٤٤ - ٱلدُّخَان
44 - Ad-Dukhan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
القرطبي
تفسير : قال ابن عباس: يُحْكم اللّهُ أمرَ الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق. وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيّران، قاله ابن عمر. قال المهدوي: ومعنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة ويُنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد. وروى عثمان بن المغيرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أية : تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج ٱسمه في الموتى»تفسير : . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلًى فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر» تفسير : ذكره الثعلبي. وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كَلْب»تفسير : . وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى: حديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحجاج بن أرْطاة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، وسمعت محمداً يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يَسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يَسمع من يحيى بن أبي كثير. قلت: وقد ذكر حديث عائشة مطولاً صاحب كتاب العروس، واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة النصف من شعبان، وأنها تسمى ليلة البراءة. وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع، وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيّناه. روى حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كُلْثوم قال: سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: أيْ والله الذي لا إلٰه إلا هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كلّ خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج؛ يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى. وهذه الإبانة لإحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق. وقد ذكرنا هذا المعنى آنفاً. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان؛ وهو باطل لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} تفسير : [البقرة: 185] فنصّ على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عيّن من زمانه الليل هاهنا بقوله: {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}؛ فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفِرْية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها. الزمخشِريّ: «وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر؛ فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف؛ ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو مَلَك عظيم؛ ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطي كل عامل بركات أعماله؛ فيلقي على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. وقرىء «نفرق» بالتشديد، و «يَفْرق» كلٌّ على بنائه للفاعل ونصب «كل»، والفارق الله عز وجل. وقرأ زيد بن عليّ رضي الله عنه «نفرق» بالنون. {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} كل شأن ذي حكمة؛ أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فِيهَا } أي في ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان {يُفْرَقُ } يفصل {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } محكم من الأرزاق والآجال وغيرهما التي تكون في السنة إلى مثل تلك الليلة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُفْرَقُ} يُقضى، أو يكتب "ع"، أو ينزل، أو يخرج {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة من السنة إلى السنة "ع"، أو كل ما يقضى من السنة إلى السنة إلا الحياة والموت وحكيم هنا: بمعنى محكم، وليلة القدر في رمضان باقية ما بقي الدهر ولا وجه لقول من قال رفعت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو جوز كونها في جمع السنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} معناه يُفْصَلُ من غيره وَيَتَخَلَّصُ، فعن عِكْرِمَةَ أَنَّ اللَّه تعالَىٰ يَفْصِلُ ذلك للملائكة في ليلة النصف من شعبان، وفي بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قال: «حديث : تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ، حَتَّىٰ إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ، وَلَقَدْ خَرَجَ ٱسْمُهُ في المَوْتَىٰ»تفسير : وقال قتادة، والحسن، ومجاهد: يُفْصَلُ في ليلة القدر كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ، من الأقدار، والأرزاقِ، والآجال، وغير ذلك، و{أمْراً} نُصِبَ على المصدر. وقوله: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} يحتمل أنْ يريدَ الرُّسُلَ والأَشْيَاءَ، ويحتمل أَنْ يريدَ الرحمة التي ذكر بَعْدُ، واختلف الناس في «الدخان» الذي أمر اللَّه تعالى بارتقابه، فقالت فرقة؛ منها عليٌّ، وابن عباس، وابن عمر، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو دُخَانٌ يجيء قَبْلَ يومِ القيامة، يُصِيبُ المؤمنَ منه مِثْلُ الزكام، ويَنْضَحُ رُؤُوسَ المنافِقِينَ والكافِرِينَ، حتى تكونَ كأنَّها مَصْلِيَّةٌ حنيذة، وقالت فرقة، منها ابن مسعود: هذا الدخان قد رأته قريشٌ حين دعا عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فكان الرجُلُ يَرَىٰ من الجُوع دُخَاناً بينه وبين السماء؛ وما يأتي من الآيات يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقولهم: {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} كان ذلك منهم مِنْ غَيْرِ حقيقةٍ، ثم قال تعالى: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: من أين لهم التَّذَكُّرُ وَالاتعاظُ بعد حُلُولِ العذاب؟ {وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم فـ{تَوَلَّوْاْ عَنْهُ}، أي: أعرضوا {وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ}. وقوله: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} أي: إلى الكفر، واختلف في يوم البَطْشَةِ الكُبْرَىٰ، فقالتْ فرقةٌ: هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود وغيره: هو يوم بدر.
السلمي
تفسير : قال ابن طاهر: يعطى كل عامل من بركات أعماله فيلقى على لسان الخلق مدحه وفى القلوب هيبته.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} يفصل فى تلك الليلة أمور الخلق من العرش الى الثرى ويجددها على العقول والارواح والقلوب على عيون الملائكة قضيات الاولية لادراك فهمومهم صورة المقدرات ويعطى كل ذى فضل فضل جزائه من القربات والمداناة ويوصل بركات جماله الى كل ذرة فى العالم فتحملها ببركاته حتى تلد فى اوان المواليد بنيات فماله واضحات أياته الا ترى كيف يُحمل الاشجار من نسائم اللواقح وتضع حملها فى الربيع فتهتز الارض بانواع الرياحين وذلك من بركة وعول شمال جماله اليها الا ترى كيف قال {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} قال ابن عطا يعطى كل عامل بركات اعماله فيلقى على لسان الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
اسماعيل حقي
تفسير : {فيها يفرق كل امر حكيم} اى يكتب ويفصل كل امر محكم ومتقن من ارزاق العباد وآجالهم وجميع امورهم الا السعادة والشقاوة من هذه الليلة الى الاخرى من السنة القابلة وقيل يبدأ فى انتساخ ذلك من اللوح فى ليلة البرآءة ويقع الفراغ فى ليلة القدر فتدفع نسخة الارزاق الى ميكائيل ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسف الى جبرائيل ونسخة الاعمال الى اسمعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب الى ملك الموت حتى ان الرجل ليمشى فى الاسواق وان الرجل لينكح ويولد له ولقد أدرج اسمه فى الموتى. كفته اند درميان فرشتكان فرشته حليم تر ورحيم تر ومهربان تر ازميكائيل نيست وفرشته مهيب ترو باسباست تراز جبرآئيل نيست درخبراست كه روزى هردو مناظره كردند جبرائيل كفت مرا عجب مى آيدكه يا اين همه بى حرمتى وجفا كارى بخلق رب العزة بهشت از بهرجه مى آفريد ميكائيل كفت مرا عجب مى آيدكه باآن همه فضل وكرم ورحمت كه الله را بربند كانست دوزخ را از بهرجه مى آفريداز حضرت عزت وجناب جبروت ندا آمدكه أحبكما الى احسنكما ظنا بى ازشما هر دوآنرا دوستتردارم كه بمن ظن نيكو ترمى برد يعنى ميكائيل كه رحمت بر غضب فضل مى نهد. وقد قال الله تعالى "حديث : ان رحمتى سبقت غضبى" تفسير : وكما ان فى هذه الليلة يفصل كل امر صادر بالحكمة من السماء فى السنة من اقسام الحوادث فى الخير والشر والمحن والمنن والمنصرة والهزيمة والخصب والقحط فكذا الحجب والجذب والوصل والفصل والوفاق والخلاف والتوفيق والخذلان والقبض والبسط والستر والنجلى فكم بين عبد نزل له الحكم والقضاء بالشقاء والبعد وآخر ينزل حكمه بالوفاء والرفد
اطفيش
تفسير : {فِيهَا} أي في الليلة المباركة يتعلق بيفرق {يُفْرَقُ} يبين ويوضح* {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي محكم وهو فعيل بمعنى مفعول من الرباعي أي متيقن لا يستطاع أن يطعن فيه وهو رزق وأجل ونصر وهزيمة وخصب وقحط وغير ذلك من أمور السنة في السموات والأرض وذلك الى الآن الا الوحي فقد انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك للملائكة فيجدونه موافقاً فيزدادون ايماناً {حَكِيمٍ} بمعنى ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة فجائز عقلى من اسناد ما للفاعل للمفعول جعل الزمخشرى {أية : إِنَّا كُنَّا مُنذِرينَ} تفسير : راجعاً لقوله {أية : إِنا أنزلناه} تفسير : كما مر وجعل فيها {يفرق كل أمر حكيم} {أية : في ليلة مباركة} تفسير : أي أنزلناه في هذه الليلة لانه أمر جليل وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم وهذه الليلة المباركة هى ليلة النصف من شعبان يفرق فيها كل أمر حكيم جميعاً عند عكرمة وابتداء عند أبي الضحى والكرمانى والزمخشرى وينتهي ليلة القدر ولذلك قيل فضل رجب في العشر الأوائل منه لا جل فضل أول ليلة منه وفضل شعبان في العشر الاوسط لا جل ليلة النصف وفضل رمضان في العشر الأخر منه لا جل ليلة القدر وشهر شعبان شهر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لان الله وملائكته يصلون الخ نزلت فيه قيل: فالصلاة عليه فيه أفضل منها في غيره واعترض بأنه يلزم ان كل عبادة نزلت في شهر يكون وقوعها فيه أفضل من ايقاعها في غيره وقيل معنى {يُفْرَقُ كُل أَمرٍ حَكِيمٍ} يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقي على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته وقيل قرئ (يفرق) بالتشديد و (يفرق) بالفتح في الياء وكلاهما مبني للفاعل وهو الله وينصب (كل) وقرأ زيد بن عليّ (نفرق) بالنون
الالوسي
تفسير : {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } استئناف أيضاً لبيان التخصيص بالليلة المباركة فكأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزاله في تلك الليلة المباركة لأنه من الأمور الدالة على الحكم البالغة وهي ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم ففي الكلام لف ونشر، واشتراط أن يكون كل منهما بجملتين مستقلتين مما لا داعي إليه. وقيل: إن جملة {فِيهَا يُفْرَقُ } الخ صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض لا يضر الفصل به بل لا يعد الفصل به فصلاً. وقيل إن قوله تعالى: {أية : إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } تفسير : [الدخان: 3] هو جواب القسم وما بينهما اعتراض وإليه ذهب ابن عطية زاعماً أنه لا يجوز جعل {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [الدخان: 3] جواباً له لما فيه من القسم بالشيء على نفسه. واعترض بأن قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } يكون حينئذ من تتمة الاعتراض فلا يحسن تأخره عن / المقسم عليه ولا يدفعه أن هذه الجملة مستأنفة لا صفة أخرى لأنه استئناف بياني متعلق بما قبل كما سمعت آنفاً فلا يليق الفصل أيضاً كما لا يخفى على من له ذوق سليم، وما ذكر من حديث القسم بالشيء على نفسه فقد أشرنا إلى جوابه. وقيل إن قوله سبحانه: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } جواب آخر للقسم وفيه تعدد المقسم عليه من غير عطف ولم نر من تعرض له. ومعنى يفرق ويفصل ويلخص. والحكيم بمعنى المحكم لأنه لا يبدل ولا يغير بعد إبرازه للملائكة عليهم السلام بخلافه قبله وهو في اللوح فإن الله تعالى يمحو منه ما يشاء ويثبت. وجوز أن يكون بمعنى المحكوم به ونسبته إلى الأمر عليها حقيقة، ويجوز أن يكون المعنى كل أمر ملتبس بالحكمة والأصل حكيم صاحبه فتجوز في النسبة، وقيل: إن حكيم للنسبة كتامر ولابن وقد أبهم سبحانه هذا الأمر. وأخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في ذلك: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر حتى يكتب الحاج يحج فلان ويحج فلان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ربيعة بن كلثوم قال: كنت عند الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد ليلة القدر في كل رمضان هي؟ قال: إي والله إنها لفي كل رمضان وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم فيها يقضي الله تعالى كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها، وروي هذا التعميم عن غير واحد من السلف. وأخرج البيهقي عن أبـي الجوزاء {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } هي ليلة القدر يجاء بالديوان الأعظم السنة إلى السنة فيغفر الله تعالى شأنه لمن يشاء ألا ترى أنه عز وجل قال: {أية : رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } تفسير : [الدخان: 6] وفيه بحث، وإلى مثل ذلك التعميم ذهب بعض من قال: إن الليلة المباركة هي ليلة البراءة، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طريق محمد بن سوقة عن عكرمة أنه قال في الآية: في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد. وفي كثير من الأخبار الاقتصار على قطع الآجال، أخرج ابن جرير والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الزهري عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخفش قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى»تفسير : ، وأخرج الدينوري في «المجالسة» عن راشد بن سعد أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في ليلة النصف من شعبان يوحي الله تعالى إلى ملك الموت بقبض كل نفس يريد قبضها في تلك السنة»تفسير : ونحوه كثير. وقيل: يبدأ في استنساخ كل أمر حكيم من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل عليه السلام ونسخة الحروب إلى جبرائيل عليه السلام وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال إلى إسماعيل عليه السلام صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تقضى الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان وتسلم إلى أربابها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. واعترض بما ذكر على الاستدلال بالظواهر على أن الليلة المذكورة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان ومن تدبر علم أنه لا يخدش الظواهر. نعم حكي عن عكرمة أن ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر ويلزمه تأويل ما يأبـى ظاهره ذلك فتدبر. وسيأتي إن شاء الله عز وجل الكلام في هذا المقام مستوفى على أتم وجه في تفسير سورة القدر وهو سبحانه الموفق. وقرأ الحسن والأعرج والأعمش {يفرق} بفتح الياء وضم الراء {كل} بالنصب أي يفرق الله تعالى، وقرأ / زيد بن علي فيما ذكر الزمخشري عنه {نفرق} بالنون {كل} بالنصب وفيما ذكر أبو علي الأهوازي عنه بفتح الياء وكسر الراء ونصب {كل} ورفع {حكيم} على أنه الفاعل بيفرق، وقرأ الحسن وزائدة عن الأعمش {يفرق} بالتشديد وصيغة المفعول وهو للتكثير. وفيه رد على قول بعض اللغويين كالحريري أن الفرق مختص بالمعاني والتفريق بالأجسام.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ}. معنى قوله يفرق، أي يفصل ويبين، ويكتب في الليلة المباركة، التي هي ليلة القدر، كل أمر حكيم، أي ذي حكمة بالغة لأن كل ما يفعله الله، مشتمل على أنواع الحكم الباهرة: وقال بعضهم: حكيم، أي محكم، ولا تغيير فيه، ولا تبديل. وكلا الأمرين حق لأن ما سبق في علم الله، لا يتغير ولا يتبدل، ولأن جميع أفعاله في غاية الحكمة. وهي في الاصطلاح وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها. وإيضاح معنى الآية أن الله تبارك وتعالى في كل ليلة قدر من السنة يبين للملائكة ويكتب لهم، بالتفصيل والإيضاح جميع ما يقع في تلك السنة، إلى ليلة القدر من السنة الجديدة. فتبين في ذلك الآجال والأرزاق والفقر والغنى، والخصب والجدب والصحة والمرض، والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائناً ما كان. قال الزمخشري في الكشاف: ومعنى يفرق: يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم فيها، إلى الأخرى القابلة إلى أن قال: فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل، والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت ا هـ محل الغرض منه بلفظه. ومرادنا بيان معنى الآية، لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة المذكورين، لأنا لم نعلم له مستنداً. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، يدل أيضاً على أن الليلة المباركة هي ليلة القدر فهو بيان قرآني آخر. وإيضاح ذلك أن معنى قوله{أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] أي في ليلة التقدير لجميع أمور السنة، من رزق وموت، وحياة وولادة ومرض، وصحة وخصب وجدب، وغير ذلك من جميع أمور السنة. قال بعضهم: حتى إن الرجل لينكح ويتصرف في أموره ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى في تلك السنة. وعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر، فالتقدير المذكور هو بعينه المراد بقوله {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}[الدخان: 4]. وقد قدمنا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأنبياء: 87] أن قدر بفتح الدال مخففاً يقدر ويقدر بالكسر والضم كيضرب وينصر قدراً بمعنى قدر تقديراً، وأن ثعلباً أنشد لذلك قول الشاعر: شعر : فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبداً ما أورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر تفسير : وبينا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر، لأن الله يقدر فيها وقائع السنة. وبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وأوضحنا هناك أن القدر بفتح الدال والقدر بسكونها هما ما يقدره الله من قضائه: ومنه قول هدبة بن الخشرم: شعر : ألا يا لقومي للنوائب والقدر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري تفسير : واعلم أن قول من قال: إنما سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من الليالي من قولهم: فلان ذو قدر أي ذو شرف ومكانة رفيعة لا ينافي القول الأول لاتصافها بالأمرين معاً، وصحة وصفها بكل منهما كما أوضحنا مثله مراراً. واختلف العلماء في إعراب قوله {أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ}، قال بعضهم: هو مصدر منكر في موضع الحال، أي أنزلناه في حال كوننا آمرين به. وممن قال بهذا الأخفش. وقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من قوله (أنزلناه) وجعل (أمراً) بمعنى: إنزالاً. وممن قال به المبرد. وقال بعضهم هو ما ناب عن المطلق من يفرق، فجعل (أمراً) بمعنى فرقاً أو فرق بمعنى أمراً. وممن قال بهذا الفراء والزجاج. وقال بعضهم هو حال من (أمر) أي (يفرق فيها بين كل أمر حكيم). في حال كونه أمراً من عندنا، وهذا الوجه جيد ظاهر، وإنما ساغ إتيان الحال من النكرة وهي متأخرة عنها لأن النكرة التي هي (أمر) وصفت بقوله (حكيم) كما لا يخفى. وقال بعضهم {أمراً} مفعول به لقوله (منذرين) وقيل غير ذلك. واختار الزمخشري: أنه منصوب بالاختصاص، فقال: جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم ثم زاده جزالة وأكسبه فخامة، بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، كائناً من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا وهذا الوجه أيضاً ممكن، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى{أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا}تفسير : [الكهف: 65] الآية. وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}تفسير : [فاطر: 2].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4- فى هذه الليلة المباركة يُفَصَّل ويُبيَّن كل أمر محكم، والقرآن رأس الحكمة، والفيصل بين الحق والباطل، ولذا كان إنزاله فيها. 5- أعنى بهذا الأمر أمراً عظيماً صادراً من عندنا كما اقتضاه تدبيرنا، لأن من شأننا إرسال الرسل بالكتب لتبليغ العباد. 6- لأجل رحمة ربك بعباده أرسل رسله للناس يبلغونهم هَدْيه، لأنه - وحده - السميع لكل مسموع، المحيط علماً بكل معلوم. 7- هو خالق السموات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين بالحق، مذعنين له، مؤمنين بأنه المنزل للقرآن رحمة وهداية. 8- لا إله يستحق العبادة سواه، هو - وحده يحيى ويميت، وهو - وحده - خالقكم وخالق آبائكم الأولين. 9- بل الكفار فى شك من هذا الحق، يتبعون أهواءهم، وذلك شأن اللاهين اللاعبين، لا شأن أهل العلم واليقين. 10- فانتظر - أيها الرسول - حينما ينزل بهم القحط، فيصابون بالهزال وضعف البصر، فيرى الرجل بين السماء والأرض دخاناً واضحاً بحيث يسمع أطاه ولا يراه!.
د. أسعد حومد
تفسير : (4) - وَفِي لَيْلَةِ القَدْرِ بَدَأ سُبْحَانَهُ يُبَيِّنُ لِعِبَادِهِ مَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ أُمُورٍ مُحْكَمَةٍ لاَ تَغْيِيرَ فِيهَا وَلاَ تَبْدِيلَ.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليه السّلامُ في قولهِ تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} معناه يَقضي ويُدبِّرُ في الليلةِ المباركةِ وهي ليلةُ القَدرِ يَقضي فيها أمرَ السَّنةِ من الأَرزاقِ وغيرِ ذلك إلى مثلِها من السَّنةِ الأَخرى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):