Verse. 4570 (AR)

٤٧ - مُحَمَّد

47 - Muhammad (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ ارْتَدُّوْا عَلٰۗي اَدْبَارِہِمْ مِّنْۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَہُمُ الْہُدَى۝۰ۙ الشَّيْطٰنُ سَوَّلَ لَہُمْ۝۰ۭ وَاَمْلٰى لَہُمْ۝۲۵
Inna allatheena irtaddoo AAala adbarihim min baAAdi ma tabayyana lahumu alhuda alshshaytanu sawwala lahum waamla lahum

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين ارتدوا» بالنفاق «على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل» أي زيَّن «لهم وأَُملى لهم» بضم أوله وبفتحه واللام والمملي الشيطان بإرادته تعالى فهو المضل لهم.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه وارتدوا، أو إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن، وهم جماعة منعهم حب الرياسة عن اتباع محمد عليه السلام وكانوا يعلمون أنه الحق {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ } سهل لهم {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } يعني قالوا نعيش أياماً ثم نؤمن به، وقرىء {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من الله، فكيف يصح قراءة من قرأ {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } فإن المملي حينئذ يكون هو الشيطان نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: جاز أن يكون المراد {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } الله فيقف على {سَوَّلَ لَهُمْ } وثانيها: هو أن المسول أيضاً ليس هو الشيطان، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك، فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر تؤمنون، وقرىء {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } بفتح الياء وضم الهمزة على البناء للمفعول.

القرطبي

تفسير : قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بعدما عرفوا نعته عندهم؛ قاله ابن جريج. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون، قعدوا عن القتال بعدما علموه في القرآن. {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي زيّن لهم خطاياهم؛ قاله الحسن. {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي مدّ لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر؛ عن الحسن أيضاً. وقال: إن الذي أملى لهم في الأمل ومدّ في آجالهم هو الله عز وجل؛ قاله الفرّاء والمفضل. وقال الكَلْبيّ ومقاتل: إن معنى «أَمْلَى لَهُمْ» أمهلهم؛ فعلى هذا يكون الله تعالى أمْلَى لهم بالإمهال في عذابهم. وقرأ أبو عمرو وٱبن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة «وَأُمْلِي لَهُمْ» بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء؛ على ما لم يسمّ فاعله. وكذلك قرأ ابن هُرْمُز ومجاهد والجَحْدرِي ويعقوب، إلا أنهم سكّنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم؛ كأنه قال: وأنا أملي لهم. وٱختاره أبو حاتم، قال: لأن فتح الهمزة يُوهم أن الشيطان يملي لهم، وليس كذلك؛ فلهذا عدل إلى الضم. قال المهدويّ: ومن قرأ «وَأَمْلَى لَهُمْ» فالفاعل ٱسم الله تعالى. وقيل الشيطان. واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأن المعنى معلوم؛ لقوله: {أية : لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ} تفسير : [الفتح: 9] ردّ التسبيح على اسم الله، والتوقير والتعزيرَ على ٱسم الرسول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ } بالنفاق {عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَٰنُ سَوَّلَ } أي زيَّن {لَهُمْ وَأُمْلَى لَهُمْ } بضم أوّله، وبفتحه واللام والمملي الشيطان بإرادته تعالى، فهو المضل لهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ ارْتَدُّواْ} اليهود كفروا بمحمد بعد علمهم أنه نبي، أو المنافقون قعدوا عن الجهاد بعدما علموه في القرآن. {سَوَّلَ} أعطاهم سؤالهم، أو زين لهم خطاياهم {وَأَمْلَى لَهُمْ} أمهلهم الله بالعذاب، أو مدَّ لهم في الأمل، أو مدَّ الشيطان آمالهم بالتسويف.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِم...} الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غَابِرَ الدَّهْرِ، و{سَوَّلَ} معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم؛ أَنَّهُ بمعنَىٰ دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ {سَوَّلَ} أي: زَيَّنَ سُوءَ الفعل. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ...} الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ؛ فذلك قولهم: {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلأَمْرِ} وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» ـــ بفتح الهمزة ـــ، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص: «إسْرَارَهُمْ» ـــ بكسرها ـــ. وقوله سبحانه: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في {يَضْرِبُونَ} للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، و{مَا * أَسْخَطَ ٱللَّهَ}: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان. وقوله سبحانه: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ...} الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عباس: «أَضْغَانَهُمْ» حَسَدَهُمْ، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} قال: هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم ويجدونه مكتوباً في التوراة والإِنجيل، ثم يكفرون به {الشيطان سوّل لهم} قال: زين لهم {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} قال: هم المنافقون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} قال: اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي، {الشيطان سوّل لهم وأملى لهم} قال: أملى الله لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله قال: يهود تقول للمنافقين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يسرون إليهم إنا {سنطيعكم في بعض الأمر} وكان بعض الأمر أنهم يعلمون أن محمداً نبي وقالوا اليهودية الدين فكان المنافقون يطيعون اليهود بما أمرتهم {والله يعلم إسرارهم} قال: ذلك سر القول {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} قال: عند الموت. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {إن الذين ارتدوا على أدبارهم . . . إلى إسرارهم} هم أهل النفاق. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {يضربون وجوههم وأدبارهم} قال: يضربون وجوههم وأستاهم، ولكن الله كريم يكني.

القشيري

تفسير : الذي يطلع فجرُ قلبه، ويتلألأ نورُ التوحيد فيه، ثم قَبْلَ متوع نهارِ إيمانه انكسفت شمسُ يومهِ، وأظلم نهارُ عرفانه، ودَجا ليلُ شَكِّه، وغابت نجومُ عقله... فحدِّث عن ظُلُماتِه...! ولا حرج!. ذلك جزاؤهم على ممالأتهم مع المنافقين، وتظاهرهم... فإذا تَوَفَّتْهُم الملائكةُ تتصل آلامُهم، ولا تنقطع بعد ذلك عقوباتُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين ارتدوا على ادبارهم} الارتداد والردة الرجوع فى الطريق الذى جاء منه لكن الردة تختص بالكفر والارتداد يستعمل فيه وفى غيره والادبار جمع دبر ودبر الشئ خلاف القبل وكنى بهما عن العضوين المخصوصين والمعنى ان الذين رجعوا الى ما كانو عليه من الكفر وهم المنافقون الموصوفون بمرض القلوب وغيره من قبائح الافعال والاحوال فانهم قد كفروا به عليه السلام {من بعد ما تبين لهم الهدى} بالدلائل الظاهرة والمعجزات القاهرة {الشيطان سول لهم} جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرا لان اى سهل لهم ركوب العظائم من السول وهو الاسترخاء. وقال الراغب السول الحاجة التى تحرص عليها النفس والتسويل تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح منه بصورة الحسن {وأملى لهم} وأمد لهم فى الامانى والآمال وقيل امهلهم الله ولم يعاجلهم بالعقوبة. قال الراغب الاملاء الامداد ومنه قيل للمدة الطويلة ملاوة من الدهر وملوة من الدهر

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الذين ارتَدُّوا على أدبارهم} أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وُصفوا قبلُ بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم {من بعد ما تبيّن لهم الهُدى} بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابيْن جميعاً، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: {الشيطانُ سوَّل لهم} الجملة: خبر "إن" أي: الشيطان زيَّن لهم ذلك، أو: سهَّل لهم ركوب العظائم، من: السّول، وهو الاسترخاء، أي: أَرْخى العنانَ لهم، حتى جرَّهم إلى مراده، {وأَمْلَى لهم} ومدَّ لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: "وأُمْليَ" بالبناء للمفعول، أي: أُمهلوا ومُدَّ في عُمرهم. {ذلك بأنهم قالوا للذين كَرِهوا ما نزّل اللّهُ} الإشارة إلى ما ذُكر من ارتدادِهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئاً منهما سبباً في القول الآتي؛ أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نَزَّل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسداً وطمعاً في نزوله عليهم: {سنُطيعكم في بعض الأمر} أي: عداوة محمد والقعود عن نصْرِ دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قِبَلهِ عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:{أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ...}تفسير : [الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يُوالونهم ويُوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرّاً، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {والله يعلم أسرارهم} أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءَهم لما يقولون لليهود. {فكيف} تكون حيلتهم وما يصنعون {إِذا توفتهم الملائكةُ} حال كونهم {يضربون وجوهَهم وأدبارَهم} وهو تصوير لحال توفيهم على أَهْولَ الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: "لا يتوفى أحدٌ على معصية إلا تضرب الملائكة وجهَهُ ودُبره". {ذلك} التوفِّي الهائل {بأنهم} بسبب أنهم {اتبعوا ما أسخط اللّهَ} من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، {وكَرِهُوا رضوانه} من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، {فأَحْبَط} لأجل ذلك {أعمالَهم} التي عمِلوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر. {أَمْ حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ} هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، {أن لن يُخرج اللّهُ أضغانهم} أحقادهم، فـ"أَمْ" منقطعة، و"أن" مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حِقد وعداوة أنه لن يُخرج اللّهُ أحقادهم، ولن يُبرزَها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورَهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال. {ولو نشاء لأريناكهم} ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفةً مزاحِمةً للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:"حديث : إن منكم منافقين، فمَن سميتُ فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين"تفسير : انظر الطيبي. {فَلعَرفتَهم بسِيماهم} بعلامتهم التي نَسِمُهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خَفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين؛ كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشْكُرهم الناس؛ فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق" قال ابن زيد: قصد الله إظهارَهم، وأمرَهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسّكوا بلا إله إلا الله، فحُقِنت دماءهم، ونَكحوا ونُكح منهم بها. {ولَتعرِفَنَّهم} أي: والله لتعرفنهم {في لحن القول} أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال؛ لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:{أية : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ...}تفسير : [البقرة: 204] الآية، مَن في قلبه شيءٌ لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: "ما كمَن فيك ظَهَرَ على فِيك". وهذه الجُمل كلها داخِلة تحت "لَوْ" معلقةً بالمشيئة، واللحن يُطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لَحِنَ يلْحَنُ لَحْناً، كفرِح، فهو لَحِنٌ، إذا فطنَ للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ولعل بعضَكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" أي: لقُوتهِ على تصريف الكلام. والفعلُ من الخطأ: لَحَنَ يلحَنُ لحْناً، كجعل، فهو لاَحِنٌ إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. {والله يعلم أعمالَكم} فيُجازيكم بحسب قصدكم؛ إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذانٌ بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميزُ خيرَها من شرها. الإشارة: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} أي: رَجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرارُ خصوصيتهم؛ الشيطانُ سوَّل لهم وأَمْلَى لهم، وتقدّم عن القشيري: أنه يتخلّف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألفُ عارف، بل من كمال المكر به أن يُلقي شَبَهَه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه؛ لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين مُحيت صورته، ورُفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران. وقال هنا: الذي طلع فَجرُ قلبه وتلألأ نورُ التوحيد فيه، ثم ارتدّ قبل طلوع نهار إيمانه؛ انكسفَ شمسُ يومه، وأظلم نهارُ عرفانه، ودَجا ليل شَكِّه، وغابت نجومُ عقله، فحدَّث عن ظلماتهم ولا حرج. هـ. ولا سيما إذا تحزّب مع العامة في الإذايَة، وقال للذين كرهوا ما نَزّل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنُطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} أي: عداوةٌ لأولياء الله أن لن يُخرج اللّهُ أضغانهم؟ بل يُخرجها ويُظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام؛ لأن الأسِرَّة تدلُّ على السريرة، وما خامر القلوبَ فعلى الوجوه يلوحُ، وأنشدوا في المعنى: شعر : لَستُ مَنْ لَيْس يَدْرِي مَا هوانٌ مِن كَرَامه إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبَغْضِ عَلَى الْوَجْهِ عَلاَمه تفسير : المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارفُ ينظر بعين التحقيق، والموحِّدُ ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. هـ. من القشيري. ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} شبّه السّالك على طريق الدّين بمن سلك طريقاً، والرّاجع عن الدّين بمن ارتدّ عن الطّريق على دَبْره وهذا حال المسلمين الّذين أسلموا بمحمّدٍ (ص) ثمّ خالفوه فى أوامره {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} بقول الله وقول رسوله والمراد بالهدى الولاية وطريقها وقد بيّنها الله تعالى فى عدّة آياتٍ وبيّنها رسول الله (ص) فى عدّة مواضع، وقد ورد فى خبرٍ انّه (ص) اخذ البيعة منهم فى عشرة مواطن وفى خبرٍ آخر: اخذ البيعة عنهم يوم الغدير ثلاث مرّاتٍ {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} امليت له فى غيّه اطلت، والبعير وسعت له فى قيده، واملى الله له امهله.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِم} رجعوا القهقرى كفاراً. قال قتادة: (نزلت في قوم من اليهود وعن بعض عنه انهم كفار أهل الكتاب كفروا به صلى الله عليه وسلم من بعد ما عرفوه بنعته في كتابهم). وقال ابن عباس والضحاك والسدي هم المنافقون آمنوا ثم أشركوا وعن بعض عن ابن عباس أسلموا ثم نافقت قلوبهم والآية تعم كل من في ضمن لفظها* {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} بالنبي والقرآن والمعجزات {الشَّيْطَانُ} بحذف ألف الهدى للساكنين واتصال الدال بالشين وذلك لفظاً لا خطاً {سَوَّلَ لَهُمْ} زين القبيح حتى رأوه حسناً أو سهل لهم ركوب العظام واسترخاهم ودلاهم اليها وقيل سولهم رجاءهم قال الزمخشري: واشتقه من السؤال من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً ووجهه أن السول مهموز قلبت همزته لضم ما قبلها وليس التسويل كذلك وأجيب بقولهم هما يتساولان وقرئ (سول لهم) بالاسم على حذف مضاف أي (ذو سول لهم) أو كيد الشيطان {سَوَّلَ لَهُم}* {وَأَمْلَى لَهُمْ} مد في عمرهم واسناد الاملاء للشيطان لانه مقدر على لسانه ووسوسته يزين لهم القبيح ويقول في آجالهم فسحة فتمتعوا بدنياكم وتموتون الى غير عذاب والذي مد لهم في عمرهم حقيقة هو الله كذا قيل قلت ليس المراد ان عمرهم أطيلت بل الشيطان يمنيهم بطولها وقرئ (أملى لهم) بالبناء للمفعول والفاعل الشيطان ويكون اسناد الاملاء حقيقة على القراءتين ويجوز عود الضمير الفاعل لله بمعنى لم يعاجلهم بالعقوبة ويدل له قراءة يعقوب {وَأَمْلَى لَهُم} بهمزة المتكلم و واو الحال أو الاستئناف وانما تكون حالية على تقدير المبتدأ أي (وأنا أملى لهم) والنائب على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة أبي عمرو وهو لهم ولا يجوز أن يكون ضمير الشأن لانه لا بد من تفسيره بجملة

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذين ارتدُّوا} ردهم الشيطان وأنفسهم الى الشرك والمعاصى، فطاوعوا ورجعوا الى ما كانوا عليه كما قال: {عَلى أدبارهم} فان الشرك والمعصية مما يستخبث ويعرض عنه، ويلقى وراء الظهر {مِنْ بَعْد ما تبيَّن لَهُم الهدى} بالقرآن وسائر المعجزات، قال ابن عباس، والضحاك والسدى: نزلت فى قوم أسلموا بلا نفاق، ثم نافقت قلوبهم، ولو كانوا من أول على النفاق لم يطلق عليهم الارتداد، ولا يقال ارتدوا الى الاظهار، لأنهم لا يظهرون، بل ينافقون الا فيما بينهم، وقال بعض العلماء: المراد المنافقون الموصوفون بمرض القلوب، وقبائح الأحوال فيما مر، ولا ينبغى قول عالم فى التفسير، والرواية عن ابن عباس اذا صحت الا لدليل قوى، وقد سمى ترجمان القرآن. وعن قتادة: المراد اليهود والنصارى، ارتدوا عن الايمان بآيات التوراة والانجيل المثبتة لرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بعد ارساله، وعن ابن جريج: المراد اليهود، ارتدوا بعد رسالته صلى الله عليه وسلم بما آمنوا به قبلها من آيات التوراة الدالة عليها، ويحتمل إرادة المنافقين واليهود والنصارى، والمتبادر الأول، قلت أو المراد كل مشرك أدرك الحق، وكفر عنادا فادراكه كالايمان، والاعراض عما أدرك كالردة. {الشيطان سوَّل لَهُم} الشيطان جنس الشياطين أو ابليس، لأن كل ما فعل الشياطين فقد ارتضاه وأمرهم به فى الإجمال، وسول من السول بفتح السين والواو مصحا معتلا غير معل، وهو التسهيل، وأصله الاسترخاء، استعير للتسهيل والتشديد لتعدية، أى عدة لهم سهلا لا يبالى به، وقيل: من السول بمعنى التمنى، أى حملهم على سولهم أى متمناهم، فالتشديد للحمل على معنى المصدر، مثل غربه اذا حمله على الغربة، وهو من معانى فعل بالشد كما بسطته فى شرح لامية الأفعال، وحملوا السول على معنى المسئول، ولا يعترض بأن السول بمعنى التمنى مهموز لأنا نقول: أخذ منه سول بالشد على لفظه من قلب الهمزة فيه واوا للين المشهور فيه، وهو ابقاء الهمزة، بل قد يقال من المهموز المسهل الهمزة الى الواو حققت الواو تخفيفا، والتزم ذلك كما يلتزم القلب، ويلغى الأصل فى الألفاظ مقصورة على السماع كتدير بمعنى اتخذ دارا أخذ من لفظ ديار جمع دار، وألف دار عن واو، وتحيز أخذا من الحيز ومن الحوز واوى العين، وقد سمع يتساولان بالواو، بمعنى كل واحد يتمنى من الآخر، وما تقدم أولى لخلوه عن التكلف. {وأمْلَى لَهُم} بسط الشيطان لهم فى تمنى كثرة ما يشتهون، وطول البقاء فيه مدة طويلة، وأصل الاملاء الابقاء ملاوة أى مدة من الدهر، والمراد طيلة، وقيل: وعدهم بالبقاء الطويل، وعلى كل حال شغل بذلك قلوبهم عن الايمان بجوارحهم عن العمل، وسمى ذلك املاء أى تأخيرا على التجوز، والمملى حقيقة هو الله تعالى، وقيل: الضمير لله، وفيه تفكيك الضمائر، ولكن يتقوى بقراءة الأعمش بضم الهمزة وكسر اللام بعده ياء ساكنة، وأصلها الفتح وهو فعل مضارع، وهو الله تعالى بهمزة التكلم بمعنى الامهال لهم، وقد يقال: بأنه ماض مبنى للمفعول، سكن آخره تخفيفا، كما يقال فى رضى بفتح الياء رضى بفتح الياء رضى بإسكانها، ويناسبه قراءة أبى عمرو وغيره بالبناء المفعول مفتوح الياء، والمملى الشيطان، أو الله عز وجل، على ما مر من التفسير، ويجوز أن يكون أمهل الله لهم الشيطان بجعله من المنظرين.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ } أي رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، قال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم نافقت قلوبهم، وفي «إرشاد العقل السليم» هم المنافقون الذين وصفوا فيما سلف بمرض القلوب وغيره من قبائح الأحوال فإنهم قد كفروا به عليه الصلاة والسلام {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } بالدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة القاهرة. وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن قتادة أنه قال: هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب يعرفون بعث النبـي صلى الله عليه وسلم ويجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل ثم يكفرون به عليه الصلاة والسلام. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ } الخ اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبـي، والمختار ما تقدم، وأياً ما كان فالموصول اسم (إن) وجملة قوله تعالى: {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ } خبرها كقولك: إن زيداً عمرو مَرَّ به أي سهل لهم ركوب العظائم من السَّوَل بفتحتين وهو الاسترخاء استعير للتسهيل أي لعده سهلاً هيناً حتى لا يبالي به كأنه شبه بإرخاء ما كان مشدوداً، وقيل: أي حملهم على الشهوات من السول وهو التمني، وأصله حملهم على سؤلهم أي ما يشتهونه ويتمنونه فالتفعيل للحمل على المصدر كغربه إذا حمله على الغربة إلا أنهم جعلوا المصدر بمعنى اسم المفعول، ونقل ذلك عن ابن السكيت. واعترض بأن السول بمعنى التمني من السؤال فهو مهموز والتسويل واوي ومعناه التزيين فلا مناسبة لا لفظاً ولا معنى فالقول باشتقاق سول منه خطأ، ورد بأن السول من السؤال وله استعمالان فيكون مهموزاً وهو المعروف ومعتلاً يقال سال يسال كخاف يخاف وقالوا منه: يتساولان بالواو فيجوز كون التسويل من السول على هذه اللغة أو هو على المشهورة خفف بقلب الهمزة ثم التزم، ونظيره تدير من الدار لاستمرار / القلب في ديار وكذلك تحيز لاستمرار القلب في حيز ويكون مآل المعنى على هذا حملهم على الشهوات. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {سَوَّلَ لَهُمْ } مبنياً للمفعول وخرج ذلك على تقدير مضاف أي كيد الشيطان سول لهم، وجوز تقديره سول كيده لهم فحذف وقام الضمير المجرور مقامه فارتفع واستتر، قيل: وهو أولى لأنه تقدير في وقت الحاجة ولا يخفى أن الأول أقل تكلفاً. {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي ومد لهم الشيطان في الأماني والآمال، ومعنى المد فيها توسيعها وجعلها ممدودة بنفسها أو بزمانها بأن يوسوس لهم بأنكم تنالون في الدنيا كذا وكذا مما لا أصل لهم حتى يعوقهم عن العمل. وأصل الإملاء الإبقاء ملاوة من الدهر أي برهة، ومنه قيل: المعنى وعدهم بالبقاء الطويل، وجعل بعضهم فاعل {أملى} ضميره تعالى، والمعنى أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة؛ وفيه تفكيك لكن أيد بقراءة مجاهد وابن هرمز والأعمش وسلام ويعقوب {وَأملي} بهمزة المتكلم مضارع أملى فإن الفاعل حينئذٍ ضميره تعالى على الظاهر والأصل توافق القراءتين، وجوز أن يكون ماضياً مجهولاً من المزيد سكن آخره للتخفيف كما قالوا في بقي بقي بسكون الياء. وعلى الظاهر جوز أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للحال ويقدر مبتدأ بعدها أي وأنا أملي لئلا يكون شاذاً كقمت وأصك وجهه، وجوزت الحالية في قراءة الجمهور أيضاً على جعل الفاعل ضميره تعالى فحينئذٍ تقدر قد على المشهور. وقرأ ابن سيرين والجحدري وشيبة وأبو عمرو وعيسى {وأملى} بالبناء للمفعول ـ فلهم ـ نائب الفاعل أي أمهلوا ومد في أعمارهم، وجوز أن يكون ضمير {ٱلشَّيْطَـٰنُ} والمعنى أمهل الشيطان لهم أي جعل من المنظرين إلى يوم القيامة لأجلهم ففيه بيان لاستمرار ضلالهم وتقبيح حالهم.

ابن عاشور

تفسير : لم يزل الكلام على المنافقين فالذين ارتدوا على أدبارهم منافقون، فيجوز أن يكون مراداً به قوم من أهل النفاق كانوا قد آمنوا حقا ثم رجعوا إلى الكفر لأنهم كانوا ضعفاء الإيمان قليلي الاطمئنان وهم الذين مثلهم الله في سورة البقرة (17) بقوله: {أية : مَثَلهم كمثل الذين استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم}تفسير : الآية. والارتداد على الأدبار على هذا الوجه: تمثيل للراجع إلى الكفر بعد لإيمان بحال من سار ليصل إلى مكان ثم ارتد في طريقه. ولما كان الارتداد سيراً إلى الجهة التي كانت وراء السائر جُعل الارتداد إلى الأدبار، أي إلى جهة الأدبار. وجيء بحرف {على} للدلالة على أن الارتداد متمكن من جهة الأدبار كما يقال: على صراط مستقيم. والهدى: الإيمان، وتبيّن الهدى لهم على هذا الوجه تبيّن حقيقي لأنهم ما آمنوا إلا بعد أن تبين لهم هدى الإيمان. وعلى هذا الوجه فالإتيان بالموصول والصلة ليس إظهاراً في مقام الإضمار لأن أصحاب هذه الصلة بعض الذين كان الحديث عنهم فيما تقدم. ويجوز أن يكون مراداً به جميعُ المنافقين، عبر عن تصميمهم على الكفر بعد مشاركتهم المسلمين في أحوالهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة معه وسماعِ القرآن والمواعظ بالارتداد لأنه مفارقة لتلك الأحوال الطيبة، أي رجعوا إلى أقوال الكفر وأعماله وذلك إذا خلوا إلى شياطينهم، وتبين الهدى على هذا الوجه كونه بيّناً في نفسه، وهو بيّن لهم لوضوح أدلته ولا غبار عليه، فهذا التبين من قبيل قوله تعالى: {أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 2]، أي ليس معه ما يوجب ريب المرتابين. ويجوز أن يكون المراد به قوماً من المنافقين لم يقاتلوا مع المسلمين بعد أن علموا أن القتال حق. وهذا قول ابن عباس والضحاك والسدّي، وعليه فلعل المراد: الجماعة الذين انخزلوا يوم أُحُد مع عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، والارتداد على الأدْبار على هذا الوجه حقيقة لأنهم رجعوا عن موقع القتال بعد أن نزلوا به فرجعوا إلى المدينة وكانت المدينة خلفهم. وهذا عندي أظهر الوجهين وأليق بقوله بعد {أية : ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزّل الله سنطيعكم في بعض الأمر} تفسير : [محمد: 26] إلى قوله: {أية : وأدبارهم}تفسير : [محمد: 27]. والهدى على هذا الوجه هو الحقّ، أي من بعد ما علموا أن الحق قتال المشركين. وأوثر أن يكون خبر (إنَّ) جملة ليتاتَّى بالجملة اشتمالها على خصائص الابتداءِ باسم الشيطان للاهتمام به في غرض ذمهم، وأن يسند إلى اسمه مُسند فعلي ليفيد تقوّي الحكم نحو: هو يعطي الجزيل. والتسويل: تسهيل الأمر الذي يستشعر منه صعوبة أو ضر وتزيين ما ليس بحسن. والإملاء: المدّ والتمديد في الزمان، ويطلق على الإبقاء على الشيء كثيراً، أي أراهم الارتداد حسناً دائماً كما حكى عنه في قوله تعالى: {أية : قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخُلد ومُلك لا يبلى}تفسير : [طه: 120]، أي أن ارتدادهم من عمل الشيطان. وقرأ الجمهور {وأملى لهم} بفتح الهمزة على صيغة المبني للفاعل. وقرأه أبو عمرو بضم الهمزة وكسر اللام وفتح التحتية على صيغة المبني إلى المجهول. وقرأه يعقوب بضم الهمزة وكسر اللام وسكون التحتية على أنه مسند إلى المتكلم فالضمير عائد إلى الله تعالى، أي الشيطان سَوّل لهم وأنا أُملِي لهم فيكون الكلام وعيداً، أي أنا أؤخرهم قليلاً ثم أعاقبهم.

الشنقيطي

تفسير : الظاهر أن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، قوم كفروا بعد إيمانهم. وقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم،فلما بعث وتحققوا أنه هو النبي الموصوف في كتبهم كفروا به. وعلى هذا القول فارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به بعد أن عرفوه وتيقنوه، وعلى هذا فالهدى الذي تبين لهم هو صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ومعرفته بالعلامات الموجودة في كتبهم. وعلى هذا القول فهذه الآية يوضحها قوله تعالى في سورة البقرة:{أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89] لأن قوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ}تفسير : مبين معنى قوله: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى}، وقوله {كَفَرُواْ بِهِ} مبين معنى قوله: {ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ}. وقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سبب ارتداء هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم كما قال تعالى مشيراً إلى علة ذلك {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُم} أي زين لهم الكفر والارتداد عن الدين، وأملى لهم أي مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر. قال الزمخشري: سول سهل لهم ركوب العظائم من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً. وأملى لهم ومد لهم في الآمال والأماني. انتهى. وإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ومناهم بطول الأعمار. لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي. وفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان: قرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وأملى لهم بفتح الهمزة واللام بعدها ألف وهو فعل ماض مبني للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الشيطان. وأصل الإملاء الإمهال والمد في الأجل، ومنه قوله تعالى:{أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [الأعراف: 183]، وقوله تعالى:{أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}تفسير : [آل عمران: 178] الآية. ومعنى إملاء الشيطان لهم وعده إياهم بطول الأعمار، كما قال تعالى: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}تفسير : [النساء: 120]. وقال تعالى:{أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}تفسير : [الإسراء: 64] إلى قولك {أية : وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}تفسير : [الإسراء: 64]. وقال بعض العماء: ضمير الفاعل في قوله {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} على قراءة الجمهور راجع إلى الله تعالى. والمعنى: الشيطان {سَوَّلَ لَهُمْ} أي سهل لهم الكفر والمعاصي، وزين ذلك وحسنه لهم، والله جل وعلا أملى لهم: أي أمهلهم إمهال استدراج. وكون التسويل من الشيطان والإمهال من الله، قد تشهد لهم آيات من كتاب الله كقوله تعالى في تزيين الشيطان لهم {أية : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 48] الآية. وقوله تعالى،{أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [النحل: 63]، وقوله تعالى:{أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 22] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله تعالى في إملاء الله لهم استدراجاً:{أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [الأعراف: 182-183]. وقوله تعالى:{أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [آل عمران: 178] وقوله تعالى:{أية : قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً}تفسير : [مريم: 75] وقوله تعالى {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 44] وقوله تعالى:{أية : ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [الأعراف: 95]. وقوله تعالى {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 55-56] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وحده من السبعة وأملي لهم بضم الهمزة وكسر اللام بعدها ياء مفتوحة بصيغة الماضي المبني للمفعول والفاعل المحذوف فيه الوجهان المذكوران آنفاً في فاعل، وأملي لهم على قراءة الجمهور بالبناء للفاعل. وقد ذكرنا قريباً ما يشهد لكل منهما من القرآن كقوله تعالى في إملاء الشيطان لهم {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}تفسير : [النساء: 120] وقوله في إملاء الله لهم:{أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [الأعراف: 183] كما تقدم قريباً، والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ} راجعة إلى قوله تعالى، {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}. أي ذلك التسويل والإملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم {قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْر}. وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون. والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك {أية : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 27-28]. وقد قدمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 10] وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك. وبينا في سورة الشورى أيضاً شدة كراهة الكفار لما نزل الله، وبينا ذلك بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}تفسير : [الشورى: 13]. وقد قدمنا مراراً أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة والله يعلم {إِسْرَارَهُمْ} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم أسرارهم بفتح الهمزة جمع سر. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إسرارهم بكسر الهمزة مصدر أسر كقوله: {أية : وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً}تفسير : [نوح: 9] وقد قالوا لهم ذلك سراً فأفشاه الله للعالم بكل ما يسرون وما يعلنون. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي: فكيف يكون حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة؟ أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة، يتوفون الكفار وهم يضربون وجوههم وأدبارهم جاء موضحاً في موضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في الأنفال:{أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 50] وقوله في الأنعام:{أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونَ}تفسير : [الأنعام: 93] الآية. فقوله: {بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} أي بالضرب المذكور. والإشارة في قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ} راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي أعني قوله {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ}. أي ذلك الضرب وقت الموت واقع بسبب {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ} أي أغضبه من الكفر به، وطاعة الكفار الكارهين لما نزله. والإسخاط استجلاب السخط، وهو الغضب هنا. وقوله: وكرهوا رضوانه لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله. لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزمت كراهة ما نزل، كراهة رضوانه لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه، فهو ككارهه. وقوله: فأحبط أعمالهم أي أبطلها، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. وقد أوضحنا المقام في ذلك إيضاحاً تاماً في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإسراء:19]. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}تفسير : [النحل: 97] الآية. واعلم أن هذه الآية الكريمة، قد قال بعض العلماء: إنها نزلت في المنافقين. وقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وأن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، وهو عداوة النبي صلى الله عليه وسلم والتعويق عن الجهاد ونحو ذلك. وبعضهم يقول: إن الذين اتبعوا ما أسخط الله، هم اليهود حين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما عرفوه، وكرهوا رضوانه، وهو الإيمان به صلى الله عليه وسلم. والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله. مسألة اعلم أن كل مسلم، يدب عليه في هذا الزمان، تأمل هذه الآيات، من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد. لأن كثيراً ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد. لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي صلى الله عليه وسلم من السنن. فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية. وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في الأمر كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم من تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم. فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَدْبَارِهِمْ} {ٱلشَّيْطَانُ } (25) - إنَّ الذِينَ ارتَدُّوا عَنِ الإِيمانِ، وَرَجَعُوا إلى مَا كَانُوا عليهِ من الكُفْرِ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَينَّ لَهُمُ الحَقُّ، والهُدَى، والإِيمانُ، الشَّيطَانُ هو الذي زيَّن لَهُم ذَلِكَ، وَحَسَّنَه في أعْيُنِهم، وَمَدَّ لَهُمْ في الآمَالِ الكَاذِبةِ، وَوَسْوَسَ لَهُم أنَّ الحَيَاةَ لَذِيذَةٌ حُلْوةٌ يَسْتَطِيعُونَ التَّمَتَّعَ بِها، ثُمَ يتُوبُونَ وَيَعُودُونَ إلى التَّقْوى وَالإِخلاصِ في الإِيمانِ. سَوَّلَ لَهُمْ - زَيَّنَ لَهُم وَحَسَّنَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ. أمْلَى لَهُمْ - مَدَّ لَهُمْ في الأمَانِي البَاطِلَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحديث هنا عن المنافقين، وقد بيَّنا أن النفاق لم يظهر في مكة رغم عدائها للدين، لكنه ظهر في المدينة التي احتضنته، ومنها انطلق للعالم كله، والسبب في ذلك أن الضعيف لا يُنَافَق إنما يُنَافَق القوي، فلما قوي المسلمون في المدينة وُجد بينهم النفاق. يقول تعالى عنهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ ..} [محمد: 25] يعني: كانوا مؤمنين باللسان إنما قلوبهم ليستْ مؤمنة {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ..} [محمد: 25] ظهر لهم الحق والرشاد والصراط المستقيم الذي جاء به محمد. {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ..} [محمد: 25] سول لهم يعني: هيأ لهم وزيَّن لهم وحسن في نظرهم هذا المسلك المنحرف عن الحق فسوَّل بمعنى وسوس، كما قال تعالى حكاية عنه: {أية : قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16] وقال: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82]. ثم يلزم حدوده فيقول {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83] فهؤلاء لا سلطان لي عليهم ولا مدخل لي إليهم. والعجيب أن يكشف إبليس عن خططه في الإغواء، فيقول: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16] يعني: في طريق الطاعة ليفسدها عليك، لذلك قلنا: الشيطان يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة. وقال: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..}تفسير : [الأعراف: 17] من كل ناحية، وبأيّ شكل ومن أيّ باب يجد فيه ضعفاً منك يأتيك من باب المال وحب التملك، أو من باب النساء، أو من باب الشهرة وحب الظهور .. إلخ فلكل واحد من الناس مفتاح يدخل إليه من خلاله. ومن رحمة الله بنا أن علَّمنا كيف نتحصّن منه، فقال تعالى: {أية : وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [الأعراف: 200] لأنك لا تقدر على ردِّه بنفسك فاستعن عليه بمَنْ خلقه، فإذا استعذت بالله منه خنس وتضاءل، لذلك سماه الوسواس الخناس. أما إنْ حاولت ردّه عنك بنفسك فإن المعركة بينكما ستطول، لأنه أقوى منك وصاحب خبرة في الغواية والإضلال يُلوّن لك الوسائل ويلف حولك الحبال من حيث لا تدري حتى يُوقعك في مصائده. ومن غباء الشيطان أنْ يكشف لنا خططه في الإغواء، فالذي يدبر لك خطة ليوقعك بها لا يكشف عنها، لكنه أراد من ذلك أنْ يقيم الحجة على كل مَنْ طاوعه وسمع كلامه، لذلك سيقول بعد ذلك: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22]. والإنسان يستطيع أن يعرف مصدر الوسوسة، أهي من نفسه أم من الشيطان؟ فالشيطان يريدك عاصياً على أيّ لون وبأيِّ طريقة، فإذا لم يفلح معك من باب المال جاءك من باب الشهرة، فإنْ لم يفلح جاءك من باب النساء، وهكذا حتى يوقعك. أما النفس فلها شهوة بعينها تقف بك عندها وتلح عليك. ثم تلاحظ أن الشيطان - كما قال - يأتيك من كل اتجاه إلا من جهتين، هما أعلى وأسفل، لماذا؟ قالوا: لأنهما يمثلان العلاقة بين العبد وربه، حيث سمو الألوهية حيث يتجه بنظره إلى أعلى وذل العبودية حين يسجد واضعاً جبهته على الأرض اعترافاً لربه بالعبودية، لذلك لا يأتي من ناحيتهما الشيطان. وقوله: {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 25] أمهلهم وأمد لهم الأماني ليستمروا في ضلالهم ويتمادوا في شهواتهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ ..} [محمد: 26] هم اليهود: بنو النضير وبنو قريظة {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ ..} [محمد: 26] أي: نؤيدكم ونساندكم في بعض الأمور التي تعرقل مسيرة دعوة محمد. وفي آية أخرى بيَّن الحق سبحانه ما أبهمه في كلمة (بعض الأمر) حيث قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}تفسير : [الحشر: 11-12]. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 26] أي: ما يُسرون وما يُخْفُون من الكيد للإسلام، وما دام أن الله يعلم ذلك فسوف يبطله.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَوَّلَ لَهُمْ} معناه زُيّنَ لَهُمْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حالة المرتدين عن الهدى والإيمان على أعقابهم إلى الضلال والكفران، ذلك لا عن دليل دلهم ولا برهان، وإنما هو تسويل من عدوهم الشيطان وتزيين لهم، وإملاء منه لهم: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا }. تفسير : وذلك أنهم قد تبين لهم الهدى، فزهدوا فيه ورفضوه، و { قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ } من المبارزين العداوة لله ولرسوله { سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ } أي: الذي يوافق أهواءهم، فلذلك عاقبهم الله بالضلال، والإقامة على ما يوصلهم إلى الشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } فلذلك فضحهم، وبينها لعباده المؤمنين، لئلا يغتروا بها. { فَكَيْفَ } ترى حالهم الشنيعة، ورؤيتهم الفظيعة { إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَة } الموكلون بقبض أرواحهم، { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } بالمقامع الشديدة؟!. { ذَلِكَ } العذاب الذي استحقوه ونالوه { بـ } سبب { أنهم اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ } من كل كفر وفسوق وعصيان. { وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ } فلم يكن لهم رغبة فيما يقربهم إليه، ولا يدنيهم منه، { فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } أي: أبطلها وأذهبها، وهذا بخلاف من اتبع ما يرضي الله وكره سخطه، فإنه سيكفر عنه سيئاته، ويضاعف أجره وثوابه.

همام الصنعاني

تفسير : 2887- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}: [الآية: 25]، قال: هم أهْلُ الكتاب، يقول: يُبَيِّنُ لَهُمْ الْهُدَى، أيّ إنهم يجدونه مكْتُوباً عندهم، فالشيطان سوَّل لَهُمْ، يقول: زَيَّنَ لَهُم.