٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ } العظمة {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وٱلأَرْضِ } حال، أي كائنة فيهما {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تقدم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْكِبْرِيَآءُ} العظمة، أو السلطان، أو الشرف، أو البقاء {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في انتقامه {الْحَكِيمُ} في تدبيره.
التستري
تفسير : قوله: {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}[37] قال: العلو والقدرة والعظمة والحول والقوة له في جميع الملك، فمن اعتصم به أيّده بحوله وقوته، ومن اعتمد على نفسه وكّله الله إليها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 37]. قال سهل: العلو والقدرة والعظمة والحول والقوة له فى جميع الملك فمن اعتصم به أيَّده بحوله وقوته ومن اعتمد نفسه وكله الله اليها.
البقلي
تفسير : ففى الحق الكبرياء عن الحدثان لانه هو المستحق للكبرياء وكبرياؤه ظاهر فى كل ذرة منا لعرش الى الثرى اذ هى كلها مستغرقة مقهورة فى انوار كبريائه يعز بعزة الاولياء ويقهر بقهر الاعداء حكيم فى ابداع الخلق والزمهم عبوديته التى هى شرايع المحكمة بحكمة قال سهل فى قوله وله الكبرياء العلو والقدرة والعظمة والحول والقوة له فى جميع الملك فمن اعتصم به ايده بحوله وقوته ومن اعتمد نفسه وكله الله اليها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وله الكبرياء فى السموات والارض} اى العظمة والقدرة والسلطان والعز لظهور آثارها واحكامها فيهما واظهارهما فى موقع الاضمار لتفخيم شأن الكبرياء {وهو العزيز} الذى لا يغلب {الحكيم} فى كل ما قضى وقدر فاحمدوه اى لان له الحمد وكبروه اى لان له الكبرياء واطيعوه اى لانه غالب على كل شئ وفى كل صنعه حكمة جليلة وفى الحديث "حديث : ان لله ثلاثة اثواب اتزر بالعزة وارتدى بالكبرياء وتسربل بالرحمة" تفسير : فمن تعزز بغير الله اذله الله فذلك الذى يقول الله تعالى {أية : ذق انك انت العزيز الكريم} تفسير : ومن تكبر فقد نازع الله ان الله تعالى يقول "حديث : لا ينبغى لمن نازعنى ان ادخله الجنة" تفسير : ومن يرحم الناس يرحمه الله فذلك الذى سربله الله سرباله الذى ينبغى له وفى الحديث القدسى يقول الله "حديث : الكبرياء ردآئى والعظمة ازارى فمن نازعنى واحدا منهما ألقيته فى جهنم" تفسير : فللعبد أن يتخلق بأخلاق الحق تعالى ولكنه محال ان يتخلق بهذين الخلقين لانهما ازليان ابديان لا يتطرق اليهما التغير وفى خلق العبد تغيير وله بداية ونهاية وله مبدئ ومعيد قال بعض الكبار وصف الحق سبحانه وتعالى نفسه بالازار والردآء دون القميص والسراويل لان الاولين غير مخطيين وان كانا منسوجين فهما الى البساطة اقرب والثانيين مخيطان ففيهما تركيب ولهذا السر حرم المخيط على الرجل فى الاحرام دون المرأة لان الرجل وان كان خلق من مركب فهو الى البساطة أقرب واما المرأة فقد خلقت من مركب محقق هو للرجل فبعدت عن البسائط والمخيط تركيب فقيل للمرأة ابقى على أصلك لا تلحقى الرجل وقيل للرجل ارتفع عن تركيبك وفى تقديم الحمد على الكبرياء اشارة الى ان الحامدين اذا حمدوه وجب ان يعرفوا انه أعلى واكبر من ان يكون الحمد الذى ذكروه لائقا بمقامه بل هو أكبر من حمد الحامدين واياديه اجل من شكر الشاكرين قال بعض العارفين اعلم ان التكبير تنزيه ربك عن قيد الجهات والتحولات المختلفة وعن قيد التعينات العلمية والاعتقادية المتنوعة يحسب المراتب وعن سائر احكام الحصر ما ظهر من ذلك المذكور وما بطن مما لا يتحقق بمعرفته الا من عرف سر العبادات المشروعة وسر التوجهات الكونية الى الحضرة الربانية فمعنى كل تكبير صلاتى الله اكبر من ان يتفيد بهذه التحولات العبادية والمراتب والتعينات الكونية وقال شيخ الاسلام خواهر زاده معنى الله اكبر أى من يؤدى حقه بهذا القدر من الطاعة بل حقه الاعلى كما قالت الملائكة ما عبدناك حق عبادتك وفى جامع المضمرات ليس المعنى على انه اكبر من غيره حتى يقال اكبر منه بل كل ما سواه فهو نور من انوار قدرته كما حكى انه عطس رجل عند الجنيد فقال الحمد لله فقال الجنيد قل الحمد لله رب العالمين موافقا للقرءآن فقال الرجل وهل للعالم وجود حتى يذكر مع الله فمعنى الله اكبر أى اكبر من ان يناله الحواس ويدرك جلاله بالعقل والقياس بل اكبر من ان يدرك كنه جلاله غيره بل اكبر من ان يعرفه غيره فانه لا يعرف الله الا الله قال بعض الفضلاء الصحيح ما عليه المحققون من اسم التفصيل اذا اطلق على الله تعالى فهو بمنزلة المعرف باللام فى المعنى فهو بمعنى الله هو الاكبر ولا يسوغ فيه تقدير من فانه حينئذ يقتضى ان يشاركه غيره فى اصل الكبرياء وهو سبحانه منزه عن ان يشاركه غيره فى شئ من صفاته كيف يتصور ذلك ولا كبرياء فى غيره تعالى بل شعار ما سواه كمال الصغار والاحتياج الى جنابه تعالى فضلا عن الاتصاف بالكبرياء والعظمة والكبر فى حق ما سواه من اسوء الاخلاق الذميمة وتعالى الله ان يشاركه غيره فى صفة هى كمال لخلقه تعالى فضلا عن صفة هى ذميمة لهم بل اسم التفضيل فى حقه تعالى دال على زيادة المبالغة والكمال المطلق الذى لا يتصور أن يشاركه فيه احد مما سواه انتهى وكان عليه السلام يزيد فى تكبيرات صلاة العيدين فتارة يجعل الزوائد ستا واخرى اكثر وسره ان العرب يجتمعون فى الاعياد من القبائل ويزاحمون على مطالعة جماله ويعظمونه اشد التعظيم فكان ينفى الكبرياء عن نفسه فيثبتها لله تعالى بما يحصل له كمال الاطمئنان من الاعداد (قال فى كشف الاسرار) بسمع عمر بن عبد العزيز رسانيدندكه بسرتو انكشترى ساخته است ونكينى بهزار درم خريد وبروى نشانده نامه نوشته بوى كه اى بسر شنيدم كه انكشترى ساخته ونكينى بهزاردرم خريده ودروى نشانده اكر رضاى من ميخواهى آن نكين بفروش وازبهاى آن هزار كرسنه راطعام ده واز باره سيم خودرا انكشترى ساز وبر آن نقش كن كه رحم الله امرءا عرف قدر نفسه زيرا كبربا صفت خداوند ذى الجلالست مرورا سزد كبريا ومنى زتخت بتهديد اكر بر كشدتيغ حكم بمانندكر وبيان صم وبكم بدركاه لطف وبز ركيش بر برزكان نهاده بزركى زسر بدرد يقين بردهاى خيال نماند سرا برده الاجلال اى لا يبقى من الحجب الا حجاب العظمة وردآء الكبرياء فانه لا يرتفع ابدا والا لتلاشى وجود الانسان والتحق بالعدم فى ذلك الآن فاعرف هذا بالذوق والوجدان تمت سورة الجاثية فى الرابع عشر من شهر رمضان المنتظم فى سلك شهور سنة ثلاث عشرة ومائة والف
الجنابذي
تفسير : {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اذ الرّبوبيّة لهما مستلزمة للكبرياء فيهما {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ} الغالب الّذى لا يغلب {ٱلْحَكِيمُ} فى علمه وعمله.
اطفيش
تفسير : {وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ} بناء مبالغة في العظمة فكبروه* {فِي السَّمَوَاتِ} فتعلق بما تعلق له أو حال من ضمير الاستقرار* {وَالأَرْضِ} لظهور آثار الكبرياء فيهن* {وَهُوَ الْعَزِيزُ} الذي لا يغلب* {الْحَكِيمُ} فيما قدر وقضى. قال جل وعلا: "حديث : العز ازاري والكبرياء ردائى فمن ينازعنى عذبته" تفسير : (وروي) "حديث : فمن ينازعنى شيئاً منهما" تفسير : (وفي رواية) "حديث : الكبرياء ازاري والعظمة ردائى فمن نازعني في واحد قذفته في النار" تفسير : والرداء والازار كناية عن الصفة اللازمة الكثيرة التى لا يشاركه أحد فيها فان الانسان لا يترك ثوبه ويعرى والثوب مغط للانسان وشامل له ولا يشاركه فيه غيره ومثل ذلك في كلام العرب غير قليل. اللهم يا رب ببركة هذه السورة وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اخز الروم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {ولَه} وحده {الكِبْرياءُ} العظمة والملك، وعدم الخضوع لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله سبحانه وتعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في ناري" تفسير : رواه أحمد ومسلم، وأبو داود وغيرهم، عن أبى هريرة {في السَّماوات والأرض} مقتضى الظاهر أن يقال فيهما إلا أنه أظهر لتفخيم شأن الكبرياء والتقييد بهما، لظهور أثر الكبرياء والعظمة فيهما، وهو متعلق بمحذوف حال من هاء له، ومعنى كونه فيهما ايجادهما وابقاءهما، والتصرف فيهما، أو متلق بالكبرياء {وهُو العَزيزُ} لا يعجز عن شىء {الحَكيمُ} فى أموره كلها، فى مسلم، عن أبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العزُ إزاره والكبرياء رداءه قال الله عز وجل: فمن ينازعني عذبته ". تفسير : وروى عن أبى مسعود: يقول الله عز وجل: "حديث : العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني شيئاً منهما عذبته" تفسير : وفى أبى داود، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في شىء منهما قذفته في النار" تفسير : والعرب تكنى عن الصفات اللازمة بالثياب، والانسان لا يشاركه أحد فى ثيابه كذلك لا يشارك الله فى صفته وشعار المسلم الزهد، ولباسه التقوى ختم الله سبحانه السورة بذلك لنحمده، وكبره، ونطيعه، إذ كان هو العزيز الحكيم، ونختم مباحنا وعبادتنا بذلك: "أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين" تفسير : [الصافات: 180 - 182].
الالوسي
تفسير : {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَاء } فيه من الاختصاص ما في {لِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } [الجاثية: 36] والكبرياء قال ابن الأثير: العظمة والملك، وقال الراغب: الترفع عن الانقياد، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود. وقوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } في موضع الحال أو متعلق بالكبرياء والتقييد بذلك لظهور آثار الكبرياء وأحكامها فيه. والإظهار في مقام الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء، وفي الحديث القدسي «حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار»تفسير : أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وابن أبـي شيبة والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن أبـي هريرة، وهو ظاهر في عدم اتحاد الكبرياء والعظمة فلا تغفل {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغلب {ٱلْحَكِيمُ } في كل ما قضى وقدر. وفي هذه الجمل إرشاد ـ على ما قيل ـ إلى أوامر جليلة كأنه قيل: له الحمد فاحمدوه تعالى وله الكبرياء فكبروه سبحانه وهو العزيز الحكيم فأطيعوه عز وجل، وجعلها بعضهم مجازاً أو كناية عن الأوامر المذكورة والله تعالى أعلم. هذا ولم أظفر من باب الإشارة بما يتعلق بشيء من آيات هذه السورة الكريمة يفي بمؤنة نقله غير ما يتعلق بقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ } تفسير : [الجاثية: 13] من جعله إشارة إلى وحدة الوجود، وقد مر ما يغني عن نقله، والله عز وجل ولي التوفيق.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن له الكبرياء في السماوات والأرض، يعني أنه المختص بالعظمة، والكمال والجلال والسلطان، في السماوات والأرض، لأنه هو معبود أهل السماوات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه، وتمجيده، والخضوع والذل له. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيم وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}تفسير : [الزخرف: 84-85]. فقوله{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}تفسير : [الزخرف: 84] معناه أنه هو وحده الذي يعظم ويعبد في السماوات والأرض ويكبر ويخضع له ويذل. وقوله تعالى:{أية : وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الروم: 27]. فقوله {أية : وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الروم: 27] معناه أن له الوصف الأكمل، الذي هو أعظم الأوصاف، وأكملها وأجلها في السماوات والأرض. وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : أن الله يقول: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري "
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (37) - وَلِلَّهِ العظِيمِ وَحْدَهُ الجَلاَلُ والسُّلْطَانُ، فِي السَّمَاواتِ والأَرضِ، وَكُلُّ شَيءٍ خَاضِعٌ لَهُ، فَقِيرٌ إِليهِ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لا يُمانَعُ ولا يُغَالَبُ، وَهُوَ الحَكِيمُ في أَفْعَالِهِ وَأَقْوالِهِ. لَهُ الكِبْرِيَاءُ - لَهُ العَظَمَةُ وَالمُلْكُ وَالجَلاَلُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه حيثية أخرى لوجوب الحمد لله، أنْ يتصف سبحانه بصفة الكبرياء، والكبرياء هو العظمة والجلال والقهر، وأيضا الأسلوب هنا أسلوب قَصْر {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ ..} [الجاثية: 37] يعني: له وحده، وهذه من أعظم نِعَم الله علينا حتى لا نكون عبيداً لغيره. فالله ما جعلك عبداً له إلا ليكفيك العبودية لغيره، ولولا هذا الكبرياء لله تعالى لكنّا عبيداً لكل ذي قوة ولكل مَنْ نحتاج إليه، حتى الحداد والنجار الذي يقضي لك مصلحة يمكن أنْ يستعبدك. إذن: معنى {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الجاثية: 37] كأنه يقول لك: اطئمن يا عبدي فلن تكون عبداً لغيري، فالعظمة والجلال والكبرياء لي وحدي وأنا لكم جميعاً، والخلق كلهم عيالي، وأحبُّهم إليَّ أرأفهم بعيالي. ألسْنا في المثل الشعبي نقول: اللي ملوش كبير يشترى له كبير، كذلك الحق سبحانه مع المؤمنين به، الذين يعبدونه وحده يكون في جانبهم يُيسِّر لهم أمورهم، ويقضي لهم حوائجهم، يستعينون به فُيعينهم ويلجأون إليه فيحميهم ويؤيدهم. إذن: هذه الصفة لله تعالى تُعدُّ من أعظم نِعمَه على عباده. والحديث القدسي يؤكد هذه الصفة لله تعالى وحده، فقال سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَنْ نازعني واحداً منهما قذفتُه في النار ". تفسير : لماذا؟ لأنه لم يخلق هذا الخَلْق ولا يُؤتمن عليه، لذلك الإنسان لا يتكبَّر على الخَلْق إلا إذا حُجبت نفسه عن استحضار كبرياء الحق سبحانه: إنما الذي يستحضر في نفسه دائماً كبرياء الله يستحي أنْ يتكبَّر، وأنْ ينازع ربَّه في هذه الصفة. والكبرياء مادتها كبر تقال بفتح الباء للدلالة على الكبر والزيادة في المادة، وبالضم تدل على العظَم، ومنه قوله تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}تفسير : [الكهف: 5] في حادثة الإفك. والحق سبحانه أخبرنا أن من أسمائه تعالى الكبير ولم يَقُلْ الأكبر، مع أن الأكبر تعطي ميزة على الكبير، لكن جعلها الله تعالى صفة له في شعار الصلاة، فنقول: الله أكبر. لأنها تعني أن الصلاة تخرج من الكبير إلى الأكبر، وكأنه تعالى يريد أنْ يقول لنا: إن أعمال الحياة وحركتها شيء مهم وهو كبير لكن الله أكبر. ولأهمية العمل والسعي في حركة الحياة ترى أنه في سورة الجمعة أخرجك من العمل لتؤدي الصلاة، ثم بعد الصلاة أمرك بالعودة إلى السعي والعمل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..}تفسير : [الجمعة: 9]. فأخذنا من قمة العمل وهو البيع ليعطينا الشحنة الإيمانية التي تُعيننا على الاستمرار في مسيرة الحياة، فلما انقضتْ الصلاة قال لنا: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 10]. إذن: لا نحقر العمل لأنه عند الله كبير، وبه قوام الحياة واستمرارها، لكن إذا ما قُورن العمل والسعي بالصلاة فالصلاة أكبر وأهمّ وأعظم، فإذا عُدْنا إلى التسمية نجد أن الله اختار لنفسه سبحانه الكبير لا الأكبر، لأن الأكبر ما دونه كبير، أما الكبير فما دونه صغير، فكلُّ شيء دون الله صغير. وقوله: {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الجاثية: 37] العزيز هو الغالب الذي لا يُغلب، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، فصفة الكبرياء لله تعالى لا تعني القهر والجبروت والفتونة بلا ضابط، بل هو أيضاً سبحانه حكيم يُصرِّف الأمور وفق حكمة مطلقة. والمتأمل في سورة الجاثية يجد أنها بدأتْ بقول الله تعالى: {أية : حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [الجاثية: 1-2] وختمتْ أيضاً بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الجاثية: 37]. وكأن السورة وُضعتْ بين قوسين من العزة والحكمة لله تعالى والكبرياء والحمد لله سبحانه، ومن العجيب أن الأحقاف بعدها بدأتْ أيضاً بقول الله تعالى: {أية : حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [الجاثية: 1-2]. فكأن الله تعالى يؤكد على هذه الصفات ويُرسِّخها في نفوس المؤمنين ليزيدهم اطمئناناً به سبحانه وبمنهجه. وكأنه سبحانه يقول لهم: اطمئنوا، فالذي أنعم عليكم قديماً بأنْ أوجدكم من عدم وأحيا مادتكم بروح منه، ثم أمدَّكم بمقوِّمات الحياة واستبقائها وهداكم إليه بآياته التي تُحيي قلوبكم وتعطيكم الحياة الباقية يوم القيامة. فهو سبحانه كما ضمن لكم الماضي يضمن لكم المستقبل، فنِعَمه لا تُسلب، وعطاؤه لا ينفد، لأن له الكبرياء في السماوات والأرض، فلا تُوجد قوة غيره سبحانه تنقض هذا الخير أو تمنعه عنكم. والحق سبحانه وتعالى حينما يجمع بين صفتي العزة والحكمة إنما ليقول لنا: انتبهوا إذا أصابتكم أحداثٌ تناقض هذه العزة في مشوار الدعوة، فاعلموا أنها ما حدثتْ إلا لحكمة. فقد يقول قائل مثلاً: إذا كان الله عزيزاً لا يغلب، فلماذا ترك رسوله لأهل الطائف يؤذونه ويسبُّونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموْا قدميه الشريفتين. نقول: ابحثوا عن الحكمة، فمن الحكمة المرادة لله تعالى حين يعلو الشر أنْ يُمحص أهل الخير، وأنْ يُصفي قاعدة الإسلام بحيث لا يثبت عليه إلا الأشداء في العقيدة الثابتون على الحق، فلا يحيدون عنه، فعلى أكتاف هؤلاء سيُحمل الدين وتنتشر الدعوة، فلا بدَّ من التمحيص وتمييز المؤمنين من المنافقين. تذكرون قصة الحديبية عندما ردَّ الكفارُ رسول الله والمؤمنين الذين جاءوا معه لزيارة البيت الحرام ومنعوهم من دخول مكة وهم على مَقْربة منها، وقد وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على العودة دون أنْ يدخل مكة، ودون أنْ يعتمروا وعقد معهم صلح الحديبية. لذلك غضب المسلمون وكادوا أنْ يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى المدينة، حديث : حتى إن عمر بن الخطاب يجادل رسول الله يقول له: يا رسول الله ألسْنا على الحق؟ يقول رسول الله: بلى، يقول: أليسوا على الباطل؟ يقول: بلى. يقول: فلم نعطي الدَّنية في ديننا، فيقول له الصِّديق: الزم غرزك يا عمر، إنه رسول اللهتفسير : . يعني: الزم حدودك واعرف مركزك. ذلك لأن المسلمين كانوا على شوق للبيت وتحمَّلوا مشقة السفر إليه حتى كانوا على بُعدْ عشرين كيلوا متراً من مكة، وساقوا معهم هَدْيهم واستعدوا للعمرة فشقَّ عليهم أنْ يُمنعوا منها، لذلك تململوا من قرار الرجوع. حديث : حتى إن سيدنا رسول الله يقول لزوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها: هلك الناس يا أم سلمة. فتقول: وَلِمَ؟ قال: أمرتُهم فلم يطيعوا، قالت: يا رسول الله اعذرهم فقد جاءوا على شوْق للبيت، لكن اذهب يا رسول الله وافعل ما أمرك الله به، فإذا رأوْك تفعل عرفوا أن الأمر عزيمة وفعلوا مثلك، فطابت نفسُ رسول الله وذهب ففعل . تفسير : فلما رآه القوم فعلوا مثله وهدأتْ نفوسهم إلى قرار رسول الله، وعادوا إلى المدينة دون عُمرة، وقبل أنْ يصلوا إلى المدينة نزل الوحي على سيدنا رسول الله يُبيِّن لهم الحكمة التي غابتْ عنهم ويُعطيهم الدرس في أن العزة مقرونةٌ بالحكمة. قال تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الفتح: 25]. فالحكمة إذن في منعهم من دخول مكة هذا العام، لأن فيها إخواناً لهم آمنوا سِراً وستروا إيمانهم، فلو دخلوا معهم في معركة لالتقى المؤمنون وجهاً لوجه، ولقتلتُم إخوانكم وأصابتكم معرّة بسبب ذلك. يعني: إثم أو سُبَّة وعار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):