٤٤ - ٱلدُّخَان
44 - Ad-Dukhan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } {كَمْ} للتكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في «الشعراء» مستوفى. {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } النَّعْمة (بالفتح): التنعيم، يقال: نعّمه الله وناعَمَه فتنعّم. وٱمرأة مُنَعَّمة ومُنَاعَمَة، بمعنًى. والنِّعمة (بالكسر): اليد والصنِيعة والمِنّة وما أُنعِم به عليك. وكذلك النُّعْمى. فإن فتحت النون مددت وقلت: النَّعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي واسع المال؛ جميعه عن الجوهريّ. وقال ابن عمر: المراد بالنعمة نيل مصر. ابن لهِيعة: الفيوم. ابن زياد: أرض مصر لكثرة خيرها. وقيل: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال: نَعْمَة ونِعْمَة (بفتح النون وكسرها)، حكاه الماورديّ. قال: وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما ـ أنها بكسر النون في المِلْك، وبفتحها في البَدَن والدين، قاله النَّضْر بن شُمَيل. الثاني ـ أنها بالكسر من المِنّة وهو الإفضال والعطيّة، وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة؛ قاله ابن زياد. قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة «فَكِهِينَ» بغير ألف، ومعناه أشِرِين بَطِرين. قال الجوهري: فَكِه الرجل (بالكسر) فهو فَكِه إذا كان طيِّب النفس مَزَّاحاً. والفِكه أيضاً الأشِر البطِر. وقرىء «وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ» أي أَشِرين بطِرين. و «فَاكِهِينَ» أي ناعمين. القشيري: «فَاكِهِينَ» لاهين مازحين، يقال: إنه لفاكه أي مَزَّاح. وفيه فكاهة أي مزح. الثعلبيّ: وهما لغتان كالحاذر والحَذِر، والفارِه والفَرِه. وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة. والفاكهة: فضلٌ عن القوت الذي لا بدّ منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٍ } بَساتين {وَعُيُونٍ } تجري.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَعُيُونٍ} من الماء عند الجمهور، أو من الذهب عند ابن جبير.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ} «كم» للتكثير، أي: كَمْ تَرَكَ هؤلاءِ المُغْتَرُّونَ من كثرة الجنَّات والعيونِ، فَرُوِيَ أَنَّ الجناتِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً ضِفَّتَيِ النيلِ جميعاً من رشيد إلى أُسْوَانَ، وأَمَّا العيونُ فيحتملُ أَنَّه أراد الخُلْجَانَ، فشبهها بالعيون، ويحتمل أَنَّها كانت ونَضِبَتْ، ذكر الطُّرْطُوشِيُّ في «سِرَاجِ الملوك» له، قال: قال أبو عبد اللَّه بن حَمْدُونَ: كنت مع المُتَوَكِّلِ لما خرج إلى دمشقَ، فركِبَ يوماً إلَىٰ رُصَافَةِ هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قُصُورِها، ثم خرج، فنظر إلى دَيْرٍ هناك قديمٍ حَسَنِ البناءِ بين مزارعَ وأشجارٍ، فدخله، فبينما هو يطوفُ به إذ بَصُرَ برُقْعَةٍ قد أُلْصِقَتْ في صدره؛ فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوبٌ هذه الأبياتُ: [الطويل] شعر : أَيَا مَنْزِلاً بالدَّيْرِ أَصْبَحَ خَالِياً تَلاَعَبُ فِيهِ شَمْأَلٌ وَدَبُورُ كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بِيضٌ أَوانِسٌ وَلَمْ تَتَبَخْتَرْ في قِبَابِكَ حُورُ وَأَبْنَاءُ أَمْلاَكٍ غَوَاشِمُ سَادَةٌ صَغِيرُهُمُو عِنْدَ الأَنَامِ كَبِيرُ إذَا لَبِسُوا أَدْرَاعَهُمْ فَعَوَابِس وَإنْ لَبِسُوا تِيجَانَهُمْ فَبُدُورُ عَلَىٰ أَنَّهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ ضَرَاغِمٌ وَأَنَّهُمُو يَوْمَ النَّوَالِ بُحُورُ لَيَالِي هِشَامٌ بالرُّصَافَةِ قَاطِنٌ وَفِيكَ ٱبْنُهُ يَا دَيْرُ وَهْوَ أَمِيرُ إذِ الْعَيْشُ غَضٌّ وَالخِلاَفَةُ لَذَّةٌ وَأَنْتَ طَرُوبٌ وَالزَّمَانُ غَرِيرُ وَرَوْضُكَ مُرْتَادٌ وَنَوْرُكَ مُزْهِرٌ وَعَيْشُ بَنِي مَرْوَانَ فِيكَ نَضِيرُ بَلَىٰ فَسَقَاكَ الْغَيْثُ صَوْبَ سَحَائِب عَلَيْكَ لَهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ بُكُورُ تَذَكَّرْتُ قَوْمِي فِيكُمَا فَبَكَيْتُهُمْ بِشَجْوٍ وَمِثْلِي بِالْبُكَاءِ جَدِيرُ فَعَزَّيْتُ نَفْسِي وَهْيَ نَفْسٌ إذَا جَرَىٰ لَهَا ذِكْرُ قَوْمِي ـــ أَنَّةٌ وَزَفِيرُ لَعَلَّ زَمَاناً جَارَ يَوْماً عَلَيْهِمُو لَهُمْ بِالَّذِي تَهْوَى النُّفُوسُ ـــ يَدُورُ فَيَفْرَحَ مَحْزُونٌ وَيَنْعَمَ بَائِسٌ وَيُطْلَقَ مِنْ ضِيقِ الوَثَاقِ أَسِيرُ رُوَيْدَكَ إنَّ الدَّهْرَ يَتْبَعُهُ غَدٌ وَإنَّ صُرُوفَ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ تفسير : فلما قرأها المتوكِّل، ٱرتاع، ثم دعا صاحب الدَّيْرِ، فسأله عَمَّن كتبها، فقال: لا عِلْمَ لي به، وانصرف، انتهى، وفي هذا وشبهه عِبْرَة لأولِي البصائر المستَيْقِظِينَ،، اللهم، لا تجعلْنَا مِمَّنْ ٱغْتَرَّ بزَخَارِفِ هذه الدارِ!!. [من الطويل] شعر : أَلاَ إنَّما الدُّنْيَا كَأَحْلاَمِ نَائِم وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ تفسير : وقرأ جمهور الناس: «ومَقَامٍ» ـــ بفتح الميم ـــ؛ قال ابن عباس وغيره: أراد المنابر. وعلى قراءة ضم الميم قال قتادة: أراد: المواضِعَ الحِسَانَ من المساكِنِ وغيرِهَا، والقولُ بالمنابرِ بعيدٌ جدًّا، و«النَّعْمَةُ» ـــ بفتح النون ـــ: غَضَارَةُ العيشِ ولَذَاذَةُ الحياة، «والنِّعْمَةُ» ـــ بكسر النون ـــ: أَعَمُّ من هذا كُلُّه، وقد تكون الأمراضُ والمصائبُ نِعَماً، ولا يقال فيها: «نَعْمَةٌ»ـــ بالفتح ـــ، وقرأ الجمهور: «فاكهين» ومعناه: فَرِحينَ مسرورين {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ} أي: بعد القِبْطِ، وقال قتادة: هم بنو إسرائيل، وفيه ضعف، وقد ذكر الثعلبيُّ عن الحَسَنِ؛ أَنَّ بني إسرائيل رَجَعُوا إلَىٰ مِصْرَ بعد هلاك فِرْعَوْنَ، واختلف المتأوِّلُون في معنى قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ}، فقال ابن عباس وغيره: وذلك أَنَّ الرجُلَ المؤمنَ إذا مَاتَ، بَكَىٰ عليه من الأرض موضِعُ عباداتِهِ أربعين صَبَاحاً، وبَكَىٰ عليه من السماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عمله، قالوا: ولم يكن في قوم فرعونَ مَنْ هذه حَالُهُ، فَتَبْكِي عليهمُ السماءُ والأَرْضُ، قال * ع *: والمعنى الجَيِّدُ في الآية: أَنَّها استعارةٌ فصيحةٌ تَتَضمَّن تحقير أمرهم، وأَنَّه لم يتغير لأجل هلاكهم شيء، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ» تفسير : ، وفي الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ، إلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والأَرْضُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآية، وَقَالَ: إنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَىٰ كَافِرٍ»تفسير : قال الداووديُّ. وعن مجاهد: ما مات مؤمنٌ إلاَّ بكَتْ عليه السماءُ والأرضُ، وقال: أفي هذا عجبٌ؟! وما للأرضِ لا تَبْكِي عَلَىٰ عبدٍ كانَ يَعْمُرُها بالرُّكُوعِ والسجودِ، وما للسماء لا تَبْكِي علَىٰ عبدٍ كان لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ فيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟! انتهى. وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا الأوْزاعيُّ قال: حدَّثني عطاءٌ الخُرَاسَانِيُّ، قال: مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد للَّهِ سَجْدَةً في بُقْعَةٍ من بِقَاعِ الأرضِ، إلاَّ شَهِدَتْ له يَوْمَ القيامةِ، وبَكَتْ عليه يَوْمَ يَمُوتُ، انتهى، وروى ابن المبارك أَيْضاً عن أبي عُبَيْدٍ صاحبِ سليمانَ «أَنَّ العبد المؤمن إذا مات تنادَتْ بِقَاعُ الأرضِ: عَبْدُ اللَّهِ المُؤْمِنُ مَاتَ قَالَ: فَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، فيقولُ الرحْمٰنُ تبارَكَ وَتعالَىٰ: مَا يُبْكِيكُمَا عَلَىٰ عَبْدِي؟ فَيَقُولاَنِ: يَا رَبَّنَا، لَمْ يَمْشِ عَلَىٰ نَاحِيَةٍ مِنَّا قَطُّ إلاَّ وَهُوَ يَذْكُرُكَ» اهـــ. و{مُنظَرِينَ} أي: مُؤَخَّرِينَ {ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: هو ذبح الأبناءِ، والتَّسْخِيرُ، وغيْرُ ذلك. وقوله: {عَلَىٰ عِلْمٍ} أي: على شَيْءٍ قد سَبَقَ عندنا فِيهِمْ، وثَبَتَ في علمنا أَنَّه سَيَنْفُذُ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: على علمٍ لهم وفضائلَ فيهم على العالمين، أي: عَالِمِي زمانهم؛ بدليل أَنَّ أُمَّةَ محمد خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس {وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلأَيَـٰتِ}: لفظ جامع لما أجرى اللَّه من الآيات على يدي موسى، ولما أنعم به على بني إسرائيل، والبلاء في هذا الموضع: الاختبارُ والاِمتحانُ؛ كما قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء:35]، و{مُبِينٌ} بمعنى: بَيِّنٌ ثم ذَكَرَ تعالَىٰ قريشاً على جهة الإنكار لقولهم وإنكارهم للبَعْثِ، فقال: {إِنَّ هَـؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِىَ } أي: ما هي {إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي: بمبعوثين، وقولُ قُرَيْشٍ: {فَأْتُواْ بِـئَابَائِنَا} مُخَاطَبَةٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم طلبوا منه أَنْ يُحْيَي اللَّهُ لَهُمْ بَعْضَ آبائِهِمْ، وَسَمَّوْا له قُصَيًّا وغيره، كي يسألوهم عَمَّا رأَوْا في آخرَتهم.
البقاعي
تفسير : ولما أرشد السياق ولا بد إلى تقدير: فأسرى موسى بعباد الله كما أمره الله فتعبهم آل فرعون كما أخبر سبحانه، ففتح الله البحر بباهر قدرته وأمسك ماءه كالجدران بقاهر عظمته وتركه بعد طلوعهم منه على حالته فتبعهم عباد الشيطان بما فاض عليهم من شقاوته فأغرقهم الله بعزته لم يفلت منهم أحد، عبر سبحانه عن هذا كله بقوله على طريق الاستئناف: {كم تركوا} أي الذي سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا {من جنات} أي بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار والنبات وحسنها الذي يسر المهموم ويستر الهموم، ودل على كرم الأرض بقوله: {وعيون وزروع} أي مما هو دون الأشجار. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بمنازل ومناظر في الجنان وغيرها فقال: {ومقام كريم *} أي مجلس شريف هو أهل لأن يقيم الإنسان فيه، لأن النهاية فيما يرضيه. ولما كان ذلك قد يكون بتعب صاحبة فيه، دل على أنه كان بكد غيرهم وهم في غاية الترف، وهذا هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى أداهم إلى الغرق قال: {ونعمة} هي بفتح النون اسم للتنعم بمعنى الترفه والعيش اللين الرغد، وأما التي بالكسر فهي الإنعام {كانوا فيها} أي دائماً {فاكهين *} أي فعلهم في عيشهم فعل المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة نفسه. ولما كان هذا أمراً عظيماً لا يكاد يصدق أن يكون لأحد، دل على عظمه وحصوله لهم بقوله: {كذلك} أي الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه، فلا يغترن أحد بما ابتليناه به من النعم لئلا يصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم. ولما أفهم سوق الكلام هكذا إغراقهم كلهم، زاده إيضاحاً بالتعبير بالإرث الذي حقيقته الأخذ عن الميت أخذاً لا منازع فيه فقال عاطفاً على ما تقدم تقديره بعد اسم الإشارة: {وأورثناها} أي تلك الأمور العظيمة {قوماً} أي ناساً ذوي قوة في في القيام على ما يحاولونه، وحقق أنهم غيرهم تحقيقاً لإغراقه بقوله: {آخرين *} قال ابن برجان، وقال في سورة الظلمة: "وعيون وكنوز" مكان "وزروع" لما كان المعهود من الزرع الحصد في أقرب المدة أورث زروعها وجناتها وما فيها من مقام كريم قوماً بآل فرعون فإنهم أهلكوا ولا بني إسرائيل فإنهم قد عبروا البحر، ولما توطد ملكهم في الأرض المقدسة اتصل بمصر، فورثوا الأرض بكنوزها وأموالها ونعمتها ومقامها الكريم - انتهى. ولما كان الإهلاك يوجب أسفاً على المهلكين ولو من بعض الناس ولا سيما إذا كانوا جمعاً فكيف إذا كانوا أهل مملكة ولا سيما إذا كانوا في نهاية الرئاسة، أخبر بأنهم كانوا لهوانهم عنده سبحانه وتعالى على خلاف ذلك، فسبب عما مضى قوله: {فما بكت عليهم} استعارة لعدم الاكتراث لهم لهوانهم {السماء والأرض} وإذا لم يبك السكن فما ظنك بالساكن الذي هو بعضه، روى أبو يعلى في مسنده والترمذي في جامعه - وقال: غريب والربذي والرقاشي يضعفان في الحديث - عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : ما من مسلم إلا وله في السماء بابان، باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليهتفسير : وتلا هذه الآية، وقال علي رضي الله عنه: إن المؤمن إذا مات بكى مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. ولما جرت العادة بأن العدو قد يستمهله عدوه في بعض الأوقات لمثل وصية وقضاء حاجة فيمهله، أخبر تتميماً لعدم الاكتراث بهم أنهم كانوا دون ذلك فقال: {وما كانوا} ولما كان هذا لكونه خيراً عنهم بعد مضيهم المقصود منه تحذير من بعدهم فقط، لم يذكر التقييد بذلك الوقت بإذن ونحوها دلالة على أن ما كانوا فيه من طويل الإمهال كان كأنه لم يكن لعظم هذا الأخذ بخلاف ما مر في في الحجر من التخويف من إنزال الملائكة عليهم، فإن تقييد عدم الإنظار بذلك الوقت لرد السامعين عن طلب إنزالهم فقال تعالى: {منظرين *} أي ممهلين عما أنزلنا بهم من المصيبة من ممهل ما لحظه فما فوقها ليتداركوا بعض ما فرطوا فيه وينظروا في شيء مما يهمهم بل كان أخذهم لسهولته علينا في أسرع من اللمح، لم يقدروا على دفاع، فنالهم عذاب الدنيا وصاروا إلى عذاب الآخرة فخسروا الدارين وما ضروا غير أنفسهم. ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمراً باهراً لا يكاد يصدق فضلاً عن أن يكون بإهلاك أعدائهم، أكد سبحانه الإخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من العظمة تنبيهاً على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالاً وأنهم في قبضتهم فقال: {ولقد نجينا} أي بما لنا من العظمة "تنجية عظيمة" مع كونها بسبب الآيات المتفرقات كانت على التدريج {بني إسرائيل} عبدنا المخلص لنا {من العذاب المهين *} بسبب أنهم كانوا عندهم في عداد العبيد يتسخدمون الرجال والنساء بل أذل للزيادة على التصرف العبيد بالتذبيح للأبناء. ولما تشوف السامع إلى صاحب ذلك العذاب قال مبدلاً مما قبله إفهاماً لأن فرعون نفسه كان عذاباً لإفراطه في أذاهم: {من فرعون} ثم علل ذلك بما يعرف منه صحة الوصف للعذاب فقال مؤكداً لأن حال قريش في استذلال المؤمنين حل من يكذب بأن الله أنجى بني إسرائيل على ضعفهم فهو ينجي غيرهم من الضعفاء أو يكذب أن فرعون كان قوياً {إنه كان عالياً} في جبلته العراقة في العلو {من المسرفين *} أي العريقين في مجاوزة الحدود.
اسماعيل حقي
تفسير : {كم تركوا} اى كثيرا تركوا فى مصر فكم فى محل النصب على انه مفعول تركوا ومن فى قوله {من جنات} بيان لابهامه اى بساتين كثيرة الاشجار وكانت متصلة من رشيد الى أسوان وقدر المسافة بينهما اكثر من عشرين يوما وفى الآية اختصار والمعنى فعل ما امر به بأن ترك البحر رهوا فدخله فرعون وقومه فاغرقوا وتركوا بساتين كثيرة {وعيون} نابعة بالماء وبالفارسية جشمهاى آب روان. ولعل المراد الانهار الجارية المتشعبة من النيل اذ ليس فى مصر آبار وعيون كما قال بعضهم فى ذمها هى بين بحر رطب عفن كثير البخارات الرديئة التى تولد الادواء وتفسد الغذاء وبين جبل وبر يابس صلد ولشدة يبسه لا تنبت فيه خضراء ولا تنفجر فيه عين ماء انتهى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كم تركوا من جناتٍ وعُيون} أي: كثيراً ما ترك فرعون وجنوده بمصر من بساتين. رُوي أنها كانت متصلة بضفتي النيل جميعاً، من رشيد إلى أسوان، {وعُيون} يحتمل أن يريد الخلجان، شَبَّهها بالعيون، أو كانت ثَمَّ عيون وانقضت، {وزُروعٍ} أي: مزارع، {ومَقام كريم} محافل مُزينة، ومنازل مُحسَّنة، وسمّاه كريماً؛ لأنه مجلس الملوك، وقيل: المنابر، {ونَعْمةٍ} أي: بسطة ولذاذة عيش وتنعُّم، {كانوا فيها فاكِهين} أي: متنعّمين فرحين مسرورين. وفي المشارق: النعمة - بالفتح التنعُّم، وبالكسر: اسم ما أنعم الله به على عباده، قال ابن عطية: النعمة - بالفتح: غضاوة العيش، ولذاذة الحياة، والنعمة - بالكسر: أعم من هذا كله، وقد تكون الأمراض والمصائب نِعماً، ولا يقال فيها نعمة بالفتح. هـ فانظره. {كذلك} أي: الأمر كذلك، فالكاف في محل الرفع، على أنه خبر عن مضمر، أو نصب على أنه مصدر لمحذوف يدل عليه: {تركوا} أي: مثل ذلك السلب سلبناهم إياها، {وأورثناها قوماً آخرين} ليسوا منهم في شيء في قرابة ولا دين، ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، بأن تولُّوا أحكامها والتصرُّف فيها. وقال الحسن: رجعوا بعد هلاك فرعون إلى مصر، نظيره: {أية : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفَونَ...}تفسير : [الأعراف: 137] الآية، ومثله عن القرطبي والبيضاوي، وكذلك في نوادر الأصول، وقد تقدّم الكلام عليه في الشعراء. وفي الآية اعتبار واستبصار، وتنبيه للعاقل على عدم الاغترار، وسيأتي في الإشارة ما فيه كفاية نظماً ونثراً. {فما بَكَتْ عليهم السماءُ والأرض} مجاز عن الاكتراث بهلاكهم، والاعتداد بوجودهم، وفيه تهكُّم بهم، وبحالهم المنافية، بحال مَن يعظم فقده، فيقال: {بكت عليهم السماء والأرض} وكانت العرب إذا عظَّمت مهلك رجل قالوا: بكته الريحُ والبرقُ والسماء، قال الشاعر: شعر : الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَها والبَرْقُ يَلْمعُ فِي الغمامَهْ تفسير : وقال جرير، يرثي عمر بن عبد العزيز: شعر : فالشَّمسُ طالِعةٌ ليستْ بكاسفةٍ تَبكي عليك نُجُومَ اللَّيل والْقَمَرَا حُمّلْتَ أمراً عظيماً فاصطَبرَتْ له وقُمْتَ فينا بأمر اللّهِ يَا عُمَرا تفسير : وقيل: البكاء حقيقة، وأن المؤمن تبكي عليه من الأرض مُصلاَّه، ومحل عبادته، ومن السماء مَصْعدُ عمله، كما في الحديث، وإذا مات العالم بكت عليه حيتان البحر، ودوابه، وهَوام البر وأنعامه، والطير في الهواء، وهؤلاء لمَّا ماتوا كُفاراً لم يعبأ الوجودُ بفقدهم، بل يفرح بهلاكهم، {وما كانوا} لّمَّا جاء وقت هلاكهم {مُنظّرين} ممهلين إلى وقت آخر، أو إلى الآخر، بل عجّل لهم في الدنيا. {ولقد نجينا بني إِسرائيلَ} لما فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا {من العذاب المهين} من استعباد فرعون إياهم، وقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، {من فرعون} بدل من العذاب المهين بإعادة الجار، كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، أو خبر عن مضمر، أي: ذلك من فرعون، وقُرئ "مَن فرعون" على معنى: هل تعرفونه مَن هو في عتوه وتفرعنه؟ وفي إبهام أمره أولاً، وتبيينه بقوله تعالى: {إِنه كان عالياً من المسرفين} ثانياً، من الإفصاح عن كُنه أمره في الشر والفساد مما لا مزيد عليه وقوله تعالى: {من المسرفين} إما خبر ثان، أي: كان متكبراً مسرفاً، أو حال من الضمير في "عالياً" أي: كان رفيع الطبقة من بين المسرفين، فائقاً لهم، بليغاً في الإسراف. {ولقد اخترناهم} أي: بني إسرائيل {على عِلْمٍ} أي: عالِمين بأنهم أحقاء بالاختيار، أو عالِمين بأنهم يزيغون في بعض الأوقات، ويكثر منهم الفرطات، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا، ليعلم أن الجنايات لا تؤثر في الرعايات، {على العالَمين} أي: عالمي زمانهم، لما كثر فيهم من الأنبياء، {وآتيناهم من الآيات} كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من عظائم الآيات، {ما فيه بلاء مبين} نعمة ظاهرة، أو: اختبار ظاهر، لينظر كيف يعملون، وقيل: البلاء المبين هو المطالبة بالشكر عند الرضا، والصبر عند الكدر والعناء. الإشارة: كم ترك أهلُ الغفلة والاغترار، من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، من قصور وديار، فارقوها، أخصب ما كانوا فيها، وأُزعجوا عنها أحوج ما كانوا إليها، استبدلوا سعة القصور بضيق اللحود والقبور، ومحاسن الملابس والتيجان بعصائب الخِّرق والأكفان، فيا مَن ركن إلى الدنيا، انظر كيف تفعل بأهلها، فرحم الله عبداً أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، وتزوّد للرحيل، وتأهّب للمسير. ذكر الطرطوسي في كتابه "سراج الملوك": قال أبو عبد الله بن حمدون: كنتُ مع المتوكل، لما خرج إلى دمشق، فركب يوماً إلى رصافة "هشام بن عبد الملك" فنظر إلى قصورها خاوية، ثم خرج فنظر إلى دير هناك قديم، حسن البناء، بين مزارع وأشجار، فدخله، فبينما هو يطوف به، إذ بَصُر برقعة قد التصقت بصدره، فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات. شعر : أَيا مَنْزلاً بالدّيْرِ أَصْبَحَ خَالياً تَلاعَبَ فيه شمألُ ودِفُورُ كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بيضٍ نَوَاعمٌ وَلَمْ يَتَبَخْتَر في قِبابِكَ حُورُ وأَبْنَاءُ أَمْلاكِ غَواشِمُ سَاداتٍ صَغِيرهم عِندَ الأنَامِ كَبِيرُ إذَا لَبسوا أَدْرَاعَهم، فعَوَابسٌ وَإن لَبسوا تيجانَهمْ فَبُدورُ علَى أنَّهم يَومَ اللِّقاء ضَرَاغِمٌ وأَنَّهم يوم النَّوالِ بُحورُ ليالي هِشامٌ بالرّصاَفَةٍ قاطنٌ وفيك ابنه يا دَيْرَ وَهُوَ أَميرُ تفسير : إلى أن قال: شعر : بلَى فسقاكِ الْغَيثُ صَوب سحائبٍ عَلَيْك بِها بَعد الرَّواحِ بُكْورُ تَذَكَّرْتُ قَومي فيكما فَبَكيتهم بشَجْوٍ ومثْلِي بالبُكَاءِ جديرُ فعَزيْتُ نَفْسِي وهْي نَفَسٌ إذا جَرى لَها ذِكْر قَومِي أَنَّةٌ وزفِيرُ تفسير : فلما قرأها المتوكل ارتاع، ثم دعا صاحب الدير، فسأله: مَن كتبها؟ فقال: لا علم لي، وانصرف هـ. ومن هذا القبيل ما وجد مكتوباً على باب" كافور الإخشيدي" بمصر: شعر : انْظر إلى عِبرِ الأيَّامِ مَا صنعتْ أَفْنَتْ أنَاساً بها كانوا ومَا فنيتْ دِيارهم ضَحِكَتْ أَيَّامَ دولتِهِمْ فإِذا خلَتْ مِنْهُم صاحتهم وبَكَتْ تفسير : ومن هذا أيضاً ما وُجد على قَصر "ذي يزن" مكتوباً: شعر : بَاتوا على قُلَل الأجْبَال تَحْرسُهمْ غُلْبُ الرجال فلمْ تمنعْهم الْقُلَل واستُنزلوا منْ أَعالِي عز معْقلهمْ فأُسْكِنوا حُفراً، يا بِئْسَ ما نَزَلوا أَيْنَ الْوجوه التي كانت محَجَّبةً من دُونِها تُضْرَبُ الأستارُ والكلل؟ فأَفْصح القبرُ عَنْهم حين سائلهم تِلْك الوجوه عَلَيْهَا الدود تقتبلُ قد طالَ ما أَكَلوا دهراً وما شَرِبُوا فَأصبحوا بَعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكلوا تفسير : وحاصل الدنيا ما قال الشاعر: شعر : أَلاَ إِنَّما الدنيا كأَحْلامِ نَائِم وَمَا خَيْر عَيْشٍ لاَ يَكونُ بِدائم؟! تَأمَّلْ إذَا ما نِلْت بالأمْسِ لَذَّةً فَأفنَيْتها هَلْ أَنْتَ إلا كَحَالِم؟! تفسير : هذه فكرة اعتبار، وأما فكرة استبصار، فما ثَمَّ إلا تصرفات الحق، ومظاهر أسرار ذاته، وأنوار صفاته، ظهرت في عالم الحكمة بالأشكال والرسوم، وأما في عالم القدرة فما ثَمَّ إلا الحي القيوم. شعر : تَجلّى حَبِيبي فِي مرائي جَمَالهِ فَفِي كلِّ مَرئيٍّ لِلحَبِيبِ طَلاَئِعُ فلَمَّا تَبَدَّى حُسْنهُ متنوِّعاً تَسَمَّى بِأَسْمَاءٍ فهن مَطَالِعُ تفسير : وقوله تعالى: {فما بكت عليهم السماء والأرض} يُفهم منه: أن من عظم قدره تبكي على فقده السموات والأرض ومَن فيهن، في عالم الحس، الذي هو عالم الأشباح وتفرح به أهل السموات السبع في عالم الأرواح؛ لتخلُّصه إليها، فيستبشر بقدومه كل مَن هنالك، وينظر اللّهُ إلى خلقه بعين الرحمة، فيرتحم ببركة قدومه الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم. وقوله تعالى: {ولقد اخترناهم على علم} قال القشيري: ويُقال: على علم بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا، ويقال: على علم بما نُودع عندهم من أسرارنا، ونكاشفهم به من حقائق حقنا. وقال الورتجبي: {ولقد اخترناهم على علم} أي: على علم بصفاتنا، ومعرفة بذاتنا، ومشاهدة على أسرارنا، وبيان على معرفة العبودية والربوبية، ودقائق الخطرات والقهريات واللطيفات في زمان المراقبات. هـ. وقا الواسطي: اخترناهم على علم منا بجنايتهم، وما يقترفون من أنواع المخالفات، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا لهم، ليُعلم أن الجنايات لا تؤثر في الرعايات. وقال الجرّار: علما ما أودعنا فيهم من خصائص سرنا، فاخترناهم بعلمنا على العالمين. هـ. قلت: والمقصود بالذات: بيان أن اختياره - تعالى - مرتّب على سابق علمه الأزلي، وعلمه - تعالى - لا تُغيره الحوادث، وقد انقطعت دولة بني إسرائيل، فما بقي الكلام إلا مع الملة المحمدية. ثم ردّ على مَن أنكر البعث، بعد أن ذكر بعض أشراطه، كالدخان وغيره، فقال: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ}.
الجنابذي
تفسير : {كَمْ تَرَكُواْ} جوابٌ لسؤالٍ آخر كأنّه قيل: فما فعل بهم؟ - وما صار حالهم؟ - فقال: كم تركوا {مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} اى متمازحين آتين بظرافة الكلام او متلذّذين.
اطفيش
تفسير : {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ} أي بساتين وكم للتكثير كانت أجنتهم بضفتي النيل من رشيد الى أسوان* {وَعُيُونٍ} خلجان النيل وقد مر في قوله عز وجل {أية : وهذه الانهار تجري} تفسير : الخ جنات وأنهار وعيون كانت وزالت قيل كان النيل جارياً تحت ديار مصر لا تحتاج دار لماء من خارج
اطفيش
تفسير : {كم} كثيرا مفعول مقدم لقوله: {تَركُوا} فى مصر، وبين كم ينعته بقوله: {مِن جناتٍ وعيُون * وزروع ومَقامٍ كَريمٍ} شريف فى جنس متاع الدنيا، وهو المجالس والمساكن الحسان وغيرها من الأبنية الحسان، كالمنابر والأسرة.
الالوسي
تفسير : {كَمْ تَرَكُواْ } أي كثيراً تركوا بمصر {مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ }.
ابن عاشور
تفسير : {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ كَذَٰلِكَ}. استئناف ابتدائي مسوق للعبرة بعواقب الظالمين المغرورين بما هم فيه من النعمة والقوة، غروراً أنساهم مراقبة الله فيما يرضيه، فموقع هذا الاستئناف موقع النتيجة من الدليل أو البيان من الإجمال لما في قوله: { أية : ولقد فتنَّا قبلهم قوم فرعون } تفسير : [الدخان: 17] من التنظير الإجمالي. وضمير {تركوا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أية : إنهم جند مغرقون } تفسير : [الدخان: 24]. والترك حقيقته: إلقاء شيء في مَكانٍ منتقلَ عنه إبقاء اختيارياً، ويطلق مجازاً على مفارقة المكان والشيءِ الذي في مكانٍ غلبة دون اختيار وهو مجاز مشهور يقال: ترك الميت مالاً، ومنه سمي مخلف الميت تركة وهو هنا من هذا القبيل. وفعل {تركوا} مؤذن بأنهم أغرقوا وأعدموا، وذلك مقتضى أن ما أمر الله به موسى من الإسراء ببني إسرائيل وما معه من اتباع فرعون إياهم وانفلاق البحر وإزلاف بني إسرائيل واقتحام فرعون بجنوده البحر، وانضمام البحر عليهم قد تم، ففي الكلام إيجازُ حذفِ جمل كثيرة يدل عليها {كم تركوا}. و{كم} اسم لعدد كثير مُبهم يفسِّر نوعَه مميزٌ بعد {كم} مجرورٌ بــ{من} مذكورةٍ أو محذوفة. وحكم {كم} كالأسماء تكون على حسب العوامل. وإذ كان لها صدر الكلام لأنها في الأصل استفهام فلا تكون خبرَ مبتدأ ولا خبرَ (كان) ولا (إنّ) وإذا كانت معمولة للأفعال وجب تقديمها على عاملها. وانتصب {كم} هنا على المفعول به لــ{تركوا} أي تركوا كثيراً من جنات. و{مِن} مميزة لمبهم العدد في {كم}. والمَقام بفتح الميم: مكان القيام، والقيام هنا مجاز في معنى التمكن من المكان. والكريم من كل نوع أنفسه وخيره، والمراد به: المساكن والديار والأسواق ونحوها مما كان لهم في مدينة (منفسين). والنَّعمة بفتح النون: اسم للتنعم مصُوغ على وزنة المرة. وليس المراد به المرة بل مطلق المصدر باعتبار أن مجموع أحوال النعيم صار كالشيء الواحد وهو أبلغ وأجمع في تصوير معنى المصدر، وهذا هو المناسب لِفِعْلِ {تركوا} لأن المتروك هو أشخاص الأمور التي ينعم بها وليس المتروك وهو المعنى المصدري. و{فاكهين} متصفين بالفُكاهة بضم الفاء وهي اللعب والمزح، أي كانوا مغمورين في النعمة لاعبين في تلك النعمة. وقرأ الجمهور {فاكهين} بصيغة اسم الفاعل. وقرأه حفص وأبو جعفر {فَكِهين} بدون ألف على أنه صفة مشبهة. وقوله: {كذلك} راجع لفعل {تركوا}. والتقدير: تركاً مثل ذلك الترك. والإشارة إلى مقدر دل عليه الكلام ومعنى الكاف، وهذا التركيب تقدم الكلام عليه عند قوله: { أية : كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبراً } تفسير : في سورة الكهف (91). {وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً آخَرِينَ}. عطف على {تركوا} أي تركوها وأورثناها غيرهم، أي لفرعون الذي وُلي بعد موت (منفطا) وسمي (صطفا منفطا) وهو أحد أُمراء فرعون (منفطا) تزوج ابنة منفطا المسماةَ (طُوسِير) التي خلفت أباها (منفطا) على عرش مصر، ولكونه من غير نسل فرعون وُصف هو وَجُندُه بقوم آخرين، وليس المراد بقوله: {قوماً آخرين} قوماً من بني إسرائيل، ألا ترى أنه أعيد الاسم الظاهر في قوله عقبه { أية : ولقد نجينا بني إسرائيل } تفسير : [الدخان: 30]، ولم يقل ولقد نجيناهم. ووقع في آية الشعراء { أية : فأخرجناهم من جناتٍ وعيونٍ وكنوزٍ ومقامٍ كريمٍ كذلك وَأورثناها بني إسرائيل } تفسير : [الشعراء: 57 ـــ 59] والمراد هنالك أن أنواعاً مما أخرجنا منه قومَ فرعون أورثناها بني إسرائيل، ولم يُقصد أنواعُ تلك الأشياء في خصوص أرض فرعون. ومناسبة ذلك هنالك أن القومَين أخرجا مما كانا فيه، فسُلب أحد الفريقين ما كان له دون إعادة لأنهم هلكوا، وأعطي الفريق الآخَر أمثال ذلك في أرض فلسطين، ففي قوله: {وأورثناها} تشبيه بليغ وانظر آية سورة الشعراء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كم تركوا من جنات: أي بساتين وحدائق غناء. ومقام كريم: أي مجلس حسن ومحافل مزينة ومنازل حسنة. ونعمة كانوا فيها فاكهين: أي نضرة عيش ولذاذته كانوا فيها ناعمين. وأورثناها قوماً آخرين: أي بني إسرائيل. فما بكت عليهم السماء والأرض: أي لهوانهم على الله بسبب كفرهم وظلمهم. وما كانوا منظرين: أي ممهلين حتى يتوبوا. من العذاب المهين: أي قتل أبنائهم واستخدام نسائهم. ولقد اخترناهم على علم على العالمين: أي اخترناهم على علم منا على عالمي زمانهم من الإنس والجن. وذلك لكثرة الأنبياء منهم وفيهم. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين: أعطيناهم من النعم ما فيه بلاء مبين أي واضح كانفلاق البحر والمنَّ والسلوى. معنى الآيات ما زال السياق الكريم في قصة موسى عليه السلام مع عدو الله فرعون عليه لعائن الرحمن قال تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ} أي كم ترك فرعون وجنود الذين هلكوا معه في البحر أي تركوا كثيراً من الجنات أي البساتين والعيون الجارية فيها سقي الزروع، ومقام كريم أي منازل حسنة ومحافل مزينة بأنواع الزينة والمحفل مكان الاحتفال، ونعمه أي متعة عظيمة كانوا فيها فاكهين أي ناعمين مترفين وقوله تعالى: كذلك هكذا كانت نعمتهم فسلبناهما منهم لكفرهم بنا وتعاليهم على شرائعنا وأوليائنا، {وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} هم بنوا إسرائيل إذ رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون. وقوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}، لأنهم كانوا كافرين لم يعملوا على الأرض خيراً ولم يعرج إلى السماء من عملهم خيرٌ فلمَ يُبكون إنما يبكي المسلم تبكيه الأرض التي كان يسجد عليها ويعبد الله تعالى فوقها وتبكيه السماء التي كان كل يوم وليلة يصعد إليها عمله الصالح، وقوله وما كانوا منظرين أي ممهلين بل عاجلهم الرب بالعقوبة، ولم يمهلهم علهم يتوبون لعلم الله تعالى بطبع قلوبهم وكم واعدوا موسى إن رُفع عنهم العذاب يؤمنون، وما آمنوا. وقوله تعالى ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين هذه بعض أياديه على بني إسرائيل وهي أنه نجاهم من العذاب المهين الذي كان فرعون وقومه يصبونه عليهم إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم للخدمة والامتهان وأي عذاب مهين أكبر من هذا؟ من فرعون أي من عذاب فرعون الذي كان ينزله بهم إنه كان عالياً من المسرفين أي كان فرعون جباراً طاغياً من المسرفين في الكفر والظلم. وقوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ} أي بنى إسرائيل على علم أي منا على العالمين أي عالمي زمانهم من الثقلين الإنس والجن، وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُم} أي أعطيناهم من الآيات {مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} أي اختبار عظيم ومن تلك الآيات انفلاق البحر، وتظليل الغمام لهم والمن والسلوى في التيه إلى غير ذلك مما هو اختبار عظيم لهم أيشكرون أم يكفرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله في سلب النعم وإنزال النقم بمن كفر نعم الله ولم يشكرها فعصى ربه وأطاع هواه ونفسه فترك الصلاة واتبع الشهوات وترك القرآن واشتغل بالأغاني، وأعرض عن ذكر الله وأقبل على ذكر الدنيا ومفاتنها. 2- بيان هَوَان أهل الكفر والفسق على الله وعلى الكون كله، وكرامة أهل الإيمان والتقوى على الله وعلى الكون كله حتى أن السماء والأرض تبكيهم إذا ماتوا. 3- ذم العلو في الأرض وهو التكّبر والإسراف في كل شيء. 4- بيان أن الله يبتلي أي يختبر عباده بالخير والشر.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} (25) - كَم تَرَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ قَبْلَ مَهلِكِهِمْ فِي أَرْضِهِمْ مِنْ بَسَاتينَ نَضِرَةٍ، وَحَدَائِقَ غَنَّاءَ، وَعُيُونِ ماءٍ جَارِيةٍ وَأنْهَارٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: بعد أنْ أغرقهم الله تركوا هذا النعيم، (كَمْ) خبرية تفيد الكثرة {مِن جَنَّاتٍ} [الدخان: 25] حدائق وبساتين نضرة {وَعُيُونٍ} [الدخان: 25] يعني: عيون الماء العذب الذي يجري خلال هذه البساتين. {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26] مَقام بفتح الميم اسم مكان القيام إذا كنت جالساً، قمت، واسم مكان الإقامة مُقام بضم الميم لموضع الإقامة، والمُقام لا يُوصف بأنه كريم إلا إذا توفرتْ لمن يقيم فيه سُبل الراحة والرفاهية، فالمقام نفسه فيه كرم. يعني: يجمع لصاحبه كلَّ وسائل الخير حين يقوم وحين يجلس. وكأن الخير تابع له مطيع لأوامره، ولا يكون ذلك إلا إذا كان له تابعون وهو متبوع، وهؤلاء التابعون يؤدون له أوامره في قيامه وفي قعوده. والإنسان حينما يكون قاعداً أو نائماً أو مضطجعاً ما الذي يجعله يقوم؟ أمر جَدَّ عليه فأقامه، وهذا الأمر نوعان: إما خير يُفرحه ويهشّ إليه فيقوم له مثل حبيب أو صديق غائب وهو يعود، أو أمر يُحزنه ويفزعه فيقوم له. كما وردتْ كلمة (مُقام) بضم الميم، وهي بمعنى مكان الإقامة في قوله تعالى: {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66]، وفي قوله تعالى: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 76]. وقوله: {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] كلمة (نعمة) أيضاً وردتْ بفتح النون مرتين كما هنا، ووردت بكسر النون مثل {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 40] في 34 موضعاً إما مُفردةً وإما مُضافةً إلى الله، ووردتْ نعمتي ونعمتك ونعمته للغائب. والفرق بينهما أن نعمة بالكسر تعني: ما يتنعَّم به، ولكن يلاحظ أن المتنعم به أشياء خارجة عن الذات، فمرة توجد النِّعمة وتُوجد القدرة على التنعُّم بها. ومرة توجد النِّعمة ولا توجد القدرة على التنعّم بها. أما النَّعمة بالفتح فتعني وجود النِّعمة، ووجود القدرة على التنعُّم بها. وقوله {كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] من التفكُّه والتلذُّذ، مأخوذة من الفاكهة وهي تدلُّ على الرفاهية، لأن الطعام منه أشياء ضرورية أساسية، وهي التي بها قِوَام الحياة واستبقاؤها، وطعام آخر للترف والمتعة كالفاكهة تُؤكل بعد الطعام. وهذه الأشياء التي تؤكل للترف والمتعة يمكن الاستغناء عنها لأنها ليستْ من الضروريات، بدليل أن كثيراً من الناس لا يعرفون أكل الفاكهة وهم أحياء يُرزقون. إذن: كانوا في رفاهية من العيش وفي متعة فضلاً عن الضروريات.
الجيلاني
تفسير : وبعدما هلكوا {كَمْ تَرَكُواْ} أي: كثيراً تركوا {مِن جَنَّاتٍ} منتزهات {وَعُيُونٍ} [الدخان: 25] جاريات فيها {وَزُرُوعٍ} كثيرة في حواليها {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26] أي: محافل مزينة ومنازل حسنة في خلالها {وَنَعْمَةٍ} أي: أسباب تنعم وترفه من الأمتعة والنسوان {كَانُواْ فِيهَا} أي: في تلك الجنات {فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] متنعمين مترفهين، كذلك فعلنا بهم معهم من كمال قدرتنا، بعدما أردنا إهلاكهم وانتقامهم بسبب تكذيبهم واستكبارهم على رسولنا، وهكذا نفعل مع كل مكذب متكبر، لا يؤمن بيوم الحساب. {كَذَلِكَ} بعدما تركوا الكل على ما كان وهلكوا {وَأَوْرَثْنَاهَا} أي: تلك الجنات وما يتفرع عليها من المستلذات المتروكات {قَوْماً آخَرِينَ} [الدخان: 28] لا قرابة بينهم نسبياً وديناً، وهم بنو إسرائيل، وبعدما هلكوا واستؤصلوا. {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} أي: لم تكترثا، ولم تعتدا بهلاكهم واستئصالهم أصلاً، مثل اعتدادهما لهلاك المؤمنين وفقدهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد مؤمن إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا فقداه وبكيا عليه ". تفسير : وعن المرتضى الأكبر كرم الله وجهه: إذ مات المؤمن بكى عليه مصله من الأرض ومصعد عمله من السماء، قال السدي: لما قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - بكت عليه السماء، وبكاؤها عبارة عن حمرة أطرافها. {وَ} هم من غاية انهماكهم في الغي والضلال واستئصالهم بالمقت والهلاك {مَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] ممهلين مؤخرين إلى وقت آخر، بل أخذتهم العزة بإثمهم حيث لا يمهلهم ولا يسوف عليهم ساعة. {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [الدخان: 30] وهو استبعادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم استذلاً لا لهم واستهانة عليهم، وإنما نجيناهم كرامة من إياهم وامتناناً عليهم، وكيف لا يهينهم العذاب النازل عليهم. {مِن فِرْعَوْنَ} الطاغي المتجبر المتكبر على الأرض {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ} عموم {ٱلْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31] في عصره، متبالغاً في العتو والعناد، والغلبة على العباد أقصى غايته، وبالجملة: لقد أخترناهم أي: بني إسرائيل واصطفيناهم من بين سائر الأمم المعاصرين معهم على علم متعلق منا أنهم أحقاء بالرئاسة والسيادة وأنواع الثروة والجاه على العالمين؛ لكثرة ظهور الأنبياء والرسل فيهم ومنهم وبعد {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الدخان: 32] بعدما اخترناهم. {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ} العظام الدالة على كمال اختصاصهم بمزيد الشرف والكرامة {مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} [الدخان: 33] ظاهر، نختبر به إخلاصهم ورسوخهم على الإيمان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):