٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه وجهان أحدهما: هم أهل الكتاب قريظة والنضير والثاني: كفار قريش يدل على الأول قوله تعالى: {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ } قيل أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد عليه السلام، وقوله {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } تهديد معناه هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك، بل الشقاق مع الله فإن محمداً رسول الله ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق، وقوله {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ } قد علم معناه. فإن قيل قد تقدم في أول السورة أن الله تعالى أحبط أعمالهم فكيف يحبط في المستقبل؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المراد من قوله {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 1] في أول السورة المشركون، ومن أول الأمر كانوا مبطلين، وأعمالهم كانت على غير شريعة، والمراد من الذين كفروا ههنا أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول فأحبطها الله تعالى بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل والتوحيد، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلاً ولا كان معترفاً بالحشر الثاني: هو أن المراد بالأعمال ههنا مكايدهم في القتال وذلك في تحقق منهم والله سيبطله حيث يكون النصر للمؤمنين، والمراد بالأعمال في أول السورة هو ما ظنوه حسنة.
القرطبي
تفسير : يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود. وقال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر. نظيرها:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 36] الآية. {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ} أي عادوه وخالفوه. {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي علموا أنه نبيّ بالحجج والآيات. {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} بكفرهم. {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} أي ثواب ما عملوه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى: أنه لن يضر الله شيئاً، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية؛ كما أن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب؛ كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَـٰلَكُمْ} فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ثم روي من طريق عبد الله بن المبارك: أخبرني بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَـٰلَكُمْ} فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] فلما نزلت، كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائروالفواحش ونرجو لمن لم يصبها. ثم أمر تبارك وتعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَـٰلَكُمْ} أي بالردة، ولهذا قال بعدها: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} كقوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] الآية. ثم قال جل وعلا لعباده المؤمنين: {فَلاَ تَهِنُواْ} أي لا تضعفوا عن الأعداء، {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} أي المهادنة والمسالمة، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم، ولهذا قال: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} أي في حال علوكم على عدوكم. فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. وقوله جلت عظمته: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ} أي ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئاً، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } طريق الحق {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ } خالفوه {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } هو معنى سبيل الله {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَٰلَهُمْ } يبطلها من صدقة ونحوها فلا يرون لها في الآخرة ثواباً، نزلت في المطعمين من أصحاب بدر، أو في قريظة والنضير.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } المراد بهؤلاء: هم المنافقون، وقيل: أهل الكتاب، وقيل: هم المطعمون يوم بدر من المشركين، ومعنى صدّهم عن سبيل الله: منعهم للناس عن الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم معنى {شَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ }: عادوه وخالفوه {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } أي: علموا أنه صلى الله عليه وسلم نبيّ من عند الله بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج القاطعة {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } بتركهم الإيمان وإصرارهم على الكفر، وما ضرّوا إلاّ أنفسهم {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي: يبطلها، والمراد بهذه الأعمال: ما صورته صورة أعمال الخير كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن الكفر مانع، وقيل: المراد بالأعمال: المكائد التي نصبوها لإبطال دين الله، والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله؛ ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالهم، كما أبطلت الكفار أعمالها بالإصرار على الكفر، فقال: {وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } قال الحسن أي: لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي. وقال الزهري: بالكبائر. وقال الكلبي، وابن جريج: بالرياء والسمعة. وقال مقاتل: بالمنّ. والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال كائناً ما كان من غير تخصيص بنوع معين. ثم بيّن سبحانه أنه لا يغفر للمصرّين على الكفر، والصدّ عن سبيل الله، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } فقيد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر؛ لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حياً، وظاهر الآية العموم وإن كان السبب خاصاً. ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف، فقال: {فَلاَ تَهِنُواْ } أي: تضعفوا عن القتال، والوهن: الضعف {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } أي: ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءً منكم، فإن ذلك لا يكون إلاّ عند الضعف. قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا. وقرأ أبو عبد الرحمٰن السلمي (وتدّعوا) بتشديد الدال من ادّعى القوم وتداعوا. قال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة، وإنها ناسخة لقوله: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا }تفسير : [الأنفال: 61] وقيل: منسوخة بهذه الآية. ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداءً، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، أو التخصيص، وجملة {وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ } في محل نصب على الحال، أو مستأنفة مقرّرة لما قبلها من النهي، أي: وأنتم الغالبون بالسيف والحجة. قال الكلبي: أي: آخر الأمر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وكذا جملة قوله: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } في محل نصب على الحال، أي: معكم بالنصر، والمعونة عليهم {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } أي: لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وتراً: إذا نقصه حقه، وأصله من وترت الرجل: إذا قتلت له قريباً، أو نهبت له مالاً، ويقال فلان مأتور: إذا قتل له قتيل، ولم يؤخذ بدمه. قال الجوهري: أي: لن ينقصكم في أعمالكم، كما تقول دخلت البيت، وأنت تريد في البيت. قال الفراء: هو مشتق من الوتر وهو الدخل، وقيل: مشتق من الوتر وهو الفرد، فكأن المعنى: ولن يفردكم بغير ثواب. {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } أي: باطل وغرور لا أصل لشيء منها، ولا ثبات له ولا اعتداد به {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } أي: إن تؤمنوا بالله، وتتقوا الكفر والمعاصي يؤتكم جزاء ذلك في الآخرة، والأجر: الثواب على الطاعة {وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } أي: لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها، وهو الزكاة. وقيل: المعنى: لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله؛ لأنه أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها. وقيل: لا يسألكم أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة، كما في قوله: {أية : ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } تفسير : [الشعراء: 109] والأوّل أولى. {ؤإِن يَسْـئَلْكُمُوهَا } أي: أموالكم كلها {فَيُحْفِكُمْ } قال المفسرون: يجهدكم، ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد، والمحفي: المستقصي في السؤال، والإحفاء: الاستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب، أي: استئصاله، وجواب الشرط قوله: {تَبْخَلُواْ } أي: إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها، وتمتنعوا من الامتثال {وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ } معطوف على جواب الشرط، ولهذا قرأ الجمهور {يخرج} بالجزم وروي عن يعقوب الحضرمي أنه قرأ بالنون، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن، وحميد بالفوقية المفتوحة مع ضم الراء. وعلى قراءة الجمهور، فالفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، أو إلى البخل المدلول عليه بتبخلوا. والأضغان: الأحقاد، والمعنى: أنها تظهر عند ذلك. قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان. {هَاأَنتُمْ هَـؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون؛ لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } بما يطلب منه، ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال؟ ثم بيّن سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } أي: يمنعها الأجر والثواب ببخله، وبخل يتعدى بعلى تارة وبعن أخرى. وقيل: إن أصله أن يتعدى بعلى، ولا يتعدى بعن إلاّ إذا ضمن معنى الإمساك {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ } المطلق المتنزّه عن الحاجة إلى أموالكم {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } إلى الله، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وجملة: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } معطوفة على الشرطية المتقدّمة، وهي: {وإن تؤمنوا}، والمعنى: وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى، يستبدل قوماً آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } في التولي عن الإيمان والتقوى. قال عكرمة: هم فارس، والروم. وقال الحسن: هم العجم. وقال شريح بن عبيد: هم أهل اليمن، وقيل: الأنصار، وقيل: الملائكة، وقيل: التابعون. وقال مجاهد: هم من شاء الله من سائر الناس. قال ابن جرير: والمعنى: {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } في البخل بالإنفاق في سبيل الله. وقد أخرج عبد بن حميد، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضرّ مع لا إلٰه إلاّ الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم. وأخرج ابن نصر، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلاّ مقبول حتى نزلت: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئًا رجوناه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {يَتِرَكُمْ } قال: يظلمكم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه (عن ابي هريرة) قال: لما نزلت: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } قالوا: من هؤلاء؟ وسلمان إلى جانب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هم الفرس، هذا وقومه. وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وقد تفرّد به، وفيه مقال معروف. وأخرجه عنه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، ثم قال:«حديث : هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس»تفسير : ، وفي إسناده أيضاً مسلم بن خالد الزنجي. وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه.
الماوردي
تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} فيه وجهان: أحدهما: أطيعوا الله بتوحيده، وأطيعوا الرسول بتصديقه. الثاني: أطيعوا الله في حرمة الرسول، وأطيعوا الرسول في تعظيم الله. {وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، قاله الحسن. الثاني: لا تبطلوها بالكبائر، قاله الزهري. الثالث: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وأخلصوها لله، قاله ابن جريج والكلبي. قوله عز وجل: {وَلَن يَتِرَكُم أَعمَالَكْم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لن ينقصكم أعمالكم، قاله مجاهد وقطرب. وأنشد قول الشاعر: شعر : إن تترني من الإجارة شيئاً لا يفتني على الصراط بحقي تفسير : الثاني: لن يظلمكم، قاله قتادة، يعني أجور أعمالكم. الثالث: ولا يستلبكم أعمالكم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} قيل: هم أهل الكتاب قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ لأن أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل: هم كفار قريش. {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} إنما يضرون أنفسهم وهذا تهديد {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} فلا يُبْقي لهم ثواباً في الآخرة. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ هم المُطْعمُونَ يوم بدر. نظيرها قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال:36] وقيل: الأعمال ههنا مكايدهم في القتال. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} قال عطاء: بالشك والنفاق. وقال الكلبي: بالرِّياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب، كما لا ينفع مع الشِّرك عمل فنزلت هذه الآية فخافو الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: لا تَمُنُّوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد قال تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ}تفسير : [البقرة:264] فإنه يقول: فعلته لأجل قلبك ولولا أرضاك به لما فعلت وهذا مناف للإخلاص والله لا يقبل إلاَّ العَمَلَ الخالص. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} قيل: هم أصحاب القَليب. وقيل: اللفظ عام. قوله: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} يجوز جزم "تَدْعُوا" عطفاً على فعل النهي ونصبه بإضمار أن في جواب النهي. وقرأ أبو عبد الرحمن: بتشديد الدال فقال الزمخشري: مِن ادَّعَى القَوْمُ وتَدَاعَوْا مثل ارْتَمَوا الصَّيَد، وتَرَامَوْا. وقال غيره: بمعنى تغتروا. وتقدم الخلاف في السِّلْمِ. فصل لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات يحبط وذنبه الذي هوأقبح السيئات غير مغفور وأمر بطاعة الله وطاعة الرسول أمر بالقتال فقال: "فَلاَ تَهِنُوا" أي لا تَضْعُفُوا بعدما وجد السبب وهو الأمر بالجِدِّ والاجتهاد في القتال فقال: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} أي إلى الصلح ابتداء فمنع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا. قوله: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} جملة حالية، وكذلك {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} وأصل الأَعْلونَ الأَعْلَيُونَ فَأُعِلًّ. قال ابن الخطيب: أصله في الجمع الموافق أَعْلَيُونَ ومُصْطَفَيُونَ فسكنت الياء لكونها حرف علة تحرك ما قبله والواو كانت ساكنة فالتقى ساكنان فلم يكن بُدٌّ من حذف أحَدِهِما وتحريك الآخر والتحريك كان قد ثبت في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف والواو فيه كانت لمعنى لا يستفاد إلاَّ منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي أَعْلَوْنَ. وبهذا الدليل صار في الجرِّ أَعْلَيْنَ ومُصْطَفَيْنَ. ومعنى الأعلون الغالبون قال الكلبي: أخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} بالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. قوله: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي ينقصكم أو يفردكم عنها، فهو من وَتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قتلت له قتيلاً أو نَهَبْتَ مَالَهُ. أو من الوَتْر وهو الانفْراد. وقيل: كلا المعنيين يرجع إلى الإفْراد، لأن من قُتَل له قتيل، أو نهبَ له مال فقد أفرد عينه فمعنى: "لن يتركم أعمالكم" لَنْ يَنْقُصكُمْ شيئاً من ثواب أعمالكم يقال: وَتَرَه يَتِرُهُ وَتْراً وترَةً إذَا نقصه حَقَّهُ. قال ابن عباس: ـ (رضي الله عنهما) ـ وقتادة والضحاك: لن يَظْلِمَكُمْ أعمالكم الصالحة أن يؤتيكم أجورها. ثم حضَّ على طلب الآخرة فقال: {إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} باطل وغرور {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ} الفواحش {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} جزاء أعمالكم في الآخرة {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ} ربكم {أَمْوَالَكُمْ} لإيتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة. نظيره قوله: {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ}تفسير : [الذاريات:57]. وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم نظيره: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}تفسير : [ص:86]. وقيل: معنى الآية لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات إنما يسألانِكم غيضاً من فيض رُبع العشر فطيبوا بها نفساً. قاله ابن عُيَيْنَةَ. ويدل عليه سياق الآية. قوله: "فَيُحْفِكُمْ" عطف على الشرط و "تَبْخَلُوا" جواب الشرط. قال ابن الخطيب: الفاء في قوله: "فَيُحْفِكُمْ" لِلإشارَة إلى أن الإحْفَاءَ يتبع السؤال لشُحِّ الأَنْفُس، وذلك لأن العطف بالواو قد يكون لمباينين وبالفاء لا يكون إلا للمتعاقبين، أو متعلقين أحدهما بالآخر فكأنه تعالى يبين أن الإحْفَاء يقع عقيبَ السؤال لأن الإنسان بمجرد السؤال لا يعطي شيئاً. قال المفسرون: فيُحْفِكُمْ يُجْهِدُكم وبلحف عليكم بمسألة جميعها يقال: أَحْفَى فلانٌ فلاناً إذا جهده وَألحَفَ قلبهُ في المسألة. قوله: {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} العامة على إسناد "يُخْرِجْ" إلى ضمير فاعل إما الله تعالى أو الرسول أو السّؤَال؛ لأنه سبب وهو مجزوم عطفاً على جواب الشرط وروي عن أبي عمرو رفعه على الاستئنَافِ وقرأ أيضاً بفتح الياء وضم الراء ورفع "أَْضْغَانُكُمْ" فاعلاً. وابن عباس في آخرين وتَخْرُجْ ـ بالتاء من فوق وضم الراء ـ أضْغَانُكُمْ فاعل به. ويعقوب وَنخْرِجْ بنون العظمة وكسر الراء أضْغَانَكُمْ نصباً. وقرىء: وَيُخْرَجْ بالياء على البناء للمفعول أضْغَانُكُمْ رفعاً به. وعيسى كذلك إلا أنه نصبه بإضمار أن عطفاً على مصدر متوهم أي بأن يُكَفَّ بُخْلُكُمْ وإخْرَاجَ أضغَانِكُمْ بُغْضُكُمْ وَعَدَاوَتُكُمْ. فصل قال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأَضْغَان يعني ما طلبها ولو طلبها وألحَّ عليكم في الطلب لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير فيخرج أضغانكم بسببه. فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه إذا طلبوا منكم وأنتم لمحبة الأموال وشُحِّ الأنفس تمتنعون فيفضي إلى القتال وتظهر به الضغائن. ثم بين ذلك بقوله: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ} قد طلبت منكم اليسير فيحفكم فكيف لو طلبت منك الكل؟. قوله: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ} (قال الزمخشري: هؤلاء) موصول صلته "تدعون" أي أنتم الذين تدعون أو أنتم يا مخاطَبُون هؤلاء المؤمنون. ثم استأنف وصفهم كأنهم قالو: وما وَصْفُنَا؟ فقيل: تُدْعَوْنَ. وقال ابن الخطيب: "هؤلاء" تحتمل وجهينِ: أحدهما: أن تكون موصولة كأنه قال: أنتم الذين تُدْعَوْنَ لتنفقوا في سبيل الله. وثانيهما: هؤلاء وحدها خبر "أنتم" كما يقال::أنت (أنت و) أنت هذا تحقيقاً للشهرة والظهور أي ظهور أثركم بحيث لا حاجة إلى الإخبار عنكم بأمْر مغاير. وقد تقدم الكلام على قوله: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ} مُشْبَعاً في آلِ عِمْرَانَ. وقوله: "تُدْعَوْنَ" أي إلى الإنفاق إما في سبيل الله بالجهاد وإما صرفه إلى المستحقين من إخوانكم. قوله: {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} بما فرض عليه من الزكاة {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي إن ضرر ذلك البخل عائد إليه فلا تظنوا أنهم ينفقون على غيرهم بل لا ينفقونه إلا على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة (الطّبيب) وثمن الدواء وهو مريضٌ فلا يبخل إلا على نفسه ثم حقق ذلك بقوله: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} أي غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله: {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} إليه وإلى ما عنده من الخير حتى لا تقولوا بأنا أغنياء عن القتال ودفع حاجة الفقراء. قوله: {يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} بَخِلَ وضنَّ يتعديان بـ "عَلَى" تارةً وبـ "عَنْ" أخرى. والأجود أن يكون حال تعديهما بـ "عَنْ" مُضَمَّنَيْن معنى الإمساك. قوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} هذه (الجملة الشرطية عطف على) الشرطية قبلها. و "ثُمَّ لاَ يَكُونُوا" عطف على "يَسْتَبْدِلْ". فصل ذكر بيان الاستغفار كما قال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [فاطر:16] قال المفسرون: إن تَتَوَلَّوْا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم. قال الكلبي: هم كِنْدَةُ والنَّخْعُ. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: فارس (والروم) لما روى أبو هريرة "حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلا قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} قال يا رسول الله: من هؤلاء الذين إن تولينا اسْتُبْدِلُوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فَخدِ سَلْمَانَ الفَارسيِّ ثم قال: هذا وقومه ولو كان الدين عند الثُّرَيَّا لتناوله رجالٌ من الفرس. وقيل: هم قوم من الأنْصارِ ". تفسير : فصل قال ابن الخطيب: ههنا مسألة، وهي أن النُّحَاةَ قالوا: يجوز في المعطوف على جواب الشرط "بالواو والفاء وثُمَّ" الجزم والرفع، تقول: إنْ تَأتِنِي آتِكَ فَأُخْبِرُكَ بالجزم والرفع جميعاً، قال الله تعالى ههنا {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} وقال {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} بالجزم وقال في موضع آخر: {أية : وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}تفسير : [آل عمران:111] بالرفع، لإثبات النون. وفيه تدقيق: وهو أن قوله: "لاَ يَكُونُوا" متعلق بالتوالي؛ لأنهم إن لم يَتَوَلَّوْا يَكُونوا مثلَ من يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين وكون من يأتي بهم مطيعين. وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلم يكن التعلق هناك بما وقع بالابتداء وههنا جزم. وقوله: {يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} في الوصف لا في الجنس. روى أُبَيُّ بن كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَة مُحَمَّدٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيهُ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ"تفسير : . (صدق رسول اله ـ صلى الله عليه وسلم وشرفَ وكرمَ).
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كفروا وصدوا} اى منعوا الناس {عن سبيل الله} اى عن دين الاسلام الموصل الى رضى الله تعالى {وشاقوا الرسول} وعادوه وخالفوه وصارو فى شق غير شقه والمخالفة اصل كل شر الى يوم القيامة {من بعدما تبين لهم الهدى} بما شاهدوا نعته عليه السلام فى التوراة وبما ظهر على يديه من المعجزات ونزل عليه من الآيات وهم قريضة والنضير أو المطعمون يوم بدر وهم رؤساء قريش {لن يضروا الله} بكفرهم وصدهم {شيئا} من الاشياء يعنى زيانى نتواند رسانيد خدا يرا جيزى يعنى از كفر ايشان اثر ضررى بدين خداى وبيغمبر او نرسد بلكه شرر آن شر بديشان عائد كردد. او شيئا من الضرر او لن يضروا رسول الله بمشاقته شيئا وقد حذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته {وسيحبط} السين لمجرد التأكيد {اعمالهم} اى مكايدهم التى نصبوها فى ابطال دينه تعالى ومشاقة رسوله فلا يصلون بها الى ما كانوا يبغون من الغوائل ولا يتم لهم الا القتل كما لقريظة واكثر المطعمين ببدر والجلاء عن اوطانهم كما للنضير
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالولاية {وَصَدُّواْ} اعرضوا او منعوا غيرهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الّذى هو علىٌّ (ع) وولايته {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ} خالفوه او اتعبوه فى اهل بيته بعد اخذه الميثاق عليهم بولايته {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} او لن يضرّوك او لن يضرّوا عليّاً (ع) {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} الّتى عملوها فى الاسلام.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَشَآقُّواْ الرَّسُولَ} أي خالفوه وعادوه* {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} المراد عند بعضهم كل كافر. وقالت فرقة: المراد بنو اسرائيل وقيل في قريظة والنضير وقالت فرقة في قوم من المنافقين وقال ابن عباس في المطعمين يوم بدر* {لَن يَضُرُّواْ اللهَ شَيْئاً} أي ضر ما بل يضرون أنفسهم* {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} التى يرجون بها الثواب لكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أو المكائد التى نصبوها له فلا يصلونها بل تكون عليهم وقد قتل قريظة والنضير وأخرجوا وكذا غيرهم
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين كَفَروا وصدُّوا عَن سَبيل الله} أعرضوا عن سبيل الله سبحانه وتعالى، وصدوا الناس عنه {وشاقوا الرَّسُول} صاروا فى شق غير الشق الذى هو فيه، وهو دين غير دينه، والجملة مؤكدة لما قبلها أو المعنى عادوه، وذلك أيضا كونهم فى شق غير شق فيه لزوما، فان من عاديته لا تتابعه {مِن بَعْد ما تبيَّن لهم الهُدى} بآيات القرآن والتوراة والانجيل والمعجزات، وهم بنو قريظة والنضير، وقيل المطعمون يوم بدر، والآيات فى حق القرآن والمعجزات، وقد يخبرهم أيضا أهل التوراة والانجيل ببعض نعته صلى الله عليه وسلم فى كتبهم، وكذا فى قول من قال: المراد أناس آمنوا ثم نافقوا. {لنْ يضَروا} بكفرهم وصدهم {الله} اذ لا يناله ضر ولا نفع، وهو خالق النفع والضر، ولا يحتاج، وانما ضروا أنفسهم، أو يقدر لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحذف المضاف لتكون صورة الكلام أن مضرة رسوله مضره له تعالى، وهو منزه عن المضرة، وفى ذلك تفظيع مشاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم {شيئاً} مفعول مطلق أى ضرا ما من الأضرار، ولا يصح أن يقال شيئا من الأشياء {وسَيُحبْط أعمْالهم} يبطل ما عملوا من المكائد فى قتله أو بدنه أو عقله، وفى ابطال دينه، ولم يؤثروا فى ذلك به، أجلاهم وقتلهم، أو يظهر بطلان ما عملوا من حسنات فلم يثابوا عليها.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ } صاروا في شق غير شقه، والمراد / عادوه {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } لما شاهدوا من نعته عليه الصلاة والسلام في التوراة أو بما ظهر على يديه صلى الله عليه وسلم من المعجزات ونزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات وهم بنو قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر وقد تقدم ذكرهم، وقيل: أناس نافقوا بعد أن آمنوا {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ } بكفرهم وصدهم {شَيْئاً } من الأشياء أو شيئاً من الضرر أو لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته شيئاً؛ وقد حذف المضاف لتعظيمه عليه الصلاة والسلام بجعل مضرته وما يلحقه كالمنسوب إلى الله تعالى وفيه تفظيع مشاقته صلى الله عليه وسلم. {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ } في مكايدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى ومشاقة رسوله عليه الصلاة والسلام فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم ونحو ذلك، وجوز أن يراد أعمالهم التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب.
سيد قطب
تفسير : الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى}.. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاماً لكل من يقف هذا الموقف؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهراً أو سراً. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال. أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعياً الشح الفطري في النفوس! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوماً غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجاً لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم.. {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وشاقوا الرسول - من بعد ما تبين لهم الهدى - لن يضروا الله شيئاً، وسيحبط أعمالهم}.. إنه قرار من الله مؤكد، ووعد منه واقع: أن الذين كفروا، ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس؛ وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم- في حياته بإعلان الحرب عليه، والمخالفة عن طريقه، والوقوف في غير صفه. أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته. وذلك {من بعد ما تبين لهم الهدى}.. وعرفوا أنه الحق؛ ولكنهم اتبعوا الهوى، وجمح بهم العناد، وأعماهم الغرض، وقادتهم المصلحة العاجلة.. قرار من الله مؤكد، ووعد من الله واقع أن هؤلاء {لن يضروا الله شيئاً}.. وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه وتعالى. فليس هذا هو المقصود. إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله ولا منهجه ولا القائمين على دعوته. ولن يحدثوا حدثاً في نواميسه وسننه. مهما بلغ من قوتهم، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت. فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها؛ وليست ضراً حقيقياً لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه. والعاقبة مقررة: {وسيحبط أعمالهم}.. فتنتهي إلى الخيبة والدمار. كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام! وفي ظل هذا المصير المخيف للذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول.. يلتفت إلى الذين آمنوا ليحذرهم ظل هذا المصير، ويوجههم إلى طاعة الله وطاعة الرسول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم}.. وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة؛ أو من تثقل عليه بعض التكاليف، وتشق عليه بعض التضحيات، التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام، وتناوشه من كل جانب؛ والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائياً كما تقتضي العقيدة ذلك. ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفاً عميقاً في نفوس المسلمين الصادقين، فارتعشت له قلوبهم، وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم، ويذهب بحسناتهم.. قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم}.. فخافوا أن يبطل الذنب العمل. وروي من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرني بكر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: "كنا معشر أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم}.. فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش. حتى نزل قوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.. تفسير : فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها. ومن هذه النصوص يتجلى كيف كانت نفوس المسلمين الصادقين تتلقى آيات القرآن: كيف تهتز لها وتضطرب، وكيف ترتجف منها وتخاف، وكيف تحذر أن تقع تحت طائلتها، وكيف تتحرى أن تكون وفقها، وأن تطابق أنفسها عليها.. وبهذه الحساسية في تلقي كلمات الله كان المسلمون مسلمين من ذلك الطراز! ثم بين الله لهم في الآية التالية مصير الذين يشاقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخرجون عن طاعته، ثم يصرون على هذا، ويذهبون من هذه الأرض كافرين: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، ثم ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم}.. فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا؛ وباب التوبة يظل مفتوحاً للكافر والعاصي حتى يغرغر. فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود. ومثل هذه الآية يخاطب المؤمنين كما يخاطب الكفار. فأما هؤلاء فهي نذارة لهم ليتداركوا أمرهم ويتوبوا قبل أن تغلق الأبواب. وأما أولئك فهي تحذير لهم وتنبيه لاتقاء كافة الأسباب التي تقرب بهم من هذا الطريق الخطر المشؤوم! ندرك هذا من ترتيب النهي عن الوهن والدعوة إلى السلم في الآية التالية على ما ورد في الآية السابقة من بيان لمصير الكافرين المشاقين: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم، وأنتم الأعلون والله معكم، ولن يتركم أعمالكم}.. فهذا هو الذي يحذر المؤمنين إياه، ويضع أمامهم مصير الكفار المشاقين للرسول، ليحذروا شبحه من بعيد! وهذا التحذير يشي بوجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة؛ وتهن عزائمهم دونه؛ ويرغبون في السلم والمهادنة ليستريحوا من مشقة الحروب. وربما كان بعضهم ذوي قرابة في المشركين ورحم، أو ذوي مصالح وأموال؛ وكان هذا يجنح بهم إلى السلم والمهادنة. فالنفس البشرية هي هي؛ والتربية الإسلامية تعالج هذا الوهن وهذه الخواطر الفطرية بوسائلها. وقد نجحت نجاحاً خارقاً. ولكن هذا لا ينفي أن تكون هنالك رواسب في بعض النفوس، وبخاصة في ذلك الوقت المبكر من العهد المدني. وهذه الآية بعض العلاج لهذه الرواسب. فلننظر كيف كان القرآن يأخذ النفوس. فنحن في حاجة إلى تحري خطوات القرآن في التربية. والنفوس هي النفوس: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم. وأنتم الأعلون. والله معكم. ولن يتركم أعمالكم}.. أنتم الأعلون. فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم. أنتم الأعلون اعتقاداً وتصوراً للحياة. وأنتم الأعلون ارتباطاً وصلة بالعلي الأعلى. وأنتم الأعلون منهجاً وهدفاً وغاية. وأنتم الأعلون شعوراً وخلقاً وسلوكاً.. ثم.. أنتم الأعلون قوة ومكاناً ونصرة. فمعكم القوة الكبرى: {والله معكم}.. فلستم وحدكم. إنكم في صحبة العلي الجبار القادر القهار. وهو لكم نصير حاضر معكم. يدافع عنكم. فما يكون أعدائكم هؤلاء والله معكم؟ وكل ما تبذلون، وكل ما تفعلون، وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب لكم، لا يضيع منه شيء عليكم: {ولن يتركم أعمالكم}.. ولن يقطع منها شيئاً لا يصل إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه. فعلام يهن ويضعف ويدعو إلى السلم، من يقرر الله - سبحانه - له أنه الأعلى. وأنه معه. وأنه لن يفقد شيئاً من عمله. فهو مكرم منصور مأجور؟ هذه هي اللمسة الأولى. واللمسة الثانية تهوين من شأن هذه الحياة الدنيا، التي قد يصيبهم بعض التضحيات فيها. وتوفية كاملة في الآخرة للأجور مع عدم إبهاظهم ببذل المال مقابل هذه الأجور! {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو. وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم}.. والحياة الدنيا لعب ولهو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى. حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله فيها. ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة؛ ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية. وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة التالية في الآية: {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم}.. فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعباً ولهواً، ويطبعها بطابع الجد، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني، إلى مستوى الخلافة الراشدة، المتصلة بالملأ الأعلى. ويومئذ لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعاً ولا مقطوعاً؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى، في الدار الأبقى.. ومع هذا فإن الله لا يسأل الناس أن يبذلوا أموالهم كلها، ولا يشق عليهم في فرائضه وتكاليفه، لعلمه سبحانه بشح نفوسهم فطرة وخلقة. وهو لا يكلف نفساً إلا وسعها. وهو أرحم بهم من أن يكلفهم بذلها كلها، فتضيق صدورهم وتظهر أضغانهم: {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا، ويخرج أضغانكم}.. وهذا النص يوحي بحكمة اللطيف الخبير، كما يوحي برحمته ولطفه بالنفوس. ويكشف عن التقدير الدقيق في تكاليف هذا الدين، ومراعاته للفطرة، وتناسقه مع بشرية البشر بكل استعداداتها، وطاقاتها، وأحوالها. فهو عقيدة ربانية لإنشاء نظام رباني إنساني. نظام رباني من ناحية أن الله هو الذي يقيم منهجه وقواعده؛ وإنساني من ناحية أن الله يراعي في تكاليفه طاقة الإنسان وحاجته. والله هو الذي خلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. وفي النهاية يواجههم بواقع حالهم تجاه دعوتهم إلى البذل في سبيل الله؛ ويعالج شح النفوس بالمال بالوسائل القرآنية، كما عالج شحها في ذات النفس عند الجهاد: {ها أنتم هـؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله. فمنكم من يبخل. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه. والله الغني وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.. والآية ترسم صورة وصفية لواقع الجماعة المسلمة يومذاك. ولواقع الناس تجاه الدعوة إلى البذل في كل بيئة. فهي تقرر أن منهم من يبخل. ومعنى هذا أن هنالك من لا يبخلون بشيء. وقد كان هذا واقعاً، سجلته الروايات الكثيرة الصادقة، وسجله القرآن في مواضع أخرى. وقد حقق الإسلام في هذا المجال مثلاً تحسب من خوارق الأمثال في البذل والتضحية عن رضى وعن فرح بالبذل والعطاء. ولكن هذا لم يمنع أن يكون هنالك من يبخل بالمال. ولعل الجود بالنفس أرخص عند بعضهم من الجود بالمال! والقرآن يعالج هذا الشح في هذه الآية: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه}.. فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد، يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون. فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور. فإذا بخلوا بالبذل، فإنما يبخلون على انفسهم؛ وإنما يقللون من رصيدهم؛ وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم؛ وإنما يحرمونها بأيديهم! أجل. فالله لا يطلب إليهم البذل، إلا وهو يريد لهم الخير، ويريد لهم الوفر، ويريد لهم الكنز والذخر. وما يناله شيء مما يبذلون، وما هو في حاجة إلى ما ينفقون: {والله الغني وأنتم الفقراء}.. فهو الذي أعطاكم أموالكم، وهو الذي يدخر لكم عنده ما تنفقونه منها. وهو الغني عما أعطاكم في الدنيا، الغني عن أرصدتكم المذخورة في الآخرة. وأنتم الفقراء في الدارين وفي الحالين. أنتم الفقراء إلى رزقه في الدنيا، فما لكم من قدرة على شيء من الرزق إلا أن يهبكم إياه. وأنتم الفقراء إلى أجره في الآخرة، فهو الذي يتفضل به عليكم، وما أنتم بموفين شيئاً مما عليكم، فضلاً على أن يفضل لكم شيء في الآخرة، إلا أن يتفضل عليكم. ففيم البخل إذن وفيم الشح؟ وكل ما في أيديكم، وكل ما ينالكم من أجر على ما تنفقون هو من عند الله، ومن فضل الله؟ ثم الكلمة الأخيرة وهي فصل الخطاب.. إن اختيار الله لكم لحمل دعوته تكريم ومنّ وعطاء. فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلاً لهذا الفضل، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة، وإذا لم تدركوا قيمة ما أعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه.. فإن الله يسترد، ما وهب، ويختار غيركم لهذه المنة ممن يقدر فضل الله: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم}.. وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان، وأحس بكرامته على الله، وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم. ويمشي في الأرض بسلطان الله في قلبه؛ ونور الله في كيانه؛ ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه.. وما يطيق الحياة وما يطعمها إنسان عرف حقيقة الإيمان وعاش بها ثم تسلب منه، ويطرد من الكنف، وتوصد دونه الأبواب. لا بل إن الحياة لتغدو جحيماً لا يطاق عند من يتصل بربه ثم يطبق دونه الحجاب. إن الإيمان هبة ضخمة، لا يعدلها في هذا الوجود شيء؛ والحياة رخيصة رخيصة، والمال زهيد زهيد، حين يوضع الإيمان في كفة، ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه.. ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن، وهو يتلقاه من الله..
ابن عاشور
تفسير : الظاهر أن المعنيّ بالذين كفروا هنا الذين كفروا المذكورون في أول هذه السورة وفيما بعد من الآيات التي جرى فيها ذكر الكافرين، أي الكفار الصرحاء عاد الكلام إليهم بعد الفراغ من ذكر المنافقين الذين يخفون الكفر، عودا على بدء لتهوين حالهم في نفوس المسلمين، فبعد أن أخبر الله أنه أضل أعمالهم وأنهم اتبعوا الباطل وأمر بضرب رقابهم وأن التعس لهم وحقَّرهم بأنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وأن الله أهلك قرى هي أشد منهم قوة، ثم جرى ذكر المنافقين، بعد ذلك ثُني عنان الكلام إلى الذين كفروا أيضاً ليعرِّف الله المسلمين بأنهم في هذه المآزق التي بينهم وبين المشركين لا يَلحقهم منهم أدنى ضُرّ، وليزيد وصف الذين كفروا بأنهم شاقّوا الرسول صلى الله عليه وسلم. فالجملة استئناف ابتدائي وهي توطئة لقوله: {أية : فلا تهنوا وتدْعُوا إلى السلم}تفسير : [محمد: 35]. وفعل {شاقُّوا} مشتق من كلمة شِق بكسر الشين وهو الجانب، والمشاقة المخالفة، كني بالمشاقة عن المخالفة لأن المستقر بشِق مخالف للمستقر بشق آخر فكلاهما مخالف، فلذلك صيغت منه صيغة المفاعلة. وتبيُّن الهدى لهم: ظهور ما في دعوة الإسلام من الحق الذي تدركه العقول إذا نبهتْ إليه، وظهور أن أمر الإسلام في ازدياد ونماء، وأن أمور الآخرين في إدبار، فلم يردعهم ذلك عن محاولة الإضرار بالرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}تفسير : [الرعد: 41]. فحصل من مجموع ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم رسولُ الله، وأن الإسلام دين الله. وقيل المراد بالذين كفروا في هذه الآية يهود قريظة والنضير، وعليه فمشاقتهم الرسول صلى الله عليه وسلم مشاقة خفية مشاقَّة كيد ومكْر، وتبيُّن الهدى لهم ظهور أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الموعود به في التوّراة وكتب الأنبياء، فتكون الآية تمهيداً لغزو قريظة والنضير. وانتصب {شيئاً} على المفعول المطلق لـــ {يَضُروا} والتنوين للتقليل، أي لا يضرّون في المستقبل الله أقل ضرّ. وإضرار الله أريد به إضرار دينه لقصد التنويه والتشريف لهذا الدين بقرينة قوله: {وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى}. والإحباط: الإبطال كما تقدم آنفاً. ومعنى إبطال أعمالهم بالنسبة لأعمالهم في معاملة المسلمين أن الله يلطف برسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بتيسير أسباب نصرهم وانتشار دينه، فلا يحصِّل الذين كفروا من أعمالهم للصد والمشاقة على طائل. وهذا كما تقدم في تفسير قوله: {أية : أضلّ أعمالهم}تفسير : [محمد: 1]. وحرف الاستقبال هنا لتحقيق حصول الإحباط في المستقبل وهو يدل على أن الله محبط أعمالهم من الآن إذ لا يعجزه ذلك حتى يترصد به المستقبل، وهذا التحقيق مثل ما في قوله في سورة يوسف {أية : قال سوف أستغفر لكم ربي}تفسير : [يوسف: 98].
الشنقيطي
تفسير : الظاهر أن صدوا في هذه الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله فهم ضالون مضلون. وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم}تفسير : [النحل: 97]. الآية. أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول. وصدوا هنا، إن قدرت لازمة فمعنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله كفروا. وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيساً. لأن قوله: كفروا يدل على كفرهم في أنفسهم. وقوله: وصدوا على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق، وهذا أرجح مما قبله. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُول} أي خالفوا محمداً صلى الله عليه وسلم مخالفة شديدة. وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين أحدهما أن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه صلى الله عليه وسلم لن يضروا الله بكفرهم شيئاً، لأنه غني لذاته الغنى المطلق. والثاني أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم، لأن ذلك الكفر سبب لإحباط أعمالهم، كما قال تعالى: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من كتاب الله. فمن الآيات الدالة على الأول الذي هو غنى الله عن خلقه، وعدم تضرره بمعصيتهم، قوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 97]. وقوله تعالى:{أية : إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ}تفسير : [الزمر: 7]. وقوله تعالى:{أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}تفسير : [إبراهيم: 8]. وقوله تعالى:{أية : قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس: 68]. وقوله تعالى:{أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}تفسير : [التغابن: 6]. وقوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}تفسير : [فاطر: 15] إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على الثاني وهو إحباط أعمالهم بالكفر أي إبطالها به قوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]. وقوله تعالى:{أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}تفسير : [إبراهيم: 18] الآية. وقوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور: 39]. وقوله تعالى:{أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 16] إلى غير ذلك من الآيات.
القطان
تفسير : شاقّوا الرسول: عادوه وخالفوه. فلا تهِنوا: فلا تضعُفوا عن القتال. وتدعوا الى السلم: تدعوا الكفار الى الصلح خوفا منهم. الأعلَون: الغالبون. لن يتركم اعمالكم: لن يُنقص اعمالكم يعني ان الله لا يظلمكم. فيُحْفِكم: فيلحّ عليكم ويجهدكم بطلبها، يقال احفاه بالمسألة: اذا لم يترك شيئا من الالحاح. أضغانكم: أحقادكم. بعد ان بيّن الله تعالى حال المنافقين ذكَر هنا حال أساتذتهم اليهود الذين كفروا بالله وصدّوا الناس عن الاسلام بخبثهم ومكرهم، وعادَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. وقد تبين لهم صدقُه وأنه رسولُ من عند الله، وعندهم وصفُه في التوراة.. فهؤلاء لن يضروا الله شيئا، وإنما يضرّون أنفسَهم، وسيحبط الله مكايدَهم التي نصبوها للاسلام والمسلمين. ثم أمر الله عباده المؤمنين بطاعته وطاعةِ رسوله الكريم في كل ما يأمران به، وان لا يبطلوا أعمالَهم برفض طاعتهما فيرتدّوا، ولا يقبل الله مع الشرك اي عمل. وعن قتادة قال في الآية: من استطاع منكم ان لا يُبطل عملاً صالحاً بعمل سوءٍ فليفعل. ثم بين الله مصير الذين كفروا وصدّوا الناسَ عن الدخول في الاسلام، ثم ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم. وحرّض المسلمين بأن يقاتلوا الكفار بقوله: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} إياكم ان تضعفوا وتدعوا اعداءكم الى السلم فأنتم المنتصرون. والله معكم بنصره، ولن ينقصكم ثواب اعمالكم. ثم أكد على المؤمنين بأنه لا ينبغي الحِرصُ على الدنيا فإنها ظلٌّ زائل، وما هذه الحياة الا لعب ولهو. {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} الا القليل النزر الذي فيه اصلاح المجتمع للمعونة على القيام بالمرافق العامة. وهو عليم بأنكم أشحّة على أموالكم، فلو طلبها لبخلتم بها وظهرتْ أحقادكم على طالبيها. واللهُ قد طلب إليكم الانفاق في سبيله، فان بخلتم فضرر ذلك عائد اليكم. وهذا حاصل اليوم، فان معظم أموال البترول مكدّسة في بلاد الغرب، والمسيطرون على هذه الاموال ينفقون على ملذّاتهم الملايين، ويبخلون بالإنفاق في سبيل الله وتسليح المخلصين من العرب ليصدّوا عدوان اليهود وغيرهم من الاعداء. {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} كأن الآيةَ نزلت في وقتنا الحاضر، وهي صريحةٌُ في شرح احوالنا. وهنا يأتي التهديد المخيف اذ يقول تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} فان تعرِضوا وتبخَلوا باموالكم ولا تنفقوا في سبيل الله، فان الله غنيٌّ عنكم يستبدلُ مكانكم قوماً غيركم، فيكونوا خيراً منكم، يقيمون دينه، ويبذلون أموالَهم في سبيلِ الله بسَخاء، وينصرون هذا الدينَ العظيم. اللهم ألهمنا الصوابَ في القول والعمل.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالَهُمْ} (32) - إنَّ الذِينَ كَفَرُوا باللهِ، وَارتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَم وَخَالَفُوا الرَّسُولَ، وَوَقَفُوا في وَجْهِ الحَقِّ أنْ يَبْلغَ النَّاسَ، وَصَدُّوا النَّاسَ عنِ الدُّخُولِ في الإِسْلامِ بالقُّوَّةِ وبِالمَالِ وَبالخِدَاعِ، وَشَاقُّوا الرَّسُولَ بِمُحَارَبتِهِ في حَيَاتِهِ، وَبِمُحَارَبةِ دِينِهِ أَوْ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ مَماتِهِ. إنَّ الذِينَ يُقْدِمُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ هُوَ الحَقُّ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً، لأنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، وَنَاصِرُ رَسُولِهِ وَمُظْهِرُ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّه، وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ، وَسَيُحْبِطُ اللهُ أعْمالَهَم، فَتَنْتَهِي إلى الخَيْبَةِ وَالدَّمَارِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن هؤلاء لم يكتفوا بأنْ كفروا في أنفسهم، بل تعدَّوْا ذلك {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 32] منعوا الناس أنْ يؤمنوا بالله ووقفوا في وجه الدعوة وحاربوها. ثم {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ ..} [محمد: 32] يعني: خالفوه وعادوه، بحيث كانوا في شق وهو في شق {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ..} [محمد: 32] أي: الحق الواضح. والنتيجة {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ..} [محمد: 32]. فهذه كلها محاولات فاشلة لن تغني عنهم شيئاً، ولن تؤثر في مسيرة الدعوة، لماذا؟ لأن الحق سبحانه ما كان ليبعث رسولاً إلى الخلق ثم يُسلمه إليهم ليقتلوه، هذه سنة من سنن الله في الكون لم يقتل رسول. نعم أخبرنا الحق سبحانه عن بني إسرائيل أنهم كانوا يقتلون الأنبياء، ولم يُقلْ الرسل: {أية : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 91] وتأمل هنا كلمة {مِن قَبْلُ} فليس لأحد من اليهود أو حتى من المسلمين أنْ يقول أنه من الممكن أن اليهود يقتلون رسول الله كما قتلوا أنبياءهم، لأن هذا القتل كان قبل محمد. إذن: اطمئنوا لن ينالوا من رسول الله شيئاً، فهذه الآية أحدثتْ اطمئناناً عند المسلمين ويأساً عند الكافرين من هذه المسألة، وهم بالفعل قد حاولوا لكن هيهات لهم ذلك. ثم إن كفره في نفسه له جزاء، وصده لغيره عن الإيمان له جزاء آخر، لأنه ضَلَّ وأضل، ونفهم من كلمة {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 32] أن سبيل الله طريقٌ معتدل مستقيم يجذب الناس إليه بالمنطق المعتدل، وبحلو الكلام، وبالأسلوب الجميل الشيق الذي تلين له القلوب رغم غلظتها. فطبيعي من الكافرين أنْ يقفوا على هذه الطريق يمنعون الناس عن الإيمان وعن سماع القرآن، لذلك حكى القرآن عنهم قولهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}تفسير : [فصلت: 26] فهم على يقين من أن سماع القرآن سيؤثر فيهم ويعطف قلوبهم إليه. ولم يكتفوا بعدم السماع، إنما {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..}تفسير : [فصلت: 26] شوِّشوا عليه حتى لا يصل إلى أسماع الآخرين، ذلك لأنهم أهل لغة وأهل فصاحة يتذوّقون الألفاظ والأساليب وينفعلون لها. وقوله تعالى: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32] يعني: يبطلها ويجعلها غير ذات جدوى، ومعنى (أعمالهم) أي: أعمالهم في الصدِّ عن سبيل الله، أو أعمالهم الخيّرة التي فعلوها في الدنيا، ومن أعمالهم أنهم كانوا ينفقون الأموال؛ ليصدُّوا الناسَ بها عن الحق. وفي هذا يقول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ..}تفسير : [الأنفال: 36]. فقد أنفقوا أموالهم دون فائدة أخذها الناسُ منهم وضحكوا عليهم، كما يحدث عندنا مثلاً في الانتخابات، يشترون الأصوات بالأموال، فيأخذ الناسُ الأموالَ ولا يعطونم أصواتهم لأنهم لا يستحقونها. القسم الثاني من أعمالهم بعد المال هو القتال، والقتال له واقع في صراعهم مع الحق، والله يدعوهم: يا مَنْ تحملون السلاح لتشاقّوا الرسول، اعتبروا من الواقع الذي أمامكم: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..}تفسير : [الرعد: 41] ألم يروا أنَّ أرض الإسلام كلّ يوم في ازياد، وأرض الكفر كل يوم في انحسار ونقصان. وفي بدر يقول سبحانه: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 7] طائفة العير التي تحمل البضائع والأموال وكان حُراسها قليلين، وطائفة النفير التي خرجتْ لحماية القافلة والتي كان يقودها أبو سفيان. فكان المسلمون يريدون طائفة العير التي فيها الأموال، لكن لله تعالى شأن آخر، هم يريدون المال، والله يريد إحقاقَ الحق وإعلاء كلمته ودحر الكفر، وحتى لا تكون هناك شبهة تُؤخذ على المسلمين، وأنهم ما خرجوا إلا للمال والغنائم التي تُعوِّض خسارتهم في مكة. يقول تعالى: {أية : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 7] أي: العير {أية : وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ}تفسير : [الأنفال: 7-9]. نعم لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه واستغاثه: "حديث : اللهم نصْرك الذي وعدتني، اللهم إنْ تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض"تفسير : وسيدنا أبو بكر يقول للرسول: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك. وكان صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى النصر على طائفة النفير ذات الشوكة لأنه لا يريد المال، إنما يريد أنْ يُحقَّ الحق ويُزهقَ الباطل، وعلى مقدار الصبر يكون المدد من الله، فإنْ أردتَ أنْ تكبِّر المدد فكبّر الصبر وكبّر الرضى وكبّر العزيمة. الله تعالى لو شاء لانتصر منهم بدون قتال، لكن أراد أنْ تُقاتلوهم لتُظهروا قوتكم وتفوّقكم عليهم {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14] ولو هزمهم بآية كونية من عنده سبحانه لقالوا: ظاهرة طبيعية كونية، لا قدرة لنا عليها. كذلك في يوم حنين {أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}تفسير : [التوبة: 25]. فلما اغتر المسلمون بكثرة العدد لقَّنهم درساً يُؤدِّبهم به، وتفوق عليهم أعداؤهم، ثم تداركهم برحمته، وكتب لهم النصر في نهاية المعركة، ففي نفس اللقاء أدَّب المؤمنين برسول الله، وأدَّب الذين شاقوا رسول الله. وهذا يُعلِّمنا درساً هو أن الهزيمة للمؤمنين، ليست لهوانهم على الله، إنما تربية لهم ليُصحِّحوا المفاهيم ويُعدِّلوا المسيرة، وهذا الدرس واضح في غزوة أُحُد كما تعلمون. فلما خالفوا أوامر القائد هُزموا، ولو انتصروا في هذه الغزوة لَهانَ عليهم بعد ذلك أمر رسول الله، ولقالوا: خالفنا أوامره في أُحُد وانتصرنا. لذلك يقولون في هذه الغزوة: هُزِم المسلمون وانتصر الإسلام. إذن أحبط اللهُ أعمالهم في الجانبين، جانب المال، وجانب القتال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا وعيد شديد لمن جمع أنواع الشر كلها، من الكفر بالله، وصد الخلق عن سبيل الله الذي نصبه موصلا إليه. { وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى } أي: عاندوه وخالفوه عن عمد وعناد، لا عن جهل وغي وضلال، فإنهم { لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } فلا ينقص به ملكه. { وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ } أي: مساعيهم التي بذلوها في نصر الباطل، بأن لا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران، وأعمالهم التي يرجون بها الثواب، لا تقبل لعدم وجود شرطها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):