٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
جزء
٢٦
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن نظم أول هذه السورة كنظم أول سورة الجاثية، وقد ذكرنا ما فيه. وأما قوله {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } فهذا يدل على إثبات الإلٰه بهذا العالم، ويدل على أن ذلك الإلٰه يجب أن يكون عادلاً رحيماً بعباده، ناظراً لهم محسناً إليهم، ويدل على أن القيامة حق. أما المطلب الأول: وهو إثبات الإلٰه بهذا العالم، وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير، وآثار التقدير ظاهرة في السمٰوات والأرض من الوجوه العشرة المذكورة في سورة الأنعام، وقد بينا أن تلك الوجوه تدل على وجود الإلٰه القادر المختار. وأما المطلب الثاني: وهو إثبات أن إلٰه العالم عادل رحيم فيدل عليه قوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } لأن قوله {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } معناه إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان، وأن الإلٰه يجب أن يكون فضله زائداً وأن يكون إحسانه راجحاً، وأن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من وصول المضار إليهم، قال الجبائي هذا يدل على أن كل ما بين السمٰوات والأرض من القبائح فهو ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده، وإلا لزم أن يكون خالقاً لكل باطل، وذلك ينافي قوله {أية : مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الدخان: 39] أجاب أصحابنا وقالوا: خلق الباطل غير، والخلق بالباطل غير، فنحن نقول إنه هو الذي خلق الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق لأن ذلك تصرف من الله تعالى في ملك نفسه وتصرف المالك في ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل، قالوا والذي يقرر ما ذكرناه أن قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } يدل على كونه تعالى خالقاً لكل أعمال العباد، لأن أعمال العباد من جملة ما بين السمٰوات والأرض، فوجب كونها مخلوقة لله تعالى ووقوع التعارض في الآية الواحدة محال فلم يبق إلا أن يكون المراد ما ذكرناه فإن قالوا أفعال العباد أعراض، والأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السماوات والأرض، فنقول فعلى هذا التقدير سقط ما ذكرتموه من الاستدلال والله أعلم. وأما المطلب الثالث: فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث والقيامة، وتقريره أنه لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، ولتعطل توفية الثواب على المطيعين وتوفية العقاب على الكافرين وذلك يمنع من القول بأنه تعالى خلق السمٰوات والأرض وما بينها لابالحق. وأما قوله تعالى: {وَأَجَلٍ مُّسَمّىً } فالمراد أنه ما خلق هذه الأشياء إلا بالحق وإلا لأجل مسمى وهذا يدل على أن إلٰه العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلداً سرمداً، بل إنما خلقه ليكون داراً للعمل، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم يعيده، فيقع الجزاء في الدار الآخرة، فعلى هذا الأجل المسمى هو الوقت الذي عينه الله تعالى لإفناء الدنيا. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } والمراد أن مع نصب الله تعالى هذه الدلائل ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب ومع مواظبة الرسل على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار، بقي هؤلاء الكفار معرضين عن هذه الدلائل غير ملتفتين إليها، وهذا يدل على وجوب النظر والاستدلال، وعلى أن الإعراض عن الدليل مذموم في الدين والدنيا. واعلم أنه تعالى لما قرر هذا الأصل الدال على إثبات الإلٰه، وعلى إثبات كونه عادلاً رحيماً، وعلى إثبات البعث والقيامة بنى عليه التفاريع. فالفرع الأول: الرد على عبدة الأصنام فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وهي الأصنام {أَرُونِىَ } أي أخبروني {مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } والمراد أن هذه الأصنام، هل يعقل أن يضاف إليها خلق جزء من أجزاء هذا العالم؟ فإن لم يصح ذلك فهل يجوز أن يقال إنها أعانت إلٰه العالم في خلق جزء من أجزاء هذا العالم، ولما كان صريح العقل حاكماً بأنه لا يجوز إسناد خلق جزء من أجزاء هذا العالم إليها، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضاً إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال وأذلها، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو الله سبحانه، وأن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو الله سبحانه، والعبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم، وذلك لا يليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام، فلما كان الخالق الحق والمنعم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وجب أن لا يجوز الإتيان بالعبادة والعبودية إلا له ولأجله، بقي أن يقال إنا لا نعبدها لأنها تستحق هذه العبادة، بل إنما نعبدها لأجل أن الإلٰه الخالق المنعم أمرنا بعبادتها، فعند هذا ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا السؤال، فقال: {ٱئْتُونِي بِكِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ هَـٰذَا أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي والرسالة، فنقول هذا الوحي الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان، إما أن يكون على محمد أو في سائر الكتب الإلٰهية المنزلة على سائر الأنبياء، وإن لم يوجد ذلك في الكتب الإلٰهية لكنه من تقابل العلوم المنقولة عنهم والكل باطل، أما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو معلوم البطلان، وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلٰهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه، فهو أيضاً باطل، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب الإلٰهية على المنع من عبادة الأصنام، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {ٱئْتُونِي بِكِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ هَـٰذَا }، وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن الأنبياء سوى ما جاء في الكتب فهذا أيضاً باطل، لأن العلم الضروري حاصل بأن أحداً من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام، وهذا هو المراد من قوله {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } ولما بطل الكل ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل وقول فاسد وبقي في قوله تعالى: {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } نوعان من البحث. النوع الأول: البحث اللغوي قال أبو عبيدة والفراء والزجاج {أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } أي بقية وقال المبرد {أَثَـٰرَةٍ } ما يؤثر من علم أي بقية، وقال المبرد {أَثَـٰرَةٍ } تؤثر {مِنْ عِلْمٍ } كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان، ومن هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار يقال جاء في الأثر كذا وكذا، قال الواحدي: وكلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال: الأول: البقية واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني: من الأثر الذي هو الرواية والثالث: هو الأثر بمعنى العلامة، قال صاحب «الكشاف» وقرىء {أَثَـٰرَةٍ } أي من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم وقرىء {أَثَـٰرَةٍ } بالحركات الثلاث مع سكون الثاء فالإثرة بالكسر بمعنى الأثر، وأما الإثر فالمرأة من مصدر أثر الحديث إذا رواه، وأما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر كالخطبة اسم لما يخطب به، وهٰهنا قول آخر في تفسير قوله تعالى: {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال: {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } هو علم الخط الذي يخط في الرمل والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه» تفسير : وعلى هذا الوجه فمعنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وبأقوالهم ودلائلهم والله تعالى أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } تقدّم. {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تقدّم أيضاً. {وَأَجَلٍ مُّسَمًى} يعني القيامة؛ في قول ٱبن عباس وغيره. وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض. وقيل: إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ} خُوِّفُوه {مُعْرِضُونَ } مُوَلُّون لاهون غير مستعدّين له. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية؛ أي عن إنذارهم ذلك اليوم.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها أربع أو خمس وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم {حـم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ} إلا خلقاً ملتبساً بالحق وهو ما تقتضيه الحكمة والمعدلة، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم، والبعث للمجازاة على ما قررناه مراراً. {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل وهو يوم القيامة، أو كل واحد وهو آخر مدة بقائه المقدرة له. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ} من هول ذلك الوقت، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية. {مُّعْرِضُونَ} لا يتفكرون فيه ولا يستعدون لحلوله. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها، هل يعقل أن يكون لها في أنفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحق به العبادة. وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية. {ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ هَـٰذَا} من قبل هذا الكتاب يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد. {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ} أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين هل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعواكم، وهو إلزام بعدم ما يدل على ألوهيتهم بوجه ما نقلاً بعد إلزامهم بعدم ما يقتضيها عقلاً، وقرىء «إثارة» بالكسر أي مناظرة فإن المناظرة تثير المعاني، و «أثرة» أي شيء أوثرتم به وأثرة بالحركات الثلاث في الهمزة وسكون الثاء فالمفتوحة للمرة من مصدر أثر الحديث إذا رواه والمكسورة بمعنى الأثرة والمضمومة اسم ما يؤثر. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم، فضلاً أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم. {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ما دامت الدنيا. {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـٰفِلُونَ} لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم. {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءً} يضرونهم ولا ينفعونهم. {وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } مكذبين بلسان الحال أو المقال. وقيل الضمير للعابدين وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }تفسير : [الأنعام: 23] {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ} واضحات أو مبينات. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ } لأجله وفي شأنه، والمراد به الآيات ووضعه موضع ضميرها ووضع {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة. {لَمَّا جَاءهُمْ } حينما جاءهم من غير نظر وتأمل. {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر بطلانه. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحراً إلى ذكر ما هو أشنع منه وإنكار له وتعجيب. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} على الفرض. {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها فكيف أجترىء عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضر من قبلكم. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } تندفعون فيه من القدح في آياته. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} يشهد لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والإِنكار، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم، {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم. {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ} بديعاً منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه، وهو الإِتيان بالمقترحات كلها ونظيره الخف بمعنى الخفيف. وقرىء بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع. {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } في الدارين على التفضيل إذ لا علم لي بالغيب، و {لا} لتأكيد النفي المشتمل على إما يفعل بي {وَمَا} إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة. وقرىء {يَفْعَلُ} أي يفعل الله. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} لا أتجاوزه، وهو جواب عن اقتراحهم الإِخبار عما لم يوح إليه من الغيوب، أو استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين. {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} من عقاب الله. {مُّبِينٌ } بين الإِنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم صلوات الله عليه دائماً إِلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال تعالى: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي لا على وجه العبث والباطل {وَأَجَلٍ مُّسَمًى} أي وإِلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص، وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} أي لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إِليهم كتاباً، وأرسل إِليهم رسولاً، وهم معرضون عن ذلك كله، أي وسيعلمون غب ذلك. ثم قال تعالى: {قُلْ} أي لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: {أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ} أي ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا لله عز وجل، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: {ٱئْتُونِي بِكِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ} أي: هاتوا كتاباً من كتب الله المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يأمركم بعبادة هذه الأصنام، {أَو أَثَـٰرَةٍ مِّن عِلمٍ} أي دليل بينٍ على هذا المسلك الذي سلكتموه {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي لا دليل لكم لا نقلياً ولا عقلياً على ذلك، ولهذا قرأ آخرون: أو أثرة من علم أي أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم؛ كما قال مجاهد في قوله تعالى: {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أو أحد يأثر علماً، وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أو بينة من الأمر. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن سفيان عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أثرة من علم قال: الخط. وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم. وقال الحسن البصري: أو أثارة من شيء يستخرجه فيثيره. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضاً: أو أثارة من علم يعني: الخط. وقال قتادة: أو أثارة من علم: خاصة من علم وكل هذه الأقوال متقاربة، وهي راجعة إلى ما قلناه وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وأكرمه وأحسن مثواه. وقوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ} أي لا أضل ممن يدعو من دون الله أصناماً، ويطلب ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجارة صم، وقوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ} كقوله عز وجل: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم: 81 ــــ 82] أي سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل عليه الصلاة والسلام: {أية : إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 25].
المحلي و السيوطي
تفسير : {حم } الله أعلم بمراده به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {حـم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } قد تقدّم الكلام على هذا في سورة غافر وما بعدها مستوفى، وذكرنا وجه الإعراب، وبيان ما هو الحقّ من أن فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن يوكل علمه إلى من أنزله {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } من المخلوقات بأسرها {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } هو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي: إلاّ خلقاً ملتبساً بالحقّ الذي تقتضيه المشيئة الإلٰهية، وقوله: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } معطوف على الحقّ، أي: إلاّ بالحقّ، وبأجل مسمى، على تقدير مضاف محذوف، أي: وبتقدير أجل مسمى، وهذا الأجل هو يوم القيامة، فإنها تنتهي فيه السمٰوات والأرض وما بينهما، وتبدّل الأرض غير الأرض والسمٰوات. وقيل: المراد بالأجل المسمى: هو انتهاء أجل كلّ فرد من أفراد المخلوقات، والأوّل أولى، وهذا إشارة إلى قيام الساعة، وانقضاء مدّة الدنيا، وأن الله لم يخلق خلقه باطلاً وعبثاً لغير شيء، بل خلقه للثواب والعقاب. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } أي: عما أنذروا وخوّفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء معرضون مولون غير مستعدّين له، والجملة في محل نصب على الحال، أي: والحال أنهم معرضون عنه غير مؤمنين به، و«ما» في قوله: {مَا أَنْذِرُواْ } يجوز أن تكون الموصولة، ويجوز أن تكون المصدرية. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي: أخبروني ما تعبدون من دون الله من الأصنام {أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأرْضِ } أي: أيّ شيء خلقوا منها، وقوله: {أَرُونِىَ } يحتمل أن يكون تأكيداً لقوله: {أَرَءيْتُمْ }، أي: أخبروني أروني، والمفعول الثاني لأرأيتم {ماذا خلقوا}، ويحتمل أن لا يكون تأكيداً، بل يكون هذا من باب التنازع؛ لأن أرأيتم يطلب مفعولاً ثانياً، وأروني كذلك {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } أم هذه هي المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة، والمعنى: بل ألهم شركة مع الله فيها؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع {ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ هَـٰذَا } هذا تبكيت لهم، وإظهار لعجزهم، وقصورهم عن الإتيان بذلك، والإشارة بقوله {هذا} إلى القرآن، فإنه قد صرّح ببطلان الشرك، وأن الله واحد لا شريك له، وأن الساعة حقّ لا ريب فيها، فهل للمشركين من كتاب يخالف هذا الكتاب، أو حجة تنافي هذه الحجة. {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ }. قال في الصحاح: {أو أثارة من علم}: بقية منه، وكذا الأثرة بالتحريك. قال ابن قتيبة: أي: بقية من علم الأوّلين. وقال الفراء، والمبرد: يعني: ما يؤثر عن كتب الأوّلين. قال الواحدي: وهو معنى قول المفسرين. قال عطاء: أو شيء تأثرونه عن نبيّ كان قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل: أو رواية من علم عن الأنبياء. وقال الزجاج: أو أثارة أي: علامة، والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة، وأصل الكلمة من الأثر، وهي الرواية يقال: أثرت الحديث آثره أثرة وأثارة وأثراً: إذا ذكرته عن غيرك. قرأ الجمهور {أثارة} على المصدر كالسماحة والغواية. وقرأ ابن عباس، وزيد بن علي، وعكرمة، والسلمي، والحسن، وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف. وقرأ الكسائي: (أثرة) بضم الهمزة وسكون الثاء {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعواكم التي تدّعونها، وهي قولكم إن لله شريكاً، ولم تأتوا بشيء من ذلك، فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي، والنقلي على خلافه. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ } أي: لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع، فكيف يطمع في الإجابة فضلاً عن جلب نفع، أو دفع ضرّ؟ فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين وأضلّ الضالين، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وقوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } غاية لعدم الاستجابة {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـٰفِلُونَ } الضمير الأوّل للأصنام، والثاني لعابديها، والمعنى: والأصنام التي يدعونها عن دعائهم إياها غافلون عن ذلك، لا يسمعون ولا يعقلون لكونهم جمادات، والجمع في الضميرين باعتبار معنى "من"، وأجري على الأصنام ما هو للعقلاء لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل. {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء } أي: إذا حشر الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام، فتكذبهم. وقيل المراد: أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال. وأما الملائكة، والمسيح، وعزير، والشياطين، فإنهم يتبرّءون ممن عبدهم يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {أية : تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}تفسير : [القصص: 63] {وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } أي: كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين، أي: جاحدين مكذبين، وقيل: الضمير في {كانوا} للعابدين، كما في قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]، والأوّل أولى. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } أي: آيات القرآن حال كونها {بَيّنَـٰتٍ } واضحات المعاني ظاهرات الدلالات {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ } أي: لأجله وفي شأنه، وهو عبارة عن الآيات {لَمَّا جَاءهُمْ } أي: وقت أن جاءهم {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي: ظاهر السحرية {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } أم هي المنقطعة، أي: بل أيقولون افتراه؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من صنيعهم، وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحراً إلى قولهم: إن رسول الله افترى ما جاء به، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي: قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير، كما تدّعون، فلا تقدرون على أن تردّوا عني عقاب الله، فكيف أفتري عل الله لأجلكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني؟ {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } أي: تخوضون فيه من التكذيب، والإفاضة في الشيء: الخوض فيه، والاندفاع فيه، يقال: أفاضوا في الحديث، أي: اندفعوا فيه، وأفاض البعير: إذا دفع جرّته من كرشه، والمعنى: الله أعلم بما تقولون في القرآن، وتخوضون فيه من التكذيب له، والقول بأنه سحر وكهانة {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده، وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود، وفي هذا وعيد شديد {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } لمن تاب وآمن، وصدّق بالقرآن وعمل بما فيه، أي: كثير المغفرة والرحمة بليغهما. {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ } البدع من كلّ شيء المبدأ، أي: ما أنا بأوّل رسول، قد بعث الله قبلي كثيراً من الرسل. قيل: البدع بمعنى: البديع كالخفّ والخفيف، والبديع: ما لم ير له مثل، من الابتداع وهو الاختراع، وشيء بدع بالكسر، أي: مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر، أي: بديع كذا قال الأخفش، وأنشد قطرب:شعر : فما أنا بدع من حوادث تعتري رجالاً غدت من بعد بؤسي وأسعدا تفسير : وقرأ عكرمة، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: (بدعاً) بفتح الدال على تقدير حذف المضاف، أي: ما كنت ذا بدع، وقرأ مجاهد بفتح الباء، وكسر الدال على الوصف {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } أي: ما يفعل بي فيما يستقبل من الزمان هل أبقى في مكة، أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أقتل؟ وهل تعجل لكم العقوبة أم تمهلون؟ وهذا إنما هو في الدنيا. وأما في الآخرة، فقد علم أنه وأمته في الجنة، وأن الكافرين في النار. وقيل: إن المعنى: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، وإنها لما نزلت فرح المشركون، وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا؟ فنزل قوله تعالى: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }تفسير : [الفتح: 2] والأوّل أولى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } قرأ الجمهور {يوحى} مبنياً للمفعول، أي: ما أتبع إلاّ القرآن، ولا أبتدع من عندي شيئًا، والمعنى: قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على الوحي لا قصر اتباعه على الوحي {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي: أنذركم عقاب الله، وأخوّفكم عذابه على وجه الإيضاح. وقد أخرج أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمٰن، عن ابن عباس {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } قال: الخط. قال سفيان: لا أعلم إلاّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أن الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان نبيّ من الأنبياء يخط، فمن صادف مثل خطه علم» تفسير : ومعنى هذا ثابت في الصحيح، ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة. ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط؟ وأين السند الصحيح إلى ذلك النبيّ؟ أو إلى نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا الخط هو على صورة كذا، فليس ما يفعله أهل الرمل إلاّ جهالات وضلالات. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } قال: حسن الخط»تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط، والحاكم من طريق الشعبي، عن ابن عباس {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } قال: خط كان يخطه العرب في الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ } يقول: بينة من الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ } يقول: لست بأوّل الرسل {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } فأنزل الله بعد هذا {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] وقوله:{أية : لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ } تفسير : الآية [الفتح: 5]، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به، وبالمؤمنين جميعاً. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضاً أن هذه الآية منسوخة بقوله: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أمّ العلاء قالت: لما مات عثمان بن مظعون قلت: رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم»، قالت أمّ العلاء: فوالله لا أزكي بعده أحداً».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه قُضِي نزول الكتاب من الله العزيز الحكيم، قاله النقاش. الثاني: هذا الكتاب يعني القرآن تنزيل من الله العزيز الحكيم، قاله الحسن. قوله عز وجل: {مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} فيه أربعة أوجه: أحدها: إلا بالصدق، قاله ابن إسحاق. الثاني: إلا بالعدل، وهو مأثور. الثالث: إلا للحق، قاله الكلبي. الرابع: إلا للبعث، قاله يحيى. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه وجهان: أحدهما: أنه أجل القيامة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الأجل المقدور لكل مخلوق، وهو محتمل. قوله عز وجل: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} قرأ الحسن وطائفة معه {أَوْ أَثَرَةٍ} وفي تأويل {أَوْ أَثَارَةٍ} وهي قراءة الجمهور ثلاثة أوجه: أحدها: رواية من علم، قاله يحيى. الثاني: بقية، قاله أبو بكر بن عياش، ومنه قول الشاعر: شعر : وذات أثارة أكلت عليها نباتاً في أكمته قفارا تفسير : أي بقية من شحم. الثالث: أو علم تأثرونه عن غيركم، قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: أو اجتهاد بعلم، لأن أثارة العلم الاجتهاد. ويحتمل خامساً: أو مناظرة بعلم لأن المناظر في العلم مثير لمعانيه. ومن قرأ {أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} ففي تأويله خمسة أوجه: أحدها: أنه الخط، وقد رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: ميراث من علم، قاله عكرمة. الثالث: خاصة من علم، قاله قتادة. الرابع: أو بقية من علم، قاله عطية. الخامس: أثرة يستخرجه فيثيره، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة التي في أوائل السور. و {تنزيل} رفع بالابتداء أو خبر ابتداء مضمر. و: {الكتاب} القرآن. والعزة والإحكام: صفتان مقتضيتان أن من هي له غالب كل من حادّه. وقوله: {ما خلقنا السماوات} الآية موعظة وزجر، أي فانتبهوا أيها الناس وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم. وقوله تعالى: {إلا بالحق} معناه بالواجب الحسن الذي قد حق أن يكون، وبـ {أجل مسمى}: وقتناه وجعلناه موعداً لفساد هذه البنية وذلك هو يوم القيامة. وقوله تعالى: {عما أُنذروا} "ما" مصدرية، والمعنى عن الإنذار، ويحتمل أن تكون "ما" بمعنى الذي، والتقدير: عن ذكر الذي أنذروا به والتحفظ منه أو نحو هذا. وقوله تعالى: {قل أرأيتم} يحتمل {أرأيتم} وجهين: أحدهما أن تكون متعدية، و {ما} مفعولة بها، ويحتمل أن تكون منبهة لا تتعدى، وتكون {ما} استفهاماً على معنى التوبيخ. و {تدعون} معناه: تعبدون. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "قل أرأيتكم من تدعون". وقوله: {من الأرض}، {من}، للتبعيض، لأن كل ما على وجه الأرض من حيوان ونحوه فهو من الأرض. ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم كتاباً منزلاً قبل القرآن يتضمن عبادة صنم. وقوله: {أو أثارة} معناه: أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة الأصنام. وقرأ جمهور الناس: "أو أثارة" على المصدر، كالشجاعة والسماحة، وهي البقية من الشيء كأنها أثره. وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد: المعنى هل من أحد يأثر علماً في ذلك. وقال القرظي: هو الإسناد، ومن هذا المعنى قول الأعشى: [السريع] شعر : إن الذي فيه تماريتما بَيِّنٌ للسامع والآثِر تفسير : آثراً أي للسند عن غيره، ومنه قول عمر رضي الله عنه: فما خلفنا بها ذاكراً ولا آثراً. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: المعنى وخاصة من علم، فاشتقاقها من الأثرة، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده، وقال عبد الله بن العباس: المراد بـ "الأثارة": الخط في التراب، وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر، وهذا من البقية والأثر، وروي أن النبي عليه السلام سئل عن ذلك فقال: "حديث : كان نبي من الأنبياء يخطه، فمن وافق خطه فذاك"، تفسير : وظاهر الحديث تقوية أمر الخط في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه، وهكذا تأوله كثير من العلماء. وقالت فرقة: بل معناه الإنكار، أي أنه كان من فعل نبي قد ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال: فمن وافق خطه على جهة الإبعاد، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهذا كما يسألك أحد فيقول: أيطير الإنسان؟ فتقول: إنما يطير الطائر، فمن كان له من الناس جناحان طار، أي أن ذلك لا يكون. والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال: لبني فلان أثارة من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة، وتستعمل في غير ذلك، ومنه قول الراعي: [الوافر] شعر : وذات أثارة أكلت عليه نباتاً في أكمتها قصارى تفسير : يريد: الأثارة من الشحم، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى الطبري: "أو أَثَرَة" بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش، وهي واحدة جمعها: أثر كقترة وقتر. وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ: "أو ميراث من علم". وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر، أي قد قنعت لكم الحجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت فرقة: "أُثْرة" بضم الهمزة وسكون الثاء، وهذه كلها بمعنى: هل عندكم شيء خصكم الله به من علم وآثركم به. وقوله تعالى: {ومن أضل} الآية توبيخ لعبدة الأصنام، أي لا أحد أضل ممن هذه صبغته، وجاءت الكنايات في هذه الآية عن الأصنام كما تجيء عمن يعقل، وذلك أن الكفار قد أنزلوها منزلة الآلهة وبالمحل الذي دونه البشر، فخوطبوا على نحو معتقدهم فيها، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "ما لا يستجيب". والضمير في قوله: {ومن هم عن دعائهم غافلون} هو للأصنام في قول جماعة، ووصف الأصنام بالغفلة من حيث عاملهم معاملة من يعقل، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: {وهم} وفي: {غافلون} للكفار، أي ضلالهم بأنهم يدعون من لا يستجيب فلا يتأملون ما عليهم في دعاء من هذه صفته. وقوله تعالى: {كانوا لهم أعداء} وصف لما يكون يوم القيامة بين الكفار وأصنامهم من التبري والمناكرة، وقد بين ذلك في غير هذه الآية. وذلك قوله تعالى حكاية عنهم: {أية : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} تفسير : [القصص: 63].
ابن عبد السلام
تفسير : {حـمۤ} قُضِي نزول الكتاب من الله العزيز الحكيم، أو هذا الكتاب القرآن تنزيل من الله.
النسفي
تفسير : {حـم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } ملتبساً بالحق {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو يوم القيامة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ } عما أنذروه من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل مخلوق من انتهائه إليه {مُّعْرِضُونَ } لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم {قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني {مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تعبدونه من الأصنام {أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ } أي شيء خلقوا مما في الأرض إن كانوا آلهة {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ } شركة مع الله في خلق السماوات والأرض {ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَا } أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أن الله أمركم بعبادة الأوثان. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ } أي أبداً {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً} أي الأصنام لعبدتها {وَكَانُواْ } أي الأصنام {بِعِبَادَتِهِمْ } بعبادة عبدتهم {كَـٰفِرِينَ } يقولون ما دعوناهم إلى عبادتنا. ومعنى الاستفهام في {مَنْ أَضَلَّ } إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالاً من عبدة الأوثان حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على كل شيء ويدعون من دونه جماداً لا يستجيب لهم ولا قدرة له على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا عليهم ضداً فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم. ولما أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والغفلة قيل «من» و «هم»، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة، طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها ونحوه قوله تعالى: {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ }تفسير : [فاطر: 14]. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ } جمع بينة وهي الحجة والشاهد أو واضحات مبينات {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ } المراد بالحق الآيات وبالذين كفروا المتلو عليهم فوضع الظاهران موضع الضميرين للتسجيل عليهم بالكفر وللمتلو بالحق {لَمَّا جَآءَهُمْ } أي بادهوه بالجحود ساعة أتاهم وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً إلى ذكر قولهم إن محمداً عليه السلام افتراه أي اختلقه وأضافه إلى الله كذباً، والضمير للحق والمراد به الآيات {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي إن افتريته على سبيل الفرض عاجلني الله بعقوبة الافتراء عليه فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه؟. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } أي تندفعون فيه من القدح في وحي الله والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وفرية أخرى {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } يشهد لي بالصدق والبلاغ ويشهد عليكم بالجحود والإنكار، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } موعدة بالغفران والرحمة إن تابوا عن الكفر وآمنوا. {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } أي بديعاً كالخف بمعنى الخفيف، والمعنى إني لست بأول مرسل فتنكروا نبوّتي {وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان. وعن الكلبي قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى تكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أو أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخيل وشجره و «ما» في {مَّا يَفْعَلُ } يجوز أن يكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. وإنما دخل «لا» في قوله {وَلاَ بِكُمْ } مع أن {بفعل} مثبت غير منفي لتناول النفي في {مَا أَدْرِى } «ما» وما في حيزه {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ } القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءِيلَ } هو عبد الله بن سلام عند الجمهور ولهذا قيل: إن هذه الآية مدنية لأن إسلام بن سلام بالمدينة. رُوي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب. قال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته»تفسير : فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً. {عَلَىٰ مِثْلِهِ } الضمير للقرآن أي مثله في المعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ويجوز أن يكون المعنى إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك يعني كونه من عند الله {فَـئَامَنَ } الشاهد {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإيمان به. وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين، ويدل على هذا المحذوف. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } والواو الأولى عاطفة لـ {كَفَرْتُمْ } على فعل الشرط، وكذلك الواو الأخيرة عاطفة لـ {ٱسْتَكْبَرْتُمْ } على {شَهِدَ شَاهِدٌ }، وأما الواو في {وَشَهِدَ } فقد عطفت جملة قوله {شَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَـئَامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } على جملة قوله {كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ } والمعنى قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله، فإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي لأجلهم وهو كلام كفار مكة قالوا: إن عامة من يتبع محمداً السقاط يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } العامل في «إذ» محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم وقوله {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } مسبب عنه وقولهم {إِفْكٌ قَدِيمٌ } أي كذب متقادم كقولهم {أية : أساطير الأولين{ تفسير : [الأنعام:25] {وَمِن قَبْلِهِ } أي القرآن {كِتَابُ مُوسَىٰ } أي التوراة وهو مبتدأ و {مِن قَبْلِهِ } ظرف واقع خبراً مقدماً عليه وهو ناصب {إِمَاماً } على الحال نحو: في الدار زيد قائماً. ومعنى {إِمَاماً }قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام {وَرَحْمَةً } لمن آمن به وعمل بما فيه {وَهَـٰذَا } القرآن {كِتَـٰبٌ مُّصَدِّقٌ } لكتاب موسى أو لما بين يديه وتقدمه من جميع الكتب {لِّسَاناً عَرَبِيّاً } حال من ضمير الكتاب في {مُّصَدّق} والعامل فيه {مُّصَدّق} أو من كتاب لتخصصه بالصفة ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوز أن يكون مفعولاً لـ {مُّصَدّق} أي يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول {لِّيُنذِرَ} أي الكتاب، {لّتُنذِرَ } حجازي وشامي. {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا {وَبُشْرَىٰ } في محل النصب معطوف على محل {لّيُنذِرَ } لأنه مفعول له {لِّلْمُحْسِنِينَ} للمؤمنين المطيعين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي بالعدل {وأجل مسمى} يعني يوم القيامة وهو الأجل الذي ينتهي إليه فناء السموات والأرض {والذين كفروا عما أنذروا} أي خوفوا به في القرآن من البعث والحساب {معرضون} أي لا يؤمنون به {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله} يعني الأصنام {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا} أي بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن فيه بيان ما تقولون {أو أثارة من علم} أي بقية من علم يؤثر عن الأولين ويسند إليهم وقيل برواية عن علم الأنبياء وقيل علامة من علم وقيل هو الخط وهو خط كانت العرب تخطه في الأرض {إن كنتم صادقين} أي في أن لله شريكاً {ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له} يعني الأصنام لا تجيب عابد بها إلى شيء يسألونها {إلى يوم القيامة} يعني لا تجيب أبداً ما دامت الدنيا {وهم من دعائهم غافلون} يعني لأنها جمادات لا تسمع ولا تفهم {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} أي جاحدين {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين} سموا القرآن سحراً {أم يقولون افتراه} أي اختلق القرآن محمد من قبل نفسه قال الله عز وجل {قل} يا محمد {إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً} أي لا تقدرون أن تردوا عني عذابه إن عذبني على افترائي فكيف أفتري على الله من أجلكم {هو أعلم} أي الله أعلم {بما تفيضون فيه} أي تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه أنه سحر {كفى به شهيداً بيني وبينكم} أي إن القرآن جاء من عنده {وهو الغفور الرحيم} أي في تأخير العذاب عنكم وقيل هو دعاء لهم إلى التوبة ومعناه أنه غفور لمن تاب منكم رحيم به.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لتنذر} على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب. الباقون: على الغيبة. والضمير للكتاب {إحساناً}: حمزة وعلي وخلف وعاصم. الباقون: {حسناً} {كرهاً} في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام. الباقون: بالضم وفصله يعقوب. الآخرون {وفصاله} {أوزعني أن} بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني {نتقبل} بالنون {أحسن} بالنصب {ونتجاوز} بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص. الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين {أحسن} بالرفع {أف} بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل. وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين. الباقون: بالكسر ولا تنوين {أتعدانني أن} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون {وليوفيهم} بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم. الباقون: بالنون {أءذهبتم} بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان {آذهبتم} بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام. الباقون: بهمزة واحدة. الوقوف: {حم} ه كوفي {الحكيم} ه {مسمى} ط {معرضون} ه {السموات} ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب {صادقين} ه {غافلون} ه {كافرين} ه {مبين} ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار {افتراه} ط {شيئاً} ط {فيه} ط {وبينكم} ط {الرحيم} ه {بكم} ط {مبين} ه ط {واستكبرتم} ط {الظالمين} ه {إليه} ط {قديم} ه {ورحمة} ط {للمحسنين} ه {يحزنون} ه {فيها} ج لأن {جزاء} يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء {يعملون} ه {إحساناً} ط {ووضعته كرهاً} ط {شهراً} ط {سنة} لا لأن ما بعده جواب "إذا" {ذرّيتي} ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام {المسلمين} ه {الجنة} ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله {نتقبل} في معنى الوعد {يوعدون} ه {الأوّلين} ه {والإنس} ط {خاسرين} ه {عملوا} ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم {لا يظلمون} ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم {بها} ج لابتداء التهديد مع الفاء {تفسقون} ه. التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال {ما خلقنا} إلى قوله {وأجل مسمى} وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا. وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله {قل أرأيتم} وقد مر في "فاطر". والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك. فقوله {ائتوني} من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء {بكتاب} فيه شيء من ذلك {أو أثارة من علم} قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب. والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية. والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً. عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط. قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه. ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله {ومن أضل} الآية. وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال. وقوله {إلى يوم القيامة} تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء} وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة. ثم قرر غاية عنادهم بقوله {وإذا تتلى} ثم عجب من حالهم بقوله {أم يقولون افتراه} الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء. ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً {هو أعلم بما تفيضون} أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله {وهو الغفور الرحيم} إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه. ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال {قل ما كنت بدعاً} هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق. وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحي وما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك. قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله الآية. وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله تعالى {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} تفسير : [الفتح: 1] إلى قوله {أية : فوزاً عظيماً}تفسير : [الفتح: 5] فبين الله تعالى ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية. والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي. وقوله {ولا بكم} في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم. و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع. ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال {قل أرأيتم} الآية. وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به. وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} على مثل القرآن. والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد. وعلى هذا فقوله {على مثله} يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن. ويجوز أن يعود الضمير في {مثله} إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ {شهد} قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة {لاستكبرتم} على {شهد} وأما الواو في {وشهد} فقد عطفت جملة قوله {وشهد} إلى آخره على جملة قوله {كان من عند الله وكفرتم به} والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ يدل على هذا الجواب المحذوف قوله {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} قلت: هذا كلام حسن. ويجوز أن يكون قوله {واستكبرتم} معطوفاً على قوله {فآمن}. ويجوز أن يكون الواو في {وشهد} للحال بإضمار "قد". قال: وقد جعل الإيمان في قوله {فآمن} مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن. القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وإيمانه تصديقه ذلك. القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟ والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟ ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا {للذين آمنوا} أي لأجلهم وفي حقهم {لو كان} ما أتى به محمد {خيراً ما سبقونا إليه} وقيل: اللام كما في قولك "قلت له". وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه. وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون. قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم. وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود. وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. والعامل في قوله {وإذ لم يهتدوا به} محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع. والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين. وقيل: كذب ككذب عيسى عليه السلام قوله {ومن قبله كتاب موسى} خبر ومبتدأ وقوله {إماماً} أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً". وقوله {لساناً عربياً} حال من ضمير الكتاب في {مصدّق} أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من {كتاب} لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة. وجوز أن يكون مفعولاً {لصدّق} على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول. قوله {وبشرى} معطوف على محل {لتنذر} لأنه مفعول له. وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال {إن الذين قالوا} الآية. وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين. ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال {ووصينا} الآية. وقد مرّ في "الروم" و "لقمان". والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره. والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع. ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال. وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله {أية : والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين}تفسير : [البقرة: 233] أن مدة الحمل ستة أشهر. وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر. قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة. وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك. وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين. وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب. ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن. وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش. وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان. هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً. وعلى هذا قوله {حتى إذا بلغ أشدّه} أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص". على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول {رب أوزعني} أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل". قال علماء المعاني: قوله {في ذرّيتي} كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له. وقوله {أحسن ما عملوا} إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح. وقوله {في أصحاب الجنة} في موضع الحال أي معدودين فيهم. عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر. قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه سبحانه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ. ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول. والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم. سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله {والذي قال} مبتدأ خبره {أولئك} والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً. ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل. وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل. عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول {لوالديه أف لكما} وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" {أتعدانني أن أخرج} من القبر {وقد خلت القرون من قبلي} فلم يرجع أحدهم {وهما} يعني أبويه {يستغيثان الله} أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له {ويلك آمن} بالله وبالبعث. والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك. قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه {ولكل درجات مما عملوا} وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه سبحانه قال فيه {أولئك الذين حق عليهم القول} كائنين {في أمم} إلى آخره. وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين. وروي عن عائشة إنكاره إيضاً. وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه {والذي قال لوالديه} فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه. ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله {ولكل} أي من الجنسين {درجات} من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ. والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه. وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع. قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله تعالى {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}تفسير : [الأعراف: 32] ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال:حديث : أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير. قال: بل أنتم اليوم خير. تفسير : وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال {أذهبتم طيباتكم} وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال {أذهبتم} الآية. فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها {ويوم يعرض الذين كفروا} ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع. والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني: القرآن. وقوله سبحانه: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ}: هذه الآية موعظة، وزَجْرٌ، المعنى: فانتبهوا أَيُّهَا الناسُ، وٱنْظُرُوا ما يُرَادُ بكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، «والأَجَلُ المُسَمَّىٰ»: هو يَوْمُ القيامةِ. وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ} [معناه:] ما تَعْبُدُونَ، ثم وقفهم على السَّمٰوَاتِ؛ هَلْ لهم فيها شِرْكٌ، ثم استدعَىٰ منهم كتاباً مُنَزَّلاً قبل القرآن يتضمَّن عبادَةَ الأَصْنَامِ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: هذه الآية مِنْ أَشْرَفِ آية في القرآن؛ فإنَّها استوفَتِ الدَّلالَةَ على الشرائع عَقْلِيِّهَا وسَمْعِيِّها؛ لقوله ـــ عزَّ وجلَّ ـــ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} فهذا بيانٌ لأدِلَّة العَقْلِ المتعلِّقة بالتوحيدِ، وحُدُوثِ العالم، وانفراد البارِي تعالَىٰ بالقدرة والعِلْمِ والوجُودِ والخَلْقِ، ثم قال: {ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَا}: على ما تقولون، وهذا بيان لأدلَّة السَّمْعِ؛ فَإنَّ مدرك الحق إنما يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع، حسبما بَيَّنَّاهُ من مراتب الأدِلَّة في كتب الأصول، ثم قال: {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} يعني: أو عِلْمٍ يؤْثَرُ، أي: يُرْوَىٰ ويُنْقَلُ، وإنْ لم يكن مكتوباً، انتهى. وقوله: {أَوْ أَثَـٰرَةٍ} معناه: أو بَقِيَّةٍ قديمةٍ من عِلْمِ أحد العلماءِ، تقتضي عبادة الأصنام، و«الأثارة» البَقِيَّةُ من الشيء، وقال الحسنُ: المَعْنَىٰ: من عِلْمٍ تستَخْرِجُونَهُ فتثيرونه، وقال مجاهدٌ: المعنَىٰ: هل مِنْ أَحَدٍ يأثر علماً في ذلك، وقال القرطبيُّ: هو الإسناد؛ ومنه قول الأَعْشَىٰ: من [السريع] شعر : إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمَارَيْتُمَا بُيِّنَ لِلسَّامِعِ وَالآثِرِ تفسير : أي: وللمُسْنِدِ عن غيره، وقال ابن عباس: الأثارة: الخَطُّ في التراب، وذلك شيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تفعله، والضمير في قوله: {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـٰفِلُونَ} هو للأصنام في قول جماعة، ويحتمل أنْ يكون لِعَبَدَتِهَا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى} تقدم الكلام على نظير ذلك. والمراد ههنا بالأجل المسمى يوم القيامة، وهو الأجل الذي ينتهي إليه السموات والأرض وهو إشارة إلى قيامها. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ} يجوز أن تكون "ما" مصدرية أي عن إنذارهم أو بمعنى الذي أي عن الذي أُنذِرُوهُ و "عن" متعلقة بالإعراض و "مُعْرِضُون" خبر الموصول. قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} حكم "أرأيتم". ووقع بعد هذه "أََرُونِي" فاحتملت وجهين: أحدهما: أن تكون توكيداً لها، ولأنهما بمعنى أخبروني، وعلى هذا يكون المفعول الثاني (لأَرَأَيْتُمْ) قوله "مَاذَا خَلَقُوا" إلا أنه استفهام، والمفعول الأول هو قوله: "مَا تَدْعُونَ". الوجه الثاني: أن لا تكون مؤكدة لها وعلى هذا تكون المسألة من باب التنازع، لأن (أَرأَيْتُمْ) يطلب ثانياً و "أروني" كذلك، وقوله: "مَاذَا خَلَقُوا" هو المُتَنَازَعُ فيه، وتكون المسألة من إعمال الثاني، والحذف من الأول. وجوز ابن عطية في "أَرأَيْتُم" أن لا يتعدى، وجعل "مَا تَدْعُونَ" استفهاماً معناه التوبيخ. وقال: "وتدعون" معناه تبعدون. وهذا رأي الأخفش، وقد قال بذلك في قوله: {أية : قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ}تفسير : [الكهف:63] وقد تقدم. قوله: "مِن الأَرْضِ" هذا بيان للإبهام الذين في قوله: "مَاذَا خَلَقُوا". قوله: "أَمْ لَهُمْ" هذه "أم" المنقطعة، والشِّرْكُ المُشَارَكَةُ، وقوله: "مِنْ قَبْلِ هَذَا" صفة لِكِتَابٍ أي بكتاب منزل من قبلِ هذا، كذا قدرها أبو البقاء، والأحْسن أن يقدر كون مطلق أي كائن من قبل هذا. قوله: "أَوْ أَثَارةٍ" العامة على أَثارة، وهي مصدر على فَعَالةٍ، كالسَّمَاحَةِ، والغَوايَةِ والضَّلاَلَةِ ومعناها البقية من قولهم: سمنت الناقة على أثارةٍ من لَحْم إذَا كانت سَمِينةً، ثم هزِلَتُ، وبقي بقية من شَحْمِهَا ثم سمنت. والأثارة غلب استعمالها في بقية الشرف، يقال: لِفُلانٍ أثارةٌ أي بقية شرف، وتستعمل في غير ذلك قال الراعي: شعر : 4449ـ وََذَاتِ أَثَـارَةٍ أَكَلَـت عَلَيْهَـا نَبَاتـاً فـي أكَِمَّتِـهِ قَفَــاراً تفسير : وقيل: اشتقاقها من أثر كذا أي أسْنَدَهُ. ومنه قوله عمر: "ما خَلَّفْت به ذَاكِراً وَلاَ آثِراً" أي مسنداً له عن غيري. وقال الأعشى: شعر : 4450ـ إنَّ الَّـذِي فِيــهِ تَمَارَيْتُمَـــا بُيِّــنَ لِلسَّامِــعِ وَالآثِــرِ تفسير : وقيل: فيها غير ذلك. وقرأ عَلِيٌّ وابن عَبَّاسٍ وزيدُ بنُ عَلِيٍّ وعكرمةُ في آخرين: أَثَرَةٍ دون ألف. وهي الواحدة وتجمع على أَثَر، كقَتَرَةٍ، وقَتَرٍ. وقرأ الكسائي: أُثْرَةٍ، وإِثْرَة بضم الهمزة وكسرها مع سكون الثاء. وقتادة والسُّلَميّ بالفتح والسكون. والمعنى بما يُؤْثَرُ ويُرْوَى، أي ائتوني بخبر واحد يشهد بصحة قولكم. وهذا على سبيل التنزيل للعلم بكذب المدعي. و "مِن عِلْمٍ" صفةٌ لأَثَارَةٍ. فصل قال أبو عُبَيْدَة والفَرَّاءُ والزَّجَّاجُ أثارة من علم أي بقية. قال المبرد أثارة ما يؤثر منْ عِلمٍ كقولك: هذا الحديثُ يُؤْثَر عَنْ فُلاَنٍ، ومن هذا المعنى سيمت الأخبار والآثار، يقال: جَاءَ في الأثر كَذَا وكَذَا. قال الواحدي: وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال: الأول: الأثارة واشتقاقها من أثرت الشيءَ أُثِيرُه إِثَارةً، كأنها بقية تستخرج فتُثَارُ. والثاني: من الأثر الذي هو الرواية. والثالث: من الأَثَرِ بمعنى العلامة. قال الكلبي في تفسير الأثارة: أي بقية من علم يؤثر عن الأولين أي يسند إليهم. وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال مجاهد: خاصة من علم. قال ابن الخطيب: وههنا قول آخر في تفسير (قوله) تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} هو علم الخط الذي يخط في الرمل والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور. وعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "حديث : كَانَ نَبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطُّه خَطَّهُ عَلِمَ عِلْمَهُ"تفسير : فعلى هذا الوجه معنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام. فإن صحّ تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من بَابِ التَّهَكُّم بهم وأقوالهم ودلائلهم. قوله: "وَمَنْ أَضَلُّ" مبتدأ وخبر. وقوله "مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ" من نكرة موصوفة أو موصولة، وهي مفعولة بقوله: "يَدْعُو". قوله: {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ} يجوز أن يكون الضَّمِيرانِ عائدين على مَنْ في قوله: {مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} وهم الأصنام ويوقع عليهم من معاملتهم إياها معاملة العقلاء ولأنه أراد جميع مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ الله وغلب العقلاء، ويكون قد راعى معنى "من" فلذلك جمع في قوله: "وهم" بعدما راعى لفظها فأفرد في قوله: "وَيَسْتَجِيبُ" وقيل: يعود على "مَنْ" في قوله: "ومَنْ أَضَلّ" وحُمِلَ أولاً على لفظها، فأفرد في قوله: "يَدْعُو"، وثانياً على معناها فجمع في قوله: {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ}. فصل "ومن أضلّ" استفهام على سبيل الإنكار والمعنى لا أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجهل ممن يدعو من دون الله الأصنام، فيتخذها آلهة ويعبدها، وهي إذا دُعِيَتْ لا تسمع، ولا تجيب لا في الحال ولا في المآل إلى يوم القيامة. وإنما جعل ذلك غاية، لأن يوم القيامة قد قيل: إنه تعالى يحييها، ويخاطب منْ يعبدها، فلذلك جعله الله تعالى حدًّا وإذا قامت القيامة وحشر الناس فهذه الأصنام تُعَادِي هَؤُلاَءِ العابدين. واختلفوا فيه فالأكثرون على أنه تعالى يُحْيِي هذه الأصنام يوم القيامة فتتبرأ من عبادتهم. وقيل: المراد عبدة الملائكة وعيسى، فإنهم في يوم القيامة يظهرون عبادة هؤلاء العابدين وهو المراد بقوله: {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} أي جاحدين كقوله: {أية : تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}تفسير : [القصص:63]. قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} هنا أقام ظاهرين مقام مضمرين، إذ الأصل قالوا لها أي للآيات ولكنه أبرزهما ظاهرين لأجل الوصفين المذكورين. واللام في للحق للصلة. فصل لما تكلم في تقرير التوحيد، ونَفْي الأضداد، والأنداد تكلم في النبوّة وبين أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلما عرض عليهم نوعاً من أنواع المعجزات قالوا: هذا سحر أي يسمون القرآن سحراً. قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أم للإنكار والتعجب كأنه قيل: دع هذا واسمع القول المنكر العجيب ثم بين بطلان شبهتهم فقال: "قل" يا محمد "إِن افْتَرَيْتُهُ" على سبيل الفرض، فإن الله يعاملني بعقوبة بُطْلاَن ذلك لافتراء، وأنتم لا تقدرون على دفعه فكيف أقدر على هذه الفِرْيَةِ؟ يعني لعقابه، وهو المراد بقوله: {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لاَ تَقْدِرُونَ أن تردوا عني عذابه، وإن عذبني الله على افْترائِي، فكيف أفتري على الله من أجلكم؟! ونظيره: {أية : فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ}تفسير : [المائدة:17] {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [المائدة:41]. ثم قال: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي الله أعلم بما يخوضون فيه من التكذيب بالقرآن، والقول فيه بأنه سحر. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ويشهد لكم بالكذب {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} لمن رجع عن الكفر وتاب. قال الزجاج: هذا دعاء إلى التوبة، ومعناه غفور لمن تاب منكم رحيمٌ به.
البقاعي
تفسير : {حم *} حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد. ولما بنيت الجاثية على النظر في آيات الخافقين خطاباً لأهل الإيمان استدلالاً على يوم الفصل المدلول عليه في الدخان بآية{أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}تفسير : [الأنبياء: 16] والتي بعدها، فأنتجت العلم بأن الكبرياء لخالقهما بما يشاهد من قهره للملوك فمن سواهم بالموت وما دونه من غير مبالاة بأحد وبينت - بما أفهمه الملك والكبرياء والحكمة لأن عادة من كان بهذا الوصف ألا يكون كلامه إلا بحسب الحاجة - أن الكتاب منزل نجوماً لبيان ما يحاولون به مدحض لحجتهم هادم لعزتهم بحكمته وعزته، فثبت الحشر وحق النشر، وختم بصفتي العزة والحكمة، ذكر بما ثبت من ذلك كله تأكيداً لأمر البعث وتحقيقاً لليوم الآخر على وجه مبين أن الخلق كله آيات وحكم واعتبارات لأنه أثبت أنه كله حق، ونفى عنه كل باطل، فقال خطاباً لأهل الأوثان من سائر الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت بالفسق الجامع لهم الموجب لكفرهم: {تنزيل الكتاب} أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح {من الله} أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ربوبيته، وختم بقوله: {العزيز الحكيم *} تقريراً لأنه لم يضع شيئاً إلا في أوفق محاله، وأنه الخالق للشر كما أنه الخالق للخير ولجميع الأفعال وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه ويحكم أمر دينه فيظهره على الدين كله من غير أن يقدر أحد على معارضته في شيء منه فصارت آية الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة. ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى في الدخان {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} بما ذكر فيهما من الآيات والمنافع والحكم، أثبت هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال دالاً على عزته وحكمته: {ما خلقنا} أي على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء {السماوات والأرض} على ما فيهما من الآيات التي فصل بعضها في الجاثية. ولما كان من المقاصد هنا الرد على المجوس وغيرهم ممن ثبت خلقاً لغير الله قال: {وما بينهما} أي من الهواء المشحون بالمنافع وكل خير وكل شر من أفعال العباد وغيرهم، وقال ابن برجان في تفسيره: جميع الوجود أوله وآخره نسخة لأم الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض الوجود، وبعضه يعطي من الدلالة على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما، غير أن علا أصح دلالة وأقرب شهادة وأبين إشارة، وما صغر من الموجودات دلالته مجملة يحتاج المستعرض فيه إلى التثبت وتدقيق النظر والبحث - انتهى. {إلا بالحق} أي الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق، فخلق الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي لا شائبة لغيره فيه للابتلاء والاختبار للمجازاة بالعدل والمن بالفضل إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها سواه، وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم دلالة على وجود الحق سبحانه، وأنه واحد لا شريك له، ودل على قهره بقوله: {وأجل مسمى} أي لبعث الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل النار، وفناء الخافقين وما نشأ عنهما من الليل والنهار. ولما كان التقدير: وأمرنا الناس بالعمل في ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم عليها جنان النعيم، فالذين آمنوا على ما أنذروا مقبلون، ومن غوائله مشفقون، فهم بطاعتنا عاملون، عطف عليه من السياق له من قوله: {والذين كفروا} أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه فهم لذلك {عما أنذروا} ممن هم عارفون بأن إنذاره لا يتخلف {معرضون *} ومن غوائله آمنون، فهم بما يغضبنا فاعلون، شهدت عندهم شواهد الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا إليها وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله فأعرضوا عنها واشمأزوا منها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة {حم} الأحقاف. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج أحمد بسند جيد عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آل {حم} وهي الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين. وأخرج ابن الضريس، والحاكم وصححه ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الأحقاف، وأقرأها آخر فخالف قراءته، فقلت: من أقرأكها؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذا. فأتينا رسول الله صلى الله، فقلت يا رسول الله: ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال: بلى، فقال الآخر: ألم تقرئني كذا وكذا قال: بلى. فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليقرأ كل واحدٍ منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف.
ابو السعود
تفسير : سورة الأحقاف مكية وآيها أربع أو خمس وثلاثون آية {حـم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} الكلامُ فيه كالذي مرَّ في مطلعِ السورةِ السابقةِ. {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} بما فيهما من حيثُ الجزئيةُ منهما ومن حيثُ الاستقرارُ فيهما. {وَمَا بَيْنَهُمَا} من المخلوقاتِ {إِلاَّ بِٱلْحَقّ} استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ المفاعيلِ. أي إلاَّ خلقاً مُلتبساً بالحقِّ الذي تقتضيهِ الحكمةُ التكوينيةُ والتشريعيةُ، أو من أعمِّ الأحوالِ من فاعلِ خلقنا أو من مفعولِه أي ما خلقنَاها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ ملابستِنا بالحقِّ أو حالَ ملابستِها به. وفيهِ من الدلالةِ على وجودِ الصَّانعِ تعالى وصفاتِ كمالِه وابتناءِ أفعالِه على حِكمٍ بالغةٍ وانتهائِها إلى غاياتٍ جليلةٍ ما لا يَخْفِى. {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطفٌ على الحقِّ بتقديرِ مضافٍ أي وبتقديرِ أجلٍ مُسمَّى ينتهي إليهِ أمرُ الكلِّ وهو يومُ القيامةِ يومَ تُبدلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسمواتُ وبرزوا لله الواحدِ القهارِ، وقيلَ: هُو آخرُ مُدةِ البقاءِ المقدرِ لكلِّ واحدٍ، ويأباهُ قولُه تعالى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} فإنَّ ما أُنذروه يومُ القيامةِ وما فيهِ من الطامَّةِ التَّامَّةِ والأهوالِ العامةِ لا آخرُ أعمارِهم وقد جُوِّزَ كونُ ما مصدريةً، والجملةُ حاليةٌ. أي ما خلقنا الخلقَ إلا بالحقِّ وتقديرِ الأجلِ الذي يُجازونَ عندَهْ، والحالُ أنَّهم غيرُ مؤمنينَ به معرضونَ عنه وعن الاستعدادِ له. {قُلْ} توبـيخاً لهم وتبكيتاً {أَرَءيْتُمْ} أخبرُوني، وقُرِىءَ أرأيتَكُم. {مَا تَدَّعُونَ} ما تعبدونَ {مِن دُونِ ٱللَّهِ} منَ الأصنامِ {أَرُونِىَ} تأكيدٌ لأرأيتُم. {مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} بـيانُ للإبهامِ في ماذَا {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ} أي شرْكةٌ معَ الله تعالَى. {فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي في خلقِها أو مُلكِها وتدبـيرِها حتَّى يُتوهم أن يكونَ لهم شائبةُ استحقاقٍ للمعبوديةِ فإنَّ ما لا مدخلَ له في وجودِ شيءٍ من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ فهُو بمعزلٍ منْ ذلكَ الاستحقاقِ بالمرَّةِ وإِنْ كانَ منَ الأحياءِ العُقلاءِ فَما ظنُّكم بالجمادِ. وقولُه تعالَى {ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ} الخ. تبكيتٌ لهم بتعجيزِهم عن الإتيانِ بسندٍ نقليَ بعد تبكيتِهم بالتعجيزِ عن الإتيانِ بسندٍ عقليَ أي ائتونِي بكتابٍ إلهيَ كائنٍ {مّن قَبْلِ هَـٰذَا} الكتابِ أي القُرآنِ الناطقِ بالتَّوحيدِ وإبطالِ الشركِ دالٍ على صحةِ دينِكم {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مّنْ عِلْمٍ} أو بقيةٍ من علمٍ بقيتْ عليكُم من علومِ الأولينَ شاهدةٍ باستحقاِقهم للعبادِة {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في دَعْواكُم فإنَّها لا تكادُ تَصحُّ ما لم يقُم عليها برهانٌ عقليٌّ أو سلطانٌ نقليٌّ، وحيثُ لَم يقُمْ عليها شيءٌ منهُمَا وقد قامتْ على خلافِها أ دلةُ العقلِ والنقلِ تبـينَ بطلانُها. وقُرِىءَ إِثَارَةٍ بكسرِ الهمزةِ أي مناظرةٍ فإنها تُثيرُ المعانيَ، وأثَرةٍ أيْ شيءٍ أُوثرتُم بهِ وخُصِصتُم منْ علمٍ مطويَ من غيرِكم، وإثرة بالحركات الثلاث مع سكون الثاء، إما المكسورةُ فبمعنى الأثَرةِ، وأمَّا المفتوحةُ فهي المرةُ من أثرَ الحديثَ أي رَواه، وأمَّا المضمومةُ فاسمُ ما يُؤثرُ كالخُطبةِ التي هي اسمُ ما يُخطبُ بهِ.
القشيري
تفسير : حَمَيْتُ قلوبَ أهلِ عنايتي فَصَرَفْتُ عنها خواطرَ التجويز، وَثَبَّتُها في مشاهدِ اليقينِ بنور التحقيق؛ فلاحت فيها شواهدُ البرهان، فأضَفْنا إليها لطائفَ الإحسان؛ فكَمُلَ منالُها من عين الوصلة، وغذيناهم بنسيم الأَنْس في ساحات القربة. {ٱلْعَزِيزِ}: المُعزِّ للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم. {ٱلْحَكِيمِ}، المُحْكِم لكتابِه عن التبديل والتحويل.
البقلي
تفسير : {حـمۤ} اشارة الحاء والميم الى حمايته اسرار الواصلين عن حركات الضمائر لانها حمائم ابراج الملكوت والجبروت حمد نفسه بما اولاهم لهم منّ عليهم حتى ارتفع حمده عن الحدثان اذ حمده لا يستطيع احد من خلقه اى بحمدى على نفسه وحمايتى قلوب العارفين هذا تنزيل منى وانا العزيز الغالب يقهرى على سلب ارواح العاشقين بجمالى وجلالى وانا الحكيم فى اصطفائيتك من اصطفائيته كل بنى ورسول ولى وملك يا حبيبى ويا محبى حكمت فى نفسى او اوصلكم الى وصالى واسقيكم من بحار حيوتى شرابات انوار القامية القيومية الباهقية الازلية الابدية قال الاستاذ فى قوله حم حميت قلوب اهل عنايتى قصرت عناه خواطر التجويز واثبتها فى شاهد اليقين بنور التحقيق فلاح فيها شواهد برهانهم واضفنا اليها لطائف احساننا فكل مناها من عين الوصلة وغذيناها بنسيم الانس فى ساحات القربة.
اسماعيل حقي
تفسير : {حم} اى هذه السورة مسماة بحم وقال بعضهم الحاء اشارة الى حماية اهل التوحيد والميم الى مرضاته منهم مع المزيد وهو النظر الى وجهه الكريم وقال بعضهم معناه حميت قلوب اهل عنايى فصنتها عن الخواطر والهواجس فلاح فيها شواهد الدين واشرقت بنور اليقين. يقول الفقير فيه اشارة الى ان القرءآن حياة الموتى كما قال او كلم به الموتى وكذا حياة الموتى من القلوب فان العلوم والمعارف والحكم حياة القلوب والارواح والاسرار وايضا الى الاسماء الحسنى فان حاء وميم من حساب اليسط تسعة وتسعون وايضا الى الصفات السبع التى خلق الله آدم عليها وهى الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام فالحاء حاء الحياة والميم ميم الكلام فاشير بالاول والآخر الى المجموع يعنى ان الله تعالى انزل القرءآن لتحصى اسماؤه الحسنى وتعرف صفاته العليا ويتخلق بأخلاقه العظمى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {حمۤ} يا محمد، أو: الوحي إلى محمد، {تنزيلُ الكتاب من الله} أي: هذا تنزيل القرآن، وهو من الله {العزيزِ الحكيم} فمَن حفظه، وعرف ما فيه، وعمل بمضمنه كان عزيزراً على الله، حكيماً فيما يبدئ ويعيد. {ما خلقنا السماواتِ والأرض وما بينهما} من المخلوقات {إِلا بالحق} أي: إلا ملتبساً بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية والتشريعية، فالاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أو من أعم الأحوال، أي: ما خلقناهما في حال من الأحوال إلا حال ملابستنا بالحق، وفيه من الدلالة على وجود الصانع، وصفات كماله، وابتناء أفعاله على حكمة بالغة، ما لا يخفى، {وأجل مُسمىً} تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، يوم تُبدل الأرض غير الأرض والسموات، {والذين كفروا عما أُنذروا} به من هول ذلك اليوم، الذي لا بُد لكل مخلوق من الانتهاء إليه، {مُعرِضُون} لا يؤمنون به، ولا يهتمُّون بالاستعداد له، ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم معرضون. وحاصل افتتاح السورة: أنّ الوحي الخاص إلى محمد هو منزل من الله العزيز، الذي عَزَّ عن الافتراء عليه، وأعزَّ بالوحي مَن تمسّك به، الحكيم في تنزيله وحيه، مرشداً لعباده لِمَا فيه صلاحهم وهداهم، ومن حكمته: أنّ خلق السموات والأرض دالاًّ بذلك على توحيده، وكماله في أوصافه وتدابيره، المقتضية لترتُّب دار الجزاء على دار العمل، بحيث لا يُسَوِّي بين مبطل ومحق، فأرشد بخلق الأشياء إلى حكمته دلالة، ثم بإنزال الوحي بذلك قالة، ومع وضوح الأمر في دلالتهما أعرض الذين كفروا من غير دليل عقلي ولا نقلي متواتر ولا آحاد، على أنَّ ما اقتضاه الوحي إلى محمد من التوحيد، والجزاء المرتب على الإخلاص له، والصدق في عبودية الله، والدعاء إلى محاسن الأخلاق، مما اجتمعت عليه الرسل قبله، فليس بمدع مِن عنده. هـ. من الحاشية. الإشارة: {حمۤ} يا حبيب ممجد، قد مجدناك بإنزال كتابنا، وعززناك برسالتنا، ما خلقنا الكائنات إلا ملتبسة بأسرار الحق، وأهل الغفلة معرضون عن هذا. قال القشيري: حَمَيْتُ قلوبَ أهل عنايتي، فصرفتُ عنها خواطر التجويز، ورميتها في مشاهد اليقين بنور التحقيق، فيها شواهد برهانهم، أي: برهان العيان - فأضفنا إليها لطائف إحساننا، فكملت مَنالها من عين الوصلة، وغديناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة. {العزيز} المعز للمؤمنين بإنزال الكتب، {الحكيم} لكتابه عن التبديل والتحويل. هـ. وخواطر التجويز هي خواطر الشك في المقدور، يجوز الوقوع وعدمه بسبب ضعف اليقين، فإذا انتفى عن القلب خواطر التجويز، دخله السكون والطمأنينة، وارتاح في ظل برد الرضا والتسليم. والله تعالى أعلم. ثم وبَّخهم على الشرك بعد ظهور بطلانه، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : خمس آيات فى الكوفي واربع في ما عداه عد الكوفي {حم} ولم يعده الباقون. وقد بينا معنى قوله {حم} وإختلاف العلماء فى ذلك، وبينا ايضاً تأويل قوله {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} فلا وجه لاعادته. وقيل: الوجه في تكرير ذلك الابانة عن أن هذه السورة حالها حال السورة التي قبلها فى أنه تعالى نزلها وشرفها وكرّمها فى الاضافة إلى العزيز الحكيم. والعزيز القادر الذي لا يغالب ولا يقهر. وقيل هو العزيز فى انتقامه من أعدائه الحكيم فى افعاله. وقد يكون الحكيم بمعنى العالم بتصريف الأمور الذي لا يوقعها الا على مقتضى العلم فى التدبير وهو صفة مدح، وضده السفيه، وضد العزيز الذليل. ثم قال تعالى مخبراً إنا {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ومعناه إنا لم نخلق السموات والارض وما بينهما إلا بالحق ومعناه إنه لم توجد السموات والأرض وما بينهما من الاجناس إلا للحق وتعريض الخلق لضروب النعم وتعريض المكلفين للثواب الجزيل ولم نخلقها عبثاً ولا سدى بل عرّضناهم للثواب بفعل الطاعات وزجرناهم بالعقاب عن فعل المعاصي، وقدرنا لهم اوقات نبعثهم اليها وأوقات نجازيهم فيها {وأجل مسمى} أى مذكور للملائكة فى اللوح المحفوظ. ثم قال {والذين كفروا} بوحدانية الله تعالى وجحدوا ربوبيته {عما أنذروا} به معرضون وعما خوّفوا العمل من خلافه بالعقاب {معرضون} أى عادلون عن الفكر فيه والاعتبار به. ثم قال {قل} يا محمد صلى الله عليه وآله لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام ويدعون مع الله إلهاً آخر {أرأيتم ما تدعون من دون الله} آلهة وتوجهون عبادتكم اليها بأي شيء استحقوا ذلك {أروني ماذا خلقوا من الأرض} فاستحقوا بخلق ذلك العبادة والشكر {أم لهم شرك في السماوات} أى في خلقها، فانهم لا يقدرون على ادعاء ذلك. ثم قال لهم {ائتوني بكتاب من قبل هذا} يعني هاتوا بكتاب انزله الله يدل على صحة قولكم قبل هذا القرآن {أو أثارة من علم} يعني شيء يستخرج منه فيثار فيعلم به ما هو منفعة لكم - وهو قول الحسن - وقال مجاهد: معناه او علماً تأثرونه عن غيركم - ويؤدى أثره، وهما لغتان: اثره واثاره، ومنه الحديث المأثور أى المرفوع - يدل على صحة ما تذهبون اليه. وقال ابو بكر وابن عباس: معناه او بقية من علم يشهد بصحة قولكم وصدق دعواكم {إن كنتم صادقين} في ما تذكرونه وتذهبون اليه. ويقال: اثر الشيء اثارة مثل قبح قباحة وسمح سماحة، قال الراعي: شعر : وذات أثارة اكلت عليه تفسير : يعني ذات بقية من شحم. ثم قال تعالى {ومن أضل} أى من اضل عن طريق الصواب {ممن يدعوا من دون الله} أي يضرع اليه ويوجه عبادته إلى {من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} مع ظهور الدلالة على توحيد الله ووضوح آثار نعمه على خلقه {وهم} مع ذلك {عن دعائهم} إياهم {غافلون} أى ذاهبون عن الفكر فيه، لانهم لا يعقلون ولا يفقهون. والغفلة ذهاب المعنى عن نفس العاقل بمعنى يمتنع به إدراكه. وضده اليقظة، وهو حضور المعنى لنفس العاقل بما يجد إدراكه، وانما كنى عن الاصنام بالواو والنون مع أنها لا تعقل لما أضاف اليها ما يكون من العقلاء، كنى عنها بكناياتهم، كما قال {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين }تفسير : وقوله {أية : كل في فلك يسبحون}.
الجنابذي
تفسير : {حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ} اى سماوات عالم الطّبع وسماوات عالم الارواح فى الكبير والصّغير {وَٱلأَرْضَ} بالتّعميم المذكور {وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} المخلوق به {وَأَجَلٍ مُّسَمًى} لسماوات العالم الصّغير وارضه وكذا سماوات العالم الكبير وارضه فانّ لها ايضاً اجلاً وامداً الى اوّل عالم البرزخ {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} لحسبانهم انّا خلقناهم عبثاً ولغواً، وما انذروا عبارة عمّا يلحقهم من العقوبة على ترك المتابعة وترك الولاية، واعراضهم عنه عبارة عن عدم التفاتهم اليه وعدم تدبّرهم لدفعه.
الأعقم
تفسير : {حم} قد بيّنا ما فيه وأن بعضهم قال: اسم السورة، وبعضهم ذكر أنه إشارة إلى إعجاز القرآن، وبعضهم ذكر أنه إشارة إلى حدوثه، وبعضهم قال: إنها مفاتيح أسماء الله {تنزيل} يعني هذه السورة أو القرآن {تنزيل الكتاب} أنزله الله في كتابه {من الله العزيز} القادر على كل مقدور {الحكيم} في أفعاله العليم بكل شيء {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي خلقهما بالحكمة والغرض الصحيح وتقدير {وأجل مسمى} ينتهي إليه وهو يوم القيامة {والذين كفروا عمَّا أنذروا معرضون} أي هو ذلك اليوم الذي لا بدَّ لكل خلق من انتهائه إليه معرضون لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له {قل} يا محمد {أرأيتم ما تدعون من دون الله} أي تدعونه إلهاً {أروني ماذا خلقوا من الأرض} كما أن الله خلق جميع الأرض وابتدعها {أم لهم شرك في السماوات} يعني ليس لهم شرك في خلقهما ولا إمساكها {ائتوني بكتاب} فيه حجة لكم {من قبل هذا} الكتاب وهو القرآن، يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشريك، وما من كتاب أنزله من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، وأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله {أو أثارة من علم} بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين {إن كنتم صادقين} فيما تزعمونه {ومن أضل ممن يدعو من دون الله} أي لا أحد أضل عن طريق الرشد ممن يدعو من دون الله {من لا يستجيب له} إذا دعاه لأنه جماد وهي الأوثان {إلى يوم القيامة} وإذا قامت القيامة {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا} عليهم ضداً، لا يتولاهم في الدنيا بالاستجابة وفي الآخرة يعاديهم، ويجحد عبادتهم حين أنطقها الله، ويجوز أن يريد كل معبود من دون الله من الجن والإِنس والأوثان.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الأحقاف، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حـمۤ}، قد فسّرناه فيما مضى من الحواميم. قوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} أي: القرآن {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أي: العزيز في نقمته الحكيم في أمره. {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: القيامة {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ}. قوله عزّ وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} يعني أوثانهم {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} أي: لم يخلقوا منها شيئاً. {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} أي: هل خلقوا منها شيئاً؟ على الاستفهام، أي: لم يخلقوا شيئاً. {ائْتُونِي} يقول للنبي عليه السلام: قل لهم: ايتوني {بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا} فيه أن هذه الأوثان خلقت من الأرض أو من السماوات شيئاً. {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي: بهذا {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: لستم بصادقين، وليس عندكم بهذا علم ولا أثارة من علم. ومقرأ الحسن وتفسيره {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي من السنن التي قالها النبي عن الله غير منصوصة في الكتاب. وتفسير الكلبي: بقية من علم قد كان قبل هذا القرآن {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. وهي تقرأ على وجهين: أثارة وأثرة. فمن قرأها أثارة فهي البقية ومن قرأ: أثرة فهو يقول: خاصة من علم. ذكروا عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال: حديث : هو أثرة من علم . تفسير : ذكروا عن عطاء بن يسار قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الخط فقال: حديث : كان نبي من الأنبياء يعلمه، فمن وافق مثل علمه علم .
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ} القرآن* {مِنَ اللهِ} خبر تنزيل ومر غير ذلك* {الْعَزِيزِ} في ملكه* {الْحَكِيمِ} في صنعه
اطفيش
تفسير : مثل ما مر.
الالوسي
تفسير : الكلام فيه كالذي تقدم في مطلع السورة السابقة.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة المكية تعالج قضية العقيدة.. قضية الإيمان بوحدانية الله وربوبيته المطلقة لهذا الوجود ومن فيه وما فيه. والإيمان بالوحي والرسالة وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول سبقته الرسل، أوحي إليه بالقرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتاب. والإيمان بالبعث وما وراءه من حساب وجزاء على ما كان في الحياة الدنيا من عمل وكسب ومن إحسان وإساءة. هذه الأسس الأولى التي يقيم عليها الإسلام بناءه كله. ومن ثم عالجها القرآن في كل سوره المكية علاجاً أساسياً، وظل يتكىء عليها كذلك في سورة المدنية كما هم بتوجيه أو تشريع للحياة بعد قيام الجماعة المسلمة والدولة الإسلامية. ذلك أن طبيعة هذا الدين تجعل قضية الإيمان بوحدانية الله سبحانه، وبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان بالآخرة وما فيها من جزاء.. هي المحور الذي تدور عليه آدابه ونظمه وشرائعه كلها، وترتبط به أوثق ارتباط؛ فتبقى حية حارة تنبعث من تأثير دائم بذلك الإيمان. وتسلك السورة بهذه القضية إلى القلوب كل سبيل؛ وتوقع فيها على كل وتر، وتعرضها في مجالات شتى، مصحوبة بمؤثرات كونية ونفسية وتاريخية. كما أنها تجعلها قضية الوجود كله - لا قضية البشر وحدهم - فتذكر طرفاً من قصة الجن مع هذا القرآن كذكرها لموقف بعض بني إسرائيل منه. وتقيم من الفطرة الصادقة شاهداً كما تقيم من بعض بني إسرائيل شاهداً. سواء بسواء. ثم هي تطوف بتلك القلوب في آفاق السماوات والأرض، وفي مشاهد القيامة في الآخرة. كما تطوف بهم في مصرع قوم هود وفي مصارع القرى حول مكة. وتجعل من السماوات والأرض كتاباً ينطق بالحق كما ينطق هذا القرآن بالحق على السواء. ويمضي سياق السورة في أربعة أشواط مترابطة، كأنها شوط واحد ذو أربعة مقاطع. يبدأ الشوط الأول وتبدأ السورة معه بالحرفين: حا. ميم. كما بدأت السور الست قبلها. تليهما الإشارة إلى كتاب القرآن والوحي به من عند الله: {تنزيل الكتاب من العزيز الحكيم}.. وعقبها مباشرة الإشارة إلى كتاب الكون، وقيامه على الحق، وعلى التقدير والتدبير: {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى}.. فيتوافى كتاب القرآن المتلو وكتاب الكون المنظور على الحق والتقدير: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون}. وبعد هذا الافتتاح القوي الجامع يأخذ في عرض قضية العقيدة مبتدئاً بإنكار ما كان عليه القوم من الشرك الذي لا يقوم على أساس من واقع الكون، ولا يستند إلى حق من القول، ولا مأثور من العلم: {قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله؟ أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ أم لهم شرك في السماوات؟ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين}.. ويندد بضلال من يدعو من دون الله من لا يسمع لعابده ولا يستجيب. ثم هو يخاصمه يوم القيامة ويبرأ من عبادته في اليوم العصيب! ويعرض بعد هذا سوء استقبالهم للحق الذي جاءهم به محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقولهم له: {هذا سحر مبين}.. وترقيهم في الادعاء حتى ليزعمون أنه افتراه. ويلقن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم الرد اللائق بالنبوة، النابع من مخافة الله وتقواه، وتفويض الأمر كله إليه في الدنيا والآخرة: {قل: إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً. هو أعلم بما تفيضون فيه. كفى به شهيداً بيني وبينكم، وهو الغفور الرحيم. قل: ما كنت بدعاً من الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ، وما أنا إلا نذير مبين}.. ويحاججهم بموقف بعض من اهتدى للحق من بني إسرائيل حينما رأى في القرآن مصداق ما يعرف من كتاب موسى - عليه السلام -: {فآمن واستكبرتم}.. ويندد بظلمهم بالإصرار على التكذيب بعد شهادة أهل الكتاب العارفين: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. ويستطرد في عرض تعلاتهم ومعاذيرهم الواهية عن هذا الاصرار، وهم يقولون عن المؤمنين: {لو كان خيراً ما سبقونا إليه}.. ويكشف عن علة هذا الموقف المنكر: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: هذا إفك قديم!}. ويشير إلى كتاب موسى من قبله، وإلى تصديق هذا القرآن له، وإلى وظيفته ومهمته: {لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين}.. ويختم هذا الشوط بتفصيل هذه البشرى لمن صدق بالله واستقام على الطريق: {إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون}.. ويعرض الشوط الثاني نموذجين للفطرة البشرية: المستقيمة والمنحرفة، في مواجهة قضية العقيدة. ويبدأ معهما من النشأة الأولى، وهما في أحضان والديهم. ويتابع تصرفهما عند بلوغ الرشد والتبعة والاختيار. فأما الأول فشاعر بنعمة الله بار بوالديه، راغب في الوفاء بواجب الشكر، تائب ضارع مستسلم منيب: {أية : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}تفسير : .. وأما الآخر فعاق لوالديه كما هو عاق لربه، وهو جاحد منكر للآخرة، وهما به ضيقان متعبان: {أية : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين }.. تفسير : ويختم هذا الشوط بمشهد سريع من مشاهد القيامة يعرض فيه مصير هذا الفريق: {أية : ويوم يعرض الذين كفروا على النار. أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون }.. تفسير : والشوط الثالث يرجع بهم إلى مصرع عاد، عندما كذبوا بالنذير. ويعرض من القصة حلقة الريح العقيم، التي توقعوا فيها الري والحياة؛ فإذا بها تحمل إليهم الهلاك والدمار، والعذاب الذي استعجلوا به وطلبوه: {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا: هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، كذلك نجزي القوم المجرمين}.. ويلمس قلوبهم بهذا المصرع، وهو يذكرهم بأن عاداً كانوا أشد منهم قوة وأكثر ثروة: {أية : ولقد مكناهم فيما إن مكنا كم فيه، وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء. إذ كانوا يجحدون بآيات الله، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} تفسير : ويذكرهم في نهاية الشوط مصارع ما حولهم من القرى، وعجز آلهتهم المدعاة عن نصرتهم، وظهور إفكهم وافترائهم. لعلهم يتأثرون ويرجعون.. ويتناول الشوط الرابع قصة نفر من الجن مع هذا القرآن، حين صرفهم الله لاستماعه، فلم يملكوا أنفسهم من التأثر والاستجابة، والشهادة له بأنه الحق:{أية : مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }تفسير : وعادوا ينذرون قومهم ويحذرونهم ويدعونهم إلى الإيمان: {أية : يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، يغفر لكم من ذنوبكم، ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، وليس له من دونه أولياء، أولئك في ضلال مبين } تفسير : وتتضمن مقاله النفر من الجن الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح الناطق بقدرة الله على البدء والإعادة: {أية : أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه كان على كل شيء قدير } تفسير : وهنا يلمس قلوبهم بمشهد الذين كفروا يوم يعرضون على النار، فيقرون بما كانوا ينكرون، ولكن حيث لا مجال لإقرار أو يقين! وتختم السورة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر وعدم الاستعجال لهم بالعذاب، فإنما هو أجل قصير يمهلونه، ثم يأتيهم العذاب والهلاك:{أية : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. بلاغ. فهل يهلك إلا القوم الفاسقون؟ } تفسير : والآن نأخذ في تفصيل هذه الأشواط.. {حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، والذين كفروا عما أنذروا معرضون}.. هذا هو الإيقاع الأول في مطلع السورة؛ وهو يلمس العلاقة بين الأحرف العربية التي يتداولها كلامهم، والكتاب المصوغ من جنس هذه الأحرف على غير مثال من كلام البشر، وشهادة هذه الظاهرة بأنه تنزيل من الله العزيز الحكيم. كما يلمس العلاقة بين كتاب الله المتلو المنزل من عنده، وكتاب الله المنظور المصنوع بيده. كتاب هذا الكون الذي تراه العيون، وتقرؤه القلوب. وكلا الكتابين قائم على الحق وعلى التدبير. فتنزيل الكتاب {من الله العزيز الحكيم} هو مظهر للقدرة وموضع للحكمة. وخلق السماوات والأرض وما بينهما متلبس بالحق: {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}.. وبالتقدير الدقيق: {وأجل مسمى} تتحقق فيه حكمة الله من خلقه، ويتم فيه ما قدره له من غاية. وكلا الكتابين مفتوح، معروض على الأسماع والأنظار، ينطق بقدرة الله، ويشهد بحكمته، ويشي بتدبيره وتقديره، ويدل كتاب الكون على صدق الكتاب المتلو، وما فيه من إنذار وتبشير.. {والذين كفروا عما أنذروا معرضون}.. وهذا هو العجب المستنكر في ظل تلك الإشارة إلى الكتاب المنزل والكتاب المنظور! والكتاب المنزل المتلو يقرر أن الله واحد لا يتعدد، وأنه رب كل شيء، بما أنه خالق كل شيء، ومدبر كل شيء، ومقدر كل شيء. وكتاب الكون الحي ينطق بهذه الحقيقة ذاتها؛ فنظامه وتنسيقه وتناسقه كلها تشهد بوحداينة الصانع المقدر المدبر، الذي يصنع على علم، ويبدع على معرفة، وطابع الصنعة واحد في كل ما يصنع وما يبدع. فأنى يتخذ الناس آلهة من دونه؟ وماذا صنع هؤلاء الآلهة وماذا أبدعوا؟ وهذا هو الكون قائماً معروضاً على الأنظار والقلوب؛ فماذا لهم فيه؟ وأي قسم من أقسامه أنشأوه؟ {قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله؟ أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ أم لهم شرك في السماوات؟ ائتوني بكتاب من قبل هذا، أو أثارة من علم، إن كنتم صادقين}.. وهذا تلقين من الله سبحانه لرسلوله، صلى الله عليه وسلم، ليواجه القوم بشهادة كتاب الكون المفتوح. الكتاب الذي لا يقبل الجدل والمغالطة - إلا مراء ومحالاً - والذي يخاطب الفطرة بمنطقها، بما بينه وبين الفطرة من صلة ذاتية خفية، يصعب التغلب عليها ومغالطتها. {أروني ماذا خلقوا من الأرض؟}.. ولن يملك إنسان أن يزعم أن تلك المعبودات - سواء كانت حجراً أم شجراً أم جناً أم ملائكة أم غيرها - قد خلقت من الأرض شيئاً، أو خلقت في الأرض شيئاً. إن منطق الفطرة. منطق الواقع. يصيح في وجه أي ادعاء من هذا القبيل. {أم لهم شرك في السماوات؟}.. ولن يملك إنسان كذلك أن يزعم أن لتلك المعبودات شركة في خلق السماوات أو في ملكيتها. ونظرة إلى السماوات توقع في القلب الإحساس بعظمة الخالق، والشعور بوحدانيته؛ وتنفض عنه الانحرافات والترهات.. والله منزل هذا القرآن يعلم أثر النظر في الكون على قلوب البشر؛ ومن يوجههم إلى كتاب الكون ليتدبروه ويستشهدوه ويستمعوا إلى إيقاعاته المباشرة في القلوب. ثم يأخذ الطريق على ما قد يطرأ على بعض النفوس من انحراف بعيد. فقد يصل بها هذا الانحراف إلى أن تزعم هذا الزعم أو ذاك بلا حجة ولا دليل. يأخذ عليها الطريق، فيطالبها الحجة والدليل؛ ويعلمها في الوقت ذاته طريقة الاستدلال الصحيح؛ ويأخذها بالمنهج السليم في النظر والحكم والتقدير: {ائتوني بكتاب من قبل هذا، أو أثارة من علم، إن كنتم صادقين}.. فإما كتاب من عند الله صادق. وإما بقية من علم مستيقن ثابت. وكل الكتب المنزلة قبل القرآن تشهد بوحدانية الخالق المبدع المدبر المقدر؛ وليس فيها من كتاب يقر خرافة الآلهة المتعددة، أو يقول بأن لها في الأرض خلقاً أو في السماوات شركاً! وليس هنالك من علم، ثابت يؤيد مثل ذلك الزعم المتهافت. وهكذا يواجههم القرآن بشهادة هذا الكون. وهي شهادة حاسمة جازمة. ويأخذ عليهم طريق الادعاء بلا بينة. ويعلمهم منهج البحث الصحيح. في آية واحدة قليلة الكلمات، واسعة المدى، قوية الإيقاع، حاسمة الدليل. ثم يأخذ بهم إلى نظرة موضوعية في حقيقة هذه الآلهة المدعاة، مندداً بضلالهم في اتخاذها، وهي لا تستجيب لهم، ولا تشعر بدعائهم في الدنيا؛ ثم هي تخاصمهم يوم القيامة، وتنكر دعواهم في عبادتها: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون؟ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}.. وقد كان بعضهم يتخذ الأصنام آلهة. إما لذاتها وإما باعتبارها تماثيل للملائكة. وبعضهم يتخذ الأشجار، وبعضهم يتخذ الملائكة مباشرة أو الشيطان.. وكلها لا تستجيب لداعيها أصلاً. أو لا تستجيب له استجابة نافعة. فالأحجار والأشجار لا تستجيب. والملائكة لا يستجيبون للمشركين. والشياطين لا تستجيب إلا بالوسوسة والإضلال. ثم إذا كان يوم القيامة وحشر الناس إلى ربهم، تبرأ هؤلاء وهؤلاء من عبادهم الضالين. حتى الشيطان كما جاء في سورة أخرى:{أية : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ. إني كفرت بما أشركتمون من قبل. إن الظالمين لهم عذاب أليم } تفسير : وهكذا يقفهم القرآن وجهاً لوجه أمام حقيقة دعواهم ومآلها في الدنيا والآخرة. بعدما وقفهم أمام الحقيقة الكونية التي تنكر هذه الدعوى وترفضها. وفي كلتا الحالتين تبرز الحقيقة الثابتة. حقيقة الوحدانية التي ينطق بها كتاب الوجود، وتوجبها مصلحة المشركين أنفسهم، ويلزمهم بها النظر إلى مآلهم في الدنيا والآخرة. وإذا كان القرآن يندد بضلال من يدعون من دون الله آلهة لا يستجيبون لهم إلى يوم القيامة؛ وكان هذا يعني المعبودات التاريخية التي عرفتها الجماعات البشرية عند نزول هذا القرآن، فإن النص أوسع مدلولاً وأطول أمداً من ذلك الواقع التاريخي. فمن أضل ممن يدعو من دون الله أحداً في أي زمان وفي أي مكان؟ وكل أحد - كائنا من كان - لا يستجيب بشيء لمن يدعوه، ولا يملك أن يستجيب. وليس هناك إلا الله فعال لما يريد.. إن الشرك ليس مقصوراً على صوره الساذجة التي عرفها المشركون القدامى. فكم من مشركين يشركون مع الله ذوي سلطان، أو ذوي جاه، أو ذوي مال، ويرجون فيهم، ويتوجهون إليهم بالدعاء. وكلهم أعجز من أن يستجيبوا لدعاتهم استجابة حقيقية. وكلهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. ودعاؤهم شرك. والرجاء فيهم شرك.. والخوف منهم شرك. ولكنه شرك خفي يزاوله الكثيرون، وهم لا يشعرون. ثم يمضي السياق يتحدث عن موقفهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاءهم به من الحق. بعدما تحدث عن واقعهم وتهافت عقيدة الشرك. ويقرر قضية الوحي كما قرر قضية التوحيد: {وإذ تتلى عليم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم: هذا سحر مبين. أم يقولون: افتراه؟ قل: إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً. هو أعلم بما تفيضون فيه.. كفى به شهيداً بيني وبينكم، وهو الغفور الرحيم. قل: ما كنت بدعاً من الرسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ، وما أنا إلا نذير مبين. قل: أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن واستكبرتم؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين. وقال الذين كفروا للذين آمنوا: لو كان خيراً ما سبقونا إليه. وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: هذا إفك قديم. ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة، وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً، لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين}.. يبدأ الحديث عن قضية الوحي بترذيل مقولتهم عنه، واستنكار استقبالهم له، وهو آيات {بينات} لا لبس فيها ولا غموض، ولا شبهة فيها ولا ريبة. ثم إنه {الحق} الذي لا مرية فيه. وهم يقولون لتلك الآيات ولهذا الحق {هذا سحر مبين}.. وشتان بين الحق والسحر. وهما لا يختلطان ولا يشتبهان. وهكذا يبدأ الهجوم منذ البدء على تقولهم الظالم وادعائهم القبيح، الذي لا يستند إلى شبهة ولا ظل من دليل. ثم يرتقي في إنكار مقولتهم الأخرى.. {افتراه}.. فلا يسوقها في صيغة الخبر بل في صيغة الاستفهام. كأن هذا القول لا يمكن أن يقال، وبعيد أن يقال: {أم يقولون افتراه؟}.. فيبلغ بهم التطاول أن يقولوا هذه المقولة التي لا تخطر على بال؟! ويلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بأدب النبوة، الذي ينم عن حقيقة شعوره بربه، وشعوره بوظيفته، وشعوره بحقيقة القوى والقيم في هذا الوجود كله: {قل: إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً. هو أعلم بما تفيضون فيه. كفى به شهيداً بيني وبينكم، وهو الغفور الرحيم}.. قل لهم: كيف أفتريه؟ ولحساب من أفتريه؟ ولأي هدف أفتريه؟ أأفتريه لتؤمنوا بي وتتبعوني؟ ولكن: {إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً}.. وهو آخذني بما افتريت. فماذا يجديني أن تكونوا معي وأن تتبعوني. وأنتم أعجز من أن تحموني من الله حين يأخذني بافترائي، وأضعف من أن تنصروني؟! وهو الرد اللائق بنبي، يتلقى من ربه، ولا يرى في الوجود غيره، ولا يعرف قوة غير قوته، وهو رد كذلك منطقي يدركه المخاطبون به لو حكموا عقولهم فيه. يجيبهم به، ثم يترك أمرهم لله: {هو أعلم بما تفيضون فيه}.. من القول والفعل. وهو يجزيكم بما يعلمه من أمركم. {كفى به شهيداً بيني وبينكم}.. يشهد ويقضي، وفي شهادته الكفاية وفي قضائه. {وهو الغفور الرحيم}.. وقد يرأف بكم، فيهديكم رحمة منه، ويغفر لكم ما كان من ضلالكم قبل الهدى والإيمان.. رد فيه تحذير وترهيب. وفيه إطماع وتحضيض. يأخذ على القلب مسالكه، ويلمس أوتاره. ويشعر السامعين أن الأمر أجل من مقولاتهم الهازلة، وادعاءاتهم العابثة. وأنه في ضمير الداعية أكبر وأعمق مما يشعرون. ويمضي معهم في مناقشة القضية - قضية الوحي - من زاوية أخرى واقعية مشهودة. فماذا ينكرون من أمر الوحي والرسالة؛ ولم يعجلون بتهمة السحر أو تهمة الافتراء؟ وليس في الأمر غريب ولا عجيب: {قل: ما كنتم بدعاً من الرسل. وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ، وما أنا إلا نذير مبين}.. إنه - صلى الله عليه وسلم - ليس أول رسول. فقد سبقته الرسل. وأمره كأمرهم. وما كان بدعاً من الرسل. بشر يعلم الله أنه أهل للرسالة فيوحي إليه، فيصدع بما يؤمر. هذا هو جوهر الرسالة وطبيعتها.. والرسول حين يتصل قلبه لا يسأل ربه دليلاً، ولا يطلب لنفسه اختصاصاً. إنما يمضي في سبيله، يبلغ رسالة ربه، حسبما أوحى بها إليه: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ}.. فهو لا يمضي في رسالته لأنه يعلم الغيب؛ أو لأنه يطلع على ما يكون من شأنه وشأن قومه وشأن الرسالة التي يبشر بها. إنما هو يمضي وفق الإشارة وحسب التوجيه. واثقاً بربه، مستسلماً لإرادته، مطيعاً لتوجيهه، يضع خطاه حيث قادها الله. والغيب أمامه مجهول، سره عند ربه. وهو لا يتطلع إلى السر من وراء الستر لأن قلبه مطمئن، ولأن أدبه مع ربه ينهاه عن التطلع لغير ما فتح له. فهو واقف أبداً عند حدوده وحدود وظيفته: {وما أنا إلا نذير مبين}.. وإنه لأدب الواصلين، وإنها لطمأنينة العارفين، يتأسون فيها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمضون في دعوتهم لله. لا لأنهم يعرفون مآلها، أو يعلمون مستقبلها. أو يملكون فيها قليلاً أو كثيراً. ولكن لأن هذا واجبهم وكفى. وما يطلبون من ربهم برهاناً فبرهانهم في قلوبهم. وما يطلبون لأنفسهم خصوصية فخصوصيتهم أنه اختارهم. وما يتجاوزون الخط الدقيق الذي خطه لهم، ورسم لهم فيه مواقع أقدامهم على طول الطريق. ثم يواجههم بشاهد قريب، لشهادته قيمتها، لأنه من أهل الكتاب الذين يعرفون طبيعة التنزيل: {قل: أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن واستكبرتم؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. وقد تكون هذه واقعة حال، ويكون واحد أو أكثر من بني إسرائيل، عرف أن طبيعة هذا القرآن هي طبيعة الكتب المنزلة من عند الله، بحكم معرفته لطبيعة التوراة. فآمن. وقد وردت روايات أنها نزلت في عبد الله ابن سلام. لولا أن هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم في المدينة. وقد ورد كذلك أن هذه الآية مدنية توكيداً لنزولها في شأن عبد الله - رضي الله عنه -. كما ورد أنها مكية وأنها لم تنزل فيه. وقد تكون إشارة إلى واقعة أخرى في مكة نفسها. فقد آمن بعض أهل الكتاب على قلة في العهد المكي. وكان لإيمانهم، وهم أهل كتاب، قيمته وحجيته في وسط المشركين الأميين. ومن ثم نوه به القرآن في مواضع متعددة، وواجه به المشركين الذين كانوا يكذبون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وهذا الأسلوب في الجدل: {قل أرأيتم إن كان من عند الله... الخ} يراد به زعزعة الإصرار والعناد في نفوس أهل مكة، وإثارة التخوف في نفوسهم والتحرج من المضي في التكذيب. ما دام أن هذا القرآن يحتمل أن يكون من عند الله حقاً كما يقول محمد. وفي هذه الحالة تكون العاقبة وخيمة. فأولى لهم أن يحتاطوا لهذا الفرض، الذي قد يصح، فيحل بهم كل ما ينذرهم به. ومن الأحوط إذن أن يتريثوا في التكذيب، وأن يتدبروا الأمر في حرص وفي حذر، قبل التعرض لتلك العاقبة الوخيمة. وبخاصة إذا أضيف إلى ذلك الاحتمال أن واحداً أو أكثر من أهل الكتاب يشهد بأن من طبيعة الكتاب قبله؛ ويتبع هذا التذوق بالإيمان. بينما هم الذين جاء القرآن لهم، وبلغتهم، وعلى لسان رجل منهم، يستكبرون ويكفرون.. وهو ظلم بين وتجاوز للحق صارخ، يستحق النقمة من الله وإحباط الأعمال: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. ولقد سلك القرآن شتى السبل، واتبع شتى الأساليب، ليواجه شكوك القلب البشري، وانحرافاته وآفاته؛ ويأخذ عليها المسالك؛ ويعالجها بكل أسلوب. وفي أساليب القرآن المتنوعة زاد للدعوة والدعاة إلى هذا الدين.. ومع اليقين الجازم بأن هذا القرآن من عند الله فقد استخدم أسلوب التشكيك لا أسلوب الجزم للغرض الذي أسلفنا. وهو واحد من أساليب الإقناع في بعض الأحوال.. وبعد ذلك يمضي في استعراض مقولات المشركين عن هذا القرآن وعن هذا الدين؛ فيحكي اعتذارهم عن التكذيب به والإعراض عنه، اعتذار المستكبر المتعالي على المؤمنين: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا: لو كان خيراً ما سبقونا إليه. وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: هذا إفك قديم}.. ولقد سارع إلى الإسلام وسبق إليه نفر من الفقراء والموالي في أول الأمر. فكان هذا مغمزاً في نظر الكبراء المستكبرين. وراحوا يقولون: لو كان هذا الدين خيراً ما كان هؤلاء أعرف منا به، ولا أسبق منا إليه فنحن، في مكانتنا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا، أعرف بالخير من هؤلاء! والأمر ليس كذلك. فما كان يمنعهم عنه أنهم يشكون فيه أو يجهلون الحق الذي يقوم عليه. والخير الذي يحتويه، إنما كان هو الكبر عن الإذعان لمحمد - كما كانوا يقولون - وفقدان المراكز الاجتماعية، والمنافع الاقتصادية، كما كان هو الاعتزاز الأجوف بالآباء والأجداد وما كان عليه الآباء والأجداد. فأما الذين سارعوا إلى الإسلام وسبقوا إليه فلم تكن في نفوسهم تلك الحواجز التي منعت الكبراء والأشراف. إنه الهوى يتعاظم أهل الكبر أن يذعنوا للحق، وأن يستمعوا لصوت الفطرة، وأن يسلموا بالحجة. وهو الذي يملي عليهم العناد والإعراض، واختلاق المعاذير، والادعاء بالباطل على الحق وأهله. فهم لا يسلمون أبداً أنهم مخطئون؛ وهم يجعلون من ذواتهم محوراً للحياة كلها يدورون حوله ويريدون أن يديروا حوله الحياة: { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: هذا إفك قديم}.. طبعاً! فلا بد من عيب في الحق ما داموا لم يهتدوا به، ولم يذعنوا له. لا بد من عيب في الحق لأنهم هم لا يجوز أن يخطئوا. وهم في نظر أنفسهم، أو فيما يريدون أن يوحوا به للجماهير، مقدسون معصومون لا يخطئون! ويختم هذه الجولة في قضية الوحي والرسالة بالإشارة إلى كتاب موسى، وتصديق هذا القرآن له - كما سبقت الإشارة في شهادة الشاهد من بني إسرائيل: {ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة، وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً، لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين}. وقد كرر القرآن الإشارة إلى الصلة بين القرآن والكتب قبله، وبخاصة كتاب موسى، باعتبار أن كتاب عيسى تكملة وامتداد له. وأصل التشريع والعقيدة في التوراة. ومن ثم سمى كتاب موسى {إماماً} ووصفه بأنه رحمة. وكل رسالة السماء رحمة للأرض ومن في الأرض، بكل معاني الرحمة في الدنيا والآخرة.. {وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً}.. مصدق للأصل الأول الذي تقوم عليه الديانات كلها؛ وللمنهج الإلهي الذي تسلكه الديانات جميعها؛ وللاتجاه الأصيل الذي توجه البشرية إليه، لتتصل بربها الواحد الكريم. والإشارة إلى عروبته للامتنان على العرب، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم، ورعايته لهم، وعنايته بهم؛ ومظهرها اختيارهم لهذه الرسالة، واختيار لغتهم لتتضمن هذا القرآن العظيم. ثم بيان لطبيعة الرسالة، ووظيفتها: {لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين}.. وفي نهاية هذا الشوط الأول يصور له جزاء المحسنين، ويفسر لهم هذه البشرى التي يحملها إليهم القرآن الكريم، بشرطها، وهو الاعتراف بربوبية الله وحده والاستقامة على هذا الاعتقاد ومقتضياته: {إن الذين قالوا: ربنا الله. ثم استقاموا. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها، جزاء بما كانوا يعملون}.. وقولة: {ربنا الله}.. ليست كلمة تقال. بل إنها ليست مجرد عقيدة في الضمير. إنما هي منهج كامل للحياة، يشمل كل نشاط فيها وكل اتجاه، وكل حركة وكل خالجة؛ ويقيم ميزاناً للتفكير والشعور، وللناس والأشياء، وللأعمال والأحداث، وللروابط والوشائج في كل هذا الوجود. {ربنا الله} فله العبادة، وإليه الاتجاه. ومنه الخشية وعليه الاعتماد. {ربنا الله} فلا حساب لأحد ولا لشيء سواه، ولا خوف ولا تطلع لمن عداه. {ربنا الله} فكل نشاط وكل تفكير وكل تقدير متجه إليه، منظور فيه إلى رضاه. {ربنا الله} فلا احتكام إلا إليه، ولا سلطان إلا لشريعته، ولا اهتداء إلا بهداه. {ربنا الله} فكل من في الوجود وكل ما في الوجود مرتبط بنا ونحن نلتقي به في صلتنا بالله. {ربنا الله}.. منهج كامل على هذا النحو، لا كلمة تلفظها الشفاه، ولا عقيدة سلبية بعيدة عن واقعيات الحياة. {ثم استقاموا}.. وهذه أخرى. فالاستقامة والاطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج: استقامة النفس وطمأنينة القلب. استقامة المشاعر والخوالج، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات. وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة. واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار. وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات؛ وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك! {ربنا الله}.. منهج.. والاستقامة عليه درجة بعد معرفته واختياره. والذين يقسم الله لهم المعرفة والاستقامة هم الصفوة المختارة. وهؤلاء {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. وفيم الخوف وفيم الحزن.. والمنهج واصل والاستقامة عليه ضمان الوصول؟ {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها، جزاء بما كانوا يعملون}.. وتوضح كلمة {يعملون} معنى {ربنا الله}، ومعنى الاستقامة على هذا المنهج في الحياة. فهي تشير إلى أن هناك عملاً كان الخلود في الجنة جزاءه. عملاً منبعثاً من ذلك المنهج: {ربنا الله} ومن الاستقامة عليه والاطراد والثبات. ومن ثم ندرك أن الكلمات الاعتقادية في هذا الدين ليست مجرد ألفاظ تقال باللسان. فشهادة أن لا إله إلا الله ليست عبارة ولكنها منهج. فإذا ظلت مجرد عبارة فليست هي "ركن" الإسلام المطلوب المعدود في أركان الإسلام! ومن ثم ندرك القيمة الحقيقية لمثل هذه لشهادة التي ينطق بها اليوم ملايين؛ ولكنها لا تتعدى شفاههم، ولا يترتب عليها أثر في حياتهم. وهم يحيون على منهج جاهلي شبه وثني، بينما شفاههم تنطق بمثل هذه العبارة. شفاهم الجوفاء! إن "لا إله إلا الله".. أو {ربنا الله}.. منهج حياة.. هذا ما ينبغي أن يستقر في الضمائر والأخلاد، كيما تبحث عن المنهج الكامل الذي تشير إليه مثل هذه العبارة وتتحراه..
ابن عاشور
تفسير : تقدم القول في نظيره في أول سورة غافر. وهذه جملة مستقلّة مثل نظائرها من الحروف المقطعة في أوائل من سور القرآن.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة. في أول سورة هود، وقدمنا الكلام على قوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم في أول سورة الزمر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- افتتحت هذه السورة ببعض الحروف على طريقة القرآن الكريم فى افتتاح طائفة من سوره بالحروف. 2- تنزيل القرآن من عند الله الغالب على كل شئ، ذى الحكمة فى كل ما يفعل. 3- ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا على نواميس ثابتة، لغايات تقتضيها الحكمة، وإلى أمد معين تفنى بعده، والذين جحدوا بهذه الحقيقة معرضون عما أنذروا به من خلق جديد يوم يبعث الناس للجزاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات حـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا: حـمۤ ويقرأ هكذا: حَامِيم. تنزيل الكتاب: أي تنزيل القرآن. من الله العزيز الحكيم: أي من لدن الله العزيز في ملكه الحكيم في صنعه. إلا بالحق وأجل مسمَّى: أي ما خلقنا السماوات والأرض إلا خلقا متلبسا بالحق وبأجل مسمى لفنائهما. عما أنذروا معرضون: أي عن ما خوفوا به من العذاب معرضون عنه غير ملتفتين إليه. ما تدعون من دون الله: أي من الأصنام والأوثان. أروني ماذا خلقوا من الأرض: أي أشيروا إلى شيء خلقوه من الأرض. أم لهم شرك في السماوات: أي أم لهم شركة. أئتوني بكتاب من قبل هذا: أي منزل من قبل القرآن. أو أثارة من علم: أي بقيةٍ من علم يؤثر عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام. إن كنتم صادقين: أي في دعواكم أن عبادة الأصنام والأوثان تقربكم من الله تعالى. من لا يستجيب له إلى يوم القيامة: أي لا أحد أضل ممن يدعو من لا يستجيب له في شيء يطلبه منه أبداً. وهم عن دعائهم غافلون: أي وهم الأصنام أي عن دعاء المشركين إياهم غافلون لا يعرفون عنهم شيئاً. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء: أي في يوم القيامة كانت الأصنام أعداء لعابديها. وكانوا بعبادتهم كافرين: أي وكانت الأصنام بعبادة المشركين لها جاحدة غير معترفة. معنى الآيات: قوله تعالى {حـمۤ} الله أعلم بمراده به إذ هذه من المتشابه الذي يجب الإيمان به وتفويض أمر معناه إلى الله منزلة. وقوله {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي تنزيل القرآن الكريم من لدن الله العزيز الحكيم العزيز في ملكه الحكيم في صنعه وتدبيره. وقوله تعالى {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ} من العوالم والمخلوقات {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي إلاّ لِحِكَمٍ عالية وليس من باب العبث واللعب، وإلاّ بأجل مسمى عنده وهو وقت إفنائهما وإنهاء وجودهما لاستكمال الحكمة من وجودهما. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} يخبر تعالى بأن الذين كفروا بتوحيد الله ولقائه وآياته ورسوله عما خوفوا به من عذاب الله المترتب على كفرهم وشركهم معرضون غير مبالين به، وذلك لظلمة نفوسهم، وقساوة قلوبهم. وقوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي من الأصنام والأوثان {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي من شيء {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} ولو أدنى شرك وأقله، وقوله {ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي بقية من علم تشهد بصحة عبادة ودعاء آلهة لم تخلق شيئا من الأرض وليس لها أدنى شرك في السماوات {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم أنها آلهة تستحق أن تُعبد، وقوله تعالى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ينفي تعالى على علم تام أنه لا أضل من أحد يدعو من غير الله تعالى معبوداً لا يستجيب له في قضاء حاجة أو قضاء وطر مهما كان صغيراً أبداً وحقا لا أحد أضل ممن يقف أمام جماد لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق يدعوه ويسأله حاجته وقوله {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ} أي وأولئك الأصنام المدعوون غافلون تماما عن داعيهم لا يعلمون عنه شيئا لعدم الحياة فيهم، ولو كانوا يوم القيامة يُنطقهم الله ويتبرءون ممن عبدوهم ويخبرون أنهم ما عبدوهم ولكن عبدوا الشيطان الذي زين لهم عبادتهم، وهو ما دل عليه قوله تعالى {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ} أي ليوم القيامة كانوا لهم أعداء وخصوماً وكانوا بعبادتهم من دعاء وذبح ونذر وغيره كافرين أي جاحدين غير معترفين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إثبات النبوة المحمدية بتقرير أن القرآن تنزيل الله على رسول المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم. 2- انتفاء العبث عن الله تعالى في خلقه السماوات والأرض. وما بينهما وفي كل أفعاله وأقواله. 3- تقرير حقيقة علمية وهي من لا يخلق لا يُعبد. 4- بيان أنه لا أضل في الحياة من أحد يدعو من لا يستجيب له أبداًَ كمن يدعون الأصنام والقبور والأشجار بعنوان التوسل والاستشفاع والتبرك.
القطان
تفسير : أجل مسمى: يوم القيامة. أُنذِروا: اعلِموا وخوفوا. تدْعون: تعبدون. أم لهم شِرك: ام لهم نصيب. او أثارة من علم: بقية من علم. واذا حشِر الناس: اذا جمعوا يوم القيامة. افتتحت سورة الاحقاف بحرفين من حروف الهجاء مثل كثير من السور غيرها وقد تقدم الكلام على ذلك، وكذلك نص الآية {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} مثل افتتاح سورة الجاثية. ما خلقْنا هذا الكونَ العجيب الا على نواميس ثابتة، وحكمة بالغة، والى أمد معين هو يوم القيامة.. أما الذين كفروا بالله ورسله فهم معرِضون عما أُنذِروا به من انهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء. ثم يردّ اللهُ تعالى على من يعبد غيره من المشركين فيأمر الرسولَ الكريم أن يقول لهم: أخبِروني عن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟ هل خلقوا شيئاَ في هذه الدنيا، ام أنهم شاركوا في خلْق السماوات؟ انْ كان ما تدّعون حقا فأْتوني بكتابٍ من قبل هذا القرآن، او أي أثرٍ من عِلم الأولين تستندون اليه في دعواكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. وأيّ ضلالٍ أكبر ممن يعبد معبوداتٍ لا تسمع ولا تنطق ولا تستجيب أبدا! والمشركون مع ذلك غافلون عن هذه الحقيقة. حين يُجمع الناس للحساب يوم القيامة تتبرأ هؤلاء المعبودات من المشركين وتغدو أعداء لمن عبدوهم {وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} ومثله قوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} تفسير : [مريم: 81-82].
د. أسعد حومد
تفسير : (حَ. مِيم) (1) - وتُقْرأُ مُقَطَّعةً كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ (حَا - مِيمْ) اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ} في مصحف عبدالله (أرأيتكم). {مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ} من عند الله جاءكم. {مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ} القرآن فيه بيان ما تقولون. {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} قرأه العامّة بالألف واختلف العلماء في تأويلها، أخبرنا عبدالله بن حامد الوزّان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبدالله بن هاشم، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عبّاس وأظنّه عن النبي صلى الله عليه وسلم {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} قال: [الخط]، وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: خاصّة من علم. الحسن: أثارة من علم يستخرجوه فيثير. مجاهد: رواية تأثرونها عمّن كان قبلهم. عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء (عليهم السلام). محمّد بن كعب القرضي: الإسناد وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية. يقال: نموت الحديث أثره، أثراً وأثارة، كالشجاعة، والجلادة، والصلابة، فما آثروا، ومنه قيل للخبر: أثر. قال الأعشى: شعر : إنّ الّذي فيه تماريتما بيّن للسامع والآثر تفسير : وقال الكلبي: بقية من علم. قال الأخفش: تقول العرب: لهذه الناقة أثارة من سمن، أي بقيّة. قال الراعي: شعر : وذات أثارة أكلت عليها بناتاً في أكمّتها قصارا تفسير : وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه (أو أثارة) بفتح (الألف) وسكون (الثاء) من غير (ألف). وقرأ السلمي (أو أثارة) بفتح (الهمزة) و(الثاء) من غير (ألف)، أي خاصة من علم أوتيتموه وأوثرتم بها على غيركم. وقول عكرمة: أو ميراث من علم. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ} أجهل. {مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ} يعني الأوثان. {عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ} لا يسمعون ولا يفهمون. فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم إذ كانت قد مثّلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم. {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} جاحدين وعنهم متبرّئين. بيانه قوله: {أية : تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} تفسير : [القصص: 63]. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} إن عذّبني على افترائي. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ} تخوضون. {فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه واحدة من الحواميم السبع، وهي السور التي بدأتْ بقوله تعالى (حم)، وهي سبع سور مُتصلة في القرآن الكريم أولها غافر: {أية : حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [غافر: 1-2] أى: العليم بما يصلحكم، ولا تَخْفى عليه منكم خافية. ثم فصلَّت: {أية : حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}تفسير : [فصلت: 1-2] ثم الشورى: {أية : حـمۤ * عۤسۤقۤ * كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الشورى: 1-3] ثم الزخرف: {أية : حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الزخرف 1-2] ثم الدخان: {أية : حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الدخان: 1-2] ثم الجاثية: {أية : حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [الجاثية: 1-2] ثم الأحقاف: {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الأحقاف: 1-2]. وهي آخر الحَواميم. ونلاحظ أن هذه السُّور تسير في بدايتها على نظام واحد يؤكد على أن (حم) وغيرها من الحروف المقطَّعة مُنزَّلة من عند الله، وهي وحْي يعلم الله مراده، وهي في التنزيل مثل باقي القرآن وباقي الآيات الواضحات، لذلك مرة يقول {أية : حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}تفسير : [فصلت: 1-2] أي: هي ذاتها مُنزلة. وفي آية أخرى يقول: {أية : حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الزخرف: 1-2] يعني: حم والقرآن الظاهر الواضح المعنى، كلاهما تنزيل مُنزَّل من عند الله {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}تفسير : [الدخان: 3]. ونحن نؤمن بأن كل هذه الآيات من عند الله الذي نعرف معناه والذي لا نعرف معناه. قلنا: لأن الله تعالى يريد أنْ يحرس كلَّ إيمان بمشهد، فالإيمان لا يكون إلا في الغيبيات، ولا يكون الإيمانُ في المُشَاهد لنا. فمثلاً لا يصح أنْ نقول: نحن نؤمن بأننا نجلس الآن مع الإخوان في مسجد الفردوس ونُلقي درساً، لكن نقول: نؤمن بأن الله موجود، بأن الجنة حَقّ. ومن رحمة الله ولُطفه بنا أنْ يحرس الإيمان الغيبي بأمر مُشاهد لنأخذ من المشاهد لنا دليلاً على صدقه فيما غاب عنا. إذن: هذه الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها نزلتْ هكذا لحكمة. خُذْ مثلاً رحلة الإسراء والمعراج تجد فيها غيباً يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّض لكثير من الأذى وضُيْق عليه وعلى دعوته وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شقَّ عليه ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه النُّصْرة. بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفِّف عن رسول الله ورسالة تقول له: يا محمد إنْ جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحدٌ قبلك، وأريك من آياتي ما لم يره أحد قبلك. والمتأمل في سَيْر هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهَّد بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة أبعادها وتفاصيلها، وكثيرٌ من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من مكة إلى بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟ لذلك لما كذَّبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيتَ بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ ثم طلبوا من رسول الله أنْ يصف لهم بيت المقدس، وأنْ يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا رسول الله ذلك. فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيَّد رسوله وعرض أمامه صورة تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلتْ قوافلهم التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله. إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكونَ مقدمة للمعراج، وهو رحلة سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أنْ يخرق له القوانين في رحلة المعراج. إذن: جعل الغيب الذي يُقام عليه دليلٌ مقدمة للغيب الذي لا دليلَ عليه. ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لمَّا قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، هذه الكلمة نفعتنا فيما بعد ونردّ بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد. فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة. فالله تعالى يُنطق ألسنتهم بما يُؤيِّد الحق دون أنْ يشعروا، وبما يثبت عنادهم وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [البقرة: 142]. وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليلٌ من التعقل الديني لا الدنيوي لتوقَّفوا عن قولها. ومن ذلك أيضاً قولهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المنافقون: 7] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أنْ يشعروا به. كذلك الحال في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلاً على صِدْق الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلاً على الآيات ذات الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، لكن هي حَقٌّ وهي من عند الله نزلتْ كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير واضح. لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين (حم) {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الزخرف: 2] حم الآيات الغامضة التى لا تعرفون لها معنى {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الزخرف: 2] البيِّن الواضح المعنى. فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 4]. فالقرآن في مُجْمله مبنيٌّ على الوَصْل إلا هذه الحروف المقطَّعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: (ألف لام ميم) (حاميم) وكأن هذا الوقفَ إشارة من الحق سبحانه أنْ لا تأخذوا هذه الحروف على نفس نسَق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية. صحيح أنها جميعاً من معين واحد، وكلها من عند الله لكن قفُوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى مُنزلها سبحانه، فقد استَأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا دائماً به إيماناً وإسلاماً. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة فيقول: "حديث : ولا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"تفسير : فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسُن السكوت عليه، وإلا لما بُنيتْ هذه الحروف على الوقف. وطالما أنها مختلفة عن باقي آيات القرآن في النطق، فلا بدَّ أن لها خصوصية، وأنَّ فيها أسراراً وكلّ ما بأيدينا أن نحوم حولها. ونلاحظ أيضاً أن الحروف في اللغة تنقسم إلى حروف مبني وحروف معنى، فالكاف مثلاً حرف مبني يعني يدخل في بناء الكلمة، ولا معنى له في (كتب) لكنه حين ينضم إلى غيره يعطي معنى كتب. أما الكاف في {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11] فالكاف هنا حرف معنى يفيد التشبيه، كذلك الباء حرف مبني في (كتب) وحرف معنى في (بالله) لأنه يفيد القسم، كذلك في الحروف المقطَّعة في أوائل السور هي حروف مبني في شكل نطقها، لكنها حروف معنى عند قائلها الذي يعلم معناها. وقد يُطلِع بعض عباده على هذه المعاني أو شيء منها فيفهمون منها معاني، ولذلك نقول في تفسيرها: والله أعلم بمراده، لأن حديثنا عنها مجرد اجتهاد ومحاولة للفهم. وقلنا: إن هذه الحروف أربعة عشر حرفاً من حروف الهجاء الثمانية والعشرين، يعني أخذ نصف حروف المعجم، ولكن أخذها بنظام محكم لا يمكن أن يأتي عَفْواً، فأخذ من التسعة أحرف الأولى الألف والحاء وأخذ من التسعة الأخيرة سبعة وترك اثنين على عكس التسعة الأولى، فلم يترك منها إلا الواو والفاء. إذن: ليس لها نسق معين، لكن هندسة مقصودة لغاية مقصودة، ثم العشرة الباقية في الوسط أخذ منها غير المنقوط، وترك المنقوط، فأخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين. فإنْ قال قائل: كيف وإعجام الحروف أي نقطها لم يأتِ إلا في عصر الدولة الأُموية. نقول: ربُّها وقائلها الناطق بها يعلم ما تصير إليه، فكلها داخلة في العلم الأعلى، لذلك نقف عندها ونأخذها بالكمال الذي وضعه قائلها فيها، فهي كما قلنا مثل أسنان المفتاح التي تفتح لك. فإذا تغيَّر المفتاح لا يفتح. إذن: كل شيء في القرآن وُضع بحكمة، حتى في القراءة سواء المتعلم الذي يعرف المعنى أو الأمي الذي لا يعرف تجد القراءة على نوعين قراءة تأمل وتعبد وقراءة استنباط، وهذه ينبغي أنْ تُعملَ فيها عقلك. وإنْ قرأت للتعبد فإياك أنْ تُعملَ عقلك، وخذ الكلمة أو الحرف بمراد قائله منه، وأنت حين تأتي بالمعنى الذي على قدرك سوف تحدد كمال الله وكمالاته التي لا تتناهى. لذلك وجدنا أسرع الناس حفْظاً للقرآن هم الذين يقرأونه دون توقُّف عند معناه، بل يقرأونه كما هو بفَهْم أو بغير فهم. وقوله تعالى: {تَنزِيلُ ..} [الأحقاف: 2] أي: الذي نزّل حم نزلّ {ٱلْكِتَابِ ..} [الأحقاف: 2] أي: القرآن {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الأحقاف: 2] وتأمل هنا الوصف بالحكمة، فكل شيء نزل بحكمة حتى في هذه الحروف التي لا نعرف لها معنى. ثم يقول الحق سبحانه: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {شِرْكٌ} شركة ونصيب {أَثَارَةٍ} بقية من الشيء {تُفِيضُونَ} الإِفاضة في الشيء: الخوضُ فيه والاندفاع يقال: أفاضوا في الحديث اندفعوا فيه، وأفاض الناس من عرفات أي دفعوا منها {بِدْعاً} البدع بالكسر الشيء المبتدع قال الرازي: والبِدعُ والبديع من كل شيء المبدع، والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله بحكم السُنَّة {إِفْكٌ} كذب {كُرْهاً} بكرهٍ ومشقة {فِصَالُهُ} فطامه {أَوْزِعْنِيۤ} ألهمني {أُفٍّ} كلمة تضجّر وتبرم {خَلَتِ} مضت. التفسِير: {حـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي هذا الكتاب المجيد منزَّل من عند الإِله العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي ما خلقنا السماواتِ والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثاً، وإِنما خلقناهما خلقاً متلبساً بالحكمة، لندل على وحدانيتنا وكمال قدرتنا {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي وإِلى زمنٍ معيَّن هو زمن فنائهما يوم القيامة {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}تفسير : [إبراهيم: 48] {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} أي وهؤلاء الكفار معرضون عما خُوّفوه من العذاب ومن أهوال الآخرة، لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له.. ثم لما بيَّن وجود الإِله العزيز الحكيم ردَّ على عبدة الأصنام فقال {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، وتزعمون أنا آلهة {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}؟ أي أرشدوني وأخبروني أيَّ شيءٍ خلقوا من أجزاء الأرض، وممَّا على سطحها من إِنسان أو حيوان؟ {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ}؟ أي أمْ لهم مشاركة ونصيب مع الله في خلق السماواتِ؟ {ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ} أي هاتوا كتاباً من الكتب المنزلة من عند الله قبل هذا القرآن يأمركم بعبادة هذه الأصنام؟ وهو أمر تعجيز لأنهم ليس لهم كتابٌ يدل على الإِشراك بالله، بل الكتب كلُّها ناطقة بالتوحيد {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي أو بقية من علمٍ من علوم الأولين شاهدة بذلك {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي إِن كنتم صادقين في دعواكم أنها شركاء مع الله قال في البحر: طلب منهم أن يأتوا بكتابٍ يشهد بصحة ما هم عليه من عبادة غير الله، أو بقيةٍ من علوم الأولين، والغرضُ توبيخهم لأن كل كتب الله المنزَّلة ناطقة بالتوحيد وإِبطال الشرك، فليس لهم مستند من نقل أو عقل.. ثم أخبر تعالى عن ضلال المشركين فقال {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}؟ أي لا أحد أضلُّ وأجهل ممن يعبد أصناماً لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجاتِ المحتاجين، ولا تستجيب لمن ناداها أبداً لأنها جمادات لا تسمع ولا تعقل {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ} أي وهم لا يسمعون ولا يفهمون دعاء العابدين، وفيه تهكم بها وبعبدتها، وإِنما ذكر الأصنام بضمير العقلاء، لأنهم لما عبدوها ونزَّلوها منزلة من يضر وينفع، صحَّ أن توصف بعدم الاستجابة وبعدم السمع والنفع، مجاراة لزعم الكفار {وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً} أي وإِذا جمع الناس للحساب يوم القيامة كانت الأصنام أعداءً لعابديها يضرونهم ولا ينفعونهم {وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} أي وتتبرأ الأصنام من الذين عبدوها قال المفسرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة فتتبرأ من عابديها وتقول {أية : تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}تفسير : [القصص: 63] وهذه الآية كقوله تعالى {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}تفسير : [مريم: 82] واللهُ على كل شيء قدير {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإِذا قرئت عليهم آيات القرآن واضحات ظاهرات أنها من كلام الله {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} أي قال الكافرون عن القرآن الحق لما جاءهم من عند الله {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي هذا سحرٌ لا شبهة فيه ظاهر كونه سحراً، وإِنما وضع الظاهر {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} موضع الضمير تسجيلاً عليهم بكمال الكفر والضلالة قال في البحر: وفي قوله {لَمَّا جَآءَهُمْ} تنبيهٌ على أنهم لم يتأملوا ما يُتلى عليهم، بل بادروا أول سماعه إلى نسبته إلى السحر عناداً وظلماً، ووصفوه بأنه {مُّبِينٌ} أي ظاهر أنه سحر لا شبهة فيه {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ وهو إِنكار توبيخي {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي قل إن افتريتُه - على سبيل الفرض - فالله حسبي في ذلك وهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه، ولا تقدرون أنتم على أن تردُّوا عني عذاب الله، فكيف أفتريه من أجلكم وأتعرض لعقابه؟ {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي هو جل وعلا أعلمُ بما تخوضون في القرآن وتقدحون به من قولكم هو شعر، هو سحر، هو افتراء، وغير ذلك من وجوه الطعن {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي كفى أن يكون تعالى شاهداً بيني وبينكم، يشهد لي بالصدق والتبليغ، ويشهد عليكم بالجحود والتكذيب {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي وهو الغفور لمن تاب، الرحيم بعباده المؤمنين قال أبو حيان: وفيه وعدٌ لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر، وإِشعارٌ بحلمه تعالى عليهم إِذْ لم يعاجلهم بالعقوبة {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي لست أول رسول طرق العالم، ولا جئت بأمرٍ لم يجىء به أحدٌ قبلي، بل جئت بما جاء به ناسٌ كثيرون قبلي، فلأيّ شيءٍ تنكرون ذلك عليَّ؟ والبدْعُ والبديعُ من الأشياء هو الذي لم يُر مثله قال ابن كثير: أي ما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إِليكم، فقد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي ولا أدري بما يقضي اللهُ عليَّ وعليكم، فإِن قدر الله مغيَّب {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} أي لا أتبع إلا ما ينزله اللهُ عليَّ من الوحي، ولا أبتدع شيئاً من عندي {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي وما أنا إلا رسولٌ منذرٌ لكم من عذاب الله، بيّن الإِنذار بالشواهد الظاهرة، والمعجزات الباهرة {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ} أي قل يا محمد: أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن كلام الله حقاً وقد كذبتم به وجحدتموه وجوابه محذوف تقديره: كيف يكون حالكم؟ {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أي وقد شهد رجل من علماء بني إِسرائيل على صدق القرآن، فآمن به واستكبرتم أنتم عن الإِيمان، كيف يكون حالكم، ألستم أضل الناس وأظلم الناس؟ قال الزمخشري: وجوابُ الشرط محذوف تقديره: إِن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ودلَّ على هذا المحذوف قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يوفق للخير والإِيمان من كان فاجراً ظالماً قال المفسرون: والشاهدُ من بني إِسرائيل هو "عبد الله بن سلام" وذلك حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاء إليه ابن سلام ليمتحنه، فلما نظر إلى وجهه علم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمه؟ فلما أجابه صلى الله عليه وسلم قال: أشهد أنك رسول الله حقاً.. الخ ثم ردَّ تعالى على شبهةٍ أُخرى من شبه المشركين فقال {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} أي وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا القرآن والدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن كثير: يعنون "بلالاً" و"عماراً" و"صهيباً" و"خباباً" وأشباههم من المستضعَفين والعبيد والإِماء ممن أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} أي ولمّا لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إِعجازه، قالوا هذا كذبٌ قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً} أي ومن قبل القرآن التوراة التي أنزلها الله على موسى قدوةً يؤتم بها في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإِمام، ورحمة لمن آمن بها وعمل بما فيها قال الإِمام الفخر: ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فردَّ الله عليهم بأنكم لا تنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب - التوراة - إِماماً يقتدى به، ثم إِن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإِذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسولٌ حقاً من عند الله {وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً} أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدِّقٌ للكتب قبله بلسانٍ عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بياناً، وأظهر برهاناً، وأبلغ إِعجازاً من التوراة؟ {لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ} أي ليخوِّف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر المؤمنين المحسنين بجنات النعيم .. ولما بيَّن تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} أي جمعوا بين الإِيمان والتوحيد والاستقامة على شريعة الله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي فلا يلحقهم مكروهٌ في الآخرة يخافون منه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا في الدنيا {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل الجنة ماكثين فيها أبداً {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي نالوا ذلك النعيم جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} لمَّا كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حثَّ تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا الإِنسان أمراً جازماً مؤكداً بالإِحسان إلى الوالدين، ثم بيَّن السبب فقال {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي حملته بكرهٍ ومشقة ووضعته بكرهٍ ومشقة {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحَم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضاً من الطَّلق وشدته، وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان {أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}تفسير : [لقمان: 14] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قويٌ صحيح {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي حتى إِذا عاش هذا الطفل وبلغ كمال قوته وعقله {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} أي قال ربِّ ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وعلى والديَّ حتى ربياني صغيراً {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} أي ووفقني لكي أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين قال شيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة والثاني: أن يوفقه للإِتيان بالطاعة المرضية عند الله والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي إِني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإِني من المستمسكين بالإِسلام قال ابن كثير: وفي الآية إِرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدِّد التوبة والإِنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ} أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم.. ولما مثَّل تعالى لحال الإِنسان البار بوالديه وما آل إِليه حاله من الخير والسعادة، مثَّل لحال الإِنسان العاقِّ لوالديه وما يئول إِليه أمره من الشقاوة والتعاسة فقال {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} أي وأمَّا الولد الفاجر الذي يقول لوالديه إِذا دعواه إلى الإِيمان أفٍ لكما أي قبحاً لكما على هذه الدعوة {أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي}؟ أي أتعدانني أن أُبعث بعد الموت وقد مضت قرونٌ من الناس قبلي ولم يُبعث منهم أحد؟ {وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ} أي وأبواه يسألان الله أن يغيثه ويهديه للإِسلام قائلين له: ويْلك آمنْ بالله وصدِّق بالبعث والنشور وإِلاَّ هلكت {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي وعدُ الله صدقٌ لا خُلف فيه {فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي فيقول ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلاّ خرافات وأباطيل سطَّرها الألولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي أولئك المجرمون هم الذين حقَّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله كما في الحديث "حديث : هؤلاء في النار ولا أبالي"تفسير : {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن والإِنس {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} أي كانوا كافرين لذلك ضاع سعيهم وخسروا آخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم قال الإِمام الفخر: قال بعضهم: إِن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق قبل إِسلامه، والصحيحُ أنه لا يراد بالآية شخص معيَّن، بل المراد منها كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحقِّ فأباه وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه {أُفٍّ لَّكُمَآ} بأنه من الذين حقَّ عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إِسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي لكلٍ من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة عالية، ومراتب الكافرين في جهنم سافلة {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي وليعطيهم جزاء أعمالهم وافيه كاملة، المؤمنون بحسب الدرجات، والكافرون بحسب الدركات، من غير نقصان بالثواب، ولا زيادة في العقاب.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}. هذه السورة مكية قال ابن عباس: إلا قل أرأيتم وفاصبر كما الآيتين فإِنهما مدنيتان. ومناسبة أولها لآخر ما قبلها أن في آخرها ذلكم بأنكم اتخذتم وقلتم أنه عليه السلام اختلقها فقال تعالى: {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وهاتان الصفتان هما آخر تلك وهما أول هذه وأجل مسمى أي موعد لفساد هذه البنية. قال ابن عباس: هو يوم القيامة. {عَمَّآ أُنذِرُواْ} يحتمل أن يكون ما مصدرية وأن تكون بمعنى الذي. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ} معناه أخبروني عن الذين تدعون من دون الله وهي الأصنام. {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ} إستفهام توبيخ ومفعول أرأيتم الأول هو ما تدعون وماذا خلقوا جملة استفهامية يطلبها أرأيتم لأن مفعولها الثاني يكون استفهاماً ويطلبها أروني على سبيل التعليق فهذا من باب الأعمال أعمل الثاني وحذف مفعول أرأيتم الثاني ومن الأرض تفسير للمهم فيما خلقوا والظاهر أنه يريد من أجزاء الأرض أي خلق ذلك إنما هو الله تعالى. قال ابن عطية: يحتمل أرأيتم وجهين أحدهما أن تكون متعدية وما مفعولة بها ويحتمل أن تكون منبهة لا تتعدى وتكون ما استفهاماً على معنى التوبيخ وتدعون معناه تعبدون "انتهى". كون أرأيتم لا تتعدى وانها منبهة شىء قاله الأخفش في قوله: قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة والذي يظهر ما قلناه ثم وقفهم على غباوتهم فقال: أم لهم أي بل الهم شرك إئتوني بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم وهو القرآن فإِنه ناطق بالتوحيد فطلب منهم أن يأتوا بكتاب واحد يشهد بصحة ما هم عليه. {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أي بقية من علم من علوم الأولين. وقال ابن عباس: المراد بالإِثارة الخط في التراب لك شىء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر. {وَهُمْ} أي الأصنام عن دعاء الكفار. {غَافِلُونَ} أي ليس لهم عقل يفهمون به دعاء الكفار والضمير في افتراه عائد على الحق والمراد به الآيات. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} على سبيل الفرض فالله حسبي في ذلك. {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ} أي من رد عقوبة الله لي شيئاً. {بِمَا تُفِيضُونَ} أي تندفعون فيه من الباطل ومراده الحق وتسميته تارة سحراً وتارة فرية والضمير في فيه يعود على ما وعلى القرآن. {شَهِيداً} لي بالتبليغ وشهيداً عليكم بالتكذيب. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} عدة لهم بالغفران إن رجعوا عن الكفر. {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي جاء قبلي غيري والبدع والبديع في الأشياء ما لم ير مثله والظاهر أن ما استفهامية وأدري معلقة فجملة الاستفهام في موضع المفعول وما مبتدأ ويفعل الخبر "انتهى". وقال الزمخشري: يجوز أن تكون موصولة منصوبة "انتهى". الفصيح المشهور ان دري تتعدى بالباء ولذلك حين عدى بهمزة النقل تعدى بالباء نحو قوله ولا أدراكم به فجعل ما استفهامية هو الأولى وكثيراً ما علقت في القرآن نحو وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون ويفعل مثبت غير منفي لكنه قد انسحب عليه النفي لاشتماله على ما ويفعل فلذلك قال: ولا بكم ولولا اعتبار النفي لكان التركيب ما يفعل بي وبكم. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} إستسلام من علم المغيبات ووقوف مع النذارة من عذاب الله تعالى. {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} هو عبد الله بن سلام قاله الجمهور والآية مدنية وعن عبد الله بن سلام نزلت في آيات من كتاب الله تعالى وعد منها وشهد شاهد. وقال الزمخشري: جواب الشرط محذوف تقديره إن كان هذا القرآن من عند الله. وكفرتم به ألستم ظالمين ويدل على هذا المحذوف قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} انتهى جملة الإِستفهام لا تكون جواباً للشرط إلا بالفاء فإِن كانت الاداة الهمزة تقدمت الفاء نحو ان تزرنا أفما نحسن إليك أو غيرها تقدمت الفاء نحو إن تزرنا فهل ترى إلا خيراً فقول الزمخشري ألستم ظالمين بغير فاء. لا يجوز أن يكون جواب الشرط. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية قال مقاتل: هي مقالة كفار قريش للذين آمنوا أي لأجل الذين آمنوا واللام للتبليغ ثم انتقلوا إلى الغيبة في قولهم ما سبقونا ولو لم ينتقلوا لكان الكلام ما سبقتم إليه والعامل في إذ محذوف أي وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم وقوله فسيقولون مسبب في ذلك الجواب المحذوف لأن هذا القول ناشىء عن العناد ويمتنع أن يعمل في إذ سيقولون لحيلولة الفاء وقدمه بمرور الأعصار عليه ولما طعنوا في صحة القرآن قيل لهم أنه أنزل الله من قبله التوراة على موسى عليه السلام أئنتم لا تنازعون في ذلك إماماً أي يهتدي به إذ فيه البشارة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإرساله فيلزم اتباعه والإِيمان به وانتصب إماماً على الحال والعامل فيه العامل في ومن قبله أي وكتاب موسى كائن من قبل القرآن في حال كونه إماماً ولما عبر عن الكفار بالذين ظلموا عبر عن المؤمنين بالمحسنين ليقابل بلفظ الإِحسان لفظ الظلم وبشرى في موضع جر معطوف على المصدر المنسبك في قوله: لتنذر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} تقدم الكلام عليه ولما ذكر جزاء بما كانوا يعملون قال: ووصينا الإِنسان إذ كان بر الوالدين ثاني أفضل الأعمال إذ في الصحيح حديث : أي الأعمال أفضل فقال الصلاة على ميقاتها قال: ثم أي قال بر الوالدينتفسير : . وإذ كان عقوقهما ثاني أكبر الكبائر إذ قال عليه السلام: حديث : ألا أنبئكم الكبائر الإِشراك بالله وعقوق الوالدين تفسير : والوارد في برهما كثير. قال ابن عطية: ونصب هذا يعني إحساناً على المصدر الصريح والمفعول الثاني في المجرور والباء متعلقة بوحينا أو بقوله إحساناً "انتهى". لا يصح أن يتعلق بإِحساناً لأنه مصدر مقدر بحرف مصدري والفعل فلا يتقدم معموله عليه ولأن أحسن لا يتعدى بالباء إنما يتعدى باللام تقول أحسنت لزيد ولا تقول أحسنت بزيد على معنى أن الإِحسان يصل إليه. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} ليس الكره في أول علوقها به بل في ثاني استمرار الحمل حتى تتوقع حوادثه وحمله وفصاله أي ومدة حمله وفصاله وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصاً إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين وإما بأن تلد لتسعة أشهر على العرف وترضع عامين غير ربع عام فإِن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع وبالعكس فترتب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقل لمدة الرضاع عام وتسعة أشهر وإكمال العامين لمن أراد أن يتم الرضاعة وتقدم الكلام على بلغ أشده وبلغ أربعين سنة. {قَالَ} أي قال المحسن منهم. {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} ولذلك إشارة بقوله: أولئك بصيغة الجمع وقرىء: يتقبل ويتجاوز مبنياً للمفعول ورفع أحسن وقرىء: بالنون فيهما ونصب أحسن. {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ} قيل في بمعنى مع وقيل هو نحو قولك أكرمني الأمير في ناس من أصحابه تريد في جملة من أكرم منهم محله النصب على الحال على معنى كاثنين في أصحاب الجنة وانتصب وعد الله على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة والمراد بالذي الجنس ولذلك جاء الخبر مجموعاً في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ}. {أُفٍّ} تقدم الكلام عليه وإن أخرج أي أبعث بعد الموت. {مِن قَبْلِي} ولم يبعث أحد بعد موته. {وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ} جملة حالية واستغاث يتعدى بنفسه وبالباء. {وَيْلَكَ} دعاء عليه بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإِيمان لا حقيقة الهلاك. {آمِنْ} أمر منهما له الإِيمان. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} هو البعث بعد الموت. {وَلِكُلٍّ} أي من المحسن والمسيء. {دَرَجَٰتٌ} لأن الجنة درجات غلب درجات والنار دركات. {وَلِيُوَفِّيَهُمْ} بعثناهم وقرىء: أذهبتم على الخبر وأأذهبتم بهمزتين على الاستفهام وهو إستفهام توبيخ وإنكار فاليوم هو يوم القيامة. {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} هو هود عليه السلام والاحقاف قال ابن عباس: واد بين عمان ومهرة. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} هم الرسل الذين تقدموا أزمانه. {وَمِنْ خَلْفِهِ} الرسل الذين كانوا في زمانه وقد خلت جملة حالية وأن لا تعبدوا متعلق بالنذر.
الجيلاني
تفسير : {حـمۤ} [الأحقاف: 1] يامن حمل أعباء الرسالة بحولنا وقوتنا، ومال إلى جناب قدسنا بالميل الذاتي الحقيقي بعد مساعدة توفيقنا وجذب من جانبنا {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} الذي أنزل إليك لتأييد أمرك، وضبط شرعك ودينك {مِنَ ٱللَّهِ} المطلع لما في استعدادات عباده {ٱلْعَزِيزِ} الغالب على جميع ما دخل في حيطة قدرته وإرادته {ٱلْحَكِيمِ} [الأحقاف: 2] في مطلق تدابيره الصادرة منه لضبط مصالح عباده. ثم التفت سحبانه تهويلاً وتفخيماً لحكمه فقال: {مَا خَلَقْنَا} وأظهرنا من كتم العدم {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: آثار الأسماء والصفات الذاتية {وَٱلأَرْضَ} أي: عالم الاستعدادات القابلة لانعكاس أشعة أنواع الذات الفائضة عليها حسب الشئون والتطورات الجمالية والجلالية {وَمَا بَيْنَهُمَآ} من الآثار المتراكمة من امتزاج الفواعل الأسمائية من الآثار الناشئة من قوابل المسميات والهيولي {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: خلقاً ملتبساً بالصدق المطابق للواقع {وَ} قدرنا بقاء ظهورها إلى {أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: وقت مقدر عندنا، محفوظ في خزانة حضرة علمنا ولوح قضائنا لا نطلع أحداً عليه، فإذا جاء الأجل المسمى انعدم الكل بلا تقدم وتأخر {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وأنكر كمال قدرتنا واقتدارنا على إيجاد الأشياء وإعدامها وإبدائها وإعادتها {عَمَّآ أُنذِرُواْ} من أهوال يوم القيامة المعدة لانعدام الكل وانقهار الأظلال الهالكة في شروق شمس الذات {مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] لذلك لا يترددون له، ولا يتهيئون أسبابه، ولا يستعدون لحلوله. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما أفرطوا في الإعراض عن الله وعن توحيده وأثبتوا له شركاء ظلماً وزوراً، مستفهماً على سبيل الإلزام والتبكيت: {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني {مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وتتخذون آلهة سواه وتعتقدونهم شركاء معه في الأرض {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ} أي: أي: شيء أوجدوا {مِنَ ٱلأَرْضِ} حتى اتصفوا بالخالقية واستحقوا بالمعبودية والربوبية، وأخبروني هل تنحصر شركتهم مع الله بعالم العناصر والمسببات {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ} أيضاً {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وعالم الأسباب {ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ} نازل من قبل الحق {مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ} القرآن يؤمر فيه باتخاذ هؤلاء الهلكى آلهة سوى الله، مستحقة بالعبادة {أَوْ أَثَارَةٍ} ائتوني ببقية {مِّنْ عِلْمٍ} دليل عقلي أو نقلي، قد بقى لكم من أسلافكم، يدل على إيثارهم واختيارهم آلهة شركاء معه سبحانه في ألهويته، وبالجملة: ائتوني بسند صحيح أن {كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف: 4] في دعوى الشركة مع الله المنزه عن التعدد مطلقاً. {وَ} بالجملة: {مَنْ أَضَلُّ} طريقاً وأسوأ سبيلاً وأشد سفها وحماقة {مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} السميع العليم البصير الحكيم القدير الخبير، المستقل في تصرفاته بالإرادة والاختيار {مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} أي: أصناماً لا يسمع دعاءه، ولا يجيب ولا يعلم بحاله، ولا يدبر له أموره، وإن دعاه وتضرع نحوه {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي: أبداً ما دامت الدنيا بل {وَهُمْ} أي: مبعوداتهم الباطلة {عَن دُعَآئِهِمْ} أي: عن دعاء عابديهم {غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5] ذاهلون، لا شعور لهم حتى يفهموا أو يجيبوا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الأحقاف: 1-2]، يشير إلى أن حميت قلوب أهل عنايتي عن آفات صفات النفس الأمارة بالسوء، فصرفت عنها خواطر النظر إلى الدنيا وما فيها، ووجهتها للحضرة الربانية، وثبتها على مشاهدة اليقين بنور التحقيق؛ فلاح فيها شواهد برهانهم، فأضفنا بها لطائف إحساننا، فكمل منالها من عين الوصلة، وغديناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة، وربيناهم بـ {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} للتأدب بآدبه والتخلق بأخلاقه {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ}؛ المعز للمؤمنين بإنزال الكتب عليهم، {ٱلْحَكِيمِ} لكتابه عند التبديل والتغير والنسخ. وبقوله: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الأحقاف: 3]، يشير إلى أن المخلوقات كلها ما خلقت إلا لمعرفة الحق تعالى، قال تعالى: "حديث : فخلقت الخلق لأعرف"تفسير : ، {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الأحقاف: 3]، لمعرفة كل عارف، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3]؛ ليكونوا مظهر صفات قهره ليعرف أنه تعالى قهار، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عما انذروا به كفر. بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأحقاف: 4]، يشير إلى كل ما يعبد من دون الله من الهوى والشيطان والدنيا والأصنام، {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}؛ أي: من أرض النفوس، كما خلقتها {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الأحقاف: 4]؛ أي: في سماوات القلوب؛ ليخلقوا فيها من الحق والباطل، كما أن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء؛ فإن شاء أقامه للحق وإن شاء أزاغه للباطل. {ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ} [الأحقاف: 4] من عند الله يا عبدة غير الله، هل لكم فيه دليل على عبادة غير الله، {مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] من المعقول والمنقول والمكاشف والمشاهد بتجويز العبادة لغير الله، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف: 4] فيما يعبدون من دون الله. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} [الأحقاف: 5]؛ أي: من لا قدرة له على الاستجابة {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5]، ويدعو دعاء الذي يقول: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60]، {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5]؛ أي: عن استجابة دعائهم عاطلون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا ثناء منه تعالى على كتابه العزيز وتعظيم له، وفي ضمن ذلك إرشاد العباد إلى الاهتداء بنوره والإقبال على تدبر آياته واستخراج كنوزه. ولما بين إنزال كتابه المتضمن للأمر والنهي ذكر خلقه السماوات والأرض فجمع بين الخلق والأمر {أية : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ } تفسير : كما قال تعالى: {أية : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ } تفسير : وكما قال تعالى: {أية : يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقّ } تفسير : فالله تعالى هو الذي خلق المكلفين وخلق مساكنهم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض ثم أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وأمرهم ونهاهم وأخبرهم أن هذه الدار دار أعمال وممر للعمال لا دار إقامة لا يرحل عنها أهلها، وأنهم سينتقلون منها إلى دار الإقامة والقرار وموطن الخلود والدوام، وإنما أعمالهم التي عملوها في هذه الدار سيجدون ثوابها في تلك الدار كاملا موفرا. وأقام تعالى الأدلة على تلك الدار وأذاق العباد نموذجا من الثواب والعقاب العاجل ليكون أدعى لهم إلى طلب المحبوب والهرب من المرهوب، ولهذا قال هنا: { مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقّ } أي: لا عبثا ولا سدى بل ليعرف العباد عظمة خالقهما ويستدلوا على كماله ويعلموا أن الذي خلقهما على عظمهما قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم للجزاء وأن خلقهما وبقاءهما مقدر إلى { أَجَلٍ مُسَمًّى }. فلما أخبر بذلك -وهو أصدق القائلين وأقام الدليل وأنار السبيل أخبر -مع ذلك- أن طائفة من الخلق قد أبوا إلا إعراضا عن الحق، وصدوفا عن دعوة الرسل فقال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ } وأما الذين آمنوا فلما علموا حقيقة الحال قبلوا وصايا ربهم، وتلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالانقياد والتعظيم ففازوا بكل خير، واندفع عنهم كل شر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):