٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه، وهو أنهم كانوا يقولون كيف نقاتل والقتل إفساد والعرب من ذوي أرحامنا وقبائلنا؟ فقال تعالى: {إِن تَوَلَّيْتُمْ } لا يقع منكم إلا الفساد في الأرض فإنكم تقتلون من تقدرون عليه وتنهبونه والقتال واقع بينكم، أليس قتلكم البنات إفساداً وقطعاً للرحم؟ فلا يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر الله وهذا طاعة وفيه مسائل: المسألة الأولى: في استعمال عسى ثلاثة مذاهب أحدها: الإتيان بها على صورة فعل ماضٍ معه فاعل تقول عسى زيد وعسينا وعسوا وعسيت وعسيتما وعسيتم وعست وعستا والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل معه مفعول تقول عساه وعساهما وعساك وعساكما وعساي وعسانا. والثالث: الإتيان بها من غير أن يقرن بها شيء تقول عسى زيد يخرج وعسى أنت تخرج وعسى أنا أخرج والكل له وجه وما عليه كلام الله أوجه، وذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة واقتران الفاعل بالفعل أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجز فيه أربع متحركات في مثل قول القائل نصرت وجوز في مثل قولهم نصرك ولأن كل فعل له فاعل سواء كان لازماً أو متعدياً ولا كذلك المفعول به، فعسيت وعساك كعصيت وعصاك في اقتران الفاعل بالفعل والمفعول به، وأما قول من قال عسى أنت تقوم وعسى أن أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه. المسألة الثانية: الاستفهام للتقرير المؤكد، فإنه لو قال على سبيل الإخبار {عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ } لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر أن تجيب إلا بلا أو نعم، فهو مقرر عندك وعندي. المسألة الثالثة: عسى للتوقيع والله تعالى عالم بكل شيء فنقول فيه ما قلنا في لعل، وفي قوله {أية : لِنَبْلُوَهُمْ } تفسير : [الكهف: 7] إن بعض الناس قال يفعل بكم فعل المترجي والمبتلي والمتوقع، وقال آخرون كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك ونحن قلنا محمول على الحقيقة وذلك لأن الفعل إذا كان ممكناً في نفسه فالنظر إليه غير مستلزم لأمر، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة ولا يحصل منه أخرى فيكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه وسواء أن لم يكن يعلم، مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع، غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم للمتوقع، وليس كذلك بل المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظراً لذلك الأمر فحسب سواء كان له به علم أو لم يكن وقوله {إِن تَوَلَّيْتُمْ } فيه وجهان: أحدهما: أنه من الولاية يعني إن أخذتم الولاية وصار الناس بأمركم أفسدتم وقطعتم الأرحام وثانيهما: هو من التولي الذي هو الإعراض وهذا مناسب لما ذكرنا، أي كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام لكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك حيث تقاتلون على أدنى شيء كما كان عادة العرب الأول: يؤكده قراءة علي عليه السلام توليتم، أي إن تولاكم ولاة ظلمة جفاة غشمة ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم معهم وقطعتم أرحامكم، والنبي عليه السلام لا يأمركم إلا بالإصلاح وصلة الأرحام، فلم تتقاعدون عن القتال وتتباعدون في الضلال
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} اختلف في معنى «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» فقيل: هو من الوِلاية. قال أبو العالية: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعِلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرُّشَا. وقال الكلبيّ: أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج: المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. وقال كعب: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضاً. وقيل: من الإعراض عن الشيء. قال قتادة: أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم. وقيل: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرىء بفتح السين وكسرها. وقد مضى في «البقرة» القول فيه مستوفى. وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحَرُوريّة والخوارج؛ وفيه بُعْدٌ. والأظهر أنه إنما عُني بها المنافقون. وقال ابن حيان: قريش. ونحوه قال المسيّب بن شريك والفرّاء، قالا: نزلت في بني أمية وبني هاشم؛ ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مُغَفّل قال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ» ـ ثم قال ـ هم هذا الحيّ من قريش أخذ الله عليهم إن وَلُوا الناس ألاّ يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم»تفسير : . وقرأ عليّ بن أبي طالب «إِنْ تُوُلِّيتُم أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ» بضم التاء والواو وكسر اللام. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رُوَيْس عن يعقوب. يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم. {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} بالبغي والظلم والقتل. وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم «وتَقْطَعُوا» بفتح التاء وتخفيف القاف، من القطع؛ ٱعتباراً بقوله تعالى: {أية : وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} تفسير : [الرعد: 52]. وروى هذه القراءة هارون عن أبي عمرو. وقرأ الحسن «وَتَقَطَّعُوا» مفتوحة الحروف مشدّدة؛ ٱعتباراً بقوله تعالى: {أية : وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 93]. الباقون «وتُقَطِّعُوا» بضم التاء مشدّدة الطاء، من التقطيع على التكثير؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وتقدّم ذكر «عَسَيْتُمْ» في (البقرة). وقال الزجاج في قراءة نافع: لو جاز هذا لجاز «عَسِي» بالكسر. قال الجوهريّ: ويقال عَسَيت أن أفعل ذلك، وعَسِيت بالكسر. وقرىء «فَهَلْ عَسِيتُم» بالكسر. قلت: ويدل قوله هذا على أنهما لغتان. وقد مضى القول فيه في «البقرة» مستوفى. {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي طردهم وأبعدهم من رحمته. (فَأَصَمَّهُمْ) عن الحق. {وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} أي قلوبهم عن الخير. فأتبع الأخبارَ بأن مَن فعل ذلك حقّت عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه؛ فجعله كالبهيمة التي لا تعقل. وقال: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» ثم قال: «أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ» فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك. الثانية ـ قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} أي يتفهمونه فيعلمون ما أعدّ الله للذين لم يتولّوا عن الإسلام. {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون. وهذا يردّ على القدرية والإمامية مذهبهم. وفي حديث مرفوع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن عليها أقفالاً كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها»تفسير : . وأصل القَفْل اليُبْس والصلابة. ويقال لما يبس من الشجر: القَفْل. والقفيل مثله. والقَفِيل أيضاً نبت. والقفِيل: الصوت. قال الراجز:شعر : لما أتاك يابساً قِرْشَباً قمت إليه بالقفِيل ضربا كيف قَرَيْتَ شَيْخَك الأَزَبّا تفسير : القِرْشَبُّ (بكسر القاف) المسِنّ؛ عن الأصمعي. وأقفله الصوم أي أيبسه؛ قاله القشيريّ والجوهريّ. فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوّه عن الإيمان. أي لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر؛ لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال: «عَلَى قُلُوبٍ» لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة. والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها. الثالثة ـ في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرَّحِم فقالت هذا مَقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعكِ قالت بلى قال فذاكِ لكِ ـ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ اقرءوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ }تفسير : . وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار. وقال قتادة وغيره: معنى الآية فلعلكم، أو يخاف عليكم، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تَوَلَّوْا عن كتاب الله تعالى! ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصَوُا الرَّحمٰن. فالرحِم على هذا رَحِم دين الإسلام والإيمان، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10]. وعلى قول الفرّاء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية؛ والمراد من أضمر منهم نفاقاً؛ فأشار بقطع الرحِم إلى ما كان بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذلك يوجب القتال. وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة؛ فالعامة رحِم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم، والنَّصَفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة؛ كتمريض المرضى وحقوق الموتى مِن غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من (الحقوق) المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة؛ كالنفقة وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم؛ وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدىء بالأقرب فالأقرب. وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رَحِم مَحْرَم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال. وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، مَحْرَماً كان أو غير محرم. فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم. وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال، قربةً ودينية؛ على ما ذكرناه أولاً والله أعلم. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القُرَظِي يحدّث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قُطعتُ يا رب ظُلمت يا رب أُسِيء إليّ فيجيبها ربُّها ألا تَرْضَيْن أن أصل مَن وصلكِ وأقطع مَن قطعكِ»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن جُبير بن مُطْعِم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة قاطع»تفسير : . قال ابن أبي عمر قال سفيان: يعني قاطع رحِم. ورواه البخاري. الرابعة ـ قوله عليه السلام: «حديث : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم...»تفسير : «خلق» بمعنى اخترع وأصله التقدير؛ كما تقدّم. والخلق هنا بمعنى المخلوق. ومنه قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ}تفسير : [لقمان: 11] أي مخلوقه. ومعنى «فرغ منهم» كمل خلقهم. لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم؛ إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة، ولا خَلْقُه بآلة ولا محاولة؛ تعالى عن ذلك. وقوله: «قامت الرّحم فقالت» يحمل على أحد وجهين: أحدهما ـ أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر مَن قطعها؛ كما وكل الله بسائر الأعمال كراماً كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين. وثانيهما ـ أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدّة الاعتناء. فكأنه قال: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام؛ كما قال تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ـ ثم قال ـ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الحشر: 21]. وقوله: «فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة» مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكّد أمر صلة الرحم، وأن الله سبحانه قد أنزلها بمنزلة من ٱستجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخُفارته. وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض. ولذلك قال مخاطباً للرَّحِم: «أمَا تَرْضَيْن أن أصل مَن وصلكِ وأقطع مَن قطعكِ». وهذا كما قال عليه السلام: «حديث : ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يَكُبّه في النار على وجهه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ } بكسر السين وفتحها وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب أي لعلكم {إِن تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن الإِيمان {أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} يا قريش، أو أيها الخوارج، أو المنافقون وهو الأظهر {تَوَلَّيْتُمْ} الحكم فتفسدوا بأخذ الرشا، أو توليتم أمر الأمة أن تفسدوا بالظلم، أو توليتم عن القرآن فتفسدوا بسفك الدم، أو توليتم عن الطاعة فتفسدوا بالمعاصي وقطع الأرحام.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} مخاطبةٌ لهؤلاءِ الذينَ في قلوبهم مرضٌ، والمعنى: فهل عَسَىٰ أَنْ تفعلُوا إنْ تولَّيتم غيرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرض، وتُقَطِّعُوا أرحامكم، ومعنى {إِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: إنْ أعرضتم عن الحَقِّ، وقيل المعنى: إنْ توليتم أمور الناس من الولاية؛ وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في بني هاشِمٍ، وبني أُمَيَّةَ ذكره الثعلبيُّ. * ت *: وهو عندي بعيدٌ لقوله: {أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} فتعيَّن التأويل الأَوَّل، واللَّه أعلم. وفي البخاريِّ عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»تفسير : يعني: قاطعَ رحِمٍ، وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ ـــ فَليَصِلْ رَحِمَهُ» تفسير : . اهـــ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشةَ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ»تفسير : وفي رواية: «حديث : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»تفسير : وفي طريق: «حديث : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»تفسير : وخرَّجه البخاريُّ من طريق أبي هريرةَ؛ على ما تقدَّم، وخرَّج البخاريُّ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكَ؟ قَالَتْ: بَلَىٰ يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ، قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ }»تفسير : وفي رواية: قال الله: «حديث : مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ»تفسير : انتهى. ورَوَىٰ أبو داودَ في «سُنَنِهِ» عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ قال: سمعتُ رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا الرَّحْمٰنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ». تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} إشارة إلى المرضى القلوب المذكورين. وقوله: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ}: استعارةٌ لعدم فهمهم. وقوله عزَّ منْ قائِلٍ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ...} الآية: توقيفٌ وتوبيخٌ، وتَدَبُّرُ القرآن زعيم بالتبيين والهُدَىٰ لمتأمِّله. * ت *: قال الهرويُّ: قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ} معناه: أفلا يتفكَّرُون فيعتبرون؛ يُقَالُ: تَدَبَّرْتُ الأمر: إذا نظرتَ في أدباره وعواقبه، انتهى. وقوله تعالى: {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} معناه: بل على قلوب أَقفالها، وهو الرَّيْنُ الذي منعهم من الإيمان، ورُوِيَ أَنَّ وَفْدَ اليَمَنِ وَفَدَ على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهمْ شَابٌّ، فقرأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ، فقال الفتى: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حَتَّىٰ يَفْتَحَها اللَّهُ تَعَالَىٰ ويُفَرِّجَهَا، قَالَ عُمَرُ: فَعَظُمَ في عَيْنِي، فما زَالَتْ في نَفْس عُمَرَ - رضي اللَّه عنه - حَتَّىٰ وَلِيَ الخلاَفَة فَٱسْتَعَانَ بِذَلِكَ الفَتَىٰ.
القشيري
تفسير : أي فلعلكم إنْ أَعرضتم عن الإيمان - بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم - ورجعتم إلى ما كنتم عليه أن تفسدوا في الأرض، وتسفكوا الدماءَ الحرامَ، وتقطعوا أرحامكم، وتعودوا إلى جاهليتكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فهل عسيتم} اى يتوقع منكم يا من فى قلوبهم مرض وبالفارسية بس آياشايد وتوقع هست ازشما اى منافقان {ان توليتم} امور الناس وتأمرتم عليهم اى ان صرتم متولين لامور الناس وولاة وحكاما عليهم متسلطين فتوليتم من الولاية {ان تفسدوا فى الارض وتقطعوا ارحامكم} تحارصا على الملك وتهالكا على الدنيا فان من شاهد احوالكم الدالة على الضعف فى الدين والحرص على الدنيا حين امرتم بالجهاد الذى هو عبارة عن احراز كل خير وصلاح ودفع كل شر وفساد وانتم مأمورون شأنكم الطاعة والقول المعروف يتوقع منكم اذا اطلقت اعنتكم وصرتم آمرين ما ذكر من الافساد وقطع الارحام والرحم رحم المرأة وهو منبت الولد ووعاؤه فى البطن ثم سميت القرابة والوصلة من جهة الولاد رحما بطريق الاستعارة لكونهم خارجين من رحم واحد وقرأ على رضى الله عنه ان توليتم بضم تاء وواو وكسر لام اى ولى عليكم الظلمة ملتم معهم وعاونتموهم فى الفتنة كما هو المشاهد فى هذا الاعصار وقال ابو حيان الاظهر ان المعنى ان اعرضتم ايها المنافقون عن امتثال امر الله فى القتال ان تفسدوا فى الارض بعدم معونة اهل الاسلام على اعدائهم وتقطعوا ارحامكم لان من ارحامكم كثيرا من المسلمين فاذا لم تعينوهم قطعتم ارحامكم
الجنابذي
تفسير : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} عن علىٍّ (ع) او ان تولّيتم امور النّاس، وقرئ ان تولّيتم بالبناء للمفعول اى ان تولاّكم النّاس {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يعنى ان تولّيتم لم يكن لكم شأنٌ سوى الافساد فينبغى لكم ان لا ترجوا غيره حين التّولّى {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} الصّوريّة والمعنويّة.
الهواري
تفسير : قال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} يعيبهم {إِن تَوَلَّيْتُمْ} عن الجهاد في سبيل الله {أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} أي: تقتلوا قرابتكم. قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ} عن الهدى {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} عنه. قال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} أي: إنَّ على قلوب أقفالَها، وهو الطبع الذي طبع الله على قلوبهم بكفرهم. قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} أي: من بعد ما أقروا بالإيمان وقامت عليهم الحجة بالنبي والقرآن، يعني المنافقين {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} [أي: زيّن لهم] {وَأَمْلَى لَهُمْ}. تفسير الحسن: وسوس إليهم أنكم تعيشون في الدنيا بغير عذاب، ثم تموتون وتصيرون إلى غير عذاب. قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ} أي: قال المنافقون للمشركين {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ} أي: سنَعتلّ بعِلل يقبلها منا [المؤمنون] فنتخلف عن قتالكم فلا نقاتلكم، فاتّفقوا على ذلك في السّرّ؛ كقوله: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: إلى قادتهم ورؤسائهم {قَالُواْ إِنَّا مَعَكمْ} أي: في المودّة والهوى (أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ) تفسير : [البقرة:14] أي: مخادعون. قال بعضهم: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ} أي في الشرك، وافقوهم على الشرك في السّرّ. قال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ }.
اطفيش
تفسير : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} بكسر السين عند نافع وهو غريب قاله الزمخشري ووجهه مناسبة الياء وقيل لغة يقول أهلها (عَسِيَ) كرضِيَ وأطلت ذلك في النحو وهكذا كلما أقللت فيه الكلام هنا فقد أطلته في النحو والخطاب {أية : للذين في قلوبهم مرض} تفسير : نقل الكلام من الغيبة للخطاب مبالغة للتوبيخ. {إِن تَوَلَّيْتُمْ} أمور الناس وتأمرتم عليهم أو توليتم عن الاسلام والحق. وقرأ يعقوب في رواية رويس بالبناء للمفعول أي تولاكم ظلمة وكذا قرأ علي وقرأ بعض (وليتم) وجواب (ان) محذوف دل عليه (هل عسيتم)* {أَن تُفْسِدُواْ} خبر (عسى) مبالغة أو للتأويل بمفسدين أو ذوي افساد أو (عسى أمركم افساد) أو بدل من التاء اشتمالى وافسادهم لكونهم أمراء أو لتوليهم عن الاسلام وتبع للظلمة على قراءة يعقوب والمراد هل يتوقع منكم الافساد وذلك لان أداة الاستفهام لا تدخل على الانشاء والله لا يستفهم حقيقة ولا يترجى ولكن المعنى انهم لضعفهم في الدين وحرصهم في الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك من عرف حالهم ويقول لهم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا} أو يفعل الله بكم فعل المختبر* {فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} تناحرا على الولاية وتجاذباً لها أو رجوعاً الى ما كنتم عليه في الجاهلية من الغارات ومقاتلة الأقارب واهلاك البنات والتشديد للمبالغة وقرئ بفتح التاء والطاء أي تتقطعوا فحذفت احدى التائين قال بعضهم نزلت الآية في بني هاشم وبني أمية وقد استولوا بعد حين وأفسدوا فقال الثعالبي هو بعيد لقوله تعالى* {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ}
اطفيش
تفسير : {فَهَل عَسَيْتم} خطاب للذين فى قلوبهم مرض على طريق الالتفات من الغيبة الى الخطاب زيادة فى توبيخهم. والاستفهام والترجى مصروفان الى غير الله، أى هل يتقرب بكم وينتظر، وقيل: يفعل بكم فعل المترجى المبتلى، وقيل: المعنى من ينظر اليهم يتوقع بهم ذلك، وهذا كما قيل: انكم أحقاء بأن يقول لكم من عرف أحوالكم {فهل عسيتم} الخ، وعسى انشاء، والاستفهام انشاء، ولا يتسلط انشاء على انشاء، فلا بد من تأويل عسى بالاخبار مثل: هل يتقرب بكم، أو هل تنظرون {إنْ تولَّيتُم} أمور الناس بأن صرتم ولاة عليهم، أو يقدر توليتم على الناس {أنْ تُفسدوا في الأرض وتُقطِّعُوا أرحامَكم} هذا خبر عسى، وهى وما دخلت عليه مستغنى بهما عن جواب ان، والمستفهم والمتوقع غير الله من الخلق ممن يقف على أحوالهم الدالة على الحرص على حب الدنيا، إذ كرهوا الجهاد والحق وأمر الشرع، فان ذلك يتوقع منه الافساد فى الأرض بالظلم والكبر، وقطع رحم من خالفكم على ذلك من المسلمين. وفسَّر بعضهم التولى بالاعراض عن الاسلام الى أمر الجاهلية من الافساد فى الأرض بالنهب للأموال، وقطع الأرحام، ووأد البنات، ورد بأن الواقع شرطا فى مثل هذا المقام لا يكون مما يحذر لذاته، بل لما يتبعه من المفاسد، مثل لعلك ان أعطيت مالا واسعا تطغى به، والاعراض عن الاسلام يحذر بالذات، ويؤيد ما مر قراءة: "وليتم" بالبناء للمفعول أى جعلتم ولاة، وقراءة "توليتم" بالبناء للمفعول أى تولاكم الناس، وأجمعوا على موالاتكم، وقيل فى تفسير هذه القراءة الآخر تولاكم ولاة غشمة، تتبعونهم فيما يفعلون من السوء: ويضعف تفسير بعضهم التولى فى قراءة الجمهور بالاعراض عن امتثال الشرع فى القتال، والافساد بعدم اعانة أهل الاسلام، وبتقطيع أرحام المسلمين على اسلامهم، لأن الظاهر من الافساد انشاؤه، ولا مجرد عدم اعانة المسلمين، ولا مجرد حصول التقطيع بترك الاعانة، ولأن الافساد بذلك المعنى محقق، فلو أريد لجىء باذا لا بأن.
الالوسي
تفسير : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ } خطَاب لأولئك الذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع. وهل للاستفهام والأصل فيه أن يدخل الخبر للسؤال عن مضمونه والإنشاء الموضوع له (عسى) ما دل عليه بالخبر أي فهل يتوقع منكم وينتظر {إِن تَوَلَّيْتُمْ } أمور الناس وتأمرتم عليهم، فهو من الولاية والمفعول به محذوف وروي ذلك عن محمد بن كعب وأبـي العالية والكلبـي {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } تناحراً على الولاية وتكالباً على جيفة الدنيا والمتوقع كل من يقف على حالهم إلا الله عز وجل إذ لا يصح منه سبحانه ذلك والاستفهام أيضاً بالنسبة إلى غيره جل وعلا، فالمعنى إنكم لما عهد منكم - من الأحوال الدالة على الحرص على / الدنيا حيث أمرتم بالجهاد الذي هو وسيلة إلى ثواب الله تعالى العظيم فكرهتموه وظهر عليكم ما ظهر - أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف حالكم يا هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض؟ الخ. وفسر بعضهم التولي بالإعراض عن الإسلام فالفعل لازم أي فهل عسيتم إن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات. وتعقب بأن الواقع في حيز الشرط في مثل هذا المقام لا بد أن تكون محذوريته باعتبار ما يتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته ولا ريب في أن الإعراض عن الإسلام رأس كل شر وفساد فحقه أن يجعل عمدة في التوبيخ لا وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد. ويؤيد الأول قراءة بعض {وليتم } مبنياً للمفعول وكذا قراءته عليه الصلاة والسلام على ما ذكر في «البحر» ورويت عن علي كرم الله تعالى وجهه ورويس ويعقوب {تُوُلِّيتم } بالبناء للمفعول أيضاً بناء على أن المعنى تولاكم الناس واجتمعوا على موالاتكم، والمراد كنتم فيهم حكاماً، وقيل: المعنى تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم واستظهر أبو حيان تفسيره بالإعراض إلا أنه قال: المعنى إن أعرضتم عن امتثال أمر الله تعالى في القتال أن تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإسلام على أعدائهم وتقطعوا أرحامكم لأن من أرحامكم كثيراً من المسلمين فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهم من الرحم. وتعقب بأن حمل الإفساد على الإفساد بعدم المعونة فيه خفاء، وكذا الإتيان بأن عليه دون إذا من حيث إن الإعراض عن امتثال أمر الله تعالى في القتال كالمحقق من أولئك المنافقين فتأمل. و {أَن تُفْسِدُواْ } خبر ـ عسى ـ و {إِن تَوَلَّيْتُمْ } اعتراض، وجواب إن محذوف يدل عليه ما قبله، وزعم بعضهم أن الأظهر جعل {إِن تَوَلَّيْتُمْ } حالاً مقدرة، وفيه أن الشرط بدون الجواب لم يعهد وقوعه حالاً في غير أن الوصلية وهي لا تفارق الواو، وإلحاق الضمائر بعسى كما في سائر الأفعال المتصرفة لغة أهل الحجاز، وبنو تميم لا يلحقونها به ويلتزمون دخوله على أن والفعل فيقولون الزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا، وذكر الإمام هاتين اللغتين ثم قال: وأما قول من قال: عسى أنت تقوم وعسى أنا أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه فإن كان مقصوده حكاية لغة ثالثة هي انفصال الضمير فنحن لا نعلم أحداً من نقله اللسان العربـي ذكرها وإن كان غير ذلك فليس فيه كثير جدوى. وقرأ نافع {عسيتم } بكسر السين المهملة، وهو غريب. وقرأ أبو عمرو في رواية وسلام ويعقوب وأبان وعصمة {تقطعوا} بالتخفيف مضارع قطع، والحسن {تقطعوا} بفتح التاء والقاف وشد الطاء وأصله تتقطعوا بتاءين حذفت إحداهما ونصبوا {أَرْحَامَكُمْ } على إسقاط الحرف أي في أرحامكم لأن تقطع لازم.
ابن عاشور
تفسير : مقتضى تناسق النظم أن هذا مفرع على قوله: {أية : فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم}تفسير : [محمد: 21] لأنه يفهم منه أنه إذا عزم الأمر تولوا عن القتال وانكشف نفاقهم فتكون إتماماً لما في الآية السابقة من الإنباء بما سيكون من المنافقين يوم أُحُد. وقد قال عبد الله بن أبي: عَلاَم نقتل أنفسنا ها هنا؟ وربما قال في كلامه: وكيف نقاتل قريشاً وهم من قومنا، وكان لا يرى على أهل يثرب أن يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ويرى الاقتصار على أنهم آووه. والخطاب موجّه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات. والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لانخزالهم ولذلك جيء فيه بــ {هل} الدالة على التحقيق لأنّها في الاستفهام بمنزلة (قد) في الخبر، فالمعنى: أفيتحقق إن توليتم أنكم تفسدون في الأرض وتقطعون أرحامكم وأنتم تزعمون أنكم توليتم إبقاء على أنفسكم وعلى ذوي قرابة أنسابكم على نحو قوله تعالى: {أية : قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا}تفسير : [البقرة: 246] وهذا توبيخ كقوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم}تفسير : [البقرة: 85]. والمعنى: أنكم تقعون فيما زعمتم التّفادي منه وذلك بتأييد الكفر وإحداث العداوة بينكم وبين قومكم من الأنصار. فالتولّي هنا هو الرجوع عن الوجهة التي خرجوا لها كما في قوله تعالى: {أية : فلما كتب عليهم القتال تولّوا إلا قليلاً منهم}تفسير : [البقرة: 246] وقوله: {أية : أفرأيت الذي تولّى}تفسير : [النجم: 33] وقوله: {أية : فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى}تفسير : [طه: 60]. وبمثله فسر ابن جريج وقتادة على تفاوتٍ بين التفاسير. ومن المفسرين من حمل التولّي على أنه مطاوع وَلاّه إذا أعطاه ولاية، أي ولاية الحكم والإمارة على الناس وبه فسر أبو العالية والكلبي وكعب الأحبار. وهذا بعيد من اللفظ ومن النظم وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة، وتجاوز بعضهم ذلك فأخذ يدعي أنها نزلت في الحرورية ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل الشيع والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمله ومن قصر عموماته على بعض ما يراد منها. وقرأ نافع وحده {عَسِيتُم} بكسر السين. وقرأه بقية العشرة بفتح السين وهما لغتان في فعل عسى إذا اتصل به ضمير. قال أبو علي الفارسي: وجه الكسر أن فعله: عَسِي مثل رَضِي، ولم ينطقوا به إلاّ إذا أسند هذا الفعل إلى ضمير، وإسناده إلى الضمير لغة أهل الحجاز، أما بنو تميم فلا يسندونه إلى الضمير البتة، يقولون: عسى أن تفعلوا.
د. أسعد حومد
تفسير : (22) - فَلَعَلَكُمْ يَا أيُّها المُنَافِقُونَ إِنَ تَولَّيتُمْ عَنِ الجِهَادِ خَوْفاً وَفَزَعاً مِن أَهْوَالِ الحَرْبِ، تَخْرُجُونَ مِنَ الإِسْلامِ الذي دَخْلَتُمُوهُ في الظَّاهِرِ، وَتَعُودُونَ إلى مَا كُنْتُم عَلَيهِ في الجَاهِليَّةِ تُفِسدُونَ في الأَرْضِ وَتَقْطَعُونَ أرْحَامَكُمْ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنى: فَلَعَلَّكُم إنْ تَوَلَّيتُمُ الحُكْمَ وَأمُورَ الأمَّةِ تَعْمَدُونَ إلى الإِفسَادِ في الأَرْضِ وَتَقْطِيعِ الأرْحَامِ). فَهَلْ عَسَيْتُمْ - فَهَلْ يُتَوقَّعُ مِنْكُم أوْ لَعَلَّكُمْ. تَوَلَّيتُمْ - إذا تَرَكْتُمُ الجِهَادَ - أوْ تَوَلَّيتُمُ الحُكْمَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا استفهام من الله بهل، ورجاء من الله بعسى، والله لا يستفهم ليعلم إنما يستفهم ليقرر حقيقة واقعة. كلمة (عسى) فعل يدل على الرجاء وبعدها الشيء المرجو، والرجاء يكون لأمر محبوب متوقع الحدوث وممكن الحدوث، على خلاف التمني فهو لشيء محبوب، لكن مستحيل أنْ يتحقق كقول الشاعر: شعر : ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخبرهُ بمَا فعَلَ المشِيبُ تفسير : أما الرجاء فتقول: عسى إنْ ذاكرتَ أنْ تنجح، لكن يختلف الرجاء باختلاف القائل والمقول له، فعندما أقول لك: اذهب إلى فلان عسى أن يقضي حاجتك، أو عساني أفعل لك شيئاً فالرجاء هنا في بشر، فإذا كان الرجاء في الله كان أقوى كأنْ تقول: عسى الله أن يغفر لي. فقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] لعلكم يحدث منكم هذا ويتوقع منكم، إذن: ظلوا على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تدخلوا من باب الذنوب والمعاصي. {إِن تَوَلَّيْتُمْ ..} [محمد: 22] أي: أعرضتم عن الإيمان، أو توليتم بعض المناصب كالرئاسة مثلاً تأتي لك بالمصيبة إليك. {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [محمد: 22] يعني: مع الخَلْق جميعاً {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ..} [محمد: 22] رقَّى المسألة إلى الأقارب والأرحام يعني: يتعدى فسادكم الناس جميعاً إلى الأقارب والأرحام. أو نقول: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ ..} [محمد: 22] ما الذي صرفكم عن الحق الذي جاء به محمد، ولماذا تضعون في طريقه العقبات؟، وأولها أنْ تسخروا منه، وأنْ تصفوه بما ليس فيه من قولكم: ساحر، وكاهن، وشاعر، وكذاب. ثم آذيتموه في نفسه بالسب وفي بدنه وفي أهله وفي أصحابه، بل بيَّتم له لتقتلوه، ما الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ هل ظننتم ورجوتم أنكم إذا فعلتُم ذلك تصبحون على حَلِّ شعوركم للإفساد في الأرض وقطع الأرحام. والحق سبحانه يريد أنْ يُعلمنا أن الرسل لا تتدخل ولا تأتي السماء بمنهج جديد إلا إذا عَمَّ الفسادُ المجتمع كله، لأن الفساد له مراحل: أولها: فساد النفس وهذا له رادع من النفس اللوّامة، وهي مناعة في النفس الإنسانية تعود بها إلى الجادة وتُقوِّم سلوكياتها. فإذا فسدتْ النفس وتلاشى دور النفس اللوامة جاء دور الرَّدْع من المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكُنْ رادع من المجتمع وعَمَّ الفساد الجميع هنا تتدخل السماء برسول جديد يأتى بمعجزة ليقنع الناس ليؤمنوا بما جاءهم به. فأنتم حين توليتم عن الدعوة وأعرضتم عنها ووضعتم في طريقها العراقيل تنتظرون أنْ تظلوا على الفساد الذي نشأتم عليه في الأرض عموماً أو في تقطيع الأرحام، لا فأنتم تجنون على أنفسكم، ألم تنظروا إلى مَنْ سبقكم من الآباء والأجداد أين ذهبوا، إن مصيركم كمصيرهم، فاحذروا {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [الزخرف: 66]. وقال: {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الزمر: 55-58] إذن: لماذا لا تعملون حساباً لهذا اليوم؟ والذين استشروا في الفساد ظنوا أنه ينفعهم، لكن الفساد في الكون يضر الجميع، فالذين ينهبون أموال الناس سيأتي مَنْ هو أقوى منهم وينهب أموالهم، فأنت إذن لست بمنجى عن أنْ يطولك الفساد وتكتوي بناره، لأن المجتمع مركب واحد يضم الجميع. ثم إن القيم ثابتة لا اختلاف عليها، فالخير خير حتى عند أهل الشر، والدليل على ذلك لو أن هناك صحبة من الأشرار، وأراد واحد منهم أنْ يتزوج أخت الآخر، فقال له: لا لا أزوجك أختي (أنا ملقتش غيرك أنت يا حرامي) إذن: القيم هي القيم. فالكذاب يحترم الصادق، والمنحرف يحترم المستقيم، وهكذا. إذن: الحق سبحانه يقول لهم لا تفسدوا في الأرض، وأحرصوا على إنهاء الإفساد في مجتمعكم، فإنْ كانت لكم الآن قوة تفرضون بها الفساد على الناس فسوف يأتي مَنْ هو أقوى منكم، ويفرض عليكم مثله وأكثر. وكلمة {تَوَلَّيْتُمْ ..} [محمد: 22] أي: أعرضتم تدل على أنهم سمعوا كلاماً لا يعجبهم، فلو أعجبهم لَسمعوا وما أعرضوا عنه، لكن كيف وهم يريدون الفساد الذي يحقق لهم شهواتهم، فالفساد سبقه تولٍّ وإعراض. لذلك يقول تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [العلق: 13] كذب لأن الكلام لا يوافق هواه، لا أنه لا يوافق الواقع، إذن: أنت مخطئ في هذه المسألة ومخطئ في تكذيبك. ثم نشأ عن هذا الخطأ خطأ آخر بأنْ توليت وظننتَ وتوقعت أنْ تظل على حالك في الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام. والإفساد في الأرض أنْ تجعل الصالح فيها غير صالح، لأن الخالق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح المطلق قبل أنْ يخلق الإنسان، إذن: عليك أنْ تزيد في صلاح الكون بما لديك من طموح للأفضل وللأرقى، أو أنْ تيسِّر الصلاح للناس، وإذا لم تزد في صلاح الكون فلا أقلَّ من أنْ تتركه على صلاحه لا تفسده. لذلك رأينا أن عورات المجتمع ظهرت بظهور الفساد في الأرض والملوِّثات في البيئة التي أفسدتْ الماء والهواء والطعام وكل شيء {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الروم: 41]. والحق سبحانه وتعالى حينما يحذرنا من الإفساد في الأرض إنما يريد منا أنْ يستطرق الخير في المجتمع كله ويعمّ الجميع. وقال بعدها: {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] لأن الإفساد في الأرض يكون عاماً لكل الناس أقارب وغير أقارب، فخصّ الأقارب لأنهم الأَوْلى بالمعروف والإحسان لا بالقطيعة والهجر، والأقارب إما ذكور وإما إناث، الذكور لهم قوة تحمل، أما النساء ففيهم ضعف وحاجة. لذلك كانت قطيعتهم أشدّ وأعظم عند الله. لذلك يصل المجتمع إلى قمة الفساد حين يصل الفساد إلى هذه المرحلة، مرحلة إهانة المرأة أو قطيعتها وهي من رحمك. وإذا رأيتَ المرأة في مجتمع مهيضة الجناح، أو وقع عليها ظلم أو تُركتْ لكسب العيش والسعي على المعيشة، فاعلم أن هناك خللاً في الأسرة، وأن الرجل فيها لا يقوم بدوره، أو قُلْ ليس عنده شهامة ولا نخوة، فترك زوجته للشقاء ولم يكْفها مؤنة لقمة العيش، لكن متى تخرج المرأة للعمل؟ وكيف تخرج؟ نجد الجواب في قصة سيدنا موسى مع ابنتيْ سيدنا شعيب عليهما السلام، اقرأ: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}تفسير : [القصص: 23]. إذن: علة الخروج أن أباهما سيدنا شعيب شيخ كبير لا يقدر على القيام بهذه المهمة، ثم لما اضطرتهما الظروف للخروج لم يتخليا عن الوقار والحشمة ولم يختلطا بالرجال {أية : لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ..}تفسير : [القصص: 23] يعني: حين ينصرف الرجال. ثم يأتي دور المهمة الإيمانية في المجتمع {أية : فَسَقَىٰ لَهُمَا ..}تفسير : [القصص: 24] لابد أن يوجد هذا النموذج الشهم في المجتمع، وأن يكون للرجولة دور، ذكرت لكم زمان لما سافرتُ للسعودية سنة خمسين، وفي يوم ركبتُ السيارة للذهاب إلى الكلية، وفجأة نزل السائق وأخذ طاولة عليها عجين من أمام أحد البيوت، فسألته: لماذا أخذته والباب مغلق؟ فقال: هذا العجين يعني أن صاحب البيت غير موجود، وعلى مَنْ يراه أنْ يأخذه ويخبزه ويعيده إلى مكانه. وقوله تعالى: {أَوْلَـٰئِكَ ..} [محمد: 23] أي: الذين ارتضوا التولِّي والإعراض عن دعوة الحق وتكذيب الداعي؛ ليفسدوا في الأرض ويقطعوا الأرحام. {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ..} [محمد: 23] يعني: طردهم من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، والذين يلعنهم الله تلعنهم كذلك الملائكة، ويلعنهم اللاعنون في كل زمان ومكان، ويلعنهم كل مَنْ شقي بفسادهم. {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23] هذه نتيجة طبيعية لمنْ لعنه الله أنْ يصم آذانهم عن سماع الحق ويُعمي أبصارهم عن رؤية الآيات فلا يتدبرونها. إذن: هم يسمعون ويبصرون، لكن لا يسمعون إلا الشر، ولا يرون إلا الباطل، فقد حجبهم الله عن كل خير، وفتح عليهم باب كل شرٍّ جزاء وفاقاً، لأنهم أغلقوا قلوبهم عن الحق وأحبوا الباطل فأعانهم الله عليه ويسَّر سُبله لهم.
الأندلسي
تفسير : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} التفات للذين في قلوبهم مرض أقبل بالخطاب إليهم على سبيل التوبيخ لهم وتوقيفهم على سوء مرتكبهم وعسى تقدم الخلاف في لغتها وفصل بين عسى وخبرها بالشرط وهو. {إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} لعدم معونة أهل الإِسلام على أعدائهم. {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} تقطعوا ما بينكم وبينهم من صلة الرحم. {أَوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى مرض القلوب. {فَأَصَمَّهُمْ} عن استماع الموعظة. {وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} عن طريق الهدى. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} أي يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة وهو استفهام توبيخ وتوقيف على مخازيهم. {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} إستعارة للذين منعهم الإِيمان وأم منقطعة بمعنى بل والهمزة للتقرير والتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يصل إليها ذكر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} قال ابن عباس وغيره نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم نافقت قلوبهم والآية تتناول كل من دخل في لفظها. {سَوَّلَ لَهُمْ} تقدم الكلام عليه في يوسف وسوّل لهم ركوب العظائم من السول وهو الاسترخاء. قال الزمخشري: وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً "انتهى". وهذا ليس بجيد لأنه توهم أن السول أصله الهمز فاختلفت المادتان إذ عين سول واد وعين السؤل همزة والسول له مادتان أحدهما الهمز من سأل يسأل والثانية: الواو من سال يسال فإِذا كان هكذا فسول يجوز أن يكون من ذوات الواو لا من ذوات الهمز. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} روي أن قوماً من قريظة والنضير كانوا يعدون المنافقين في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلاف عليه بنصرة ومؤازرة وذلك قولهم سنطيعهم في بعض الأمر أي في بعض ما تأمرون به أو في بعض الأمر الذي يهمكم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} قالوا ذلك سراً فيما بينهم فأفشاه الله تعالى عليهم. {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} الضمير على من تقدم ذكره من الكفار كيف استفهام وبعده مبتدأ محذوف وكيف خبره تقديره كيف حالهم إذا توفتهم والظاهر أن وقت التوفي هو عند الموت. وقال ابن عباس: لا يتوفى واحد على معصية إلا بضرب من الملائكة في وجهه وفي دبره والملائكة ملك الموت والمصرفون معه ويضربون حال من الملائكة. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} الآية إخراج أضغانهم وهو حقودهم إبرازها للرسول وللمؤمنين والظاهر أنها من رؤية البصر لعطف العرفان عليه وهو معرفة القلب وفي هاتين الجملتين تقريب لشهرتهم لكنه لم يعينهم بأسمائهم إبقاء عليهم وعلى قراباتهم. {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} كانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول عليه السلام مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح كقولهم: راعنا. {أَعْمَالَكُمْ} خطاب عام يشمل المؤمن والكافر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ناس من بني إسرائيل. {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} وتبين هداهم معرفتهم بالرسول عليه السلام من التوراة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} قيل نزلت في بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد آثرناك وجئناك بأنفسنا وأهلنا كأنهم منوا عليه بذلك فنزلت فيهم هذه الآية وقوله تعالى: {أية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ}تفسير : [الحجرات: 17] فعلى هذا يكون لا تبطلوا أعمالكم بالمن بالإِسلام والرياء والسمعة والشرك والنفاق. و{مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} عام والموجب لانتفاء الغفران وفاتهم على الكفر وقيل نزلت حديث : بسبب عدي بن حاتم رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه قال: وكانت له افعال بر فما حاله فقال: في النار فبكى عدي وولي فدعاه فقال له أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النارتفسير : فنزلت. {فَلاَ تَهِنُواْ} أي تضعفوا. {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} وهو الصلح. {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} أي الأغلبون. {وَلَن يَتِرَكُمْ} أي يعريكم من ثواب أعمالكم. {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} تحقير لأمر الدنيا أي فلا تهنوا في الجهاد وأخبر عنها بذلك. {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} أي ثواب أعمالكم من الإِيمان والتقوى. {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ} أي كثير من أموالكم إنما يسألكم ربع العشر فطيبوا أنفسكم. {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا} أي جميعها. {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ} كررها التنبيه توكيداً. {وَمَن يَبْخَلْ} أي بالصدقة وما أوجب الله عليه. {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي لا يتعدى ضرره لغيره. {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} مطلقاً. {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} مطلقاً لافتقاركم إلى ما تحتاجون إليه في الدنيا. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عطف على تؤمنوا وتتقوا أي وان تتولوا عن الإِيمان والتقوى. {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي يخلق قوماً سواكم راغبين في الإِيمان والتقوى غير متولين عنهما. {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} أي في الخلاف والتولي والبخل.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} [22] 517 -أنا محمدُ بن حاتم بن نُعيمٍ، أنا حبانُ، أنا عبدُ الله، عن معاوية بن أبي المُزرد، قال: سمعتُ عمي أبا الحُباب - سعيد بن يسارٍ - يُحدثُ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله عزَّ وجلَّ خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقهِ، قامت الرحمُ فقالت: هذا مكانُ العائذِ من القطيعةِ، قال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك قالت: بلى يا ربِّ، قال: فهو لكِ"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واقرؤُا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} [22-23] .
همام الصنعاني
تفسير : 2886- قال معمر: تلا قتادة: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ}: [الآية: 22]، قال: قد فعلوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):