Verse. 4568 (AR)

٤٧ - مُحَمَّد

47 - Muhammad (AR)

اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ لَعَنَہُمُ اللہُ فَاَصَمَّہُمْ وَاَعْمٰۗى اَبْصَارَہُمْ۝۲۳
Olaika allatheena laAAanahumu Allahu faasammahum waaAAma absarahum

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك» أي المفسدون «الذين لعنهم الله فأصمهم» عن استماع الحق «وأعمى أبصارهم» عن طريق الهدى.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة لمن سبق ذكرهم من المنافقين أبعدهم الله عنه أو عن الخير فأصمهم فلا يسمعون الكلام المستبين وأعماهم فلا يتبعون الصراط المستقيم، وفيه ترتيب حسن، وذلك من حيث إنهم استمعوا الكلام العلمي ولم يفهموه فهم بالنسبة إليه صم أصمهم الله وعند الأمر بالعمل تركوه وعللوا بكونه إفساداً وقطعاً للرحم وهم كانوا يتعاطونه عند النهي عنه فلم يروا حالهم عليه وتركوا اتباع النبي الذي يأمرهم بالإصلاح وصلة الأرحام ولو دعاهم من يأمر بالإفساد وقطيعة الرحم لاتبعوه فهم عمي أعماهم الله، وفيه لطيفة: وهي أن الله تعالى قال أصمهم ولم يقل أصم آذانهم، وقال: {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } ولم يقل أعماهم، وذلك لأن العين آلة الرؤية ولو أصابها آفة لا يحصل الإبصار والأذن لو أصابها آفة من قطع أو قلع تسمع الكلام، لأن الأذن خلقت وخلق فيها تعاريج ليكثر فيها الهواء المتموج ولا يقرع الصماخ بعنف فيؤذي كما يؤذي الصوت القوي فقال: {أصمهم} من غير ذكر الأذن، وقال: {أَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } مع ذكر العين لأن البصر ههنا بمعنى العين، ولهذا جمعه بالأبصار، ولو كان مصدراً لما جمع فلم يذكر الأذن إذ لا مدخل لها في الإصمام، والعين لها مدخل في الرؤية بل هي الكل، ويدل عليه أن الآفة في غير هذه المواضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقراً، كما قال تعالى: {أية : وفِي آذاننا وقر} تفسير : [فصلت: 5] وقال: {أية : كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً } تفسير : [لقمان: 7] والوقر دون الصم وكذلك الطرش:

البيضاوي

تفسير : { أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين. {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } لإِفسادهم وقطعهم الأرحام. {فَأَصَمَّهُمْ} عن استماع الحق. {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ} فلا يهتدون سبيله. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي. {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} لا يصل إليها ذكر ولا ينكشف لها أمر، وقيل {أَمْ} منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير، وتنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم أو للإِشعار بأنها لإِبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها كأنها مبهمة منكورة وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة. وقرىء «إقفالها» على المصدر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ } أي ما كانوا عليه من الكفر. {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة. {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ } سهل لهم اقتراف الكبائر من السول وهو الاسترخاء. وقيل حملهم على الشهوات من السول وهو التمني، وفيه أن السول مهموز قلبت همزته واواً لضم ما قبلها ولا كذلك التسويل، ويمكن رده بقولهم هما يتساولان وقرىء «سَوَّلَ» على تقدير مضاف أي كيد الشيطان {سَوَّلَ لَهُمْ }. {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } ومد لهم في الآمال والأماني، أو أمهلهم الله تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة لقراءة يعقوب «وَأمْلِي لَهُمْ»، أي وأنا أملي لهم فتكون الواو للحال أو الاستئناف، وقرأ أبو عمرو «وَأمْلِي لَهُمْ» على البناء للمفعول وهو ضمير {ٱلشَّيْطَـٰنِ } أو {لَهُمْ }. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ } أي قال اليهود للذين كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام بعدما تبين لهم نعته للمنافقين، أو المنافقون لهم أو أحد الفريقين للمشركين. {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلأَمْرِ} في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا، والتظافر على الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ} ومنها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم، وقرأ حمزة والكسائي وحفص «إِسْرَارَهُمْ »على المصدر. {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} فكيف يعملون ويحتالون حينئذ، وقرىء «توفاهم» وهو يحتمل الماضي والمضارع المحذوف إحدى تاءيه. {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له. {ذٰلِكَ} إشارة إلى التوفي الموصوف. {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ٱللَّهَ } من الكفر ككتمان نعت الرسول عليه الصلاة والسلام وعصيان الأمر. {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} ما يرضاه من الإِيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات. {فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ } لذلك. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن يُخْرِجَ ٱللَّهُ} أن لن يبرز الله لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {أَضْغَـٰنَهُمْ } أَحقادهم. {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ} لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم. {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ } بعلاماتهم التي نسمهم بها، واللام لام الجواب كررت في المعطوف. {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } جواب قسم محذوف و {لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } أسلوبه، أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية، ومنه قيل للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ } فيجازيكم على حساب قصدكم إذ الأعمال بالنيات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ } أي المفسدون {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ } عن استماع الحق {وَأَعْمَىٰ أَبْصَٰرَهُمْ } عن طريق الهداية.

الخازن

تفسير : {أولئك} إشارة إلى من إذا تولى أفسد في الأرض وقطع الأرحام {الذين لعنهم الله} يعني أبعدهم من رحمته وطردهم عن جنته {فأصمهم} يعني عن سماع الحق {وأعمى أبصارهم} يعني عن طريق الهدى وذلك أنهم لما سمعوا القرآن فلم يفهموه ولم يؤمنوا به وأبصروا طريق الحق فلم يسلكوه ولم يتبعوه، فكانوا بمنزلة الصم العمى، وإن كان لهم أسماع وأبصار في الظاهر {أفلا يتدبرون القرآن} يعني يتكفرون فيه وفي مواعظه وزواجره وأصل التدبر التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره. وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الهم وقت تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف وخلوص النية {أم على قلوب اقفالها} يعني بل على قلوب أقفالها وجعل القفل مثلاً لكل مانع للإنسان من تعاطي فعل الطاعة. يقال: فلان مقفل عن كذا، بمعنى ممنوع منه. فإن قلت: إذا كان الله تعالى قد أصمهم وأعمى أبصارهم وأقفل على قلوبهم وهو بمعنى الختم فكيف يمكنهم تدبر القرآن مع هذه الموانع الشديدة. قلت: تكليف ما لا يطاق جائز عندنا، لأن الله أمر بالإيمان لمن سبق في علمه أنه لا يؤمن فكذلك هنا والله يفعل ما يريد لا اعتراض لأحد عليه. وقيل: إن قوله {أفلا يتدبرون القرآن} المراد به التأسي. وقيل: إن هذه الآية محققة للآية المتقدمة وذلك أن الله تعالى لما قال: {أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} فكان قوله أفلا يتدبرون القرآن كالتهييج لهم على ترك ما هم فيه من الكفر الذي استحقوا بسببه اللعنة أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على الكفر والله أعلم بمراده. وروى البغوي بإسناد الثعلبي، عن عروة بن الزبير قالا: "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فقال شاب من أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به" هذا حديث مرسل وعروة بن الزبير تابعي من كبار التابعين وأجلهم لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ولد سنة اثنتين وعشرين وقيل غير ذلك. قوله عز وجل: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} يعني رجعوا القهقرى كفاراً {من بعد ما تبين لهم الهدى} يعني من بعد ما وضح لهم طريق الهداية. قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون آمنوا أولاً ثم كفروا ثانياً {الشيطان سول لهم} يعني زين لهم القبيح حتى رأوه حسناً {وأملى لهم} قرىء بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله يعني أمهلوا ومد لهم في العمر وقرىء وأملى لهم بفتح الألف واللام بمعنى وأملى لهم الشيطان بأن مد لهم في الأمل. فإن قلت: الإملاء والإمهال لا يكونان إلا من الله لأنه الفاعل المطلق وليس للشيطان فعل قط على مذهب أهل السنة، فما معنى هذه القراءة. قلت إن المسول والمملي هو الله تعالى في الحقيقة وليس للشيطان فعل إنما أسند إليه ذلك من حيث إن الله تعالى قدر ذلك على يده ولسانه فالشيطان يمنيهم ويزين لهم القبيح ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا بدنياكم ورياستكم إلى آخر العمر {ذلك} إشارة إلى التسويل والإملاء {بأنهم} يعني بأن أهل الكتاب أو المنافقين {قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} وهم المشركون {سنطيعكم في بعض الأمر} يعني من التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم وترك الجهاد معه والقعود عنه وكانوا يقولون ذلك سراً فأخبر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم خبرهم ثم قال: {والله يعلم إسرارهم} يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أمرهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: "أُولَئِكَ" مبتدأ، والموصول خبره والتقدير: أولئك المفسدون يدل عليه ما تقدم. وقوله: "فَأَصَمَّهُمْ" ولم يقل: "فَأَصَّم آذَانَهُمْ" و "أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ" ولم يقل أعمارهم، قيل: لأنه لا يلزم من ذهاب الإذن ذهاب السمع فلم يتعرض لها، والأبصار وهي الأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبْصار ولا يرد عليك قوله: {أية : وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : ونحوه [الأنعام:25] و [الإسراء:46] و [الكهف:57] لأنه دون الصَّمَم والصَّممُ أعظم منه فقال: أصمهم من غير ذكر الأذن، وقال: "أعْمَى أبْصَارَهُمْ" مع ذكر العين؛ لأن البَصَرَ ههنا بمعنى العين ولهذا جمعه بالأبْصار ولو كان مصدراً لما جمع، فلم يذكر الأذن؛ إذْ لاَ مَدْخَلَ لها في الإصمام وذكر العين، لأن لها مدخلاً في الرُّؤية، بل هي الكل بدليل أنه الآفة في غير هذا الموضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقراً فقال تعالى حاكياً عنهم: {أية : وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ}تفسير : [فصلت:5] والوَقْر دون الصَّمَم. فصل {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} إشارة إلى من سبق ذكرهم من المنافقين، أبعدهم الله عنه أو عن الخير فأصمهم لا يسمعون الكلام المبين وأعمى أبصارهم عن الحق. قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} فيه سؤال وهو أنه تعالى قال: فأصمهم وأعمى أبصارهم فكيف يمكنهم التدبر في القرآن وهو كقول القائل الأعمى أَبْصِر وللأصمّ أسْمَعْ؟!. فالجواب من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض: الأول: تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم منه أنه لا يؤمن بأن يؤمن فلذلك جاز أين يُصِمَّهم ويعميهم ويذمَّهم على ترك التدبر. الثاني: أن قوله: {أفلا يتدبرون القرآن} المراد منه الناس. الثالث: أن يقال: هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة كأنه تعالى قال: {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريقة الإسلام، فإِذَنْ هم بين أمرين إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق والقرآن منهما هو الصّف الأعلى بل النوع الأشرف وإما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مُقْفَلَةً تقديره: أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مُبْعَدِينَ {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} فيتدبرون ولا يفهمون؛ وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقول: أم بمعنى "بل" بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر. وقيل: أم بمعنى بل. والمعنى بل على قلوب أقفالها فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه روى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عن أبيه قال: "تلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فقال شابٌّ من أهل اليمن بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عُمَرَ حتى وَلِيَ فاستعان به". قوله: {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ} أم منقطعة وتقدم الكلام على "أم" منقطعة. وقرأ العامة: "أقْفَالُها" بالجمع على أَفْعَالٍ. وقرىء أَقْفُلُهَا (بالجمع) على أفْعل. وقرىء إِقْفَالُهَا بكسر الهمزة مصدراً كالإقبال. وهذا الكلام استعارة بليغة قيل: ذلك عبارة عن عدم وصول الحق إليها. فإن قيل: ما الفائدة في تنكير القلوب؟. فقال الزمخشري: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون للتنبيه على كون موصوفاً لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال: أمْ عَلَى قُلُوبٍ قاسيةٍ أو مظلمةٍ. الثاني: أن تكون للتبعيض كأنه قال: أم على نفس القلوب؛ لأن النكرة لا تَعُمُّ، تقول: جاءني رجالٌ فيُفْهَمُ البعض وجاءني الرجال فيُفْهَم الكل. والتنكير في القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب وذلك لأن القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً، لأن القلب خلق للمعرفة فإذا لم يكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف قلباً، فلا يكون قلباً يعرف، كما يقال للإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان فكذلك يقال: هذا ليس بقلبٍ هذا حجر. وإذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة بأن يقال: على قلوبهم أقفالها أو هي لعدم عَوْد فائدة إليهم كأنها ليست لهم. فِإن قيل: قد قال تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}تفسير : [البقرة:7] وقال: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الزمر:22]. فالجواب: الإقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: "أقْفَالُهَا" بالإضافة ولم يقل: أقفال كما قال: قُلُوبٍ؟. فالجواب: لأن الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم تضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم وإضافة الأقْفال إليها لكونها مناسبةً لها. أو يقال: أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكُفْر والعِنَادِ. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} رجَعُوا كفاراً {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما عرفوه ووجدوا نعتَه في كتابهم. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون. قوله: {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي زين لهم القبيحَ. وهذه الجملة خبر: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} وتقدم الكلام على سَوَّلَ معنًى واشتقاقاً. وقال الزمخشري هنا: وقد اشتقه من السُّؤلِ من لا عِلْمَ له بالتصريفِ والاشتقاق جميعاً. قال شهاب الدين: كأنه يشير إلى ما قاله ابْنُ بَحْر من أن المعنى أعطاهم سُؤْلَهُمْ. ووجه الغلط فيه أن مادة السّول من السؤال بالهمز ومادة هذا بالواو فافْتَرَقَا، فلو كان على ما قيل لقيل سأَّل بتشديد الهمزة لا بالواو. وفيما قال الزمخشري نظر؛ لأن السؤال له مادتان سأل بالهمزة وسال بالألف المنقلبة من واو. وعليه قراءة: "سَالَ سَائِلٌ" وقوله: شعر : 4479ـ سَأَلَـتْ هُـذَيْلٌ رَسُـولَ اللهِ فَاحِشَـةً ضَلَّـتُ هُذَيْـلٌ بِمَا سَالَـتْ وَلَمْ تُصِـبِ تفسير : وقد تقدم هذا في البقرة مستوفًى. قوله: {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} العامة على أملي مبنياً للفاعل وهو ضمير الشيطان. وقيل: هو للباري تَعَالى. قال أبو البقاء: على الأول: يكون معطوفاً على الخبر. وعلى الثاني: يكون مستأنفاً. ولا يلزم ما قاله بل هو معطوف على الخبر في كلا التقديرين أخبر عنهم بهَذَا وبهَذَا. وقرأ أبو عمرو في آخرين أُمْلِيَ مبنياً للمفعول. والقائم مقام الفاعل الجار. وقيل: القائم مقامه ضمير الشيطان ذكره أبو البقاء. وقرأ يعقوبُ وسلاَّمٌ ومجاهد وأُمْلِي ـ بضم الهمزة وكسر اللام وسكون الياء ـ فاحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مضارعاً مسنداً لضمير المتكلم أي وأملي أنا لهم، وأن يكون ماضياً كقراءة أبي عمرو سكنت ياؤه تخفيفاً وقد مضى منه جملة. فصل قال المفسرون: سَوَّلَ لَهُمْ سَهَّل لهم. وأَمْلَى لهم أي مد لهم فِي الأمل يعني قالوا: نعيش أياماً ثم نؤمن به وهو معنى قوله: {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}. فإن قيل: الإِملاء والإِمهال وَحَدُّ الآجال لا يكون إِلا من الله فكيف يصح قراءة من قرأ: وأملى لهم فإن المملي حينئذ هو الشيطان؟. قال الخطيب: فالجواب من وجهين: أحدهما: يجوز أن يكون المراد "وأملى لهم الله" فَيقِفُ على: "سول لهم". وثانيهما: هو أن المسوِّل أيضاً ليس هو الشيطان وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك، فكذلك الشيطان يمسهم ويقول لهم: في آجالكم فَسْحَةٌ فتمتعوا برئاستكم ثم في آخر العمل تؤمنون. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} يعني المنافقين أو اليهود قالوا: {لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ} وهم المشركون أي ذلك الإملاء لا يسبب قولهم الذين كرهوا. قاله الواحدي. وقيل: ذلك إشارة إلى التسويل. ويحتمل أن يقال: ذلك إشارة للارتداد بسبب قولهم: سنطيعكم قاله ابن الخطيب. قال: لأنا نبين أن قوله: "قالوا سنطيعكم في بعض الأمور" هو أنهم قالوا نوافقكم على أن محمداً ليس بمرسل وإنما هو كذاب ولكن لا نوافقكم على إِنكار الرسالة والحشر والإشراك بالله من الأصنام ومن لم يؤمن بمحمَّدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو كافر وإن آمن بغيره. لا بل نؤمن بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولا نؤمن بالله ولا برسله ولا بالحشر، لأن الله تعالى كما أخبر عن الحشر وهو جائز أخبر عن نبوّة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهِيَ جائزة. وقال المفسرون: إِن اليهود والمنافقين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله وهم المشركون سنطيعكم في بعض الأمور في التعاون على عداوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقعود عن الجهاد. وكانوا يقولونه سراً فقال الله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}. وقوله: "إسْرَارَهُمْ" قرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدراً. والباقون بفتحها جمع سِرّ. قوله: "فكيف" إما خبر مقدم، أي فكيف عمله بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة. وإما منصوب بفعل محذوف أي فكيف تصنعون وإما خبر "لكان" مقدرة أي فكيف يكونُون؟ والظرف معمول لذلك المقدر وقرأ الأعمش: "تَوَفَّاهُمْ" دون تاء، فاحتملت وجهين: أن يكون ماضياً كالعامة، وأن يكون مضارعاً حُذفت إحدى تائيه. قوله: "يَضْرِبُون" حال إما من الفاعل وهو الأظهر أو من المفعول. فصل قال ابن الخطيب: الأظهر أن قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنهم كانوا مكابرين معاندين وكانوا يعرفون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يعرفون أبناءهم ويؤيده القراءة بكسر الهمزة فإنهم كانوا يُسِرُّونَ نبوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإن قلنا: المراد من الذين ارتدّوا هم المنافقون فكانوا يقولون للجاحدين من الكفار سنطيعكم في بعض الأمور كانوا يرون أنهم إن غلبوا انقلبوا كما قال الله: {أية : وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ}تفسير : [العنكبوت:10] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}تفسير : [الأحزاب:19]. وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} كأنه تعالى قال: هَبْ أنهم يسرون والله لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفياً وقت وفاتهم؟! أو نقول: لما قال الله تعالى: والله يعلم إسرارهم أنهم يختارون القتال لما فيه من الضرب والطعن مع أنه مفيد على الوجهين جميعاً إن غَلبوا في الحال والثواب في المآل، وإن غُلبوا فالشهادة والسعادة، فكيف حالهم إذا ضرب وجوههم وأدبارهم؟!. وعلى هذا فيه لطيفة وهي أن القتال في الحال إن أقدم المبارز قد يهزم الخَصْم ويسلم وجهه وَقَفاهُ وإن لم يهزمه فالضرب على وجهه إن ثَبَتَ وصَبَرَ وإن لم يثبت وانهزم فإنه فاته بالهرب فقد سلم وجهه وقفَاه وإن لم يفته فالضرب على قفاه لا غير ويوم الوفاة لا نُصْرة له ولا مفرّ، فوجهه وظهره مضروب مطعون فيكف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر؟ّ. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ} أي ذلك الضرب بأنه اتبعوا ما أسخط الله. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ بما كتموا التوراة وكفروا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكرهوا ما فيه رضوان الله وهو الطاعة والإيمان. وقيل: المراد بما أسخط الله الكفر لأن الإيمان يرضيه لقوله تعالى: {أية : إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ}تفسير : [الزمر:7]. وقيل: بما أسخط الله هو تسويل الشيطان. فإن قيل: هم ما كانوا يكرهون رضوان الله بل كانوا يقولون: إن الذي هم عليه رضوان الله ولا نطلب به إلا رضى الله وكيف (لا) والمشركون بإشراكهم كانوا يقولون إنا نطلب رضى الله كما قالوا: {أية : لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر:3] وقالوا: {أية : فَيَشْفَعُواْ لَنَآ}تفسير : [الأعراف:53]. فالجواب: معناه كرهوا ما فيه رضى الله. وفيه قوله: {مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ} ولم يقل: "ما أرضى الله" لطيفة وهي أن رحمة الله سابقة، فله رحمة ثانية وهي منشأ الرضوان وغضب الله متأخر، فهو يكون على ذنب، فقال "رضوانه" لأنه من وصف ثابت لله سابق. ولم يقل "سَخِطَ الله" بل قال "أَسْخَطَ" إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ولهذا المعنى قال في اللَّعَان في حق المرأة: {أية : وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [النور:9] يقال: غضب الله مضافاً لأن لعانه قد سبق فظهر الزنا بقوله وإيمانه وقبله لم يكن غضب فرضوان الله أمر يكون منه الفعل وغضب الله أمر يكون من فعله. قوله: "فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ" حيث لم يطلبوا رضا الله وإنما طلبوا رِضَا الشيطان والأصنام. قوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعني المنافقين و "أم" تستدعي جملة أخرى استفهامية يقال: أَزيدٌ فِي الدَّارِ أَمْ عَمْرٌو وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ذلك؛ يقال: إنَّ هذا لزيدٍ أم عمرو وكما يقال: بل عمرو. والمفسرون على أنها منقطعة. ويحتمل أن يقال: إنها استفهامية والسابق مفهوم من قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ}. وكأنه تعالى قال: (أم) حسب الذين كفروا أن لم يعلم الله إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها. والكل فاسد فإنما يعلمها ويظهرها. قوله: {أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} الإخراد بمعنى الإظهار، أي لن يظهر أحقادهم و "أن" هذه مخففة. و "لن" وما بعدها خبرها واسمها ضمير الشأن. والأَضْغَانُ جمع ضغْنٍ وهي الأَحْقَادُ والضَّغِينَةُ كذلك. قال (رحمه الله): شعر : 4480ـ وَذِي ضِغْــنٍ كَفَفْـتُ الـوُدَّ عَنْـهُ وَكُنْـتُ عَلَــى إِسَاءَتِــهِ مُقِيتَــا تفسير : وقال عمرو بن كلثوم: شعر : 4481ـ وَإِنَّ الضِّغْـنَ بَعْـدَ الضَّغْـنِ يَعْسُـو عَلَيْـكَ وَيُخْـرِجُ الـدَّاءَ الدَّفِينَـا تفسير : وقيل: الضغن العداوة وأنشد: شعر : 4482ـ قُـلْ لابْـنِ هِنْـدٍ مَـا أَرَدْتَ بِمَنْطِـقٍ سَاءَ الصَّدِيـقَ وَشَيَّدَ الأَضْغَانَا تفسير : يقال: ضَغِنَ ـ بالكسر ـ يَضْغَنُ ـ بالفتح ـ وقد ضَغِنَ عليه وأضْغَنَ القَوْمُ وتَضَاغَنُوا. وأصل المادة من الألتواء في قوائم الدّابة والقناة، قال (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ): شعر : 4483ـ إنَّ قَنَاتِي مِنْ صَليبـاتِ القَنَـا مَا زَادَهَـا التَّثْقِيــفُ إِلاَّ ضَغَنَــا تفسير : وقال آخر: شعر : 4484ـ ............................. كَذَاتِ الضَّغْنِ تَمْشِي فِي الرِّقَاقِ تفسير : والاضطغَانُ الاحتواء على الشيء أيضاً ومنه قولهم: اضطَغَنْتُ الصَّبِيَّ إِذَا احتضنته وأنشد: شعر : 4485ـ كَأَنَّــه مُضْـطَـغِـــنٌ صَبِيًّـــا تفسير : وقال الآخر: شعر : 4486ـ ومـا اضطَغَنْـتُ سِلاَحِـي عِنْـدَ مَعْرَكِهَا ............................. تفسير : وفرسٌ ضَاغِنٌ لا يجري إِلاَّ بالضَّرْبِ. فصل قال المفسرون: أضغانهم أحقادهم على المؤمنين فيُبْدِيها حتى تعرفوا نفاقهم. وقال ابن عباس (ـ رضي الله عنهما) ـ أضغانهم حَسَدَهُمْ. قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} من رؤية البصر؛ وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أريناك إياهم جاز. وقال ابن الخطيب: الإرَاءَةُ هنا بمعنى التعريف. قوله: "فَلَعَرَفْتَهُمْ" عطف على جواب "لو" وقوله: "وَلَتَعْرفنَّهُمْ" جواب قسم محذوف. قال المفسرون: معنى الكلام: لأريناكهم أي لأعلمناكهم وعَرَّفْنَاكَهُمْ فَلَتَعْرِفَنَّهُمْ بِسِيماهُمْ: بعلامتهم. قال الزجاج: المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها. قال "أنس": فأخفي على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. قوله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} أي في معناه ومقصده. واللحن يقال باعتبارين: أحدهما: الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك. ومنه قول القَتَّال الكِلاَبي (رحمه الله) في حكاية له: شعر : 4487ـ وَلَقَدْ وَحَيْتُ لكيْمَا تَفَهْمُــوا وَلَحَنْـتُ لَحْناً لَيْـسَ بِالْمُرْتَـابِ تفسير : وقال آخر: شعر : 4488ـ وَمَنْطِقٌ صَائِـبٌ وَتَلْحَـن أحْيَا ناً وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا تفسير : واللَّحْنُ: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ. وقيل يجمعه هو والأول صرف الكلام عن وجهه. يقال من الأول: لَحَنْتُ بفتح الحاء أَلْحَنُ له فَأَنَا لاَحِنٌ. وأَلْحَنْتُ الكَلاَمَ أَفْهَمْتُهُ إياه فَلحِنَهُ ـ بالكسر ـ أي فهمه فهو لاحن. ومنه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ". تفسير : ويقال من الثاني: لَحِنَ بالكسر إذا لم يُعْرب لهو لَحِنٌ. فصل معنى الآية أنك تعرفهم فيما يُعَرّضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا عَرَفَهُ بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد دَخْلَتِهِ. قال ابن الخطيب: معنى الآية لن يُخْرِجَ الله أضغانهم أي يُظْهِرَ ضمائرهم ويُبْرِزَ سرائرهم، وكأن قائلاً قال: فِلمَ لَمْ يُظْهر؟ فقال: أخرناه لمحْض المشيئة لا لخوف منهم ولو نشاء لأريناكم أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف. وقوله: "فَلَعَرفتهُمْ" لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزم منه المعرفة يقال: عَرَّفْتُهُ ولَمْ يَعْرِف وفَهَّمْتُهُ ولَمْ يَفْهَمْ فقال ههنا: فَلَعَرَفْتَهُمْ يعني عَرَّفْنَاهُمْ تَعْرِيفاً تعرفهم به إشارة إلى قوة التعريف. واللام في قوله: "فلعرفتهم" هي التي تقع في خبر "لو" كما في قوله: "لأَرَيْنَاكَهُمْ" أدخلت على المعرفة إشارة إلى المعرفة المرتبة على المشيئة كأنه قال: ولو نشاء لعرفتهم لتفهم أنَّ المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف أي لو نشاء لعرفناك تعريفاً معه المعرفة لا بعده. وقوله: {فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} أي في معنى القول حيث يقولون ما معناه النفاق، كقولهم حين مجيء النصر: {أية : إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ}تفسير : [العنكبوت:10] وقولهم: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ}تفسير : [المنافقون:8] وقولهم: {أية : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}تفسير : [الأحزاب:13] ويحتمل أن يكون المراد قولهم ما لم يعتقدوا فأمالوا كلامهم كما قالوا: {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون:1]. ويحتمل أن يكون المراد من لَحْنِ القَوْل هو الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولا يفهمه (غيره. فالنبي عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعرف) المنافقين ولم يظهر أمرهم، إلى أن أذن الله له في إظهار أمرهم، ومنع من الصلاة على جنائزهم، والقيام على قبورهم. "بِسيماهُمْ" الظاهر أن المراد أنه تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم كما قال: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ}تفسير : [يس:67]. وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافقٌ ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} وهذا وعد للمؤمنين وبيان لكون حالهم بخلاف حال المنافقين. قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ...وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} قرأ أبو بكر الثلاثة بالياء من أسفل يعني الله تعالى. والأعمش كذلك وتسكين الواو (والباقون بنون العظمة. ورُوَيْسٌ كذلك وتسكين الواو والظاهر قطعة عن الأوّل في قراءة تسكين الواو) ويجوز أن يكون سكن الواو تخفيفاً كقراءة الحسن: {أَوْ يَعْفُوْ الَّذِي} [البقرة:237] بسكون الواو. فصل المعنى: لنُعَامِلَنَّكُمْ معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد والقتال {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} أي علم الوجود والمشاهدة فإن تعالى قد علمه علم الغيب يريد نبين المجاهد الصابر على دينه من غيره وقوله: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} أي يظهرها ويكشفها بإباء من يأبى القتال ولا يَصْبِرُ على الجهاد.

البقاعي

تفسير : ولما بين لهم ما يكون ممن تثاقل عن أمر الله، لأن الملك لا يطرق احتمالاً في شيء إلا وهو واقع فرقاً بين كلامه وكلام غيره، فكيف بملك الملوك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، بين حالهم الذي أنتج لهم ذلك، فقال ملتفتاً عنهم إيذاناً بالغضب مخاطباً لمن جبل على الشفقة على خلق الله والرحمة لهم إعلاماً له بأن هؤلاء قد تحتم شقاؤهم فليسوا بأهل للشفاعة فيهم ولا للأسى عليهم: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين لعنهم الله} أي طردهم أشد الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم؛ ثم سبب عن لعبهم قوله تعالى: {فأصمهم} عن الانتفاع بما يسمعون {وأعمى أبصارهم *} عن الارتفاق بما يبصرون، فليس سماعهم سماع ادكار، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع لهم ولا إبصار. ولما أخبر بذلك فكان ربما سأل من لا يعي الكلام حق وعيه عن السبب الموجب للعن المسبب للصم والعمى، أجابه بقوله منكراً موبخاً مظهراً لتاء التفعل إشارة إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة إلى التأمل: {أفلا يتدبرون} أي كل من له أهلية التدبر بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير {القرآن} بأن يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس تفكر من ينظر في أدبار الأمور وماذا يلزم من عواقبها ليعلموا أنه لا عون على الإصلاح في الأرض وصلة الأرحام والإخلاص لله في لزوم كل طاعة والبراءة من كل معصية مثل الأمر بالمعروف من الجهاد بالسيف وما دونه، وربما دل إظهار التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا يحتاج في العثور عليه إلى كبير تدبر- والله أعلم. ولما كان الاستفهام إنكارياً فكان معناه نفياً، فهو لكونه داخلاً على النفي نفي له فصار إثباتاً، فكان كأنه قيل: هل يجددون التدبر تجديداً مستمراً لترق قلوبهم به وتنير بصائرهم له، فيكفوا عن الإفساد والتقطيع، عادله بقوله مشبهاً للقلوب بالصناديق دالاً على ذلك التشبيه بذكر ما هو مختص بالصناديق من الأقفال: {أم على قلوب} من قلوب الغافلين لذلك، ونكرها لتبعيضها وتحقيرها بتعظيم قسوتها {أقفالها *} أي الحقيقة بها الجديرة بأن تضاف إليها، فهي لذلك لا تعي شيئاً ولا تفهم أمراً ولا تزداد إلا غباوة وعناداً، لأنها لا تقدر على التدبر، قال القشيري: فلا تدخلها زواجر التنبيه ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب، والباب إذا كان مقفلاً فكما لا يدخل فيه شيء فلا يخرج ما فيه، فلا كفرهم يخرج ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل - انتهى. والإضافة تشعر بأن بعض المتولين على قلوبهم أقفال، لكن ليست متمكنة فيها، فهو سبحانه يفتحها بالتوبة عليهم إذا أراد، وأما الأولون فلا صلاحية لهم، وفي هذه الآية أعظم حاث على قبول أوامر الله لا سيما الجهاد في سبيله وأشد زاجر عن الإعراض عنه لأن حاصلها أنه لعن من أعرض عنه لكونه لا يتدبر القرآن مع وضوحه ويسره ليعلم فوائد الجهاد الداعية إليه المحببة فيه، فكان كأن قلبه مقفل، والآية من الاحتباك: ذكر التدبر أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والأقفال ثانياً دليلاً على ضدها أولاً، وسره أنه ذكر نتيجة الخير الكافلة بالسعادة أولاً وسبب الشر الجامع للشقاوة ثانياً. ولما أخبر سبحانه وتعالى بأقفال قلوبهم، بين منشأ ذلك، فقال مؤكداً تنبهاً لمن لا يهتم به على أنه مما ينبغي الاهتمام بالنظر فيه ليخلص الإنسان نفسه منه، وتكذيباً لمن يقال: إن ذلك حسن: {إن الذين ارتدوا} أي عالجوا نفوسهم في منازعة الفطرة الأولى في الرجوع عن الإسلام، وهو المراد بقوله: {على أدبارهم} أي من أهل الكتاب وغيرهم، فقلبوا وجوه الأمور إلى ظهورها، فوقعوا في الضلال فكفروا. ولما كان الذي يلامون عليه ترك ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم مما أوحاه الله سبحانه إليه من الشريعة، لا ما في غرائزهم من الملة التي يكفي في الهداية إليها نور العقل، وكان الذم لاحقاً بهم ولو كان ارتدادهم في أدنى وقت، أثبت الجار فقال: {من بعد ما تبين} غاية البيان الذي لا خفاء معه بوجه وظهر غاية الظهور {لهم} بالدلائل التي هي من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين {الهدى} أي الذي أتاهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم. ولما كانوا قد أحرقوا بذلك أنفسهم وأبعدوها به غاية البعد عن كل خير، عبر عن المغوي بما يدل على ذلك فقال تعالى: {الشيطان} أي المحترق باللعنة البعيد من الرحمة {سول} أي حسن {لهم} بتزيينه وإغوائه الذي حصل لهم منه استرخاء في عزائمهم وفتور في هممهم فجروا معه في مراده في طول الأمل، والإكثار من مواقعه الزلل والأماني من جميع الشهوات والعلل، بعد أن زين لهم سوء العمل، بتمكين الله له منهم، وهذا لما علم سبحانه منهم حال الفطرة الأولى {وأملى لهم *} أي أطال في ذلك ووسع بتكرار ذلك عليهم على تعاقب الملوين ومر الجديدين حتى نسوا المواعظ وأعرضوا عن الذكر هذا على قراءة الجماعة بفتح الهمزة واللام، وأما على قراءة البصريين بضم الهمزة وكسر اللام فالمراد أن الله تعالى هو المملي - أي الممهل - لهم بإطالة العمر وإسباغ النعم، وتسهيل الأماني والحلم، عن المعاجلة بالنقم، حتى اغتروا، وهي أيضاً موافقة لقوله تعالى{أية : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين}تفسير : [القلم: 44 - 45]، وأما في قراءة أبي عمرو بفتح الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول، ودل على أن المملي هو الله سبحانه وتعالى قراءة يعقوب بإسكان الياء على أنه مضارع همزته للمتكلم. ولما بين تسليطه الشيطان عليهم، بين سببه فقال: {ذلك} أي الأمر البعيد من الخير وما دل عليه صريح العقل {بأنهم} أي بسبب أن هؤلاء المتولين {قالوا للذين كرهوا ما} أي جميع ما {نزل الله} أي الملك الأعظم على التدريج بحسب الوقائع تنزيلاً فيه إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات وجزالتها مع السهولة في النطق والعذوبة في السمع والملاءمة للطبع كما يشهد به كل ذوق من الأغبياء والأذكياء على تباينهم في مراتب الغباوة والذكاء، وإعجاز آخر لهم في رصانة المعنى وحكمته، وثالث في مطابقته للحال الذي اقتضى نزوله مطابقة يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، ورابع بنظمه مع ما نزل قبله من الآيات، لا على ترتيب النزول، بل على ما اقتضته الحكمة التي تتضاءل دونها الأفكار، وتولى خاسئة من جلالتها على الأدبار، بصائر أولي الأبصار، وهؤلاء المقول لهم هذا الكلام هم - والله أعلم - المصارحون بالكفر، قالوا لهم بعد هذه الأدلة من الإعجازات، وما تقدمها من الآيات البينات الواضحات: {سنطيعكم} بوعد صادق لا خلق فيه {في بعض الأمر} وهو القتال في سبيل الله الذي تقدم أنهم عند نزول سورة يذكر بها يصيرون كالذي يغشى عليه من الموت، فأنتم في أمان من أن نقاتلكم أبداً، فإنا إنما أسلمنا للأمان على دمائنا وأموالنا، والذي نحبه مما ينزل هو التأمين لمن أقر بكلمة الإسلام والقناعة منه بالظاهر والوعد العام بالتبسط في البلاد والتوسعة في الأرزاق ونحو ذلك، فكانوا بذلك كفرة فإن الدين لا يتجزأ، فمن أضاع من أصوله شيئاً فقد أضاعه كله، والتقييد بالبعض يفهم أنهم لا يطيعونهم في البعض الآخر، وهو إظهار الإسلام والتصور بصورة المسالمة، وذلك كله بأن الله تعالى جبلهم جبلة هيأهم فيها لمثل هذا، فلما قالوه مضيعين لما من عليهم من غريزة العقل استحقوا في مجاري عاداتنا لاختيارهم طاعة العدو - مع تعييب علم العواقب عنهم - أن يخذلوا ويسلط عليهم ليكون أخذهم في الظاهر ممن أطاعوه في الباطن، ولو أنهم استمسكوا بدينهم وكانوا مع أهله يداً على من سواهم لم يقدر عليهم عدو، ولا طرقتهم طارقة يكرهونها سوء. ولما كان من له أدنى عقل لا يخون إلا إذا ظن أن خيانته تخفي ليأمن عاقبتها، صور قباحة ما ارتكبوه فقال: {والله} أي قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علماً وقدرة {يعلم} على مر الأوقات {إسرارهم *} أي كلها هذا الذي أفشاه عليهم وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم، ولعلهم لم يعلموه هم فضلاً عن أقوالهم التي تحدثت بها ألسنتهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات.

ابو السعود

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المخاطبـينَ بطريقِ الالتفاتِ إيذاناً بأنَّ ذكرَ هَنَاتِهم أوجبَ إسقاطَهُم عن رُتبةِ الخطابِ وحكايةَ أحوالِهم الفظيعةِ لغيرِهم، وهُو مبتدأٌ خبُرُه {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أيْ أبعدهُم من رحمتِه {فَأَصَمَّهُمْ} عن استماعِ الحقِّ لتصامِّهم عنْهُ بسوءِ اختيارِهم. {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ} لتعامِيهم عمَّا يشاهدونَهُ من الآياتِ المنصوبةِ في الأنفسِ والآفاق. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} أيْ أَلاَ يلاحظونَهُ ولاَ يتصفحونَهُ وما فيهِ من المواعظِ والزواجرِ حتَّى لا يقعُوا فيَما وقعُوا فيهِ من الموبقاتِ {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} فلا يكادُ يصلُ إليها ذكرٌ أصلاً. وأم منقطعةٌ وما فيها من معنى بلْ للانتقالِ من التوبـيخِ بعدمِ التدبرِ إلى التوبـيخِ بكونِ قلوبهم مقفلةً لا تقبلُ التدبرَ والتفكرَ. والهمزةُ للتقريرِ، وتنكيرُ القلوبِ إمَّا لتهويلِ حالِها وتفظيعِ شأنِها بإبهامِ أمرِها في القساوةِ والجهالةِ كأنَّه قيلَ على قلوبٍ منكَرةٍ لا يعرفُ حالُها ولا يُقادرُ قدرُها في القساوةِ وإما لأنَّ المرادَ بها قلوبُ بعضٍ منْهم وهم المنافقونَ. وإضافةُ الأقفالِ إليها للدلالةِ على أنَّها أقفالٌ مخصوصةٌ بها مناسبةٌ لها غيرُ مجانسةٍ لسائرِ الأقفالِ المعهودةِ. وقُرِىءَ أقفالُها وإِقفالُها على المصدر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ} أي رجعُوا إلى ما كانُوا عليهِ من الكفرِ وهم المنافقونَ الذين وُصفوا فيما سلفَ بمرضِ القلوبِ وغيرهِ من قبائحِ الأفعالِ والأحوالِ فإنَّهم قد كفرُوا به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} بالدلائلِ الظاهرةِ والمعجزاتِ القاهرةِ، وقيل هم اليهودُ وقيل أهلُ الكتابـينِ جميعاً كفرُوا به عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ بعدما وجدُوا نعتَهُ في كتابِهم وعرفُوا أنه المبعوثُ بذلكَ. وقولُه تعالى: {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ} جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، وقعتْ خبراً لإنَّ أي سهَّلَ لهم ركوبَ العظائمِ من السَّولِ وهو الاسترخاءِ، وقيلَ من السُّوْلِ المخففِ من السُّؤلِ لاستمرارِ القلبِ فمعنى سوَّلَ له أمراً حينئذٍ أوقعه في أمنيته فإن السُّؤل الأمنية. وقرىء سُوِّل مبنياً للمفعولِ على حذفِ المضافِ أن كيدَ الشيطانِ. {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} ومَدَّ لهم في الأمانِيِّ والآمالِ، وقيلَ أمهلهُم الله تعالى ولم يُعاجلْهم بالعقوبةِ. وقُرِىءَ وأُمْلِي لَهُم على صيغةِ المتكلمِ فالمعنى أي الشيطانُ يُغويهم وأنا أُنْظِرُهم فالواوُ للحالِ أو للاستئنافِ. وقُرِىءَ أُمْلِىَ لهُم على البناءِ للمفعولِ أي أُمْهِلُوا ومُدَّ في عمرِهم. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من ارتدادِهم لا إلى الإملاءِ كما نُقلَ عن الواحديِّ ولا إلى التسويلِ كما قيل لأنَّ شيئاً منهما ليس مُسبباً عن القولِ الآتي وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى: {بِأَنَّهُمْ} أي بسببِ أنَّهم {قَالُواْ} يعني المنافقينَ المذكورينَ لا اليهودَ الكافرينَ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد ما وجدُوا نعتَهُ في التوارةِ كما قيل فإن كفرَهم به ليسَ بسببِ هذا القولِ ولو فُرض صدورُه عنهم سواءٌ كان المقولُ لهم المنافقينَ أو المشركينَ على رأي القائلِ، بل من حينِ بعثتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ} أي لليهودِ الكارهينَ لنزولِ القرآنِ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مع علمِهم بأنَّه من عندِ الله تعالى حسداً وطمعاً في نزولِه عليهم لا للمشركينَ كما قيلَ فإنَّ قولَه تعالى: {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلأَمْرِ} عبارةٌ قطعاً عما حُكِيَ عنُهم بقولِه تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} تفسير : [سورة الحشر، الآية 11] وهم بنُو قريظةَ والنَّضيرِ الذين كانوا يوالونَهم ويوادُّونَهُم وأرادُوا بالبعضِ الذي أشارُوا إلى عدمِ إطاعتهم فيه إظهارَ كُفرِهم وإعلان أمرِهم بالفعلِ قبل قتالِهم وإخراجِهم من ديارِهم فإنَّهم كانوا يأبَون ذلك قبل مساسِ الحاجةِ الضروريةِ الداعيةِ إليه لِما كان لهم في إظهارِ الإيمانِ من المنافعِ الدنيويةِ، وإنما كانوا يقولون لهم ما يقولون سِرَّاً كما يُعربُ عنه قولُه تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي إخفاءَهُم لما يقولونَهُ لليهودِ. وقُرِىءَ أَسْرَارَهُم أي جميعَ أسرارِهم التي من جُملتها قولُهم هذا، والجملةُ اعتراضٌ مقررٌ لما قبله متضمنٌ للإفشاءِ في الدنيا والتعذيبِ في الآخرةِ.

القشيري

تفسير : أصمَّهم عن سماعِ الحقِّ وقبولِه بقلوبهم، وأعمى بصائرَهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} اشارة الى المخاطبين بطريق الالتفات ايذانا بان ذكر اهانتهم اوجب اسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية احوالهم الفظيعة لغيرهم وهو مبتدأ خبره قوله تعالى {الذين لعنهم الله} اى ابعدهم من رحمته {فأصمهم} عن استماع الحق لتصامهم عنه بسوء اختيارهم والاصمام كركردن {واعمى ابصارهم} لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة فى الانفس والآفاق والاعماء كور كردن. قيل لم يقل اصم آذانهم لانه لا يلزم من ذهاب الآذان ذهاب السماع فلم يتعرض لها ولم يقل اعماهم لانه لا يلزم من ذهاب الابصار وهى الاعين ذهاب الابصار قال سعدى المفتى اصمام الآذان غير اذهابها ولا يلزم من احدهما الاخر والصمم والعمى يوصف بكل منهما الجارحة وكذلك مقابلهما من السماع والابصار ويوصف به صاحبها فى العرف المستمر وقد ورد النزيل على الاستعمالين اختصر فى الاصمام واطنب فى الاعماء مع مراعاة الفواصل وفى الآية اشارة الى اهل الطلب واصحاب المجاهدة ان اعرضتم عن طلب الحق ان تفسدوا فى ارض قلوبكم بافساد استعدادها لقبول الفيض الالهى وتقطعوا ارحامكم مع اهل الحب فى الله فتكونوا فى سلك اولئك الذين الخ وهذا كما قال الجنيد قدس سره لو اقبل صديق على الله الف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته اكثر مما ناله. يقول الفقير وقع لى فى الحرم النبوى على صاحبه السلام انى قعدت يوما عند الرأس المبارك على ما هو عادتى مدة مجاورتى فرأيت بعض الناس يسيئون الادب فى تلك الحضرة الجليلة وذلك من وجوه كثيرة فغلبنى البكاء الشديد فاذا هذه الآية تقرأ على اذنى اولئك الذين لعنهم الله يعنى ان المسيئين للادب فى مثل هذا المقام محرومون من درجات اهل الآداب الكرام (وفى المثنوى) از خدا جوييم توفيق ادب بى ادب محروم كشت از لطف رب بى ادب تنهانه خودرا داشت بد بلكه آتش در همه آفاق زد هركه بى باكى كند در راه دوست رهزن مردان شده نامرد اوست

الجنابذي

تفسير : {أَوْلَـٰئِكَ} التفات من الخطاب الى الغيبة {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} يعنى اصمّم عن ادراك الجهة الاخرويّة من المسموعات واعمى ابصارهم كذلك.

اطفيش

تفسير : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ} طردهم عن رحمته {فَأَصَمَّهُمْ} عن الحق وسماعه* {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} عن الهدى وذلك لافسادهم وتقطيع الارحام. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل الجنة قاطع رحم" تفسير : وقال "حديث : من بسط الله له في رزقه فليصل رحمه" تفسير : وقال "حديث : الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله ومن قطعنى قطعه الله" تفسير : وقال "حديث : لما خلق الخلق قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فهو لك ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فاقرأوا ان شئتم فهل عسيتم ان توليتم" تفسير : الخ وفي رواية قال الله "حديث : من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته" تفسير : وقال: قال الله جل وعلا "حديث : أنا الرحمن وهى الرحم شققت لها اسماً من اسمي من وصلها وصلته ومن قطعها بتته ". تفسير : وقال "حديث : الرحم شجنة من الرحمن" تفسير : أي قرابة مشتبكة وهذا استعارة كما في رواية القوم انه لما خلق الخلق أخذت الرحم بحقو الرحمن والحقو انما هو مشد الازار حاشاه عن ذلك والمراد تعظيمها ولعن الله صباح مساء من أبقى ذلك على ظاهره وكلام (الرحم) انما هو تمثيل وافهام من حال الشيء أو كأن ملكاً يتكلم على لسانها

اطفيش

تفسير : {أولئكَ} الأراذل المخاطبون قبل هذا، الذين ترك خطابهم ولو بالتوبيخ الى الغيبة، إيذاناً بأن قبائحهم أوجبت ترك خطابهم {الَّذين لَعنَهم الله} أبعدهم عن رحمته {فأصَمَّهم} عن استماع الحق لسوء اختيارهم {وأعْمى أبصارهُم} ابصار القلوب، عما يشاهدون من الآيات والدلائل النفسية والأفقية، ولم يقل أصم آذانهم، كما قال: {أعمى أبصارهم} ولم يقل أعماهم كما قال: "أصمهم" لأن الآذان لو أصيبت بقطع أو قلع لم ينقطع السمع، فلم يحتج الكلام الى ذكر الآذان والبصر، وهو العين المعبر بها عن بصر القلب، لو أصيب لم يكن النظر، فللعين مدخل فى الابصار، ولا مدخل للأذن فى السمع. ويبحث بأن المراد بالأذن موضع السمع منه، ولو قطع لامتنع السمع، وبالبصر موضع الابصار منه، ولو أصيب لامتنع الابصار، ويجوز أن يقال لم يذكر الأذن، لأن الصمم يكفى عنه، بخلاف العمى فانه يطلق على عمى القلب، وعلى عمى العين حقيقة فيهما، أو مجاز فى القلب مشهور، فحسن تقييده، وفيه أنه قيد بالابصار، وهو صالح لبصر القلب وبصر الوجه، والمراد الأول معبر عنه باسم بصر الوجه، وقيل: العمى حقيقة فى بصر الوجه، وظهور اضمامهم فى أمر القتال أشد من ظهور عماهم فيه، فكفى شدة ظهوره فيه عن ذكر الأذن، وفى الآيات السابقة ما يؤذن بعدم انتفاهم بالدلائل المبصرة فى النفوس والآفاق، والرحم موضع الجنين من المرأة، سمى به القرابة لكونهم خارجين من رحم واحد، ويقال أيضا ذو رحم، وذوو رحم، ويقال أرحام وذوو أرحام. ذكر بعض أن الرحم كل من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق فى الفرائض على الأقارب من جهة النساء، ويطلق أيضا على كل قريب ليس بذى سهم ولا عصوبة، وعدوا من ذلك أولاد الأخوات لأبوين أو لأب، وعمات لآباء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ملك ذا رحم محرم عتق به شامل للأبوين والأجداد والأبناء وأبناءهم" تفسير : وعتقوا اجماعا للحديث المذكور، واختلفوا فى غيرهم، والمذهب العتق، وذكر ابن حجر أن الأولاد من الأرحام، وعطف الأقربين على الوالدين يقتضى عدم دخولهما فى الأقارب، فلا يدخلون فى الأرحام، وحقهما واجب اجماعا، ومذهب الحنفية أن الوالدين والأولاد لا يدخلون فى القرابة والأرحام، فلو أوصى للأقارب أو اللأرحام لم يدخلوا، ودخل غيرهم الأقرب فالأقرب، ولكل مقام استعمال، فمن عبارة المذهب قول أصحابنا فى حقوق القرابة: الأرحام أو القرابة الى أربعة آباء، وقيل وقيل، وصحح بعض الحنفية دخولهم، وعلل عدم الدخول بأن القريب من يتقرب الى غيره بواسطة غيره، وتكون الجزئية بينهما منعدمة، وأدخل محمد صاحب أبى حنيفة الجد ولد الولد، وهو ظاهر قول أبى حنيفة وأبى يوسف صاحبه، وذكر أن الجدة كالجد. وقد يقال: عدم دخول الوالدين والولد للعرف، وكذا الجد والجدة على القول بعدم دخولهما، والحنفية يجرون على العرب فى الوصية، وكذا فى المذهب أن الوصية تجرى على العرف، وفى الخبر: من سمى والده قريبا عقه، فنقول ذلك لشعوره بالحط لا للغة، كما لا ينادى باسمه، وأما عطف الاقربين على الواليدن فتعميم بعد تخصيص فى قول الدخول، واختار بعض المحققين أن القرابة غير الأجانب، فيدخل الفروع والأصول والحواشى من قبل الأب، أو من قبل الأم، وقطع الرحم كبيرة فسق وكفر دون شرك. والعجب ممن توقف فى كونه كبيرة كالرافعى والنووى بعده من الشافعية، والمذهب لزوم لعن المخصوص، قال بريدة: كنت جالساً عند عمر، إذ سمع صائحا فسأل فقيل: جارية من قريش تباع أمها، فدعى المهاجرين والأنصار، فامتلأت ان دار والحجرة بغتة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه: وقال: أما بعد، فهل تعلمون مما جاء به محمد صلى الله عليه وسم قطع الرحم؟ قالوا: لا، قال: قد فشت فيكم وقرأ: {فهل عسيتم} الآية، وأى قطيعة أقطع من أن تباع أم امرىء فيكم؟ قالوا: فاصنع ما بدالك فكتب فى الآفاق أن لاتباع أم حر، فانه قطيعة رحم، وانه لا يحل. وزعم جمهور قومنا أنه لا يلعن الشخص المعين ولو مشركا الا إن نص عليه فى القرآن اذ لا يدرى بم يختم له، وهو خطأ، واعتبار للغيب، وترك للظاهر بلا دليل، وترك للحديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذ دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت وبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح" تفسير : وأيضا معنى لعن الشخص الدعاء عليه لا الاخبار. وروى مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وُسم فى وجهه، فقال: "حديث : لعن الله من فعل هذا" تفسير : ولا خصوص فيه بالشقوة، فقد يتوب الفاعل ولا يناله الدعاء، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ستة لعنهم الله، وكل نبي مجاب الدعوة: المحرف لكتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله، ويذل من أعز الله، والمستحل من عترتي، والتارك لسنتي، المستحل لحرم الله" تفسير : وأشار بالمستحل من عترتى الى نحو يزيد القاتل للحسن بن على.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المخاطبين بطريق الالتفات إيذاناً بأن ذكر هناتهم أوجب إسقاطهم عن درجة الخطاب ولو على جهة التوبيخ وحكاية أقوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهِ } أي أبعدهم من رحمته عز وجل {فَأَصَمَّهُمْ } عن استماع الحق لتصامهم عنه لسوء اختيارهم {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. وجاء التركيب {فَأَصَمَّهُمْ } ولم يأت فأصم آذانهم كما جاء {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } أو وأعماهم كما جاء فأصمهم، قيل: لأن الأذن لو أصيبت بقطع أو قلع لسمع الكلام فلم يحتج إلى ذكر الأذن، والبصر وهو العين لو أصيب لامتنع الإبصار فالعين لها مدخل في الرؤية والأذن لا مدخل لها في السمع انتهى وهو كما ترى. وقال الخفاجي: لأنه إذا ذكر الصمم لم يبق حاجة إلى ذكر الآذان، وأما العمى فلشيوعه في البصر / والبصيرة حتى قيل: إنه حقيقة فيهما وهو ظاهر ما في «القاموس» فإذا كان المراد أحدهما حسن تقييده. وقيل في وجه ذلك بناء على كون العمى حقيقة فيما كان في البصر: إن نحو أعمى الله أبصارهم بحسب الظاهر من باب أبصرته بعيني وهو يقال في مقام يحتاج إلى التأكيد، ولما كان أولئك الذين حكى حالهم في أمر الجهاد غير ظاهر إعماؤهم ظهور إصمامهم كيف وفي الآيات السابقة ما يؤذن بعدم انتفاعهم بالمسموع من القرآن وهو من آثار إصمامهم وليس فيها ما يؤذن بعدم انتفاعهم بالآيات المرئية المنصوبة في الأنفس والآفاق الذي هو من آثار إعمائهم ناسب أن يسلك في كل من الجملتين ما سلك مع ما في سلوكه في الأخير من رعاية الفواصل وهو أدق مما قبل. هذا والأرحام جمع رَحِم بفتح الراء وكسر الحاء وهي على ما في «القاموس» القرابة أو أصلها وأسبابها، وقال الراغب: ((الرحم رحم المرأة أي بيت منبت ولدها ووعاؤه ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة))، ويقال للأقارب ذوو رحم كما يقال لهم أرحام، وقد صرح ابن الأثير بأن ذا ((الرحم يقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء))؛ والمذكور في كتبها تفسيره بكل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة وعدوا من ذلك أولاد الأخوات لأبوين أو لأب وعمات الآباء وظاهر كلام الأئمة في قوله عليه الصلاة والسلام «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» دخول الأبوين والولد في ذي الرحم لغة حيث أجمعوا على أنهم يعتقون على من ملكهم لهذا الخبر وإن اختلفوا في عتق غيرهم. وصرح ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» بأن الأولاد من الأرحام. وظاهر عطف الأقربين على الوالدين في الآية يقتضي عدم دخولهما في الأقارب فلا يدخلون في الأرحام لأنهم كما قالوا الأقارب، وكلام فقهائنا نص في عدم دخول الوالدين والولد في ذلك حيث قالوا: إذا أوصى لأقاربه أو لذوي قرابته أو لأرحامهم فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم ولا يدخل الوالدان والولد، وأما الجد وولد الولد فنقل أبو السعود عن العلامة قاسم عن «البدائع» أن الصحيح عدم دخولهما، واختاره في «الاختيار» وعلله بأن القريب من يتقرب إلى غيره بواسطة غيره وتكون الجزئية بينهما منعدمة، وفي «شرح الحموي» أن دخولهما هو الأصح. وفي متن «المواهب» وأدخل أي محمد الجد والحفدة وهو الظاهر عنهما، وذكر أن مثل الجد الجدة وقد يقال: إن عدم دخول الوالدين والولد في ذلك وكذا الجد والحفدة عند من يقول بعدم دخولهم ليس لأن اللفظ لا يصدق عليهم لغة بل لأنه لا يصدق عليهم عرفاً وهم اعتبروا العرف كما قال الطحطاوي في أكثر مسائل الوصية. وفي «جامع الفصولين» أن مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف، وما ذكره في «المعراج» من خبر «من سمى والده قريباً عقه» لا يدل على أنه ليس قريباً لغة بل هو بيان حكم شرعي مبناه أن في ذلك إيذاء للوالد وحطاً من قدره عرفاً، وهذا كما لو ناداه باسمه وكان يكره ذلك، وأمر العطف في الآية الكريمة سهل لجواز عطف العام على الخاص كعطف الخاص على العام، فالذي يترجح عندي أن الأرحام كما صرحوا به الأقارب بالقرابة الغير السببية والمراد بهم ما يقابل الأجانب ويدخل فيهم الأصول والفروع والحواشي من قبل الأب أو من قبل الأم وحرمة قطع كل لا شك فيها لأنه على ما قلنا رحم. والآية ظاهرة في حرمة قطع الرحم. ((وحكى القرطبـي في «تفسيره» اتفاق الأمة على حرمة قطعها ووجوب صلتها، ولا ينبغي التوقف في كون القطع كبيرة، والعجب من الرافعي عليه الرحمة كيف توقف في قول صاحب «الشامل»: إنه من الكبائر، وكذا تقرير النووي قدس سره له على توقفه. واختلف في المراد بالقطيعة فقال أبو زرعة: ينبغي أن تختص بالإساءة، وقال غيره: هي ترك / الإحسان ولو بدون إساءة لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما، والصلة إيصال نوع من أنواع الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد فالقطيعة ضدها فهي ترك الإحسان. ونظر فيه الهيتمي بناء على تفسير العقوق بأن يفعل مع أحد أبويه ما لو فعله مع أجنبـي كان محرماً صغيرة فينتقل بالنسبة إلى أحدهما كبيرة وإن الأبوين أعظم من بقية الأقارب ثم قال: فالذي يتجه ليوافق كلامهم وفرقهم بين العقوق وقطع الرحم أن المراد بالأول أن يفعل مع أحد الأبوين ما يتأذى به فإن كان التأذي ليس بالهين عرفاً كان كبيرة وإن لم يكن محرماً لو فعله مع الغير وبالثاني قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان بغير عذر شرعي لأن قطع ذلك يؤدي إلى إيحاش القلوب وتأذيها، فلو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التأذي العظيم لغناهما مثلاً لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب؛ ولو فرض أن الإنسان لم يقطع عن قريبه ما ألفه منه من الإحسان لكنه فعل معه محرماً صغيرة أو قطب في وجهه أو لم يقم له في ملأ ولا عبأ به لم يكن ذلك فسقاً بخلافه مع أحد الأبوين لأن تأكد حقهما اقتضى أن يتميزا على بقية الأقارب بما لا يوجد نظيره فيهم، وعلى ضبط الثاني بما ذكرته فلا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه منه قريبه مالاً أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر كبيرة، وينبغي أن يراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به أو تجدد احتياجه إليه أو أن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه لكونه أحوج أو أصلح، فعدم الإحسان إلى القريب أو تقديم الأجنبـي عليه لهذا العذر يرفع عنه وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب لأنه إنما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبـي عليه، وواضح أن القريب لو ألف منه قدراً معيناً من المال يعطيه إياه كل سنة مثلاً فنقصه لا يفسق بذلك بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر، وأما عذر الزيارة فينبغي ضبطه بعذر الجمعة لجامع أن كلاً فرض عين وتركه كبيرة؛ وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة فهو أن لا يجد من يثق به في أداء ما يرسله معه، والظاهر أنه إذا ترك الزيادة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت. والأولاد والأعمام من الأرحام وكذا الخالة فيأتي فيهم وفيها ما تقرر من الفرق بين قطعهم وعقوق الوالدين، وأما قول الزركشي: صح في الحديث أن الخالة بمنزلة الأم وأن عم الرجل صنو أبيه وقضيتهما أنهما مثل الأب والأم حتى في العقوق فبعيد جداً ويكفي مشابهتهما في أمر ما كالحضانة تثبت للخالة كما تثبت للأم وكذا المحرمية وكالإكرام في العم والمحرمية وغيرهما مما ذكر)) انتهى المراد منه. ولو قيل: إن الصغيرة تعد كبيرة لو فعلت مع القريب لكنها دون ما لو فعلت مع أحد الأبوين لم يبعد عندي لتفاوت قبح السيئات بحسب الإضافات بل لا يبعد على هذا أن يكون قبح قطع الرحم متفاوتاً باعتبار الشخص القاطع وباعتبار الشخص المقطوع ومتى سلم التفاوت فليقل به في العقوق ويكون عقوق الأم أقبح من عقوق الأب وكذا عقوق الولد الذي يعبأ به أقبح من عقوق الولد الذي لا يعبأ به ويتفرع من ذلك ما يتفرع مما لا يخفى على فقيه. واستدل بالآية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على منع بيع أم الولد. روى الحاكم في «المستدرك» وصححه وابن المنذر عن بريدة قال: كنت جالساً عند عمر إذ سمع صائحاً فسأل فقيل: جارية من قريش تباع أمها فأرسل يدعو المهاجرين والأنصار فلم تمض ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة قالوا: لا قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } تفسير : [محمد: 22] ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرىء فيكم قالوا فاصنع ما بدا لك فكتب في الآفاق أن لا تباع أم حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل. واستدل بها أيضاً على جواز لعن يزيد عليه من الله تعالى ما يستحق. نقل البرزنجي في «الإشاعة» والهيتمي في «الصواعق» أن الإمام أحمد لما سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال كيف لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه؟ فقال عبد الله قد قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه لعن يزيد فقال الإمام إن الله تعالى يقول: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [محمد: 22] الآية وأي فساد وقطيعة أشد مما فعله يزيد؟ انتهى. وهو مبني على جواز لعن العاصي المعين من جماعة لعنوا بالوصف، وفي ذلك خلاف، فالجمهور على أنه لا يجوز لعن المعين فاسقاً كان أو ذمياً حياً كان أو ميتاً ولم يعلم موته على الكفر لاحتمال أن يختم له أو ختم له بالإسلام بخلاف من علم موته على الكفر كأبـي جهل. وذهب شيخ الإسلام السراج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعين لحديث «الصحيحين» «حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح» تفسير : وفي رواية «حديث : إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» تفسير : واحتمال أن يكون لعن الملائكة عليهم السلام إياها ليس بالخصوص بل بالعموم بأن يقولوا: لعن الله من باتت مهاجرة فراش زوجها بعيد وإن بحث به معه ولده الجلال البلقيني. وفي «الزواجر» لو استدل لذلك بخبر مسلم «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال: لعن الله من فعل هذا»تفسير : لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد الجنس وفيه ما فيه انتهى. وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة فقد روى الطبراني بسند حسن «حديث : اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل»تفسير : والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين على جده وعليه الصلاة والسلام، واستبشارُه بذلك وإهانته لأهل بيته مما تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحاداً، وفي الحديث «حديث : ستة لعنتهم ـ وفي رواية ـ لعنهم الله وكل نبـي مجاب الدعوة المحرف لكتاب الله ـ وفي رواية ـ الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله والمستحل من عترتي والتارك لسنتي»تفسير : . وقد جزم بكفره وصرح بلعنه جماعة من العلماء منهم الحافظ ناصر السنة ابن الجوزي وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلامة التفتازاني: لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه، وممن صرح بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة وفي «تاريخ ابن الوردي» وكتاب «الوافي بالوفيات» أن السبـي لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين رضي الله تعالى عنهما والرؤس على أطراف الرماح وقد أشرفوا على ثنية جيرون فلما رآهم نعب غراب فأنشأ يقول:شعر : لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرؤس على شفا جيرون نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني تفسير : / يعني أنه قتل بمن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر كجده عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما وهذا كفر صريح فإذا صح عنه فقد كفر به ومثله تمثله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:شعر : لـيـــت أشـيـاخـي تفسير : الأبيات. وأفتى الغزالي عفا الله عنه بحرمة لعنه. وتعقب السفاريني من الحنابلة نقلَ البرزنجي والهيتمي السابق عن أحمد رحمه الله تعالى فقال: ((المحفوظ عن الإمام أحمد خلاف ما نقلا، ففي «الفروع» ما نصه ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإسلام فيتوجه عليه يزيد ونحوه ونص أحمد خلاف ذلك وعليه الأصحاب، ولا يجوز التخصيص باللعنة خلافاً لأبـي الحسين وابن الجوزي وغيرهما، وقال شيخ الإسلام - يعني والله تعالى أعلم ابن تيمية - ظاهر كلام أحمد الكراهة، قلت: والمختار ما ذهب إليه ابن الجوزي وأبو حسين القاضي ومن وافقهما)) انتهى كلام السفاريني. وأبو بكر بن العربـي المالكي عليه من الله تعالى ما يستحق أَعْظَمَ الفرية فزعم أن الحسين قتل بسيف جده صلى الله عليه وسلم وله من الجهلة موافقون على ذلك {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } تفسير : [الكهف: 5]. قال ابن الجوزي عليه الرحمة في كتابه «السر المصون»: من الاعتقادات العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة أن يقولوا: إن يزيد كان على الصواب وإن الحسين رضي الله تعالى عنه أخطأ في الخروج عليه ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها ولقد فعل في ذلك كل قبيح ثم لو قدرنا صحة عقد البيعة فقد بدت منه بواد كلها توجب فسخ العقد ولا يميل إلى ذلك إلا كل جاهل عامي المذهب يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة. هذا ويعلم من جميع ما ذكره اختلاف الناس في أمره فمنهم من يقول: هو مسلم عاص بما صدر منه مع العترة الطاهرة لكن لا يجوز لعنه، ومنهم من يقول: هو كذلك ويجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها ومنهم من يقول: هو كافر ملعون، ومنهم من يقول: إنه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه وقائل هذا ينبغي أن ينظم في سلسلة أنصار يزيد وأنا أقول: الذي يغلب على ظني أن الخبيث لم يكن مصدقاً برسالة النبـي صلى الله عليه وسلم وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر؛ ولا أظن أن أمره كان خافياً على أجلة المسلمين إذ ذاك ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم إلا الصبر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولو سلم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين. والظاهر أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة فلعنة الله عز وجل عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبـي عبد الله الحسين، ويعجبني قول شاعر العصر ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصلي وقد سئل عن لعن يزيد اللعين:شعر : يزيد على لعني عريض جنابه فاغدو به طول المدى ألعن اللعنا تفسير : ومن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل فليقل: لعن الله عز وجل من رضي بقتل / الحسين ومن آذى عترة النبـي صلى الله عليه وسلم بغير حق ومن غصبهم حقهم فإنه يكون لاعناً له لدخوله تحت العموم دخولاً أولياً في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربـي المار ذكره وموافقيه فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد.

ابن عاشور

تفسير : الإشارة إلى الذين في قلوبهم مرض على أسلوب قوله آنفاً: {أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم}تفسير : [محمد: 16] ولا يصح أن تكون الإشارة إلى ما يؤخذ من قوله: {أية : أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}تفسير : [محمد: 22] لأن ذلك لا يستوجب اللعنة ولا أن مرتكبيه بمنزلة الصمّ، على أن في صيغة المضيّ في أفعال: لعنهم، وأصمّهم، وأعمى، ما لا يلاقي قوله: {أية : فهل عَسِيتم}تفسير : [محمد: 22] ولا ما في حرف (إنْ) من زمان الاستقبال. واستعير الصمم لعدم الانتفاع بالمسموعات من آيات القرآن ومواعظ النبي صلى الله عليه وسلم كما استعير العمَى هنا لعدم الفهم على طريقة التمثيل لأن حال الأعمى أن يكون مضطرباً فيما يحيط به لا يدري نافعه من ضارّه إلا بمعونة من يرشده، وكَثر أن يقال: أعمى الله بصره، مراداً به أنه لم يهده، وهذه هي النكتة في مجيء تركيب {وأعمى أبصارهم} مخالفاً لتركيب {فأصمهم} إذ لم يقل: وأعماهم. وفي الآية إشعار بأن الفساد في الأرض وقطيعة الأرحام من شعار أهل الكفر، فهما جرمان كبيران يجب على المؤمنين اجتنابهما.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَوْلَـٰئِكَ} {أَبْصَارَهُمْ} (23) - وَالذِينَ يَبْلُغُ بِهِم الأمْرُ حَدَّ التَّوَلِّي عَنِ الجِهَادِ، وَعَنِ الإِيمان، وَحَدَّ الإِقْدَامِ عَلَى الإِفسَادِ في الأَرْضِ وَقَطْعِ الأرْحَامِ، هُمُ الذِينَ طَرَدَهُمُ اللهُ مِنْ رَحَمْتِهِ، فَأصَمَّهُمْ عَنِ الانْتِفَاعِ بِما يَسْمَعُونَ، وَأعْمَى أبْصَارَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ مَا نَصَبَ اللهُ في الكَوْنِ مِنْ آياتٍ، وَعَنِ الاعْتِبَارِ بِها.