٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع، بل بما يحتمل الوقوع ويحتمل عدم الوقوع كما يفعل المختبر، وقوله تعالى: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ } أي نعلم المجاهدين من غير المجاهدين ويدخل في علم الشهادة فإنه تعالى قد علمه علم الغيب وقد ذكرنا ما هو التحقيق في الابتلاء، وفي قوله {حَتَّىٰ نَعْلَمَ } وقوله {ٱلْمُجَـٰهِدِينَ } أي المقدمين على الجهاد {وَٱلصَّـٰبِرِينَ } أي الثابتين الذين لا يولون الأدبار وقوله {وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ } يحتمل وجوهاً أحدها: قوله {أية : آمنا } تفسير : [البقرة: 8] لأن المنافق وجد منه هذا الخبر والمؤمن وجد منه ذلك أيضاً، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب، كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ }تفسير : [الحجرات: 15] وثانيها: إخبارهم من عدم التولية في قوله {أية : وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ } تفسير : [الأحزاب: 15] إلى غير ذلك، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص والمنافق كان كالهباء ينزعج بأدنى صيحة وثالثها: المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة من النبي عليه السلام كقوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } تفسير : [الفتح: 27]، {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي } تفسير : [المجادلة: 21]، و {أية : إن جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 173] وللمنافق أخبار أراجيف كما قال تعالى في حقهم {أية : وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ } تفسير : [الأحزاب: 60] فعند تحقق الإيجاف، يتبين الصدق من الإرجاف.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي نتعبّدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور. وقيل: لنعاملنكم معاملة المختبرين. {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} عليه. قال ابن عباس: «حَتَّى نَعْلَمَ» حتى نميّز. وقال عليّ رضي الله عنه. «حَتَّى نَعْلَمَ» حتى نرى. وقد مضى في «البقرة». وقراءة العامة بالنون في «نَبْلُوَنَّـكُـمْ» و «نعلم» و «نَبْلُوَ». وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء فيهنّ. وروى رُوَيس عن يعقوب إسكان الواو من «نبلو» على القطع مما قبل. ونصب الباقون ردًّا على قوله: «حَتَّى نَعْلَمَ». وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة. {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفُضيل بن عِياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.
البيضاوي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة. {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ} على مشاقه. {وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ} ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبحها، أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها. وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها، وعن يعقوب «وَنَبْلُوَ» بسكون الواو على تقدير ونحن نبلو. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ } هم قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر. {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } بكفرهم وصدهم، أو لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته. {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ } ثواب حسنات أعمالهم بذلك، أو مكايدهم التي نصبوها في مشاقته فلا يصلون بها إلى مقاصدهم ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } بما أبطل به هؤلاء كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب، ويدل بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه. {فَلاَ تَهِنُواْ } فلا تضعفوا. {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } ولا تدعوا إلى الصلح خوراً وتذللاً، ويجوز نصبه بإضمار إن وقرىء «ولا تدعوا» من ادعى بمعنى دعا، وقرى أبو بكر وحمزة بكسر السين. {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} الأغلبون. {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } ناصركم. {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } ولن يضيع أعمالكم، من وترت الرجل إذا قتلت متعلقاً به من قريب أو حميم فأفردته منه من الوتر، شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه. {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لإثبات لها. {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } ثواب إيمانكم وتقواكم. {وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } جميع أموالكم بل يقتصر على جزء يسير كربع العشر والعشر. {إِنْ يَسْـئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} فيجهدكم بطلب الكل والإِحفاء والإِلحاف المبالغة وبلوغ الغاية يقال: أحفى شاربه إذ استأصله. {تَبْخَلُواْ } فلا تعطوا. {وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ } ويضغنكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى، ويؤيده القراءة بالنون أو البخل لأنه سبب الإِضغان، وقرىء «وتخرج» بالتاء والياء ورفع {أَضْغَـٰنَكُمْ}. {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاء} أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون وقوله: {تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } استئناف مقرر لذلك، أو صلة لـ {هَـؤُلاء } على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما. {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } ناس يبخلون وهو كالدليل على الآية المتقدمة. {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه، والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإِمساك والتعدي فإنه إمساك عن مستحق. {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء} فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إليه فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عطف على {إِن تُؤْمِنُواْ}. {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يقم مقامكم قوماً آخرين. {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم} في التولي والزهد في الإِيمان، وهم الفرس حديث : لأنه سئل عليه الصلاة والسلام عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال: «هذا وقومه»تفسير : : أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة محمد كان حقاً على الله أن يسقيه من أنهار الجنة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } نختبركم بالجهاد وغيره {حَتَّىٰ نَعْلَمَ } علم ظهور {ٱلْمُجَٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ } في الجهاد وغيره {وَنَبْلُوَاْ } نظهر {أَخْبَارَكُمْ } من طاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره بالياء والنون في الأفعال الثلاثة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمُجَاهِدِينَ} في سبيل الله، أو الزاهدين في الدنيا {وَالْصَّابِرِينَ} على الجهاد، أو عن الدنيا.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر سبحانه أنه يعرفهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، أتبعه الإخبار بأنه يعرفهم لكافة المؤمنين أيضاً، فقال مؤكداً لأجل ظنهم أن عندهم من الملكة الشديدة والعقل الرصين ما يخفون به أمورهم: {ولنبلونكم} أي نعاملكم معاملة المبتلى بأن تخالطكم بما لنا من صفات العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس النواهي الكريهة إليها والمصائب، خلطة مميلة محيلة، وهكذا التقدير في الفعلين الآتيين في قراءة الجماعة بالنون جرياً على الأسلوب الأول، وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالياء الضمير لله تعالى الذي هو محيط بصفات العظمة الراجعة إلى القهر وغيرها من صفات الإكرام الآئلة إلى الإنعام، فهو في غاية الموافقة لقراءة النون {حتى نعلم} بالابتلاء علماً شهودياً يشهده غيرنا مطابقاً لما كنا تعلمه علماً غيبياً فنستخرج من سرائركم ما كوناه فيكم وجبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه أنتم حق علمه {المجاهدين منكم} في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالاً للأمر بذلك. ولما كان عماد الجهاد الصبر على المكاره قال تأكيداً لأمره: {والصابرين} أي على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد، قال القشيري: فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص ويتضح المماذق وينكشف المنافق. ولما نصب معياراً للعلم بالذوات، أتبعه مسباراً للمعرفة للأخيار، فقال عاطفاً على "نعلم" في رواية الجماعة وعلى "نبلو" في الرواية عن يعقوب بإسكان الواو: {ونبلوا أخباركم} أي نخالطها بأن نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحاً وقبيحاً مليحاً ليظهر للناس العامل لله والعامل للشيطان، فإن العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ذلك إحسان من الله إليه فيستحيي منه ويرجع إليه، وإذا سمى حسنه باسم القبيح واشتهر به علم أن ذلك لطف من الله به كيلا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح. لأن شهرته عند الناس محط نظره، ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخبر ولم يؤكد بنا، وفي قراءة يعقوب إشارة إلى أن إحالة حال المخبر بعد ظهور خبره أسهل من إحالته قبل ظهوره، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا هتكت أستارنا وفضحتنا. ولما جرت العادة بأن الإنسان لا يعذب ولا يهدد إلى من ضره كما تقدم من الإخبار بنكالهم وقبيح أعمالهم مهيئاً للسؤال عن ذلك فاستأنف قوله مؤكداً لظنهم أنهم هم الغالبون لحزب الله: {إن الذين كفروا} أي غطوا من دلت عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لا سيما بعد إرسال الرسول المؤيد بواضح المعجزات صلى الله عليه وسلم {وصدوا} أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم {عن سبيل الله} أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم. ولما كان أكثر السياق للمساترين بكفرهم، أدغم في قوله: {وشاقوا الرسول} أي الكامل في الرسلية المعروفة غاية المعرفة. ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على الوحدانية قبل الإرسال، قال مثبتاً الجار إعلاماً بأنه لا يغفر لمضيعه بعد الإرسال ولو في أدنى وقت: {من بعد ما تبين} أي غاية التبين بالمعجز {لهم الهدى} بحيث صار ظاهراً بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق إلى مبين، ومنه ما أخبرت به الكتب القديمة الإليهة. ولما كان المناصب للرسول إنما ناصب من أرسله، دل على ذلك بقوله معرياً له من الفاء دلالة على عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر موجود عملوا أو لم يعملوا وجدوا أو لم يوجدوا {لن يضروا الله} أي ملك الملوك، ولم يقل: الرسول {شيئاً} أي كثيراً ولا قليلاً من ضرر بما تجمعوا عليه من الكفر والصد. ولما كان التقدير: إنما ضروا أنفسهم ناجزاً بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم شيئاً. عطف عليه: {وسيحبط} أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه {أعمالهم *} من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت، فهو إنما يرائي بها، ومن المجاهر على غير أساس أصلاً، فلا ينفعهم شيء منها، ومن المكائد التي يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في إحكامها، فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء. ولما حدى ما تقدم كله من ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه لا غرض أصلاً، وإنما هو رحمة ولطف وإحسان ومنّ، أنتج قوله منادياً من احتاج إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه إلى ذلك وعدم مبادرته قبله: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم {أطيعوا الله} أي الملك الأعظم تصديقاً لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة، وعظم الرسول الله صلى الله عليه وسلم بإفراده فقال تعالى: {وأطيعوا الرسول} لأن طاعته من طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حققتم أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول السورة، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر ليكمل العمل صورة وروحاً. ولما كانت الطاعة قد تحمل على إقامة الصورة الظاهرة، قال منبهاً على الإخلاص لتكمل حساً ومعنى: {ولا تبطلوا أعمالكم *} أي بمعصيتهما، فإن الأعمال الصالحة إذا نوى لها ما لا يرضيهما بطلب وإن كانت في الذروة من حسن الصورة، فكانت صورة بلا معنى، فهي مما يكون هباء منثوراً مثل ما فعل أولئك المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق والرياء والعجب والملء والأذى ونحو ذلك من المعاصي، ولكن السياق بسياقه ولحاقه يدل على أن الكفر هو المراد الأعظم بذلك، والآية من الاحتباك: ذكر الطاعة أولاً دليلاً على المعصية ثانياً، والإبطال ثانياً دليلاً على الصحة أولاً، وسره أنه أمر بمبدأ السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانياً، لأنه أعظم في النهي عن الفساد لما فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} [الآية: 31]. قال عمرو المكى: أيكم أزهد فى الدنيا زهداً وأترك لها تركاً. وقال أيضاً فى قوله: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} إن البلوى إنما وقعت على المتعبدين لنعظم الله بذلك قدر معاملته ويعز بذلك قدر عبادته ويرفع بذلك درجة مولاته.
القشيري
تفسير : بالابتلاء والامتحان تتبين جواهرُ الرجال، فيظهر المخلصُ، ويفتضح الماذقُ، وينكشف المنافق، فالذين آمنوا وأخلصوا نجوا وتخلصوا، والذين كفروا ونافقوا وقعوا في الهوان وأُذِلُّوا، ووسِموا بالشَقاوة وقُطعوا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولنبلونكم} بالامر بالقتال ونحوه من التكاليف الشاقة اعلاما لا استعلاما او نعاملكم معاملة المختبر ليكون ابلغ فى اظهار العذاب {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} على مشاق الجهاد علما فعليا يتعلق به الجزاء وقد سبق تحقيق المقام بما لا مزيد عليه من الكلام {ونبلوا أخباركم} الاخبار بمعنى المخبر بها اى ما يخبر به عن اعمالكم فيظهر حسنها وقبحها لان الخبر على حسب المخبر عنه ان حسنا فحسن وان قبيحا فقبيح ففيه اشارة الى ان بلاء الاخبار كناية عن بلاء الاعمال (قال الكاشفى) تامى ازماييم خبرها شماراكه ميكوييد درايمان يعنى تاصدق وكذب آن همه را آشكارا شود. وكان الفضيل رحمه الله اذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللهم لا تبلنا فانك ان بلوتنا هتكت استارنا وفضحتنا وفيه اشارة الى انه بنار البلاء يخلص ابريز الولاء قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب فان بالابتلاء والامتحان تبين جواهر الرجال فيظهر المخلص ويفتضح المنافق وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان والله تعالى علم بخصائص جواهر الانسان من الازل الى الابد لانه خلقها على اوصافها من السعادة والشقاوة الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وبتغير أحوال الجواهر فى الازمان المختلفة لا يتغير علم الله فانه تعالى يراهم فى حالة واحدة وتغيرات الاحوال كلها كما هى بحيث لا يشغله حالة عن حالة وانما يبلو للاعلام والكشف عن حقيقة الحال. قال بعض الكبار العارفون يعرفون بالابصار ما تعرفه الناس بالبصائر ويعرفون بالبصائر ما لم يدرك احد فى النادر ومع ذلك فلا يأمنون على نفوسهم من نفوسهم فكيف يأمنون على نفوسهم من مقدورات ربهم مما يقطع الظهور. وكان الشيخ عبد القادر الجيلى قدس سره يقول اعطانى الله تعالى ثلاثين عهدا وميثاقا ان لا يمكر بى فقيل له فهل امنت مكره بعد ذلك فقال حالى بعد ذلك كحالى قبل العهد والله عزيز حكيم فاذا كان حال العارف الواقف هكذا فما حال الجاهل الغافل فلا بد من اليقظة. بر غفلت سياه دلان خنده مى زند غافل مشو زخنده دندان نماى صبح
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولَنبلونَّكم} أي: والله لَنختبرنَّكم بالأمر بالجهاد، ونحوه من التكاليف الشاقة، أي: نعاملكم معاملة المختبر؛ ليكون أبلغ في أظهار العدل، {حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين} على مشاق الجهاد والتكاليف، عِلماً ظاهراً، يتعلق به الجزاء بعد تعلُّق العلم به في الأزل، {ونبلوَ أخبارَكم} أي: ونختبر أسراركم بإظهار ما فيها من خير أو شر، بالنهوض أو التخلُّف، وقيل: أراد بأخباركم: أعمالكم، عبّر بالأخبار عن الأعمال على سبيل الكناية؛ لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه، إن كان الخبر حسناً كان المخبر عنه - وهو العمل - حسناً، وإن كان الخبر قبيحاً فالمخبَر عنه قبيح. هـ. {إِنَّ الذين كفروا وصَدُّوا} الناس {عن سبيل الله وشاقُوا الرسولَ} أي: عادوه {من بعد ما تبيّن لهم الهدى} بما شاهدوا من نعته في التوراة، وبما ظهر على يديه من المعجزات، ونزل من الآيات، وهم بنو قريظة والنضير، أو: المطعمون يوم بدر من رؤساء قريش، {لن يضروا} بكفرهم وصدهم {اللّهَ شيئاً} من الأشياء، أو: شيئاً من الصد، أو: لن يضرُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته، وقد حذف المضاف؛ لتعظيم شأنه وتعظيم مشاقته. {وسيُحبط أعمالَهم} أي: مكائدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى، ومشاقة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل، ولا يُثمرُ لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. الإشارة: قال القشيري: في الابتلاء والامتحان يتبينُ جواهرُ الرجال، فيظهر المخلصُ، ويفتضح الممارق، وينكشف المنافق. هـ. وكان الفُضيل إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبلُنا؛ فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. هـ. ويبغي أن يزيد: وإن بلوتنا فأيّدنا، وبالله التوفيق. إن الذين جحدوا وصدُّوا الناس عن طريق الوصول، وخرجوا عن مناهج السنّة، لن يضرُّوا الله شيئاً؛ فإن لله رجالاً يقومون بالدعوة، لا يضرهم مَن عاداهم، حتى يأتي أمر الله، وسيُحبط أعمالَ الصادّين المعوِّقين، فلا ينهضون إلى الله نهوض الرجال، بشؤم انتقادهم. والله تعالى أعلم. ولمّا ذمّ الذين كرهوا الجهاد، أمر المؤمنين بالطاعة فيه، وألاّ يكونوا أمثال أولئك، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر عن عاصم {وليبلونكم حتى يعلم... ويبلو أخباركم} بالياء فيهن رداً على اسم الله في قوله {والله يعلم أعمالكم} الباقون بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ حمزة وابو بكر عن عاصم {إلى السلم} بكسر السين. الباقون بفتحها، وهما لغتان على ما بيناه في ما تقدم في الاسلام والمصالحة يقول الله تعالى مقسماً إنا نبلو هؤلاء الكفار، ومعناه نختبرهم بما نكلفهم من الامور الشاقة، فالابتلا والاختبار واحد. وقوله {حتى نعلم المجاهدين منكم} قيل في معناه قولان: احدهما - حتى نعلم جهادكم موجوداً لأن الغرض ان تفعلوا الجهاد فيثيبكم على ذلك، لانكم لا تستحقون الثواب على ما يعلم الله انه يكون. الثاني - حتى نعاملكم معاملة من كأنه يطلب ان يعلم. وقيل: معناه حتى يعلم أوليائي المجاهدين منكم، وأضافه إلى نفسه تعظيماً لهم وتشريفاً، كما قال {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله } تفسير : يعني يؤذن أولياء الله. وقيل: معناه حتى يتميز المعلوم في نفسه، لأنهم إنما يتميزون بفعل الايمان. وقيل: المعنى حتى تعلموا أنتم، واضافه إلى نفسه تحسناً كما أن الانسان العالم إذا خولف فى ان النار تحرق الحطب يحسن ان يقول: نجمع بين النار والحطب لنعلم هل تحرق ام لا، ولا يجوز ان يكون المراد حتى نعلم بعد ان لم نكن عالمين، لانه تعالى عالم في ما لم يزل بالأشياء كلها، ولو تجدد كونه عالماً لاحتاج إلى علم محدث كالواحد منا وذلك لا يجوز أن يكون غرضاً بالتكليف، لكن يجوز ان يكون الغرض ظهور حق الذم على الاساءة، وإنما جاز في وصف الله الابتلاء، لأن المعنى انه يعامل معاملة المبتلي المختبر مظاهرة في العدل بالجزاء لها. والجهاد احتمال المشقة في قتال المشركين واعداء دين الله. وافضل الأعمال علم الدين، والجهاد في سبيل الله، لأن علم الدين به يصح العمل بالحق والدعاء اليه. والجهاد داع إلى الحق مع المشقة فيه. والصابر هو الحابس نفسه عما لا يحل له. وهي صفة مدح. ومع ذلك ففيها دليل على حاجة الموصوف بها، لأنه إنما يحبس نفسه ويمنعها مما تشتهيه او تنازع اليه من القبيح {ونبلوا أخباركم} أي نختبر اخباركم ونعلم المطيع من العاصي. ثم اخبر تعالى {إن الذين كفروا} بوحدانيته وجحدوا نبوة نبيه {وصدوا} أي منعوا غيرهم {عن} إتباع {سبيل الله} بالقهر تارة وبالاغراء أخرى {وشاقوا الرسول} أي عاندوه وباعدوه بمعاداته {من بعد ما تبين لهم الهدى} ووضح لهم سبيله {لن يضروا الله} بذلك {شيئاً} وإنما ضروا نفوسهم {وسيحبط أعمالهم} ويستحقون عليها العقاب. والهدى الدلالة المؤدية إلى الحق. والهادي الدال على الحق وفي الآية دلالة على أن هؤلاء الكفار كان قد تبين لهم الهدى فارتدوا عنه او يكون ظهر لهم أمر النبي، فلم يقبلوه. وقيل: تبين لهم الهدى، لأنهم كانوا قد عرفوا الايمان ورجعوا عنه. ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا} بالله وصدقوا رسوله {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أي افعلوا الطاعات التي أمركم الله بها وامركم بها رسوله {ولا تبطلوا أعمالكم} بأن توقعوها على خلاف الوجه المأمور به فيبطل ثوابكم عليها وتستحقون العقاب. ثم اخبر تعالى فقال {إن الذين كفروا} أي جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله {وصدوا عن سبيل الله} بالمنع والاغراء والدعاء إلى غيره {ثم ماتوا وهم كفار} أي فى حال كفرهم {فلن يغفر الله لهم} معاصيهم بل يعاقبهم عليها. ثم قال {فلا تهنوا} أي لا تتوانوا. وقال مجاهد وابن زيد: لا تضعفوا {وتدعوا إلى السلم} يعني المصالحة {وأنتم الأعلون} أي وانتم القاهرون الغالبون - فى قول مجاهد - {والله معكم} اي ناصركم والدافع عنكم فلا تميلوا مع ذلك إلى الصلح والمسالمة بل جاهدوا واصبروا عليه. وقوله {ولن يتركم أعمالكم} أي لن ينقصكم اجور اعمالكم يقال: وتره يتره وتراً إذا أنقصه. وهو قول مجاهد. وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك: لن يظلمكم واصله القطع، فمنه البتر القطع بالقتل. ومنه الوتر المنقطع بانفراده عن غيره. وقوله {وتدعوا} يجوز ان يكون جراً عطفاً على {تهنوا} أي لا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم، ويجوز ان يكون فى موضع نصب على الظرف
الجنابذي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} بالامر بالجهاد او بمطلق التّكليف او بالبلايا وحوادث الدّهر، او بالخطرات ووسوسة الشّيطان والقائه الشُّبَه فى قلوبكم {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ} يعنى حتّى يظهر علمنا او نعلم فى مظاهرنا {وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} الّتى تخبرونها عن انفسكم من انّكم آمنتم بالله ورسوله وصدّقتم رسوله فيما جاء به، او نبلو اخباركم الّتى يخبرون عنكم من انّكم دبّرتم خلاف ما قاله الرّسول (ص) فى علىٍّ (ع)، او نبلو اخباركم الّتى تخبرونها عن غيركم، وقرئ الافعال الثّلاثة بالغيبة ايضاً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ} وهذا علم الفِعال {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} أي: نختبركم فنعلم من يصدق منكم فيما أعطى من الإيمان ومن يكذب ممن لا يوفى بما أقرّ به من العمل لله. قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} أي: عن الإسلام {وَشَاقُّوا الرَّسُولَ} أي: فارقوا الرسول وعادوه {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى} أي من بعد ما قامت عليهم الحجة {لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} أي: بكفرهم {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} أي: في الآخرة، يعني ما كان من عمل حسن عملوه في الدنيا. قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}. ذكروا أنّ رجلاً كان على عهد النبي عليه السلام يصوم ويصلي، وكان في لسانه شيء، فقال له النبي عليه السلام: يا فلان إنك تبني وتهدم. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}. قوله عز وجل: {فَلاَ تَهِنُوا} أي: لا تضعفوا في الجهاد {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} أي: إلى الصلح. أي: لا تدعوا إلى الصلح {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي: الظاهرون المنصورون؛ يقوله للمؤمنين. وهذا الحرف يقرأ بوجه آخر: إلى السِّلْم، أي: إلى الإسلام. قال: {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} أي: ناصركم {وَلَن يَتِرَكُمْ} أي: ولن يظلمكم {أَعْمَالَكُمْ}. قوله عز وجل: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي: إن أهل الدنيا، يعني المشركين الذين لا يريدون غيرها أهل لعب ولهو، سبتهم الدنيا، وليسوا بأهل الآخرة. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر تفسير : . {وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} أي: ثوابكم {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} أي: إن محمداً لا يسألكم أموالكم. {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} بالمسألة {تَبْخَلُوا} أي: لو سألكم أموالكم لبخلتم بها. {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} أي: عداوتكم. وهي تقرأ على وجه آخر: {وَتَخْرُجُ أَضْغَانُكُمْ}.
اطفيش
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} بالأمر بالجهاد والتكاليف الشاقة أي نعاملكم معاملة المختبر لانه لا يخفي عنه شيء* {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ} على المشاق والمراد حتى يظهر في الوجوه جهادكم وصبركم وعدمهما وهو سبب العلم فعبر بالعلم وليس المراد لا يعلم الشيء حتى يقع خلافاً لمن كفر. وعن الفضيل بن عياض: (انه اذا قرأها بكى فقال اللهم لا تبلنا فانك ان بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا) وكان شريح يقول: (اللهم اني أسألك الجنة بلا عمل عملته وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته) يعني انه مقصر. ودعت أعرابية عند البيت وقالت: الهي لك أذل وعليك أدل وكان بعض الصالحين يقول اللهم ان كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها اليك وهو الاشراك وان كنا قصرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبها اليك وهو شهادة أن لا اله الا أنت وان رسلك جاءت بالحق من عندك. ومن دعاء سلام ابن مطيع: اللهم ان كنت قد بلغت أحداً من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها العافية. وقيل لفتح الموصلى ادع الله لنا فقال اللهم هنيئاً عطاؤك ولا تكشف عنا غطاءك. ومن دعاء بعض السلف: اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي فان لم تقبل تعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته اللهم لا تكلنا الى أنفسنا ولا الى الناس فنضيع* {وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ} ما يصح أن يخبر به عنكم من طاعة وعصيان في الجهاد وغيره أي يظهرها. وقرأ ابن كثير (يبلونكم) و (يعلم) و (يبلو) بالمثناة تحت ليوافق ما قبلها. وقرأ يعقوب باسكان (واو نبلو) للاستئناف بلا تقدير مبتدأ أو على تقديره أي ونحن نبلو
الالوسي
تفسير : {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } بالأمر بالجهاد ونحوه من التكاليف الشاقة {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ } على مشاق التكاليف علماً فعلياً يتعلق به الجزاء، وفي معناه ما قيل: أي حتى يظهر علمنا، وقال ابن الحاجب في ذلك: العلم يطلق باعتبار الرؤية والشيء لا يرى حتى يقع - يعني على المشهور - وهو هنا بمعنى ذلك أو بمعنى المجازاة، والمعنى حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين {وَنَبْلُوَاْ أَخْبَـٰرَكُمْ } فيظهر حَسَنُها وقبيحها، والكلام كناية عن بلاء أعمالهم فإن الخبر حَسَنُه وقبيحه على حسب المخبر عنه فإذا تميز الحَسَن عن الخبر القبيح فقد تميز المخبر عنه وهو العمل كذلك، وهذا أبلغ من نبلو أعمالكم. والظاهر عموم الأخبار، وجوز كون المراد بها إخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم للمؤمنين على أن إضافتها للعهد أي ونبلو أخبار إيمانكم وموالاتكم فيظهر صدقها وكذبها. وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة المسندة إلى ضمير العظمة بالياء، وقرأ رويس {ونبلو } بالنون وسكون الواو، والأعمش بسكونها وبالياء فالفعل مرفوع بضمة مقدرة بتقدير ونحن نبلو والجملة حالية، وجوز أن يكون منصوباً كما في قراءة الجمهور سكن للتخفيف كما في قوله:شعر : أبـى الله أن أسمو بأم ولا أب
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : والله يعلم أعمالكم}تفسير : [محمد: 30]. ومعناه معنى الاحتراس ممَّا قد يتوهم السامعون من قوله: {والله يعلم أعمالكم} من الاستغناء عن التكليف. ووجه هذا الاحتراس أن علم الله يتعلق بأعمال الناس بعد أن تقع ويتعلق بها قبل وقوعها فإنها ستقع ويتعلق بعزم الناس على الاستجابة لدعوة التكاليف قوة وضعفا، ومن عدم الاستجابة كفراً وعناداً، فبيّن بهذه الآية أن من حكمة التكاليف أن يظهر أثر علم الله بأحوال الناس وتقدم الحجة عليهم. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله كتب لِكل عبد مقعده من الجنة أو من النار. فقالوا أفلا نتكل على ما كُتب لنا؟ قال: اعملوا فكل مُيَسَّر لما خلق له، وقرأ {فأما من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنُيَسِّره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنُيَسِّره للعسرى} [الليل: 5 ـــ 10]»تفسير : . والبَلْو: الاختبار وتعرُّف حال الشيء. والمراد بالابتلاء الأمر والنهي في التكليف، فإنه يظهرَ به المطيع والعاصي والكافر، وسُمي ذلك ابتلاء على وجه المجاز المرسل لأنه يلزمه الابتلاء وإن كان المقصود منه إقامة مصالح الناس ودفع الفساد عنهم لتنظيم أحوال حياتهم ثم ليترتب عليه مئال الحياة الأبدية في الآخرة. ولكن لما كان التكليف مبيّناً لأحوال نفوس الناس في الامتثال وممحّصاً لدعاويهم وكاشفاً عن دخائلهم كان مشتملاً على ما يشبه الابتلاء، وإلا فإن الله تعالى يعلم تفاصيل أحوالهم، ولكنها لا تظهر للعيان للناس إلا عند تلقي التكاليف فأشبهت الاختبار، فإطلاق اسم الابتلاء على التكليف مجاز مرسل وتسمية ما يلزم التكليف من إظهار أحوال النفوس ابتلاءً استعارة، ففي قوله: {ولنبلونكم} مجاز مرسل واستعارة. و {حتى} حرف انتهاء فما بعدها غاية للفعل الذي قبلها وهي هنا مستعملة في معنى لام التعليل تشبيهاً لعلة الفعل بغايته فإن غاية الفعل باعث لفاعل الفعل في الغالب، فلذلك كثر استعمال {حتى} بمعنى لام التعليل كقوله تعالى: {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}تفسير : [المنافقون: 7]. فالمعنى: ولنبلونكم لنعلم المجاهدين منكم والصابرين، وليس المراد انتهاء البلوى عند ظهور المجاهدين منهم والصابرين. وعلة الفعل لا يلزم انعكاسها، أي لا يلزم أن لا يكون للفعل علة غيرها فللتكليف عِلل وأغراض عديدة منها أن تظهر حال الناس في قبول التكليف ظهوراً في الدنيا تترتب عليه معاملات دنيوية. وعلم الله الذي جعل علة للبلو هو العلم بالأشياء بعد وقوعها المسمى علم الشهادة لأن الله يعلم من سيُجاهد ومن يصبر من قبْلِ أن يبلوهم ولكن ذلك علم غيب لأنه قبل حصول المعلوم في عالم الشهادة. والأحسن أن يكون {حتى نعلم} مستعملاً في معنى حتى نظهر للناس الدعاوي الحق من الباطلة، فالعلم كناية عن إظهار الشيء المعلوم بقطع النظر عن كون إظهاره للغير كما هنا أو للمتكلم كقول إياس بن قبيصةَ الطائي:شعر : وأقَبلْتْ والخَطِّيُّ يخْطُر بيننا لا عَلَم منَ جَبَانُها مِن شجاعها تفسير : أراد ليظهر للناس أنه شجاع ويظهر من هو من القوم جبان، فالله شرع الجهاد لنصر الدين ومِنْ شرَعه يتبين من يجاهد ومن يقعد عن الجهاد، ويتبين من يصبر على لأواء الحرب ومن ينخزل ويفر، فلا تروج على الناس دعوى المنافقين صدق الإيمان ويعلم الناس المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وبلو الإخبار: ظهور الأحدوثة من حسن السمعة وضده. وهذا في معنى قول الأصوليين ترتُّبُ المدح والذم عاجلاً، وهو كناية أيضاً عن أحوال أعمالهم من خير وشر لأن الأخبار إنما هي أخبار عن أعمالهم، وهذه علة ثانية عطفت على قوله: {حتى نعلم المجاهدين منكم}. وإنما أعيد عطف فعل {نبلوَ} على فعل {نعلم} وكان مقتضى الظاهر أن يعطف {أخباركم} بالواو على ضمير المخاطبين في {لنبلونكم} ولا يعاد {نبلوَ}، فالعدول عن مقتضى ظاهر النظم إلى هذا التركيب للمبالغة في بَلْو الأخبار لأنه كناية عن بلو أعمالهم وهي المقصود من بلو ذواتهم، فذكره كذكر العام بعد الخاص إذ تعلق البلو الأول بالجهاد والصبرِ، وتعلق البلو الثاني بالأعمال كلها، وحصل مع ذلك تأكيد البلو تأكيداً لفظياً. وقرأ الجمهور {ولنبلونكم حتى نعلم} {ونبلوَا} بالنون في الأفعال الثلاثة. وقرأ أبو بكر عن عاصم تلك الأفعال الثلاثة بياء الغيبة والضمائر عائدة إلى اسم الجلالة في قوله: {والله يعلم أعمالكم}. وقرأ الجمهور {ونبلوَ} بفتح الواو عطفاً على {نعلمَ}. وقرأه رويس عن يعقوب بسكون الواو عطفاً على {ولنبلونكم}.
الشنقيطي
تفسير : اللام في قوله: لنبلونكم موطئة لقسم محذوف. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير شعبة عن عاصم بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة أعني لنبلونكم، ونعلم، ونبلو. وقرأه شعبة عن عاصم بالمثناة التحتية. وضمير الفاعل يعود إلى الله وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله جل وعلا يبلو الناس أي يختبرهم بالتكاليف، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد ليتميز بذلك صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من كافرهم. جاء موضحاً في آيات أخر. كقوله تعالى:{أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 214] الآية. وقوله تعالى {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 142]. وقوله تعالى {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [التوبة: 16]. وقوله تعالى {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [العنكبوت: 1-3]. وقوله تعالى:{أية : َمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران: 179]الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِين} الآية. وقد قدمنا إزالة الإشكال في نحوه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}تفسير : [البقرة: 143] الآية. فقلنا في ذلك ما نصه: ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه سبحانه وتعالى، عن ذلك علواً كبيراً، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا:{أية : وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [آل عمران: 154]. فقوله: والله عليم بذات الصدور بعد قوله: ليبتلي، دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار. وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه. ومعنى إلا لنعلم أي علماً يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالم السر والنجوى، فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى. اهـ. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: [وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم، فتأويله حتى نعلم المجاهدين علم شهادة، لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، ونبلو أخباركم نختبرها ونظهرها] انتهى محل الغرض منه. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: [ولنبلونكم أيها المؤمنين بالقتل وجهاد أعداء الله حتى نعلم المجاهدين منكم يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد. في الله منكم وأهل الصبر على قتال أعدائه فيظهر ذلك لهم ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم فنعرف الصادق منكم من الكاذب]. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وما ذكره من أن المراد بقوله: حتى نعلم المجاهدين الآية، حتى يعلم حزبنا. وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين له وجه، وقد يرشد له قوله تعالى: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم} أي نظهرها ونبرزها للناس. وقوله تعالى:{أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}تفسير : [آل عمران: 179] لأن المراد يميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك للناس. ولذا قال {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران: 179] فتعلموا ما ينطوي عليه الخبيث والطيب، ولكن الله عرفكم بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب. والقول الأول وجيه أيضاً، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُجَاهِدِينَ} {ٱلصَّابِرِينَ} {نَبْلُوَاْ} (31) - أمَرَ اللهُ تَعَالى العِبَادَ بالإِيمَانِ وَبالجِهَادِ، وَبالأخْذِ بِمَا أمَرَهُمْ بِهِ، وَبالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، لِيَخْتَبِرَهُمْ وَيَكْشِفَ حَقِيقَتَهُم، فَيَظْهَرَ المُجَاهِدُونَ، الصَّابِرُونَ، وَالمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ، والمُسْتَسْلِمُونَ للهِ وَأمْرِهِ وَقَدَرِهِ، وَيَظْهَرَ المُتَشَكِّكُونَ النَّاكِلُونَ عَنِ الجِهَادِ، وَعَنِ القِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ بهِ. لَنَبْلُوَنكُمْ - لَنْخْتَبِرنُكُمْ بِالتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ. نَبْلُو أخْبَارَكُمْ - نُظْهِرُهَا وَنَكْشِفُها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكلام هنا للمؤمنين الذين آمنوا بالله وصدَّقوا برسول الله، يقول الله لهم {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ..} [محمد: 31] نختبركم ونمتحنكم بالشدائد والمشاق. {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] لنعرف مَنْ يثبت مع البلاء ممنْ هو في شكٍّ وتردد، يريد الله أنْ يمحص المؤمنين، وأنْ يختبر قوة إيمانهم وصبرهم وتحملهم للمشاق، فعلى أكتاف هؤلاء ستقوم الدعوة وهي دعوة عالمية لا يصمد لها إلا راسخُ الإيمان ثابت العقيدة لا يتزعزع على حد قول القائل: شعر : وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقتَلُ مُسْلِماً عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللهِ مَصْرَعِي تفسير : هؤلاء الذين حرصوا على الموت حرْصَ غيرهم على الحياة، فأعطاهم الله منزلة الشهادة وبرّأهم من الموت بعد أنْ ضحوا بأرواحهم في سبيله، ووصل حياتهم في الدنيا بحياتهم في الآخرة. وقوله: {وَٱلصَّابِرِينَ ..} [محمد: 31] أي: على المشاق مشاق الدعوة ومشاق التكليف، وحين تتأمل حال هذه الأمة قبل الإسلام تجد كأن الله تعالى يُعدها لحمل رسالة الإسلام، فهي أمة حرب وقتال، تعلم فنونه وتجيد الكرّ والفر، وهي أمة بدوية لا تستقر في مكان، بل بيوتهم على ظهور الدواب، وهي أمة أمية ليس لها نظام ولا قانون ولا منهج حياة. كل هذا أهَّلها لأن تحمل دعوة الحق إلى الدنيا كلها، تحارب الباطل وتفقه الناس في دين الله، قال سبحانه وتعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ ..}تفسير : [التوبة: 122]. إذن: الإسلام في صراعه مع أعدائه يحتاج إلى قوتين للجهاد: قوة تجاهد لحفظ الكلمة، وقوة تجاهد لإثبات صدق الكلمة، لذلك كان الاختبار والابتلاء ضرورة، والاختبار {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ..} [محمد: 31] لا يُمدح ولا يُذم لذاته إنما بحسب نتيجته، فالذي يدخل الاختبار وينجح نمدحه والذي يفشل نذمه. وقوله: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ..} [محمد: 31] الله يقول ذلك وهو يعلم، إذن: المراد نعلم علم الواقع بالفعل ليكون الواقع حجة على صاحبه، حتى لا يقول لو دخلت الاختبار لنجحت. وكلمة {وَٱلصَّابِرِينَ ..} [محمد: 31] دلتْ على أن في التكاليف مشقة وتضييقاً على النفس، لذلك بعض الناس يتحملها ويصبر، وبعضهم يضيق بها ويجزع. قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [النحل: 127] فالله هو الذي يعينك على الصبر بأن يبين لك عاقبته الحميدة. وقال سبحانه: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 3] تواصوا يعني يُوصي كلٌّ منكم الآخر به، لأن الإنسان مرة يصبر ويتحمل، ومرة يضعف ويجزع، فمرة توصيني ومرة أوصيك، وكلمة الوصية بلفظها لا تكون إلا في الشيء الغالي الثمين الذي يستحق الاهتمام، ويستحق أنْ نحرص عليه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ} معناه حتَّى نُميّزَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):