٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : زيادة في التسلية يعني كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد، وهي لا تفوتك لكونك منصوراً غالباً، وإن فاتتك فعملك غير موتر، فكيف وما يفوتك، فإن فات فائت ولم يعوض لا ينبغي لك أن تلتفت إليها لكونها لعباً ولهواً، وقد ذكرنا في اللعب واللهو مراراً أن اللعب ما تشتغل به ولا يكون فيه ضرورة في الحال ولا منفعة في المآل، ثم إن استعمله الإنسان ولم يشتغله عن غيره، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو لهو، ولهذا يقال ملاهي لآلات الملاهي لأنها مشغلة عن الغير، ويقال لما دونه لعب كاللعب بالشطرنج والحمام، وقد ذكرنا ذلك غير مرة، وقوله {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } إعادة للوعد والإضافة للتعريف، أي الأجر الذي وعدكم بقوله {أية : أَجْرٌ كَرِيمٌ } تفسير : [يۤس: 11] {أية : وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } تفسير : [هود: 11] {أية : وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 172] وقوله {وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } يحتمل وجوهاً أحدها: أن الجهاد لا بد له من إنفاق، فلو قال قائل أنا لا أنفق مالي، فيقال له الله لا يسئلكم مالكم في الجهات المعينة من الزكاة والغنيمة وأموال المصالح فيها تحتاجون إليه من المال لا تراعون بإخراجه وثانيها: الأموال لله وهي في أيديكم عارية وقد طلب منكم أو أجاز لكم في صرفها في جهة الجهاد فلا معنى لبخلكم بماله، وإلى هذا إشارة بقوله تعالى: {أية : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الحديد: 10] أي الكل لله وثالثها: لا يسألكم أموالكم كلها، وإنما يسألكم شيئاً يسيراً منها وهو ربع العشر، وهو قليل جداً لأن العشر هو الجزء الأقل إذ ليس دونه جزء وليس اسماً مفرداً، وأما الجزء من أحد عشر ومن إثنى عشر و (إلى) مائة جزء لما لم يكن ملتفتاً إليه لم يوضع له اسم مفرد. ثم إن الله تعالى لم يوجب ذلك في رأس المال بل أوجب ذلك في الربح الذي هو من فضل الله وعطائه، وإن كان رأس المال أيضاً كذلك لكن هذا المعنى في الربح أظهر، ولما كان المال منه ما ينفق للتجارة فيه ومنه ما لا ينفق، وما أنفق منه للتجارة أحد قسميه وهو يحتمل أن تكون التجارة فيه رابحة، ويحتمل أن لا تكون رابحة فصار القسم الواحد قسمين فصار في التقدير كان الربح في ربعه فأوجب (ربع) عشر الذي فيه الربح وهو عشر فهو ربع العشر وهو الواجب، فعلم أن الله لا يسألكم أموالكم ولا الكثير منه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تقدّم في «الأنعام». {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} شرط وجوابه {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} أي لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة؛ بل أمر بإخراج البعض؛ قاله ابن عُيينة وغيره. وقيل: «لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ» لنفسه أو لحاجة منه إليها؛ إنما يأمركم بالإنفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم. وقيل: «لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَـكُمْ» إنما يسألكم أمواله؛ لأنه المالك لها وهو المنعم بإعطائها. وقيل: ولا يسألكم محمد أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة. نظيره: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}تفسير : [الفرقان: 75] الآية. {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} يلحّ عليكم؛ يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألحّ بمعنًى واحد. والحَفِيّ المستقصِي في السؤال؛ وكذلك الإحفاء الاستقصاء في الكلام والمنازعة. ومنه أحفى شاربه أي استقصى في أخذه. {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} أي يخرج البخل أضغانكم. قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن مُحَيصِن وحميد «وتَخرُج» بناء مفتوحة وراء مضمومة. «أَضْغَانُكُمْ» بالرفع لكونه الفاعل. وروى الوليد عن يعقوب الحضرميّ «ونخرج» بالنون. وأبو معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو «ويخرج» بالرفع في الجيم على القطع والاستئناف والمشهور عنه «ويُخْرِج» كسائر القرّاء، عطف على ما تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى تحقيراً لأمر الدنيا وتهويناً لشأنها: {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي حاصلها ذلك، إلا ما كان منها لله عز وجل، ولهذا قال تعالى: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ} أي هو غني عنكم، لا يطلب منكم شيئاً، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء؛ ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم، ثم قال جل جلاله: {ؤإِن يَسْـئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ} أي يحرجكم تبخلوا {وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ} قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله تعالى: {هَآ أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي: لا يجيب إلى ذلك {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه { وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ} أي عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائماً، ولهذا قال تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} أي بالذات إليه، فوصفه بالغني وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، لا ينفكون عنه. وقوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} أي عن طاعته واتباع شرعه { يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} أي ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس ين عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ} قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا، استبدل بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم قال: «حديث : هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» تفسير : تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } أي الاشتغال فيها {لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ } الله وذلك من أمور الآخرة {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } جميعها، بل الزكاة المفروضة فيها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يسألكم أموالكم لنفسه. الثاني: لا يسألكم جميع أموالكم في الزكاة ولكن بعضها. الثالث: لا يسألكم أموالكم وإنما يسألكم أمواله، لأنه أملك بها وهو المنعم بإعطائها. {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإخفاء أخذ الجميع، قاله ابن زيد وقطرب. الثاني: أنه الإلحاح وإكثار السؤال، مأخوذ من الحفاء وهو المشي بغير حذاء، قاله ابن عيسى. الثالث: أن معنى فيحفكم أي فيجدكم تبخلوا، قاله ابن عيينة. {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يظهر بامتناعكم ما أضمرتموه من عدوانكم. الثاني: تظهرون عند مسألتكم ما أضمرتموه من عداوتكم. قوله عز وجل: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَستَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: وإن تتولوا عن كتابي، قاله قتادة. الثاني: عن طاعتي، حكاه ابن أبي حاتم. الثالث: عن الصدقة التي أُمرتم بها، قاله الكلبي. الرابع: عن هذا الأمر فلا تقبلونه، قاله ابن زيد. {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أهل اليمن وهم الأنصار، قاله شريح بن عبيد. الثاني: أنهم الفرس. روى أبو هريرة قال: لما نزل {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوآ أمْثَالَكُم} كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا يستبدلوا بنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان وقال: "حديث : هذا وَقَومُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيَّا لَنالَهُ رَِجَالٌ مِن أَبْنَاءِ فَارِس ". تفسير : الثالث: أنهم من شاء من سائر الناس، قاله مجاهد. {ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} فيه وجهان: أحدهما: يعني في البخل بالإنفاق في سبيل الله، قاله الطبري. الثاني: في المعصية وترك الطاعة. وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن الدُّنْيَا ".
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} تحقير لأمر الدنيا، أي فلا تهنوا في الجهاد بسببها، ووصفها باللعب واللهو هو على أنها وما فيها مما يختص بها لعب، وإلا ففي الدنيا ما ليس بلعب ولا لهو، وهو الطاعة وأمر الآخرة وما جرى مجراه. وقوله تعالى: {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} معناه هذا هو المطلوب منكم لا غيره، لا تسألون أموالكم أن تنفقوها في سبيل الله. وقال سفيان بن عيينة: لا يسألكم كثيراً من أموالكم إحفاء إنما يسألكم غيضاً من فيض ربع العشر فطيبوا أنفسكم، ثم قال تعالى منبهاً على خلق ابن آدم {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} والإحفاء هو أشد السؤال وهو المخجل المخرج ما عند المسؤول كرهاً، ومنه حفاء الرجل. والتحفي من البحث عن الشيء. وقوله: {تبخلوا} جزم على جواب شرط. وقرأ جمهور القراء: "ويخرجْ" جزماً على {تبخلوا}. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: "ويخرجُ" بالرفع على القطع، بمعنى هو يخرج، وحكاها أبو حاتم عن عيسى وقرأت فرقة: {و} بالنصب على معنى: يكن بخل وإخراج، فلما جاءت العبارة بفعل دل على أن التي مع الفعل بتأويل المصدر الذي هو الإخراج، والفاعل في قوله: {ويخرج} على كل الاختلافات يحتمل أن يكون الله، ويحتمل أن يكون البخل الذي تضمنه اللفظ، ويحتمل أن يكون السؤال الذي يتضمنه اللفظ أيضاً. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن محيصن وأيوب: "يخرج" بفتح الياء "أضغانُكم" رفعاً على أنها فاعلة وروي عنهم: "وتُخرَج" بضم التاء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. وقرأ يعقوب: "ونُخرِج" بضم النون وكسر الراء "أضغانَكم" نصباً. والأضغان كما قلنا معتقدات السوء، وهذا الذي كان يخاف أن يعتري المسلمين هو الذي تقرب به محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف حين قال له: إن هذا الرجل قد أكثر علينا وطلب منا الأموال ثم وقف تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم {ها أنتم هؤلاء} وكرر هاء التنبيه تأكيداً. وقوله: {عن نفسه} يحتمل معنيين، أحدهما: فإنما يبخل عن شح نفسه، والآخر أن يكون بمنزلة على، لأنك تقول: بخلت عليك وبخلت عنك، بمعنى: أمسكت عنك. وقوله تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} معنى مطرد في قليل الأشياء وكثيرها. وقوله تعالى: {يستبدل قوماً غيركم} قيل الخطاب لقريش، والقوم الغير هم أهل المدينة. وقال عبد الرحمن بن جبير وشريح بن عبيد: الخطاب لمن حضر المدينة. والقوم الغير: فارس. وروى أبو هريرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا وكان سلمان إلى جنبه فوضع يده على فخذه وقال: "قوم هذا، لو كان الدين بالثريا لناله رجال من أهل فارس" ". تفسير : وقوله: {أمثالكم} معناه في الخلاف والتولي والبخل بالأموال ونحو هذا، وحكى الثعلبي أن القوم الغير: هم الملائكة. نجز تفسير سورة القتال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} لنفسه، أو لا يسألكم جميعها في الزكاة ولكن بعضها، أو لا يسألكم أموالكم إنما هي أمواله وهو المنعم بها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تحقير لأمر الدنيا. وقوله: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} معناه: هذا هو المطلوب منكم، لا غيره؛ لا تُسْأَلُون أموالكم، ثم قال سبحانهُ مُنَبِّهاً على خُلق ابن آدم: {إِن يَسْـئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ} والإحفاء هو أشدُّ السؤال، وهو الذي يَسْتَخْرِجُ ما عند المسؤول كرهاً. * ت *: وقال الثعلبيُّ:«فيحفكم» أي: يجهدكم ويلحف عليكم. وقوله: «تبخلوا» جزماً على جواب الشرط «ويخرج أضغانكم» أي: يخرج اللَّه أضغانكم، وقرأ يعقوب: «وَنُخْرِجْ» بالنون، والأضغان: مُعْتَقَدَاتُ السوء، وهو الذي كان يخاف أنْ يعترِيَ المسلمين، ثم وقف اللَّه تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله: {هَـأَنْتُمْ هَـؤُلاءِ} وكرر «هاء» التنبيه؛ تأكيداً. وقوله تعالى: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي: بالثواب {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ} أي: عن صدقاتكم {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ} إلى ثوابها. * ت *: هذا لفظ الثعلبيِّ، قال * ع *: يقال: بَخِلْتُ عليك بكذا، وبخلت عنك بمعنى أمسكت عنك، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرةَ عن النَّبِيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ قال: «حديث : السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ»تفسير : ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. غريب، انتهى. وقوله سبحانه: {وَإنْ تَتَولَّوا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} قالت فرقة: هذا الخطاب لجميعِ المسلمين والمشركين والعرب حينئذٍ، والقوم الغير هم فارس، وروى أبو هريرةَ أَنَّ النبيَّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ سُئِلَ عَنْ هٰذَا وَكَانَ سَلْمَانُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ: «حديث : قَوْمُ هَذَا؛ لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ». تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} معناه: في الخلاف والتوَلى والبُخْلِ بالأموال ونحوِ هذا، وحكى الثعلبيُّ قولاً أَنَّ القوم الغير هم الملائكة. * ت *: وليس لأحد مع الحديث: إذا صَحَّ نظر، ولولا الحديثُ لاحتمل أن يكون الغير ما يأتي من الخَلَفِ بعد ذهاب السَّلَفِ، على ما ذكر في غير هذا الموضع.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الآية: 36]. قال بعضهم: الدنيا أربعة أحوال متمتع فيها بغفلة وآخذ من صحة فى علة ومحمول من فراش إلى حفرة ومعذب فى قبره للعبرة فمن يلهو فيها فلغفلة ومن يعيش فيها فيلعب إلا من ينبهه الله من غفلته ويوفقه لرشده.
القشيري
تفسير : تجنبوا الشِّركَ والمعاصي حتى يَفِيَكُم أجورَكم. واللَّهُ لا يسألكم من أموالكم، إلا اليسير منها وهو مقدار الزكاة.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما الحياة الدنيا} عند اهل البصيرة {لعب ولهو} باطل وغرور لا اعتبار بها ولا ثبات لها الا اياما قلائل وبالفارسية جزاين نيست كه زندكانئ دنيا بازيست نابايدار ومشغولى بىاعتبار يقال لعب فلان اذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا واللهو ما يشغل الانسان عما يعنيه ويهمه وفى الخبر "حديث : ان الله تعالى خلق ملكا وهو يمد لا اله من اول الدنيا فاذا قال الا الله قامت القيامة" تفسير : وفيه اشارة الى ان الدنيا وما فيها من اولها الى آخرها لا وجود لها فى الحقيقة وانما هى امر عارض زائل والله هو الازلى الابدى {وان تؤمنوا} ايها الناس بما يجب به الايمان {وتتقوا} عن الكفر والمعاصى {يؤتكم اجوركم} اى ثواب ايمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التى يتنافس فيها المتنافسون وفى الآية حث على طلب الآخرة العلية الباقية وتنفير عن طلب الدنيا الدنية الفانية. مكن تكيه بر ملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعدازتوهم بدنيا توانىكه عقبى خرى بخرجان من ورنه حسرت خورى {ولا يسألكم} اى الله تعالى {اموالكم} الجمع المضاف من صيغ العموم فالمراد جميع اموالكم بحيث يخل ادآؤها بمعاشكم وانما اقتصر على شئ قليل منها وهو ربع العشر تؤدونها الى فقرآئكم فطيبوا بها نفسا
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مزهداً لخلقه فى الانعكاف على الدنيا، ومرغباً لهم في التوفر على عمل الآخرة {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} وإنما زهدهم فى الدنيا لكونها فانية ورغبهم فى الآخرة لكونها باقية، فمن اختار الفاني على الباقي كان جاهلا ومنقوصاً ومعنى {الحياة الدنيا لعب ولهو} أي ذات لعب ولهو، لأن غالب أمر الناس فى الدنيا اللعب واللهو، وذلك عبث وغرور وانصراف عن الحد الذي يدوم به السرور والحبور، وقيل: شبهت باللعب واللهو لانقطاعها عن صاحبها بسرعة، فالتقدير على هذا إنما الحياة الدنيا كاللعب واللهو فى سرعة الانقضاء، والآخرة كالحقيقة فى اللزوم والامتداد، فاحداهما كالحقيقة، والأخرى كالمخرقة. ثم قال {وإن تؤمنوا} بوحدانيته وتصديق رسوله {وتتقوا} معاصيه {يؤتكم أجوركم} على ذلك وثوابكم على طاعتكم {ولا يسألكم أموالكم} أن تدفعوها اليه. وقيل {لا يسألكم أموالكم} كلها وإن أوجب عليكم الزكاة في بعض أموالكم. وقيل المعنى {لا يسألكم أموالكم} بل أمواله، لانه تعالى مالكها والمنعم بها. ثم بين تعالى لم لا يسألهم أموالهم، فقال {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم} فالاحفاء الالحاح فى المسألة حتى ينتهى إلى مثل الحفاء، والمشي بغير حذاء، احفاه بالمسألة يحفيه إحفاء. وقيل الاحفاء طلب الجميع {تبخلوا} أي تمنعونه. والبخل قال قوم: هو منع الواجب. وقال الرماني: البخل منع النفع الذي هو أولى فى العقل، قال: ومن زعم أن البخل منع الواجب عورض بأن البخل منع ما يستحق بمنعه الذم، لأن البخيل مذموم بلا خلاف، وقد يمنع الواجب الصغير فلا يجوز وصفه بأنه بخيل {ويخرج أضغانكم} لأن في سؤال الأموال بالاحفاء خروج الاضغان وهي الاحقاد التي فى القلوب والعداوات الباطنة. وقيل (الاضغان) هي المشاق التي فى القلوب، ولذلك ذكر الاخراج. وقيل: ويخرج الله المشقة التي في قلوبكم بسؤال أموالكم. وإنما قدم المخاطب على الغائب فى قوله {أن يسألكموها} لأنه ابتداء بالاقرب مع انه المفعول الاول، ويجوز مع الظاهر أن يسألها جماعتكم، لأنه غائب مع غائب، فالمتصل أولى بأن يليه من المنفصل. ثم قال {ها أنتم هؤلاء} وإنما كرر التنبيه فى موضعين للتوكيد، فقال {ها أنتم هؤلاء} وقيل (ها) للتقريب، ودخل على المضمر لمشاكلة (اليهم) في انه معرفة تصلح صيغته لكل مكنى عنه على جهة جماعة المخاطب، كما يصلح (هؤلاء) لكل خاص مشار اليه، ولم يجز مع الظاهر لبعده من المبهم. وقال بعضهم: العرب إذا زادت التقريب جعلت المكنى بين (ها) وبين (ذا)، فيقولون ما أنت ذا قائماً، لان التقريب جواب الكلام فربما اعادت (ها) مع (ذا) وربما اجتزأت بالاولى وحذفت الثانية، ولا يقدمون (أنتم) على (ها) لأن (ها) جواب، فلا يقرب بها بعد الكلمة. وقوله {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} لينيلكم الجزيل من ثوابه وهو غني عنكم وعن جميع خلقه {فمنكم من يبخل} فلا ينفق ماله فى سبيل الله. ثم قال {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} أي عن داعي نفسه، لا عن داعي ربه لأن الله قد صرفه عن البخل بالنهي عنه والذم له. ثم قال {والله الغني} الذي ليس بمحتاج لا اليكم ولا إلى احد {وأنتم الفقراء إليه وإن تتولوا} أي ان تعرضوا عن أمره ونهيه ولا تقبلونهما، ولا تعملون بما فيهما {يستبدل قوماً غيركم} قال قوم يستبدل الله بهم من فى المعلوم أنهم يخلقون بعد، ويجوز أن يكونوا من الملائكة وقيل: هم قوم من اليمن، وهم الانصار. وقيل: مثل سلمان واشباهه من ابناء فارس، ولم يجز الزجاج أن يستبدل الملائكة، لانه لا يعبر بالقوم عن الملائكة، لا يكونوا أمثالكم، لأنهم يكونون مؤمنين مطيعين، وأنتم كفار عاصون. وقال الطبري لا يكونوا أمثالكم فى البخل والانفاق فى سبيل الله، ولما نزلت هذه الآية فرح النبي صلى الله عليه وآله وقال: حديث : هي أحب إلي من الدنيا .
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} قد تكرّر فى ما سلف بيان اللّعب واللّهو فاذا كان الدّنيا لعب الاطفال فما لكم تتعلّقون بها وتضعفون لذلك عن مقاتلتهم او محاجّتهم {وَإِن تُؤْمِنُواْ} بعلىٍّ (ع) {وَتَتَّقُواْ} عن مخالفته {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} يعنى ان لم تؤمنوا لعلىٍّ (ع) ولم تتّقوا عن مخالفته يسألكم اموالكم اعتباراً لمفهوم المخالفة، او المعنى ان تؤمنوا يؤتكم اعواض أعمالكم ولا يسألكم جميع اموالكم حتّى تثقل عليكم الايمان به، والضّمير فى يؤتكم ويسئلكم لله او لمحمّدٍ (ص) او لعلىٍّ (ع).
الأعقم
تفسير : {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو}، قيل: أراد التشبيه كاللعب واللهو هو سرعة الانقطاع {وأن تؤمنوا بالله وتتقوا يؤتكم} يعطكم ربكم {أجوركم} أي ثواب حسناتكم {ولا يسألكم أموالكم} أي لا يسألكم جميعها إنما يقبض منكم ربع العشر، وقيل: لا يسألكم الرسول على أداء الرسالة أجراً أموالاً تعطونه، وقيل: لا يسألكم أموالكم وإنما يسأل أموال الله المفروضة في أموالكم {إن يسألكموها} كناية عن الله أو عن الرسول {فيحفكم} أي يلح عليكم ويلحف، وقيل: الإحفاء أن يأخذ جميع ما في يده {تبخلوا} بذلك وتمنعوا الواجب {ويخرج أضغانكم} وحقدكم وعدوانكم، وقيل: يخرج الله تعالى إلى المشقة التي في قلوبكم {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} أي دعاكم الله والرسول لتنفقوا بعض أموالكم في سبيل الله ووعدكم الثواب الجزيل {فمنكم من يبخل} مع الايمان بالله ويمنع الواجب من النفقة، يعني إذا كان المؤمن يبخل فكيف من لا يؤمن {ومن يبخل} يمنع الواجب {فإنما يبخل عن نفسه} لأنه يحرمها مثوبة عظيمة ويلزمها عقوبة دائمة {والله الغني} عن صدقاتكم {وأنتم الفقراء} المحتاجون إلى ثوابه والفقراء إلى الجزاء {وإن تتولوا} وتعرضوا عن الحق وما لزمكم من الانفاق {يستبدل قوماً غيركم} يعني أنه تعالى يأتي بقوم غيركم بدلاً منكم {ثم لا يكونوا أمثالكم} في الطاعة بل يكونوا خيراً منكم خلقاً سواكم راغبين في الإِيمان والتقوى، وقيل: هم الملائكة، وقيل: الأنصار، وعن ابن عباس والنخعي وعن الحسن: العجم، حديث : وسُئِل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه فقال: "هذا وقومه" وقال: "والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوط بالثريا لتناوله رجال من فارس ".
اطفيش
تفسير : {إنما الحياة الدنيا} أمورها {لعبٌ} شبه اللعب وهو ما لا نفع فيه ولا لذة {ولهْوٌ} هو ما فيه لذة غير نافعة للدين ولا للدنيا، لا ثبات لها ولا نفع معتدا به، إلا ما استعمل منها للآخرة، وهى عارية فى يد كل من هى فى يده يحفظها لمن بعده {وإنْ تؤمنوا} بالله ورسوله {وتتَّقُوا} تحذروا المعاصى {يؤتكُم أجُوركُم} ثواب ايمانكم وتقْواكم {ولا يسْألكم أمْوالكُم} كلها، والضمير المستتر لله عز وجل، وهو الظاهر، أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، والعطف على يؤتكم والاضافة للاستغراق، والنفى لسلب العموم كما هو الأصل فى لفظ العموم بعد أداة السلب، نحو: لا أكرم الناس كلهم أى أكرم بعضه فقط، فالمعنى لا يسألكم أموالكم كلها، بل بعضها، وهو المقدار الواجب فى زكاة الذهب والفضة، ومال التجر، وزكاة الأنعام والثمار. ويلتحق بذلك واجب الكفارات، وفداء المحرم بالحج أو العمرة ونحوه مما يجوز لصاحبه انفاذه بنفسه، أو المراد ذلك، ونفقة الغزو والضيف والعيال والقرابة واليتيم ونحو ذلك، وما ذكر وما تعقله العاقلة، وفى ذلك مقابلة لقوله تعالى: {يؤتكم أجوركم} أى يؤتكم أجوركم كلها لا بعضها، ويسألكم بعض أموالكم لا كلها، ويجوز أن يكون النفى لعموم السلب، أى لا يسألهم شيئا من أموالكم، بل كل ما سألكم فهو مال لله حق له تعالى فى أموالكم، وذلك الزكاة وما التحق بها. وكذا هو لعموم السلب إذا قلنا: المعنى لا يسألكم أموالكم لحاجته عز وجل، بل لينفقها عليكم ويثيبكم عليها، أو قلنا المعنى لا يسألكم الرسول أموالكم لحاجته، أو لأجل تبليغه الوحى، قال الله عز وجل: "أية : قل ما أسألكم عليه من أجر" تفسير : [ص: 86] والأول أولى، وفى الأخر تفكيك الضمائر، ولا يظهر عليه ولا على ما قبله تعليق نفى السؤال على الايمان والتقوى فى قوله عز وجل: {وإن تؤمنوا وتتقُوا} ويدل على أن ضمير يسأل لله عز وجل قراءة عن ابن عباس، نخرج أضغانكم بالنون {إنْ يَسْألكموها} المستتر لله أو لرسوله، والصحيح أنه الله سبحانه وتعالى، وكذا فى يجف ويخرج وها للأموال {فَيُحْفِكُم} يستأصلكم فى أموالكم، فلا يبقى لكم شىء، والإحفاء فى كل شىء بلوغ الغاية فى ازالته، والعطف على يسأل {تَبْخلُوا} عن ذلك الاحفاء، فلا تقبلوه، وعن اعطاء شىء ما بعده {ويُخْرج أضغانكم} أحقادكم لشدة حبكم المال، وقد علمت ان الضمير فى يخرج لله أو لرسوله، وأجيز أن يكون للاحفاء، أو للسؤال، أو للبخل، فان من لم يبخل بل رضى لا يخرج ضغنه، واسناد الاخراج الى البخل أو السؤال أو الاجفاء مجاز عقلى، ومن الاسناد الى السبب.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لا ثبات لها ولا اعتداد بها {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } أي ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} عطف على الجزاء والإضافة للاستغراق، والمعنى إن تؤمنوا لا يسألكم جميع أموالكم كما يأخذ من الكافر جميع ماله، وفيه مقابلة حسنة لقوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } كأنه قيل: يعطكم كل الأجور ويسألكم بعض المال وهو ما شرعه سبحانه من الزكاة، وقول سفيان بن عيينة أي لا يسألكم كثيراً من أموالكم إنما يسألكم ربع العشر فطيبوا أنفسكم بيان لحاصل المعنى، وقيل: أي لا يسألكم ما هو مالكم حقيقة وإنما يسألكم ماله عز وجل وهو المالك لها حقيقة وهو جل شأنه المنعم عليكم بالانتفاع بها، وقيل: أي لا يسألكم أموالكم لحاجته سبحانه إليها بل ليرجع إنفاقكم إليكم، وقيل: أي لا يسألكم الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَا أَسْـألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ } تفسير : [ص: 86] ووجه التعليق عليها غير ظاهر وفي بعضها أيضاً ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : {إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ تعليل لمضمون قوله: {أية : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم}تفسير : [محمد: 35] الآية، وافتتاحها بــ (إنّ) مُغنٍ عن افتتاحها بفاء التسبب على ما بينه في دلائل الإعجاز، وليس اتصال (إنّ) بــ (ما) الزائدة الكافة بمغيّر موقعها بدون (ما) لأنّ اتصالها بها زادها معنى الحصر. والمراد بــ {الحياة} أحوال مدة الحياة فهو على حذف مضافَيْن. واللعب: الفعل الذي يريد به فاعله الهزل دون اجتناء فائدة كأفعال الصبيان في مرحهم. واللهو: العمل الذي يعمل لصرف العقل عن تعب الجد في الأمور فيلهو عن ما يهتم له ويكدّ عقله. والإخبار عن الحياة بأنها لعب ولهو على معنى التشبيه البليغ، شُبهت أحوال الحياة الدنيا باللعب واللهو في عدم ترتب الفائدة عليها لأنها فانية منقضية والآخرة هي دار القرار. وهذا تحذير من أن يحملهم حب لذائذ العيش على الزهادة في مقابلة العدّو ويتلو إلى مسالمته فإن ذلك يغري العدّو بهم.شعر : وحبّ الفتى طول الحياة يذله وإن كان فيه نخوة وعِزَام تفسير : {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ولا أَمْوَٰلَكُمْ * ؤإِن يَسْـھَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ }. الأشبه أن هذا عطف على قوله: {أية : فلا تَهِنُوا وتدعُو إلى السلم}تفسير : [محمد: 35] تذكيراً بأن امتثال هذا النهي هو التقوى المحمودة، ولأن الدعاء إلى السلم قد يكون الباعث عليه حبّ إبقاء المال الذي ينفَق في الغزو، فذُكروا هنا بالإيمان والتقوى ليخلعوا عن أنفسهم الوهن لأنهم نُهُوا عنه وعن الدعاء إلى السلم فكان الكف عن ذلك من التقوى، وعطف عليه أن الله لا يسألهم أموالهم إلا لفائدتهم وإصلاح أمورهم، ولذلك وقع بعده قوله: {ها أنتم هؤلاء تُدْعَوْن لتنفقوا في سبيل الله إلى قوله: {أية : عن نفسه}تفسير : [محمد: 38]، على أن موقع هذه الجملة تعليل النهي المتقدم بقوله: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} مشير إلى أن الحياة الدنيا إذا عمرت بالإيمان والتقوى كانت سبباً في الخير الدائم. والأجور هنا: أجور الآخرة وهي ثواب الإيمان والتقوى. فالخطاب للمسلمين المخاطبين بقوله: {فلا تهنوا} الآية. والمقصود من الجملة قوله: {وتتقوا} وأما ذكر {تؤمنوا} فللاهتمام بأمر الإيمان. ووقوع {تؤمنوا} في حيز الشرط مع كون إيمانهم حاصلاً يعين صرف معنى التعليق بالشرط فيه إلى إرادة الدوام على الإيمان إذ لا تتقوم حقيقة التقوى إلا مع سبق الإيمان كما قال تعالى:{فَكُّ رقبة أو إطعام إلى قوله: {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 13 ـــ 17] الآية. والظاهر أن جملة {يؤتِكم أجوركم} إدماج، وأن المقصود من جواب الشرط هو جملة {ولا يسألكم أموالكم}. وعطف {ولا يسألكم أموالكم} لمناسبة قوله: {يؤتكم أجوركم}، أي أن الله يتفضل عليكم بالخيرات ولا يحتاج إلى أموالكم، وكانت هذه المناسبات أحسن روابط لنظم المقصود من هذه المواعظ لأن البُخل بالمال من بواعث الدعاء إلى السلم كما علمت آنفاً. ومعنى الآية: وإن تؤمنوا وتتقوا باتباع ما نهيتهم عنه يَرض الله منكم بذلك ويكتِف به ولا يسألكم زيادة عليه من أموالكم. فيعلمُ أن ما يعنيه النبي صلى الله عليه وسلم عليهم من الإنفاق في سبيل الله إنما هو بقدر طاقتهم. وهذه الآية في الإنفاق نظيرها قوله تعالى لجماعة من المسلمين في شأن الخروج إلى الجهاد {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقَلْتُم إلى الأرض أرضِيتُم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} تفسير : في سورة براءة (38). فقوله: ولا يسألكم أموالكم} يفيد بعمومه وسياقه معنى لا يسألكم جميع أموالكم، أي إنما يسألكم ما لا يجحِف بكم، فإضافة أموال وهو جمع إلى ضمير المخاطبين تفيد العموم، فالمنفي سؤال إنفاق جميع الأموال، فالكلام من نفي العموم لا من عموم النفي بقرينة السياق، وما يأتي بعده من قوله: {ها أنتم هؤلاء تُدْعَوْن لتنفقوا في سبيل الله} الآية. ويجوز أن يفيد أيضاً معنى: أنه لا يطالبكم بإعطاء مال لذاته فإنه غني عنكم وإنما يأمركم بإنفاق المال لصالحكم كما قال: {أية : ومن يبخل فإنما يَبْخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء}تفسير : [محمد: 38]. وهذا توطئة لقوله بعده {ها أنتم هؤلاء تُدعون لتنفقوا في سبيل الله إلى قوله: {أية : فإنما يبْخل عن نفسه}تفسير : [محمد: 38] أي ما يكون طلب بذل المال إلا لمصلحة الأمة، وأية مصلحة أعظم من دمغها العدّو عن نفسها لئلا يفسد فيها ويستعبدها. وأما تفسير سؤال الأموال المنفي بطلب زكاة الأموال فصرف للآية عن مهيعها فإن الزكاة مفروضة قبل نزول هذه السورة لأن الزكاة فرضت سنة اثنتين من الهجرة على الأصح. وجملة {إنْ يسألكموها} الخ تعليل لنفي سؤاله إياهم أموالهم، أي لأنه إن سألكم إعطاء جميع أموالكم وقد علم أن فيكم من يسمح بالمال لا تبْخلوا بالبذل وتجعلوا تكليفكم بذلك سبباً لإظهار ضغنكم على الذين لا يعطون فيَكثر الارتداد والنفاق وذلك يخالف مراد الله من تزكية نفوس الداخلين في الإيمان. وهذا مراعاة لحال كثير يومئذٍ بالمدينة كانوا حديثي عهد بالإسلام وكانوا قد بذلوا من أموالهم للمهاجرين فيسَّر الله عليهم بأن لم يسألهم زيادة على ذلك، وكان بينهم كثير من أهل النفاق يترصدون الفرص لفتنتهم، قال تعالى: {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفَضّوا}تفسير : [المنافقون: 7]. وهذا يشير إليه عطف قوله: {ويُخرج أضغانكم} أي تحدث فيكم أضغان فيكون سؤاله أموالكم سبباً في ظهورها فكأنه أظهرها. وهذه الآية أصل في سد ذريعة الفساد. والإحفاء: الإكثار وبلوغ النهاية في الفعل، يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح. وعن عبد الرحمن بن زيد: الإحفاء أن تأخذ كل شيء بيديك، وهو تفسير غريب. وعبر به هنا عن الجزم في الطلب وهو الإيجاب، أي فيوجب عليكم بذل المال ويجعل على منعه عقوبة. والبخل: منع بذل المال. والضغن: العداوة، وتقدم آنفاً عند قوله {أية : أن لن يخرج الله أضغانهم}تفسير : [محمد: 29]. والمعنى: يمنعوا المال ويظهروا العصيان والكراهية، فلطفُ الله بالكثير منهم اقتضى أن لا يسألهم مالاً على وجه الإلزام ثم زال ذلك شيئاً فشيئاً لما تمكن الإيمان من قلوبهم فأوجب الله عليهم الإنفاق في الجهاد. والضمير المستتر في {ويخرج} عائد إلى اسم الجلالة، وجوز أن يعود إلى البخل المأخوذ من قوله: {تبخلوا} أي من قبيل {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]. وقرأ الجمهور {يخرج} بياء تحتية في أوله. وقرأه يعقوب بنون في أوله.
الشنقيطي
تفسير : هذه الأجور التي وعد الله بها من آمن واتقى جاءت مبينة في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الحديد: 28] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}. في هذه الآية الكريمة أوجه معلومة عند أهل التفسير منها أن المعنى: ولا يسألكم النبي صلى الله عليه وسلم أموالكم أجراً على ما بلغكم من الوحي المتضمن لخير الدنيا والآخرة. وهذا الوجه تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [سبأ: 47]. وقوله تعالى:{أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86]. وقوله تعالى:{أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}تفسير : [الطور: 40]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [هود: 29] وذكرنا بعض ذلك في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى:{أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الشورى: 23].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 36، 37- إنما الحياة الدنيا باطل وغرور، وإن تؤمنوا وتتركوا المعاصى وتفعلوا الخير يُعْطكم الله ثواب ذلك، ولا يسألكم أموالكم، إن يسألكم إيَّاها فيبالغ فى طلبها تبخلوا بها، ويظهر أحقادكم لحبكم لها. 38- ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله الذى شرعه، فمنكم من يبخل بهذا الإنفاق ومن يبخل فما يضر إلا نفسه. والله - وحده - الغنى، وأنتم الفقراء المحتاجون إليه. وإن تعرضوا عن طاعة الله يستبدل مكانكم قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم فى الإعراض عن طاعته.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} {يَسْأَلْكُمْ} {أَمْوَالَكُمْ} (36) - يَحُضُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الجِهَادِ، وَعَلَى بَذْلِ الأَرْوَاحِ وَالأمْوَالِ في سَبِيلِ اللهِ، وَفي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ. وَيُصَغِّرُ لهُمْ شَأنَ الدُّنيا، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنيا لهوٌ وَلعبٌ لا يَلْبَثُ أنْ يَضْمَحِلَّ حِينَ لا يكُونَ وَرَاءَها غايَةٌ أكْرَمُ وأبقَى، فَلاَ يَنْبَغي لِعَاقِلٍ أنْ تَصْرِفَهُ لَذَائِذُ هذِهِ الحَيَاةِ الفَانِيةِ عَنِ العَمَلِ فيما يُرْضي اللهَ تَعالى، وَيُوصِلُهُ إِلى الفَوزِ بنعيمِ الآخِرةِ. وإنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وبكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ فَتَقُومُوا بما أمَركُم بِهِ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهاكُمْ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُثِيبُكُمْ عَلَى أعمالِكُم، وَلا يبخسُكمْ مِنْها شيئاً. وإذا كَانَ اللهُ تَعَالى قَدْ أمَرَكُم بإخْراجِ الزَّكَاةِ، وبالإِنفَاقِ في وُجُوهِ الطَّاعَاتِ فَما ذَلِكَ إلاّ لِمُواسَاةِ إخوانِكم الفُقَرَاءِ، وَهُوَ تَعالى غَنيٌّ عَنْكُم وعَنْ أمْوالِكم، ثُمّ إنَّهُ لاَ يَأمُرُكُم بإنفاقِ أموالِكم جَميعِها، وَإنما يأمْرِكُم بِإِخْراجِ القَليلِ منها، وَهُو تَعَالى لا يُريدُ أن يشُقَّ عَلَى العِبادِ في فَرَائِضِهِ وَتَكاليفهِ لأنَّهُ يَعْلَمُ مَا فُطِرَت عَليهِ النُّفُوسُ مِنْ شُحٍ وَحِرْصٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القرآن الكريم أعطانا صوراً متعددة للحياة الدنيا تدل في مجملها على أنها حياة قصيرة هيِّنة تغرُّ الناس وتخدعهم، من هذه الصور قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ}تفسير : [الكهف: 45]. وهنا: {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ..} [محمد: 36] وهذا أسلوب قصر يؤكد أن الدنيا ما هي إلا كذلك لعب ولهو، فليحذرها العاقلُ ولا يغترُّ بها. اللعب أنْ تنشغل بشيء لا يضر لكنه لا ينفع، لذلك أخذتْ بعض المجتمعات المتقدمة تُرشِّد لعب الأطفال، بحيث تؤدي الغرض في تسلية الطفل، وأيضاً تعلمه شيئاً للمستقبل. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل ". تفسير : واللعب بالنسبة للطفل يكون قبل التكليف، أما اللهو فهو الانشغال بعمل لا يفيد ولا ينفع ويلهيك عن عمل مفيد نافع، كالذي يجلس على القهوة مثلاً يلعب الشطرنج، ويؤذن للظهر فلا يقوم للصلاة. وفي سورة الجمعة: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}تفسير : [الجمعة: 11]. والمتتبع لآيات القرآن يجدها تصف الدنيا في أكثر من موضع بهذا الوصف، لعب ولهو بهذا الترتيب الوجودي، لأن اللعب للأطفال واللهو للكبار إلا في سورة العنكبوت، فيقول: {أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64] لأن الكلام هنا عن الفتن التي تضرُّ بالآخرة وتبعدك عن ثوابها، فذكر اللهو قبل اللعب. ثم يكفي في تحقير الدنيا وهوان شأنها اسمها {إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ..} [محمد: 36] فلا أقل من هذا الوصف، وأنت حين تقول (الدنيا) تتذكر المقابل لها وهي (الآخرة)، فإنْ كانت هذه دنيا فهذه عُلْيا، وإنْ كانت هذه فانية فهذه باقية. ومع ذلك لا تُذمُّ الدنيا عموماً، وإنما تُذمُّ إنْ حدث فيها ما يُذم، وتُمدح إنْ حدث فيها ما يُمدح، وهي مزرعة الآخرة ولا تدخل الجنة إلا بعمل الدنيا، فالدنيا موضوع الدين أما الآخرة فجزاء، والجزاء على الشيء ليس هو الشيء. وسبق أنْ قلنا: إن الدنيا في نظر المؤمن أهم من أنْ تُنسى لأنها تُوصِّلك للآخرة، ولكنها أتفه من أنْ تكون غاية لأن غاية الشيء نهايته والدنيا ليست نهايتك، إنما وراءك غاية أهم منها هي الآخرة، هي الغاية الحقيقية التي ليس بعدها بعد. وقوله سبحانه: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ ..} [محمد: 36] أي: تؤمنوا بالله وتُطبقوا منهجه في افعل ولا تفعل {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ} [محمد: 36] يعني: يعطيكم أجور الأعمال كاملة دون نقصان، ولا يأخذ منك الأموال التي تفضل بها عليكم. بدليل أنه سبحانه حين يأمرك بأنْ تتصدَّق يعتبر هذه الصدقة قرضاً يرده إليك مع الزيادة {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ..}تفسير : [البقرة: 245]. وقوله تعالى: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 37] الحق سبحانه لا يسألنا أموالنا، لأن الإنسان جُبل على حب المال ويشق عليه أن يؤخذ منه، فالله يقول: لو سألتكم الأموال سيحتاج السؤال إلى إلحاح. {فَيُحْفِكُمْ ..} [محمد: 37] يلح عليكم في السؤال وأنتم تكرهون ذلك؛ لأنه يُظهر ما عندكم من البخل، ويُظهر ما في نفوسكم من ضغائن وأحقاد. وحين تظهر أضغان النفوس تفسد العلاقات بين أفراد المجتمع وقد رأيتم ذلك مثلاً في مسألة التأميم التي حدثتْ؛ لأن المال عادة تكسبه بتعب وعرق فيعزّ عليك أنْ يؤخذ منك ويُعطي لغيرك، وهنا يظهر الضغن. وقوله تعالى: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ ..} [محمد: 37] كما في قوله سبحانه: {أية : لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ..}تفسير : [البقرة: 273]. وقالوا في {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ} [محمد: 36] أنها تفيد عموم السلب لا سلب العموم، كيف؟ كما نقول مثلاً: لم ينجح كل الطلاب، هذا يعني أن البعض نجح، فالسلب هنا للعموم على خلاف لو قلت: كل الطلاب لم ينجحوا. هذا عموم السلب حيث لم ينجح منهم أحد. كذلك {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ} [محمد: 36] أي: كلها، فالمعنى أنه يسألكم بعضها كما يحدث في الزكاة والصدقات والفدية والكفارات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تزهيد منه لعباده في الحياة الدنيا بإخبارهم عن حقيقة أمرها، بأنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فلا يزال العبد لاهيا في ماله، وأولاده، وزينته، ولذاته من النساء، والمآكل والمشارب، والمساكن والمجالس، والمناظر والرياسات، لاعبا في كل عمل لا فائدة فيه، بل هو دائر بين البطالة والغفلة والمعاصي، حتى تستكمل دنياه، ويحضره أجله، فإذا هذه الأمور قد ولت وفارقت، ولم يحصل العبد منها على طائل، بل قد تبين له خسرانه وحرمانه، وحضر عذابه، فهذا موجب للعاقل الزهد فيها، وعدم الرغبة فيها، والاهتمام بشأنها، وإنما الذي ينبغي أن يهتم به ما ذكره بقوله: { وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا } بأن تؤمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتقوموا بتقواه التي هي من لوازم الإيمان ومقتضياته، وهي العمل بمرضاته على الدوام، مع ترك معاصيه، فهذا الذي ينفع العبد، وهو الذي ينبغي أن يتنافس فيه، وتبذل الهمم والأعمال في طلبه، وهو مقصود الله من عباده رحمة بهم ولطفا، ليثيبهم الثواب الجزيل، ولهذا قال: { وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ } أي: لا يريد تعالى أن يكلفكم ما يشق عليكم، ويعنتكم من أخذ أموالكم، وبقائكم بلا مال، أو ينقصكم نقصا يضركم، ولهذا قال: { إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } أي: ما في قلوبكم من الضغن، إذا طلب منكم ما تكرهون بذله. والدليل على أن الله لو طلب منكم أموالكم وأحفاكم بسؤالها، أنكم تمتنعون منها، أنكم { تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } على هذا الوجه، الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية. { فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ } أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة عاجلة؟ أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك. ثم قال: { وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ } لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا. فإن الله هو { الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } تحتاجون إليه في جميع أوقاتكم، لجميع أموركم. { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا } عن الإيمان بالله، وامتثال ما يأمركم به { يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } في التولي، بل يطيعون الله ورسوله، ويحبون الله ورسوله، كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }. تفسير : تم تفسير سورة القتال، والحمد لله رب العالمين
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):