٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ } خلقاً {بِٱلْحَقِّ } ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى فنائهما يوم القيامة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمّآ أُنذِرُواْ } خُوفوا به من القرآن {مُّعْرِضُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْحَقِّ} الصدق، أو العدل، أو للحق، أو للبعث {وَأجَلٍ مُّسَمّىً} آجال الخلق، أو القيامة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الآية: 3]. قال ابن عطاء: خلق الله السماوات والأرض وأظهر فيها بدائع صنعه وبوادى قدرته فمن نظر إليها ورأى فيها آثار الصنع فهو لتيقظه ومن نظر وشاهد الصانع فهو لتحققه.
القشيري
تفسير : الكافرون مُعْرِضُون عن موضع الإنذار، مقيمون على حَدِّ الإصرار.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ} كان فى علم الله فى ازل ازله انه يوحد الكون من العدم فاوجدها بحق العلم السابق وذلك الحق حق بسوابق ارادته الازلية على وجود الاكوان الحدثان لتحقق بانوار حقائق اصطناعه حقائق انوار قلوب العارفين وليتطرقوا بوسايط الشواهد الى مشاهد جلاله وجماله لئلا يحترقوا بالبديهة فى بروز سطوات قدسه وكبريائه قال ابن عطا خلق السماوات والارض واظهر فيها بدايع صنعه وبوادى قدرته فمن نظر اليهما فراى فيهما أثار الصنع فهو ينقظه من نظر وشاهد الصنايع فهو لتحققه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما خلقنا السموات والارض} بما فيهما من حيث الجزئية منهما ومن حيث الاستقرار فيهما {وما بينهما} من المخلوقات كالنار والهواء والسحاب والامطار والطيور المختلفة ونحوها {الا} خلقا ملتبسا {بالحق} اى بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وان جعلها مقارا للمكلفين ليعملوا فيجازيهم يوم القيامة لا بالعبث والباطل فانه ما وجد شئ الا لحكمة والوجود كله كلمات الله ولكل كلمة ظهر هو الصورة وبطن هو المعنى الى سبعة أبطن كما ورد فى الخبر "حديث : ان لكل حق حقيقة" تفسير : فالوجود كله حق حتى ان النطق بكلمات لا معانى لها حق فانها قد وجدت والباطل هو المعنى الذى تحتها كقول من يقول مات زيد ولم يمت فان حروف الكلمة حق فانها قد وجدت والباطل هو ان زيدا مات وهو المعنى الذى تحتها فالدنيا حق وحقيقتها الآخرة والبرزخ وصل بينهما وربط ومن ههنا يعرف قول على رضى الله عنه الناس نيام واذا ماتوا تيقظوا فالرؤيا حق وكذا ما فى الحارج من تعبيرها لكن كلا منهما خيال بالنسبة الى الآخرة لكونه من الدنيا وكونه خيالا ومن الدنيا لا ينافى كونه حقا وانما ينافى كونه حقيقة ولذا قال يوسف الصديق عليه السلام {أية : يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا} تفسير : وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر انما الكون خيال وهو حق فى الحقيقة وفى الآية اشارة الى ان المخلوقات كلها ما خلقت الا لمعرفة الحق تعالى كما قال فخلقت الخلق لاعرف وفى الحديث "حديث : لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال" تفسير : ولهذه المعرفة خلقت سموات الارواح واراضى النفوس وما بينهما من العقول والقلوب والقوى {واجل مسمى} عطف على الحق بتقدير المضاف اى وبتقدير أجل معين ينتهى اليه امور الكل وهو يوم القيامة وذلك لان اقتران الخلق ليس الا به لا بالاجل نفسه وفيه ايذان بفناء العالم وموعظة وزجر اى فانتبهوا ايها الناس وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم واشارة بان لكل عارف اجل مسمى لمعرفته واكثره فى هذه الامة اربعون سنة فانها منتهى السلوك فلا يغتر العبد بعلمه وعرفانه فانه فوق كل ذى علم عليم ولكل حد نهاية والامور مرهونة بأوقاتها وأزمانها وهذا بالنسبة الى من سلك على الفطرة الاصلية وعصم من غلبة احكام الامكان والا فمن الناس من يجتهد سبعين سنة ثم لا يقف دون الغاية ثم انه فرق بين اوائل المعرفة وأواخرهم فان حصول اواخرها يحتاج الى مدة طويلة بخلاف اوائلها اذ قد تحصل للبعض فى أدنى مدة بل فى لحظة كما حصلت لسحرة فرعون فانهم حيث رأوا معجزة موسى عليه السلام قالوا آمنا برب العالمين (وحكى) ان ابراهيم بن ادهم قدس سره لما قصد هذا الطريق لم يك الا مقدار سيره من بلخ الى مروالروذ حتى صار بحيث اشار الى رجل سقط من القنطرة فى الماء الكثير هنالك فوقف الرجل مكانه فى الهوآء فتخلص وان رابعة البصرية كانت امة كبيرة يطاف بها فى سوق البصرة ولا يرغب فيها احد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم واعتقها فاختارت هذا الطريق وأقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها زهاد البصرة وقرآؤها وعلماؤها لعظم منزلتها فهذا من العناية القديمة والارادة الازلية الغير المعللة بشئ من العلل. فيض روح القدس ارباز مدد فرمايد. ديكران هم بكنند آنجه مسيحا ميكرد. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر لم يكن يتخلص عندى أحد الجانبين فى مسألة خلق الاعمال وتعسر عندى الفصل بين الكسب الذى يقول به قوم وبين الخلق الذى يقول به قوم فأوقفنى الله تعالى بكشف بصرى على خلقة المخلوق الاول الذى لم يتقدمه مخلوق وقال هل هنا امر يورث اللبس والحيرة قلت لا يا رب فقال لى هكذا جميع ما تراه من المحدثات ما لأحد فيه اثر ولا شئ من المخلوق فانا الذى اخلق الاشياء عند الاسباب لا بالاسباب فتكون على امرى خلقت النفخ فى عيسى وخلقت التكون فى الطائر {والذين كفروا} اى مشركوا أهل مكة {عما انذروا} به وخوفوا من يوم القيامة وما فيه من الاهوال {معرضون} بترك الاستعداد له بالايمان والعمل فيه اشارة الى ان الاعراض عما انذروبا به كفر قال الفقهاء اذا وصف الله احد بما لا يليق به كالامكان والحدوث والجسمية والجهات والظلم والنوم والنسيان والتأذى ونحو ذلك او استهزا باسم من اسمائه او امر من اوامره او انكر شيئا من وعده ووعيده وما ثبت بدليل قطعى يكفر ولو زنى رجل او عمل عمل قوم لوط فقال له الآخر مكن فقال كنم ونيك آرم فهذا كفر ولو قيل لرجل لا تعصى الله قال الله يدخلك النار فقال من از دوزخ نه انديشم يكفر ولو قيل الرجل بسيار مخور وبسيار مخب او بسيار مخد فقال جندان خورم وخسم وخندم كه خود خواهم يكفر لكون كل من الاكل والنوم والضحك الكثير منهيا عنه مميتا للقلب فرد القول فيه رد للنص حقيقة وفى آخر فتاوى الظهيرية سئل الشيخ الامام ابو بكر محمد بن الفضل عمن يقول انا لا اخاف النار ولا ارجو الجنة وانما اخاف الله وارجوه فقال قوله لا اخاف النار ولا ارجو الجنة غلط فان الله تعالى خوف عباده بالنار بقوله تعالى {أية : فاتقوا النار التى اعدت للكافرين} تفسير : ومن قيل له خف مما خوفك الله فقال لا اخاف ردا لذلك كفر انتهى. يقول الفقير صرح العلماء بان الايمان من اجل خوف النار ورجاء الجنة لا يصح لانه ايمان غير خالص لله فلو كان مراده من نفى الخوف والرجاء ان ايمانى ليس بمبنى عليهما لم يكفر بل اصاب حقيقة الايمان على ان المراد من اتقاء النار فى الحقيقة اتقاء الله تعالى فان الله هو الذى يدخله النار بمقتضى وعيده على تقدير عصيانه فيؤول المعنى فى الآية الى قولنا فاتقوا الله ولا تعصوه حتى لا يدخلكم النار نعم رد ظاهر النص كفر اذا لم يقدر على الخروج عن عهدته بتأويل مطابق للشرع ومن اكبر الذنوب ان يقول الرجل لاخيه اتق الله فيقول فى جوابه عليك نفسك اى الزم نفسك وانت تأمرنى بهذا (روى) ان يهوديا قال لهرون الرشيد فى سيره مع عسكره اتق الله فلما سمع هرون قول اليهودى نزل من فرسه وكذا العسكر نزلوا تعظيما لاسم الله العظيم وجاء فى كتب الاصول اذا حلف على مس السماء انعقد اليمين لتوهم البر لان السماء ممسوسة كما قال تعالى حكاية عن الجن {أية : وانا لمسنا السماء} تفسير : ثم يحنث ويلزمه موجب الحنث وهو الكفارة فيكون آثما لان المقصود باليمين تعظيم المقسم به وههنا هتك حرمة الاسم انتهى فعلى العاقل ان يقبل قول الناصح ويخاف من الله ويعظم اسمه حتى يكون مظهر صفات لطفه ويعرف انه تعالى لطيف فاذا كفر وأعرض يكون مظهر صفات قهره فيعرف ان الله تعالى قهار نسأل الله عفوه وعطاه ولطفه الواسع ورضاه
اطفيش
تفسير : {مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ} بين النوعين أو اعتبر ان السموات كانت سماء* {إِلاَّ بِالْحَقِّ} بالعدل متعلق بخلقنا أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف أي الا خلقاً ملتبساً بالحق ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا والحق هو ما تقتضيه الحكمة والعدل. وعن بعض الحق البعث والحساب والجنة والنار* {وَأَجَلٍ} أي وبتقدير أجل* {مُّسَمًّى} مقدر معين وهو يوم القيامة ينتهي اليه الكل وتفنى فيه السموات والأرض وأشياء مما بينها وما مر من الاعراب وأولى من جعل بالحق حالا من المفعول لان المقترن بالحكمة والمدة حقيقة ليس هو المخلوقات كذا قيل ويجوز كونه حالاً من ضمير خلقنا. {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ} متعلق بقوله* {مُعْرِضُونَ} أي معرضون عما أنذروا به أي خوفوا به من هول ذلك الأجل لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له ويجوز كون (ما) مصدرية
اطفيش
تفسير : {ما خَلَقْنا السَّماوات والأرض وما بِيْنَهما} من المخلوقات، ومنها الجو {إلاَّ بالحقِّ} بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، أو ملتبسين، أو ملتبسات بشىء إلا بالحق أو إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة، كالتكليف والدلائل {وأجل مُسمى} أى وتقدير أجل مسمى يجازون فيه، وإنما قدرت المضاف المذكور، لأن الحق يعتبر بقدرة الله لا بالأجل المسمى بعد فناء السماوات، وتبديل الأرض نفسه وهو يوم القيامة، فان أمور المكلفين تنتهى اليه، وفيه تبديل الأرض غير الأرض، وفيه يبرزون لله الواحد القهار، وقيل: الأجل المسمى مدة البقاء فى الحياة، لكل أحد والصحيح أنه يوم القيامة لأن الانذار انما يكون به ما هو قوله تعالى: {والَّذين كَفروا عمَّا أنْذروا} أى عما أنذروه، بحذف رابط الموصول، وهذا الضمير المقدر مثل المنصوب الثانى فى قوله تعالى: "أية : فأنذرتكم ناراًَ" تفسير : [الليل: 14] والجار متعلق بقوله: {مُعْرضُون} عن الايمان به، والاستعداد له، وقد للفاصلة والحصر، فالمعنى معرضون عما أنذروا، لا عن بعض ما أرادوه من الكفر فضلا عن كله، وعن سائر معاصيهم، وامور دنياهم أو ما مصدرية، فلا يقدر الضمير أى عن انذارهم، باضافة المصدر الى المفعول به النائب عن الفاعل، أى عن انذار الله، أو النبى صلى الله عليه وسلم لهم، والواو للحال المقدرة للضمير، وهو نا، وليست مقارنة لأن اعراضهم ليس وقت خلق السماوات والأرض.
الالوسي
تفسير : {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } بما فيهما من حيث الجزئية منهما ومن حيث الاستقرار فيهما {وَمَا بَيْنَهُمَا } من المخلوقات {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية والتشريعية، وفيه من الدلالة على وجود الصانع وصفات كماله وابتناء أفعاله على حكم بالغة وانتهائها إلى غايات جليلة ما لا يخفى، وجوز كونه مفرغاً من أعم الأحوال من فاعل {خَلَقْنَا } أو من مفعوله أي ما خلقناها في حال من الأحوال إلا حال ملابستنا بالحق أو حال ملابستها به. {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } عطف على {ٱلْحَقّ } بتقدير مضاف أي وبتقدير أجل مسمى، وقدر لأن الخلق إنما يلتبس به لا بالأجل نفسه والمراد بهذا الأجل ـ كما قال ابن عباس ـ يوم القيامة فإنه ينتهي إليه أمور الكل وتبدل فيه الأرض غير الأرض والسمٰوات وبرزوا لله الواحد القهار، وقيل: مدة البقاء المقدر لكل واحد، ويؤيد الأول قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } فإن ما أنذروه يوم القيامة وما فيه من الطامة التامة والأهوال العامة لا آخر أعمارهم. وجوز كون {مَا } مصدرية أي عن إنذارهم بذلك الوقت على إضافة المصدر إلى مفعوله الأول القائم مقام الفاعل. والجملة حالية أي ما خلقنا الخلق إلا بالحق وتقدير الأجل الذي يجازون عنده / والحال أنهم غير مؤمنين به معرضون عنه غير مستعدين لحلوله.
ابن عاشور
تفسير : لما كان من أهم ما جاء به القرآن إثباتُ وحدانية الله تعالى، وإثباتُ البعث والجزاء، لتوقف حصول فائدة الإنذار على إثباتهما، جُعِل قوله: {أية : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}تفسير : [الأحقاف: 2] تمهيداً للاستدلال على إثبات الوحدانية والبعث والجزاء، فجُعل خلق السماوات والأرض محل اتفاق، ورتب عليه أنه ما كان ذلك الخَلق إلا ملابساً للحق، وتقتضي ملابسته للحق أنه لا يكون خلْقاً عبثاً بل هو دال على أنه يعقبه جزاء على ما يفعله المخلوقون. واستثناءُ {بالحق} من أحوال عامة، أي ما خلقناهما إلا في حالة المصاحبة للحق. وقوله: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} في موضع الحال من الضمير المقدر في متعلّق الجار والمجرور من قوله: {بالحق}، فيكون المقصود من الحال التعجيب منهم وليس ذلك عطفاً لأن الإخبار عن الذين كفروا بالإعراض مستغنى عنه إذ هو معلوم، والتقدير: إلا خلقاً كائناً بملابسة الحق في حال إعراض الذين كفروا عما أنذروا به مما دل عليه الخلق بالحق. وصاحب الحال هو {السماوات والأرض}، والمعنى: ما خلقناهما إلا في حالة ملابسة الحق لهما وتعيين أجل لهما. وإعراض الذين كفروا عما أنذروا به من آيات القرآن التي تذكرهم بما في خلق السماوات والأرض من ملابسة الحق. وعطف {وأجل مسمى} على {بالحق}، عطفُ الخاص على العام للاهتمام به كعطف جبريل وميكائيل على ملائكته في قوله تعالى: {أية : وملائِكتهِ ورسله وجبريل وميكال}تفسير : في سورة البقرة (98) لأن دلالة الحدوث على قبول الفناء دلالة عقلية فهي ممّا يقتضيه الحق، وأن تعرض السماوات والأرض للفناء دليل على وقوع البعث لأن انعدام هذا العالم يقتضي بمقتضى الحكمة أن يخلفه عالم آخر أعظم منه، على سنة تدرج المخلوقات في الكمال، وقد كان ظن الدهريين قدمَ هذا العالم وبقاءَه أكبر شبهة لهم في إنكارهم البعث {أية : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيَا وما يُهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24]. فالدهر عندهم متصرف وهو باق غير فان، فلو جوزوا فناء هذا العالم لأمكن نزولهم إلى النظر في الأدلة التي تقتضي حياة ثانية. فجملة {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} مرتبطة بالاستثناء في قوله: {إلا بالحق}، أي هم معرضون عما أنذروا به من وعيد يوم البعث. وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير منصوب بــ {أنذروا}. والتقدير: عما أنذروه معرضون. ويجوز أن تكون {ما} مصدرية فلا يقدر بعدها ضمير. والتقدير عن إنذارهم معرضون فشمل كل إنذار أنذروه. وتقديم {عما أنذروا} على متعلقه وهو {معرضون} للاهتمام بما أنذروا ويتبع ذلك رعاية الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى}. صيغة الجمع في قوله: خلقنا للتعظيم. وقوله: إلا بالحق أي خلقا ملتبساً بالحق. والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبساً بالحق أنه خلقهما لحكم باهر، ولم يخلقهما باطلاً، ولا عبثاً، ولا لعباً، فمن الحق الذي كان خلقهما متلبساً به، إقامة البرهان، على أنه هو الواحد المعبود وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم كقوله تعالى في البقرة {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 163] ثم أقام البرهان على أنه هو الإله الواحد بقوله بعده:{أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164]. فتلبس خلقه للسماوات والأرض بالحق واضح جداً، من قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى قوله {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}[البقرة: 164] بعد قوله {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [البقرة: 163] لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله هو أعظم الحق. وكقوله تعالى:{أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 21] {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 22]، لأن قوله {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُم} فيه معنى الإثبات من لا إله إلا الله. وقوله {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه. وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع، على صحة معنى لا إله إلا الله، نفياً وإثباتاً، بخلقه للسماوات والأرض، وما بينهما في قوله {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}تفسير : [البقرة: 21-22} الآية. وبذلك تعلم أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بأعظم الحق، الذي هو إقامة البرهان القاطع، على توحيده جل وعلا، ومن كثرة الآيات القرآنية، الدالة على إقامة هذا البرهان، القاطع المذكور، على توحيده جل وعلا، علم من استقراء القرآن، أن العلامة الفارقة من يستحق العبادة، وبين من لا يستحقها، هي كونه خالقاً لغيره، فمن كان خالقاً لغيره، فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء، فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال. فالآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة آنفاً: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة: 21] الآية. فقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} يدل على أن المعبود هو الخالق وحده، وقوله تعالى:{أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الرعد: 16] الآية. يعني وخالق كل شيء هو المعبود وحده. وقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل، لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين القاطعة، على توحيده جل وعلا، في قوله {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : إلى قوله {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}تفسير : أتبع ذلك بقوله {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 3-17]. وذلك واضح جداً فى أن من يخلق غيره هو المعبود وأن من لا يخلق شيئاً لا يصح أن يعبد. ولهذا قال تعالى بعده قريباً منه {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [النحل: 20]. وقال تعالى في الأعراف {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [الأعراف: 191]. وقال تعالى في الحج {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ}تفسير : [الحج: 73] أي ومن لم يقدر أن يخلق شيئاً لا يصح أن يكون معبوداً بحال وقال تعالى:{أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 1-2] الآية. ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد، ومن لا يستحق ذلك. قال في صفات من يستحق العبادة:{أية : ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}تفسير : [الفرقان: 2]. وقال في صفات من لا يصح أن يعبد {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [الفرقان: 3]. الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً وكل تلك الآيات تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وبينهما، خلقاً متلبساً به، تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وذلك في قوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا}تفسير : [الطلاق: 12]. فلام التعليل في قوله: لتعلموا متعلقة بقوله {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} الآية وبه تعلم أنه ما خلق السماوات السبع، والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن، إلا خلقاً متلبساً بالحق. ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقاً متلبساً به، هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود: 7]. فلام التعليل في قوله: ليبلوكم متعلقة بقوله {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} وبه تعلم أنه ما خلقهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. ونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف{أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]. وقوله تعالى في أول الملك:{أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الملك: 2]. ومما يوضح أنه ما خلق السماوات والأرض إلا خلقاً متلبساً بالحق، قوله تعالى في آخر الذاريات {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}تفسير : [الذاريات: 56-57]. سواء قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم، لأن عبادتهم يحصل بهم تعظيم الله وطاعته، والخضوع له كما قال تعالى:{أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ}تفسير : [الأنعام: 89]. وقال تعالى:{أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ}تفسير : [فصلت: 38]. أو قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي إلا ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي، لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعاً، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهاً. ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال. وقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقا متلبساً به، جزاء الناس بأعمالهم، كقوله تعالى في النجم {أية : وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : [النجم: 31]. فقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي هو خالقها ومن فيهما { لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} الآية. ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس{أية : إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [يونس: 4]. ولما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء، هددهم بالويل من النار، بسبب ذلك الظن السيئ، في قوله تعالى:{أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص: 27]. وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثاً، لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ظنه، في قوله تعالى {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ}تفسير : [المؤمنون: 115-116]. فقوله (فتعالى الله) أي تنزه وتعاظم، وتقدس، عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث، وحساب وجزاء. وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه، نزهه عنه أولو الألباب، كما قال تعالى:{أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}تفسير : إلى قوله:{أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}تفسير : [آل عمران: 190-191]، فقوله عنهم {سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك، عن أن تكون خلقت هذا الخلق، باطلاً لا لحكمة تكليف، وبعث وحساب وجزاء. وقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، يفهم منه أنه لم يخلق ذلك باطلاً، ولا لعباً ولا عبثاً. وهذا المفهوم جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} الآية، وقوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}، وقوله تعالى:{أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الدخان: 38-39]. وقوله تعالى في آية الأحقاف هذه {وَأَجَلٍ مُّسَمًى} معطوف على قوله: {بِالْحَقِّ} أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في قوله تعالى{أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ}تفسير : [الحجر: 85] الآية. فقوله في الحجر: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَة} بعد قوله {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} يوضح معنى قوله فى الأحقاف {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى}. وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمداً ينتهي إليه أمرهما. كما قال تعالى: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الزمر: 67]. وقال تعالى:{أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}تفسير : [الأنبياء: 104] وقوله تعالى:{أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ}تفسير : [إبراهيم: 48] وقوله:{أية : وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ}تفسير : [التكوير: 11] وقوله تعالى {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ}تفسير : [المزمل: 14] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ}. ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم به الرسل جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في البقرة:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة: 6] وقوله في يس{أية : وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}تفسير : [يس: 10]. وقوله تعالى:{أية : وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}تفسير : [الأنعام: 4 - يس: 46]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. والإعراض عن الشيء الصدود عنه. وعدم الإقبال إليه. قال بعض العلماء: وأصله من العرض بالضم. وهو الجانب. لأن المعرض عن الشي يوليه بجانب عنقه. صاداً عنه. والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد. فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذار. وقد أوضحنا معاني الإنذار في أول سورة الأعراف. و {ما} في قوله {عَمَّآ أُنذِرُواْ} قال بعض العلماء هي موصولة. والعائد محذوف، أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه. أي خوفوه من عذاب يوم القيامة. وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مضطرد كما هو معلوم. وقال بعض العلماء: هي مصدرية. أي والذين كفروا معرضون عن الإنذار، ولكليهما وجه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (3) - لَم يَخْلُقِ اللهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ إِلاَّ بِالحَقِّ والعَدْلِ وَالحِكمةِ التي اقْتَضَتْها مَشِيئَتُهُ تَعَالى، لاَ لِلْعَبَثِ وَاللَّهُوِ والتَّسلِيَةِ. وَقَدَّرَ لِهذهِ الكَائِنَاتِ أَجَلاً مُعَيَّناً لِبَقَائِها، لا يَزِيدُ ولا يَنقُصُ، فإِذا حَانَ ذَلِكَ الأَجَلُ قَامَتِ القِيَامَةُ، وَبُعِثَ الناسُ، وَحُوسِبَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمْ على عَمَلِهِ في الحَيَاةِ الدُّنيا، وَجُزِيَ بِعَمَلِهِ. وَمَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالى قَدْ نَصَبَ الأَدِلَّةَ لِلْعِبَادِ في الأَنفُسِ وفي الآفَاقِ عَلَى وُجُودِهِ، وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظَمَتهِ? وَقُدْرَتِهِ عَلَى الخَلْقِ، ثمَّ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إِلى النَّاسِ بالكُتُبِ مُحَذِّرِينَ وَمنذِرِينَ، فَإِنَّ الذِينَ كَفَرُوا استَمَرُّوا في كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهِمْ وَإِعراضِهِمْ عنْ نُذُرِ اللهِ. أَجَلٍ - مُسَمىً - هُوَ يَوْمُ القِيَامِةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ..} [الأحقاف: 3] يعني: ما خلقتُ عبثاً، إنما خلقتُ بنظام دقيق محكم لا يتغير، وقلنا: (الحق) هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، كذلك خلقتُ لغاية، لذلك انظر إلى السماء مثلاً، خلقها الله من غير عَمَد. وهي كذلك منذ خلقها الله، وسوف تظل إلى قيام الساعة على هذا الاستقرار، وعلى هذا الثبات، وعلى هذا الحق الذي خلقتْ به. كذلك الشمس هي الشمس ما احتاجت إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار ولم يُصبها عطل ولا عطب، لماذا؟ لأنها خُلقتْ بالحق وبالعدل الذي لا يتغير أبداً، لأنه بُني من أساسه على الحكمة، ولو بُني هذا الكون منذ نشأته على غير الحكمة لأصابه العطب والخلل. إذن: خلقتُ السماوات والأرض من البداية على الحق، حَقُّ مطلب لم يسبقه باطل ولم يسبقه خَلْق آخر تم تعديله، بل هو منذ نشأته الأولى كذلك، كما سبق أنْ قُلْنا في قوله تعالى وهو يحاور أعداء الإسلام، فقال: {أية : وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا ..}تفسير : [التوبة: 40]. فالأولى جعل، جعلها الله سفلى، أما الأخرى فهي بطبيعة الحال ومنذ البداية هي العليا، لذلك لم يقُلْ: وجعل كلمة الله هي العليا، لأنها لم تكُنْ أبداً دنيا فجعلها الله عُلْيا. إذن: الباطل جعل، والحق هو الحق ثابت منذ خلقه الله. وقوله: {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [الأحقاف: 3] يعني: وقت معلوم هو يوم القيامة، فهذا الخَلْق لم يخلقه الله ويتركه هملاً، إنما لأجل محدود هو القيامة، يوم يتغيَّر هذا الكون الثابت، ويهدم كل ما فيه وينقض بناءه لبنةَ لبنةً. {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ..}تفسير : [إبراهيم: 48] يوم تكوَّر الشمس ويضيع القمر، وتهدم كل أسباب العيش على الأرض. أما في الآخرة: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ..}تفسير : [الزمر: 69] فليس هناك شمس ولا قمر، فأنت في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش بالمسبِّب سبحانه. وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] أي: منصرفون، وقًُلْنا الإنذار: التخويف من الشر قبل أوانه، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ولطفه بهم وحرصه على نجاتهم. فالذي يحذرك من الشر قبل أنْ تقع فيه محسن إليك. إذن: من رحمة الله بالناس أنْ أرسل إليهم الرسل مُبشِّرين ومنذرين، وأنزل إليهم الكتب وبيَّن لهم العاقبة، لكن ماذا تفعل فيمَنْ أعرض وانصرف عن هذا الإنذار ولم يلتفتْ له؟ لذلك في سورة الرحمن جعل الحق سبحانه وتعالى الإنذار والتخويف نعمة من نِعَم الله التي تستوجب الشكر، فقال سبحانه: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 35-36]. فالتخويف بهذه الألوان من العذاب نعمة، لأنك حين تخاف من العاقبة لا ترتكب الفعل الذي يؤدي إليها، كما يقولون في الطب: الوقاية خير من العلاج، كذلك البُعْد عن المعصية خير من مقاساة العقاب عليها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):