال ابن جرير: حدثني يعقوب. حدثنا ابن علية. حدثنا خالد الحذاء. عن عكرمة قال: قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول: هي يوم القيامة. وهذا إسناد صحيح عنه. وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه، والله أعلم).. انتهى كلام ابن كثير.. ونحن نختار قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير الدخان بأنه عند يوم القيامة، وقول ابن كثير في تفسيره. فهو تهديد له نظائره الكثيرة في القرآن الكريم، في مثل هذه المناسبة. ومعناه: إنهم يشكون ويلعبون. فدعهم وارتقب ذلك اليوم المرهوب. يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس. ووصف هذا بأنه عذاب أليم. وصور استغاثتهم: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}.. ورده عليهم باستحالة الاستجابة، فقد مضى وقتها: {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين. ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون}.. يعلمه ذلك الغلام الأعجمي! وهو ـ كما زعموا ـ مجنون.. وفي ظل هذا المشهد الذي يرجون فيه كشف العذاب فلا يجابون يقول لهم: إن أمامكم فرصة بعد لم تضع، فهذا العذاب مؤخر عنكم قليلاً وأنتم الآن في الدنيا. وهو مكشوف عنكم الآن فآمنوا كما تعدون أن تؤمنوا في الآخرة فلا تجابون. وأنتم الآن في عافية لن تدوم. فإنكم عائدون إلينا {يوم نبطش البطشة الكبرى}.. يوم يكون ذلك الدخان الذي شهدتم مشهده في تصوير القرآن له. {إنا منتقمون} من هذا اللعب الذي تلعبون، وذلك البهت الذي تبهتون به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ تقولون عنه: {معلم مجنون}.. وهو الصادق الأمين.. بهذا يستقيم تفسير هذه الآيات، كما يبدو لنا، والله أعلم بما يريد. بعد ذلك يأخذ بهم في جولة أخرى مع قصة موسى عليه السلام. فيعرضها في اختصار ينتهي ببطشة كبرى في هذه الأرض. بعد إذ أراهم بطشته الكبرى يوم تأتي السماء بدخان مبين: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون، وجاءهم رسول كريم: أن أدوا إليَّ عباد الله، إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون. {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون.. فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون. واترك البحر رهواً، إنهم جند مغرقون}. {كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}. {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين. من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}.. هذه الجولة تبدأ بلمسة قوية لإيقاظ قلوبهم إلى أن إرسال الرسول لقومه قد يكون فتنة وابتلاء. والإملاء للمكذبين فترة من الزمان، وهم يستكبرون على الله، ويؤذون رسول الله والمؤمنين معه قد يكون كذلك فتنة وابتلاء. وأن إغضاب الرسول واستنفاد حلمه على أذاهم ورجائه في هدايتهم قد يكون وراءه الأخذ الأليم والبطش الشديد: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون}.. وابتليناهم بالنعمة والسلطان، والتمكين في الأرض، والإملاء في الرخاء، وأسباب الثراء والاستعلاء. {وجاءهم رسول كريم}.. وكان هذا طرفاً من الابتلاء، ينكشف به نوع استجابتهم للرسول الكريم، الذي لا يطلب منهم شيئاً لنفسه؛ إنما يدعوهم إلى الله، ويطلب إليهم أن يؤدوا كل شىء لله، وألا يستبقوا شيئاً لا يؤدونه من ذوات أنفسهم يضنون به على الله: {أن أدوا إليّ عباد الله إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذب بربي وربكم أن ترجمون. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}.. إنها كلمات قصيرة تلك التي جاءهم بها رسولهم الكريم ـ موسى عليه السلام: إنه يطلب إليهم الاستجابة الكلية. والأداء الكامل. والاستسلام المطلق. الاستسلام المطلق لله. الذي هم عباده. وما ينبغي للعباد أن يعلوا على الله. فهي دعوة الله يحملها إليهم الرسول، ومعه البرهان على أنه رسول الله إليهم. البرهان القوي والسلطان المبين، الذي تذعن له القلوب. وهو يتحصن بربه ويعوذ به أن يسطوا عليه وأن يرجموه. فإن استعصوا على الإيمان فهو يفاصلهم ويعتزلهم ويطلب إليهم أن يفاصلوه ويعتزلوه. وذلك منتهى النصفة والعدل والمسالمة. ولكن الطغيان قلما يقبل النصفة، فهو يخشى الحق أن يظل طليقاً، يحاول أن يصل إلى الناس في سلام وهدوء. ومن ثم يحارب الحق بالبطش. ولا يسالمه أبداً. فمعنى المسالمة أن يزحف الحق ويستولي في كل يوم على النفوس والقلوب. ومن ثم يبطش الباطل ويرجم ولا يعتزل الحق ولا يدعه يسلم أو يستريح! ويختصر السياق هنا حلقات كثيرة من القصة، ليصل إلى قرب النهاية. حين وصلت التجربة إلى نهايتها؛ وأحس موسى أن القوم لن يؤمنوا له ولن يستجيبوا لدعوته؛ ولن يسالموه أو يعتزلوه. وبدا له إجرامهم أصيلاً عميقاً لا أمل في تخليهم عنه. عند ذلك لجأ إلى ربه وملاذه الأخير: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون}.. وماذا يملك الرسول إلا أن يعود إلى ربه بالحصيلة التي جنتها يداه؟ وإلا أن ينفض أمره بين يديه، ويدع له التصرف بما يريد؟ وتلقى موسى الإجابة إقراراً من ربه لما دمغ به القوم.. حقاً إنهم مجرمون.. {فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون. واترك البحر رهواً إنهم جند مغرقون}.. والسرى لا يكون إلا ليلاً، فالنص عليه يعيد تصوير المشهد، مشهد السرى بعباد الله ـ وهم بنو إسرائيل. ثم للإيحاء بجو الخفية، لأن سراهم كان خفية عن عيون فرعون ومن وراء علمه. والرهو: الساكن. وقد أمر الله موسى ـ عليه السلام ـ أن يمر هو وقومه وأن يدع البحر وراءه ساكناً على هيئته التي مر هو وقومه فيها، لإغراء فرعون وجنده باتباعهم، ليتم قدر الله بهم كما أراده: {إنهم جند مغرقون}.. فهكذا ينفذ قدر الله من خلال الأسباب الظاهرة. والأسباب ذاتها طرف من هذا القدر المحتوم. ويختصر السياق حكاية مشهد الغرق أو عرضه، اكتفاء بالكلمة النافذة التي لا بد أن تكون: {إنهم جند مغرقون}.. ويمضي من هذا المشهد المضمر إلى التعقيب عليه؛ تعقيباً يشي بهوان فرعون الطاغية المتعالي وملئه الممالئ له على الظلم والطغيان. هوانه وهوانهم على الله، وعلى هذا الوجود الذي كان يشمخ فيه بأنفه، فيطأطئ له الملأ المفتونون به؛ وهو أضأل وأزهد من أن يحس به الوجود، وهو يسلب النعمة فلا يمنعها من الزوال، ولا يرثي له أحد على سوء المآل: {كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}.. ويبدأ المشهد بصور النعيم الذي كانوا فيه يرفلون.. جنات. وعيون. وزروع. ومكان مرموق، ينالون فيه الاحترام والتكريم. ونعمة يتلذونها ويطعمونها ويعيشون فيها مسرورين محبورين. ثم ينزع هذا كله منهم أو ينزعون منه. ويرثه قوم آخرون ـ وفي موضع آخر قال: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} ـ وبنو إسرائيل لم يرثوا ملك فرعون بالذات. ولكنهم ورثوا ملكاً مثله في الأرض الأخرى. فالمقصود إذن هو نوع الملك والنعمة. الذي زال عن فرعون وملئه، وورثه بنو إسرائيل! ثم ماذا؟ ثم ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملء الأعين والنفوس في هذه الأرض: ذهبوا فلم يأس على ذهابهم أحد، ولم تشعر بهم سماء ولا أرض؛ ولم ينظروا أو يؤجلوا عند ما حل الميعاد: {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}.. وهو تعبير يلقي ظلال الهوان، كما يلقي ظلال الجفاء.. فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء. ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء. وذهبوا ذهاب النمال، وهم كانوا جبارين في الأرض يطأون الناس بالنعال! وذهبوا غير مأسوف عليهم فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه، وهو مؤمن بربه، وهم به كافرون! وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه! ولو أحس الجبارون في الأرض ما في هذه الكلمات من إيحاء لأدركوا هوانهم على الله وعلى هذا الوجود كله. ولأدركوا أنهم يعيشون في الكون منبوذين منه، مقطوعين عنه، لا تربطهم به آصرة، وقد قطعت آصرة الإيمان. وفي الصفحة المقابلة مشهد النجاة والتكريم والاختيار: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}.. ويذكر هنا نجاة بني إسرائيل من العذاب {المهين} في مقابل الهوان الذي انتهى إليه المتجبرون المتعالون المسرفون في التجبر والتعالي: {من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين}.. ثم يذكر اختيار الله لبني إسرائيل ـ على علم ـ بحقيقتهم كلها، خيرها وشرها. اختيارهم على العالمين في زمانهم بطبيعة الحال، لما يعلمه الله من أنهم أفضل أهل زمانهم وأحقهم بالاختيار والاستخلاف؛ على كل ما قصه عنهم بعد ذلك من تلكؤ ومن انحراف والتواء. مما يشير إلى أن اختيار الله ونصره قد يكون لأفضل أهل زمانهم؛ ولو لم يكونوا قد بلغوا مستوى الإيمان العالي؛ إذا كانت فيهم قيادة تتجه بهم إلى الله على هدى وعلى بصيرة واستقامة. {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}.. فتعرضوا للاختبار بهذه الآيات، التي آتاهم الله إياها للابتلاء. حتى إذا تم امتحانهم، وانقضت فترة استخلافهم، أخذهم الله بانحرافهم والتوائهم، وبنتيجة اختبارهم وابتلائهم، فضربهم بمن يشردهم في الأرض، وكتب عليهم الذلة والمسكنة، وتوعدهم أن يعودوا إلى النكال والتشريد كلما بغوا في الأرض إلى يوم الدين.. وبعد هذه الجولة في مصرع فرعون وملئه، ونجاة موسى وقومه، وابتلائهم بالآيات بعد فتنة فرعون وأخذه.. بعد هذه الجولة يعود إلى موقف المشركين من قضية البعث والنشور، وشكهم فيها، وإنكارهم لها. يعود ليربط بين قضية البعث وتصميم الوجود كله وبنائه على الحق والجد، الذي يقتضي هذا البعث والنشور: {إن هؤلاء ليقولون: إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين. فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين. وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون. إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله، إنه هو العزيز الرحيم}.. إن هؤلاء المشركين من العرب ليقولون: ما هي إلا الموتة التي نموتها، ثم لا حياة ولا نشور. ويسمونها {الأولى} بمعنى السابقة المتقدمة على الموعد الذي يوعدونه للبعث والنشور. ويستدلون على أنه ليس هناك إلا هذه الموتة وينتهي الأمر. يستدلون بأن آباءهم الذين ماتوا هذه الموتة ومضوا لم يعد منهم أحد، ولم ينشر منهم أحد؛ ويطلبون الإتيان بهم إن كان النشور حقاً وصدقاً. وهم في هذا الطلب يغفلون عن حكمة البعث والنشور؛ ولا يدركون أنها حلقة من حلقات النشأة البشرية، ذات حكمة خاصة وهدف معين، للجزاء على ما كان في الحلقة الأولى. والوصول بالطائعين إلى النهاية الكريمة التي تؤهلهم لها خطواتهم المستقيمة في رحلة الحياة الدنيا؛ والوصول بالعصاة إلى النهاية الحقيرة التي تؤهلهم لها خطواتهم المنتكسة المرتكسة في الحمأة المستقذرة.. وتلك الحكمة تقتضي مجيء البعث والنشور بعد انقضاء مرحلة الأرض كلها؛ وتمنع أن يكون البعث لعبة تتم حسب رغبة أو نزوة بشرية لفرد أو لجماعة محدودة من البشر كي يصدقوا بالبعث والنشور! وهم لا يكمل إيمانهم إلا أن يشهدوا بالغيب على هذه القضية، التي يخبرهم بها الرسل؛ ويقتضيها التدبر في طبيعة هذه الحياة، وفي حكمة الله في خلقها على هذا الأساس. وهذا التدبر وحده يكفي للإيمان بالآخرة، والتصديق بالنشور. وقبل أن يوجههم هنا إلى هذا التدبر في تصميم الكون ذاته، يلمس قلوبهم لمسة عنيفة بمصرع قوم تبع. والتبابعة من ملوك حمير في الجزيرة العربية. ولا بد أن القصة التي يشير إليها كانت معروفة للسامعين، ومن ثم يشير إليها إشارة سريعة للمس قلوبهم بعنف، وتحذيرها مصيراً كهذا المصير: {أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين}.. وفي ظل هذه الذكرى، وارتجاف القلوب من تصورها، يقودهم إلى النظر في تصميم السماوات والأرض؛ وتنسيق هذا الكون؛ وما يبدو وراء هذا التنسيق من قصد وصدق وتدبير: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون. إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم}.. واللفتة لطيفة، والمناسبة بين خلق السماوات والأرض وما بينهما وبين قضية البعث والنشور مناسبة دقيقة. ولكن الفطرة البشرية تدركها في يسر حين توجه إليها مثل هذا التوجيه. والواقع أن تدبر ما في خلق السماوات والأرض من دقة وحكمة وقصد ظاهر وتنسيق ملحوظ، وخلق كل شيء بمقدار لا يزيد ولا ينقص عن تحقيق الغاية من خلقه، وتحقيق تناسقه مع كل شىء وحوله، وظهور القصد في خلق كل شىء بالقدر والشكل الذي خلق به، وانتفاء المصادفة والبعث في أي جانب صغر أو كبر في تصميم هذه الخلائق الهائلة وما فيها من خلائق دقيقة لطيفة. الواقع أن تدبر هذا كله يوقع في النفس أن لهذا الخلق غاية فلا عبث فيه؛ وأنه قائم على الحق فلا باطل فيه. وأن له نهاية لم تأت بعد، ولا تجيء بالموت، بعد هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب. وأن أمر الآخرة، وأمر الجزاء فيها حتم لا بد منه من الناحية المنطقية البحتة لهذا التصميم المقصود في بناء هذه الحياة وهذا الوجود. حتى تتحقق به النهاية الطبيعية للصلاح والفساد في هذه الحياة الدنيا. هذا الصلاح وهذا الفساد اللذان ركب الإنسان على أساس الاستعداد لهما؛ وظهور جهده هو وإرادته في اختيار أحدهما، وتلقي جزاء هذا الاختيار في نهاية المطاف. وإن خلق الإنسان بهذا الاستعداد المزدوج، ونفي العبث عن فعل الله سبحانه، ليقتضيان أن يكون لهذا الإنسان مصير معين، ينتهي إليه بعد انتهاء رحلته الأرضية. وهذا هو صميم قضية الآخرة. ومن ثم يجيء بعد توجيه النظر إلى الحكمة والقصد في خلق السماوات والأرض. يجيء قوله تعالى: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون إلا من رحم الله، إنه هو العزيز الرحيم}.. يجيء هذا القول طبيعياً ومرتبطاً بما قبله كل الارتباط. فالحكمة تقتضي أن يكون هناك يوم يفصل فيه بين الخلائق، ويحكم فيه بين الهدى والضلال، ويكرم فيه الخير ويهان فيه الشر، ويتجرد الناس من كل سند لهم في الأرض، ومن كل قربى وآصرة، ويعودون إلى خالقهم فرادى كما خلقهم، يتلقون جزاء ما عملت أيديهم، لا ينصرهم أحد، ولا يرحمهم أحد، إلا من ينال رحمة ربه العزيز القادر الرحيم العطوف. الذي خرجوا من يده ـ سبحانه ـ ليعملوا؛ وعادوا إلى يده ـ سبحانه ـ ليتسلموا منه الجزاء. وما بين خروجهم ورجوعهم إنما هو فرصة للعمل ومجال للابتداء. هكذا تقتضي الحكمة الظاهرة في تصميم هذا الكون، وفي خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، وفي التقدير الواضح والقصد الناطق في كل شيء في هذا الوجود.. وبعد تقرير هذا المبدأ يعرض عليهم مشهداً من مشاهد يوم الفصل؛ وما ينتهي إليه العصاة والطائعون من عذاب ومن نعيم. مشهداً عنيفاً يتناسق مع ظلال السورة وجوها العنيف: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم. خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم. ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم. ذق إنك أنت العزيز الكريم. إن هذا ما كنتم به تمترون}. {إن المتقين في مقام أمين. في جنات وعيون. يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين. كذلك وزوجناهم بحور عين. يدعون فيها بكل فاكهة آمنين. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم. فضلاً من ربك. ذلك هو الفوز العظيم}.. ويبدأ المشهد بعرض لشجرة الزقوم، بعد تقرير أنها طعام الأثيم. عرض مفزع مرعب مخيف. إن هذا الطعام مثل دردي الزيت المغلي ـ وهو المهل ـ يغلي في البطون كغلي الحميم. وهناك هذا الأثيم. هذا المتعالي على ربه وعلى الرسول الأمين. وهذا هو الأمر العالي يصدر إلى الزبانية ليأخذوه في عنف يليق بمقامه {الكريم!}: {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم. ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم}.. خذوه أخذاً فاعتلوه عتلاً، وشدوه في إهانة وجفوة فلا كرامة ولا هوادة. وهناك صبوا فوق رأسه من ذلك الحميم المغلي الذي يشوي ويكوي. ومع الشد والجذب والدفع والعتل والكي والشي.. التأنيب والترذيل: {ذق. إنك أنت العزيز الكريم}.. وهذا جزاء العزيز الكريم في غير ما عزة ولا كرامة، فقد كان ذلك على الله وعلى المرسلين! {إن هذا ما كنتم به تمترون}.. فقد كنتم تشكون في هذا اليوم كما كنتم تسخرون وتستهزئون! وبينما الأخذ والعتل، والصب والكي، والتأنيب والخزي.. في جانب من جوانب الساحة.. يمتد البصر ـ بعين الخيال ـ إلى الجانب الآخر. فإذا {المتقون} الذين كانوا يخشون هذا اليوم ويخافونه. إذا هم: {في مقام أمين}.. لا خوف فيه ولا فزع، ولا شد فيه ولا جذب، ولا عتل فيه ولا صب! بل هم منعمون رافلون {في جنات وعيون}.. يلبسون من سندس ـ وهو الحرير الرقيق ـ ومن إستبرق ـ وهو الحريم السميك ـ ويجلسون متقابلين في مجالسهم يسمرون. كل ذلك ومثله تزويجهم بحور عين، يتم بهن النعيم. وهم في الجنة أصحاب الدار، يطلبون ما يشاءون و {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين}.. لا يتوقعون نهاية لهذا النعيم، فلا موت هنالك وقد ذاقوا الموتة الأولى، وغيرها لا يذوقون.. (وذلك في مقابل ما كان المشركون يقولون: {إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين}.. فنعم إنها الموتة الأولى ولكن وراءها الجحيم والنعيم). {ووقاهم عذاب الجحيم}.. تفضلاً منه سبحانه. فالنجاة من العذاب لا تكون إلا بفضله ورحمته: {فضلاً من ربك. ذلك هو الفوز العظيم}.. وأي فوز عظيم؟! وفي ظل هذا المشهد العنيف العميق المؤثر بجانبيه تختم السورة بالتذكير بنعمة الرسالة والتخويف من عاقبة التكذيب: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون. فارتقب إنهم مرتقبون}.. وهو ختام يلخص جو السورة وظلها. ويتناسق مع بدئها وخط سيرها. فقد بدأت بذكر الكتاب وتنزيله للإنذار والتذكير، وورد في سياقها ما ينتظر المكذبين. {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. فجاء هذا الختام يذكرهم بنعمة الله في تيسير هذا القرآن على لسان الرسول العربي الذي يفهمونه ويدركون معانيه. ويخوفهم العاقبة والمصير، في تعبير ملفوف. ولكنه مخيف: {فارتقب إنهم مرتقبون}..
ابن عاشور
تفسير : القولُ في نظائره تقدم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- حم: ابتدأت هذه السورة ببعض الحروف الصوتية على طريقة القرآن الكريم فى افتتاح كثير من السور بمثل هذه الحروف. 2- أقسم الله بالقرآن الكاشف عن الدين الحق، الموضح للناس ما يُصلح دنياهم وآخرتهم، إعلاماً برفعة قدره. 3- إننا ابتدأنا إنزال القرآن فى ليلة وفيرة الخير، كثيرة البركات، لأن من شأننا الإنذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة تكتب هكذا حـمۤ وتقرأ هكذا حَامِيمْ. والكتاب المبين: أي القرآن المظهر للحلال والحرام في الأقوال والأعمال والاعتقادات. إنّا أنزلناه في ليلة مباركة: أي في ليلة القدر من رمضان. فيها يفرق كل أمر حكيم: أي يفصل كل أمر محكم من الآجال والأرزاق وسائر الأحداث. أمراً من عندنا: أي فيها في ليلة القدر يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا أي أمرنا بذلك أمراً من عندنا. إنّا كنا مرسلين من رحمة من ربك: أي إنّا كنا مرسلين الرسل محمداً ومن قبله رحمة من ربك بالمرسل إليهم من الأمم والشعوب. إنه هو السميع العليم: أي السميع لأصوات مخلوقاته العليم بحاجاتهم. إنْ كنتم موقنين: أي بأنه رب السماوات والأرض فآمنوا برسوله واعبدوه وحده. بل هم في شك يلعبون: أي فليسوا بموقنين بل هم في شك من ربوبية الله تعالى لخلقه وإلا لعبدوه وأطاعوه بل هم في شك يلعبون بالأقوال والأفعال لا يقين لهم في ربوبية الله تعالى وإنما هم مقلدون لآبائهم في ذلك. معنى الآيات قوله تعالى {حـمۤ} هذا أحد الحروف المقطعة وهو من المتشابه الذي يفوض فهم معناه إلى منزله فيقول: المؤمن: الله أعلم بمراده به، وقد ذكرنا له فائدتين جليلتين تقدمتا غير ما مرة الأولى: أنه لما المشركون يمنعون سماع القرآن خشية التأثر به جاءت هذه الفواتح بصيغة لم تعهدها العرب في لغتها فكان إذا قرأ القارىء رافعا صوته مادّاً به هذه الحروف يستوقف السامع ويضطره إلى أن يسمع فإذا سمع تأثر واهتدى غالباً وأعظم بهذه الفائدة من فائدة والثانية: أنه لما ادعى العرب أن القرآن ليس وحياً إلهياً وإنما هو شعر أو سحر أو قول الكهان أو أساطير تحداهم الله تعالى بالإِتيان بمثله فعجزوا فتحداهم بعشر سور فعجزوا فتحداهم بسورة فعجزوا فأعلمهم أن هذه المعجز إنما هو مؤلف من مثل هذه الحروف حـمۤ طسۤ الۤـمۤ فألفوا نظيره فعجزوا فقامت عليهم الحجة لعجزهم وتقرر أن القرآن الكريم كلام الله ووحيه أوحاه إلى رسوله ويؤكد هذه الفائدة أنه غالباً إذا ذكرت هذه الحروف في فواتح السور يذكر القرآن بعدها نحو طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ، حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ، الۤـمۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ. قوله تعالى {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} هذا قسم أقسم الله تعالى بالقرآن تنويها بشأنه ولله أن يقسم بما يشاء فلا حجر عليه وإنما الحجر على الإِنسان أن يحلف بغير ربه عز وجل، والمراد من الكتاب المبين المقسم به القرآن العظيم، وقوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} أي القرآن {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي كثيرة البركة والخير وهي ليلة القدر والتي هي خير من ألف شهر. وقوله {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}، ولذلك أرسلنا الرسول وأنزلنا القرآن لننذر الناس عذاب يوم القيامة حيث لا ينجى منه إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا يعرفان إلا بالوحي فكان لا بد من الرسول الذي يوحى إليه ولا بد من الوحي الحامل لبيان الإيمان وأنواع العمل الصالح. وقوله فيها يفرق كل أمر حكيم أي في تلك الليلة المباركة يفصل كل أمر محكم مما قضى الله أن يتم في تلك السنة من أحداث في الكون يؤخذ ذلك من كتاب المقادير فيفصل عنه وينفذ خلال السنة من الموت والحياة والغنى والفقر والصحة والمرض والتولية والعزل فكل أحداث تلك السنة تفصل من اللوح المحفوظ ليتم احداثها في تلك السنة حتى إن الرجل ليتزوج ويولد له وهو في عداد من يموت فلا تنتهي السنة إلا وقد مات وقوله: {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي كان ذلك أمراً من عندنا أمرنا به. وقوله: إنا كنا مرسلين أي الرسل محمداً فمن قبله من الرسل رحمة من ربك بالناس المرسل إليهم إنه هو السميع لأقوالهم وأصواتهم العليم بحاجاتهم، فكان إرسال الرسل رحمة من ربك أيها الرسول فاحمده واشكره فإنه أهل الحمد والثناه وقوله: {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي خالق ومالك السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، أي بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبدوه وحده فإنه لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين. وقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} دال على أن إقرارهم بأن الله رب السماوات ورب الخلق عندما يسألون لم يكن عن يقين إذ لو كان على يقين لما أنكروا توحيد الله وكفروا به إذاً فهم في شك يلعبون بالأقوال فقط كما يلعبون بالأفعال، لا يقين لهم في ربوبيته تعالى وإنما هم مقلدون لآبائهم في ذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فضل ليلة القدر وأنها في رمضان. 2- تقرير عقيدة القضاء والقدر وإثبات اللوح المحفوظ. 3- إرسال الرسل رحمة من الله بعباده، فلم يكن زمن الفترة وأهلها أفضل من زمن الوحي. 4- لم يكن إفراد المشركين بربوبية الله تعالى لخلقه عن علم يقيني بل هم مقلدون فيه فلذا لم يحملهم على توحيد الله في عبادته، وهذا شأن كل علم أو معتقد ضعيف.
القطان
تفسير : ليلة مباركة: هي ليلة القدر. منذِرين: مُعْلِمين ومخوفين. يفرق: يفصل ويبين. حكيم: محكَم لا يمكن الطعن فيه. ان كنتم موقنين: ان كنتم مؤمنين ومصدقين حقا. حم: تقرأ هكذا حاميم: من الحروف الصوتية، وقد تكلّمنا عن هذا الاسلوب والغرض منه. أقْسَمَ الله تعالى بالقرآن الكاشف عن الدِّين الحقِ، المبينِ لما فيه صلاحُ البشرية في دنياهم وأُخراهم، وأنه انزلَ القرآنَ في ليلة مبارَكة هي ليلة القدر، لإنذار العباد وتخويفهم بإرسال الرسُل وانزال الكتب. وفي هذه الليلة المباركة يفصِل الله كل أمر محكَم، والقرآنُ رأس الحكمة والفيصلُ بين الحقّ والباطل، يبيّن لهم ما يضرّهم وما ينفعهم. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} إن الله لا تخفى عليه خافية من أمرهم، فهو الذي بيدِه إحياؤهم وإماتتهم، وهو ربُّهم وربّ آبائهم الأولين، المالكُ لهم والمتصرّف فيهم حسب ما يريد. {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} انهم ليسوا بموقِنِين بعد أن بينّا لهم الرشدَ من الغيّ وأصرّوا على كفرهم وشكّهم وعنادهم لاهين لاعبين. قراءات: قرأ الكوفيون: ربِّ السماوات. بالجر. والباقون: ربُّ السماوات بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : (حَا. مِيمْ). (1) - وَتُقْرأُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {حمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} قال قتادة وابن زيد: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السّماء الدّنيا، ثمّ أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام، وقال الآخرون: هي ليلة النصف من شعبان. أخبرنا الحسين بن محمّد فنجويه، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم، حدثنا إبراهيم المستملي الهستجاني، حدثنا أبو حصين بن يحيى بن سليمان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا أبو بكر بن أبي سبره، عن إبراهيم بن محمد، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب "رضي الله عنه" قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان ليلة النصف من شعبان، قوموا ليلتها وصوموا يومها، فإنّ الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سمّاء الدنّيا فيقول: ألاّ مستغفر فأغفرله، ألاّ مسترزق فأرزقه، ألاّ مبتلى فأعافيه، ألاّ كذا، ألاّ كذا، ألاّ كذا، حتّى يطلع الفجر، {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} ". تفسير : {فِيهَا يُفْرَقُ} يفصل. {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} محكم. قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كُلّ أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة، وقال أبو عبد الرّحمن السلمي: يدبر أمر السنة في ليلة القدر، وقال هلال بن نساف: كان يقال: انتظروا القضاء في شهر رمضان. وقال عكرمة: في ليلة النصف من شعبان، يُبرم فيه أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد. يدل عليه ما أخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا أبو الفرج القاضي، أخبرنا محمد بن جبير، حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس، حدثني أبي، حدثنا الليث، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان. حتّى أنّ الرجل لينكح ويولد له، وقد خرج أسمه في الموتى ". تفسير : {أَمْراً} أي أنزلنا أمراً. {مِّنْ عِنْدِنَآ} من لدنا، وقال الفراء: نصب على معنى نفرق كل أمر فرق وأمراً. {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادنا. {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} وقيل: أنزلناه رحمة، وقيل: أرسلناه رحمة، وقيل: الرحمة. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} كسر أهل الكوفة (بائهُ) ردًا على قوله من ربِك، ورفعهُ الآخرون ردًا على قوله {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} وإن شئت على الابتداء. {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} إنّ الله {رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} فأيقنوا إنّ محمداً رسوله، وإنّ القرآن تنزيله. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَٱرْتَقِبْ} فانتظر. {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}. اختلفوا في هذا الدّخان، ما هو، ومتى هو، فروى الأعمش ومسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، إنّ قاصاً عند أبواب كنده، يقص ويقول في قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} إنّه دّخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الكفّار والمنافقين وأسماعهم وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، فقام عبد الله وجلس، وهو غضبان، فقال: يا أيّها الناس اتقوا الله، مَن عَلِمَ شيئاً فليقل ما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل الله أعلم، فأن الله تعالى، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86] وسأحدثكم عن ذلك: أنّ قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال:"حديث : اللَّهم سبع سنين كسنين يوسف"تفسير : . فأصابهم من الجهد والجوع ما أكلوا الجيف والعظام والميتة والجلود، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلاّ الدخان من ظلمة أبصارهم من شدة الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب، فقال: يامحمد إنّك حيث تأمر بالطاعة وصلة الرحم، وإنّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم فإنّهم لك مطيعون. فقال الله تعالى: فقالوا: {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} فدعا فكشف عنهم، فقال الله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} إلى كفركم. {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر، فهذه خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروّم. وقال الآخرون: بل هو دخان يجيء قبل قيام السّاعة، فيدخل في أسماع الكفّار والمنافقين، حتّى تكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منهم كهيئة الزكام،وتكون الأرض كلّها كبيت أوقد فيه وليس فيه خصاص. قالوا: ولم يأتِ بعد، وهو آت وهذا قول ابن عباس وابن عمير والحسن وزيد بن علي، يدل عليه ما أنبأني عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا عصام بن داود الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي ابن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق النّاس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا ". تفسير : قال حذيفة: يا رسول الله ما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة. أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره. وبه عن ابن جرير، حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عليه، عن ابن جريح، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتّى أصبحت. قلت: لِمَ؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق فما نمت حتّى أصبحت. {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ} من أين لهم للتذكير والإتعاظ بعد نزول البلاء وحلول العذاب. {وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} محمّد صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ} يعلمه بشر. {مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} إلى كفركم، وقال قتادة: عائدون في عذاب الله. {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} وهو يوم بدر. {إِنَّا مُنتَقِمُونَ} هذا قول أكثر العلماء، وقال الحسن: هو يوم القيامة. وروي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال ابن مسعود: {ٱلْكُبْرَىٰ} يوم بدر و {إِنَّا} أقول هي يوم القيامة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سورة الدخان من سور الحواميم. أي: التي تبدأ بالحروف المقطَّعة (حَم) وقد تحدَّثنا في هذه الحروف بما يُغني عن الإعادة هنا، وهذه الحروف تقف العقول عند حدِّ النطق بها كما هي، وكما نطق بها رسول الله، ولا نسأل أنفسنا عن معانيها، ولا حَجْرَ على العقول أنْ تحوم حولها محاولة استنباطَ بعض المعاني، ولو لنقنعَ أنفسنا بشيء من الصواب حول معانيها ثم نقول والله أعلم بمراده منها. ذلك لأن الدين منه أمور تتصل بالعقيدة، وأمور تتصل بالأحكام، وأمور تتصل بالقرآن المعبِّر عن العقيدة والأحكام. وفي كل واحدة من هذه الثلاثة غَيْبٌ ومَشْهَد، الغيب ويُوكل العلم به إلى الله تعالى حتى يظلَّ الإنسانُ عاجزاً أمام علم الله وأمام مسائل لا يفهمها، ولكن يؤمن بها لمجرد أن الله أخبر بها في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينطق عن الهوى. ففي العقائد مثلاً مسألة الإيمان بإله واحد، هذا غيْب لكن يمكن للعقل أنْ يُدلِّلَ عليها لأنه لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا، ولو كانت آلهةً متعددةً يختصُّ كلّ واحد منها بشيء من الخَلْق لَكانَ كل واحد منها محتاجاً إلى الآخرين ولا يصلح لأن يكون إلهاً. إذن: يمكن بالعقل أنْ نثبتَ أن الله إله واحد. لكن هناك في العقائد أمور غيبية لا يمكن للعقل التدخّل فيها، ويقف فيها عند ما سمعه مثل أمور: القبر والبرزخ والحساب والآخرة. وكذلك في الأحكام غَيْب ومشهد، فالصلاة في ظاهرها المشَاهد أنها تُحدث استطراقاً عبودياً في الكون، فساعة نسمع الله أكبر نذهب إلى المساجد، ونُقيم أنفسنا بين يدي ربنا رُكعاً وسُجَّداً يستوي في ذلك الرئيس والمرؤوس، الغني والفقير، القوي والضعيف، الكل ضارع لله. هذا جانب مُشاهد في الصلاة، وفيها أيضاً غَيْب لا دخْلَ للعقل فيه، فالصلاة من حيث عدد ركعاتها غيْب لا نعرف له تفسيراً، لماذا كان الصبح ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ لذلك فالسؤال الذي يدور حول عدد الركعات سؤال باطل. كذلك الحال في القرآن، فيه غَيْبُ لا مجالَ للعقل فيه، وهو هذه الحروف المقطَّعة التي نَكِلُ العلم فيها إلى قائلها سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الدخان: 2] أي: الظاهر الواضح المحيط بكل شيء، وهذا يُمثِّل المشهد أي الذي نعرفه ويتدخَّل فيه العقل. إذن: جمع الحق سبحانه في صدر هذه السورة بين الغيب في (حم) والمشهد في {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الدخان: 2] كلاهما من الله؛ فلا قسم على هذا. أو أن الأسلوبَ هنا أسلوبُ قسم، أقسم بحم، وأقسم بالكتاب المبين الظاهر الذي تفهمه العقول، وهما الاثنان من الله. والمقسم عليه: { إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {يُفْرَقُ} يُبيَّن ويُفصَّل {ٱرْتَقِبْ} انتظر {يَغْشَى} يغطي ويحيط {نَبْطِشُ} نأخذ بشدة وعنف {فَتَنَّا} ابتلينا وامتحنا {تَعْلُواْ} تتكبروا وتتطاولوا {عُذْتُ} استجرتُ والتجأت إلى الله {أَسْرِ} سر ليلاً {رَهْواً} ساكناً، والرهو عند العرب الساكن قال الشاعر: شعر : والخيلُ تمزع رهواً في أعنَّتها كالطير تنجو من الشُئبوب ذي البرد تفسير : قال الجوهري: رها البحر أي سكن، وجاءت الخيل رهواً أي برفق وسكينة {مُنظَرِينَ} مؤخرين {نَعْمَةٍ} النَّعمة بفتح النون من التنعيم وهو سعة العيش والراحة، وبالكسر من المنة وهي العطية والإِفضال. سَبَبُ النّزول: عن ابن مسعود قال: إن قريشاً لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحطٌ وجهدٌ حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر الى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهْد، فأنزل الله تعالى {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} فأُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله: استسق لمضر فإِنها قد هلكت، فاستسقى فُسُقوا فنزلت {إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}. التفسِير {حمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن وقد تقدم {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي أُقسم بالقرآن البيِّن الواضح، الفارق بين طريق الهدى والضلال، البيِّن في إِعجازه، الواضح في أحكامه، وجوابه {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي أنزلنا القرآن في ليلةٍ فاضلة كريمة هي ليلة القدر من شهر رمضان المبارك {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة: 185] قال ابن جزي: وكيفيةُ إِنزاله فيها أنه أُنزل الى السماء الدنيا جملةً واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء، وقيل: المعنى ابتدأنا إِنزاله في ليلة القدر، قال القرطبي: ووصف الليلة بالبركة لما يُنزل اللهُ فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} أي لننذر به الخلق، لأن من شأننا وعادتنا ألاَّ نترك الناس دون إِنذار وتحذيرٍ من العقاب، لتقوم الحجة عليهم {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي في ليلة القدر يُفصل ويُبيَّن كلُّ أمرٍ محكم من أرزاق العباد وآجالهم وسائر أحوالهم فلا يُبدَّل ولا يُغيِّر قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إِلى السنة القابلة ما كان من حياةٍ، أو موت، أو رزقٍ قال المفسرون: إن الله تعالى ينسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، ما يكون في تلك السنة من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من خير وشر، وصالح وطالح، حتى إِن الرجل ليمشي في الأسواق وينكحُ ويُولد له وقد وقع اسمه في الموتى {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} أي جميع ما نقدِّره في تلك الليلة وما نوحي به إلى الملائكة من شئون العباد، هو أمرٌ حاصل من جهتنا، بعلمنا وتدبيرنا {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي نرسل الأنبياء إلى البشر بالشرائع الإِلهية لهدايتهم وإِرشادهم {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي من أجل الرأفة والرحمة بالعباد قال في البحر: وضع الظاهر {رَّبِّكَ} موضع الضمير "رحمةً منا" إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لأقوال العباد، العليمُ بأفعالهم وأحوالهم {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} أي الذي أنزل القرآن هو ربُّ السماواتِ والأرض وخالقهما ومالكهما ومن فيهما، إن كنتم من أهل الإِيمان واليقين {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي لا ربَّ غيره، ولا معبود سواه، لأنه المتصف بصفات الجلال والكمال، يُحيي الأموات، ويميت الأحياء {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي هو خالقكم وخالق من سبقكم من الأمم الماضين قال الرازي: والمقصودُ من الآية أن المنزل إِذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء، كان المُنزل - الذي هو القرآن - في غاية الشرف والرفعة {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} أي ليسوا موقنين فيما يظهرونه من الإِيمان في قولهم: اللهُ خالقنا، بل هم في شكٍ من أمر البعث، فهم يلعبون ويسخرون ويهزءون قال شيخ زاده: التفت من الخطاب للغيبة فقال {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} تحقيراً لشأنهم، وإبعاداً لهم عن موقف الخطاب، لكونهم من أهل الشك والامتراء، وكونُ أفعالهم الهزء واللعب لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وعدم تمييزهم بين الحق والباطل، والضار والنافع، ثم لما بيَّن أن شأنهم الحماقة والطغيان التفت إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم تسليةً له، وإِقناطاً من إِيمانهم فقال {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} أي فانتظر يا محمد عذابهم يوم تأتي السماءُ بدخانٍ كثيف، بيّنٍ واضح يراه كل أحد قال ابن مسعود: إن قريشاً لما عصت الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: "حديث : اللهم اشدُد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"تفسير : فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يُحدِّث أخاه فيسمع صوته ولا يراه لشدة الدخان المنتشر بين السماء والأرض، ثم قال ابن مسعود: خمسٌ قد مضين: "الدخانُ، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام" وقال ابن عباس: لم يمض الدخان بل هو من أمارات الساعة، وهو يأتي قُبيل القيامة، يصيبُ المؤمن منه مثلُ الزكام، ويُنضجُ رءوس الكافرين والمنافقين، حتى يصبح رأس الواحد كالرأس المشوي، ويغدو كالسكران فيملأ الدخان جوفه ويخرج من منخريه وأُذنيه ودبره {يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي يشمل كفار قريش ويعمهم من كل جانب ويقولون حين يصيبهم الدخان: هذا عذاب أليم {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} أي ويقولون مستغيثين: ربَّنا ارفع عنا العذاب فإِننا مؤمنون بمحمد وبالقرآن إن كشفته عنا قال البيضاوي: وهذا وعدٌ بالإِيمان إن كشف العذاب عنهم {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ}؟ استبعادٌ لإِيمانهم أي من أين يتذكرون ويتعظون عند كشف العذاب؟ {وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} أي والحال أنه قد أتاهم رسولٌ بيّن الرسالة، مؤيدٌ بالبينات الباهرة، والمعجزات القاهرة، ومع هذا لم يؤمنوا به ولم يتبعوه؟ {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} أي ثم أعرضوا عنه وبهتوه، ونسبوه إلى الجنون - وحاشاه - فهل يُتوقع من قومٍ هذه صفاتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟! قال الإِمام الفخر: إن كفار مكة كان لهم في ظهور القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم قولان: منهم من يقول: إن محمداً يتعلم هذا الكلام من بعض الناس، ومنهم من كان يقول: إنه مجنون والجنُّ تلقي عليه هذا الكلام حال تخبطه {إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} أي سنكشف عنكم العذاب زمناً قليلاً ثم تعودون إلى ما كنتم عليه من الشرك والعصيان قال الرازي: والمقصودُ التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم، وأنهم في حال العجز يتضرعون إلى الله تعالى، فإِذا زال الخوف عادوا إلى الكفر وتقليد الأسلاف قال ابن مسعود: لما كشف عنهم العذاب باستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم عادوا إلى تكذبيه {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} أي واذكر يوم نبطش بالكفار بطشتنا الكبرى انتقاماً منهم، والبطشُ: الأخذُ بقوة وشدة قال ابن مسعود: "البطشة الكبرى" يوم "بدر" وقال ابن عباس: هي يوم القيامة قال ابن كثير: والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإِن كان يومُ بدر يومَ بطشةٍ أيضاً وقال الرازي: القول الثاني أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف به هذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إِنما يحصل يوم القيامة، ولمّا وصف بكونها "كبرى" وجب أن تكون أعظم أنواع البطش على الإِطلاق، وذلك إِنما يكون في القيامة، ثم ذكَّر كفار قريش بما حلَّ بالطاغين من قوم فرعون فقال {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} أي ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم أقباط مصر {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي وجاءهم رسولٌ شريف الحسب والنسب، من أكرم عباد الله وهو موسى الكليم عليه أفضل الصلاة والتسليم {أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} أي فقال لهم موسى: ادفعوا إليَّ عبادَ الله وأطلقوهم من العذاب، يريد بني إِسرائيل كقوله تعالى {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ}تفسير : [طه: 47] {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي إني رسولٌ مؤتمنٌ على الوحي غير متهم، وأنا لكم ناصح فاقبلوا نصحي {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ} أي لا تتكبروا على الله ولا تترفَّعوا عن طاعته {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي قد جئتكم بحجةٍ واضحة، وبرهانٍ ساطع، يعترف بهما كل عاقل {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} أي التجأت إليه تعالى واستجرت به من أن تقتلوني قال القرطبي: كأنهم توعَّدوه بالقتل فاستجار بالله {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ} أي وإِن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل ما أتيتكم به من الحجة، فكفوا عن أذاي وخلُّوا سبيلي قال ابن كثير: أي لا تتعرضوا لي ودعوا الأمر مسالمةً إلى أن يقضي الله بيننا {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} أي فدعا عليهم لمّا كذبوه قائلاً: يا ربِّ إِن هؤلاء قوم مجرمون فانتقم منهم {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} في الكلام حذف تقديره فأوحينا إِليه وقلنا له: أسرِ بعبادي أي اخرج ببني إِسرائيل ليلاً فإِن فرعون وقومه يتبعونكم، ويكون ذلك سبباً لهلاكهم {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} أي واترك البحر ساكناً منفرجاً على هيئته بعد أن تجاوزه {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} أي إِنَّ فرعون وقومه سيغرقون فيه قال في التسهيل: لمَّا جاوز موسى البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فأمره الله بأن يتركه ساكناً كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه، وإِنما أخبره تعالى بذلك ليبقى فارغ القلب من شرهم وإِيذائهم، مطمئناً إلى أنهم لن يدركوا بني إِسرئيل، ثم أخبر تعالى عن هلاكهم فقال {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} كم للتكثير أي لقد تركوا كثيراً من البساتين والحدائق الغناء والأنهار والعيون الجارية {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} أي ومزارع عديدة فيها أنواع المزروعات ومجالس ومنازل حسنة قال قتادة: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} هي المواضع الحسان من المجالس والمساكن وغيرها {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} أي وتنعم بالعيش مع الحسن والنضارة كانوا فيها ناعمين بالرفاهية وكمال السرور قال الإِمام الفخر: بيَّن تعالى أنهم بعد غرقهم تركوا هذه الأشياء الخمسة وهي: الجنات، والعيون، والزروع، والمقام الكريم ـ وهو المجالس والمنازل الحسنة ـ ونعمة العيش بفتح النون وهي حسنُه ونضارته {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} أي كذلك فعلنا بهم حيث أهلكناهم وأورثنا ملكهم وديارهم لقومٍ آخرين، كانوا مستعبدين في يد القبط وهم بنو إسرائيل قال ابن كثير: والمراد بهم بنو إسرائيل فقد استولوا - بعد غرق فرعون وقومه - على الممالك القبطية، والبلاد المصرية كما قال تعالى {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}تفسير : [الأعراف: 137] وقال تعالى في مكان آخر {أية : وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 59] {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} أي فما حزن على فقدهم أحد، ولا تأثر بموتهم كائن من الخلق {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} أي ما كانوا مؤخرين وممهلين إلى وقت آخر. بل عُجّل عقابهم في الدنيا قال القرطبي: تقول العرب عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمَّت مصيبتُه الأشياء حتى بكته الأرض والسماء، والريح والبرق قال الشاعر: شعر : فيا شجر الخابور مالك مورقاً كأنك لم تجزع لموتِ طريف تفسير : وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغةٌ في وجوب الجزع والبكاء عليه والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد، وقيل هو على حذف مضاف أي ما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}. هذه السورة مكية قيل إلا قوله: انا كاشفوا العذاب ومناسبة هذه السورة أنه ذكر في أواخر ما قبلها فذرهم يخوضوا ويلعبوا فذكر تعالى يوماً غير معين ولا موصوف فبين في أوائل هذه السورة ذلك اليوم بوصف وصفه فقال فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين وإن العذاب يأتيهم من قبلك. {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} هو القرآن أقسم به تعالى والضمير في أنزلناه يكون عائداً عليه والليلة المباركة ليلة القدر قالوا: كتب الله كلها إنما أنزلت في رمضان. {مُنذِرِينَ} أي مخوفين. {فِيهَا} أي في الليلة المباركة. {يُفْرَقُ} يفصل من غيره ويخلص ووصف أمر بحكيم أي أمر ذي حكمة وقد أبهم تعالى هذا الأمر فقال ابن عباس: في ليلة القدر يفصل كل ما في العام المقبل من الأقدار والأرزاق. والآجال وغير ذلك ويكتب لهم ذلك إلى مثلها من العام المقبل وأمراً مفعول بمنذرين. {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} مفعول من أجله والعامل فيه مرسلين. {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} قال ابن مسعود وغيره هو الدخان الذي رأته قريش قيل لعبد الله ان قاصاً عند أبواب كندة يقول انه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الناس فقال من علم علماً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم به وسأحدثكم حديث : ان قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر تفسير : ما جعلها عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز والعلهز هو الصوف يقع فيه الفراد فيشوى الصوف بدم القراد ويؤكل وأكلوا العظام أيضاً وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان وكان الرجل يحدّث الرجل فيسمع الكلام ولا يرى المتكلم من الدخان فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه فناشدوه الله والرحم وواعدوه ان دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم وفيه فرحمهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم بصدقة ومال وفيه فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالتهم فأنزل الله تعالى. {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} يعني يوم بدر وقال عبد الرحمٰن: خمس قد مضين الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم. {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ} هذا كالمثال لقريش ذكرت قصة من أرسل إليهم موسى عليه السلام فكذبوه فأهلكهم الله تعالى. {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي كريم عند الله تعالى وعند المؤمنين. {أَنْ أَدُّوۤاْ} يحتمل أن تكون ان تفسيرية لأنه تقدم ما يدل على معنى القول وهو رسول كريم وان تكون مخففة من الثقيلة والناصبة للمضارع فإِنها توصل بالأمر طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل. و{رَسُولٌ أَمِينٌ} أي بحجة واضحة في نفسها. {وَإِنِّي عُذْتُ} أي استجرت. {بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} كانوا قد توعدوه بالقتل فاستعاذ من ذلك. {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي} أي تصدقوا. {فَٱعْتَزِلُونِ} أي كونوا بمعزل مني وهذه متاركة حسنة. {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} إن هؤلاء لفظ تحقير لهم. {فَأَسْرِ بِعِبَادِي} في الكلام حذف أي فانتقم منهم فقال له الله تعالى: أسر بعبادي هم بنو إسرائيل ومن آمن من القبط. {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وجنوده فتنجون ويغرق المتبعون. {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} قال ابن عباس: ساكناً كما جزته. {قَوْماً آخَرِينَ} هم بنو إسرائيل. {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} إستعارة لتحقير أمرهم وانه لم يتغير عن هلاكهم شىء. {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} أي مؤخرين عن العذاب.
الجيلاني
تفسير : {حـمۤ} [الدخان: 1] يا حافظ حدود الله ومراقب وحيه في عموم أوقاتك وحالاتك. و{وَ} حق {ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الدخان: 2] الذي هو القرآن العظيم الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}تفسير : [فصلت: 42]. {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَنزَلْنَاهُ} أي: ابتدأنا إنزاله إليك تأييداً لأمرك وتعظيماً لشأنك {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} كثيرة الخير والبركة، هي ليلة القدر أو البراءة، وإنما أنزلناه مشتملاً على الأحكام والمواعظ والعبر والأمثال والقصص والتواريخ والرموز والإشارات المنبهة على المعارف والحقائق {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3] مخوفين بإنزال ما فيه من الأوامر والنواهي الوعيدات الهائلة على من انصرف عن جادة العدالة الإلهية وانحرف عن الطريق المستبين. وإنما أنزلناه إليك في ليلتك هذه؛ إذ {فِيهَا يُفْرَقُ} يميز ويفصل عندك يا أكمل الرسل بعدما تمكنت في مقر العز والتمكين {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] أي: محكم صادر عن محض الحكمة المتقنة الإلهية، ولهذا صار ما ذكر في كتابك هذا {أَمْراً} محكماً مبرماً نازلاً {مِّنْ عِنْدِنَآ} على مقتضى كمال علمنا وقدرتنا ووفور حكمتنا؛ ليكون هداية لك وإرشاداً لعموم عبادنا، المتابعين لك المهتدين بهدايتك {إِنَّا كُنَّا} في عموم الأوقات {مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5] رسلاً مبشرين ومنذرين، منزلين عليهم كتباً مبينة مصلحة لأحوال عبادنا، بعدما أفسدوا على أنفسهم. وصار ذلك الإرسال والإنزال {رَحْمَةً} نازلة {مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل سنة سنية مستمرة بين عموم عباده حين ظهر الفساد فيهم، وبالجملة: أنه سبحانه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاة عباده نحوه بألسنة استعداداتهم {ٱلْعَلِيمُ} [الدخان: 6] لحاجتهم ونياتهم فيها. وكيف لا يرحمهم ولا يصلح أحوالهم مع أنه هو بذاته {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} السياق يدل على أن التفسير على قراءة: {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} على قراءة ابن عامر وغيره من الكوائن المركبة منها، يعني: مربي الكل ومظهره بالاستقلال والانفراد إن {كُنتُم مُّوقِنِينَ} [الدخان: 7] أي: من أرباب المعرفة واليقين، فاعرفوه كذلك ووقروه. إذ {لاَ إِلَـٰهَ} ولا موجود في الوجود {إِلاَّ هُوَ} بصرافة وحدته وتنزهه عن وصمة الشركة مطلقاً هو {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي: يظهر ويوجد ما يظهر، ويعدم ما يعدم، بمد ظله إليه وقبضه عنه؛ إذ هو سبحانه {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الدخان: 8] لا مربي لكم ولهم سواه، لو تأمل عموم العباد في دلائل توحيده سبحانه، ونظروا في آيات ألوهيته وربوبيته، لعرفوا يقينا وحدة ذاته {بَلْ هُمْ} أي: أكثرهم {فِي شَكٍّ} أي: غفلة وتردد {يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9] ويترددون في أودية الظنون والجهالات حسب آرائهم الفاسدة وأهويتهم الباطلة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الدخان آية 1-2]، يشير بالحاء إلى حاء حقيقته، بالميم إلى ميم محبته ومعناه: بحقي ومحبتي لعبادي، وكتابي العزيز إليهم المبين لهم، أن لا أعذب أهل محبتي بفرقتي، {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3] ليلة ذات بركة وقدر؛ لأنها ليلة افتتاح الوصلة، وأشد الليالي بركةً وقدراً ليلة يكون العبد فيها حاضراً ببقائه، مشاهداً لربه، يتنعم بأنوار الوصلة ويجد فيها نسيم القربة، وأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة كما قالوا: شعر : لا أظلم الليل ولا أدّعي إن نجوم الليل ليست تغورْ ليلي كما شأت فإن لم تجد طال وإن جادت فليلي قصير تفسير : {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3] للطالبين المشتاقين؛ لئلا يقطع عليهم طريق الوصلة قواطع الكونين، {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4]؛ أي: يفصل في هذه الليلة كل أمر صادر بالحكمة من السماء في السنة من أقسام الحوادث في الخير والشر، والمحن والمنن، والنصرة والهزيمة، والخصب والقحط، ولهؤلاء القوم من الحجب والجذب، والوصل والفصل، والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط، والستر والتجلي منك، بين عبد ينزل له الحكم والقضاء بالشقاء والبعد، وآخر نزل حكمه بالوفاء والدقة، {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} [الدخان: 5] نازلاً بالحكمة البالغة منا، {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5] محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 6]؛ ليخرج المشتاقين من ظلمات المفارقة إلى نور المواصلة، وأيضاً {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} رحمة لنفوس أوليائنا بالتوفيق، ولقلوبهم بالتحقيق، {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الدخان: 6] لأنين المشتاقين، {ٱلْعَلِيمُ} [الدخان: 6] بحنين المحبين، {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الدخان: 7] سماوات الأرواح، {وَٱلأَرْضِ} [الدخان: 7] أرض الأشباح، {وَمَا بَيْنَهُمَآ} [الدخان: 7] من القلوب والأسرار والنفوس، ويدخل فيه مكاسب العباد فإنه يملكها بمعنى قدرته عليها، وإذا حصل مقدوره في الوجود دل على أنه مفعوله؛ لأن معنى الفعل مقدور وجد من فاعل، {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} [الدخان: 7]، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [الدخان: 8]؛ أي: لا يتصرف في الإيجاد والتغيير في حال إلى إلا هو، {يُحْيِـي} [الدخان: 8] قلوب أوليائه بنور محبته وتجلي صفات جماله، {وَيُمِيتُ} [الدخان: 8] نفوسهم بتجلي صفات جلاله، {رَبُّكُمْ} [الدخان: 8] أو رب آدم وأولاده، {وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} [الدخان: 8]؛ أي: رب آباء العلوية، {بَلْ هُمْ} [الدخان: 9] هذا خطاب الغائبين؛ أي: أهل الغيبة {فِي شَكٍّ} [الدخان: 9]؛ لغيبتهم عن الحق، {يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9] وصف أهل الشك والنفاق باللعب وذلك لترددهم وتجرئهم في أمر الدين، واشتغالهم بالدنيا، واغترارهم بزينتهما. وبقوله: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10]، يشير إلى مراقبة سماء القلب عن تصاعد دخان أوصاف البشرية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه أنه أنزله { فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } أي: كثيرة الخير والبركة وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام لينذر به قوما عمتهم الجهالة وغلبت عليهم الشقاوة فيستضيئوا بنوره ويقتبسوا من هداه ويسيروا وراءه فيحصل لهم الخير الدنيوي والخير الأخروي ولهذا قال: { إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا } أي: في تلك الليل الفاضلة التي نزل فيها القرآن { يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } أي: يفصل ويميز ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، الذي يكون في ليلة القدر أحد الكتابات التي تكتب وتميز فتطابق الكتاب الأول الذي كتب الله به مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا وكل به كراما كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا من تمام علمه وكمال حكمته وإتقان حفظه واعتنائه تعالى بخلقه. { أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا } أي: هذا الأمر الحكيم أمر صادر من عندنا. { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } للرسل ومنزلين للكتب والرسل تبلغ أوامر المرسل وتخبر بأقداره، { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أي: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } أي: يسمع جميع الأصوات ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة وقد علم تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه فرحمهم بذلك ومن عليهم فله تعالى الحمد والمنة والإحسان. { رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: خالق ذلك ومدبره والمتصرف فيه بما شاء. { إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } أي: عالمين بذلك علما مفيدا لليقين فاعلموا أن الرب للمخلوقات هو إلهها الحق ولهذا قال: { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا معبود إلا وجهه، { يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: هو المتصرف وحده بالإحياء والإماتة وسيجمعكم بعد موتكم فيجزيكم بعملكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ } أي: رب الأولين والآخرين مربيهم بالنعم الدافع عنهم النقم. فلما قرر تعالى ربوبيته وألوهيته بما يوجب العلم التام ويدفع الشك أخبر أن الكافرين مع هذا البيان { فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ } أي: منغمرون في الشكوك والشبهات غافلون عما خلقوا له قد اشتغلوا باللعب الباطل، الذي لا يجدي عليهم إلا الضرر. { فَارْتَقِبْ } أي: انتظر فيهم العذاب فإنه قد قرب وآن أوانه، { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ } أي: يعمهم ذلك الدخان ويقال لهم: { هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }. واختلف المفسرون في المراد بهذا الدخان، فقيل: إنه الدخان الذي يغشى الناس ويعمهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة وأن الله توعدهم بعذاب يوم القيامة وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا المعنى أن هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار والتأني بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم. ويؤيده أيضا أنه قال في هذه الآية: { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ } وهذا يقال يوم القيامة للكفار حين يطلبون الرجوع إلى الدنيا فيقال: قد ذهب وقت الرجوع. وقيل: إن المراد بذلك ما أصاب كفار قريش حين امتنعوا من الإيمان واستكبروا على الحق فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف } فأرسل الله عليهم الجوع العظيم حتى أكلوا الميتات والعظام وصاروا يرون الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان وليس به، وذلك من شدة الجوع. فيكون -على هذا- قوله: { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ } أن ذلك بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون وليس بدخان حقيقة. ولم يزالوا بهذه الحالة حتى استرحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يدعو الله لهم أن يكشفه الله عنهم فدعا ربه فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون قوله: { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } إخبار بأن الله سيصرفه عنكم وتوعد لهم أن يعودوا إلى الاستكبار والتكذيب وإخبار بوقوعه فوقع وأن الله سيعاقبهم بالبطشة الكبرى، قالوا: وهي وقعة بدر وفي هذا القول نظر ظاهر. وقيل: إن المراد بذلك أن ذلك من أشراط الساعة وأنه يكون في آخر الزمان دخان يأخذ بأنفاس الناس ويصيب المؤمنين منهم كهيئة الدخان، والقول هو الأول، وفي الآية احتمال أن المراد بقوله: { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } أن هذا كله يكون يوم القيامة. وأن قوله تعالى { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } أن هذا ما وقع لقريش كما تقدم وإذا نزلت هذه الآيات على هذين المعنيين لم تجد في اللفظ ما يمنع من ذلك بل تجدها مطابقة لهما أتم المطابقة وهذا الذي يظهر عندي ويترجح والله أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):