Verse. 4417 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

اِنَّاۗ اَنْزَلْنٰہُ فِيْ لَيْلَۃٍ مُّبٰرَكَۃٍ اِنَّا كُنَّا مُنْذِرِيْنَ۝۳
Inna anzalnahu fee laylatin mubarakatin inna kunna munthireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أنزلناه في ليلة مباركة» هي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان، نزل فيها من أم الكتاب من السماء السابعة إلى سماء الدنيا «إنا كنا منذرين» مخوِّفين به.

3

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ } هي ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان، نزل فيها من أم الكتاب أي: اللوح المحفوظ من السماء السابعة إلى السماء الدنيا {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } مخوّفين به.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا {لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} لما تنزل فيها من الرحمة، أو لما يجاب فيها من الدعاء ليلة النصف من شعبان، أو ليلة القدر قال الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان والتوراة لست مضين منه والزبور لاثني عشرة مضين منه والإنجيل لثماني عشرة مضت منه والفرقان لأربع وعشرين مضت منه " تفسير : {كُنَّا مُنذِرِينَ} بالقرآن من النار.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}[3] قال: أنزل الله ليلة القدر القرآن جملة إلى بيت العزة في سماء الدنيا من اللوح المحفوظ على أيدي الملائكة السفرة، وأنزل على روح محمد صلى الله عليه وسلم وهو الروح المبارك، فسماها ليلة القدر مباركة لاتصال البركات بعضها ببعض.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الآية: 3]. قال ابن عطاء: لمجاورة الملائكة ومقاربتهم. قال سهل: أنزل الله فى القرآن فى هذه الليلة من اللوح المحفوظ على روح محمد صلى الله عليه وسلم وهو الروح المبارك فسمى الله الليلة مباركة لاتصال البركات بعضها ببعض. وقال بعضهم: أعظم الليالى عليك بركة ليلة أطعت فيها ربك وأقلها عليك بركة ليلة غفلت فيها عن ربك وذكره ومناجاته.

القشيري

تفسير : {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}: قيل هي ليلة القَدْر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصَّك. أنْزَلَ القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كلَّ سَنَةٍ بمقدار ما كان جبريلُ ينزل به على الرسول صلى الله عليه وسلم. وسمَّاها: {لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} لأنها ليلة افتتاح الوصلة. وأشدُّ الليالي بركةً ليلةٌ يكون العبدُ فيها حاضراً، بقلبه، مشاهداً لربَّه، يتَنَعَّمُ فيها بأنوار الوصلة، ويجد فيها نسيم القربة. وأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة، كما قالوا: شعر : لا أظْـــلِمُ الليــلَ ولا أدَّعـــي أنَّ نجــومَ اللــيل ليــست تـــزولُ لَيْلِـــي كما شـــاءت: قصيــــرٌ إذا جـــادَتْ، وإن ضنَّـــتْ فَلَـــيْلِي طويـــلُ تفسير : {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} يكتب من أمِّ الكتاب في هذه الليلة ما يحل في السنة كلّها من أقسام الحوادث في الخير والشرِّ، في المحن والمِنَنِ، في النصر والهزيمة، في الخصب والقحط. ولهؤلاء القوم (يعني الصوفية) أحوالٌ من الخصب والجدب، والوصل والفصل، والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط. فكم مِنْ عبدٍ ينزل له الحكم والقضاء بالبـُعْدِ والشقاء، وآخر ينزل حكمه بالرِّفد والوفاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا أنزلناه} اى الكتاب المبين الذى هو القرءآن وهو جواب القسم {فى ليلة مباركة} هى ليلة القدر فانه تعالى أنزل القرءآن فى ليلة القدر من شهر رمضان من اللوح المحفوظ الى بيت العزة فى السماء الدنيا دفعة واحدة واملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزله على النبى عليه السلام نجوما اى متفرقا فى ثلاث وعشرين سنة والظاهر ان ابتداء تنزيله الى النبى عليه السلام ايضا كان فى ليلة القدر لان ليلة القدر فى الحقيقة ليلة افتتاح الوصلة ولا بد فى الوصلة من الكلام والحطاب والحكمة فى نزوله ليلا ان الليل زمان المناجاة ومهبط النفحات ومشهد التنزلات ومظهر التجليات ومورد الكرامات ومحل الاسرار الى حضرة الكبرياء وفى الليل فراغ القلوب بذكر حضرة المحبوب فهو أطيب من النهار عند المقربين والابرار ووصف الليلة بالبركة لما ان نزول القرءآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها او لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة واجابة الدعوة ونحوها والا فاجزاء الزمان متشابهة بحسب ذواتها وصفاتها فيمتنع ان يتميز بعض اجزائه عن بعض بمزيد القدر والشرف لنفس ذواتها وعلى هذا فقس شرف الامكنة فانه لعارض فى ذاتها قال حضرة الشيخ صدر الدين قدس سره فى شرح الاربعين حديثا وللازمنة والامكنة فى محو السيئات وتغليب طرف الحسنات وامدادها والتكفير والتضعيف مدخل عظيم وفى الحديث ان الله غفر لاهل عرفات وضمن عنهم التبعات وانه ينزل يوم عرفة الى السماء الدنيا وقد وردت أحاديث دالة على فضيلة شهر رمضان وعشر ذى الحجة وليلة النصف من شعبان وان الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف وفى مسجد النبى عليه السلام بألف وفى المسجد الأقصى بخمسائة وكلها دالة على شرف الازمنة والامكنة انتهى كلامه قال الشيخ المغربى قدس سره أفضل الشهور عندنا شهر رمضان اى لانه انزل فيه القرءآن ثم شهر ربيع الاول اى لانه مولد حبيب الرحمن ثم رجب اى لانه فرد الاشهر الحرم وشهر الله ثم شعبان اى لانه شهر حبيب الرحمن ومقسم الاعمال والآجال بين شهرين عظيمين رجب ورمضان ففيه فضل الجوارين العظيمين كما ان ليوم الخميس وليوم السبت فضلا عظيما لكونها فى جوار الجمعة ولذا ورد بارك الله فى السبت والخميس ثم ذو الحجة اى لانه موطن الحج والعشر التى تعادل كل ليلة منها ليلة القدر والايام المعلومات ايام التشريق ثم شوال اى لكونه فى جوار شهر رمضان ثم ذو القعدة اى لكونه من الاشهر الحرم ثم المحرم شهر الانبياء عليهم السلام ورأس السنة وأحد الاشهر الحرم وقيل فضل الله الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب الى احترامها وتتشوق الارواح الى احيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها واما تضاعف الحسنات فى بعضها فمن المواهب اللدنية والاختصاصات الربانية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال القاشانى فى شرح التائية كما ان شرف الازمنة وفضليتها بحسب شرف الاحوال الواقعة فيها من حضور المحبوب ومشاهدته فكذلك شرف الاعمال يكون بحسب شرف النيات والمقاصد الباعثة وشرف النية فى العمل ان يؤدى للمحبوب ويكون خالصا لوجهه غير مشوب بغرض آخر قال ابن الفارض شعر : وعندى عيدى كل يوم أرى به جمال محياها بعين قريرة وكل الليالى ليلة القدر ان دنت كما كل ايام اللقا يوم جمعة تفسير : قال بعض الكبار واشد الليالى بركة وقدرا ليلة يكون العبد فيها حاضرا بقلبه مشاهدا لربه يتنعم بأنوار الوصلة ويجد فيها نسيم القربة واحوال هذه الطائفة فى لياليهم مختلفة كما قالوا شعر : لا أظلم الليل ولا ادعى ان نجوم الليل ليست تزول ليلى كما شاءت قصير اذا جادت وان ضنت فليلى طويل تفسير : وقال بعض المفسرين المراد من الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان ولها أربعة اسماء الاول الليلة المباركة لكثرة خيرها وبركتها على العاملين فيها الخير وان بركات جماله تعالى تصل الى كل ذرة من العرش الى الثرى كما فى ليلة القدر وفى تلك الليلة اجتماع جميع الملائكة فى حظيرة القدس. ودر كشف الاسرار فرموده كه آنرا مبارك خواند ازبهر آنكه برخير وبر بركت است همه شب دعيانرا اجابت است وسائلانرا عطيت ومجتهدانرا معونت ومطيعانرا مثوبت وغاصبانرا اقالت ومحبانرا كارمت همه شب درهاى آسمان كشاده جنات عدن وفراديس اعلا درهانهاده ساكنان جنة الخلد بركنكرها نشسته ارواح انبيا وشهدا درعليين فراطرب آمده همه شب نسيم روح ازلى از جانب قربت بدل دوستان ميدمدوبادهواى فردانيث برجان عاشقان مىوزد وازدوست خطاب مى آيدكه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له اى درويش بيدار باش درين شب كه همه بساط نزول بيفكنده وكل وصال جانان درباغ را زدارى شكفته نسيم سحر مبارك بهارى از وميدمد وبيغام ملك برمزى باريك وبرازى عجب ميكويد الم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله شعر : الم يأن للهجران أن يتصرما وللعود غصن البان ان يتضرما وللعاشق الصب الذى ذاب وانحنى ألم يأن ان يبكى عليه ويرحما تفسير : وفى بعض الآثار عجبا لمن آمن بى كيف يتكل على غيرى لو أنهم نظروا الى لطائف برى ما عبدوا غيرى. اى عجب كسى كه مارا شناخت باغير ما آرام كى كيرد كسى كه مارايافت باديكرى جون بردازد كسى كه رنك وبوى وصال ويا دمادارد دل دررنك وبوى دنيا جون بندد. ازتعجب هرزمان كوبد بنفشه كاى عجب. هركه زلف يار دارد جنك درماجون زند. والثانى ليلة الرحمة والثالث ليلة البرآءة والرابع ليلة الصك وذلك لأن البندار إذا استوفى فى الخوارج من اهله كتب لهم البراءة كذلك الله يكتب لعباده المؤمنين البرآءت فى هذه الليلة (كما حكى) ان عمر بن عبد العزيز لما رفع رأسه من صلاته ليلة النصف من شعبان وجد رقعة خضرآء قد اتصل نورها بالسماء مكتوب فيها هذه برآءة من النار من الملك العزيز لعبده عمر بن عبد العزيز وكما ان فى هذه الليلة برآءة للسعدآء من الغضب فكذا فيها برآءة للاشقياء من الرحمة نعوذ بالله تعالى ولهذه الليلة خصال. الاولى تفريق كل امر حكيم كما سيأتى. والثانية فضيلة العبادة فيها وفى الحديث "حديث : من صلى فى هذه الليلة مائة ركعة ارسل الله تعالى اليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان" تفسير : قال فى الاحياء يصلى فى الليلة الخامسة عشرة من شعبان مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ فى كل ركعة بعد الفاتحة قل هو الله احد عشر مرات وان شاء صلى عشر ركعات يقرأ فى كل ركعة بعد الفاتحة مائة مرة قل هو الله احد فهذه ايضا اى كصلاة رجب مروية عن النبى عليه السلام فى جملة الصلوات كان السلف يصلون هذه الصلاة فى هذه الليلة ويسمونها صلاة الخير ويجتمعون فيها وربما صلوها جماعة (روى) عن الحسن البصرى انه قال حدثنى ثلاثون من اصحاب النبى عليه السلام ان من صلى هذه الصلاة فى هذه الليلة نظر الله اليه سبعين نظرة وقضى الله له بكل نظرة سبعين حاجة ادناها المغفرة انتهى كلام الاحياء قال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ان النبى عليه السلام لما تجلى له جميع الصفات فى ثمانية عشر ألف عالم وأكثر صلى تلك الصلاة بعد العشاء شكرا على النعمة المذكورة (وروى) مجاهد عن على رضى الله عنه انه عليه السلام قال "حديث : يا على من صلى مائة ركعة فى ليلة النصف من شعبان فقرأ فى كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وقل هو الله احد عشر مرات" تفسير : قال عليه السلام "حديث : يا على ما من عبد يصلى هذه الصلاة الا قضى الله له كل حاجة طلبها تلك الليلة ويبعث الله سبعين ألف ملك يكتبون له الحسنات ويمحون عنه السيئات ويرفعون له الدرجات الى رأس السنة ويبعث الله فى جنات عدن سبعين ألف ملك وسبعمائة ألف يبنون له المدآئن والقصور ويغرسون له من الاشجار ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب المخلوقين وان مات من ليلته قبل ان يحول الحول مات شهيدا ويعطيه الله بكل حرف من قل هو الله احد فى ليلته تلك سبعين حورآء" تفسير : كما فى كشف الاسرار قال بعضهم أقل صلاة البرآءة ركعتان واوسطها مائة واكثرها ألف. يقول الفقير الألف الذى هو اشارة الى ألف اسم له تعالى تفصيل للمائة التى هى اشارة الى مائة اسم له منتخبة من الالف لان التسعة والتسعين باعتبار احديتها مائة وهى تفصيل للواحد الذى هو الاسم الاعظم ولما لم تشرع ركعة منفردة ضم اليها اخرى اشارة الى الذات والصفات والليل والنهار والجسد والروح والملك والملكوت ولهذا السر استحب ان يقرأ فى الركعتين المذكورتين اربعمائة آية من القرءآن فان فرض القرآءه آية واحدة ومستحبها اربع آيات والمائة اربع مرات اربعمائة فالركعتان باعتبار القرآءة المستحبة فى حكم المائة فاعرف جدا وفى الحديث "حديث : من احيى الليالى الخمس وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر وليلة النصف من شعبان " تفسير : والثالثة نزول الرحمة قال عليه السلام "حديث : ان الله ينزل ليلة النصف من شعبان الى السماء الدنيا" تفسير : اى تنزل رحمته والمراد فى الحقيقة تنزل عظيم من تنزلات عالم الحقيقة مخصوص بتلك الليلة وايضا المراد تنزل من اول الليلة اى وقت غروب الشمس الى آخرها اى الى طلوع الفجر أو طلوع الشمس. والرابعة حصول المغفرة قال عليه السلام "حديث : ان الله يغفر لجميع المسلمين فى تلك الليلة الا لكاهن او ساحر أو مشاحن أو مدمن خمر أو عاق للوالدين او مصر على الزنى" تفسير : قال فى كشف الاسرار فسر اهل العلم المشاحن فى هذا الموضع بأهل البدع والاهوآء والحقد على اهل الاسلام. والخامسة انه اعطى فيها رسول الله عليه السلام تمام الشفاعة وذلك انه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان الشفاعة فى امته فأعطى الثلث منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع الا من شرد على الله شراد بعير وفى رواية اخرى قالت عائشة رضى الله عنها رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى ليلة النصف من شعبان ساجدا يدعو فنزل جبريل فقال ان الله قد أعتق من النار الليلة بشفاعتك ثلث امتك فزاد عليه السلام فى الدعاء فنزل جبريل فقال ان الله يقرئك السلام ويقول أعتقت نصف امتك من النار فزاد عليه السلام فى الدعاء فنزل جبريل وقال ان الله اعتق جميع امتك من النار بشفاعتك الا من كان له خصم حتى يرضى خصمه فزاد عليه السلام فى الدعاء فنزل جبريل عند الصبح وقال ان الله قد ضمن لخصماء امتك ان يرضيهم بفضله ورحمته فرضى النبى عليه السلام. والسادسة ان من عادة الله فى هذه الليلة ان يزيد ماء زمزم زيادة ظاهرة وفيه اشارة الى حصول مزيد العلوم الالهية لقلوب اهل الحقائق {انا كنا منذرين} استئناف مبين لما يقتضى الانزال كأنه قيل انا انزلناه لان من شأننا الانذار والتخويف من العقاب

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} من مقامه العالى الّذى هو مقام المشيّة، او مقام الاقلام العالية، او مقام اللّوح المحفوظ {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} هى ليلة القدر وقد مرّ فى سورة البقرة كيفيّة نزول القرآن فى ليلة القدر ونزوله فى مدّة ثلاث وعشرين سنة عند قوله: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة:185] {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}. اعلم، انّ مراتب العالم بوجهٍ غير متناهيةٍ، وبوجهٍ سبعون الفاً، وبوجهٍ سبعٌ، وبوجهٍ ستٌّ، وكلّ مرتبة دانية بالنّسبة الى المرتبة العالية تسمّى ليلاً لاختلاطها بظلمة الامكان وظلمة الكثرة والفرق اكثر من المرتبة العالية، كما انّ المرتبة العالية بالنّسبة الى المرتبة الدّانية تسمّى يوماً، ولذلك ترى التّعبير عن المراتب فى الآيات والاخبار فى النّزول باللّيالى وفى الصّعود بالايّام لاعتبار المنزل اليه بالنّسبة الى المنزل منه الّذى هو المرتبة العالية والعليا واعتبار المصعود اليه بالنّسبة الى المصعود منه الّذى هو المرتبة الدّانية والدّنيا، وانّ عالم المثال من العالم الكبير مثل الخيال من العالم الصّغير فكما انّ الانسان كلّما اراد ان يفعله يتصوّره اوّلاً بنحوٍ كلّىٍّ فى مقام العقل ثمّ ينزّله عن مقام العقل الى مقام الخيال فيقدّر قدره ويتصوّر خصوصيّاته ومشخّصاته ثمّ ينزّله بتوسّط القوى المحرّكة وتحريك الاعضاء الى الخارج كذلك كان فعل الله وحال الخيال الكلّىّ فانّ الله اذا اراد ان يفعل فعلاً ينزّله من عرش المشيّة الى العقول الكلّيّة والنّفوس الكلّيّة اللّتين يعبّر عنهما بالاقلام العالية والالواح الكلّيّة ثمّ منهما الى عالم المثال وما لم يصل الامر الى عالم المثال كان بسيطاً مجملاً غير ممتازٍ بحسب الوجود العلمىّ بعضه من بعضٍ وكان موجوداً بوجودٍ واحدٍ بسيطٍ، وفى عالم المثال يصير متفرّقاً ممتازاً بعضه من بعضٍ كما يكون الامر فى خيال الانسان كذلك، فانّ المريد للدّار يتصوّر اوّلاً داراً كلّيّاً فاذا تنزّلت الى مقام الخيال يتصوّرها بصورة جزئيّة مربّعة متساوية الاضلاع او مربّعة طولانيّة او غير ذلك مشتملةٍ على بيوتٍ ممتازةٍ بعضها عن بعضٍ، ومشتملةٍ على مشخّصاتها من مكانها وزمانها وغير ذلك من مشخّصاتها، وقد ينفسخ عزيمته لتلك الدّار الموصوفة بالمشخّصات فيمحوها عن خياله ويتصوّر غيرها، وقد يتردّد فى تعمير هذه الدّار ودارٍ اُخرى بنحوٍ آخر، كما انّ البداء والتّردّد والمحو والاثبات المنسوب الى الله يكون من هذا القبيل وفى هذا العالم كما مضى الاشارة اليه فى سورة المؤمن، فالامر المحكم الّذى لا يتطرّق البطلان والمحو والاثبات والنّسخ والتّشابه اليه يتنزّل من عالم الامر الّذي لا يكون فيه وجود ممتاز عن وجودٍ ولا يكون فيه نقص وشرّ وبطلان ومحو الى عالم المثال الّذى يفرق فيه كلّ امر من آخر ويتطرّق المحو والاثبات والبطلان اليه، ويتطرّق التّشابه الّذى هو عدم ثبات المعنى وتطرّق النّسخ والمحو اليه وهو ليلة القدر الّتى ليست لملك بنى اميّة، وكلّما يوجد فى هذا العالم لا بدّ وان ينزّل من عالم العقول والنّفوس الى ذلك العالم ويقدّر قدره فيه ثمّ يظهر فى هذا العالم، كما انّ كلّما يظهر على الاعضاء لا بدّ وان ينزّل من العقل الى الخيال فيقدّر قدره، ثم يظهر على الاعضاء، ولمّا كانت النّفوس كلّيّة كانت او جزئيّة متّحدة مع فاطمة (ع) فى مقامها النّازل ومظهراً لها (ع) جاز تفسير ليلة القدر بها، كما عن الكاظم (ع) حين سأله نصرانىٌّ عن تفسير هذه الآية فى الباطن، فقال: امّا حۤم فهو محمّد (ص) وهو فى كتاب هودٍ الّذى انزل اليه وهو منقوص الحروف، وامّا الكتاب المبين فهو امير المؤمنين علىٌّ (ع)، وامّا اللّيلة ففاطمة (ع)، وامّا قوله فيها يفرق كلّ امر حكيم يقول يخرج منها خيرٌ كثيرٌ فرجل حكيم، ورجل حكيم، ورجل حكيم (الى آخر الحديث)، وعن الباقر (ع) والصّادق (ع) والكاظم (ع) اى انزلنا القرآن واللّيلة المباركة هى ليلة القدر انزل الله سبحانه القرآن فيها الى البيت المعمور جملةً واحدةً، ثمّ نزل من البيت المعمور على رسول الله (ص) فى طول عشرين سنةً، وعن الباقر (ع) قال: قال الله عزّ وجلّ فى ليلة القدر {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} قال ينزل فيها كلّ امرٍ حكيمٍ والمحكم ليس بشيئتين انّما هو شيءٌ واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله، ومن حكم بامرٍ فيه اختلاف فرأى انّه مصيبٌ فقد حكم بحكم الطّاغوت، انّه لينزل فى ليلة القدر الى ولىّ الامر تفسير الامور سنة سنة يؤمر فيها فى امر نفسه بكذا وكذا، وفى امر النّاس بكذا وكذا، وانّه ليحدث لولىّ الامر سوى ذلك كلّ يوم علم الله الخاصّ والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل فى تلك اللّيلة من الامر ثمّ قرأ: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} تفسير : [لقمان:27] (الآية)؛ والغرض من نقل هذا الخبر بيان قوله (ع) فمن حكم بما ليس فيه اختلاف (الى قوله) فقد حكم بحكم الطّاغوت لانّه يظنّ فى بادى الامر انّ فى حكم الائمّة ايضاً اختلافاً، لانّه ما من مسألةٍ الاّ وفيها اخبار متخالفةٌ او متضادّةٌ او متناقضةٌ صادرةٌ عنهم، وقد ذكر صاحب التّهذيب رحمه الله فى اوّل التّهذيب: "ذاكرنى بعض الاصدقاء ايّده الله ممّن اوجب حقّه باحاديث اصحابنا ايّدهم الله ورحم السّلف منهم وما وقع فيها من الاختلاف والتّباين والمنافاة والتّضادّ حتّى لا يكاد يتّفق خبرٌ الاّ وبازائه ما يضادّه ولا يسلم حديثٌ الاّ وفى مقابلته ما ينافيه حتّى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطّعون على مذهبنا، وتطرّقوا بذلك الى ابطال معتقدنا، وذكروا انّه لم يزل شيوخكم السّلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الّذى يدينون الله به ويشنّعون عليهم بافتراق كلمتهم فى الفروع ويذكرون انّ هذا ممّا لا يجوز ان يتعبّد به الحكيم ولا ان يبيح العمل به العليم وقد وجدناكم اشدّ اختلافاً من مخالفيكم واكثر تبايناً من مباينيكم، ووجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليلٌ على فساد الاصل حتّى حصل على جماعةٍ ممّن ليس لهم قوّة فى العلم ولا بصيرة بوجودة النّظر ومعانى الالفاظ الشّبهة، وكثير منهم رجع عن اعتقاد الحقّ لما اشتبه عليه الوجه فى ذلك وعجز عن حلّ الشّبهة فيه، سمعت شيخنا ابا عبد الله ايّده الله يذكر انّ ابا الحسين الهادونىّ العلوىّ كان يعتقد الحقّ ويدين بالامامة فرجع عنها لمّا التبس عليه الامر فى اختلاف الاحاديث وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبيّن له وجوه المعانى فيها، وهذا يدلّ على انّه دخل فيه على غير بصيرةٍ واعتقد المذهب من جهة التّقليد". وتحقيق ذلك انّ مراتب الرّجال متفاوتة فى الدّين فانّ للايمان عشر درجاتٍ ولكلّ درجةٍ عشرة اجزاءٍ، فمنهم من يكون على جزءٍ من اجزاء الدّرجة الاولى، ومنهم من يكون على جزئين ومنهم من يكون على الدّرجة الثّانية بأجزائها وهكذا ولو ذهب تحمل صاحب الدّرجة الاولى على الدّرجة الثّانية اهلكته كما اشير اليه فى الاخبار، وصاحب كلّ درجة له حكمٌ غير حكم صاحبه كما حقّقنا ذلك فى سورة البقرة عند تحقيق النّسخ فى قوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} تفسير : [البقرة: 106] (الآية) فمن لم يكن له بصيرة بمراتب الرّجال وباختلاف احوالهم لا يحكم بحكمٍ الاّ ويتطرّق اليه الاختلاف بحسب اعتقاده، فانّه كما يظنّ انّ هذا حكم هذا الرّجل يجوّز ان يكون حكمه غير هذا، وهذا معنى قوله (ع) من حكم بامرٍ فيه اختلاف يعنى بحسب اعتقاده فرأى انّه مصيبٌ فقد حكم بحكم الطّاغوت لانّ حكم هذا الحاكم ليس الاّ من رأيه المنسوب الى انانيّته لا من حكم الله، ومن كان بصيراً بمراتب الرّجال وبصيراً بالاحكام وبكيفيّة تعلّقها بالرّجال بحسب مراتب ايمانهم لا يحكم الاّ عن اراءة الله كيفيّة تعلّق الاحكام بالرّجال ولا يحكم عن قياسٍ ورأىٍ ولا يكون فى حكمه هذا اختلاف بمعنى انّه لا يجوّز ان يكون حكمٌ مخالفٌ لهذا الحكم يخلفه لانّه حكم عن رؤيةٍ لا عن رأىٍ وقياسٍ، ولمّا كان مراتب الرّجال ودرجاتها فى الايمان غير متناهية فالاحكام ايضاً تكون غير متناهيةٍ، وربّما يكون لشخص واحد بحسب توارد احوالٍ مختلفةٍ عليه احكام متخالفة متواردة عليه، ووجه اختلاف الاخبار فى الاحكام ليس محض التّقيّة ولا محض اختلاط الاكاذيب والاغلاط بها بل كان عمدة وجه اختلاف الاخبار اختلاف احوال الرّجال، ولولا اختلاف الاخبار فى المسألة الواحدة بالنّسبة الى اشخاصٍ عديدةٍ كان ينبغى ان يترك المذهب لا انّ اختلافها كذلك ينبغى ان يصير سبباً للخروج من المذهب كما قاله الشّيخ رحمه الله فى التّهذيب.

اطفيش

تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} أي الكتاب من اللوح المحفوظ اى السماء الدنيا* {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} ليلة القدر ونسخه الملائكة فيها ثم كان جبرائيل ينزل به وهو في بيت العزة نجوماً على حسب الوقائع ثلاث آيات وأربعاً وخمساً وأقل وأكثر وهي المراد بمواقع النجوم. وذلك قول قتادة والحسن وابن زيد والجمهور. وقال عكرمة الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان وتسمى ليلة النصف من شعبان الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصك وليلة الرحمة وسميت ليلة البراء وليلة الصك لان البندار اذا استوفي الخراج من أهله كتب لهم البراءة في الصك والله عز وجل يكتب للمؤمن البراءة من النار ليلة النصف من شبعان وانه قام بشرائط العبودية ويكتب للكافر البراءة من الجبار وانه استخف بحق الله وانما سميت ليلة مباركة لانها ذات بركة في ذاتها أو لمجاورة الملائكة فيها للآدميين وقربهم. وفي الحديث يسح الخير ليلة النصف من شعبان سحاً وكذلك سميت ليلة الرحمة لنزول الرحمة وتسمى أيضاً ليلة القسمة للارزاق وليلة التقدير لما يقضي الله فيها وتنسخ السفرة الكرام فيها اسم كل من يموت من شعبان الى شعبان ويعطون النسخ لملك الموت فيها وينتظر الوقت وقيل في ليلة القدر والصحيح الأول وان الرجل ليظلم ويفجر ويحج وينكح يعرش ويبنى وقد نسخ اسمه من الاحياء ولا ليلة أفضل منها بعد ليلة القدر والتحقيق ليلة المولد فليلة القدر فليلة الاسراء فعرفة فالجمعة فليلة نصف شعبان فليلة العيد وكذا أيامها والليل أفضل من النهار وقيل النهار وهذا في غير تلك الليالي أما هن فأفضل من نهرتهن والملك يقبض كل ذي روح. وقالت المعتزلة: (الثقلين فقط) والمبتدعة (ان أعوانه يقبضون أرواح البهائم) دونه وخص ذكر النكاح والغرس ونحوهما لعظمهما وغيرهما كذلك ويقبض ولو في البحر على الصحيح ويقبض روح نفسه عند بعض. والصحيح ان الله يقبضها وذلك بعد فناء الخلق وظاهر القبض ان الروح جوهر. وعن ابن عباس: (تقضى الأقضية) كلها ليلة النصف من شعبان) أي تظهر للملائكة وقضاؤها أزلي وتعطى لأربابها ليلة القدر فقيل أربابها جبرائيل وعزرائيل وميكائيل تعطى نسخة الأرزاق لميكائيل ونسخة الحرب والزلزلة والصاعقة والخسف لجبرائيل ونسخة العمل لاسماعيل صاحب سماء الدنيا ليفتح السماء للعمل المقبول والذي لم يؤمر برده ونسخة الموت لملك الموت وكذا المصائب. وفي رواية تعطى ليلة السابع والعشرين فهى ليلة القدر وأول من يعلم بموت الانسان حافظه لانه يعرج بعمله وينزل برزقه فيرى ان لا رزق له. وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم حتى يقال انه لا يفطر والافطار حتى يقال لا يصوم وأكثر صيامه في شعبان فقالت له عائشة فقال فيه: "حديث : انه شهر ينسخ فيه لملك الموت من يقبض وأرجو أن ينسخ اسمي وأنا صائم" تفسير : ومراده أن ينسخ أثر الصوم لان النسخ ليلاً والصوم نهاراً أو لعله قال ذلك لانه يواصل ان شاء لو النسخ نهار والتسليم لملك الموت ليلاً والصوم متقدم على ليلة النصف والا فمعنى صائم عازم على الصوم وبركة الصوم تعود على ما قبله. وروي انه يكثر الصوم فيه ليموت صائماً ان مات فيه. وقال أيضاً بعد سؤاله أكثر صومه لغفلة الناس فيه ولرفع صحائف الأعمال الى الله فيه ويثبت التعليل بجميع ذلك وكان يتحرى أيضاً صوم الاثنين والخميس لعرض الأعمال فيهما على الله عالماً بها فقيل تعرض فيهما مفصلة وأعمال العام في شعبان وغيره مجملة وقيل كل يوم وليلة يعرض تفصيلاً والجمعة والعام اجمالاً وقيل اليوم والليلة ترفع أعمالهما بلا عرض وفائدة العرض اجمالاً وتفصيلاً الترغيب والترهيب وكلمة لا اله الا الله تصعد بنفسها وترفع الأعمال كل يوم وكل ليلة وتقابل باللوح المحفوظ. ولا يكمل صلى الله عليه وسلم الا رمضان وقيل يكمل شعبان في بعض الاعوام وقيل يفطر منه قليلاً أولاً وتارة آخر وتارة وسطاً. وفي الحديث: "حديث : أفضل الصوم بعد رمضان المحرم" تفسير : ولم يكثر صومه بل أكثر صوم شعبان لانه علم ذلك آخر الحياة ولانه تعرضه فيه موانع الصوم ولم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه كذا قيل وفيه انه يجب الشيء بقوله لا بعمله وقيل يستكمله وحده لدفع اللبس بغيره وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان وليلة النصف من شعبان والمحرم ورجب فذو الحجة فذو القعدة فشعبان وتسمى أيضاً ليلة نصفه ليلة تكفير الذنوب ذنوب السنة الصغار وليلة القدر ذنوب العمر وليلة الجمعة ذنوب الاسبوع ووجه التسمية لا يوجب التسمية وان لم تصادف الذنوب أثبتت حسنات قيل وتخفف من الذنوب الكبار وعن قومنا الكبار لا يمحوها الا التوبة أو الحج المبرور وحق العبد لا بد من محاللته وتسمى أيضاً ليلة الاجابة لانه لا يرد دعاء فيها وكذا في ليلة الجمعة وأول ليلة من رجب وليلتي العيدين وليلة القدر ورمضان ويوم عرفة وتسمى أيضاً ليلة الحياة لانه لا يموت شيء بين مغربها وعشائها لانشغال الملك بقبض الصحف أو بتهيئتها للقبض ليلة القدر وتسمى ليلة عيد الملائكة وعيدهم الآخر ليلة القدر وقيل عيدهم الليلتان لانهم لا ينامون وتسمى ليلة الشفاعة أيضاً لسؤاله صلى الله عليه وسلم الشفاعة لأمته، فيها سأله داود أن يجيب دعاء من دعا فيها وتسمى أيضاً ليلة الجائزة لما فيها من اعطاء الأرزاق والأمطار وغيرها وليلة الرجحان لرجحان ثواب العمل فيها على ثوابه في غيرها كما وكيفاً وليلة التعظيم لانها أعظم الليالي بعد ليلة القدر ولعظمها بنزول القرآن فيها وغفران العظائم وليلة القدر وليلة الغفران والعتق من النار وان قلت فضلت هذه الليلة لذاتها أو لنزول القرآن فيها. قلت: قيل تفضيل الأزمان والاماكن لذاتها ورجحه بعض وقيل تفضيلها باعتبار تضعيف العمل فيها وعليه ابن عبد السلام وقيل باعتبار ما يقع فيها من عمل وغيره وقال السبكي منها ما لذاته كقبر النبي فانه ينزل عليه بنفسه من الرحمة والملائكة والتعظيم ما لا يوصف ولا عمل فيه والبركة في هذه الليلة اما لنزول القرآن فيها أو لمعنى لا نعلمه وعلى التفضيل للذات فنزول القرآن زيادة تشريف ولانها ليلة افتتاح الرحمة ونزول القرآن ليلاً لانه وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك وهي أشرف من مجالستهم نهاراً. وأكرمت جماعة من الأنبياء ليلاً قال الله عز وجل {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} تفسير : الخ أقام الحجة على قومه وقال {أية : فأسر بأهلك} تفسير : الخ وقال {أية : سوف أستغفر لكم ربي} تفسير : ودعا سحر ليلة الجمعة وقرب موسى نجياً ليلاً وأسرى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلاً وانشق له القمر ليلاً وآمن به الجن ليلاً وخرج الى الغار ليلاً وقدم الله عز وجل ذكر الليل على النهار في غير آية وهو محل الاجابة والغفران والعطاء وأكثر أسفاره صلى الله عليه وسلم ليلاً لان الارض تطوى فيه والليل أصل لخلق الظلمة قبل النور واذا كان أول الشهر وسواده يجمع ضوء البصر ويجد كليل النظر ولكن قيل لا ليل في السماء فمعنى نزوله فيها ليلاً نزوله وقت الليل في الأرض وقد علمت ان الصحيح ان المراد بالليلة المباركة هنا ليلة القدر ويدل له شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فعين وقت نزوله من الشهور وبين في هذه الآية انه في الليل وعين الليل بقوله في ليلة القدر ويوافقه فيها {أية : يفرق كل أمر} تفسير : فان القدر معناه التقدير في قول والفرق تقدير. قال ابن عباس: (يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كان في السنة كله الا السعادة والشقاوة فتكتبان مرة ولا تمحوان وقيل أراد فراغ الكتابة فيها وان ابتداءها ليلة النصف من شعبان وعن بعضهم ان الواو للعطف لا للقسم لكراهة قسمين معاً وهذا بناء على ان {حم} قسم والكتاب القرآن وقيل جميع الكتب قال على الاول للعهد الذكري لذكره (بحم) على انها اسم للقرآن وفي غير هذه السورة قبلها وعلى الثانى للاستغراق واعتراض الثانى باقتضائه ان الكتب كلها نزلت ليلة النصف من شعبان أو ليلة القدر. وأجيب بأن المراد بالهاء في {أَنزَلْنَاهُ} على الاستخدام أو للوح قال للعهد الذي في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس على الأول وأسند الابانة أي التبيين للقرآن لحصولها به وأكد الكلام بالقسم وان لانكار المشركين نزوله ولعل معنى نزول اللوح نزول ما فيه وقيل الكتاب اللوح والهاء القرآن وقيل الهاء للامر بعدها أي أنزلناه أمراً من عندنا كقولك ضربته زيداً ونزل بعد نزوله جملة منجماً أي مفرقاً في عشرين سنة وقيل ثلاث وعشرين وقيل خمس وعشرين على الخلاف في مدة اقامته في مكة بعد البعثة وقيل نزل الى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدراً وثلاث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة قدر ما ينزل في سنتها مفرقاً بحسب الوقائع وقيل نزل من اللوح المحفوظ أول ما نزل منه الى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل منجماً في أوقات مختلفة من سائر الأوقات الى أن تم وقيل نزل جملة على السفرة في بيت العزة بلا واسطة جبرائيل ونجومه على جبرائيل في عشرين ليلة قدراً وثلاث وعشرين أو خمس وعشرين ونجمه جبرائيل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أحد تلك الأعداد وانما نزل أولاً جملة الى السماء في بيت العزة تعظيماً له ولمن نزل عليه باعلام سكان السموات انه آخر الكتب الرسل لأشرف الأمم ونزل بعد ذلك مفرقاً تشريفاً له ولأمته وليثبت به فؤاده فانه اذا كان الوحي يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب ويحدث سرور عظيم له لمجيء الملائكة من عند الله وهو في كل مكان وكان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبرائيل عليه السلام وليتحفظ وينزل آية فأكثر وأقل نزلت عشر في قصة الافك وعشر من أول سورة المؤمنين ونزل {أية : غير أولى الضرر} تفسير : الخ وحده وهو بعض آية والغالب انه ينزل خمساً خمساً فينبغى تعلمه كذلك ويأخذه جبرائيل من اللوح وقيل يلهم وأحرف القرآن في اللوح كل واحد كجبل قاف وتحت كل معان لا يحيط بها غير الله فقيل ينخلع النبي الى صورة الملك أو يتغلب عليه الصفات الملكية فيأخذه كأنه أخذه ملك عن ملك أو ينخلع جبريل الى صورة البشر فكأنه أخذه بشر عن بشر والواضح أنه يبقى على حاله وجبرائيل تارة يبقى على صورة الملك وتارة لا وقيل: كيفية الوحي سر لا يدرك بالعقل وانما يعرف انه جبرائيل لاظهار الله على يديه معجزات عرفه بها أو خلق فيه علماً ضرور يعرفه به والراجح نزول اللفظ والمعنى نزل المعنى وقيل عبر النبي وقيل المعنى وعبر جبريل. {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} فسر به وبالجملة بعده جواب القسم كأنه قيل أنزلناه لان من شأننا الانذار أي التخويف أي انا على ما نحن عليه من الاجلال كنا مخوفين بالقرآن من عصى لا نأخذهم من غير انذار لاجل رحمتنا وكنا للدلالة على الوقوع في الماضي مع البقاء الى الحال وتقدير بالقرآن مذهب المدابغي والحق ان المراد مطلق الانذار فيشمل الانذار بغير القرآن كالتوراة وخص الانذار لانه المقصود بالارسال ولعمومه المكلفين لان الطابع ينذر ليزداد ويدوم وينذر عن سلب المعرفة والبشارة خاصة بالطابع وأما فبشرهم بعذاب فمجاز وقيل أعم مطلقاً وعن بعضهم ان الجملة جواب القسم وانا أنزلناه معترضة لتفخيم المقسم عليه والمختار ان الجواب {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} وعليه ابن هشام لسبقه وسلامته من اللازم على ان الجواب {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} فان يفرق من تتمة الاعراض وقد تخلل بينهما المقسم عليه

اطفيش

تفسير : {إنَّا أنْزلناهُ} أى أنزلنا الكتاب الذى أنزلناه وأقسمنا وهو القرآن، والقسم بالشىء على نفسه جائز كقولك: والله ان الله هوالحق {في ليلة مباركة} أكثر الله فيها الخير وأثبته، وهى ليلة القدر عند الجمهور وهو الصحيح، وليلة القدر فى رمضان، وقيل: الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وتسمى الليلة المباركة، وليلة الرحمة، وعن ابن عباس: إن الله تعالى يقضى الأقضية ليلة النصف من شعبان، ويسلمها الى أرباها ليلة القدر، وتسمى أيضا ليلة الصك، وليلة البراءة، لأن قابض الخراج اذا استوفاه كتب لهم براءات كبراءات الدون المقضية، وبراءة الجانى إذا تخلص، وقولهم: براوات خطأ. سأل صلى الله عليه وسلم ليلة الثالث عشر من شعبان فأعطى ثلث أمته، وليلة الرابع عشر فأعطى ثلثيها، وليلة الخامس عشر، فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير، قال على بن أبى طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيه لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" تفسير : ومعنى نزول الله سبحانه وتعالى نزول ملك يقول عن الله تعالى، روى ذلك الحديث ابن ماجه والبيهقى. قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عند شعر غنم طالب" تفسير : رواه الترمذى، والبيهقى، وابن ماجه، وابن أبى شيبة، ومعنى نزوله نزول رحمته، ومعنى انزال القرآن فى اليلة المذكورة فى الآية انزاله جملة الى البيت المعمور، فى السماء الدنيا، وهو مسامت الكعبة، وكان ينزل به جبريل شيئاً فشيئاً فقيل: كان ابتداء الوحى مناما فى ربيع الأول، وبعد ذلك نزل أول القرآن نزولا، وهو: "أية : أقرأ باسم ربك الذي خلق" تفسير : [العلق: 1] فى يوم الاثنين لسبع عشرة مضت من رمضان، أولسبع منه أو لأربع وعشرين منه، ومضت ثلاث سنين بعد نزول: {اقرأ باسم} فنزل "أية : يا أيها المدثر" تفسير : [المدثر: 1] وفضل الأزمنه والأمكنة لذاتها، أو لما يقع فيها من الأعمال، أو يحل فيها، قولان ثالثهما أنه يجوز بعضها لذاته، وبعضها لخارج، ومن ذلك قبره صلى الله عليه وسلم فانه أفضل من الكعبة والعرش والكرسى، لحلوله فيه تعالى الله من الحلول فى العرش أو الكرسى أو غيرهما، أو فى زمان، ويدل على أن الفضل بالذات فى حكم الله تعالى، أن الله سبحانه وتعالى اختار أزمنة وأمكنة للعمل أو الحلول قبل أن يكون العمل أو الحلول، وهو حكيم لا يهمل أمرا ولا يعبث. {إنَّا كنَّا مُنْذرين} من شأننا وحكمتنا الانذار تخويفا بالعقاب لا الاهمال، ولذلك كان انزال الكتاب، فهذا عائد للانذار وقوله: {فيها يُفْرقُ كل أمر حَكيمٍ} عائد لليلة، سواء جعلناه نعتا ثانيا لليلة، أو مستأنفا، أو جواب القسم، وإنا انزلناه الخ معترضا أو جوابا ثانيا للقسم، كما يتعدد الخبر بلا عطف ولا ابدال ولا تأكيد، فيكون الاقسام على المجموع، وعليه فيجوز أن يكون {إنا كنا منذرين} جواب القسم، فيحصل له ثلاثة أجوبة، وكما كان الله منذرا كذلك، كان مبشرا إلا أن المقام للانذار لشدة كفرهم واصرارهم. ومعنى يفرق يلخص ويفصل للملائكة خارجا بعد أن كان فى اللوح مستورا مخلوطا بغيره، ومعنى حكيم محكم لا يبدل أو يغير بعد ابرازه للملائكة، وأما قبله ففى اللوح يمحو منه ما يشاء ويثبت، كذا قيل، وفيه أنه يقع النسخ بعد الابراز والنزول، أو حكيم بمعنى محكوم به، أو ملتبس صاحبه بالحكمة، أو ذو حكمة كتامر ولابن، يكتب فى ليلة القدر عند الحسن وغيره، وفى ليلة النصف من شعبان عند عكرمة وغيره، ولكل سنة ما يقع فيها من رزق أو حياة أو موت، أو مطر أو حاج ومعتمر، وأجل وتزوج، وطلاق وصلح، وفتنة وحرب، ومرض وصحة، وآفة وعافية وغير ذلك، ولا يزاد على ذلك ولا ينقص، وان الرجل لينكح ويولد له، وقد خرج اسمه فى الموتى، وتدفع نسخة الأرزاق الى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلزال والصواعق والخسف الى جبريل، ونسخة الى اسماعيل صاحب السماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، وعن ابن عباس: تقضى الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان، وتسلم الى أصحابها ليلة السابع والعشرين من رمضان، والصحيح أن الليلة ليلة القدر، نعم قيل: ليلة القدر ليلة النصف من شعبان، ولا نقول به.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } أي الكتاب المبين الذي هو القرآن على القول المعول عليه {فِي لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } هي ليلة القدر على ما روي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير ومجاهد وابن زيد والحسن وعليه أكثر المفسرين والظواهر معهم، وقال عكرمة وجماعة: هي ليلة النصف من شعبان، وتسمى ليلة الرحمة والليلة المباركة وليلة الصك وليلة البراءة. ووجه تسميتها بالأخيرين أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة / والصك كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة والصك في هذه الليلة. وظاهر كلامهم هنا أن البراءة وهي مصدر بريء براءة إذا تخلص تطلق على صك الأعمال والديون وما ضاهاها وأنه ورد في الآثار ذلك. وهو مجاز مشهور وصار بذلك كالمشترك. وفي «المغرب» بريء من الدين والعيب براءة، ومنه البراءة لخط الإبراء والجمع براءات، وبروات عامية اهـ. وأكثر أهل اللغة على أنه لم يسمع من العرب وأنه عامي صرف وإن كان من باب المجاز الواسع. قال ابن السيد في «المقتضب» البراءة في الأصل مصدر برىء براءة، وأما البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فتسميتها بذلك إما على أنها من برىء من دينه إذا أداه وبرئت من الأمر إذا تخليت منه فكأن المطلوب منه أمر تبرأ إلى الطالب أو تخلى، وقيل: أصله أن الجاني كان إذا جنى وعفا عنه الملك كتب له كتاب أمان مما خافه فكان يقال: كتب السلطان لفلان براءة ثم عمم ذلك فيما كتب من أولي الأمر وأمثالهم اهـ. وذكروا في فضل هذه الليلة أخباراً كثيرة، منها ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن علي كرم الله وجهه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر» تفسير : وما أخرجه الترمذي وابن أبـي شيبة والبيهقي وابن ماجه عن عائشة قالت: «حديث : فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فخرجت أطلبه فإذا هو بالبقيع رافعاً رأسه إلى السماء فقال يا عائشة: أكنت تخافين أن يحيف الله تعالى عليك ورسوله؟ قلت: ما بـي من ذلك ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب»تفسير : وما أخرجه أحمد بن حنبل في «المسند» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يطلع الله تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن وقاتل نفس»تفسير : . وذكر بعضهم فيها صلاة مخصوصة وأنها تعدل عشرين حجة مبرورة وصيام عشرين سنة مقبولاً، وروي في ذلك حديثاً طويلاً عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقد أخرجه البيهقي ثم قال: يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعاً وهو منكر وفي رواته مجهولون وأطال الوعاظ الكلام في هذه الليلة وذكر فضائلها وخواصها، وذكروا عدة أخبار في أن الآجال تنسخ فيها. وفي «الدر المنثور» طرف غير يسير من ذلك وسنذكر بعضاً منه إن شاء الله تعالى. وفي «البحر» ((قال الحافظ أبو بكر بن العربـي: لا يصح فيها شيء ولا نسخ الآجال فيها)) ولا يخلو من مجازفة والله تعالى أعلم. والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملة إلى السماء الدنيا من اللوح فالإنزال المنجم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أن المحل الذي أنزل فيه من تلك السماء البيت المعمور وهو مسامت للكعبة بحيث لو نزل لنزل عليها. وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال: نزل القرآن جملة على جبريل عليه السلام وكان جبريل عليه السلام يجيء به بعد إلى النبـي صلى الله عليه وسلم. وقال غير واحد: المراد ابتداء إنزاله في تلك الليلة على التجوز في الطرف أو النسبة واستشكل ذلك بأن / ابتداء السنة المحرم أو شهر ربيع الأول لأنه ولد فيه صلى الله عليه وسلم ومنه اعتبر التاريخ في حياته عليه الصلاة والسلام إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وهو الأصح، وقد كان الوحي إليه صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين سنة من مدة عمره عليه الصلاة والسلام على المشهور من عدة أقوال فكيف يكون ابتداء الإنزال في ليلة القدر من شهر رمضان أو في ليلة البراءة من شعبان؟ وأجيب بأن ابتداء الوحي كان مناماً في شهر ربيع الأول ولم يكن بإنزال شيء من القرآن والوحي يقظة مع الإنزال كان في يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وقيل لسبع منه، وقيل لأربع وعشرين ليلة منه، وأنت تعلم كثرة اختلاف الأقوال في هذا المقام فمن يقول بابتداء إنزاله في شهر يلتزم منها ما لا يأباه. واختلف في أول ما نزل منه، ففي «صحيح مسلم» أنه {أية : يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } تفسير : [المدثر: 1] وتعقبه النووي في «شرحه» فقال: ((إنه ضعيف بل باطل والصواب أن أول ما نزل على الإطلاق {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] كما صرح به في حديث عائشة، وأما {يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ } فكان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن أبـي سلمة عن جابر. وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة فبطلانه أظهر من أن يذكر)) اهـ والكلام في ذلك مستوفى في «الإتقان» فليرجع إليه من أراده. ووصف الليلة بالبركة لما أن إنزال القرآن مستتبع للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وفضيلة العبادة أو لما فيها من ذلك وتقدير الأرزاق وفصل الأقضية كالآجال وغيرها وإعطاء تمام الشفاعة له عليه الصلاة والسلام، وهذا بناء على أنها ليلة البراءة، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع إلا من شرد على الله تعالى شراد البعير. وأياً ما كان فقد قيل: إن التعليل إنما يحتاج إليه بناء على القول بما اختاره العز بن عبد السلام من أن الأمكنة والأزمنة كلها متساوية في حد ذاتها لا يفضل بعضها بعضاً إلا بما يقع فيها من الأعمال ونحوها، وزاد بعضهم أو يحل لتدخل البقعة التي ضمته صلى الله عليه وسلم فإنها أفضل البقاع الأرضية والسماوية حتى قيل وبه أقول إنها أفضل من العرش. والحق أنه لا يبعد أن يخص الله سبحانه بعضها بمزيد، تشريف حتى يصير ذلك داعياً إلى إقدام المكلف على الأعمال فيها أو لحكمة أخرى. وجملة {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } جواب القسم، وفي ذلك مبالغة نحو ما في قوله:شعر : وثناياك أنها إغريض تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } استئناف يبين المقتضي للإنزال. وقوله تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}. أبهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا، ولكنه بين أنها هي ليلة القدر في قوله تعالى{أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] وبين كونها (مباركة) المذكورة هنا في قوله تعالى {أية : لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}تفسير : [القدر: 3] إلى آخر السورة. فقوله {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي كثيرة البركات والخيرات. ولا شك أن ليلة هي خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها، في سورة القدر كثيرة البركات، والخيرات جداً. وقد بين تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، في قوله تعالى {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة: 185]. فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها دعوى باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح. ولا شك كل ما خالف الحق فهو باطل. والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنهم من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين. فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح، بلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} {مُّبَارَكَةٍ} (3) - أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِالقُرْآنِ المُبِينِ عَلَى أَنَّهُ بَدَأ إِنْزَالَ القُرْآنِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ، هِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - لِيَعْلَمَ النَّاسُ مَا يَنْفَعُهُمْ فَيَعْمَلُوا بِهِ، وَمَا يَضُرُّهُمْ لِيَجْتَنِبُوهُ، وَلِتَقُومَ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: مُنزِل، ومُنزَل، ومُنزَل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أنْ المنزِلَ هو الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يُشْعِر بعلُوّ المنزل. ثم الشيء المنزَل هو القرآن الكريم {أَنزَلْنَاهُ} [الدخان: 3] إلىَ مَنْ أنزل إلى الناس {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3] هي ليلة القدر يعني: زمنَ النزول العام للقرآن. وقال {فِي لَيْلَةٍ} [الدخان: 3] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لَغَطَ ولا ضوضاء ولا صَخَب يُمكن أنْ يُشوّش على المنزَل، كذلك يكون الإنسان ساكناً غيرَ منشغل الجوارح بشيء. إذن: في الليل يتوفر للعقل كُلُّ مُقوِّمات الانتباه والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} تفسير : [المزمل: 1-6]. إذن: نزل القرآن ليلاً لأنه أنسبُ وقت لنزوله، ونزل على قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، لذلك قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. البعض قال عن هذه الليلة: هي ليلة القدر لقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] وآخرون قالوا: بل هي ليلة النصف من شعبان، والمسألة هذه تحتاج منا إلى تمحيص لأنه نزل في واحدة منها. نقول: القرآن قبل أنْ ينزل ويباشر مهمته في الوجود كان في أيِّ مكان؟ كان في اللوح المحفوظ {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} تفسير : [الواقعة: 77-79] وقال: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الزخرف: 4]. فالنزول الأول للقرآن كان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لكن هل نزل ما سُجِّل في اللوح المحفوظ أو نسخة منه؟ قالوا: بل نسخة منه بعد استنساخه. ثم بعد ذلك نزل مُنجَّماً حسْب الأحوال والأحداث، نزل به الملَكُ جبريل على قلب سيدنا رسول الله، كل نَجْم منه في مناسبة. إذن: عندنا مراحل ثلاث لنزول القرآن: الأولى استنساخه من اللوح المحفوظ، وهذا له زمن، ثم نزوله جملةً واحدة إلى سماء الدنيا وله زمن، ثم نزوله مُنجماً حسْب الأحوال، وهذا النزول له زمن ممتدّ على مدى الأحداث استغرق عدة سنوات. ومن الممكن أنْ نجد في هذه المراحل الثلاث مخرجاً من إشكال: أهو في ليلة القدر أم في النصف من شعبان؟ ولا مانع من اشتراك الليلتين في هذا الفضل في أيِّ مرحلة من مراحله. ثم إن ليلة النصف من شعبان لها شرفها وكرامتها الخاصة بها، وهي مسألة تحويل القبلة التي هي متجه المسلمين جميعاً في كلِّ بقاع الأرض، ثم إن الاتجاه إلى بيت المقدس كان له زمن وله حكمة، ثم التحول إلى الكعبة كان أيضاً له زمن وله حكمة. فليستْ المقارنة هنا بين حَقٍّ وباطل، بل الفرق بين أمرين حكيمين، لكن هذا له زمن وهذا له زمن، لذلك الحق سبحانه لم يشأ أنْ يجعل تحويل القبلة في فرض من أوله، إنما في أثناء الفرض قسمه الأمر بالتحويل قسمين، فصلى نصف الصلاة الأولى إلى بيت المقدس، ونصفها الآخر إلى الكعبة. وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلّ على أن بيتَ المقدس داخلٌ في مقدسات المسلمين كالكعبة تماماً، وحادثة الإسراء من بيت المقدس تؤكد ذلك. إذن: شاء الله تعالى أنْ يكون متجه الصلاة مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى الكعبة لحكمة في كليهما. الأولى: أنْ يكون بيتُ المقدس من مقدَّسات المسلمين. الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أُلفة بقبلة إبراهيم عليه السلام. لذلك قال تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ..} تفسير : [البقرة: 144]. والصلاة فُرضَتْ على رسول الله بعد معراجه إلى السماء من بيت المقدس، والصلاة هذه بها متجه القبلة، فالقبلة لابدّ أنْ تأخذَ الاثنين مبدأ التشريعي ومبدأ الاستبقائي، وهذا جعله الله فتنةً للمسلمين ولغير المسلمين، لأن القِبْلَة لما كانت إلى بيت المقدس قالوا: ما الذي حوَّله عن قبلة إبراهيم إلى قبلة داود وسليمان، وقلنا: لكي تدخل في مقدسات الإسلام ولا يستبدوا بها. واليهود التقطوا هذه المسألة وجعلوها شبهة وقالوا: إذا كان محمد رافضاً لديننا فكيف يتبع قبلتنا؟ إذن: كانت فتنةً للطرفين لكي يلتزم الإنسانُ التوجيهات الإلهية بدون تدخُّل للعقل فيها. وقالوا في الليلة المباركة: إنها ليلة البراءة وليلة الصّك وليلة الرحمة، ليلة البراءة مأخوذة من البراءة التي كان يُعطيها العامل على الزكاة للمموِّل حين يعطيه حَقَّ الله في المال وهو الزكاة، فيعطيه العامل صَك البراءة الذي يدلّ على أدائه للزكاة وبراءة ذمته منها، والصَّك بنفس المعنى. وليلة الرحمة، قالوا: رحمة برسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، لأن نفسه كانت تتُوق للتوجُّه نحو قِبْلة إبراهيم. وقوله سبحانه: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3] بعد أنْ ذكر الإنزال ذكر الإنذار، فالإنزال للإنذار، لأن القاعدةَ الشرعية أنَّ درْءَ المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة فذكر (منذرين) قبل مبشِّرين. وسبق أنْ قلنا: هَبْ أن واحداً يرمي لك تفاحة، وفي ذات الوقت آخر يرميك بحجر، فبأيِّهما تنشغل؟ لا شكَّ أنك تحرص أولاً على دَفْع الحجر عنك وتُقدِّمه على استقبال التفاحة. كذلك الحال في هذا الأسلوب القرآني {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3] كلمة (كُنَّا) دلتْ على الماضي مع أن الإنذار مستمر ولا يزال، لأن الحق سبحانه لا يحكمه زمن معين، لأنه سبحانه خالق الزمن، وما دام الزمن من خَلْق الله فالمخلوق لا يتحكم في الخالق. فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أمَّا في حَقِّ الله تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلاً {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 50] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم. وقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] أي: في هذه الليلة {يُفْرَقُ} [الدخان: 4] بمعنى يُوضَّح ويُفصَّل ويُبيَّن، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله حكمة في زمنه. وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه (حكيم) لأنه أمر الله {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} [الدخان: 5] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر الذي يأتي من قِبَل الحق سبحانه {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5] يعني: لم نترك خَلْقنا هملاً إنما خلقناهم وأرسلْنا لهم مَنْ يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلُّهم على الهدى ويُبيِّن لهم. فالحقّ أول ما خلق الخَلْق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو أول البشر رسولاً، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ، لماذا؟ لأنه خلقه لعمارة الأرض {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ولا أقلَّ من أنْ نترك الصالح على صلاحه إذا لم نَزد في الصلاح. وقد أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم تَرْتَق به بأنْ تبني حوله سوراً وحافَّة تحميه من زَحْف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة لرفْع الماء، فلا أقلَّ من أنْ تتركه على حاله ولا تهدمه. كذلك حالُ الإنسان في عمارة الأرض عليه أنْ يُعمِلَ عقله في البدهيات ليصل منها إلى نظريات ترتقي بها حياته، عندنا مثلاً الصوف والوبر والشعر، لكلٍّ منها صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن {أية : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [النحل: 80]. ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ولكل نوع منها خصائصُ يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون. إذن: كلُّ ارتقاء في الكون أتى من أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض. لذلك عندما تتأمل أسلوبَ القرآن في مخاطبة الناس تجده يبدأ بأمور بسيطة بعيدة عن التعقيد الفكري، فيُحدِّثهم أولاً عن أصل المنهج وما به تستقيم حياتهم وتنسجم حركاتهم في الحياة، ويُحدِّث العقول بما يناسب ارتقاءها الفكري. فإذا ما نضج الفكر الإنساني وتمكّن المنهج في الناس سلوكاً وتطبيقاً بدأ يُحدِّثهم عن نظريات عقلية ويقول لهم: إن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس لأن العقول أصبح عندها استعداد للبحث والتقصِّي. انظر مثلاً إلى الطرق، وكيف كانت بدائية، مجرد مدقّ في الصحراء يسع البعير الواحد؟ وكيف تطورتْ الآن وما توفّر لها من أسباب الراحة والأمان والسرعة والسلامة وغيرها، إنه العقل حينما يعمل ليرتقي. ألم يتعلّم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى؟ ألم نتعلم من الكلاب ونستخدمها الآن رغم التطور العلمي في تقصِّي الأثر والتعرف على المجرمين باستخدام حاسة الشم؟ إذن: أخذنا الأمور الفطرية التي وهبها الله لنا وبنيْنَا عليها، وطوَّرناها لعمارة الأرض. وعمارة الأرض لا تقوم إلا إذا استقام المنهجُ أولاً، فهو أساس الارتقاء وأساس الإصلاح، لأن الخالق سبحانه لما خلق الخَلْق جعل له منهجاً يحكمه ويُنظم حركته في الحياة بافعل كذا ولا تفعل كذا. فإن استقام على منهج ربه وخالقه استقامتْ حياته، وإنْ شذَّ وانحرف ظهرتْ عورة المجتمع وبدَتْ مظاهر الفساد تدبْ في أوصاله. وسبق أنْ مثَّلنا ذلك (بالكتالوج) الذي يضعه الصانع لحماية صنعته وصيانتها، كذلك أنت إنْ سِرْتَ على منهج خالقك لا يصيبك عَطَبٌ أبداً. ومن هنا كانت مهمة الرسل، للبيان وللتذكير بالمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، حتى سيدنا آدم ماذا حدث له لما خالف المنهج؟ ربنا قال له: كل من الجنة كما شئت إلا هذه الشجرة فأكلا منها، ماذا حدث؟ لما خالف حدث له العطب، وظهرت عورته لمَّا أكل من الشجرة واضطر لما لم يعهده من قبل من خروج الريح والغائط واضطراب البطن، وهذه أمور لم يكن يشعر بها قبل المخالفة. وقوله سبحانه: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 5] يعني: مرسلين رسلاً إلى مَنِ استخلفناه في الأرض حتى تسْلَم حركةُ الحياة من العطب، وحتى يسلَمَ المجتمعُ من الشرور، ويتساند ولا يتعارض.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة عن أَبي عبد الرحمن السلمي قال: يفرق في ليلة القدر أَمر السنة إِلى مثلها من قابل [الآية: 3 ـ 4]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثناء ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: في ليلة القدر، يفرق كل أَمر يكون في السنة، إِلى مثلها من السنة الأُخرى. من المعاش والمصائب كلها إِلا الحياة والموت [الآية: 4].

همام الصنعاني

تفسير : 2801- حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}: [الآية: 3]، قَال هِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ. {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}: [الآية: 4]، فيها يُقْضَى ماى يكون مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ. 2802- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن محمد بن سوقة عَنْ عِكْرِمة، قال، سمعته يَقُول: يؤذن الناسُ في الحج ليلة القَدْرِ فَيُكْتَبُون بأسْمائِهِم، قال محمد: وأظنه قال: وأسماء آبائهم، لا يغادِرُ أحداً ممن كتب تلك الليلة، لا يزاد فِيهِم وَلاَ يَنْقَصُ مِنْهُم، ثم قرأ عِكْرِمة: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}: [الآية: 4].