٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ }. لما كان مفهوم قوله {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ } تفسير : [محمد: 29] أن الله يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلاً قال فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم، كما لا تفشى أسرار الأكابر خوفاً منهم {وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَـٰكَهُمْ } أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف، وقوله {فلتعرفنهم} لزيادة فائدة، وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة، يقال عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم فقال ههنا {فَلَعَرَفْتَهُم } يعني عرفناهم تعريفاً تعرفهم به، إشارة إلى قوة التعريف، واللام في قوله {فَلَعَرَفْتَهُم } هي التي تقع في جزاء لو كما في قوله {لأَرَيْنَـٰكَهُمْ } أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة على المشيئة كأنه قال: ولو نشاء لعرفتهم، ليفهم أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف، أي لو نشاء لعرفناك تعريفاً معه المعرفة لا بعده، وأما اللام في قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ } جواب لقسم محذوف كأنه قال ولتعرفنهم والله، وقوله {فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } فيه وجوه أحدها: في معنى القول وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد من القول قولهم أي لتعرفنهم في معنى قولهم حيث يقولون ما معناه النفاق كقولهم حين مجيء النصر إنا كنا معكم، وقولهم {أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ } تفسير : [المنافقون: 8] وقولهم {أية : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 13] وغير ذلك، ويحتمل أن يكون المراد قول الله عزّ وجل أي لتعرفنهم في معنى قول الله تعالى حيث قال ما تعلم منه حال المنافقين كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ } تفسير : [النور: 62] وقوله {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الأنفال: 2] إلى غير ذلك، وثانيها: في ميل القول عن الصواب حيث قالوا ما لم يعتقدوا، فأمالوا كلامهم حيث قالوا {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المنافقون:1] وقالوا {أية : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ } تفسير : [الأحزاب: 13]، {أية : وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ } تفسير : [الأحزاب: 15] إلى غير ذلك وثالثها: في لحن القول أي في الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه السلام ولا يفهمه غيره، وهذا يحتمل أمرين أيضاً والنبي عليه السلام كان يعرف المنافق ولم يكن يظهر أمره إلى أن أذن الله تعالى له في إظهار أمرهم ومنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم، وأما قوله {بِسِيمَـٰهُمْ } فالظاهر أن المراد أن الله تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَـٰهُمْ } تفسير : [يۤس: 67] وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ } وعد للمؤمنين، وبيان لكون حالهم على خلاف حال المنافق، فإن المنافق كان له قول بلا عمل، والمؤمن كان له عمل ولا يقول به، وإنما قوله التسبيح ويدل عليه قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } تفسير : [البقرة: 286] وقوله {أية : رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا } تفسير : [آل عمران: 193] وكانوا يعملون الصالحات ويتكلمون في السيئات مستغفرين مشفقين، والمنافق كان يتكلم في الصالحات كقوله {أية : إِنَّا مَعَكُمْ } تفسير : [البقرة: 14] {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا } تفسير : [الحجرات: 14]، {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا } تفسير : [البقرة: 8] ويعمل السيء فقال تعالى الله يسمع أقوالهم الفارغة ويعلم أعمالكم الصالحة فلا يضيع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ نَشآءُ لأَرَيْنَٰكَهُمْ } عرفناكم، وكرّرت اللام في {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَٰهُمْ } علاماتهم {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ } الواو لقسم محذوف، وما بعدها جوابه {فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } أي معناه إذا تكلموا عندك بأن يعرّضوا بما فيه تهجين أمر المسلمين {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَٰلَكُمْ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَحْنِ الْقَوْلِ} كذبه، أو فحواه واللحن الذهاب بالكلام في غير جهته، واللحن في الإعراب الذهاب عن الصواب، ألحن بحجته أذهب بها في الجهات، فلم يتكلم بعدها منافق عند الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عرفه {يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} يميزها أو يراها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ...} الآية، لم يُعَيِّنْهُم سبحانه بالأسماء والتعريف التامّ؛ إبقاءً عليهم وعلى قراباتهم، وإنْ كانوا قد عُرِفُوا بلحن القول، وكانوا في الاشتهار على مراتبَ كابنِ أُبَيٍّ وغيره، والسِّيما: العلامة، وقال ابن عباس والضَّحَّاكُ: إنَّ اللَّه تعالى قد عَرَّفَهُ بهم في سورة براءة بقوله: {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً }تفسير : [التوبة:84] وفي قوله: {أية : فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا }تفسير : [التوبة:83] قال * ع *: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تامٍّ، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ سيعرفهم في لحن القول، أي: في مذهب القول ومنحاه ومَقْصِدهِ، واحتجَّ بهذه الآية مَنْ جعل الحَدَّ في التعريض بالقذف. * ص *: قال أبو حيان: «ولتعرفنهم» اللام جواب قسم محذوف، انتهى. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ} مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر. وقوله سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ...} الآية، كان الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إنْ بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ...} الآية، قالت فرقة: نزلت في بني إسرائيل، وقالت فرقة: نَزَلَتْ في قوم من المنافقين، وهذا نحو ما تقدم، وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر، وقالت فرقة: بل هِي عامَّةٌ في كل كافر. وقوله: {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} تحقيرٌ لهم.
ابو السعود
تفسير : {وَلَوْ نَشَاء} إراءتَهم {لأَرَيْنَـٰكَهُمْ} لعرّفناكَهُم بدلائلَ تعرفُهم بأعيانِهم معرفةً متاخمةٌ للرؤيةِ. والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإبرازِ العنايةِ بالإراءةِ {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ} بعلامتهم التي نسِمهُم بها. وعن أنسٍ رضيَ الله عنه ما خَفِيَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعد هذهِ الآيةِ شىءٌ من المنافقين كان يعرفُهم بسيماهم ولقد كنا في بعضِ الغزواتِ وفيها تسعةٌ من المنافقينَ يشكُوهم الناسُ فناموا ذاتَ ليلةٍ وأصبحوا وعلى كلِّ واحدٍ منهم مكتوبٌ هذا منافقٌ. واللامُ لامُ الجوابِ كُررتْ في المعطوفِ للتأكيدِ، والفاءُ لترتيبِ المعرفةِ على الإراءةِ، وأمَّا ما في قولِه تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} فلجوابِ قسمٍ محذوفٍ. ولحنُ القولِ نحوُه وأسلوبُه أو إمالتُه إلى جهةِ تعريضٍ وتوريةٍ، ومنه قيلَ للمُخطىءِ لاحنٌ لعدلِه بالكلامِ عن سمتِ الصوابِ. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ} فيجازيكُم بحسبِ قصدِكم، وهذا وعدٌ للمؤمنين وإيذانٌ بأنَّ حالَهم بخلافِ حالِ المنافقينَ. {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} بالأمرِ بالجهادِ ونحوهِ من التكاليفِ الشاقةِ {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ} على مشاقِّ الجهادِ علماً فعلياً يتعلقُ به الجزاءَ {وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ} ما يخبرُ به عن أعمالِكم فيظهرُ حسنُها وقبـيحُها. وقُرِىءَ ويبلوَ بالياء، وقُرِىءَ نبلُوْ بسكونِ الواو، على معنى ونحنُ نبلُوا. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ} الناسَ {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ} وعادَوه {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} بما شاهدُوا نعتَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في التوراةِ بما ظهرَ على يديهِ من المعجزاتِ ونزلَ عليه من الآياتِ وهم قريظةُ والنضيرُ أو المطعمونَ يومَ بدرٍ. {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ} بكُفرِهم وصدِّهم {شَيْئاً} من الأشياءِ أو شيئاً من الضررِ أو لن يضرُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمشاقَّتِه شيئاً. وقد حُذفَ المضافُ لتعظيمِه وتفظيعِ مشاقَّته. {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي مكايدَهُم التي نصبُوها في إبطالِ دينِه تعالى ومُشاقَّةِ رسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فلا يصلونَ بَها إلى ما كانُوا يبغونَ من الغوائلِ ولا تُثمر لهم إلا القتلَ والجلاء عن أوطانِهم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ} بما أبطلَ به هؤلاءِ أعمالَهم من الكفرِ والنفاقِ والعُجبِ والرياءِ والمنِّ والأَذَى ونحوِها، وليسَ فيه دليلٌ على إحباطِ الطاعاتِ بالكبائرِ.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} [الآية:30]. قال القاسم: أطلعناك على سرائرهم فلعرفتهم بسيماهم فطنة ولتعرفنهم فى لحن القول ظاهراً والله يعلم إسرارهم لا يقف على ما لهم عند الله من الشقاوة والسعادة أحد. قوله عز وعلا: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} [الآية:30]. قال القاسم: لأن الأكابر والسادة يعرفون صدق المريد من كذبه بسؤاله وكلامه لأن الله يقول: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ}. قال محمد بن حامد: تعرف من كانت قراءته لنا ومن كانت قراءته لرياء وسمعة. وقال أيضاً: النصيحة من الكلام والموعظة منه ممن يريد استجلاب قلوب العوام إليه. وقال القاسم: أثبت المعرفة لنا ولم يثبت العلم وأضاف علم السر إلى نفسه فقال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} ولم يقل تعلمنهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ}. أي في معنى الخطاب، فالأَسِرَّةُ تَدُلُّ على السريرة، وما يخامر القلوبَ فَعَلى الوجوهِ يلوحُ أثرُه: شعر : لستُ ممن ليس يدري ما هوان من كرامة إنَّ للحبِّ وللبغضِ على الوجه علامة تفسير : والمؤمنُ ينظر بنور الفراسة، والعارفُ ينظر بنورِ التحقيق، والموحِّدُ ينظر بالله فلا يستتر عليه شيء. ويقال: بصائرُ الصديقين غيرُ مُغَطَّاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سدوا كل خوخة غير خوخة أبي بكر ".
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} وصف الله نفسه بالقدرة القائمة والمشية الازلية بانه لو اراد ان يكشف عن سراير الخلق وخفايا قلوبهم لحبيبه صلوات الله عليه لكان قادرا وذلك بعد ان البس قلبه انوار غيبة وغيب غيبه فانه كان مستدا بان ينظر الى بواطن الغيوب وضمائر القلوب ولكن ما كان اوايل حاله عرفان بعد ترقى احاله الى مصاعد الغيب وروية انوار الصفات لكن اثبت فى احوالهم بالوسائط فى هذا الموضع بقوله {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} فاذا كمل فى مشاهدة الحق اخبر عن وقوف سره على ممكنات الغيوب بقوله فعلمت ما كان وما سيكون فنبهنا الله سبحانه ان اوايل الفراسات مقرونة بعلامات الظاهر وانهاتتم بما بدا من سيما الوجود ولحن القول والفراسة المحضة ما قال عليه الصلاة والسلام اتقوا افراسه المؤمن فانه ينظر بنور الله وبين ان ما يكون من الصدق فى القول أثاره تبدوا من السّماء وصدق القول وما يكون بخلاف ذلك فلذلك قال القاسم فى قوله ولو نشاء لاريناكهم اطلعناك على سرائرهم فلعرفتهم بسيماهم فطنة ولتعرفنهم فى لحن القول ظاهر والله يعلم اسرارهم ولا يقف على مالهم من السعادة والشقاوة احد وقال ايضا ان عند الله الاكابر والسّادة يعرفون صدق المريدين من كذبه بسوا له وكلامه لان الله يقول ولتعرفهم فى لحن القول.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو نشاء} ارآءتهم وبالفارسية واكر ماخواهيم {لأريناكهم} لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم معرفة متأخمة للرؤية {فلعرفتهم بسيماهم} بعلامتهم التى نسمهم بها قال فى القاموس السومة بالضم والسمية والسيما والسيميا بكسرهن العلامة وذكر فى السوم وعن انس رضى الله عنه ما خفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شئ من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم ولقد كنا فى بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكون فيهم الناس فناموا ذات ليلة واصبحوا وعلى وجه كل منهم مكتوب هذا منافق وفى عين المعانى وعلى جبهة كل واحد مكتوب كيئة الوشم هذا منافق واللام لام الجواب كررت فى المعطوف للتأكيد والفاء لترتيب المعرفة على الاراءة {ولتعرفنهم فى لحن القول} اللام جواب قسم محذوف ولحن القول فحواه ومعناه واسلوبه او امالته الى جهة تعريض وتورية يعنى بشناسى توايشازا در كردانيدن سخن از صوب صواب بجهت تعريض وتوريت. ومنه قيل للمخطئ لاحن لعدله بالكلام عن سمت الصواب وفى الحديث "حديث : لعل بعضكم الحن بحجته من بعض" تفسير : اى اذهب بها فى الجهات. قال فى المفردات اللحن صرف الكلام عن سننه الجارى عليه اما بازالة الاعراب او التصحيف وهو المذموم وذلك اكثر استعمالا واما بازالته عن التصريح وصرفه بمعناه الى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث البلاغة عند اكثر الادباء واليه قصد بقول الشاعر فخير الاحاديث ما كان لحنا واياه قصد بقوله ولتعرفنهم فى لحن القول ومنه قيل للفطنة لما يقتضى فحوى الكلام لحن انتهى وفى المختار اللحن الخطأ فى الاعراب وبابه قطع واللحن بفتح الحاء الفطنة وقد لحن من باب طرب وفى الحديث "حديث : لعل احدكم الحن بحجته" تفسير : اى افطن بها انتهى وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو قولهم ما لنا ان اطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا ان عصينا من العقاب. قال بعض الكبار الاكابر والسادات يعرفون صدق المريد من كذبه بسؤاله وكلامه لان الله يقول ولتعرفنهم فى لحن القول {والله يعلم اعمالكم} فيجازيكم بحسب قصدكم وهذا وعد للمؤمنين وايذان بان حالهم بخلاف حال المنافقين وفى الآية اشارة الى ان من مرض القلوب الحسبان الفاسد والظن الكاذب فظنوا ان الله لا يطلع على خبث عقائدهم ولا يظهره على رسوله وليس الامر كما توهموه بل الله فضحهم وكشف تلبيسهم بالاخبار والتعريف مع ان المؤمن ينظر بنور الفراسة والعارف ينظر بنور التحقيق والنبى عليه السلام ينظر بالله فلا يستتر عليه شئ فالاعمال التى تصدر بخباثة النيات لها شواهد عليها كما سئل سفيان بن عيينة رحمه الله هل يعلم الملكان الغيب فقال لا فقيل له فكيف يكتبان ما لا يقع من عمل القلب فقال لكل عمل سيما يعرف بها كالمجرم يعرف بسيماه اذا هم العبد بحسنة فاح من فيه رآئحة المسك فيعلمون ذلك فيكتبونها حسنة فاذا هم بسيئة استقر عليها قلبه فاح منه ريح النتن ففى كل شى شواهد الا ترى ان الحارث بن اسد المحاسبى رحمه الله كان اذا قدم له طعام فيه شبهة ضرب عرقه على اصبعه وكأم ابى يزيد اليسطامى رحمهما الله ما دامت حاملا بأبى يزيد لا تمتد يدها الى طعام حرام وآخر ينادى ويقال له تورع وآخر يأخذه الغثيان وآخر يصير الطعام امامه دما وآخر يرى عليه سوادا وآخر يراه خنزيرا الى امثال هذه المعاملات التى خص الله بها اولياءه واصفياءه فعليك بالمراقبة مع الله والورع فى المنطق فانه من الحكمة وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار الا حصائد ألسنتهم. قال مالك بن انس رضى الله عنه من عد كلامه من عمله قل كلامه والتزم اربعة الدعاء للمسلمين بظهر الغيب وسلامة الصدر وخدمة الفقرآء وكان مع كل احد على نفسه. قال بعض الكبار أنصت لحديث الجليس ما لم يكن هجرا فان كان هجرا فانصحه فى الله ان علمت منه القبول بالطف النصح والا فاعتذر فى الانفصال فان كان ما جاء به حسنا فحسن الاستماع ولا تقطع عليه حديثه. سخن را سرست اى خردمندوبن مياور سخن درميان سخن خداوند تدبير وفرهنك وهوش نكويت سخن تانبيند خموش
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} يعنى لو نشاء تعريفهم لك لأريناكهم حتّى تعرفهم بسيماهم ونفاقهم الباطنىّ {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} ان لم تكن تعرفهم بسيماهم، ويجوز ان يكون الخطاب لمحمّدٍ (ص) وان يكون لغير معيّنٍ والمراد بلحن القول فحواه ومقصوده من الكناية والتّورية والتّعريض، او امالته الى جهة التّعريض والتّورية، وعن ابى سعيدٍ الخدرىّ قال: (لحن القول بغضهم علىّ بن ابى طالبٍ (ع) قال: وكنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (ص) ببغضهم علىّ بن ابى طالبٍ (ع))، وعن انسٍ: (انّه ما خفى منافقٌ على عهد رسول الله (ص) بعد هذه الآية {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} اسررتموها او اعلنتموها).
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} أعلمناك بهم بأعيانهم وأسمائهم بدلائل* {فَلَعَرَفْتَهُم} العطف على جواب (لو) ولذا قرن باللام* {بِسِيمَاهُمْ} بعلامتهم ولم يعينهم ابقاء عليهم وعلى قرباتهم مثالاً خوفاً منهم وان عرفوا بلحن القول وكانوا في الاشتهار على مراتب كابن أبيّ وغيره وقال ابن عباس وأنس والضحاك عرفه بهم في قوله {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} تفسير : وقوله {أية : فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} تفسير : قال أنس ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من المنافقين بعد قوله {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُم} وكان يعرفهم بسيماهم ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكرهم الناس فناموا ذات ليلة فأصبحوا وعلى جبهة كل واحد مكتوباً هذا منافق وعليه فالمشيئة بمعنى التعريف لانها سببه* {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ} جواب قسم مقدر بدليل النون* {فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} امالته الى أسلوب التعريض بما فيه تهجين أمر المسلمين فيفطن به قال: شعر : ولقد لحنت لكيما تفقهوا واللحن يعرفه ذوو الألباب تفسير : والخطأ في الكلام لحن لانه عدول عن الصواب وقال ابن عباس لحن القول منحاه وأسلوبه وانه هو قولهم (ما لنا ان أطعنا من الثواب) ولا يقولون (ما علينا ان عصينا من العقاب) ويطلق اللحن كما رأيت على التورية وعلى الفطنة وعلى الخطأ في الاعراب أو الحروف وقيل في الاعراب واما في الحروف فتصحيف واحتج بالآية من أوجب الحد في التعريض بالقذف وقيل (لحن القول عللهم) الكاذبة وما يعتذرون به في الغزو من الباطل وفيما يتكلمون به أو يفعلونه {أية : يحلفون بالله ان أردنا إلاّ إحساناً}. تفسير : {وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} كناية عن المجازاة عليها واشعاراً بأنه يعلم العلانية والسر فيجازيهم على نياتهم والخطاب للمؤمن والكافر
اطفيش
تفسير : {ولَو نَشاءُ} إراءتك اياهم ضمير العظمة هنا، وفيما بعد على طريق العناية بالارادة، وكأنه وعده الارادة والا فلو للامتناع، ويدل على الوعد قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} فعن أنس: ما خفى عنه لحن منهم بعد نزول: {ولتعرفنم في لحن القول} وعرفهم بسيماهم ايضا {لأرينْاكهم} عرفناكهم، أو أريناكهم بعينيك {فَلعرفتهم} الفاء للعطف والتفريع، واللام صحت لأجل العطف على جواب لو المقرون باللام، كررت للتأكيد، وكأنها فى جواب لو، لأن المعطوف على الجواب جواب، والاراءة بمعنى التعريف، ولا يلزم فى الجملة من التعريف حصول المعرفة، فقد يكون منك تعريف لأحد بشىء ولا يعرفه ولا يقيده تعريفك، فزاد الله تعالى قوله: {لتعرفنهم} فلو شاء الله تعالى لم يعرفهم، ولو جعل لهم سيما {بِسِيماهُم} علامتهم، والمراد الجنس اضافتها للجنس، وكأنه قيل بعلامات نسمهم بها، وأرفدت اشارة الى أن علاماتهم متحدة الجنس، كأنها شىء واحد. {ولتعْرفنَّهم} فوالله لتعرفنهم، القسم وجوابه جملة انشائية معطوفة على خبرية، هى لو وشرطها وجوابها {في لحْن القَول} الاضافة للجنس، وكأنه قيل فى طرف القول اذا جاءوك بواحد فهمته، أو لحن القول الطريق المائلة عن الطريق المعروفة، كالتعريض والكناية، والابهام المائلات عن التصريح، كما يسمى الخطأ فى النطق من حيث الاعراب لحناً لأنه عدول عن الصواب، تقول لحنت له إذا قلت له قولاً يفهمه عنك، ويخفى عن غيره لنحو البلاغة فى العبارة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض" تفسير : وقيل: لحن القول هنا الذهاب عن الحق، ويقرب منه قول ابن عباس: اللحن القول هنا مالنا من الثواب ان أطعنا، ولا يقولون ما علينا من العقاب ان عصينا، والصواب أن يقولوه ولم يقولوه لشدة رغبتهم فى ما ينفعهم من الخيرات، ولكثرة ما يذكر من عقابهم فى القرآن، وقلة ما يصرح له به لكم كذا ان فعلتم كذا. وتفسير اللحن بالميل أولى وهو الأكثر فى الكلام، كما فسر به أولا، كما قيل: انهم يصطلحون على ألفاظ يخاطبون بها النبى صلى الله عليه وسلم، مما ظاهره حسن غير مراد، بل أرادوا قبحا أو غيره مما ليس حسنا، ومن ذلك قولهم، اذا دعوا إلى النصر: انا معكم، فيريدوا انا معكم الساعة، أو فى المدينة، أو معكم فى القتال بلا اعانة، والسيمة بالكتابة، قال أنس: كنا فى غزوة ومعنا تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فأصبحوا، وفى وجه كل واحد مكتوبا هذا منافق، ولا تختص السيما فى الآية بالكتابة، بل تعم كل ما يعلم به فى أحواله، وفى حديث مرفوع: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر" تفسير : ولفظ البخارى والترمذى، عن أبى سعيد: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه يبصر بنور الله عز وجل" تفسير : والتعريض بالقذف لا يوجب حد القذف، كقولك: أنا لا أزنى تعريضا لفلان أنه يزنى، والآية لا تدل على الحد به {والله يعلم أعمالكم} خطاب للمؤمنين بالجزاء على أعمالهم الحسنة، أو للمنافقين بالجزاء على اعمالهم القبيحة، والأولى عمومهم فهو وعد ووعيد، كما يدل له قوله تعالى: {ولنَبلونَّكُم حتَّى نعْلم المجاهدين مِنْكم والصابرين ونَبْلو أخْبارَكُم} والبلاء الأمر بما يشق كالجهاد، والصبر هو الصبر على مشاق التكليف، أى حتى نعلم الجهاد والصبر واقعين بعد علمهما فى الأزل، وبعده أنهما يقعان أو لا يقعان، كأنه قيل: حتى يظهر علمنا، والشىء لايعرف أنه وقع حتى يقع، ومن قبل وقوعه علم الله أنه سيقع لأنه وقع، أو العلم هنا عبارة عن لازمه ومسببه وهو الوقوع منهم وقوع الجهاد والصبر، ومعنى: {نبلو أخباركم} نظهر حسنها وقبيحها، وحسن الخبر وقبحه على حسب المخبر عنه، والمراد عموم الاخبار، فيدخل فيها الاخبار أولاً عن الايمان، وموالاة المؤمنين، وقيل الاخبار عن ايمان، وأن الإضافة للعهد.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ نَشَاءُ } إراءتك إياهم {لأَرَيْنَاكَهُمْ } أي لعرفناكهم على أن الرؤية علمية {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ } تفريع لمعرفته صلى الله عليه وسلم على تعريف الله عز وجل، ويجوز أن تكون الرؤية بصرية على أن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم يعرفهم معرفة متفرعة على إراءته إياهم، والالتفات إلى نون العظمة للإيماء إلى العناية بالإراءة. والسيما العلامة، والمعنى هنا على الجمع لعمومها بالإضافة لكنها أفردت للإشارة إلى أن علاماتهم متحدة الجنس فكأنها شيء واحد أي فلعرفتهم بعلامات نسمهم بها. ولام {فَلَعَرَفْتَهُم } كلام {لأَرَيْنَاكَهُمْ} الواقعة في جواب (لو) لأن المعطوف على الجواب جواب، وكررت في المعطوف للتأكيد، وأما التي في قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } فواقعة في جواب قسم محذوف والجملة معطوفة على الجملة الشرطية {لحن ٱلْقَوْلِ } أسلوب من أساليبه مطلقاً، أو المائلة عن الطريق المعروفة كأن يعدل عن ظاهره من التصريح إلى التعريض والإبهام، ولذا سمي خطأ الإعراب به لعدوله عن الصواب. وقال الراغب: ((اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم وذلك أكثر استعمالاً، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث البلاغة، وإليه أشار بقوله الشاعر عند أكثر الأدباء:شعر : منطق صائب وتلحن أحيا ناً وخير الحديث ما كان لحناً تفسير : وإياه قصد بقوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ })) وفي «البحر» ((يقال: لَحَنت له بفتح الحاء ألحن لحناً قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى على غيره، ولَحِنه هو بالكسر فهمه وألحنته أنا إياه ولاحنت الناس فاطنتهم، وقيل: لحن القول الذهاب عن الصواب))، وعن ابن عباس {لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } هنا قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب وكان هذا الذي ينبغي منهم، وقال بعض من فسره بالأسلوب المائل عن الطريق المعروفة: إنهم كانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح وكانوا أيضاً يتكلمون بما يشعر بالاتباع وهم بخلاف ذلك كقولهم إذا دعاهم المؤمنون إلى نصرهم: إنا معكم، وبالجملة إنهم كانوا يتكلمون بكلام ذي دسائس وكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم بذلك، وعن أنس رضي الله تعالى عنه ما خفي بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من المنافقين كان عليه الصلاة والسلام يعرفهم بسيماهم ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق. وفي دعواه أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم بسيماهم إشكال فإن {لَوْ } ظاهرها عدم الوقوع بل المناسب معرفتهم من لحن القول، وكأنه حمله على أنه وعد بالوقوع دال على الامتناع فيما سلف، ولقد صدق وعده واستشهد عليه بما اتفق في بعض الغزوات. ولا تنحصر السيما بالكتابة / بل تكون بغيرها أيضاً مما يعرفهم به النبـي صلى الله عليه وسلم كما يعرف القائف حال الشخص بعلامات تدل عليه، وكثيراً ما يعرف الإنسان محبه ومبغضه من النظر ويكاد النظر ينطق بما في القلب، وقد شاهدنا غير واحد يعرف السني والشيعي بسمات في الوجه، وإن صح أن بعض الأولياء قدست أسرارهم كان يعرف البر والفاجر والمؤمن والكافر ويقول أشم من فلان رائحة الطاعة ومن فلان رائحة المعصية ومن فلان رائحة الإيمان ومن فلان رائحة الكفر ويظهر الأمر حسبما أشار فرسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المعرفة أولى وأولى؛ ولعلها بعلامات وراء طور عقولنا، والنور المذكور في خبر «حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى»تفسير : متفاوت الظهور بحسب القابليات وللنبـي صلى الله عليه وسلم أتمه. وذكروا من علامات النفاق بغض علي كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم علي بن أبـي طالب. وأخرج هو وابن عساكر عن أبـي سعيد الخدري ما يؤيده، وعندي أن بغضه رضي الله تعالى عنه من أقوى علامات النفاق فإن آمنت بذلك فيا ليت شعري ماذا تقول في يزيد الطريد أكان يحب علياً كرم الله تعالى وجهه أم كان يبغضه، ولا أظنك في مرية من أنه عليه اللعنة كان يبغضه رضي الله تعالى عنه أشد البغض وكذا يبغض ولديه الحسن والحسين على جدهما وأبويهما وعليهما الصلاة والسلام كما تدل على ذلك الآثار المتواترة معنى، وحينئذٍ لا مجال لك من القول بأن اللعين كان منافقاً. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة علامات للنفاق غير ما ذكر كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : علامات المنافق ثلاث»تفسير : الحديث لكن قال العلماء هي علامات للنفاق العملي لا الإيماني، وقيل: الحديث خارج مخرج التنفير عن اتصاف المؤمن المخلص بشيء منها لما أنها كانت إذ ذاك من علامات المنافقين. واستدل بقوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } من جعل التعريض بالقذف موجباً الحد، ولا يخفى حاله. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ } فيجازيكم عليها بحسب قصدكم وهذا على ما قيل وعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين؛ وقيل: وعيد للمنافقين وإيذان لهم بأن المجزى عليه ما يقصدونه لا ما يعرضون أو يورون به، واستظهر أنه خطاب عام فهو وعد ووعيد، وحمل على العموم قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ}.
ابن عاشور
تفسير : كان مرض قلوبهم خفياً لأنهم يبالغون في كتمانه وتمويهه بالتظاهر بالإيمان، فذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه لو شاء لأطلعه عليهم واحداً واحداً فيعرف ذواتهم بعلاماتهم. والسّيمَى بالقصر: العَلامة الملازمة، أصله: وِسْمَى بوزن فِعلى من الوسم وهو جعل سمة للشيء، وهو بكسر أوله. فهو من المثال الواوي الفاء حولت الواو من موضع فاء الكلمة فوضعت في مكان عين الكلمة وحولت عين الكلمة إلى موضع الفاء فصارت سِوْمَى فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : تعرفهم بسيماهم}تفسير : في سورة البقرة (273). والمعنى: لأريناكَ أشخاصهم فعرفتهم، أو لذكرنَا لك أوصافهم فعرفتهم بها ثم يحتمل أن الله شاء ذلك وأراهم للرسول صلى الله عليه وسلم فعن أنس "ما خفي على النبي بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم" ذكره البغوي والثعلبي بدون سند. ومما يروى عن حذيفة ما يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم عرفه بالمنافقين أو ببعضهم، ولكن إذا صح هذا فَإن الله لم يأمر بإجرائهم على غير حالة الإسلام، ويحتمل أن الله قال هذا إكراماً لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يطلعه عليهم. واللام في {لأريناكهم} لام جواب {لو} التي تزاد فيه غالباً. واللام في {فلعرفتهم} تأكيد لِلام {لأريناكهم} لزيادة تحقيق تفرع المعرفة على الإراءة. {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول}. هذا في معنى الاحتراس مما يقتضيه مفهوم {لو نشاء لأريناكهم} من عدم وقوع المشيئة لإراءته إياهم بنعوتهم. والمعنى: فإن لم نرك إياهم بسيماهم فلتقعن معرفتك بهم من لحن كلامهم بإلهام يجعله الله في علم رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يخفى عليه شيء من لحن كلامهم فيحصل له العلم بكل واحد منهم إذا لحن في قوله، وهم لا يخلو واحد منهم من اللحن في قوله، فمعرفة الرسول بكل واحد منهم حاصلة وإنما ترك الله تعريفه إياهم بسيماهم ووكله إلى معرفتهم بلحن قولهم إبقاء على سنة الله تعالى في نظام الخلق بقدر الإمكان لأنها سنة ناشئة عن الحكمة فلما أريد تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم بإطلاعه على دخائل المنافقين سلك الله في ذلك مسلك الرمز. واللام في {ولتعرفنهم} لام القسم المحذوف. ولحن القول: الكلام المحال به إلى غير ظاهره ليفطن له من يُراد أن يفهمه دون أن يفهمه غيره بأن يكون في الكلام تعريض أو تورية أو ألفاظ مصطلح عليها بين شخصين أو فرقة كالألفاظ العلمية قال القتَّال الكِلائي:شعر : ولقد وَحيت لكم لكيما تفهموا ولَحنتُ لحناً ليس بالمرتاب تفسير : كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما بينهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذهم بظاهر كلامهم فنبهه الله إليه فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أعمالكم}. تذييل، فهو لعمومه خطاب لجميع الأمة المقصود منه التعليم وهو مع ذلك كناية عن لازمه وهو الوعيد لأهل الأعمال السيّئة على أعمالهم، والوعد لأهل الأعمال الصالحة على أعمالهم، وتنبيه لأهل النفاق بأن الله يوشك أن يفضح نفاقهم كما قال آنفاً {أية : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم}تفسير : [محمد: 29]. واجتلاب المضارع في قوله: {يعلم} للدلالة على أن علمه بذلك مستمر.
د. أسعد حومد
تفسير : {لأَرَيْنَاكَهُمْ} {بِسِيمَاهُمْ} {أَعْمَالَكُمْ} (30) - وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالى بِكَشْفِ أمْرِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ لِلرَّسُولِ فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ الكَريمِ صلى الله عليه وسلم: إنَّهُ لَوْ شَاءَ تَعَالَى لَكَشَفَ لَهُ عَنْ أشْخَاصِهِم، حَتَّى إنَّهُ لَيَرى أحَدَهُم فَيَعْرفُهُ مِنْ مَلامِحِهِ (سِيماهُمْ)، وإنَّ لَهْجَتَهُمْ وَنَبَرَاتِ أصْواتِهِمْ، وَإمَالَتَهُمْ في لَفْظِ الكَلِماتِ، وانحِرَافَ مَنْطِقهِم في خِطَابِ الرَّسُولِ، سَيَدُلُّه كُلَّ ذَلِكَ عَلَى نِفَاقِهِمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ أعمَالَ العِبَادِ، وَسَوفَ يُجَازِيهِمْ بِها. بِسِيماهُمْ - بِعَلاَمَاتٍ يَسِمُهُمْ بِها. فِي لَحْنِ القَوْل - بِطَرِيقَةِ كَلاَمِهِمِ المُلْتَوِيَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والأعمال تشمل الأقوال والأفعال. فلا يخفى على العاقل أن يعرف المنافق من سيما وجهه وملامحه، فالكذاب له سيما تدل عليه، والصادق في وجهه من التألق ما يدل على صدقه وهكذا. وقوله {فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ..} [محمد: 30] أي: في زلة اللسان أو في ليِّه بالألفاظ والتلاعب بها كما قال اليهود له صلى الله عليه وسلم: حديث : السام عليك يا محمد، وقد فطنتْ لها السيدة عائشة فردَّتْ عليهم بما يستحقونتفسير : ، لذلك قال الشاعر الجاهلي: شعر : وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيء مِنْ خَلِيقَةٍ وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاس تُعلَمِ تفسير : وقد فضحهم الله تعالى في قوله: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [التوبة: 61]. قولهم عن رسول الله {أية : هُوَ أُذُنٌ ..}تفسير : [التوبة: 61] كما نقول نحن: فلان وِدَنِي يعني: كثير السماع، فردَّ الله عليهم {أية : قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ..}تفسير : [التوبة: 61] نعم هو أذن، لكن أذن خير يسمع الخير ويدلكم عليه. قوله: {بِسِيمَاهُمْ ..} [محمد: 30] أي: بعلاماتهم الواضحة على وجوههم {فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ..} [محمد: 30] صرفهم للألفاظ عن معانيها المتعارف عليها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} معناه فِي فَحوى القَولِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لم يعلموا أنَّا {لَوْ نَشَآءُ} تفضيحهم {لأَرَيْنَاكَهُمْ} وأبصرنا عليك يا أكمل الرسل ما أظمروا في نفوسهم {فَلَعَرَفْتَهُم} حينئذٍ {بِسِيمَاهُمْ} بمجرد إبصارك إياهم؛ لظهور ما في صدورهم من الغل على وجوههم {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ} ألبتة نفقهم {فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} الباطل الذي صدر عنهم مشغوشاً مزخرفاً، وبعدما نزل هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفهم، ويستدل بكلامه على فساد ضميره {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع بعموم أحوال عباده {يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30] ونياتكم فيها ومقاصدكم عنها، فيجازيكم على مقتضى علمه. ثم قال سبحانه مقسماً: {وَ} الله {لَنَبْلُوَنَّكُمْ} ونختبرنكم أيها المجبولون على فطرة الإسلام بالتكاليف الشاقة والأوامر الشديدة {حَتَّىٰ نَعْلَمَ} أي: نفرق ونميِّز {ٱلْمُجَاهِدِينَ} المتجهدين {مِنكُمْ} ببذل الوسع والطاقة على امتثال المأمور، والصابرين المرابطين قلوبهم بحبل الله وتوحيده، الموطنين نفوسهم بالرضا بجميع ما جرى عليهم من القضاء {وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ} أيضاً {أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] التي صدرت عنكم وقت تكليفنا إياكم؛ إذ الأخبار منبئة عن الضمائر والأسرار. وبالجملة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وأعرضوا عن مقتضيات تكاليفه الصادرة عن الحكمة البالغة {وَ} مع كفرهم وضلالهم في أنفسهم {صَدُّواْ} وصرفوا {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ضعفاء عباده {وَ} مع ذلك {شَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ} المرسل من عنده سبحانه، المبعوث إليهم للإرشاد والتكميل، لا من شبهة صدرت عنه تدل على كذبه وافترائه {مِن} بعدما {مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي: ثبت عندهم هدايته عقلاً ونقلاً، ومع ظهور صدقه وهدايته كذبوه عدواناً وظلماً، وبواسطة هذه الجرأة على الله ورسوله {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ} المنزه في ذاته عن أن يكون معروضاً للنفع والضر {شَيْئاً} من الضرر والإضرار، بل {وَسَيُحْبِطُ} ويضيع سبحانه بأمثال هذه الجرائم والآثام {أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32] الصادرة عنهم لتثمر لهم الثواب، فاقلب الأمر عليهم، فيثمر لهم العذاب. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم إطاعة الله وإطاعة رسوله {أَطِيعُواْ اللَّهَ} المظهر لكم من كتم العدم، المنعم عليكم بأنواع النعم وأصناف الكرم {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} الهادي، المرشد لكم إلى توحيد الحق وكمالات أسمائه وأوصافه {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] بالإعراض عن الله، والانصراف عن متابعة رسوله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَ} الحال أنه {هُمْ كُفَّارٌ} مصرون معاندون على ما هم عليه طول عمرهم {فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ} [محمد: 34] أبداً لإشراكهم بالله وخروجهم عن ربقة عبوديته بمتابعة أهويتهم الباطلة وآرائهم الفاسدة. وبعدما أطعتم الله ورسوله أيها المؤمنون، وأخلصتم في إطاعتكم وانقيادكم ثقوا واعتصموا بحبل توفيقه ونصره {فَلاَ تَهِنُواْ} ولا تضعفوا عن الجهاد والمقاتلة {وَ} لا {تَدْعُوۤاْ} وتركنوا {إِلَى ٱلسَّلْمِ} والصلح، وبالجملة: لا تجنوا {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} الأغلبون، أيها الموحدون المحمديون؛ إذ الحق يعلو ولا يُعلى {وَ} كيف لا تتصفون بصفة العلو والغلبة؛ إذ {ٱللَّهُ} المحيط بكم {مَعَكُمْ} لا على وجه المقارنة والاتحادن ولا على سبيل الحلول والامتزاج، بل على وجه الظهور والبروز وامتداد الأظلال عليكم وانعكاسكم منها {وَ} بعدما صار الحق معكم على الوجه المذكور {لَن يَتِرَكُمْ} ولن يضيع عليكم {أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] التي جئتم بها مخلصين؛ طلباً لمرضاة الله وهرباً عن مساخطه؛ إذ الموعد المعتدل دائماً بين الخوف والرجاء، وكيف لا يكون كذلك؛ إذ هو مستوٍ على مستن الصراط المستقيم الذي هو أدق وأرق من كل دقيق ورقيق. وبعدما سمعت صفة صراط ربك يا أكمل الرسل {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} أي: ما الحياة الدنيا إلا {لَعِبٌ} يعلب بها أبناء بقعة الإمكان وهم غافلون عن حقيقتها {وَلَهْوٌ} يهلى ويحير قلوبهم في تيه الغفلة والضلال، وهم تائهون فيها ساهون عمَّن ظهر عليها {وَ} بعدما سمعتم نبذاً من أوصاف دنياكم {إِن تُؤْمِنُواْ} بوحدة الحق وبكمالات أسمائه وصفاته الظاهرة آثارها على هياكل الهوايات المستحقة في الكائنات، وتوكلوا عليه مفوضين أموركم كلها إليه، واتخذوه وكيلاً واتخذوه كفيلاً، واعتصموا بحبل توفيقه ثقة واعتماداً {وَتَتَّقُواْ} أي: تحفظوا أنفسكم عن الميل إلى ما سوى الحق من الأماني العاطلة الإمكانية، العائقة الدنية الدنيوية، المثمرة لغضب الحق بمقتضى قدرته الجليلة {يُؤْتِكُمْ} بمقتضى إرادته الجليلة الجميلة {أُجُورَكُمْ} التي استوجبتم بصوالح أعمالكم، ويزيد عليكم تفضلاً وإحساناً ما لا مزيد عليكم من اللذات الروحانية {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ} ويطلب منكم بمقابلة ما أفاض عليكم من الكرامات {أَمْوَٰلَكُمْ} [محمد: 36] أي: جميعها، بل مقدار ما يزكي بها نفوسكم ويطيب لها قلوبكم من الشح المفرط والميل المتبالغ، فكيف أن {يَسْأَلْكُمُوهَا} ويطلب منكم سبحانه جميعها {فَيُحْفِكُمْ} ويبالغ عليكم في طلب ما اقترفتم؟ {تَبْخَلُواْ} ألبتة على الله ورسوله، وتظهروا الحقد فلا تعطوا، بل {وَيُخْرِجْ} أي: يبرز ويظهر بخلكم وحقدكم هذا {أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 37] وشكائمكم التي تضمرونها في نفوسكم. وبالجملة: {هَا أَنتُمْ} أيها الحمقى الغافلون عن مقتضى الألوهية والربوبية {هَـٰؤُلاَءِ} البخلاء المغرورون بحطام الدنيا الدنية، المغمورون في لذاتها وشهواتها الفانية العائقة عن اللذات الأخروية، إنما {تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ} مما أنتم مستخلفون فيه {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فتفوزوا بالمثوبة العظمى والكرامة الكبرى عنده سبحانه، وبعد وصول الدعوة إليكم {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي: يمنع ولم يعط بل يظهر ما يضمر في نفسه من الضغن والحقد. {وَ} بالجملة: {مَن يَبْخَلْ} من مال بعدما أمر بإنفاقه {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} إذ نفع الإنفاق وضرر البخل كلاهما عائد إليها {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} المستغنى بذاته عن هموم صدقاتكم ومطلق طاعاتكم وعباداتكم {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} المقصورون على الفقر والاحتياج الذاتي إلى ما عنده سبحانه من أنواع الإنعام والإحسان {وَ} بعدما بلغت لهم يأكمل الرسل ما بلغت من مقتضيات الوحي والإلهام الإلهي {إِن تَتَوَلَّوْاْ} وتنصرفوا عن الإيمان وامتثال عموم المأمورات {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي: يهلككم ويقيم بدلكم قوماً يؤمنون ويقيمون بامثتال الأوامر والنواهي {ثُمَّ} لما علموا واعتبروا منكم وشاهدوا مقتكم وهلاككم {لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] كافرين بالله كفاراً لنعمه ولحقوق كرمه. خاتمة السورة عليك أيها القاصد نحو طريق التوحيد، العازم على سلوك سبيل الفناء المثمر للبقاء الذاتي - أوصلك الله إلى غاية مبتغاك ونهاية ممتناك - أن تعتدل في عموم أوصافك وأخلاقك، سيما في أحوالك التي تتعلق بالإنفاق المأمور عليك بمقتضى الحكمة والعدالة الإلهية، الناشئة من الله عن محض الإرادة والرضا، وإياك إياك البخل والتقتير، فإنه الجالب لحلول غضب الله ونزول أنواع سخطه بمقتضى قهره وجلاله، فعليك الامتثال بالمأمور، والاتكال على الملك الرحيم الغفور.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقال: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} [محمد: 30]، بإراءته الحق تعالى إياه، وقال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} [محمد: 30]؛ أي: في معنى الخطاب؛ لأنك تنظر بنور الله فترى منشأ كلامهم، فيخبرك سرائرهم عن ضمائرهم، وأن الأسرة لتدل على السريرة؛ فالمؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بنور التحقيق، والنبي ينظر بالله فلا يستتر عليه شيء، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30] إنها صادرة بخباثة نياتكم. وبقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ} [محمد: 31]، يشير إلى أن البلاء مخلص إبريز الولاء، كما قيل: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فإن بالابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرجال؛ فيظهر المخلص، ويفضح المارق، وينكشف المنافق، ويتميز الموافق، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان. وفي قوله تعالى: {وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، إشارة إلى أننا نعلمكم، ونكشف لكم من المجاهد الصابر منكم، وبالابتلاء نخبركم عن جواهركم أنها من السعداء والأشقياء، وإلا نحن عالمون بخالص جواهركم من الأزل إلى الأبد؛ لأنا خلقناها على أوصافها، {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]، فيتغير أحوال جواهركم في الأمة، فإن المختلفة لا تظنوا تغير علمنا، فإذا يراكم في حالة واحدة، وتغيرات أحوالكم كلها كما هي؛ بحيث لا يشغلنا حالة عن حالة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [محمد: 32]؛ أي: أنكروا بعد أن أقروا، وقطعوا الطريق على الطالبين، { وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} [محمد: 32] بشواهد الحق، فلم يعرفوا قدرها ولم يؤدوا حقها، أخذوا بكفران النعمة وأمهلوا بالخذلان فتقاعدوا عن الخدمة، {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} [محمد: 32]، وإنما أضروا بأنفسهم {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 32]، لا ينتفعون بها في الدارين. ثم أخبر عن الطاعة بقدر الاستطاعة بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، يشير إلى أن عمل وطاعة لم يكن بأمر الله وسنة رسوله، فهو باطل لم يكن له ثمرة؛ لأنه صدر عن الطبع والطبع ظلماني، وإنما جاء الشرع وهو نوراني؛ ليزيل ظلمة الطبع بنور الشرع، فيكون ثمراً وثمرته أن يخرجكم من الظلمات إلى النور؛ أي: من ظلمات الطبع إلى نور الحق. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [محمد: 34] من النفوس المتمردة، {وَصَدُّواْ} [محمد: 34]، القلوب {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [محمد: 34] وطلبه، { ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} [محمد: 34] على طبيعتهم، {فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} [محمد: 34] في الآخرة؛ لأنهم ماتوا على الكفر؛ فيحشرون على ما ماتوا عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):