٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : العطف ههنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش لأن طاعة الله تحمل على طاعة الرسول، وهذا إشارة إلى العمل بعد حصول العلم، كأنه تعالى قال: يا أيها الذين آمنوا علمتم الحق فافعلوا الخير، وقوله {وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } يحتمل وجوهاً أحدها: دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم، قال تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] الوجه الثاني: {لاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } بترك طاعة الرسول كما أبطل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه، ويؤيده قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوٰتَكُمْ } إلى أن قال: {أية : أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } تفسير : [الحجرات: 2] الثالث: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } تفسير : [البقرة: 264] كما قال تعالى: {أية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَـٰمَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 17] وذلك أن من يمن بالطاعة على الرسول كأنه يقول هذا فعلته لأجل قلبك، ولولا رضاك به لما فعلت، وهو مناف للاخلاص، والله لا يقبل إلا العمل الخالص.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} لما بيّن حال الكفار أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه. {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ } أي حسناتكم بالمعاصي؛ قاله الحسن. وقال الزُّهْرِي: بالكبائر. ابن جريج: بالرياء والسمعة وقال مقاتل والثُّمَالِيّ: بالمَنّ؛ وهو خطاب لمن كان يمنّ على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه. وكله متقارب، وقول الحسن يجمعه. وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان. الثانية ـ احتج علماؤنا وغيرهم بهذه الآية على أن التحلل من التطوّع ـ صلاةً كان أو صوماً ـ بعد التلبس به لا يجوز؛ لأن فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه. وقال من أجاز ذلك ـ وهو الإمام الشافعي وغيره ـ: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض؛ فنهى الرجل عن إحباط ثوابه. فأمّا ما كان نفلاً فلا؛ لأنه ليس واجباً عليه. فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه. ووجه تخصيصه أن النفل تطوّع، والتطوّع يقتضي تخييراً. وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب؛ حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: يقول الله تعالى إذا عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَٰلَكُمْ } بالمعاصي مثلاً.
ابن عطية
تفسير : روي أن هذه الآية نزلت في بني أسد من العرب، وذلك أنهم أسلموا وقالوا لرسول الله عليه السلام: نحن قد آثرناك على كل شيء وجئناك بنفوسنا وأهلنا، كأنهم منوا بذلك، فنزل فيهم: {أية : يمنون عليك أن أسلموا} تفسير : [الحجرات: 17] ونزلت فيهم هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا فالإبطال الذي نهوا عنه ليس بمعنى الإفساد التام، لأن الإفساد التام لا يكون إلا بالكفر، وإلا فالحسنات لا تبطلها المعاصي، وإن كانت الآية عامة على ظاهرها نهي الناس عن إبطال أعمالهم بالكفر، والإبطال هو الإفساد التام. وقوله تعالى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار} روي أنها نزلت بسبب حديث : عدي بن حاتم قال: يا رسول الله إن حاتماً كانت له أفعال بر فما حاله؟ فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم "هو في النار"، فبكى عدي وولى، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:"أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النار" تفسير : ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته الصفة. وقوله تعالى: {فلا تهنوا} معناه: فلا تضعفوا، من وهن الرجل إذا ضعف. وقرأ جمهور الناس: "وتدعوا" وقرأ أبو عبد الرحمن: "وتدّعوا" بشد الدال. وقرأ جمهور القراء: "إلى السَلم" بفتح السين. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: "إلى السِلم" بكسر السين. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وهو بمعنى المسالمة. وقال الحسن بن أبي الحسن وفرقة ممن كسر السين إنه بمعنى إلى الإسلام، أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط دون مقاتلين بسببه. وقال قتادة معنى الآية: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن ملتئم مع قوله: {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : [الأنفال: 61]. وقوله: {وأنتم الأعلون} يحتمل موضعين أحدهما: أن يكون في موضع الحال، المعنى: لا تهنوا وأنتم في هذه الحال. والمعنى الثاني: أن يكون إخباراً بنصره ومعونته. و "يتر"، معناه ينقص ويذهب، ومنه قوله عليه السلام: "حديث : من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" تفسير : أي ذهب بجميع ذلك على جهة التغلب والقهر، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم وجزاء أعمالكم. واللفظة مأخوذة من الوتر الذي هو الدحل، وذهب قوم إلى أنه مأخوذ من الوتر الذي هو الفرد، المعنى لن يفردكم من ثواب أعمالكم، والأول أصح، وفسر ابن عباس وأصحابه {يتركم} بيظلمكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَطِيعُواْ اللَّهَ} ـ تعالى ـ بتوحيده، {الرَّسُولَ} صلى الله عليه وسلم بتصديقه، أو أطيعوا الله ـ تعالى ـ في حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الله عز وجل {أَعْمَالَكُمْ} حسناتكم بالمعاصي، أو لا تبطلوها بالكبائر، أو بالرياء والسمعة.
النسفي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } بالنفاق أو بالرياء. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } قيل: هم أصحاب القليب والظاهر العموم {فَلاَ تَهِنُواْ } فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدو {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } وبالكسر: حمزة وأبو بكر وهما المسالة أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } أي الأغلبون وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهي {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } بالنصرة أي ناصركم {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } ولن ينقصكم أجر أعمالكم {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } تنقطع في أسرع مدة {وَإِن تُؤْمِنُواْ } بالله ورسوله {وَتَتَّقُواْ } الشرك {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } ثواب إيمانكم وتقواكم {وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } أي لا يسألكم جميعها بل ربع العشر، والفاعل الله أو الرسول وقال سفيان بن عيينة: غيضاً من فيض {إِن يَسْـئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ } أي يجهدكم ويطلبه كله والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال: أحفاه في المسئلة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربه إذا استأصله {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ } أي الله أو البخل {أَضْغَـٰنَكُمْ } عند الامتناع أو عند سؤال الجميع لأنه عند مسئلة المال تظهر العداوة والحقد. {هَآأَنتُمْ } ها للتنبيه {هَٰـؤُلآءِ} موصول بمعنى الذين صلته {تَدْعُونَ } أي أنتم الذين تدعون {لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هي النفقة في الغزو أو الزكاة كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } بالرفع لأن من هذه ليست للشرط أي فمنكم ناس يبخلون به {وَمَن يَبْخَلْ } بالصدقة وأداء الفريضة {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } أي يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه. وقيل: يبخل على نفسه يقال بخلت عليه وعنه {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} أي أنه لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه غني عن الحاجات ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله والإنفاق في سبيله، وهو معطوف على {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ } {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يخلق قوماً خيراً منكم وأطوع وهم فارس وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: «حديث : هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناله رجال من فارس»تفسير : {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } أي ثم لا يكونوا في الطاعة أمثالكم بل أطوع منكم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} لما ذكر الله عز وجل الكفار بسبب مشاقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} قال عطاء: يعني بالشرك والنفاق والمنى. داوموا على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تشركوا فتبطل أعمالكم. وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيانه. وقال الكلبي: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والسمعة لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم. وقال الحسن: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي والكبائر. قال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضرهم مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت هذه الآية فخافوا من الكبائر بعد أن نحبط أعمالهم واستدل بهذه الآية من يرى إحباط الطاعات بالمعاصي ولا حجة لهم فيها وذلك لأن الله تعالى يقول: {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} تفسير : [الزلزلة: 7-8] وقال تعالى: {أية : وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} تفسير : [النساء: 40] فالله تعالى أعدل وأكرم من أن يبطل طاعات سنين كثيرة بمعصية واحدة وروى ابن عمر أنه قال: كنا نرى أنه لا شيء من حسناتنا إلا مقبولاً حتى نزل {ولا تبطلوا أعمالكم} فقلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا. فقلنا: الكبائر والفواحش حتى نزل {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] فكففنا عن ذلك القول وكنا نخاف على من أصاب الكبيرة ونرجو لمن لم يصبها واستدل بهذه الآية من لا يرى أبطال النوافل حتى لو دخل في صلاة تطوع أو صوم تطوع لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه ولا دليل لهم في الآية ولا حجة لأن السنة مبينة للكتاب وقد ثبت في الصحيحين "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً فلما رجع إلى البيت وجد حيساً فقال لعائشة قربيه فلقد أصبحت صائماً فأكل" تفسير : وهذا معنى الحديث وليس بلفظه وفي الصحيحين أيضاً أن سلمان زار أبا الدرداء فصنع له طعاماً فلما قربه إليه قال. كل فإني صائم قال لست بآكل حتى تأكل فأكل معه وقال مقاتل في معنى الآية لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطل أعمالكم نزلت في بني أسد وسنذكر القصة في تفسير سورة الحجرات إن شاء الله تعالى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} قيل نزلت في أهل القليب وهم أبو جهل وأصحابه الذين قتلوا ببدر وألقوا في قليب بدر وحكمها عام في كل كافر مات على كفره فالله لا يغفر له لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} {فلا تهنوا} الخطاب فيه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم هو عام لجميع المسلمين يعني فلا تضعفوا أيها المؤمنون {وتدعوا إلى السلم} يعني ولا تدعوا الكفار إلى الصلح أبداً منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا {وأنتم الأعلون} يعني وأنتم الغالبون لهم والعالون عليهم. أخبر الله تعالى أن الأمر للمسلمين والنصرة والغلبة لهم عليهم وإن غلبوا المسلمين في بعض الأوقات {والله معكم} يعني بالنصر والمعونة ومن كان الله معه فهو العالي الغالب {ولن يتركم أعمالكم} يعني لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم. وقال ابن عباس وغيره: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها ثم حض على الآخرة بذم الدنيا فقال تعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} أي باطل وغرور يعني كيف تمنعكم الدنيا عن طلب الآخرة وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو إلا ما كان منها في عبادة لله عز وجل وطاعته واللعب ما يشغل الإنسان وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل ثم إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه أشغله المهمة فهو اللعب وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} يعني يؤتكم جزاء أعمالكم في الآخرة {ولا يسألكم أموالكم} يعني أن الله تعالى لا يسأل من العباد أموالهم لإيتاء الأجر عليهم، بل يأمرهم بالإيمان والتقوى والطاعة ليثيبهم عليها الجنة. وقيل: معناه ولا يسألكم محمد صلى الله عليه وسلم أموالكم وقيل: معناه لا يسألكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أموالكم كلها في الصدقات إنما يسألكم غيضاً من فيض وهو ربع العشر من أموالكم وهو زكاة أموالكم ثم ترد عليكم ليس لله ورسوله فيها حاجة إنما فرضها الله تعالى في أموال الأغنياء وردها على الفقراء فطيبوا بإخراج الزكاة أنفسكم. وإلى هذا القول ذهب سفيان بن عيينة ويدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: {إن يسألكموها} الضمير عائد إلى الأموال {فيحفكم} يعني يجهدكم ويطلبها كلها والإحفاء المبالغة في المسألة وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح {تبخلوا} يعني بالمال فلا تعطوه {ويخرج أضغانكم} يعني بغضكم وعداوتكم لشدة محبتكم للأموال قال قتادة علم الله أن الإحفاء بمسألة الأموال مخرج للأضغان.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ} رَوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلت في بني أَسَدٍ من العرب، وذلك أَنَّهم أسلموا، وقالوا للنبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: نحن آثرناك على كُلِّ شيء، وجئناك بأنفسنا وأهلينا، كأَنَّهم يمنُّون بذلك، فنزل فيهم: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...} الآية، ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية العموم. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ...} الآية، حديث : رُوِيَ أَنَّها نزلت بسبب أَنَّ عديَّ بن حاتم قال: يا رسول اللَّه، إنَّ حَاتِماً كَانَتْ لَهُ أَفْعَالُ بِرٍّ فَمَا حَالُهُ؟ فقال النَّبِيُّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: هُوَ في النَّارِ فَبَكَى عَدِيُّ، وَوَلَّى فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فَقَالَ لَهُ: «أَبي وَأَبُوكَ وَأَبُو إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمٰنِ في النَّارِ»تفسير : ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كُلِّ ما تناوَلته الصفة. وقوله سبحانه: {فَلاَ تَهِنُواْ} معناه: لا تَضْعُفُوا {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} أي: إلى المسالمة، وقال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا أُولَى الطائفتين ضَرَعَتْ للأخرَى: قال * ع * وهذا حَسَنٌ مُلْتئِمٌ مع قوله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } تفسير : [الأنفال:61]. {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ}: في موضع الحال، المعنى: فلا تَهِنُوا وأنتم في هذه الحال، ويحتمل أنْ يكون إخباراً بمغيب أبرزه الوجودُ بعد ذلك، والأعلون: معناه الغالبون والظاهرون من العُلُوِّ. وقوله: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} معناه: بنصره ومَعُونَتِهِ وَيتِرُ معناهُ: يُنْقِصُ ويُذْهِبُ، والمعنى: لن يَترِكم ثوابَ أعمالكم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: من استطاع منكم أن لا يبطل عملاً صالحاً بعمل سوء فليفعل ولا قوّة إلا بالله فإن الخير ينسخ الشر، فإنما ملاك الأعمال خواتيمها. وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع من الشرك عمل حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم. وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقال: الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: هلك، حتى نزلت هذه الآية{أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} يقول: ولا تكونوا أول الطائفتين صرعت صاحبتها ودعتها إلى الموادعة، وأنتم أولى بالله منهم {ولن يتركم أعمالكم} يقول: لن يظلمكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {فلا تهنوا} قال: لا تضعفوا {وأنتم الأعلون} قال: الغالبون {ولن يتركم} قال: لن ينقصكم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {يتركم} قال: يظلمكم. وأخرج الخطيب عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} قال: محمد بن المنتشر منتصبة السين. وأخرج أبو نصر السجزي في الإِنابة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان النبي صل الله عليه وسلم يقرأ هؤلاء الأحرف{أية : ادخلوا في السلم}تفسير : [البقرة: 208]{أية : وإن جنحوا للسلم}تفسير : [الأنفال: 61] {وتدعوا إلى السلم} بنصب السين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {إن يسألكموها} قال: علم الله في مسألة الأموال خروج الأضغان. قوله تعالى: {وإن تتولوا} الآية. أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم} قيل: من هؤلاء وسلمان رضي الله عنه إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "هم الفرس وهذا وقومه" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} فقالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: "هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنهحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم} الآية فسئل من هم، قال: "فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {يستبدل قوماً غيركم} قال: من شاء.
التستري
تفسير : قوله: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}[33] أي في تعظيم الله، {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}[33] أي برؤيتها من أنفسكم ومطالبة الأعواض من ربكم، فإن العمل الخالص الذي لم يطلب به العوض.
السلمي
تفسير : أطيعوا الله فى حرمة الرسول وأطيعوا الرسول فى تعظيم الله ولا تبطلوا أعمالكم برؤيتها وطلب النجاة بها. قال فارس: استجداء الطاعة والشرك سواء. قال أبو عثمان: لا تبطلوا أعمالكم بترك السنن. قال بعضهم: برؤيتها من أنفسكم ومطالعة الأعواض من ربكم وقيل: بالرياء والعجب. وقال أبو الحسين الوراق: بالتكبر على الخلق بها.
القشيري
تفسير : {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}: بالرياء والإعجاب والملاحظة. {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}: بالمساكنة إليها. {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} بطلب الأعواض عليها. {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}: بتوهمكم أنه يجب بها شيء دون فضل الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول} فى العقائد والشرائع كلها فلا تشاقوا الله ورسوله فى شئ منها {ولا تبطلوا اعمالكم} اى بمثل ما ابطل به هؤلاء اعمالهم من الكفر والنفاق والرياء والمن والاذى والعجب وغيرها وفى الحديث "حديث : ان العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " تفسير : درهر عملى كه عجب ره يافت رويش زره قبول برتافت اى كشته بكار خويش مغرور وزدركه قرب كشته مهجور تاجند زعجب وخود نمايى وزدبدبه منى ومايى معجب مشو از طريق تلبيس كز عجب بجه فتاد ابليس وليس فيه دليل على احباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج فان جمهورهم على ان بكبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات حتى ان من عبد الله طول عمره ثم شرب جرعة من خمر فهو كمن لم يعبده قط وفى الآية اشارة الى ان كل عمل وطاعة لم يكن بامر الله وسنة رسوله فهو باطل لم يكن له ثمرة لانه صدر عن الطبع والطبع ظلمانى وانما جاء لشرع وهو نورانى ليزيل ظلمة الطبع بنور الشرع فيكون مثمرا وثمرته ان يخرجكم من الظلمات الى النور أى من ظلمات الطبع الى نور الحق فعليك بالاطاعة واستعمال الشريعة واياك والمخالفة والاهمال. نقلست كه احمد حنبل وشافعى رضى الله عنهما نشتسه بودند حبيب عجمى از كوشه درآمد احمد كفت من اورا سؤالى كنم شافعى كفت ايشانرا سؤال نشايد كردكه ايشان قومى عجب باشند احمد كفت جاره نيست جون حبيب فرا رسيد احمد كفت جه كويى درحق كسى كه ازين بنج نمازيكى ازو فوت شده است ونمى داندكه كدامست حبيب كفت هذا قلب غفل عن الله فليؤدب يعنى اين دل كسى بودكه ازخداوند غافل بود اورا ادب بايد كرد درجواب اومتحير شد شافعى كفت نكفتم كه ايشانرا شؤال نشايد كرد والجواب فى الشريعة ان يقضى صلاة ذلك اليوم فالتى توافقها تكون قضاء لها والبواقى من النوافل نسأل الله الاطاعة والانقياد فى كل حال على الاطراد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّهَ} فيما يأمركم به من الجهاد وغيره {وأطيعوا الرسولَ} فيما سنَّه لكم، {ولا تُبطلوا أعمالَكم} بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، وغير ذلك من مفسدات الأعمال، كالعجب والرياء، والمن والأذى، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر، خلافاً للمعتزلة، أو: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وبها احتجَ الفقهاء على وجوب إتمام العمل؛ فأوجبوا على مَن شَرَعَ في نافلة إتمامها، وأخذُه عن الآية ضعيف؛ لأن السياق إنما هو في إحباط العمل بالكفر، لقوله قبلُ: {وسيُحبط أعمالهم} ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا} لا تكونوا كهؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم؛ بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ومشاقتهم الرسولَ، ويؤيده أيضاً: قوله تعالى: {إِن الذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر اللّهُ لهم} هذا عام في كل مَن مات على الكفر، وإن صحّ نزوله في أهل القليب. {فلا تَهِنُوا} لا تضعفوا عن الجهاد {وتدعوا إِلى السَّلْم} أي: لا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة؛ فإن ذلك إعطاء الدنِيَّة - أي: الذلة - في الدين، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" في جواب النهي؛ أي: لا تهنوا مع إعطاء السلم، {وأنتم الأَعْلَون} الأغلبون، {واللّهُ معكم} بالنصر والمعونة، ومَن كان غالباً ومنصوراً والله معه، لا يتصور منه إظهار الذلة والضراعة لعدوه، {ولن يَتِرَكُمْ أعمالكم} لن يضيعها، من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلاً، من ولد أو أخ أو حميم، فأفردته منه، حتى صار وتراً، عبّر عن ترك الإثابة في مقابلة العمل بالوتر، الذي هو إضاعة شيء معتد به من الأنفس والأموال، مع أن الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السُنَّة، إبرازاً لغاية للطف، بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها، سبحانه من رب رحيم!. {إِنما الحياةُ لعبٌ ولهوٌ} لا ثبات لها، ولا اعتداد بها، فلا تُؤثروا حياتها الفانية على الحياة الأبدية بالموت في الجهاد الأصغر أو الأكبر، {وإِن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} أي: ثواب إيمانكم وأعمالكم من الباقيات الصالحات، التي فيها يتنافس المتنافسون، {ولا يسألكم أموالَكمْ} بحيث يُخل أداؤها بمعايشكم، وإنما سألكم نزراً يسيراً؛ هو ربع العشر، تؤدونه إلى فقرائكم. {إِن يسألكُمُوها} أي: جميع أموالكم {فيُحْفِكم} أي: يجهدكم بطلب الكُل، فالإحفاء والإلحاف: المبالغة في السؤال: وبلوغ الغاية، يُقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله، أي: إن يسألكم جميعها {تبخلوا} فلا تُعطوا شيئاً، {ويُخرجْ أضغانكم} أي: أحقادكم؛ لأن عند سؤال المال يظهر الصادق من الكاذب، وضمير "لا يسألكم" وما بعدها للّه أو لرسوله. وضمير "يُخرج" لله تعالى، ويؤيده القراءة بنون العظمة، أو البخل؛ لأنه سبب الأضغان. {ها أنتم هؤلاء} أي: يا هؤلاء، وقيل: {ها}: للتنبيه، و {هؤلاء}: موصول بمعنى "الذين"، وصلته: {تُدْعَون} أي: أنتم الذي تُدعون {لتُنفقوا في سبيل الله} هي النفقة في الغزو والزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، {فمنكم مَن يبخلُ} أي: فمنكم ناس يبخلون به، {ومَن يبخلْ} بالصدقة وأداء الفريضة {فإِنما يبخلُ على نفسه} فإنَّ كُلاًّ مِن نفع الإنفاق وضرر البخل عائد إليه، وفي حديث الترمذي:"حديث : السخي قريبٌ من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهلٌ سخيٌّ أحبُّ إلى الله من عابدٍ بخيل"تفسير : وفي رواية:"حديث : من عالم بخيل"تفسير : والبخيل يتعدّى بـ"عن"، و"على" لتضمُّنه معنى: الإمساك والعدي. {والله الغنيُّ} عن كل ما سواه، ويفتقر إليه كُلَّ ما عداه، {وأنتم الفقراءُ} أي: إنه - تعالى - لا يأمر بذلك لحاجته إليه؛ لأنه الغنيُّ عن الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب، {وإِن تَتولَّوا} أي: وإن تُعرضوا أيها العرب عن طاعته، وطاعة رسوله، والإنفاق في سبيله {يستبدل قوماً غيرَكم} يخلف قوماً خيراً منكم وأطوع، {ثم لا يكونوا أمثالكم} في الطاعة، بل أطوع، راغبين فيما يقرب إلى الله ورسوله، وهم فارس، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم - وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: "هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثُريا لتناوله رجالٌ من فارس". قلت: صدق الصادق المصدوق، فكم خرج منهم من جهابذة العلماء، وأكابر الأولياء، كالجنيد، إما الصوفية، والغزالي، حَبر هذه الأمة، وأضرابهما. وقيل: الملائكة، وقيل: الأنصار، وقيل: كندة، وقيل: الروم، والأول أشهر. الإشارة: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أو خليفته، وهو الداعي إلى الله على بصيرة العيان، ولا تُبطلوا أعمالكم، برجوعكم عن السير، بترك المجاهدة قبل المشاهدة. إنَّ الذين كفروا بوجود خصوصية التربية، وصدُّوا الناسَ عنها، ثم ماتوا على ذلك، لن يستر اللّهُ مساوئهم، ولا يُغيّبهم عن شهود نفوسهم التي حجبتهم عن الله. فلا تهنوا: ولا تضعُفوا، أيها المترفهون، عن مجاهدة نفوسكم، فينقطع سيركم، وذلك بالرجوع إلى الدنيا، ولا تدعوا إلى السلم والمصالحة بينكم وبين نفوسكم، وأنتم الأعلون، قد أشرفتم على الظفر بها، والله معكم؛ لقوله:{أية : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنآ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}تفسير : [العنكبوت: 69] ولن ينقصكم شيئاً من أعمالكم، بل يُريكم ثمرتها، عاجلاً وآجلاً، ولا يفترنَّكم عن المجاهدة طولُ الأمل. إنما الحياة الدنيا لعب ولهو؛ أي: ساعة من نهار، وإن تُؤمنوا بكل ما وعدَ اللّهُ، وتتقوا كل ما يشغل عن الله، يُؤتكم أجوركم عاجلاً وآجلاً، ولا يسألكم الداعي إليه جميعَ أموالكم، إنما يسألكم ما يَخف عليكم، تُقدموه بين يدي نجواكم، ولو سألكم جميع أموالكم لبخلتم، ويُخرج إضغانكم، وهذا في حق عامة المريدين، وأما الخاصة الأقوياء، فلو سُئلوا أرواحَهم لبذلوها، واستحقروها في جنب ما نالوا من الخصوصية، وأما أموالهم فأهون عندهم من أن يبخلوا بشيء منها، ويُقال لعامة الطالبين للوصول: {ها أنتم هؤلاء تُدعون...} الآية. قال القشيري: والله الغني لذاته بذاته، ومن غنائه: تمكُّنه من تنفيذ مُراده، واستغناؤه عما سواه، وأنتم الفقراء إلى الله، في نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، في الابتداء ليخلقكم، وفي الوسط ليُربيكم، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم، ويُبقيكم بهويته، فالله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. هـ. وإن تتولوا عن السير، وتركنوا إلى الرخص والشهوات قبل التمكين، يستبدل قوماً غيركم، يكونوا أحزم منكم، وأشد مجاهدة، صادقين في الطلب، ثابتين القَدم في آداب العبودية، قد أدركتهم جذباتُ العناية، وهَبَّتْ عليهم ريحُ الهداية، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولِّي والضعف، حتى يصلوا إلى مولاهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى لله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بعد ما اظهر انّ الّذين لم يطيعوا رسوله فى خلافة علىٍّ (ع) سيحبط اعمالهم نادى المؤمنين تلطّفاً بهم فقال: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} فيما امراكم به من ولاية علىٍّ (ع) حتّى لا يبطل اعمالكم {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ} بترك طاعتهما {أَعْمَالَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالولاية {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الّذى هو الولاية كرّره لكونه المقصود من السّورة المباركة {ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} ابداً.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني علي بن محمد الزهري قال: حدثني محمد بن عبد الله - يعني ابن [أبي. أ] غالب - قال: حدثني [ابن حمزة!. أ] الحسن بن علي بن سيف قال: حدثني مالك بن عطية قال حدثني يزيد بن فرقد النهدي أنه قال: قال جعفر بن محمد عليهما السلام [في قوله تعالى. أ، ر]: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [يعني. ر، أ (خ ل)] إذا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول ما يبطل أعمالهم؟ قال: عدواتنا تبطل أعمالهم.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ} بالكبائر كالشرك والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى. قاله الحسن وكذا روي عن ابن عباس وزعموا عن الحسنات الاعمال تبطل بالصغائر وليس بصحيح نعم بالاصرار والاصرار كبيرة وقال عطاء المعنى لا تبطلوها بالشك والنفاق وقيل بترك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أبطلها أهل الكتاب بتكذيبه وقال الكلبي: بالرياء والسمعة وكذا عن ابن عباس وكان رجل على عهده صلى الله عليه وسلم يصوم ويصلى وكان في لسانه شيء من نحو غيبة أو نميمة أو لمز أو غير ذلك فقال له يا فلان انك تبني وتهدم وقيل نزلت في بني أسد أسلموا وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم نحن آثرناك على كل شيء وجئناك بأنفسنا وأهلينا أي لا تبطلوها بالمن وقيل لا تبطلوها بطلب الأعواض من ربكم فان الخالص ما لم يطلب فيه عوض. وعن أبى العاليه كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الايمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية فخافوا الكبائر على أعمالهم. وقال حذيفة: فخافوا أن تحبط بالكبائر وعن قتادة؛ رحم الله عبداً لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء وفي الآية وما تلوناه عليك دليل على ابطال الطاعات بالكبائر ودلائل ذلك أعظم من أن تحصى وأما قوله {أية : ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} تفسير : فمعناه أن يلقى الله به غير مفسد له وكذا {أية : من يعمل مثقال ذرة شراً يره} تفسير : معناه أن يأتي به الى الله غير تائب فكأنه قال {أية : من يعمل} تفسير : من السعداء {أية : مثقال ذرة خيراً يره} {أية : ومن يعمل} تفسير : من أهل الشقاء {أية : مثقال ذرة شراً يره} تفسير : لقوله قبل أن {أية : يصدر الناس أشتاتاً} تفسير : وأما {أية : وان تك حسنة يضاعفها} تفسير : فالمراد به السعيد والسعيد انما يموت تائباً والموت على الكبيرة نقض لما سبق من الطاعات ولا يخفي أنه تعالى عدل في ذلك ويدل لذلك أيضاً انه لا يجمع الكفر والمعاصي مع الايمان والطاعات في شخص لانه غير ممكن جمع أمرين وجود بين متخالفين غاية في شيء ولا يكون أحد مصدقاً منكراً في الله ورسوله ممتثلاً غير منته وليس التصديق مثلاً اسما للتصديق بهذا هذا وهكذا ويدل له أيضاً آيات الابطال في القرآن فان الاصل حملها على ظهرها وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الزنى يحبط العمل كما يحبطه الشرك" تفسير : وقوله "حديث : يجيء أقوام يوم القيامة لهم من الحسنات" تفسير : الخ وقل عائشة (أبلغوا زيدا عنى أنه أبطل حجه وغزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) الخ في قضية شرائه جارية من سريته بثمانمائة درهم الى العطاء وبيعه اياها لها بستمائة نقداً الى غير ذلك من أحاديث وأخبار والتحقيق ان السعيد يثاب على حسناته كلها لانه لا يموت الا تائباً عما يفسدها فيرجع مفسداتها حسنات والشقي يعاقب بسيئاته كباراً وصغاراً لانه يموت غير تائب وقيل ينظر يوم يموت المكلف ما هو الاكثر أحسناته أم سيئاته فيجازى به وقيل كلما عمل حسنة محتها السيئة بعدها. قال ابن محبوب ويرد له ثوابها ان تاب وفي الآية دليل على انه لا يجوز ابطال النوافل من الصلاة والنافلة بعد الدخول وقد رأى بعضهم ان قطع النافلة لشيء مشتهي من الشهوة الخفية ولولا وجوب النافلة للدخول فيها لما أمر صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة بقضاء يوم أصبحتا فيه صائمتين وأفطرتا ولما أمر عائشة ببدله حين أفطرت بعذر الجوع. وأما قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة قربي الحيس فلقد أصبحت صائماً فالفاء فيه للتعليل والصوم لغوي أي قربيه لاني قد أمسكت عن الطعام فجعت. وأما ما يذكره البخاري من أنه أصبح صائماً فليس من الحديث بل فهم منه وأما ذكر من أن أبا الدرداء زاره سلمان فقرب اليه طعاماً فقال كل اني صايم فقال سلمان لا حتى تأكل فأكل معه فلعله قد بيت نية الافطار ان عرض له عارض أو لأن الافطار موافقة للمسلمين ليس ابطالاً للعمل لانه لا يكتب له أجر صومه وأجر الموافقة ولا سيما مسلم هو النبي وسور هو سوره ولذا قال لأم هانئ وان شئت فلا تقضيه حين دخل عليها بلبن فشرب فناولها فشربت وهي صائمة كراهة أن ترد سوره صلى الله عليه وسلم وقال من قال يجب قضاء نافلة أفسدت لغير عذر وقيل ولو لعذر وخص بعض الشهوة الخفية بالفرض وبعض بالمحرم
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا أطيعُوا الله وأطيعُوا الرسُول} أى دوموا على الطاعة، أو زيدوا فيها أو لا تكتفوا بكلمة الشهادة، أو اجمعوا الطاعة مع ترك ما يحبطهما كما قيل: {ولا تُبْطلُوا أعْمالكم} كالصدقات بالكبائر، ومنها الاصرار على المعاصى كما قال الحسن، ولا بالمن بالاسلام، كما قيل نزلت فى بنى اسد، أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منّاً عليه: قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا، والمعتبر عموم اللفظ، وان تاب المذنب رجع اليه عمله الحسن، وأثيب عليه، ومثل ذلك قوله تعالى: "أية : يمنون عليك أنْ أسلموا" تفسير : [الحجرات: 17] فالأعمال الحسنة تبطل بالرياء والسمعة والشك، والعجب اذا عمل به، مثل أن يتكبر أو يأمن المكر، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب قال الله عز وجل: "أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى" تفسير : [البقرة: 264] والحاصل لا تبطلوا طاعاتكم بمعاصيكم فتعاقبون بها، ولا تثابون على طاعاتكم. قال قتادة فى معنى الآية: من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سوء فليفعل، ولا يبطل العمل بالافطار من النفل موافقة للأخ فى الله تعالى أعلمه بأنى صائم أو لم يعلمه، روى أبو سعيد الخدرى: أن رجلا أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضى الله عنهم، وكان فيهم رجل صائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أجب أخاك وافطر واقض يوماً مكانه" تفسير : وذلك ندب، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب فإنْ كان مفطراً فليأكل، وإنْ كان صائماً فليصل له" تفسير : أى يدع بالبركة، ولعله يندب اذا كان للمضيف اعتناء بافطاره، والا فالبقاء على الصوم والدعاء له أفضل. ووضع الطعام بعد أن دعى عمر وهو صائم فمد يده وقال: خذوا باسم الله، ثم قبض يده وقال: انى صائم، فالافطار جائز والاخبار بالصوم ليس رياء ان لم يقصد الرياء، وأخرج عبد بن حميد، ومحمد ابن نصر المروزى فى كتاب الصلاة، وابن أبى حاتم عن أبى العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر ذنب مع لا إله إلا الله، كما لا ينفع عمل مع الشرك حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وشددوا وخافوا أن لا يغفر ذنب بعد التوبة، فنزل قوله تعالى: "أية : قل يا عبادي الذين أسرفوا" تفسير : [الزمر: 53] الخ ولفظ عبد بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم. والآية دليل لنا، وللمعتزلة أن الكبيرة الواحدة، أو الصغيرة المصر عليها تحبط الأعمال، ولو كانت بعد نجوم السماء، ومعنى قوله تعالى: "أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره" تفسير : [الزلزلة: 7] معناه ما لم يحبها بالاصرار، وقوله تعالى: "أية : ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" تفسير : [الزلزلة: 8] معناه ما لم يمحها بالتوبة، واعادة أطيعوا مع الرسول للتأكيد.
الالوسي
تفسير : قيل: إن بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا كأنهم منوا بذلك فنزلت فيهم هذه وقوله تعالى: {أية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } تفسير : [الحجرات: 17] ومن هنا قيل المعنى لا تبطلوا أعمالكم بالمن بالإسلام، وعن ابن عباس بالرياء والسمعة وعنه أيضاً بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقيل: المراد بالأعمال الصدقات أي تبطلوها بالمن والأذى، وقيل: لا تبطلوا طاعاتكم بمعاصيكم. أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية: من استطاع منكم أن لا يبطل عملاً صالحاً بعمل سوء فليفعل ولا قوة إلا بالله تعالى، وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة» وابن أبـي حاتم عن أبـي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم، وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا معاشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك حتى نزلت هذه الآية {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. واستدل المعتزلة بالآية على أن الكبائر تحبط الطاعات بل الكبيرة الواحدة تبطل مع الإصرار الأعمال ولو كانت بعدد نجوم السماء، وذكروا في ذلك من الأخبار ما ذكروا. وفي «الكشف» لا بد في هذا المقام من تحرير البحث بأن يقال: إن أراد المعتزلة أن نحو الزنا إذا عقب الصلاة يبطل ثوابها مثلاً فهذا لا دليل عليه نقلاً وعقلاً بل هما متعادلان على ما دل عليه صحاح الأحاديث، وكفى بقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7-8] حجة بالغة، وإن أرادوا أن عقابه قد يكبر حتى لا يعاد له صغار الحسنات فهذا صحيح والكلام حينئذٍ في تسميته إحباطاً، ولا بأس به لكن عندنا أن هذا الإحباط غير لازم وعندهم لازم، وهو مبني على جواز العفو وهي مسألة / أخرى، وأما الكبيرة التي تختص بذلك العمل كالعجب ونحو المن والأذى بعد التصدق فهي محبطة لا محالة اتفاقاً، وعليه يحمل ما نقل من الآثار، ومن لا يسميه إحباطاً لأنه يجعله شرطاً للقبول والإحباط أن يصير الثواب زائلاً وهذا لا يتأتى إذا لم يثبت له ثواب فله ذلك، وهو أمر يرجع إلى الاصطلاح انتهى وهو من الحسن بمكان. وإعادة الفعل في {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } للاهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة والسلام.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بين جملة {أية : إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول}تفسير : [محمد: 32]، وبين جملة {أية : إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتُوا وهم كفار}تفسير : [محمد: 34] وُجه به الخطاب إلى المؤمنين بالأمر بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتجنب ما يبطل الأعمال الصالحة اعتباراً بما حكي من حال المشركين في الصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم. فوصف الإيمان في قوله: {يا أيها الذين آمنوا} مقابل وصف الكفر في قوله: {أية : إن الذين كفروا}تفسير : [محمد: 32]، وطاعة الله مقابل الصدّ عن سبيل الله، وطاعةُ الرسول ضد مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم والنهي عن إبطال الأعمال ضد بطلان أعمال الذين كفروا. فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم التي أمروا بها هي امتثال ما أمَر به ونهَى عنه من أحكام الدين. وأما ما ليس داخلاً تحت التشريع فطاعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه طاعة انتصاح وأدب، ألا ترى أن بريرة لم تطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراجعة زوجها مُغيث لما علمتْ أن أمره إياها ليس بعزم. والإبطال: جعل الشيء باطلاً، أي لا فائدة منه، فالإبطال تتصف به الأشياء الموجودة. ومعنى النهي عن إبطالهم الأعمالَ: النهي عن أسباب إبطالها، فهذا مهيع قوله: {ولا تبطلوا أعمالكم}. وتسمح محامِله بأن يشمل النهي والتحذير عن كل ما بيَّن الدِينُ أنه مبطل للعمل كلاًّ أو بعضاً مثل الردة ومثل الرياء في العمل الصالح فإنه يبطل ثوابه. وهو عن ابن عباس قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}تفسير : [البقرة: 264]. وكان بعض السلف يخشى أن يكون ارتكاب الفواحش مبطلاً لثواب الأعمال الصالحة ويحمل هذه الآية على ذلك، وقد قالت عائشة لما بلغها أن زيد بن أرقم عقد عقداً تراه عائشة حراماً: "أخبروا زيداً أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يترك فعله هذا" ولعلها أرادت بذلك التحذير وإلا فما وجهُ تخصيص الإحباط بجهاده وإنما علمتْ أنه كان أنفس عمل عنده. وعن الحسن البصري والزهري: "لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي الكبائر". ذكر ابن عبد البرّ في «الاستيعاب»: «أن زيد بن أرقم قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة وغزوتُ منها معه سبع عشرة غزوة. وهذه كلها من مختلف الأفهام في المعنيّ بإبطال الأعمال وما يبطلها وأحسن أقوال السلف في ذلك ما رويَ عن ابن عمر قال: «كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولاً حتى نزل {ولا تبطلوا أعمالكم}، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48] فكففنا عن القول في ذلك وكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها» اهــ. فأبان أن ذلك محامل محتملة لا جزم فيها. وعن مقاتل {لا تبطلوا أعمالكم} بالمنّ وقال: هذا خطاب لقوم من بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا، يمنون عليه بذلك فنزلت فيهم هذه الآية ونزل فيهم أيضاً قوله تعالى: {أية : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تَمنّوا علي إسلامكم}تفسير : [الحجرات: 17]. وهذه محامل ناشئة عن الرأي والتوقع، والذي جاء به القرآن وبينته السنة الصحيحة أن الحسنات يُذهبن السيئات ولم يجىء: أن السيئات يذهبن الحسنات، وقال: {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرّة وإن تك حسنة يضاعفها ويُؤتِ من لدنه أجراً عظيماً}تفسير : [النساء: 40]. وتمسك المعتزلة بهاته الآية فزعموا أن الكبائر تحبط الطاعات. ومن العجب أنهم ينفون عن الله الظلم ولا يسلمون ظاهر قوله: {أية : لا يسأل عما يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23]، ومع ذلك يجعلون الله يبطل الحسنات إذا ارتكب صاحبها سيئة. ونحن نرى أن كل ذلك مسطور في صحف الحسنات والسيئات وأن الحسنة مضاعفة والسيئة بمقدارها. وهذا أصل تواتر معناه في الكتاب وصحيح الآثار، فكيف ينبذ بالقيل والقال من أهل الأخبار. وحمل بعض علمائنا قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} على معنى النهي عن قطع العمل المتقرب به إلى الله تعالى. وإطلاق الإبطال على القطع وعدمِ الإتمام يشبه أنه مجاز، أي لا تتركوا العمل الصالح بعد الشروع فيه، فأخذوا منه أن النفل يجب بالشروع لأنه من الأعمال، وهو قول أبي حنيفة في النوافل مطلقاً. ونسب ابن العربي في الأحكام مثلَه إلى مالك. ومثله القرطبي وابن الفرس. ونقل الشيخ الجد في «حاشيته على المحلّى» عن القرافي في «شرح المحصول» ونقل حلولو في «شرح جمع الجوامع» عن القرافي في «الذخيرة»: أن مالكاً قال بوجوب سبْع نوافل بالشروع، وهي: الصلاة والصيام والحج والعمرة والاعتكاف والائتمام وطواف التطوع دون غيرها نحو الوضوء والصدقة والوقف والسفر للجهاد، وزاد حُلولو إلحاق الضحية بالنوافل التي تجب بالشروع ولم أقف على مأخذ القرافي ذلك ولا على مأخذ حلولو في الأخير. ولم ير الشافعي وجوباً بالشروع في شيء من النوافل وهو الظاهر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} الآية. قد قدمنا كثيراً جداً من الآيات المماثلة له قريباً في جملة كلامنا الطويل على قوله تعالى {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النساء: 82] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولا تبطلوا أعمالكم: أي بالرياء والشرك والمعاصي. وصدوا عن سبيل الله: أي عن الإِسلام. فلن يغفر الله لهم: أي لأنهم ماتوا على الكفر والكفر محبط للعمل. فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم: أي فلا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح مع الكفار. وأنتم الأعلون: أي الغالبون القاهرون. ولن يتركم أعمالكم: أي ولن ينقصكم أجر أعمالكم وثوابها. إنما الحياة الدنيا لعب ولهو: أي الاشتغال بالدنيا والتفرغ لها ما هو إلا لهو ولعب لعدم الفائدة منه. ولا يسألكم أموالكم: أي ولا يكلفكم بإِنفاق أموالكم كلها بل بالزكاة فقط. فيحفكم تبخلوا: أي بالمبالغة في طلبكم المال تبخلوا. ويخرج أضغانكم: أي أحقادكم وبغضكم لدين الإِسلام. فإِنما يبخل عن نفسه: أي عائد ذلك على نفسه لا على غيره فهو الذي يحرم الثواب. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم: أي عن طاعة الله وطاعة رسوله يأت بآخرين غيركم. ثم لا يكونوا أمثالكم: أي في الطاعة أي يكونوا أطوع منكم لله ورسوله. معنى الآيات: لما ذكر تعالى الكفار ومشاقتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم نادى المؤمنين وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله فقال يا أيها الذين آمنوا بالله ربا وبالإِسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه من المعتقدات والأقوال والأعمال ولا تبطلوا أعمالكم أي وينهاهم أن يبطلوا أعمالهم بالشرك والرياء والمعاصي والمراد من إبطال الأعمال أي حرمانهم من ثوابها. ثم أعلمهم مذكرا واعظا لهم فقال إن الذين كفروا أي بالله ورسوله وصدوا عن سبيل الله أي عن الإسلام بأي سبب من الأسباب ثم ماتوا وهم كفار قبل أن يتوبوا. فهؤلاء لن يغفر الله لهم ويعذبهم العذاب المعد لأمثالهم وقوله تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يضعفوا عن قتال أعدائهم من الكافرين ويدعوا الكافرين إلى الصلح والمهادنة وهم أقوياء قادرون وهو معنى قوله وأنتم الأعلون أي الغالبون القاهرون. ولن يتركم أعمالكم أي لا ينقصكم أجر أعمالكم بل يجزيكم بها ويزيدكم من فضله وقوله {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} هذه حقيقة وهي أن الحياة الدنيا إن أقبل عليها العبد ناسيا الدار الآخرة مقبلا على الدنيا لن تكون في حقه إلا لهواً ولعبا باعتبار أنه لم يظفر منها على طائل ولم تعد عليه بعائد خير وإسعاد كاللاعب اللاهي بشيء يلعب ويلهو فترة ثم لا يعود عليه ذلك اللعب بشيء كلعب الصبيان ولهوهم فإِنهم يلهون ويلعبون بجد ثم يعودون إلى والديهم يطلبون الطعام والشراب. وقوله وإن تؤمنوا أي الإِيمان الصحيح وتتقوا ما يغضب ربكم ويسخطه عليكم من الشرك والمعاصي يؤتكم أجوركم المترتبة على الإِيمان والتقوى. وقوله ولا يسألكم أموالكم أي ولا يطلب منكم أموالكم كلها أي كراهة إحفائكم بذلك إن يسألكموها فيحفكم أي بكثرة الإِلحاح عليكم تبخلوا إذ هذا معروف من طباع البشر أن الإِنسان إذا ألح وألحف عليه في الطلب يبخل بالمال ولم يعطه وقد يترك الإِسلام لذلك، وقوله ويخرج أضغانكم أي أحقادكم وبغضكم للدين وكراهيتكم له ولذا لم يسألكم أموالكم وقوله تعالى: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جزءاً من أموالكم في الزكاة أو الجهاد لا كُل أموالكم لما يعلم تعالى من شح النفس بالمال وقوله {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي يمنع ومن يبخل فإِنما يبخل عن نفسه إذ هي التي حرمها أجر النفقه في سبيل الله ذات الأجر العظيم وقوله {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} إلى الله تعالى فهو غني عنكم لا يحضكم على النفقة لحاجته إليها ولكن لحاجتكم أنتم إليها إذ بها تزكوا نفوسكم وتقوم أموركم وتنتصروا على عدوكم وقوله وإن تتولوا أي ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله يستبدل الله بكم قوما غيركم أي يذهبكم ويأت بآخرين ثم لا يكونوا أمثالكم بل يكونون أطوع لله تعالى منكم وأسرع امتثالا لما يطلب منهم. وحاشاهم أن يتولوا وما تولوا ولا استبدل الله تعالى بهم غيرهم. وإنما هذا من باب حثهم على معالي الأمور والأخذ بعزائمها نظرا لمكانتهم من هذه الأمة فهم أشرفها وأكملها وأطوعها لله وأحبها له ولرسوله صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب طاعة الله وطاعة رسوله. 2- وجوب اتمام العمل الصالح من صلاة وغيرها بالشروع فيه. 3- بطلان العمل الصالح بالرياء أو بإِفساده عند أدائه أو بالردة عن الإِسلام. 4- حرمة الركون إلى مصالحة الأعداء مع القدرة على قتالهم والتمكن من دفع شرهم. 5- التنفير من الإِقبال على الدنيا والإِعراض عن الآخرة. 6- حرمة البخل مع الجدة والسعة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {أَعْمَالَكُمْ} (33) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ بإطَاعَةِ اللهِ، وَإطَاعَةِ رَسُولِهِ فِيما يَأمُرانِهِمْ بِهِ، وَفيما يَنْهَيانِهِمْ عَنْهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ إبْطَالِ أَعْمَالِهِم الحَسَنةِ، بارتِكَابِ المَعَاصِي، وَفِعْلِ الكَبَائِرِ والنِّفَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمَالِ التي تُبْطِلُ الحَسَناتِ وَتُذْهِبُها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : النداء هنا للذين آمنوا، فالإيمان هو حيثية الأمر في {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} [محمد: 33] وفي النهي {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] فالمؤمن هو الذي يسمع النداء ويطيع الأوامر، لأنه يعلم أنها من رب حكيم هو الخالق والرازق والقيوم. الخير في طاعته، والخسران في مخالفة أمره، لذلك المؤمن حين ينزل به بلاء أو شدة يعود إلى نفسه. ويقول: ماذا فعلت؟ لا بدّ أنني خالفتُ منهج ربي فيُصحح ما كان منه. ونقف هنا عند تكرار فعل الأمر {أَطِيعُواْ ..} [محمد: 33] مرة معه الله، ومرة مع رسول الله، لابد أن لها ملحظاً، نعم قالوا: لأن الله يُشرِّع المبدأ العام على سبيل الإجمال، والرسول يُشرِّع ما يُبيِّن وما يُفصِّل هذا الإجمال كما في الصلاة مثلاً: فالله فرضها إجمالاً والرسول بيَّن لنا أوقاتها وعدد ركعاتها، وكلَّ ما يتعلَّق بها. إذن: لله تعالى طاعة في المبدأ المجمل، وللرسول طاعة في التفصيل، فإذا لم يكرر الفعل كما في {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ..}تفسير : [آل عمران: 132] فالأمر واحد توارد عليه كلامُ الله وكلامُ رسول الله. ويأتي الأمر بصورة أخرى: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ..}تفسير : [النساء: 59] فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، لكن جعل طاعتهم من باطن طاعة الله وطاعة رسول الله، فلا طاعةَ لهم خاصة. ولا طاعةَ لهم منفصلة عن طاعة الله وطاعة رسول الله، لأنه كما تعلمون لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، وهذه قاعدة شرعية. وقوله: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] لأنكم تعملون أعمالاً حسنة وأفعالاً طيبة، فحافظوا عليها ولا تبطلوها بفعل السيئات، على حَدِّ قوْل الشاعر: شعر : وَلَمْ أَرَ فِي عيوب النَّاسِ عَيْباً كَعَجْزِ القَادِرِينَ عَلَى التمَامِ تفسير : والإمام الشافعي يقول: شعر : إذَا كنتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَم تفسير : فمن العيب أنْ ينتكس المسلم ويفعل السيئة بعد أنْ وُفِّق للحسنة، ويقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}تفسير : [هود: 114]. وفي الحديث الشريف: "حديث : وأتبع السيئة الحسنة تَمْحُها ". تفسير : فمن رحمة الله بنا أن الحسنة تمحو السيئة، لكن السيئة لا تمحو الحسنة لكن يلزمها الاستغفار. ومن أخطر الأمراض التي تبطل العمل الصالح أنْ يداخله رياءٌ أو سُمعة أو نفاق أو شبه شرك، والعياذ بالله.
الصابوني
تفسير : [2] ترك العمل بعد الشروع التحليل اللفظي {تُبْطِلُوۤاْ}: تضيعوا ثوابها من بَطَل الشيء يَبْطُل بُطْلاً وبطلاناً: ذهب ضياعاً وخسراً. {وَصَدُّواْ}: أعرضوا من الصد: وهو الإعراض والصدوف، قال تعالى: {أية : رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}تفسير : [النساء: 61] {فَلاَ تَهِنُواْ}: أي لا تفْتُروا، ولا تضعُفُوا، ولا تجبُنوا عن قتال العدو من الوهن أي الضعف في النفس والعمل قال تعالى: {أية : فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 146]. {وَلَن يَتِرَكُمْ}: أي لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، ولن يظلمكم من وتَرَه حقَّه وماله نقصه إياه وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله ". تفسير : قال أبو عبيدة: وترتُ الرجل إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخ، أو حميم، أو قريب، أو ذهبتَ بماله. قال الزمخشري: وحقيقته: أفردته من قريبه، أو ماله، من الوتر وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام. المعنى الإجمالي نادى الله سبحانه وتعالى المؤمنين مخاطباً إياهم بوصف الإيمان تذكيراً لهم بأن هذا الوصف يدعوهم إلى طاعة أوامر الله تعالى، الآتية بعد هذا النداء، ثم جاء الأمر بطاعة الله جل جلاله في أوامره ونواهيه، فطاعته هي السبيل إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة المولى سبحانه فعلى المؤمن أن يتَّبعه في كل سُنَّة سنَّها. ثم نهى الله المؤمن عن إبطال عمله، فقد يقدِّم أعمالاً كثيرة من الطاعة، ولكنه قد يضيع عمله بالمعاصي والرياء والعجب... إلى غير ما هنالك، فنهاه الله عن ذلك، فعلى المؤمن أن يحافظ على ما يقدم من الطاعات. ثم بين الله تعالى أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى لا يظن الظان أن المؤمن إن أبطل عمله بالمعاصي فقد هلك، بل فضلُ الله باق يغفر له بفضله، وإن لم يغفر له بعمله. وإذا كان أمر الكفار في الآخرة هذا، فأمرهم في الدنيا كذلك من الذلة والحقارة، فلا تضعفوا أيها المؤمنون في ملاقاتهم، ولا تجبنوا عن قتالهم، فالنصر لكم آجلاً أو عاجلاً، فلا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً، وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء للدنية، وأنتم الأعلون عزةً وقوةً ورفعة مكانة، وذلك لأن الله معكم يؤيدكم بنصره، ويؤيدكم بقوته، ولن ينقصكم من أعمالكم شيئاً بل يعطيكم ثوابها كاملاً خير منقوص. فائدة أولاً: أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع (لا إلٰه إلا الله) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} فخافوا أن يبطل الذنب العمل. ولفظ عبد بن حميد "فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم". ثانياً: وأخرج ابن نصر المروزي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا معاشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} قرأ الأكثرون بفتح السين (السّلْم). وقرأ الحسن وحمزة وغيرهما بكسر السين (السِّلْم). ثانياً: قوله تعالى: {تَدْعُوۤاْ} قرأ الجمهور تدعوا مضارع دعا. وقرأ السّلمي بتشديد الدال تدَّعوا: أي تفتروا. وجوه الإعراب 1- قوله تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} جملة حالية وكذا (والله معكم). ويجوز أن يكونا جملتي استئناف أخبر أولاً بقوله أنتم الأعلون فهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود، ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون الله تعالى معهم. فلا تهنوا: الفاء فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله أي إذا علمتم أن الله مبطل أعمالهم ومعاقبهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم، ولا تظهروا ضعفاً. وقيل: هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة. وتدعوا إلى السلم: عطف على تهنوا داخل في حيّز النهي. وجُوِّز أن يكون منصوباً بإضمار أن فيعطف المصدر المسبوك على مصدر متصيّد مما قبله. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قال الفخر الرازي: "قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} العطف ها هنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش، لأن طاعة الله تَحْمل على طاعة الرسول". وقال الألوسي: "وإعادة الفعل في قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} للاهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة والسلام". اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} الآية. قال الفخر الرازي: يحتمل وجوهاً: أحدها: دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم قال تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. الوجه الثاني: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة الرسول كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه ويؤيده قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} تفسير : [الحجرات: 2]. الثالث: لا تبطلوا أعمالكم بالمنّ والأذى كما قال تعالى: {أية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} تفسير : [الحجرات: 17]. وقد اختلف فيما يبطل الأعمال على أقوال: قال الحسن: المعاصي والكبائر. وقال عطاء: الشك والنفاق ونقل عن ابن عباس. وقال ابن عباس: الرياء والسمعة ونقل عن ابن جريج. وقال مقاتل: المن. وقيل: العُجْب فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وقيل المراد بالأعمال الصدقات أن تعطلوها بالمن والأذى. قال القرطبي: وكله متقارب وقول الحسن يجمعه. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ}: استعمال العلو في رفعة المنزلة مجاز مشهور، أي أنتم أعز منهم لأنكم مؤمنون والحجة لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات وذلك كقوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8]. وقيل {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ}: أي أنتم أعلم بالله منهم. وقال الجصاص: أي وأنتم أولى بالله منهم. وكلها متقاربة فالإيمان يرفع منزلة أهله ويعزهم. اللطيفة الرابعة: قال الفخر الرازي: قوله {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ} وعد لأن الله تعالى لما قال: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} كان فيه أن النصر بالله لا بكم، فكأَن القائل يقول: لم يصدر مني عمل له اعتبار، فلا استحق تعظيماً، فقال: هو ينصركم ومع ذلك لا يَنْقُص من أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النُصرة جعلت بكم، ومنكم، فكأنكم مستقلون في ذلك، ويعطيكم أجر المستبد. اللطيفة الخامسة: في الآية الكريمة دعوة إلى العزّة والكرامة، وتشجيع للمؤمنين للجهاد والنضال، لمجابهة أعدائهم دون وهن أو خور، لأن المؤمن لا يرضى بحياة الذل والهوان، وقد أحسن من قال: شعر : عش عزيزاً أو مت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} يدل على أن كل من دخل في قُربة، لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها. واختلف العلماء في هذا الحكم على مذهبين. فذهب (الشافعي وأحمد) إلى أن للمرء أن يترك النافلة إذا شرع فيها ولا شيء عليه ما عدا الحج فيجب عليه الإتمام، وأما في الصلاة والصوم فيستحب له الإتمام ولا يجب. وذهب (أبو حنيفة ومالك) إلى أنه ليس له ذلك، فإذا أبطله وجب عليه القضاء. أدلة المذهب الأول: قالوا: هو تطوع، والمتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع قال تعالى: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} تفسير : [التوبة: 91]. وقالوا في جواب الاستدلال بالآية: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض. فنهي الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلاً فلا، لأنه ليس واجباً عليه. واللفظ في الآية وإن كان عاماً، فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييراً. أدلة المذهب الثاني: قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} أفاد أن التحلل من التطوع بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فأهدي لنا طعام، فأكلنا منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت حفصة وبدرتني، وكانت بنت أبيها: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال: "حديث : اقضيا مكانه يوماً ". تفسير : وقالوا في جواب دليل المذهب الأول: المتطوع أمير نفسه، ولا سبيل عليه قبل أن يشرع أما إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب أن يؤدي ما التزم وأن يوفي بما عقد قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]. ثم اللفظ عام في الآية يشمل التطوع وغيره. الحكم الثاني: قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ}. فيه دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، فأما إذا كان في الكفار قوة، وكثرة بالنسبة إلى جمع المسلمين، ورأى الإمام المسلم في المهادنة، والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. فائدة: دلّ قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ...} الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحاً، وإنما فتحها عَنوةً، لأن الله تعالى قد نهاه عن الصلح في هذه الآية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى المؤمنين بأمر به تتم أمورهم، وتحصل سعادتهم الدينية والدنيوية، وهو: طاعته وطاعة رسوله في أصول الدين وفروعه، والطاعة هي امتثال الأمر، واجتناب النهي على الوجه المأمور به بالإخلاص وتمام المتابعة. وقوله: { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } يشمل النهي عن إبطالها بعد عملها، بما يفسدها، من من بها وإعجاب، وفخر وسمعة، ومن عمل بالمعاصي التي تضمحل معها الأعمال، ويحبط أجرها، ويشمل النهي عن إفسادها حال وقوعها بقطعها، أو الإتيان بمفسد من مفسداتها. فمبطلات الصلاة والصيام والحج ونحوها، كلها داخلة في هذا، ومنهي عنها، ويستدل الفقهاء بهذه الآية على تحريم قطع الفرض، وكراهة قطع النفل، من غير موجب لذلك، وإذا كان الله قد نهى عن إبطال الأعمال، فهو أمر بإصلاحها، وإكمالها وإتمامها، والإتيان بها، على الوجه الذي تصلح به علما وعملا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):