٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بيّن أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبط، وذنبه الذي هو أقبح السيئات غير مغفور، بين أن لا حرمة في الدنيا ولا في الآخرة، وقد أمر الله تعالى بطاعة الرسول بقوله {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [النساء: 59] وأمر بالقتال بقوله {فَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا بعد ما وجد السبب في الجد في الأمر والاجتهاد في الجهاد فقاله {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } وفي الآيات ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأن قوله {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } يقتضي السعي في القتال لأن أمر الله وأمر الرسول ورد بالجهاد وقد أمروا بالطاعة، فذلك يقتضي أن لا يضعف المكلف ولا يكسل ولا يهن ولا يتهاون، ثم إن بعد المقتضي قد يتحقق مانع ولا يتحقق المسبب، والمانع من القتال إما أخروي وإما دنيوي، فذكر الأخروي وهو أن الكافر لا حرمة له في الدنيا والآخرة، لأنه لا عمل له في الدنيا ولا مغفرة له في الآخرة، فإذا وجد السبب ولم يوجد المانع ينبغي أن يتحقق المسبب، ولم يقدم المانع الدنيوي على قوله {فَلاَ تَهِنُواْ } إشارة إلى أن الأمور الدنيوية لا ينبغي أن تكون مانعة من الإتيان، فلا تهنوا فإن لكم النصر، أو عليكم بالعزيمة على تقدير الاعتزام للهزيمة. ثم قال تعالى بعد ذلك المانع الدنيوي مع أنه لا ينبغي أن يكون مانعاً ليس بموجود أيضاً حيث أنتم الأعلون والأعلون والمصطفون في الجمع حالة الرفع معلوم الأصل، ومعلوم أن الأمر كيف آل إلى هذه الصيغة في التصريف، وذلك لأن أصله في الجمع الموافق أعليون ومصطفيون فسكنت الياء لكونها حرف علة فتحرك ما قبلها والواو كانت ساكنة فالتقى ساكنان ولم يكن بد من حذف أحدهما أو تحريكه والتحريك كان يوقع في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف، والواو كانت فيه لمعنى لا يستفاد إلا منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي أعلون، وبهذا الدليل صار في الجر أعلين ومصطفين، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } هداية وإرشاد يمنع الملكف من الإعجاب بنفسه، وذلك لأنه تعالى لما قال: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } كان ذلك سبب الافتخار فقال: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } يعني ليس ذلك من أنفسكم بل من الله، أو نقول لما قال: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } فكان المؤمنون يرون ضعف أنفسهم وقلتهم مع كثرة الكفار وشوكتهم وكان يقع في نفس بعضهم أنهم كيف يكون لهم الغلبة فقال إن الله معكم لا يبقى لكم شك ولا ارتياب في أن الغلبة لكم وهذا كقوله تعالى: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي } تفسير : [المجادلة: 21] وقوله {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 173] وقوله {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } وعد آخر وذلك لأن الله لما قال إن الله معكم، كان فيه أن النصرة بالله لا بكم فكان القائل يقول لم يصدر مني عمل له اعتبار فلا أستحق تعظيماً، فقال هو ينصركم ومع ذلك لا ينقص من أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النصرة جعلت بكم ومنكم فكأنكم مستقلون في ذلك ويعطيكم أجر المستبد، والترة النقص، ومنه الموتر كأنه نقص منه ما يشفعه، ويقول عند القتال إن قتل من الكافرين أحد فقد وتروا في أهلهم وعملهم حيث نقص عددهم وضاع عملهم، والمؤمن إن قتل فإنما ينقص من عدده ولم ينقص من عمله، وكيف ولم ينقص من عدده أيضاً، فإنه حي مرزوق، فرح بما هو إليه مسوق.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ} أي تضعفوا عن القتال. والوهْن: الضعف. وقد وَهَن الإنسانُ وَوَهَنَهُ غيره، يتعدّى ولا يتعدّى. قال:شعر : إنني لست بموهونٍ فَقِرْ تفسير : ووهِن أيضاً (بالكسر) وَهْناً أي ضعف، وقرىء «فما وهُنُوا» بضم الهاء وكسرها. وقد مضى في (آل عمران). الثانية ـ قوله تعالى: {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} أي الصلح. {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} أي وأنتم أعلم بالله منهم. وقيل: وأنتم الأعلون في الحجة. وقيل: المعنى وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال. وقال قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. الثالثة ـ واختلف العلماء في حكمها؛ فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} تفسير : [الأنفال: 61]؛ لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} تفسير : [الأنفال: 16]. وقيل: هي محكمة. والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال. وقيل: إن قوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} مخصوص في قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة؛ وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى. {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} أي بالنصر والمعونة؛ مثل: {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [العنكبوت: 69]: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينقصكم؛ عن ابن عباس وغيره. ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه؛ تقول منه: وَتَره يَتِره وَتْراً وَتِرَةً. ومنه قوله عليه السلام: «حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وَتَرَ أهله وماله»تفسير : أي ذهب بهما. وكذلك وَتَرَهُ حقّه أي نقصه. وقوله تعالى: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينتقصكم في أعمالكم؛ كما تقول: دخلت البيت؛ وأنت تريد في البيت؛ قاله الجوهريّ. الفرّاء: «وَلَنْ يَتِرَكُمْ» هو مشتق من الوتر وهو الفرد؛ فكان المعنى: ولن يفردكم بغير ثواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلاَ تَهِنُواْ } تضعفوا {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } بفتح السين وكسرها، أي الصلح مع الكفار إذا لقيتموهم {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } حذفت منه واو لام الفعل: الأغلبون القاهرون {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } بالعون والنصر {وَلَن يَتِرَكُمْ } ينقصكم {أَعْمَٰلَكُمْ } أي ثوابها.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتِرَكُمْ} ينقصكم أجود أعمالكم، أو يظلمكم، أو يستلبكم، ومنه فقده " وُتِرِ أهله وماله".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ}. أي لا تميلوا إلى الصلح مع الكفار وأنتم الأَعلون بالحجة. أنتم الأعلون بالنصرة. قوله: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ}. أي بالنصرة ويقال: لا تضعفوا بقلوبكم، وقوموا بالله؛ لأنكم - والله معكم - لا يخفى عليه شيءٌ منكم، فهو على الدوام يراكم. ومَنْ عَلِمَ انَّ سَيِّدَه يراه يتحمل كلَّ مشتغلاً برؤيته: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}. أي لا ينقصكم أَجْرَ أعمالكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلا تهنو} من الوهن وهو الضعف والفاء فصيحة اى اذا تبين لكم بما يتلى عليكم ان الله عدوهم يبطل اعمالهم فلا يغفر لهم فلا تهنوا اى لا تضعفوا فان من كان الله عليه لا يفلح {وتدعوا الى السلم} مجزوم بالعطف على تهنوا والسلم بفتح السين وكسرها لغتان بمنى الصلح اى ولا تدعوا الكفار الى الصلح فورا فان ذلك فيه ذلة يعنى طلب صلح مكنيد از ايشان نشانه ضعف وتذلل شما بود {وانتم الاعلون} جمع الاعلى بمنى الاغلب اصله اعليون فكرهوا الجمع بين اخت الكسرة والضمة اى الاغلبون وقال الكلبى آخر الامر لكم وان غلبوكم فى بعض الاوقات وهى جملة حالية مقررة لمعنى النهى مؤكدة لوجوب الانتهاء وكذا قوله تعالى {والله معكم} فان كونهم الاغلبين وكونه تعالى معهم اى ناصرهم فى الدارين من اقوى موجبات الاجتناب عما يوهم الذل والضراعة وكذا توفيته تعالى لأجور الاعمال حسبما يعرب عنه قوله تعالى {ولن يتركم اعمالكم} الوتركم وضائع كردن اى ولن يضيعها من وترت الرجل اذا قتلت له قتيلا من ولد او أخ او حميم فافردته منه من الوتر الذى هو الفرد وفى القاموس وتر الرجل افزعه وادركه بمكروه ووتره ماله نقصه اياه انتهى. وعبر عن ترك الاثابة فى مقابلة الاعمال بالوتر الذى هو اضاعة شئ معتد به من الانفس والاموال مع ان الاعمال غير موجبة للثواب على قاعدة اهل السنة ابراز لغاية اللطف بتصوير الصواب بصورة الحق المستحق وتنزيل ترك الاثابة بمنزل اضاعة اعظم الحقوق واتلافها وفى الحديث القدسى "حديث : انما هى اعمالكم ثم اؤديكم اياها" تفسير : وهى ضمير القصة يعنى ما جزاء اعمالكم الا محفوظ عندى لاجلكم ثم اؤديها اليكم وافية كاملة وعن ابى ذر رضى الله عنه رفعه يقول الله تعالى انى حرمت الظلم على نفسى وحرمته على عبادى فلا تظالموا فاذا كان الله منزها عن الظلم ونقص جزاء الاعمال فليطلب العبد نفسا بل لا ينبغى له ان يطلب الاجر لان الله تعالى اكرم الاكرمين فيعطيه فوق مطلوبه. توبندكى جو كدايان بشرط مزدمكن كه دوست خود روش بنده برورى داند (وفى المثنوى) عاشقانرا شادمانى وغم اوست دست مزد واجرت خدمت هم اوست غير معشوق از تماشايى بود عشق نبود هرزه سودايى بود عشق آن شعله است كوجون بر فروخت هرجه جز معشوق باقى جمله سوخت. قال ابو الليث رحمه الله فى تفسيره وفى الآية دليل على ان ايدى المسلمين اذا كانت عالية على المشركين لا ينبغى ان يجيبوهم الى الصلح لان فيه ترك الجهاد وان لم تكن يدهم عالية فلا بأس بالصلح لقوله تعالى {أية : وان جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : اى ان مالوا الى الصلح فمل اليه وكذا قال غيره هذا نهى للمسلمين عن طلب صلح الكافرين قالوا وهو دليل على انه عليه السلام لم يدخل مكة صلحا لانه نهى عن الصلح وكذا قال الحدادى فى تفسيره فى سورة النساء لا يجوز مهادنة الكفار وترك احد منهم على الكفر من غير جزية اذا كان بالمسلمين قوة على القتال واما اذا عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على انفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة العدو من غير جزية يؤدونها اليهم لان حظر الموادعة كان بسبب القوة فاذا زال السبب زال الحظر انتهى والجمهور على ان مكة فتحت عنوة اى قهرا لا صلحا لوقوع القتال بها ولو كان صلحا لما قال عليه السلام "حديث : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن" تفسير : الى آخر الحديث
الجنابذي
تفسير : {فَلاَ تَهِنُواْ} لا تضعُفوا ايّها المؤمنون عن المجاهدة والقتال مع الكفّار، او عن المجاهدة والمحاجّة مع المنافقين المخاصمين لعلىٍّ (ع) {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} اى ولا تدعوا الى الصّلح لضعفكم عن مخاصمتهم، او لفظ الواو بمعنى مع وبعده ان مقدّرة {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} يعنى لا تهنوا ولا تدعوا الى الصّلح فى حال علوّكم عليهم او ليس المقصود تقييد النّهى بحال العلوّ بل هو حال فى معنى التّعليل لا التّقييد {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} هذه الجملة يؤيّد المعنى الثّانى {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} لن يضرّوكم من اعمالكم يعنى لن يضيع اعمالكم.
اطفيش
تفسير : {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ} الوهن الضعف والسلم والصلح والواو للعطف فتدعو مجزوم أو للجمع فمنصوب بأن مضمرة في جواب النهى فالمعنى على الاول ولا تدعوا وعلى الثانى لا يكن منكم وهن ودعاء. قال قتادة: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للاخرى ولا تبدأوهم بالصلح وحاربوهم حتى يسلموا وقرئ (تدعو) بتشديد الدال افتعل من دعا يدعو بمعنى التداعى أو بمعنى دعا. وقرأ أبو بكر وحمزة بكسر السين {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} حال مخرجة لما اذا لم يكونوا الاعلين فيجوز لهم الصلح أو هو اخبار بمغيب انهم يعليهم الله ويغلبهم عليهم فهي مستأنفة ويجوز مع هذا كونها حالا فلهم الغلبة وان غلبوا في بعض الاوقات وعلى كل حال فالآية تفيد جواز مصالحة المشركين اما على كون الجملة حالاً فواضح لانها قيل وأما على كونها مستأنفة فلاهم في نفس الامر حين نهوا من الدعاء للصلح أعلى وكذا قوله تعالى {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : فان لفظها عام كل صلح بمال أو غيره. قال أبو اسحاق الحضرمي رحمه الله ما نصه: وقالوا أيضاً يجوز للامام مصالحة عدوه بمال اذا كان في حال الضعف عن قتاله حذراً أن يستولي عدوه على ملكه من غير أن يكون الصلح على اظهار شيء من دعوة الكفر وتشريعه في دار الاسلام وعلى المسلمين الوفاء بذلك الى المدة ما لم ينقض أهل الكفر العهد وليست المدة شرطاً لان العلة في جواز ذلك ضعف المسلمين فاذا وقع الصلح بلا مدة فاذا قووا واخرجوا من الصلح وأعلموا المشركين. وقال ابن بركة أيضاً ويدل على ان للامام وللمسلمين أن يصالحوا عدوهم عند الضعف والعجز عن محاربته والحذر عن أن يستولوا على مملكته بعد قتله أصحابه قوله تعالى {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلى السلم وأنْتُم الأَعلون} فمنعهم عن مصالحة عدوهم على هذه الشريطة اذا كانوا هم الأعلون ففي هذا دليل على ان عدم الشريطة وهي الاستظهار على عدوهم يوجب جواز ما يوجبه المنع من مصالحته وقد أخبرني بعض شيوخنا ان أصحابنا من أهل عمان كانوا يحملون الى بني عمارة في كل عام مالاً ليدفعوا به شرهم عن أنفسهم والله أعلم الخ. ومعنى قوله بعد قتله أصحابه ان له أن يحذر أن يقتل العدو أصحابه ويستولي على ملكه وليس المراد انه لا يصالح العدو حتى يقتل العدو أصحاب الامام وقال أيضاً أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي المالكين الأندلسي في كتابه المسمى بكتاب قوانين الأحكام الشرعية ويجوز الصلح مع المشركين لمصلحة كالعجز عن القتال مطلقاً أو في وقت خاص فيجوز بعوض وبغير عوض على ما يكون اسداداً للمسلمين. والاصل (الأعلوون) بواوين حذفت ضمة الاولى لثقلها فحذفت الواو للساكنين وبقيت اللام على الفتح أو قلبت الفاء لتحركها بعد فتح فحذفت الألف وان كان بعد الواو الأولى ساكن أو أدخل واو الجمع على المفرد بألفه حذف الألف {وَاللهُ مَعَكُمْ} بالحفظ والنصر والغائب من معه الله وزعم بعض ان الآية منسوخة بقوله {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : وليس بشيء لاختلاف معنييهما* {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن يحرمكم ثواب أعمالكم ويفردكم عنها بأن يضيعها فتبقوا بدونها يقال وترت الرجل أي قتلت أخاه وابنه أو صاحبه وغيرهما أي أفردته عنه وجعلته وتراً. وفي الحديث "حديث : من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" تفسير : أي أفرد عنهما قتلاً ونهباً وقيل لن ينقصكم من ثوابكم {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أى الاغترار بها {لَعِبٌ وَلَهْوٌ} لا ثبات لها وقيل أهل الدنيا وهم المشركون أهل لعب ولهو أو هم لعب ولهو مبالغة فكيف تمنع عن الآخرة واللعب ما ليس فيه منفعة في الحال ولا في المال وان شغل عن المهمات حتى نسيت فذلك لهو وذلك ذم للدنيا* {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ} في الآخرة* {أُجُورَكُمْ} على ايمانكم وتقواكم* {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} جميعها وانما يسألكم قدر الزكاة يكون في فقرائكم لا حاجة فيه لله أو لرسوله يطيبوا نفساً باخراجه. قال سفيان بن عيينة والضمير لله أو لرسوله وقيل (لا يسألكم من أموالكم) بل يسألكم الطاعة قيل ويدل الاول قوله* {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ}
اطفيش
تفسير : {فَلا تهِنُوا} عطف على "أية : أطيعوا الله" تفسير : [محمد: 33] أو على "أية : إنَّ الذين كفروا" تفسير : [محمد: 34] الخ وعليه فيكون عطف فعليه إنشائية على اسمية خبرية، أو الفاء فى جواب شرط محذوف اذا علمتم أن الله مبطل كيدهم، ومعاقبهم وخاذلهم فى الدنيا والآخرة {فلا تهنوا} أى تضعفوا لهم مبالاة بهم {وتَدعوا} عطف على تهنوا، فالنهى منسحب عليه، كأنه قيل ولا تدعوا، أو منصوب بأن محذوفة فى تأويل مصدر معطوف على مصدر من تهن، أى فلا يكن منكم وهن للمشريكن ولا دعاء لهم {الى السَّلْم} والجملة حال من واو تهنوا أو واو تدعوا، ويؤخذ من الآية أنه لا تجوز ملاينة المشركين، وترك القتال إلا عند الضرورة، وتحريم ترك الجهاد إلا عند العجز. {والله مَعَكم} عطف على أنتم الأعلون فالجملة حال، إذ عطفت على الحال والمعنى الله ناصركم كيف تميلون الى الذل للمشريكن وأنتم الأعلون عليهم، والله ناصركم فى الحال، وبعد الحال، والأعلى خارج عن معنى التفضيل، أى وأنتم العالون، ومن معية الله قول بنى مضاب إذا ظنوا مهل بفتح الميم والهاء واللام، وهى مشددة والأصل معى الله، بمعنى أستعين بالله أن يكون الأمر كما ظننت فخرجوا عين مع الى الهاء وحرفوا كسرها الى الفتح، وحرفوا لفظ الجلالة بحذف الهاء والألف قبلها، وهو حرام، لكن لم يقصدوا ذلك، ولا عرفوا معناه، كما حرفت نساؤهم يا هذا أو يا هذه الى يا أه بشد الهاء مفخمة وحذف الذال وما بعدها، وكما حرفوا أى والله بحذف لفظ الجلالة وابقاء واو القسم، وهذا يشاركهم فيه أهل مصر، وذلك أن أى بكسر الهمزة واسكان الياء بمعنى نعم تستعمل قبل القسم. {ولَن يتَركُم أعْمالكم} لن ينقصكم اعمالكم، عداه لاثنين لتضمن ما يتعدى اليهما، وهو النقص، يقال: وتره ضيعه، ووتره سلب ماله، أو قتل له ولدا أو أخا أو حميما أو قريبا له، وكل من الوتر بمعنى الفرد، والمعنى أفرده عن ماله أو قريبه، أو حميمه، ففى الآية تشبيه افرادهم عن عملهم بافراد الانسان عن مال أو ولد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" تفسير : وان جعلناه لازما فاعمال بدل من الكاف بدل اشتمال، واذا جعلنا الجعل قبل غير أحوال فلا اشكال فى العطف، وان جعلناها أحوالا فعطف هذه على جملة الحال موضع فى تصدير جملة الحال بان النافية للحال لأنها للاستقبال فنقول: حال مقدرة، ولا نحتاج فى تصديرها بان الى السماع مع التأويل بالمقدرة، والحال المقدرة راجعة الى المقارنة والتخريج على أن يغتفر فى التابع ما لا يغتفر فى المتبوع لا يكفى لأنه تبقى المنافاة بين الحال الاستقبال، فهذا التخريج غير مستغن عن استعمالها بلن، لكن هنا بالتبع فتغتفر، بل الذى أقول به ان لن تفعلوا حال مقدرة، أى فان لم تفعلوا فيما مضى، ناوين أن لا تفعلوا فى المستقبل وذلك فى قوله تعالى: "أية : فإنْ لم تفعلوا ولن تفعلوا" تفسير : [البقرة: 24].
الالوسي
تفسير : {فَلاَ تَهِنُواْ } أي إذا علمتم أن الله تعالى مبطل أعمالهم ومعاقبهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم ولا تظهروا ضعفاً، فالفاء فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله، وقيل: هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } عطف على {تَهِنُواْ } داخل في حيز النهي أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء الدنية، وجوز أن يكون منصوباً بإضمار أن فيعطف المصدر المسبوك على مصدر متصيد مما قبله كقوله: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله تفسير : واستدل إلكيا بهذا النهي على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وعلى تحريم ترك الجهاد إلا عند العجز. وقرأ السلمي {وَتَدَّعُواْ } بتشديد الدال من ادعى بمعنى دعا، وفي «الكشاف» ذكر لا في هذه القراءة، ولعل ذلك رواية أخرى، وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وحمزة وأبو بكر {ٱلسلم} بكسر السين. {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } أي الأغلبون، والعلو بمعنى الغلبة مجاز مشهور، والجملة حالية مقررة لمعنى النهي مؤكدة لوجوب الانتهاء وكذا قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } أي ناصركم فإن كونهم الأغلبين وكونه عز وجل ناصرهم من أقوى موجبات الاجتناب عما يوهم الذل والضراعة. وقال أبو حيان: ((يجوز أن يكونا جملتين مستأنفتين أخبروا أولاً أنهم الأعلون وهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون الله تعالى معهم. {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } قال: ولن يظلمكم))، وقيل: ولن ينقصكم، وقيل: ولن يضيعها، وهو كما قال أبو عبيد والمبرد من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو حميم أو سلبته ماله وذهبت به. قال الزمخشري: ((وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر وهو من فصيح الكلام - وفيه هنا من الدلالة على مزيد لطف الله تعالى ما فيه - ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»تفسير : )) والظاهر على ما ذكره أنه لا بد من تضمين وترته معنى السلب ونحوه ليتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه، وفي «الصحاح» أنه من الترة وحمله على نزع الخافض أي جعلته موتوراً لم يدرك ثأره في ذلك كأنه نقصه فيه وجعله نظير دخلت البيت أي فيه وهو سديد أيضاً. وجوز بعضهم {يتر} هٰهنا متعدياً لواحد و {أَعْمَـٰلَكُمْ } بدل من ضمير الخطاب أي لن يتر أعمالكم من ثوابها. / والجملة قيل: معطوفة على قوله تعالى: {مَّعَكُمْ } وهي وإن لم تقع حالاً استقلالاً لتصديرها بحرف الاستقبال المنافي للحال على ما صرح به العلامة التفتازاني وغيره لكنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، وقيل: المانع من وقوع المصدرة بحرف الاستقبال حالاً مخالفته للسماع وإلا فلا مانع من كونها حالاً مقدرة مع أنه يجوز أن تكون {لَنْ } لمجرد تأكيد النفي. والظاهر أن المانعين بنوا المنع على المنافاة وأنها إذا زالت باعتبار أحد الأمرين فلا منع لكن قيل: إن الحال المقصود منها بيان الهيئة غير الحال الذي هو أحد الأزمنة والمنافاة إنما هي بين هذا الحال والاستقبال. وهذا نظير ما قال مجوزو مجيء الجملة الماضية حالاً بدون قد، وما لذلك وما عليه في كتب النحو، وإذا جعلت الجملة قبل مستأنفة لم يكن إشكال في العطف أصلاً.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع على ما تقرر في نفوس المؤمنين من خذل الله تعالى المشركين بما أخبر به من أنه أضل أعمالهم وقدّر لهم التعس، وبما ضرب لهم من مصائر أمثالهم من الذين من قبلهم دمرهم الله وأهلكهم ولم يجدوا ناصراً، وما وعد به المؤمنين من النصر عليهم وما أمرهم به من قتالهم وبتكلفه للمؤمنين بالولاية وما وعدهم من الجزاء في دارالخلد وبما أتبع ذلك من وصف كَيْد فريق المنافقين للمؤمنين وتعهدهم بإعانة المشركين، وذلك مما يوجس منه المؤمنون خيفة إذ يعلمون أن أعداء لهم منبثون بين ظهرانيهم. فعلى ذلك كله فرع نهيهم عن الوهن وعن الميل إلى الدعة ووعدهم بأنهم المنتصرون وأن الله مؤيدهم. ويجوز أن يجعل التفريع على أقرب الأخبار المتقدمة وهو قوله: {أية : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}تفسير : [محمد: 31]. وهذا النهي عن الوهن وعن الدعاء إلى السَّلْم تحذير من أمر توفرت أسباب حصوله متهيئة للإقدام على الحرب عند الأمر بها وليس نهياً عن وهن حصل لهم ولا عن دعائهم إلى السلم لأن هذه السورة نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أُحُد في مدة لم يكن فيها قتال بين المسلمين والمشركين ولكن التحذير من أن يستوهنهم المنافقون عند توجه أمر القتال فيقولوا: لو سالمنا القوم مدة حتى نستعيد عُدتنا ونسترجع قوتنا بعد يوم بدر، وقد كان أبو سفيان ومن معه من المشركين لما رجعوا إلى مكة مفلولين بعد وقعة بدر، يتربصُون بالمسلمين فرصة يقاتلونهم فيها لِما ضايقهم من تعرض المسلمين لهم في طريق تجارتهم إلى الشام مثل ما وقع في غزوة السويق، وغزوة ذي قَرَد، فلما كان في المدينة منافقون وكان عند أهل مكة رجال من أهل يثرب خرجوا منها مع أبي عامر الضبغي الملقب في الجاهلية بالراهب والذي غيّر النبي صلى الله عليه وسلم لقبَه فلقبه الفاسق. كان من المتوقع أن يكيد للمسلمين أعداؤهم من أهل يثرب فيظاهِروا عليهم المشركين متسترين بعلة طلب السلم فحذرهم الله من أن يقعوا في هذه الحبالة. والوهن: الضعف والعَجز، وهو هنا مجاز في طلب الدعة. ومعناه: النهي عن إسلام أنفسهم لخواطر الضعف، والعمل بهذا النهي يكون باستحضار مساوي تلك الخواطر فإن الخواطر الشريرة إذا لم تقاومها همة الإنسان دبّت في نفسه رُويداً رُويداً حتى تتمكن منها فتصبح ملكةً وسجيّة. فالمعنى: ادفعوا عن أنفسكم خواطر الوهن واجتنبوا مظاهره، وأوَّلُها الدعاءُ إلى السلم وهو المقصود بالنهي. والنهي عن الوهن يقتضي أنهم لم يكونوا يومئذٍ في حال وهَن. وعُطف {وتَدعوا} على {تهنوا} فهو معمول لِحرف النهي، والمعنى: ولا تدعوا إلى السلم وهو عطف خاص على عام من وجهٍ لأن الدعاء إلى السلم مع المقدرة من طلب الدعة لغير مصلحة. وإنما خص بالذكر لئلا يظن أن فيه مصلحة استبقاء النفوس والعُدة بالاستراحة من عُدوان العدوّ على المسلمين، فإن المشركين يومئذٍ كانوا متكالبين على المسلمين، فربما ظن المسلمون أنهم إن تداعوا معهم للسلم أمِنوا منهم، وجعلوا ذلك فرصة لينشُوا الدعوة فعرفّهم الله أن ذلك يعود عليهم بالمضرة لأنه يحط من شوكتهم في نظر المشركين فيحسبونهم طلبوا السلم عن ضعف فيزيدهم ذلك ضراوة عليهم وتستخف بهم قبائل العرب بعد أن أخذوا من قلوبهم مكان الحرمة وتوقِع البأس. ولهذا المقصد الدقيق جمع بين النهي عن الوهن والدعاء إلى السلم وأُتبع بقوله: {وأنتم الأعلون}. فتحصل مما تقرر أن الدعاء إلى السلم المنهي عنه هو طلب المسالمة من العدّو في حال قدرة المسلمين وخوف العدوّ منهم، فهو سلم مقيد بكون المسلمين داعين له وبكونه عن وهن في حال قوة. قال قتادة: أي لا تكونوا أول الطائفتين ضَرعت إلى صاحبتها. فهذا لا ينافي السلم المأذون فيه بقوله: {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : في سورة الأنفال (61)، فإنه سلم طلبه العدو، فليست هذه الآية ناسخة لآية الأنفال ولا العكس ولكل حالة خاصة، ومقيّد بكون المسلمين في حالة قوة ومنعة وعِدّة وعُدّة بحيث يدعون إلى السلم رغبة في الدعَة. فإذا كان للمسلمين مصلحة في السلم أو كان أخفّ ضرًّا عليهم فلهم أن يبتدئوا إذا احتاجوا إليه وأن يجيبوا إليه إذا دعُوا إليه. وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية لمصلحة ظهرت فيما بعد، وصالح المسلمون في غزوهم أفريقية أهلها وانكفأوا راجعين إلى مصر. وقال عمر بن الخطاب في كلام له مع بعض أمراء الجيش "فقد آثرتُ سلامة المسلمين". وأما الصلح على بعض الأرض مع فتحها فذلك لا ينافي قوة الفاتحين كما صالح أمراء أبي بكر نصف أهل دمشق وكما صالح أمراء عمر أهل سواد العراق وكانوا أعلم بما فيه صلاحهم. وقرأ الجمهور إلى {السَّلم} بفتح السين. وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة بكسر السين وهما لغتان. وجملة {وأنتم الأعلون} عطف على النهي عطف الخبر على الإنشاء، والخبر مستعمل في الوعد. والأعلون: مبالغة في العلوّ. وهو هنا بمعنى الغلبة والنصر كقوله تعالى لموسى: {أية : إنك أنت الأعلى}تفسير : [طه: 68]، أي والله جاعلكم غالبين. و {الله معكم} عطف على الوعد. والمعية معية الرعاية والكلاءة، أي والله حافظكم وراعيكم فلا يجعل الكافرين عليكم سبيلاً. والمعنى: وأنتم الغالبون بعناية الله ونصره. وصيغ كل من جملتي {أنتم الأعلون والله معكم} جملة اسمية للدلالة على ثبات الغلب لهم وثبات عناية الله بهم. وقوله: {ولن يتركم أعمالكم} وعد بتسديد الأعمال ونجاحها عكس قوله في أول السورة {أية : الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم}تفسير : [محمد: 1] فكني عن توفيق الأعمال ونجاحها بعدم وترها، أي نقصها للعلم بأنه إذا كان لا ينقصها فبالحري أن لا يبطلها، أي أن لا يخيبها، وهو ما تقدم من قوله: {أية : والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضلّ أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم}تفسير : [محمد: 4، 5]. يقال: وتره يتره وَتْراً وتِرَة كوعد، إذا نقصه، وفي حديث «الموطأ» «حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه»تفسير : . ويجوز أيضاً أن يراد منه صريحه، أي ينقصكم ثوابكم على أعمالكم، أي الجهاد المستفاد من قوله {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} فيفيد التحريض على الجهاد بالوعد بأجره كاملاً.
الشنقيطي
تفسير : قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم إلى السلم بفتح السين. وقرأ حمزة وشعبة إلى السلم بكسر السين. وقوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قوله تعالى:{أية : فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 146]. وقوله تعالى:{أية : ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 18] أي مضعف كيدهم، وقول زهير بن أبي سلمى: شعر : وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت فأصبح الحبل منها واهناً خلقا تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْن} جملة حالية فلا تضعفوا عن قتال الكفار وتدعوا إلى السلم، اي تبدؤوا بطلب السلم أي الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون. أي والحال أنكم انتم الأعلون أي الأقهرون والأغلبون لأعدائكم، ولأنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون. وهذا التفسير في قوله {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْن} هو الصواب. وتدل عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى بعده {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} لأن من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب وهو القاهر المنصور الموعود بالثواب. فهو جدير بأن لا يضعف عن مقاومة الكفار ولا يبدأهم بطلب الصلح والمهادنة. وكقوله تعالى:{أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]، وقوله تعالى:{أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [غافر: 51] الآية، وقوله {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}تفسير : [الروم: 47] وقوله تعالى {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 14] الآية. ومما يوضح معنى آية القتال هذه قوله تعالى:{أية : وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ}تفسير : [النساء: 104] الآية، لأن قوله تعالى {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} من النصر الذي وعدكم الله به والغلبة وجزيل الثواب. وذلك كقوله هنا {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْن} وقوله: {وَٱللَّهُ مَعَكُم} أي بالنصر والإعانة والثواب. واعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان وكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى. فالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْم} إنما هو عن الابتداء بطلب السلم. والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها، كما هو صريح قوله تعالى:{أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال: 61] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128] وهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها به ابن كثير رحمه الله. وهو أن المعنى: لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون أي في حال قوتكم وقدرتكم على الجهاد. أي، وأما إن كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم أي الصلح والمهادنة، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي: شعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جرع تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم نقصه تعالى شيئاً من ثواب الأعمال جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى {أية : وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً}تفسير : [الحجرات: 14] أي لا ينقصكم من ثوابها شيئاً. وقوله تعالى:{أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء: 47]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة، وقد قدمناها مراراً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَلَن يَتِرَكُم} أصله من الوتر، وهو الفرد. فأصل قوله: لن يتركم لن يفردكم ويجردكم من أعمالكم بل يوفيكم إياها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالَكُمْ} (35) - فَلا تَضْعُفُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ عَنِ الجِهَادِ، وَقِتَالِ الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَلا تَدْعُوا إلى المُهَادَنَةِ وَالمُسَالَمةِ وَوَضْعِ القِتَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ الغَالِبُونَ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ، وَاللهُ مَعَكُمْ يَنْصُرُكُمْ عَلَيهِم، وَلاَ يَظْلِمُكُمْ شَيْئاً مِنْ ثَوابِ أعْمَالِكُمْ. فَلاَ تَهِنُوا - فَلاَ تضْعُفُوا عَنْ مُقَاتَلَةِ الكُفَّارِ. السَّلْمِ - الصُّلْحِ وَالمُوَادَعَةِ وَتَرْكِ القِتَالِ. يَتِرَكُم أعْمَالَكُم - يُنْقِصَكُمْ أجُورَهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى: {فَلاَ تَهِنُواْ ..} [محمد: 35] لا تضعفوا في مواجهة الأعداء لأنكم أمامهم في معركة، ولو لمسوا فيكم بوادر الضعف لتجرأوا عليكم وطمعوا فيكم، ومن مظاهر الضعف أن تدعوهم إلى المسالمة والموادعة {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ..} [محمد: 35] فتصرفوا من هذا المنطلق، ومن هذا الاعتقاد أنكم الأعلوْنَ عليهم. ولم لا {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ ..} [محمد: 35] يُقوِّيكم ويحمي ظهوركم، وهو سبحانه الركن الشديد الذي لا يخذل أبداً مَنْ لجأ إليه، وهو صاحب هذا المنهج الذي تقاتلون من أجله، فكيف يتخلى عنكم أو يُسلمكم لأعدائكم؟! إذن: إذا حميَ الوطيس واشتدَّتْ الحرب فاثبتوا، ولا ترهبكم منهم عدة ولا عدد ولا حيلة ولا مكر، لأن الله معكم. لذلك في قصة سيدنا موسى عليه السلام لما كاد فرعون أنْ يلحقه هو وجنوده، حتى كان البحر من أمامه وجنود فرعون من خلفه، وقال أحد جنود موسى: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}تفسير : [الشعراء: 61] ماذا قال موسى؟ {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62] قالها بملءِ فيه وهو واثق من نصر الله. ونفهم من قوله تعالى: {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ ..} [محمد: 35] نهى عن أن نطلب نحن السلام ولا نرفع نحن الراية البيضاء، بل نتركهم يطلبون هم، لذلك يقول سبحانه في الآية الأخرى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا ..}تفسير : [الأنفال: 61] ذلك لأنهم يفهمون أن السلام من طرفكم ضعفٌ واستسلام، وأيضاً لا تطلبون السلام لأنكم الأعلون والأعز والأقوى. {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ ..} [محمد: 35] ومَنْ كان في معية الله يخلع الله عليه من صفاته، أرأيتم في قصة الغار كيف وقفوا على فتحة الغار، حتى قال الصِّديق: حديث : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما . تفسير : وما دام الله ثالثهما، فهم في معيته تعالى، وما دام الله لا تدركه الأبصار، فكذلك مَنْ كان في معيته لا تدركه الأبصار. معنى {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] وتر الشيء يعني: فقده، والمعنى: لن ينقصكم من أجور أعمالكم شيئاً، بل سيُوفِّيكم إياها وزيادة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ} معناه تَضعُفوا. وقوله تعالى: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} معناه لَنْ يَنقُصْكُم وَلَنْ يَظْلمْكُم. وقوله تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} معناه الغَالِبونَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلاَ تَهِنُواْ} [محمد: 35] في جهاد النفس، {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} [محمد: 35]؛ أي: تدعوا النفس إلى الصلح، فإن من صالح نفسه وترك جهاده لن يفلح أبداً، {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} [محمد: 35]، يخاطب القلوب والأرواح العلوية، ولكم القوة الروحانية، {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] بالنصر؛ إذ تجاهدون النفس السفلية الضعيفة في الله، {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] لن ينقصكم أجوركم؛ لأنه لا يظلم مثقال ذرة، {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 40]، بالغوا في العبودية وسارعوا في طلب الحق تعالى. ولا تغتروا بالدنيا وزينتها، {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} [محمد: 36] عند أرباب النظر وأصحاب الطلب {لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36]، مخصوصة بالفناء، مجبولة على التعب والنصب والبلاء والعناء، {وَإِن تُؤْمِنُواْ} [محمد: 36] بطلب الحق، {وَتَتَّقُواْ} [محمد: 36] بالحق عما سواه، {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} [محمد: 36] بالتقرب إليكم على حسب تقربكم إليه؛ فإن تقربتم إليه شبراً يتقرب إليكم ذراعاً، وإن جئتم إليه وأنتم تمشون يجئ إليكم وهو يهرول كما يليق بذاته وصفاته، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبقوله: {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ} [محمد: 36]، يشير إلى المؤمنين من أهل الجنة أنه تعالى لا يسألكم جميع أموالكم ليدخلكم الجنة، بل بأداء الزكاة الواجبة يرضى عنكم لدخول الجنة، وهذا لمن يوق شح نفسه، فأما الأحرار عن ذوق الكونين ومن علت رتبتهم في طلب الحق تعالى؛ فلا يسامحون في استيفاء ذرة، ويطالبون ببذل الروح والتزام الغرامات، فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، بل يقال لهم: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} [محمد: 37]، به يشير إلى الطالب الصادق، والعاشق الوامق الذي لا ترضى عنه الآية؛ فيخفى في السؤال كذلك أن يسأل الله، فيحفي لا يرضى منه إلا ببذل الوجود إفناء الناسوتية في لاهوتية، وهذا مقام أخص الخواص، وقال للعوام: أن يسألكموها {فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُو} [محمد: 37] ببذل الوجود؛ لقصور همتكم في طلب المقصود ولجهلكم عن كمال المفقود. ثم قال لأرباب الهمم العلية في طلب المواهب السنية: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ} [محمد: 38] في حقيقة الوجود الكلي لنيل المقصود الكلي، فمنكم من يتجلى {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [محمد: 38] ببذل الوجود، { فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} [محمد: 38]؛ لأنه بخل بوجود مجازي، فإنه حرم عن وجود حقيقي باقٍ، { وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} [محمد: 38] لذاته بذاته، ومن غناه تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عن سواه، {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} [محمد: 38] إلى الله في الابتداء؛ ليخلقكم في الوسط ليربيكم في الانتهاء ليغنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، والله غني عنكم من الأزل إلى الأبد، وأنتم الفقراء يحتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. وبقوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} [محمد: 38]، يشير إلى أن الإنسان خلق ملولاً غير ثابت في طلب الحق تعالى، وإن من خواصهم: من يرغب في طلب الحق تعالى بالجد والاجتهاد من حسن استعداده الروحاني، ثم في أثناء السلوك بمجاهدة النفس ومخالفة هواها بظمأ النهار وسهر الليل تمل النفس من مكايدة الشيطان وطلب الرحمن، فيتولى عن الطلب بالخذلان وابتلي بالكفران؛ إذ لم يكن مستعاناً بجذبة العناية، فما أمكنه حسن الرعاية، فالله تعالى قادر على أن يستبدل به قوماً آخرين في الطلب صادقين، وعلى قدم العبودية ثابتين، وقد أدركتهم جذبات العناية موفقين للهداية، وهم أشد رغبة وأعز رهبة منكم، {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] في الإعراض بعد الإقبال، والإنكار بعد الإقرار، وترك الشكر والوفاء بأن يكونوا خيراً منك من جميع الأحوال؛ إظهاراً للقدرة على ما يشاء والحكمة فيما يشاء.
همام الصنعاني
تفسير : 2889- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ}: [الآية: 35]، قال: لا تكونوا أوَّل الطائِفَتَيْن ضَرَعَت إلى صاحبتها، {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ}: [الآية: 35]، يقول: وأنتم أولى بالله منهم. 2890- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}: [الآية: الآية: 35]، قال: لَنْ يَظْلِمَكُمْ أَعْمالَكُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):