Verse. 4601 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

لَقَدْ رَضِيَ اللہُ عَنِ الْمُؤْمِنِيْنَ اِذْ يُبَايِعُوْنَكَ تَحْتَ الشَّجَرَۃِ فَعَلِمَ مَا فِيْ قُلُوْبِہِمْ فَاَنْزَلَ السَّكِيْنَۃَ عَلَيْہِمْ وَاَثَابَہُمْ فَتْحًا قَرِيْبًا۝۱۸ۙ
Laqad radiya Allahu AAani almumineena ith yubayiAAoonaka tahta alshshajarati faAAalima ma fee quloobihim faanzala alsakeenata AAalayhim waathabahum fathan qareeban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك» بالحديبية «تحت الشجرة» هي سمرة، وهم ألف وثلثمائة أو أكثر ثم بايعهم على أن يناجزوا قريشا وأن لا يفروا من الموت «فعلم» الله «ما في قلوبهم» من الصدق والوفاء «فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا» هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر فجمع بينهما بياناً لطاعة الله، فإن الله تعالى لو قال: ومن يطع الله، كان لبعض الناس أن يقول: نحن لا نرى الله ولا نسمع كلامه، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه؟ فقال طاعته في طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله. ثم قال: {وَمَن يَتَوَلَّ } أي بقلبه، ثم لما بيّن حال المخلفين بعد قوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] عاد إلى بيان حالهم وقال: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } حتى بايعوا على الموت، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ } تفسير : [الفتح: 17] فجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية، وفي هذه الآية بيّن أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وأما طاعة الرسول فبقوله {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى: {أية : وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } تفسير : [المجادلة: 22]. ثم قال تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } والفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟ نقول قوله {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } متعلق بقوله {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيداً فقام إليّ، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيباً كذلك، ههنا قال تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم، والفاء في قوله {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى: {وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } مغانمها وقيل مغانم هجر {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه {حَكِيماً } حيث جعل هلاك أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه أو لأن في ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين، فإنه يذل من يشاء بعزته ويعز من يشاء بحكمته.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} هذه بيعة الرضوان، وكانت بالحديبِية، وهذا خبر الحديبية على ٱختصار: وذلك حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقام مُنْصَرَفه من غَزْوة بني المُصْطَلِق في شوّال، وخرج في ذي القعدة مُعْتَمِراً، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن ٱتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة. وقيل: ألف وخمسمائة. وقيل غير هذا، على ما يأتي. وساق معه الْهَدْيَ، فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناسُ أنه لم يخرج لحرب، فلما بلغ خروجه قريشاً خرج جمْعُهم صادّين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ودخول مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقدّموا خالد بن الوليد في خيل إلى «كُرَاع الغَمِيم» فورد الخبر بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو «بعُسْفان» وكان المخبر له بشر بن سفيان الكَعْبِي، فسلك طريقاً يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، وكان دليله فيهم رجل من أسلم، فلما بلغ ذلك خيلَ قريش التي مع خالد جرت إلى قريش تُعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس: خلأت! خلأت! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما خَلأَتْ وما هو لها بخُلُق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطّة يسألوني فيها صلة رَحِم إلا أعطيتهم إياها». ثم نزل صلى الله عليه وسلم هناك؛ فقيل: يا رسول الله، ليس بهذا الوادي ماء! فأخرج عليه الصلاة والسلام سهماً من كِنَانته فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قَلِيب من تلك القُلُب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرَّواء حتى كفى جميع الجيش. وقيل: إن الذي نزل بالسّهم في القليب ناجية بن جُنْدب بن عمير الأسلمي وهو سائق بُدْن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ. وقيل: نزل بالسّهم في القَليب البَراء بن عازب، ثم جرت السُّفَراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سُهيل بن عمرو العامري، فقاضاه على أن ينصرف عليه الصلاة والسلام عامَه ذلك، فإذا كان من قابل أتى مُعْتَمِراً ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح، حاشا السيوف في قُرَبها فيقيم بها ثلاثاً ويخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضاً، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلماً من رجل أو امرأة رُدّ إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدًّا لم يردوه إلى المسلمين؛ فعظُم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما علّمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجاً، فقال لأصحابه:«اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سبباً إلى ظهور دينه» فأنِس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم، وأَبَى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح: من محمد رسول الله، وقالوا له: لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريدٰ فلا بد أن تكتب: بٱسمك اللهم. فقال لعليّ وكان يكتب صحيفة الصلح: «امح يا عليّ، واكتب بٱسمك اللهم» فأبى عليّ أن يمحو بيده «محمد رسول الله». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ٱعرضه عليّ» فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأمره أن يكتب «من محمد بن عبد الله»تفسير : . وأتى أبو جَنْدل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب الصلح وهو يَرْسُف في قيوده، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه؛ فعظُم ذلك على المسلمين، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا جندل «أنّ الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسولاً، فجاء خبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة؛ فرُوِي أنه بايعهم على الموت. وروي أنه بايعهم على ألاَّ يَفِرّوا. وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة، التي أخبر الله تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدخلون النار. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه على شماله لعثمان؛ فهو كمن شهدها. وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أوّل من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أبو سفيان الأسدي. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة؛ فبايعناه وعمر آخِذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرَة، وقال: بايعناه على ألاّ نفرّ ولم نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابراً يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة؛ فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرة؛ فبايعناه، غيرَ جدّ بن قيس الأنصاري ٱختبأ تحت بطن بعيره. وعن سالم بن أبي الجَعْد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة. فقال: لو كنا مائةَ ألفٍ لكفانا، كنا ألفاً وخمسمائة. وفي رواية: كنا خمس عشرة مائة. وعن عبد الله بن أبي أَوْفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة، وكانت أسْلَم ثُمُن المهاجرين. وعن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت. وعن البَرَاء بن عازب قال: كتب عليٌّ رضي الله عنه الصلح بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية؛ فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: لا تكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ: «ٱمْحُه». فقال: ما أنا بالذي أمحاه؛ فمحاه النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده. وكان فيما اشترطوا: أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثاً، ولا يدخلها بسلاح إلا جُلُبّان السلاح. قلت لأبي إسحاق: وما جُلُبّان السلاح؟ قال: القراب وما فيه. وعن أنس: حديث : أن قريشاً صالحوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ: «اكتب بسم الله الرحمٰن الرحيم» فقال سهيل بن عمرو: أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمٰن الرحيم! ولكن ٱكتب ما نعرف: باسمك اللّهُم. فقال: «اكتب من محمد رسول الله» قالوا: لو علمنا أنك رسوله لاْتبعناك! ولكن ٱكتب ٱسمك وٱسم أبيك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب من محمد بن عبد الله» فاشترطوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن من جاء منكم لم نردّه عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذاٰ قال: «نعم إنه مَن ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً»تفسير : . وعن أبي وائل قال: قام سهل بن حُنيف يوم صِفِّين فقال يأيها الناس، ٱتَّهموا أنفسَكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين. فجاء عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال «بلى» قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال «بلى» قال ففيم نعطي الدّنِيّة في ديننا ونرجعُ ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال «حديث : يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يُضَيِّعَني الله أبداً» تفسير : قال: فانطلق عمر، فلم يصبر مُتَغَيِّظاً فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى؛ قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال بلى. قال: فعلام نعطي الدّنِيّة في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا بن الخطاب، إنه رسول الله ولن يُضيعه الله أبداً. قال: فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح؛ فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أوَفَتْحٌ هو؟ قال «نعم». فطابت نفسه ورجع. قوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الصدق والوفاء؛ قاله الفراء. وقال ٱبن جريج وقتادة: من الرضا بأمر البيعة على ألا يفرّوا. وقال مقاتل: من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} حتى بايعوا. وقيل: «فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ» من الكآبة بصدّ المشركين إياهم وتخلف رؤيا النبيّ صلى الله عليه وسلم عنهم؛ إذا رأى أنه يدخل الكعبة، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما ذلك رؤيا منام»تفسير : . وقال الصدّيق: لم يكن فيها الدخول في هذا العام. والسكينة: الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد. وقيل الصبر. {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} قال قتادة وٱبن أبي ليلى: فتح خيبر. وقيل فتح مكة. وقرىء «وَآتَاهُمْ» {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} يعني أموال خيبر؛ وكانت خيبر ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة. فـ «ـمَغَانِمَ» على هذا بدل من «فَتْحاً قَرِيباً» والواو مقحمة. وقيل «وَمَغَانِمَ» فارس والروم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، قال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق: أن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: انطلقت حاجاً، فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. وقوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} وهي الطمأنينة {عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} وهو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى ابن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى، يعني: ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: بينما نحن قائلون، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} قال: فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئاً لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف».

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ } بالحديبية {تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } هي (سَمُرَة)، وهم ألف وثلاثمائة أو أكثرثم بايعهم على أن يناجزوا قريشاً وأن لا يفرّوا،وعلى الموت {فَعَلِمَ } الله {مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الصدق والوفاء {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ رِضِي اللَّهُ عَنِ الْمُؤمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجرَةِ} كانت سبب هذه البيعة وهي بيعة الرضوان تأخر عثمان رضي الله عنه بمكة حين أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية رسولاً إلى الإسلام فأبطأ وأرجف بقتله، فبايع أصحابه وبايعوه على الصبر والجهاد، وكانوا فيما رواه ابن عباس ألفاً وخمسمائة، وقال جابر: كانوا ألفاً وأربعمائة وقال عبد الله بن أبي أوفى: ألفاً وثلاثمائةً. وكانت البيعة تحت الشجرة بالحديبية والشجرة سمرة. وسميت بيعة الرضوان، لقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}.br>> {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: من صدق النية، قاله الفراء. الثاني: من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت، قاله مقاتل. {فَأَنزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: فتح خيبر لقربها من الحديبية، قاله قتادة. الثاني: فتح مكة.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} لما تأخر عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ بمكة وأرجف بقتله بايع الرسول صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على الصبر والجهاد. وكانوا ألفاً وأربعمائة، أو وخمسمائة، أو ثلاثمائة والشجرة سَمُرة، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ}. {مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من صدق النية، أو كراهية البيعة على الموت. {السَّكِينَةَ} الصبر، أو سكون النفس بصدق الوعج {فَتْحاً قَرِيباً} خيبر، أو مكة.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...} الآية، تشريف لهم ـــ رضي اللَّه عنهم ـــ وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أَنَّ رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أَنَّ النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ لا يريد حرباً؛ وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداشِ بن أُمَيَّةَ الخُزَاعِيَّ، وحمله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيَّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان؛ فهو أَعُزُّ بِمَكَّةَ مِنِّي، فبعثه النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوفَ حتى يطوفَ به النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: قُتِلَ عثمانُ، فجثا رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ ـــ إنْ كان هذا ـــ حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيُّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين. وقوله سبحانه: {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} قال الطبريُّ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» قال هارون: وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ. وقوله تعالى: {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ...} الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة؛ قاله مجاهد وغيره. وقولهُ: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة: خيبر، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عباس. وقوله سبحانه: {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ والمؤمنين، {وَلِتَكُونَ ءَايَةً} أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومَنْ معها حين جاءوا لنصر خيبَر، وقيل: أراد كَفَّ قريشاً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...} الآية لما بين حال المخلفين بعد قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح:10] عاد إلى بيان حال المبايعين. قوله: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ} منصوب بـ "رَضِيَ" و "تَحْتَ الشَّجَرَة" يجوز أن يكون متعلقاً بـ "يُبَايِعُونَكَ" وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول. ("فصل" المعنى: يبايعونك بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً، ولا يفروا. وقوله: "تَحْتَ الشَّجَرَة" وكانت سمرة قال سعيد بن المسيب: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسِيناها فلم نقدر عليها. وروي أن عمر بن الخطاب مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: ههنا، وبعضهم ههنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر بن عبدالله قال: قَالَ لَنَا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الحديبية "حديث : أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأَرْبَعَمِائةٍ ولو كنت أبصر اليوم لأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَة"تفسير : . وروى سالم عن جابر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:" حديث : لاَ يَدْخُلُ النار أحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ". تفسير : قوله: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الصدق والوفاء {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} الطمأنينة والرضا "عَلَيْهِمْ" فإن قيل: الفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا؛ لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟. فالجواب: قال ابن الخطيب: إن قوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} متعلق بقوله: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ} كما تقول: "فَرِحْتُ أَمس إِذْ كَلَّمت زَيْداً فَقَامَ لي، وإذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَكْرَمِني" فيكون الفرح بعد الإكرام مرتباً كذلك ههنا قال تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ... فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الصدق إشارة ألى أن الرضا لا يكون عند المبايعة (حَسْب بل عند المبايعة) التي كان معها علم الله بصدقهم. والفاء في قوله {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} للتعقيب المذكور، فإنه ـ تعالى ـ رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم. وفي قوله: "فَعَلِمَ" لبيان وصف المبايعة يكون (ها) معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم. قوله: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} يعني فتح خيبر. وقوله: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً} أي وآتاهم مَغَانِمَ أو أثابهم مغانم. وإنما قدر الخطاب والغيبة لأنه يقرأ: "يَأخُذُونَهَا" بالغيبة، وهي قراءة العامة، و"تَأخُذُونَهَا" بالخطاب وهي قراءة الأعمش وطَلْحَةَ ونافعٍ في رواية سِقْلاَبٍ. فصل قيل: المراد بالمغانم الكثيرة مغانم خيبر، وكانت خيبر ذاتَ عَقَار وأموال فقسمها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهم. وقيل: مغانم هجر. {وَكَان ٱللَّهُ عَزِيزا} كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه "حَكِيماً" حيث جعل هلاك أعدائه على أيديهم ليثيبكم عليه، أو لأن في ذلك كان إعزاز قوم وإذلالَ لآخرين فقال: يُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِعِزَّتِهِ، ويعز من يشاء بِحِكْمَتِهِ. قوله: {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة وليس المغانم كل الثواب، بل الجنة قُدَّامهم، وإنما هي عاجلة عَجَّلَ بها لهم، ولهذا قال: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} يعني خيبر {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قصد خَيْبَرَ وحَاصَرَ أهلها هَمَّ قبائلُ من أَسَدَ، وغَطَفَان، ِأن يُغِيرُوا على عِيَال المسلمين وذَرَارِيهِمْ بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، وليكون كفهم وسلامتكم آية للمؤمنين على صدقك، ويعلموا أن الله هو المتولِّي حياطتهم وحِرَاسَتَهُمْ في مشَهْدِهِمْ ومغيبهم. قوله: "وَلتَكُونَ" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق بفعل مقدر بعده تقديره: ولِتَكُونَ (فعلك) فعل ذلك. الثاني: أنه معطوف على علة محذوفة تقديره: وَعَدَ فَعَجَّل وَكَفَّ لينتفعوا ولِيَكُونَ أو لتشكروا ولتكون. الثالث: أن الواو مزيدة. والتعليل لما قبله أي وَكَفَّ لتكون. قوله: {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} يثيبكم على الإسلام، ويزيدكم بَصيرَةً ويقيناً بصُلْح الحديبية وفتح خيبر، وذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المُحَرَّم، ثم خرج في سَنَةِ سَبع إلى خيبر. روى أنسُ بن مالك (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) حديث : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغير بنا حتى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فإن سمع أَذَاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خَيْبَرَ، فانتهينا إليهم، فلما أصبح لم يسمع أذاناً (ركب) وركبتُ خلف أبِي طلحة، وإن قدمي لتمَسُّ قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومَسَاحِيهم فلما رأوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالوا محمد, والله محمد والخميس أي محمد والجيش, فلما رآهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: الله أكبر الله أكبر خَربتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. حديث : وروى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ قال حدثني أبي قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: فجعل عمي يَرْتَجِزُ بالقَوم: شعر : 4492 ـ تَاللَّـهِ لَـوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَـا وَلاَ تَصَــدَّقْـنَـــا وَلاَ صَـلَّيْـنَــــا وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِـكَ مَا اسْتَغْنَيْنَــا فَـثَـبِّــتِ الأَقَـــدْامَ إنْ لاَقَـيْـنَــــا وَأَنْــزِلَــنْ سَكِـيـنَـــةً عَلَـيْــنَــــا حديث : فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مَنْ هَذَا؟ فقال: أنا عامر، قال: غَفَر الله لك ربك. وما استغفر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإنسان يَخُصُّه إلا استشهد. قال: فنادى عمرُ بنُ الخَطَّاب ـ رضي الله عنه ـ وهُوَ على جمل له: يا نبيّ الله لولا مَتَّعْتَنَا بعامرٍ قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مَرْحَبُ يخطر بسيفه يقول: شعر : 4493ـ قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاَح يَطَلٌ مُجَرِّبُ إذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ حديث : فقال علي ـ رضي الله عنه ـ: شعر : 4494ـ أَنَا الَّـذِي سَمَّتْنِـي أُمِّي حَيْـدَرَهُ كَلَيْــثِ غـابَــاتٍ كَــرِيهِ المَـنْظَــرَه أَكِيـلُكُــمْ بِالصَّــاعِ كَيْــلَ السَّنْـــدَرَهْ حديث : قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه . تفسير : (ومعنى أكيلكم بالسيف كيل السندرة أي أقتلكم قتلاً واسعاً ذريعاً. والسَّندرة مكيال واسع. قيل يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النَّبْل، والقِسِيُّ، والسَّنْدرة أيضاً العجلة، والنون زائدة. قال ابن الأثير: وذكرها الجَوْهَرِيُّ في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها). وروي فتح خيبر من طرق أُخَر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض. قوله: "وأخرى" يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مرفوعة بالابتداء و {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} صفتها و {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} خبرها. الثاني: أن الخبر "منهم" محذوف مقدر قبلها، أي وَثَمَّ أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا. الثالث: أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير، فتقدر بالفعل من معنى المتأخر وهو {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} أي وقَضَى اللهُ أُخَْرَى. (الرابع: أن تكمون منصوبة بفعل مضمر لا على شريطة التفسير، بل لِدَلاَلة السِّياقِ، أي ووَعَدَ أُخْرَى، أو وآتاكُمْ أخرى. الخامس: أن تكون مجرورة بـ "رُبَّ" مقدرة، ويكون الواو واو "رب" ذكره الزمخشري. وفي المجرور بعد الواو المذكورة خلاف مشهور أهو برُبَّ مضمرة أم بنفس الواو؟ إلا أن أبا حيان قال: ولم تأت "رُبَّ" جارة في القرآن على كَثْرة دورها، يعني جارة لفظاً وإلا تقدر. قيل: إنها جارة تقديراً هنا وفي قوله: {أية : رُّبَمَا}تفسير : [الحجر:2] على قولنا: إنّ ما نكرة موصوفةٌ). قوله: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} يجوز أن يكون خبراً لـ "أُخْرَى" كما تقدم، أو صفة ثانية إذَا قِيلَ بأن أخرى مبتدأ وخبرها مضمر أو حالاً أيضاً. فصل قال المفسرون: معناه أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدِروا عليها قد أحاط الله بها حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم، ومنعها من غيركم حتى تأخذوها. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ علم الله أنه يفتحها لكم. قال ابن الخطيب: تقديره: وعدكم الله مغانم تأخذونها، ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين. وهذا تفسير الفراء. قال: معنى قوله: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} أي حفظها للمؤمنين، لا يجري عليها هلاك وفناء إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحُرَّاسِ بالخَزَائِنِ. واختلفوا فيها فقال ابنُ عباس والحسن ومقاتل: هي فارس والرومُ، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا حولاً لهم حتى قدروا عليها الإسلام. وقال الضَّحَّاكُ وابنُ زيد: هي خيبر وعدها الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. وقال قتادة: هي مكَّة. وقال عِكْرِمَةُ: حُنَيْن. وقال مجاهد: وما فَتَحُوا حتى اليوم، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}. قوله تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} يعني أسداً وغَطفانَ وأَهْلَ خَيْبَرَ {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ}، قال ابن الخطيب: وهذا يصلح جواباً لمن يقول: كَفّ الأيدي عنهم كان أمراً اتفاقياً، ولو اجتمع عليهم العرب كما زعموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها، فقال: ليس كذلك بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون والغلبة واقعة للمسلمين، فليس أمرهم أمراً اتفاقياً، بل هو أمر إلهيٌّ محكوم به محتوم. ثم قال {لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. قول: {سُنَّةَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد لمضمون الجملة المقدمة، أي سَنَّ اللهُ ذَلك سنةً. قال ابن الخطيب: وهذا جواب عن سؤال آخر يقوله قومٌ من الجُهَّال وهو: إن الطَّوَالِعَ والتأثيرات والاتِّصالاتِ تأثيراتٌ وتغييرات فقال: ليس كذلك، بل سنة الله نصرة رسله، وإهلاك عدوه، والمعنى: هذه سنة الله في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}.

البقاعي

تفسير : ولما وعد المطيع وأوعد العاصي، وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتاً، دل عليه بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في عالم الغيب، فقال مؤكداً لأن أعظم المراد به المذبذبون، مفتتحاً بقد لأن السياق موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت عليه بمشهود يقرب الغائب الموعود: {لقد رضي الله} أي الذي له الجلال والجمال {عن المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، أي فعل معهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر له من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآيات تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة. ولما ذكر الرضى، ذكر وقته للدلالة على سببه فقال: {إذ} أي حين، وصور حالهم إعلاماً بأنها سارة معجبة شديدة الرسوخ في الرضى فقال: {يبايعونك} في عمرة الحديبية لما صد المشركون عن الوصول إلى البيت، فبعثت عثمان رضي الله عنه إليهم ليخبرهم بأنك لم تجىء لقتال وإنما جئت للعمرة، فبلغك أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة لمناجزتهم فبايعك كل من كان معك على أن لا يفروا لتناجز بهم القوم؛ وزاد الأمر بياناً وقيده تفضيلاً لأهل البيعة بقوله: {تحت الشجرة} واللام للعهد الذهني، وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم نازلاً به في الحديبية، ولأجل هذا الرضى سميت بيعة الرضوان، وروى البغوى من طريق الثعلبي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة . تفسير : ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم، سبب عنه قوله: {فعلم} أي لما له من الإحاطة {ما في قلوبهم} أي من مطابقته لما قالوا بألسنتهم في البيعة، وأن ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإيثار ما يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا عن شك في الدين، وسبب عن هذا العلم ترغيباً في مثل هذا المحدث عنهم قوله: {فأنزل السكينة} أي بثبات القلوب وطمأنيتها في كل حالة ترضي الله ورسوله، ودل على عظمها بحيث إنها تغلب الخوف وإن عظم بقوله: {عليهم} فأثر ذلك أنهم لم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، لا أثر الصلح بما يتراءى فيه من الضعف وغيره من مخايل النقص في قلوبهم في ذلك المقام الدحض والمواطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضى أمره في ذلك بما يفعل ويقول. ولما ذكر منّه سبحانه وتعالى عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه، أتبعه آثاره فقال: {وأثابهم} أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من الطاعة والسكينة فيها جزاء، مقبلاً عليهم، يملأ مواضع احتياجهم، هو أهل لأن يقصده الإنسان ويتردد في طلبه لما له من الإقبال والمكنة والشمول {فتحاً} بما أوقع سبحانه من الصلح المترتب على تعجيز قريش عن القتال {قريباً *} بترك القتال الموجب بعد راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض الناس ببعض فيدخل في الدين من كان مباعداً له لما يرى من محاسنه، فسيكون الفتح الأعظم فتح المكة المشرفة الذي هو سبب لفتح جميع البلاد. ولما ذكر الفتح ذكر بعض ثمرته فقال: {ومغانم} فنبه بصيغة منتهى الجموع إلى أنها عظيمة، ثم صرح بذلك في قوله: {كثيرة} ولما كان الشيء ربما أطلق على ما هو بالقوة دون الفعل، أزال ذلك بقوله تعالى {يأخذونها} وهي خيبر. ولما كان ذلك مستبعداً لكثرة الكفار وقلة المؤمنين، بين سببه فقال عاطفاً على ما تقديره: بعزة الله وحكمته: {وكان الله} أي الذي لا كفوء له {عزيزاً} أي يغلب ولا يغلب {حكيماً *} يتقن ما يريد فلا ينقض. ولما قرب ذلك وتأكد وتحرر وتقرر، أقبل سبحانه وتعالى عليهم بالخطاب تأكيداً لمسامعهم فقال مزيلاً لكل احتمال يتردد في خواطر المخلفين: {وعدكم الله} أي الملك الأعظم {مغانم} وحقق معناها بقوله: {كثيرة تأخذونها} أي فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر، ثم سبب عن هذا الوعد قوله: {فعجل لكم} أي منها {هذه} أي القضية التي أوقعها بينكم وبين قريش من وضع الحرب عشر سنين، ومن أنكم تأتون في العام المقبل في مثل هذا الشهر معتمرين فإنها سبب ذلك كله، عزاه أبو حيان لابن عباس رضي الله عنهما وهو في غاية الظهور، ويمكن أن يكون المعنى: التي فتحها عليكم من خيبر من سببها وأموالها المنقولات وغيرها {وكف أيدي الناس} أي من أهل خيبر وحلفائهم أسد وغطفان أن يعينوا أهل خيبر أو يغيروا على عيالاتكم بعد ما وهموا بذلك بعد ما كف أيدي قريش ومن دخل في عهدهم بالصلح {عنكم} على ما أنتم فيه من القلة والضعف. ولما كان التقدير: رحمة لكم على طاعتكم لله ورسوله وجزاء لتقوى أيديكم، وتروا أسباب الفتح القريبة بما يدخل من الناس في دينكم عند المخاطبة بسبب الإيمان، عطف عليه قوله: {ولتكون} أي هذه الأسباب من الفتح والإسلام {آية} أي علامة هي في غاية الوضوح {للمؤمنين} أي منكم على دخول المسجد الحرام آمنين في العمرة ثم في الفتح ومنكم ومن غيركم من الراسخين في الإيمان إلى يوم القيامة على جميع ما يخبر الله به على ما وقع التدريب عليه في هذا التدبير الذي دبره لكم من أنه لطيف يوصل إلى الأشياء العظيمة بأضداد أسبابها فيما يرى الناس فلا يرتاع مؤمن لكثرة المخالفين وقوة المنابذين أبداً، فإن سبب كون الله مع العبد هو الاتباع بالإحسان الذي عماده الرسوخ في الإيمان الذي علق الحكم به، فحيث ما وجد عليه وجد المعلق وهو النصر بأسباب جلية أو خفية {ويهديكم} في نحو هذا الأمر الذي دهمكم فأزعجكم بالثبات عند سماع الموعد والوعيد والثقة بمضمونه لأنه قادر حكيم، فهو لا يخلف الميعاد بأن يهديكم {صراطاً مستقيماً} أي طريقاً واسعاً واضحاً موصلاً إلى الكرامة من غير شك، وهذا من أعلام النبوة فإنه لم يزغ أحد من المخاطبين بهذه الآية وهم أهل الحديبية وكأنه والله أعلم لذلك لم يقل: ويهديهم - بالغيب على ما اقتضاه السياق لئلا يغم غيرهم ممن يظهر صدقه في الإيمان ثم يزيغ، ولذا أكثر تفاصيل هذه السورة من أعلام النبوة، فإنه وقع الإخبار به قبل وقوعه. ولما سرهم سبحانه بما بشرهم به من كون القضية فتحاً ومن غنائم خيبر، أتبع ذلك البشارة دالاً على أنها لا مطمع لهم في حوزه ولا علاجه لولا معونته فقال: {وأخرى} أي ووعدكم مغانم كثيرة غير هذه وهي - والله أعلم - مغانم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ولما كان في علمه سبحانه وتعالى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقرون فيها إلا من لا يمكنه في العادة أن يهزمهم ليحوي الغنائم، فكان ما في علمه تعالى لتحققه كالذي وقع وانقضى، قال تعالى: {لم تقدروا} أي بما علمتم من قراركم {عليها} ولما توقع السامع بعد علمه بعجزهم عنها الإخبار عن السبب الموصل إلى أخذها بما تقرر عند من صدق الوعد بها، قال مفتتحاً بحرف التوقع: {قد أحاط الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة {بها} فكانت بمنزلة ما أدير عليه سورة مانع من أن يغلب منها شيء عن حوزتكم أو يقدر غيركم أن يأخذ منها شيئاً، ولذلك وللتعميم ختم الآية بقوله: {وكان الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً {على كل شيء} منها ومن غيرها {قديراً *} بالغ القدرة لأنه بكل شيء عليم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} [الآية: 18]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: رضى عنهم فأرضاهم وأوصلهم إلى رضا اليقين والرضا والطمأنينة وأنزل الله السكينة عليهم لتسكن قلوبهم إليه. وقال ابن عطاء: السكينة نور يقذف فى القلب يبصر بها مواقع الصواب. قال بعضهم: ثبات السر عند ظهور المغيبات. قال بعضهم: السكينة استعمال الأوامر واستقبالها بالرحب والسَّعة.

القشيري

تفسير : هذا بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وكانوا ألفاً وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخولَ مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادِّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن خارجاً لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرفَ هذا العام، ويقيم بها ثلاثاً ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا) وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبَهم، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمةٌ حتى قال الصِّدِّيقُ: لم يَقُلْ العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية؛ لأن الله سبحانه علم في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. فأنزل السكينة في قلوبهم. وثبَّتهم باليقين. {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} هو فتحُ خيبر بعد مدة يسيرة، وما حصلوا عليه من مغانم كثيرةٍ من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة. وفي الآية دليلٌ على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطرُ مُشكِّكة، وفي الرَّيب موقعة, ولكن لا عبرة بها؛ فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً لازم التوحيدُ قلبَه، وقارن التحقيق سِرَّه فلا يضرُّه كيدُ الشيطان، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 201].

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} رضى الله عنهم فى الازل وسابق علم القدم ويبقى رضاه الى ابدا الابد لان رضاه صفته الازلية الباقية الابدية لا يتغير بتغير الحدثان ولا بالوقت والزمان ولا بالطاعة والعصيان فاذا هم فى اصطفائيته ياقوت الى ابد الابد لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية والشهوات لان اهل الرض محروسون رعايته لا يجرى عليهم نعوت اهل البعد وصاروا متصفون بوصف رضاه فرضوا عنه كما رضى عنهم قال الله رضى الله عنهم ورضوا عنه وهذا بعد قذف انوار الانس فى قلوبهم بقوله فانزل السكينة عليهم قال ابن عطا رضى الله عنهم فارضاهم واوصلهم الى مقام الرضا واليقين والاطمانية فانزل الله السكينة عليهم ليسكن قلوبهم اليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد رضى الله عن المؤمنين} رضى العبد عن الله ان لا يكره ما يجرى به قضاؤه ورضى الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لامره منتهيا عن نهيه وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم وكانوا ألفا وأربعمائة على الصحيح وقيل ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان وقال بعض الكبار سميت بيعة الرضوان لان الرضى فناء الارادة فى ارادته تعالى وهو كمال فناء الصفات وذلك ان الذات العلية محتجبة بالصفات والصفات بالافعال والافعال بالاكوان والآثار فمن تجلت عليه الافعال بارتفاع حجب الاكوان توكل ومن تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الافعال رضى وسلم ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات فنى فى الواحدة فصار موحدا مطلقا فاعلا ما فعل وقارئا ما قرأ ما دام هذا شهوده فتوحيد الافعال مقدم على توحيد الصفات وتوحيد الصفات مقدم على توحيد الذات والى هذه المراتب الثلاث اشار صلى الله عليه وسلم بقوله فى سجوده "حديث : واعوذ بعفوك من عقابك واعوذ برضاك من سخطك واعوذ بك منك"تفسير : فاعلم ذلك فانه من لباب المعرفة {اذ يبايعونك تحت الشجرة} منصوب برضى وصيغة المضارع لاستحضار صورتها وتحت الشجرة متعلق به والشجر من النبت ماله ساق والمراد بالشجرة هنا سمرة اى ام غيلان وهى كثيرة فى بوادى الحجاز وقيل سدرة وكان مبايعتهم على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا وروى على الموت دونه قال ابو عيسى معنى الحديثين صحيح فبايعه جماعة على الموت اى لانزال نقاتلهم بين يديك مالم تقتل وبايعه آخرون وقالوا لا نفر، يقول الفقير عدم الفرار لا يستلزم الموت فلا تعارض وآن اصحاب را اصحاب الشجرة كويند وكان علامة اصحاب رسول الله معه فى الغزاة ان يقول يا اصحاب الشجرة يا اصحاب سورة البقرة وآن ساعت كه دست عهد بيعت كرفتند بارسول فرمان آمد از حق تعالى تادر هاى آسمان بكشادند وفرشتكان از ذروة فلك نظاه كردند واز حق فرمان آمد بطريق مباهات كه اى مقربان افلاك نظر كنيد بآن كروهكه از بهر اعزاز دين اسلام واعلاى كلمة حق ميكوشند جان بذل كرده وتن سبيل ودل فدا ودر وقت قتال روى نشانة نيزه كرده وسينه سبر سامنه شعر : شراب ازخون وجام ازكاسة سر بجاى بانك رود آوازاسبان بجاى دستة كل دشنه وتيغ بجاى قرطه برتن درع وخفتان تفسير : كواه باشيد اى مقربان كه من از ايشان خشنودم ودر قيامت هريكى را ازايشان در امت محمد جندان شفاعت دهم كه ازمن خشنود كردند وازين عهدتا آخر دور هرمؤمنى كه آن بيعت بشنود وبدل بامر ايشان درقبول آن بيعت موافق بود من آن مؤمن راهمان خلعت دهم كه اين مؤمنا نرا دادم، وعند تلك المبايعة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : انتم اليوم خير اهل الارض"تفسير : واستدل بهذا الحديث على عدم حياة الخضر عليه السلام حينئذ لانه يلزم ان يكون غير النبى افضل منه وقد قامت الادلة الواضحة على ثبوت نبوته كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، يقول الفقير نبوة الخضر منقضية كنبوة عيسى عليهما السلام فعلى تقدير حياته يكون من اتباعه عليه السلام وامته كما قال عليه السلام "حديث : لو كان اخى موسى حيا لما وسعه الا اتباعى"تفسير : وثبت ان عيسى من اصحابه عليه السلام وعند نزوله فى آخر الزمان يكون من امته فان قلت بحضور الخضر بين الاصحاب فى تلك المبايعة وان لم يعرفه احد فالا امر ظاهر وان قلت بعدم الحضور فلا يلزم رجحان الاصحاب عليه من كل وجه اذ بعض من هو فاضل مفضول من وجه قال فى انسان العيون صارت تلك الشجرة التى وقعت عندها البيعة يقال لها شجرة الرضوان وبلغ عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى زمان خلافته ان ناسا يصلون عندها فتوعدهم وامر بها فقطعت خوف ظهور البدعة انتهى وروى الامام النسفى رحمه الله فى التيسير انها عميت عليهم من قابل فلم يدروا اين ذهبت. يقول الفقير يمكن التوفيق بين الروايتين بأنهم لما عميت عليهم ذهبوا يصلون تحت شجرة على ظن انها هى شجرة البيعة فامر عمر رضى الله عنه بقطعها وفى كشف النور لابن النابلسى اما قول بعض المغرورين باننا نخاف على العوام اذا اعتقد واوليا من الاولياء وعظموا قبره والتمسوا البركة والمعونة منه ان يدركهم اعتقاد أن الاولياء تؤثر فى الوجود مع الله فيكفرون ويشركون بالله تعالى فنهاهم عن ذلك ونهدم قبور الاولياء ونرفع البنايات الموضوعة عليها ونزيل الستور عنها ونجعل الاهانة للاولياء ظاهرا حتى تعلم العوام الجاهلون ان هؤلاء الاولياء لو كانوا مؤثرين فى الوجود مع الله تعالى لدفعوا عن انفسهم هذه الاهانة التى نفعلها معهم فاعلم ان هذا الصنيع كفر صراح مأخوذ من قول فرعون على ما حكاه الله تعالى لنا فى كتابه القديم وقال فرعون ذرونى اقتل موسى وليدع ربه انى اخاف ان يبدل دينكم او ان يظهر فى الارض الفساد وكيف يجوز هذا الصنيع من اجل الامر الموهوم وهو خوف الضلال على العامة انتهى. يقول الفقير والتوفيق بين هذا وبين ما فعله عمر رضى الله عنه ان الذى يصح هو اتباع الظن لا الوهم {فعلم ما فى قلوبهم} عطف على يبايعونك لما عرفت من انه بمعنى بايعوك لا على رضى فان رضاه تعالى عنهم مترتب على علمه تعالى بما فى قلوبهم من الصدق والاخلاص عند مبايعتهم له عليه السلام قال بعضهم ان من الفرق بين علم الحق وعلم عبيده ان علمهم لم يكن لهم الا بعد ظهورهم وحصول صورتهم واما علم الحق تعالى فكان قبل وجود الخلق وبعدهم فليس علمه تعالى بعناية من غيره بخلاف العبد {فأنزل السكينة عليهم} عطف على رضى اى فأنزل عليهم الطمأنينة وسكون النفس بالربط على قلوبهم وقيل بالصلح قال البقلى فى عرآئسه رضى الله عنهم فى الازل وسابق علم القدم ويبقى رضاه الى الابد لان رضاه صفته الازلية الباقية الابدية لا تتغير بتغير الحدثان ولا بالوقت والزمان ولا بالطاعة والعصيان فاذاهم فى اصطفائيته باقون الى الابد لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالشرية والشهوات لان اهل الرضى محروسون برعايته لا يجرى عليهم نعوت اهل البعد وصاروا متصفين بوصف رضاه فرضوا عنه كما رضى عنهم وهذا بعد قذف انوار الانس فى قلوبهم بقوله {فأنزل السكينة عليهم} قال ابن عطاء رضى الله عنهم فارضاهم واوصلهم الى مقام الرضى و اليقين والاطمئنان فأنزل سكينته عليهم لتسكن قلوبهم اليه {واثابهم} وباداش داد ايشانرا فان الاثابة بالفارسية باداش دادن. و الثواب ما يرجع الى الانسان من جزآء عمل يستعمل فى الخير والشر لكن الاكثر المتعارف فى الخير والاثابة تستعمل فى المحبوب وقد قيل ذلك فى المكروه نحو فأثابكم غما بغم على الاستعارة {فتحا قريبا} وهو فتح خيبر غب انصرا فهم من الحديبية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لقد رَضِي اللّهُ عن المؤمنين} وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم بقوله: {إن الذين يبايعونك...} الآية، وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان و"إذ" منصوب بـ"رَضِيَ"، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة، و {تحت الشجرة}: متعلق به، أو: بمحذوف، حال من مفعوله، أي: رَضِيَ عنهم وقت مبايعتهم لك {تحت الشجرة} أو: حاصلاً تحتها. رُوي: أنه صلى الله عليه وسلم لمّا نزل الحديبية، بعث خِراش بن أمية الخزاعي، رسولاً إلى أهل مكة، فَهَمُّوا به، وأنزلوا عن بعيره، فمنعته الأحابيش، فلما رجع دعا بعُمر ليبعثه، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحدٌ يمنعني، ولكن عثمان أعزّ بمكة مني، فبعث عثمان إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء زائراً إلى البيت، مُعظِّماً لحُرمته، ولم يُرد حرباً، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبلَ أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبس عندهم، فأُرجِفَ بأنهم قتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم"تفسير : ودعا الناسَ إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة – وكانت سمرة وقيل: سِدرة – على أن يُقاتلوا قريشاً، ولا يفرُّوا، وأول مَن بايع" أبو سنان الأسدي"، واسمه: وهب بن عبد الله بن محصن، ابن اخي عكاشة بن مِحصن. وقيل: بايعوه على الموت عنده، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أنتم اليوم خير أهل الأرض"تفسير : وقال أيضاً:"حديث : لا يدخل النارَ أحد ممن بايع تحت الشجرة"تفسير : وكانوا ألفاً وخمسمائة وخمسةً وعشرين، وقيل: ألفاً وأربعمائة. والحديبية بتخفيف الياء، قاله في المصباح، وهي على عشرة أميال من مكة. {فعَلِمَ ما في قلوبهم} من الإخلاص، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه. وقال القشيري: عِلِمَ ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكيك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشّر أصحابه، فلمام صُدُّوا خامر قلوبَهم شكٌّ، {فأنزل} اللّهُ {السكينةَ عليهم} أي: اليقين والطمأنينة، فذهب عنهم. ثم قال: وفي الآية دليلٌ على أنه قد يخطر ببال الإنسان خواطر مشكِّكة، وفي الرَّيب مُوقعة، ثم لا عبرة، فإن الله تعالى إذا أراد بعبده خيراً ألزم التوحيد قلبَه، وقارن التحقيق سِرَّه، فلا يضرُّه كيدُ الشيطان. قال تعالى:{أية : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ...}تفسير : [الأعراف: 201]الآية. {فأنزل السكينة عليهم} أي: الطمأنينة والأمن، وسكون النفس، بالربط على قلوبهم، {وأثابهم} أي: جازاهم {فتحاً قريباً} وهو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما تقدّم. {ومغانمَ كثيرةً يأخذونها} وهي مغانم خيبر، وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها بينهم، {وكان الله عزيزاً} منيعاً فلا يغالب، {حكيماً} فيما يحكم به فلا يعارَض. {وعَدَكُمْ اللّهُ مغانِمَ كثيرةً تأخذونها} هو ما فتح على المؤمنين، وغنموه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة. والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان. {فعجَّلَ لكم هذه} المغانم، يعني مغانم خيبر، {وكفَّ أيديَ الناس عنكم} أي: أيدي أهل خيبر وحُلفاءهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، {ولِتكون} هذه الكفَّة {آيةً للمؤمنين} وعبرةً يعرفون أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم، أو: لتكون آية يعرفون بها صدقَ الرسول صلى الله عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية بما ذكر من المغانم، ودخول مكة، ودخول المسجد الحرام آمنين. واللام إما متعلقة بمحذوف مؤخر، أي: وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف، وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين، أي: فعجَّل لكم هذه وكفَّ أيدي الناس عنكم لتغنموها ولتكون... الخ، {ويهديكم صراطاً مستقيماً} أي: يزيدكم بصيرةً ويقيناً وثقةً بوعد الله حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد الله تعالى. قال الثعلبي، ولمّا فتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم حصونَ خيبر سمع أهل فدك ما صنع عليه السلام بأهل خيبر، فأرسلوا له يسألونه أن يُسيرَهم ويحقن دماءهم، ويخلُّوا له الأموال، ففعل، ثم صالح أهلَ خيبر، على أن يعملوا في أموالهم على النصف، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء، ففعلوا، فكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة له صلى الله عليه وسلم، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولما اطمأن صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب الحارث اليهودية شاة مصليَّة مسمومة، أكثرت في ذراعها السم، فأخذ صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منه، ثم كلّمه، فأمسك، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من ساعته، وسَلِمَ صلى الله عليه وسلم حتى قام عليه بعد سنتين، فمات به، فجُمع له بين الشهادة والنبوة. ثم قال تعالى: {وأُخرى لم تَقْدِروا عليها} أي: وعجّل لكم مغانم أخرى، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين. ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجَوْلة. {قد أحاط اللّهُ بها} قَدَرَ عليها واستولى، وأظهركم عليها، وهي صفة أخرى لـ"أخرى" مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى، بعد بيان صعوبة مَنَالها بالنظر إلى حِذرهم. ويجوز في "أُخرى" النصب بفعل مضمر، يُفسره {قد أحاط الله بها} أي: وقضى الله أخرى، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله: {وعدكم الله مغانم كثيرة} فيه مزيد فائدة، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه. وقال ابن عباس والحسن ومقاتل: {وأخرى لم تقدروا عليها} هي فارس والروم. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. هـ. قلت: بل إلى يوم القيامة وهذا أظهر الأقوال أي: لم تقدروا على أخذها الآن وستأخذونها، {وكان الله على كل شيء قديراً} لأن قدرته تعالى عامة التعلُّق، لا تختص بشيء دون شيء. قال ابن عرفة: مذهبنا أن المستحيل لا يصدق عليه شيء، فيبقى النظر: هل يطلق على الواجب شيء، لقوله تعالى:{أية : قُلْ أَىُّ شىء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ}تفسير : [الأنعام: 19] أم لا يطلق عليه شيء؟ فإن قلنا: يصلح الإطلاق وجب التخصيص في الآية، فيكون عامّاً مخصوصاً، وإن قلنا بعدم صحته، فيبقى النظر: هل المراد بالقدرة الإحداث أو الصلاحية، فإن أريد الإحداث فهي مخصوصة، وإن أريد الصلاحية فهو عام غير مخصوص. هـ. الأشارة: مشايخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فحين بايعهم على عقد الإرادة فكأنما بايع الرسول، فيقال على طريق الإشارة: لقد رضي الله عن المؤمنين المتوجهين، إذ يبايعونك أيها العارف تحت الشجرة، تحت ظل شجرة همتك، فعَلِمَ ما في قلوبهم من الصدق، فأنزل السكينة عليهم، حتى سكنوا تحت مشاق التربية والرياضة، وأثابهم فتحاً قريباً، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ومغانم كثيرة؛ فتوحات ومكاشفات، وأسرار، وترقيات كثيرة، إلى ما لا نهاية له، يأخذونها. ووعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها بعد الفتح، من الرجوع إلى البقاء وبقاء البقاء، والتوسُّع في المقامات، والترقِّي في معارج المكاشفات، فعَجَّل لكم هذه، هو مقام الفناء، وكفَّ أيدي القواطع عنكم، لتتوجهوا إلى مولاكم، لتكون عبرة للمؤمنين المتخلفين عن السير، يهتدون بهديكم، ويهديكم صراطاً مستقيماً: طريق الوصول إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، وأخرى لم تقدروا عليها في الدنيا، ادخرها لكم يوم القيامة، وهو المُقام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال الورتجبي: {لقد رضي الله عن المؤمنين} أي: رَضِيَ عنهم في الأزل، وسابق علم القدم، ويبقى رضاه إلى الأبد؛ لأن رضاه صفة الأزلية الباقية الأبدية، لا تتغير بتغيُّر الحدثان، ولا بالوقت والزمان، ولا بالطاعة والعصيان، فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد، لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالبشرية، ولا بالشهوات، لأن أهل الرضا محروسون برعايته، لا تجري عليهم نعوت أهل البُعد، وصاروا متصفين بوصف رضاه، فرضوا عنه كما رضي عنهم، قال تعالى:{أية : رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [المائدة: 119] وهذا بعد قذف نور الأنس في قلوبهم بقوله: {فأنزل السكينة عليهم} فسكنت قلوبهم إليه، واطمأنت به؛ لِتنزُّل اليقين. هـ. قلت: هذا لمَن تحققت محبوبيته ممن رسخت قدمه في شهود الحق، واطمأن به، وأما قبل هذا فالأمر مُبهم. قال اللجائي، في كتابه "قطب العارفين": وإياك أن تعتقد أنّ في الناس شرّاً منك، وإن كان عاصياً وأنت مطيع، فإنّ الأمر يحدث بعد الأمر، وسِرُّ الله تعالى في خلقه غامض، لا يُدرى مَن يبوء بالشقاوة، ولا مَن يفوز بالسعادة، وقد يتلقى العبدُ رضا الله تعالى بحسنة واحدة، ويتلقى سخطه بذنب واحد، فإنَّ أمر الله خفي في غموض المشيئة... الخ. ثم بشَّرهم بالنصر، فقال: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ}.

الجنابذي

تفسير : {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. اعلم، انّ رضا الله عن العبد ليس الاّ حين رضا العبد عن الله، وهل رضا العبد مقدّم او رضا الله؟ - الاخبار وكلمات الابرار فى ذلك مختلفة، ولعلّ اهل الشّهود منهم ما حقّقوا ذلك ولذلك اظهر بعضهم التّحيّر فيه وفى امثاله. والتّحقيق انّ هذه المسألة دوريّة بمعنى انّ ذكر الله او توبته او رضاه مقدّم بحسب مرتبةٍ منه على ما للعبد بحسب مرتبةٍ منه وما للعبد مقدّم على ما لله بحسب مرتبةٍ اخرى بل التّحقيق انّ ما للعبد عين ما لله لكن نسبته الى الله مقدّمة فى نفس الامر على نسبته الى العبد لكن اعتبار تلك النّسبة يختلف بحسب حال النّاظر، فمن كان نظره الى الله مقدّماً على نظره الى نفسه كما ورد عن علىٍّ (ع): ما رأيت شيئاً الاّ ورأيت الله قبله، كان نسبته الى الله مقدّمةً على نسبته الى العبد، ومن كان نظره الى نفسه مقدّماً على نظره الى الله كان نسبته الى العبد مقدّمة ً، ومن كان نظره اليهما على السّواء كان متحيّراً فى التّقديم والتّأخير والى هذين النّظرين اشير فى الخبر بقوله (ص): "حديث : ما رأيت شيئاً الاّ ورأيت الله بعده" تفسير : وبقوله (ص): "حديث : ما رأيت شيئاً الاّ ورأيت الله فيه" تفسير : ، وامّا من لم ير مثل المعتزلىّ الاّ نسبة الافعال والصّفات الى العباد فليس الكلام معه ولعلّ قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152] خطابٌ مع هؤلاء وهم اغلب العباد، وقوله: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان:30] خطابٌ مع الفرقة الاولى او تنبيهٌ للكلّ على انّ نسبة الاوصاف الى الله مقدّمة على نسبتها الى العباد {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} أتى باذ الّتى هى للماضى لانّ نزول الآية كان بعد وقوع الواقعة، وأتى بالمضارع بعدها للاشارة الى تكرّر الفعل فانّ البائعين فى ذلك اليوم كانوا كثيرين، وسبب رضا الله تعالى عنهم فى تلك البيعة انّهم لمّا خالفوا رسول الله (ص) وقاتلوا مع قريش وانهزموا هزيمةً منكرةً ندموا على مخالفتهم لرسول الله (ص) وتابوا الى الله واستغفروا رسوله وبايعوا معه عن صميم القلب ولم يكن لهم حين تلك البيعة انانيّةٌ اصلاً ولذلك صاروا مستحقّين لنزول السّكينة، وشرط عليهم الرّسول فى تلك البيعة ان لا يخالفوه ولا يخالفوا قوله وأمره، ولا ينكروا بعد ذلك عليه شيئاً فعله فانّهم بعد ما انهزموا ورحل رسول الله (ص) نحو المدينة ورجع الى التّنعيم فنزل تحت الشّجرة جاؤا اليه واظهروا النّدامة فاخذ منهم العهد والميثاق بذلك وكان اوّل من بايع رسول الله (ص) حينئذٍ عليّاً (ع) ولقد آخا رسول الله (ص) بين كلّ اثنين اثنين منهم وآخا بين نفسه وبين علىٍّ (ع) {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الصّدق والتّوبة والانابة فرضى بذلك عنهم {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} لانّهم خرجوا من انانيّاتهم والسّكينة الّتى هى صورة ملكوتيّة تدخل بيت قلب العبد اذا خرج من انانيّته كما قيل: "جو تو بيرون شوى او اندر آيد" وقد مضى فى آخر سورة البقرة وفى التّوبة بيانٌ للسّكينة {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} هو فتح خيبر.

فرات الكوفي

تفسير : {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة 18 } قال: حدثنا أحمد بن عيسى ومحمد قالا: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا أبو بلج قال: حدثنا حديث : عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عباس رضي الله عنه إذ جاءه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا هؤلاء. قال: وهو يومئذٍ صحيح [البصر. ب] قبل أن يذهب بصره قال: [بل. أ] أقوم معكم. فانتبذوا فلا ندري ما قالوا فجاء وهو ينفض ثوبه وهو يقول: أفٍ وتف وقعوا في رجل له عشر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لأبعثن رجلاً يحب الله ورسوله لا يخزيه الله أبداً، فاستشرف لها من استشرف فقال: أين علي؟ قالوا: هو في الرحى يطحن، قال: وما كان أحدكم ليطحن؟ فدعاه وهو أرمد فنفث في عينه وهز الراية ثلاثاً ثم دفعها إليه فجاء بصفية بنت حيي. وبعث أبا بكر بسورة التوبة فأرسل علياً خلفه فأخذها منه [فقال أبو بكر: أنزل الله على رسوله في شيئاً؟ قال: لا ولكن لا يؤدي عني إلا رجل هو مني وأنا منه. ب]. وقال لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. وجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي [ب، ر: وحامتي] فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة. [قال. أ، ر] [و. ب] شرى علي نفسه لبس ثوب النبي ثم أتى مكانه فجعل المشركون يرمونه كما [كانوا. ب، ر] يرمون رسول الله [ر: النبي. صلى الله عليه وآله وسلم. ب] وهم يحسبونه [ر: يحسبوه] النبي [ص. ب] قال: فجعل يتضور وجعلوا يستنكرون ذلك منه، وجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله - وهو يحسبه أنه نبي الله - فقال علي: إن رسول الله [أ، ب: الرسول] قد ذهب نحو بئر ميمون، فأدركه فاتبعه ودخل معه الغار فلما أصبح كشف عن رأسه قالوا: إنك للئيم (ظ) قد كنا نرمي صاحبك فلا يتضور قد استنكرنا ذلك منك. قال: وخرج الناس في غزوة تبوك فقال علي: أخرج معك؟ قال: لا. فبكى فقال [أ: قال]: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي. قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي فكان [ر، أ: لكان] يدخله وهو جنب وهو طريقه ليس له طريق غيره. قال: وأخذ بيد علي فقال: من كنت وليه [ر: مولاه] فهذا وليه [وقال: ر] اللهم وال من والاه وعاد من عاداه [وانصر من نصره واخذل من خذله. ب]. وقال ابن عباس رضي الله عنه: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فهل حدثنا بعد أنه [قد. أ، ب] سخط عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنقه - يعني: حاطباً - فقال [ر: قال]: وما يدريك [لعل الله] قد اطلع [فقال]: إعملوا ما شئتم - يعني أهل بدر- .

الأعقم

تفسير : {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} حديث : وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزل الحديبية بعث جواس بن أمية المخزومي رسولاً إلى أهل مكة، فهمّوا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي، فبعث عثمان بن عفان فخبّرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته، فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأحبس عندهم فأوجف أنهم قتلوه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا نبرح حتى نناجز القوم" ودعا الناس الى البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت سمرة، فبايعوه على الموت دونه وعلى أن لا يفروا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أنتم اليوم خير أهل الأرض" تفسير : وكان عدد المبايعين ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفاً وأربع مائة، وقيل: ألفاً وثلاثمائة، ثم أتى عثمان بالصلح فصالحهم وانصرف بعد أن نحر بالحديبية وحلق {فعلم ما في قلوبهم} من الإِخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوه عليه فأنزل الله السكينة أي الطمأنينة والأمر بسبب الصلح {وأثابهم فتحاً قريباً} قيل: هو خيبر عند انصرافهم من مكة {ومغانم كثيرة يأخذونها} هي مغانم خيبر وكانت أيضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم، وقيل: هو فتح مكة {وَعدكم الله مغانم كثيرة} يعني الفتوح إلى يوم القيامة فعجل لكم هذه قيل: خيبر، وقيل: هوازن، وقيل: هما {وكفَّ أيدي الناس عنكم} يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاؤوا لينصرونهم فقذف الله في قلوبهم الرعب، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح {ولتكون آية للمؤمنين} وغيرهم يعرفون بها أنهم من الله بمكان وانه نصرهم والفتح عليهم، وقيل: هزيمتكم وسلامتكم حجة للمؤمنين يعلمون أن الله ينصرهم ويحفظهم {ويهديكم صراطاً مستقيماً} أي يدلكم إلى الإِسلام وهو الطريق المستقيم، وقيل: ليزيدكم نصرة بفتح خيبر فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) رجع عن الحديبية إلى المدينة وأقام بها بقية ذا الحجة وبعضاً من محرم، ثم خرج إلى خيبر وفتح حصناً وصالح أهل فدك {وأخرى لم تقدروا عليها} أي وعدكم فتح بلاد أخرى، وقيل: وعدكم غنائم أخرى قيل: هو فارس والروم، عن ابن عباس والحسن: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : بشرهم بكنوز كسرى وقيصر" تفسير : وقيل: هو يوم حنين انهزم أصحابه فأيدهم الله بالملائكة، وقيل: فتح مكة، وقيل: ما فتحوا بعد ذلك إلى يوم القيامة {قد أحاط الله بها} يعني إحاطة القدرة أي أنه قادر عليها {وكان الله على كل شيء قديراً}.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ذكروا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كانت سمرة بايعناه تحتها. وكنا أربع عشرة مائة، وعمر آخذ بيده، فبايعناه كلنا غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره. [قال جابر: لم نبايع تحت شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية]. قال تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي أنهم صادقون {فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ}. تفسير الحسن: السكينة والوقار. وتفسير الكلبي: السكينة الطمأنينة. وتفسير مجاهد: هي من أمر الله كهيئة الريح. وقال بعضهم: ريح خجوج. قال تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} يعني فتح خيبر. قال تعالى: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} في نقمته {حَكِيمًا} في أمره.

اطفيش

تفسير : {لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية وهذا تشريف لهم وتسمى بيعة الرضوان لهذه الآية قال معقلل بن يسار لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة وكذا قال الزبير إنهم أربع عشرة مائة وكذا جابر بن عبدالله وروي عن سالم إنهم الف وخمسمائة وعن عبدالله بن أبّي في أنهم ألف وثلاثمائة قال جابر قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض قال ابن عمر تفرقوا في ظلال الشجر فاذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أبيّ أنظر ما شان الناس فوجدتهم يبايعون فبايعت ثم رجعت واخبرته فبايع ولا يشك عاقل ان من أحدث واصر لا يعمه الرضوان فالمراد الذين بايعوا وأوفوا قال بعض أصحابنا مثل من له ست بنين ثلاثة في الولاية فقال رجل ممن له ولاية أنا أتولى بني فلان اليس الكلام يتوجه الى الثلاثة الذين في الولاية دون غيرهم وهذا معنى الآية وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" تفسير : وفي رواية "حديث : الا صاحب الجمل الأحمر" تفسير : فقيل انه جد بن قيس المنافق من بني سلمة ورد بانه لم يبايع نعم قيل أنه بايع لكنه منافق وعلى أنه لم يبايع فالاستثناء منقطع وقيل إنه على ناقة لا على جمل ولم يحضرها عثمان وجعل صلى الله عليه وسلم يدا على يد وقال هذه يد عثمان وذلك انه ذهب من الحديبية الى مكة بامره صلى الله عليه وسلم وضع اليمنى على اليسرى وقال بعثت عثمان في حاجتكم الى مكة فهذه يميني له قال أصحابنا وهذا كذب عن النبي صلى الله عليه وسلم وان المبايعة لا تكون الا من بائع ومشتر وان عثمان زل عن بيعة الرضوان وقيل عددهم الف وخمسمائة وخمسة وعشرون {تَحْتَ الشَّجَرَةِ} هي سمرة وقيل سدرة قيل ذهبت بعد سنين وعن جابر بن عبدالله لو كنت ابصر اليوم لاريتكم مكانها وانطلق طارق بن عبدالرحمن ومر بقوم يصلون وقال ما هذا المسجد قالوا هذه شجرة الرضوان يعنون مكانها فاخبر ابن المسيب فقال بايع أبي وخرج في العام المستقبل فلم يقدر هو ومن معه عليها فاصحاب رسول الله لم يعلموها وانتم علمتموها فضحك ومر عمر بذلك المكان بعد ذهابها فقال اين كانت فكثر اختلافهم في موضعها فقال سيروا ذهبت الشجرة وسبب هذه البيعة انه صلى الله عليه وسلم بعث خراش بن أمية الخزاعي من الحديبية الى قريش على جمل يقال له الثعلب ليبلغ اشرافهم أنه جاء للعمرة والزيارة لا للحرب فعقروا الجمل ومنعهم الاحابيش من قتل حراش فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره فبعث عمر فقال يا رسول الله اخاف على نفسي ليس بمكة احد من بني عدي بن كعب وقد عاديت قريشا بغلظة فابعث عثمانا ابعثه الى أبي سفيان واشراف قريش فلقيه ابان بن سعيد بن العاص بعد دخول مكة أو قبله وأردفه على دابته واجاره حتى بلغ الرسالة وقال العظماء ان شئت فطف فقال لا حتى يطوف صلى الله عليه وسلم واحتسبوه فبلغ النبي والمسلمين انه قتل فدعا الناس ليبايعوه على القتال وقال بكير بن الاشج بايعوه على الموت وقال صلى الله عليه وسلم بل على ما استطعتم ثم اتى الخبر ان خبر قتله باطل والاحابيش جمع احبوش وهو الفوج من قبائل شتى يقال تحبشوا من كل قبيلة أي تجمعوا وقيل أحياء من الغارة انضموا الى بني ليث في الصحارية وقيل قريش بنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق وغيرهم تحالفوا تحت جبل يقال له حبش وقيل اسم واد بسافل مكة* {فَعَلِمَ} الفاء للاستئناف اي فهو عليم والعطف والترتيب الاخباري والمعطوف عليه (رضى) او (يبايعون) وانما لم يكن الترتيب في المعنى لان علم الله أزلي سابق نعم يصح في العطف على (يبايعون) الترتيب في المعنى باعتبار وجود ما في قلوبهم في فانه الازل عالم به أنه سيقع ولكن لم يقع الا في زمان وقوعاه فالعلم الموافق لوقوع ذلك بعد المبايعة فافهم وقد يقال مثل هذا في العطف على (رضى) {مَا فِي قُلوبِهِمْ} من الصدق والحرص في الدين {فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ} الثبات قال مجاهد هي من الله كهيئة الريح وعن بعضهم ريح خجوج وذلك بان شجعهم أو بالصلح {عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} جعله ثوابا عن انصرافهم من الحديبية بلا فتح وغنيمة فهو بعض ثوابهم ولهم الثواب الجزيل دنيا واخرى وقرئ (وآتاهم) والفتح القريب فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية رجع منها في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقبتها وأوائل محرم ثم عزا خيبرا بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم كثيرا وقال الحسن فتح هجر وقيل فتح مكة

الالوسي

تفسير : {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } وهم أهل الحديبية إلا جد بن قيس فإنه كان منافقاً ولم يبايع. وأصل هذه البيعة - وتسمى بيعة الرضوان لقول الله تعالى فيها: {لَّقَدْ رَضِيَ } الخ - أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية بعث خراشاً - بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وألف بعدها شين معجمة - ابن أمية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة وحمله على جمل له يقال له: الثعلب يُعْلِمهم أنه جاء معتمراً لا يريد قتالاً فلما أتاهم وكلمهم عقروا جمله وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى الرسول صلى الله عليه وسلم فدعا عمر رضي الله تعالى عنه ليبعثه فقال: يا رسول الله إن القوم قد عرفوا عداوتي لهم وغلظي عليهم وإني لا آمن وليس بمكة أحد من بني عدي يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وهم يحبونه وأنه يبلغ ما أردت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأت بقتال وإنما جئنا عُمَّاراً وادعهم إلى الإسلام وأمره عليه الصلاة والسلام أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله تعالى قريباً يظهر دينه بمكة فذهب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى قريش وكان قد لقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله عليها وأجاره فأتى قريشاً فأخبرهم فقالوا له إن شئت فطف بالبيت وأما دخولكم علينا فلا سبيل إليه فقال رضي الله تعالى عنه: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسوه فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل فقال عليه الصلاة والسلام: لا نبرح حتى نناجز القوم ونادى مناديه عليه الصلاة والسلام أَلا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه، قال جابر كما في «صحيح مسلم» وغيره: بايعناه صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قيل: على أي شيء تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت، وأخرج مسلم حديث : عن معقل بن يسار أنه كان آخذاً بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس. وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أبا سنان وهو وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن، وقيل: سنان بن أبـي سنان، وروى الأول البيهقي في «الدلائل» عن الشعبـي وأنه قال للنبـي عليه الصلاة والسلام: ابسط يدك أبايعك فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: علام تبايعني؟ قال: على ما في نفسكتفسير : . وفي حديث جابر الذي أخرجه مسلم أنه قال: بايعناه عليه الصلاة والسلام وعمر رضي الله تعالى عنه آخد بيده، ولعل ذلك ليس في مبدأ البيعة وإلا ففي «صحيح البخاري» عن نافع أن عمر رضي الله تعالى عنه يوم الحديبية أرسل ابنه عبد الله إلى / فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر رضي الله تعالى عنه يستلئم للقتال فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. حديث : وصح أنه صلى الله عليه وسلم ضرب بيده اليمنى على يده الأخرى وقال: هذه بيعة عثمان تفسير : ولما سمع المشركون بالبيعة خافوا لو بعثوا عثمان رضي الله تعالى عنه وجماعة من المسلمين. وكانت عدة المؤمنين ألفاً وأربعمائة على الأصح عند أكثر المحدثين ورواه البخاري عن جابر، وروي عن سعيد بن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة فقال لي سعيد: حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعه أبو داود. وروي أيضاً عن عبد الله بن أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة، وعند أبـي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع أنهم كانوا ألفاً وسبعمائة، وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفاً وستمائة، وحكى ابن سعد أنهم ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون، وجمع بين الروايات بأنها بناء على عد الجميع أو ترك الأصاغر والأتباع والأوساط أو نحو ذلك؛ وأما قول ابن إسحٰق: إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه لأنه قاله استنباطاً من قول جابر: تنحر البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير البدن مع أن بعضهم كأبـي قتادة لم يكن أحرم أصلاً. والشجرة كانت سمرة، والمشهور أن الناس كانوا يأتونها فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فأمر بقطعها خشية الفتنة بها لقرب الجاهلية وعبادة غير الله تعالى فيهم. وفي «الصحيحين» من حديث طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال: حدثني أبـي أنه كان ممن بايع رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت الشجرة قال: فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأيكم أعلم. والرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدى بنفسه وهو مع عن إنما يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا وما في الآية من هذا القسم، والمعنى الموجب للرضا فيها هو المبايعة، وإذا ذكر مع العين معنى الباء فقيل رضيت عن زيد بإحسانه كانت الباء للسببية وجاز أن تكون صلة وتتعين للسببية مع مقابله نحو سخطت عليه بإساءته وهو مع الباء نحو رضيت به يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى ليكون أبلغ فتقول رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله تعالى رباً وقاضياً، وإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو رضيت زيداً وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أن كله مرضي بتلك الخصلة، وفيه مبالغة، وجاز دخوله على المعنى كرضيت إمارة فلان، والأول أكثر استعمالاً، وإذا استعمل مع اللام تعدى بنفسه كقولك: رضيت لك التجارة، وفيه تجوز إما لجعل الرضا مجازاً عن الاستحماد وإما لأنك جعلت كونه مرضياً له بمنزلة كونه مرضياً لك مبالغة في أنه في نفسه مرضي محمود وأنك تختار له ما تختار لنفسك وهذا أبلغ. ثم هو في حق الحق تعالى شأنه محال عند الخلف قالوا: لأنه سبحانه لا تحدث له صفة عقيب أمر البتة، فهو عندهم مجاز إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده، وأما من أسماء الأفعال إذا فسر بالإثابة وكذا إذا أريد الاستحماد؛ وفي «البحر» أن العامل بإذ في الآية هو {رَضِيَ } وهو / هنا بمعنى إظهار النعم عليهم فهو صفة فعل لا صفة ذات ليتقيد بالزمان، وأنت تعلم أن السلف لا يؤولون مثل ذلك ويثبتونه له تعالى على الوجه اللائق به سبحانه ويصرفون الحدوث الذي يستدعيه التقييد بالزمان إلى التعلق، ثم إن تقييد الرضا بزمان المبايعة يشعر بعليتها له فلا حاجة إلى جعل (إذ) للتعليل. والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة المبايعة. وقوله سبحانه: {تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } إما متعلق بيبايعونك أو بمحذوف هو حال من مفعوله، وفي التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة وأنها لم تكن عن خوف منه عليه الصلاة والسلام ولذا استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شيء ويستتبع ما لا يكاد يخطر على بال ويكفي فيما ترتب على ذلك ما أخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة»تفسير : وقد قال عليه الصلاة والسلام ذلك عند حفصة فقالت: بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] فقال عليه الصلاة والسلام قد قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ نُنَجّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } تفسير : [مريم: 72]. وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : أنتم خير أهل الأرض» تفسير : فينبغي لكل من يدعي الإسلام حبهم وتعظيمهم والرضا عنهم وإن كان غير ذلك لا يضرهم بعد رضا الله تعالى عنهم، وعثمان منهم بل كان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم له رضي الله تعالى عنه ـ كما قال أنس ـ خيراً من أيديهم أنفسهم. {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي من الصدق والإخلاص في مبايعتهم، وروي نحو ذلك عن قتادة وابن جريج وعن الفراء، وقال الطبري ومنذر بن سعيد: من الإيمان وصحته وحب الدين والحرص عليه، وقيل: من الهم والأنفة من لين الجانب للمشركين وصلحهم، واستحسنه أبو حيان والأول عندي أحسن. وهو عطف على {يُبَايِعُونَكَ } لما عرفت من أنه بمعنى بايعوك، وجوز عطفه على {رّضِيَ } بتأويله بظهر علمه فيصير مسبباً عن الرضا مترتباً عليه {فَأنْزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } أي الطمأنينة والأمن وسكون النفس والربط على قلوبهم بالتشجيع، وقيل: بالصلح وليس بذاك، والظاهر أنه عطف على {عَلِم }. وفي «الإرشاد» أنه عطف على {رَضِيَ }، وظاهر كلام أبـي حيان الأول، وحيث استحسن تفسير ما في القلوب بما سمعت آنفاً قال: إن السكينة هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى، وقال مقاتل: فعلم الله ما في قلوبهم من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه صلى الله عليه وسلم على الموت فأنزل السكينة عليهم حتى بايعوا وتفسر {ٱلسَّكِينَةَ } بتذليل قلوبهم ورفع كراهة البيعة عنها، ولعمري إن الرجل لم يعرف للصحابة رضي الله تعالى عنهم حقهم وحمل كلام الله تعالى على خلاف ظاهره. {وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } قال ابن عباس وعكرمة وقتادة وابن أبـي ليلى وغيرهم: هو فتح خيبر وكان غب انصرافهم من الحديبية، وقال الحسن: فتح هجر، والمراد هجر البحرين وكان فتح في زمانه صلى الله عليه وسلم بدليل كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات والديات. وفي «صحيح البخاري» حديث : أنه صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين وأخذ الجزية من مجوس هجر تفسير : والفتح لا يستدعي سابقة الغزو كما علمت مما سبق في تفسيره فسقط قول الطيبـي معترضاً على الحسن: إنه لم يذكر أحد من الأئمة أنه صلى الله عليه وسلم غزا هجراً. نعم إطلاق الفتح على مثل ذلك قليل غير شائع بل قيل هو معنى مجازي له، وقيل: هو فتح مكة والقرب أمر نسبـي. وقرأ الحسن ونوح القاري {وآتاهم} أي أعطاهم.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس كله حديث عن المؤمنين، وحديث مع المؤمنين. مع تلك المجموعة الفريدة السعيدة التي بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة. والله حاضر البيعة وشاهدها وموثقها، ويده فوق أيديهم فيها. تلك المجموعة التي سمعت الله تعالى يقول عنها لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا}.. وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لها:"حديث : أنتم اليوم خير أهل الأرض ".. تفسير : حديث عنها من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحديث معها من الله سبحانه وتعالى: يبشرها بما أعد لها من مغانم كثيرة وفتوح؛ وما أحاطها به من رعاية وحماية في هذه الرحلة، وفيما سيتلوها؛ وفيما قدر لها من نصر موصول بسنته التي لا ينالها التبديل أبداً. ويندد بأعدائها الذين كفروا تنديداً شديداً. ويكشف لها عن حكمته في اختيار الصلح والمهادنة في هذا العام. ويؤكد لها صدق الرؤيا التي رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخول المسجد الحرام. وأن المسلمين سيدخلونه آمنين لا يخافون. وأن دينه سيظهر على الدين كله في الأرض جميعاً. ويختم الدرس والسورة بتلك الصورة الكريمة الوضيئة لهذه الجماعة الفريدة السعيدة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفتها في التوراة وصفتها في الإنجيل، ووعد الله لها بالمغفرة والأجر العظيم.. {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزاً حكيما}.. وإنني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن أستشرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين. أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون؛ وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم، عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود. وأحاول أن أستشعر بالذات شيئاً من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بآذانهم، أنهم هم، بأشخاصهم وأعيانهم، يقول الله عنهم. لقد رضي عنهم. ويحدد المكان الذي كانوا فيه، والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضى: {إذ يبايعونك تحت الشجرة}.. يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق، على لسان ربه العظيم الجليل.. يا لله! كيف تلقوا - أولئك السعداء - تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي؟ التبليغ الذي يشير إلى كل أحد، في ذات نفسه، ويقول له: أنت. أنت بذاتك. يبلغك الله. لقد رضي عنك. وأنت تبايع. تحت الشجرة! وعلم ما في نفسك. فأنزل السكينة عليك! إن الواحد منا ليقرأ أو يسمع {أية : الله ولي الذين آمنوا}تفسير : فيسعد. يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلاً في هذا العموم؟ ويقرأ أو يسمع: {أية : إن الله مع الصابرين}تفسير : فيطمئن. يقول في نفسه: ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون. واحداً واحداً. أن الله يقصده بعينه وبذاته. ويبلغه: لقد رضي عنه! وعلم ما في نفسه. ورضي عما في نفسه! يا لله! إنه أمر مهول! {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}.. {فعلم ما في قلوبهم. فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا}.. علم ما في قلوبهم من حمية لدينهم لا لأنفسهم. وعلم ما في قلوبهم من الصدق في بيعتهم. وعلم ما في قلوبهم من كظم لانفعالاتهم تجاه الاستفزاز، وضبط لمشاعرهم ليقفوا خلف كلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طائعين مسلمين صابرين. {فأنزل السكينة عليهم}.. بهذا التعبير الذي يرسم السكينة نازلة في هينة وهدوء ووقار، تضفي على تلك القلوب الحارة المتحمسة المتأهبة المنفعلة، برداً وسلاماً وطمأنينة وارتياحاً. {وأثابهم فتحاً قريباً}.. هو هذا الصلح بظروفه التي جعلت منه فتحاً، وجعلته بدء فتوح كثيرة. قد يكون فتح خيبر واحداً منها. وهو الفتح الذي يذكره أغلب المفسرين على أنه هو هذا الفتح القريب الذي جعله الله للمسلمين.. {ومغانم كثيرة يأخذونها}.. إما مع الفتح إن كان المقصود هو فتح خيبر. وإما تاليا له، إن كان الفتح هو هذا الصلح، الذي تفرغ به المسلمون لفتوح شتى. {وكان الله عزيزاً حكيماً}.. وهو تعقيب مناسب للآيات قبله. ففي الرضى والفتح والوعد بالغنائم تتجلى القوة والقدرة، كما تتجلى الحكمة والتدبير. وبهما يتم تحقيق الوعد الإلهي الكريم. وبعد ذلك التبليغ العلوي الكريم للرسول الأمين عن المؤمنين المبايعين يتجه بالحديث إلى المؤمنين أنفسهم. الحديث عن هذا الصلح، أو عن هذا الفتح، الذي تلقوه صابرين مستسلمين: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها، فعجَّل لكم هذه، وكف أيدي الناس عنكم، ولتكون آية للمؤمنين، ويهديكم صراطاَ مستقيماً. وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، وكان الله على كل شيء قديرا}.. وهذه بشرى من الله للمؤمنين سمعوها وأيقنوها، وعلموا أن الله أعد لهم مغانم كثيرة، وعاشوا بعد ذلك ما عاشوا وهم يرون مصداق هذا الوعد الذي لا يخلف. وهنا يقول لهم: إنه قد عجل لهم هذه. وهذه قد تكون صلح الحديبية - كما روي عن ابن عباس - لتأكيد معنى أنه فتح ومغنم. وهو في حقيقته كذلك كما أسلفنا من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن وقائع الحال الناطقة بصدق هذا الاعتبار. كما أنها قد تكون فتح خيبر - كما روي عن مجاهد - باعتبار أنها أقرب غنيمة وقعت بعد الحديبية. والأول أقرب وأرجح. ويمن الله عليهم بأنه كف أيدي الناس عنهم. وقد كف الله عنهم أيدي المشركين من قريش كما كف أيدي سواهم من أعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر. وهم قلة على كل حال، والناس كثرة. ولكنهم وفوا ببيعتهم، ونهضوا بتكاليفهم، فكف الله أيدي الناس عنهم، وأمنهم. {ولتكون آية للمؤمنين}.. هذه الوقعة التي كرهوها في أول الأمر، وثقلت على نفوسهم. فالله ينبئهم أنها ستكون آية لهم، يرون فيها عواقب تدبير الله لهم. وجزاء طاعتهم لرسول الله واستسلامهم. مما يثبت في نفوسهم أنها شيء عظيم، وخير جزيل، ويلقي السكينة في قلوبهم والاطمئنان والرضى واليقين. {ويهديكم صراطاً مستقيماً}.. جزاء طاعتكم وامتثالكم وصدق سريرتكم. وهكذا يجمع لهم بين المغنم ينالونه، والهداية يرزقونها. فيتم لهم الخير من كل جانب. في كل جانب. في الأمر الذي كرهوه واستعظموه. وهكذا يعلمهم أن اختيار الله لهم هو الاختيار؛ ويربي قلوبهم على الطاعة المطلقة والامتثال. كذلك يمن عليهم ويبشرهم بأخرى غير هذه. لم يقدروا عليها بقوتهم، ولكن الله تولاها عنهم بقدرته وتقديره: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، وكان الله على كل شيء قديرا}.. وتختلف الروايات في هذه الأخرى. أهي فتح مكة؟ أهي فتح خيبر؟ أهي فتوح مملكتي كسرى وقيصر؟ أهي فتوح المسلمين التي تلت هذه الوقعة جميعاً؟ وأقرب ما يناسب السياق أن تكون هي فتح مكة. بعد صلح الحديبية وبسبب من هذا الصلح. الذي لم يدم سوى عامين، ثم نقضه المشركون، ففتح الله مكة للمسلمين بلا قتال تقريباً. وهي التي استعصت عليهم من قبل، وهاجمتهم في عقر دارهم، وردتهم عام الحديبية. ثم أحاط الله بها، وسلمها لهم بلا قتال - {وكان الله على كل شيء قديراً}.. فهذه بشرى ملفوفة في هذا الموضع، لم يحددها لأنها كانت عند نزول هذه الآية غيباً من غيب الله. أشار إليه هذه الإشارة لبث الطمأنينة والرضى والتطلع والاستبشار. وبمناسبة هذه الإشارة إلى الغنيمة الحاضرة، والغنيمة التي قد أحاط الله بها، وهم في انتظارها، يقرر لهم أنهم منصورون؛ وأن الصلح في هذا العام لم يكن لأنهم ضعاف. أو لأن المشركين أقوياء. ولكنه تم لحكمة يريدها. ولو قاتلهم الذين كفروا لهزموا. فتلك سنة الله حيثما التقى المؤمنون والكافرون في موقعة فاصلة: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار، ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً. سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا}.. وهكذا يربط نصرهم وهزيمة الكفار بسنته الكونية الثابتة التي لا تتبدل. فأية سكينة؟ وأية ثقة؟ وأي تثبيت يجده أولئك المؤمنون في أنفسهم؛ وهم يسمعون من الله أن نصرهم وهزيمة أعدائهم سنة من سننه الجارية في هذا الوجود؟ وهي سنة دائمة لا تتبدل. ولكنها قد تتأخر إلى أجل. ولأسباب قد تتعلق باستواء المؤمنين على طريقهم واستقامتهم الاستقامة التي يعرفها الله لهم. أو تتعلق بتهيئة الجو الذي يولد فيه النصر للمؤمنين والهزيمة للكافرين، لتكون له قيمته وأثره. أو لغير هذا وذلك مما يعلمه الله. ولكن السنة لا تتخلف. والله أصدق القائلين: { ولن تجد لسنة الله تبديلا}... كذلك يمن عليهم بكف أيدي المشركين عنهم، وكف أيديهم عن المشركين من بعد ما أظفرهم على من هاجموهم. مشيراً إلى ذلك الحادث الذي أراد أربعون من المشركين أو أكثر أو أقل أن ينالوا من معسكر المسلمين. فأخذوا وعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وهو الذي كف أيديهم عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة. من بعد أن أظفركم عليهم. وكان الله بما تعملون بصيراً}.. وهو حادث وقع، يعرفه السامعون؛ والله يذكره لهم في هذا الأسلوب، ليرد كل حركة وكل حادث وقع لهم إلى تدبيره المباشر؛ وليوقع في قلوبهم هذا الإحساس المعين بيد الله سبحانه وهي تدبر لهم كل شيء، وتقود خطاهم، كما تقود خواطرهم، ليسلموا أنفسهم كلها لله، بلا تردد ولا تلفت، ويدخلوا بهذا في السلم كافة، بكل مشاعرهم وخواطرهم، واتجاههم ونشاطهم؛ موقنين أن الأمر كله لله، وأن الخيرة ما اختاره الله، وأنهم مسيرون بقدره ومشيئته فيما يختارون وفيما يرفضون. وأنه يريد بهم الخير. فإذا استسلموا له تحقق لهم الخير كله من أيسر طريق. وهو بصير بهم، ظاهرهم وخافيهم، فهو يختار لهم عن علم وعن بصر. ولن يضيعهم، ولن يضيع عليهم شيئاً يستحقونه: {وكان الله بما تعملون بصيراً}.. ثم يحدثهم عن خصومهم، من هم في ميزان الله؟ وكيف ينظر إلى أعمالهم وصدهم للمؤمنين عن بيته الحرام. وكيف ينظر إليهم هم عكس ما ينظر إلى خصومهم المعتدين: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام، والهدي معكوفاً أن يبلغ محله، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم، أن تطئوهم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء. لو تَزَيَّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما. إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية؛ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شيء عليما} هم في ميزان الله واعتباره، الكافرون حقاً، الذين يستحقون هذا الوصف الكريه: {هم الذين كفروا}.. يسجله عليهم كأنهم متفردون به، عريقون في النسبة إليه، فهم أكره شيء إلى الله الذي يكره الكفر والكافرين! كذلك يسجل عليهم فعلهم الكريه الآخر، وهو صدهم للمؤمنين عن المسجد الحرام، وصد الهدي وتركه محبوساً عن الوصول إلى محل ذبحه المشروع: {وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله}.. وهي كبيرة في الجاهلية وفي الإسلام. كبيرة في الأديان كلها التي يعرفونها في الجزيرة من لدن أبيهم إبراهيم. كريهة في عرفهم وفي عقيدتهم وفي عقيدة المؤمنين.. فلم يكن إذن كف الله للمؤمنين عنهم بقيا عليهم لأن جرمهم صغير. كلا! إنما كان ذلك لحكمة أخرى يتلطف الله سبحانه فيكشف عنها للمؤمنين: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم، أن تطئوهم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم}.. فلقد كان هنالك بعض المستضعفين من المسلمين في مكة لم يهاجروا، ولم يعلنوا إسلامهم تقية في وسط المشركين. ولو دارت الحرب، وهاجم المسلمون مكة، وهم لا يعرفون أشخاصهم، فربما وطأوهم وداسوهم وقتلوهم. فيقال: إن المسلمين يقتلون المسلمين! ويلزمون بدياتهم حين يتبين أنهم قتلوا خطأ وهم مسلمون.. ثم هنالك حكمة أخرى وهي أن الله يعلم أن من بين الكافرين الذين صدوهم عن المسجد الحرام، من قسمت له الهداية، ومن قدر له الله الدخول في رحمته، بما يعلمه من طبيعته وحقيقته؛ ولو تميز هؤلاء وهؤلاء لأذن الله للمسلمين في القتال، ولعذب الكافرين العذاب الأليم: {ليدخل الله في رحمته من يشاء. لو تَزَيَّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما}.. وهكذا يكشف الله للجماعة المختارة الفريدة السعيدة عن جانب من حكمته المغيبة وراء تقديره وتدبيره. ويمضي في وصف الذين كفروا. وصف نفوسهم من الداخل. بعد تسجيل صفتهم وعملهم الظاهر: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية}.. حمية لا لعقيدة ولا منهج. إنما هي حمية الكبر والفخر والبطر والتعنت. الحمية التي جعلتهم يقفون في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، يمنعونهم من المسجد الحرام، ويحبسون الهدي الذي ساقوه، أن يبلغ محله الذي ينحر فيه. مخالفين بذلك عن كل عرف وعن كل عقيدة. كي لا تقول العرب، إنه دخلها عليهم عنوة. ففي سبيل هذه النعرة الجاهلية يرتكبون هذه الكبيرة الكريهة في كل عرف ودين؛ وينتهكون حرمة البيت الحرام الذي يعيشون على حساب قداسته؛ وينتهكون حرمة الأشهر الحرم التي لم تنتهك في جاهلية ولا إسلام! وهي الحمية التي بدت في تجبيههم لكل من أشار عليهم - أول الأمر - بخطة مسالمة، وعاب عليهم صدّ محمد ومن معه عن بيت الله الحرام. وهي كذلك التي تبدت في رد سهيل بن عمرو لاسم الرحمن الرحيم، ولصفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أثناء الكتابة. وهي كلها تنبع من تلك الجاهلية المتعجرفة المتعنتة بغير حق. وقد جعل الله الحمية في نفوسهم على هذا النحو الجاهلي، لما يعلمه في نفوسهم من جفوة عن الحق والخضوع له. فأما المؤمنون فحماهم من هذه الحمية. وأحل محلها السكينة، والتقوى: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وألزمهم كلمة التقوى. وكانوا أحق بها وأهلها}.. والسكينة الوقورة الهادئة، كالتقوى المتحرجة المتواضعة كلتاهما تليق بالقلب المؤمن الموصول بربه، الساكن بهذه الصلة. المطمئن بما فيه من ثقة. المراقب لربه في كل خالجة وكل حركة، فلا يتبطر ولا يطغى؛ ولا يغضب لذاته، إنما يغضب لربه ودينه. فإذا أمر أن يسكن ويهدأ خشع وأطاع. في رضى وطمأنينة. ومن ثم كان المؤمنون أحق بكلمة التقوى، وكانوا أهلها. وهذا ثناء آخر من ربهم عليهم. إلى جانب الامتنان عليهم بما أنزل على قلوبهم من سكينة، وما أودع فيها من تقوى. فهم قد استحقوها في ميزان الله، وبشهادته؛ وهو تكريم بعد تكريم، صادر عن علم وتقدير: {وكان الله بكل شيء عليماً}.. ولقد مر بنا أن بعض المؤمنين الذين خرجوا مستبشرين برؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد هالهم ألا تتحقق الرؤيا هذا العام؛ وأن يردوا عن المسجد الحرام. فالله يؤكد لهم صدق هذه الرؤيا، وينبئهم أنها منه، وأنها واقعة ولا بد. وأن وراءها ما هو أكبر من دخول المسجد الحرام أيضاً: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق: لتدخلن المسجد الحرام ـ إن شاء الله ـ آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون. فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا}.. فأما البشرى الأولى. بشرى تصديق رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخولهم المسجد الحرام آمنين، وتحليقهم وتقصيرهم بعد انتهاء شعائر الحج أو العمرة، لا يخافون.. فأما هذه فقد تحققت بعد عام واحد. ثم تحققت بصورة أكبر وأجلى بعد عامين اثنين من صلح الحديبية. إذ تم لهم فتح مكة، وغلبة دين الله عليها. ولكن الله سبحانه يؤدب المؤمنين بأدب الإيمان؛ وهو يقول لهم: {لتدخلن المسجد الحرام - إن شاء الله ـ}.. فالدخول واقع حتم، لأن الله أخبر به. ولكن المشيئة يجب أن تظل في نفوس المسلمين في صورتها الطليقة لا يقيدها شيء، حتى تستقر هذه الحقيقة في القلوب، وتصبح هي قاعدة التصور للمشيئة الإلهية. والقرآن يتكئ على هذا المعنى، ويقرر هذه الحقيقة، ويذكر هذا الاستثناء في كل موضع، حتى المواضع التي يذكر فيها وعد الله. ووعد الله لا يخلف. ولكن تعلق المشيئة به أبداً طليق. إنه أدب يلقيه الله في روع المؤمنين، ليستقر منهم في أعماق الضمير والشعور. ونعود إلى قصة تحقيق هذا الوعد؛ فقد ذكرت الروايات أنه لما كان ذو القعدة من سنة سبع - أي العام التالي لصلح الحديبية - خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة معتمراً هو وأهل الحديبية. فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي - كما وأحرم وساق الهدي في العام قبله - وسار أصحابه يلبون. فلما كان - صلى الله عليه وسلم - قريباً من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رعبوا رعباً شديداً، وظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة. فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن ياجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قُرُبها كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص، فقال: يا محمد، ما عرفناك تنقض العهد. فقال - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : وما ذاك؟" تفسير : قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لم يكن ذلك، وقد بعثنا به إلى ياجج"تفسير : فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء! وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى أصحابه - رضي الله عنهم - غيظاً وحنقاً. وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. فدخلها - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام الناقة يقودها. وهكذا صدقت رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحقق وعد الله. ثم كان الفتح في العام الذي يليه. وظهر دين الله في مكة. ثم ظهر في الجزيرة كلها بعد. ثم تحقق وعد الله وبشراه الأخيرة حيث يقول: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا}.. فلقد ظهر دين الحق، لا في الجزيرة وحدها، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها قبل مضي نصف قرن من الزمان. ظهر في امبراطورية كسرى كلها، وفي قسم كبير من امبراطورية قيصر، وظهر في الهند وفي الصين، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها، وفي جزر الهند الشرقية (أندونيسيا).. وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي. وما يزال دين الحق ظاهراً على الدين كله - حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوربا وجزر البحر الأبيض. وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان. أجل ما يزال دين الحق ظاهراً على الدين كله، من حيث هو دين. فهو الدين القوي بذاته، القوي بطبيعته، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله! لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصيلة؛ ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدم، وحاجات البيئات المتنوعة، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات السحاب! وما من صاحب دين غير الإسلام، ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة.. {وكفى بالله شهيداً}.. فوعد الله قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية. ووعد الله ما يزال متحققاً في الصورة الموضوعية الثابتة؛ وما يزال هذا الدين ظاهراً على الدين كله في حقيقته. بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادراً على العمل، والقيادة، في جميع الأحوال. ولعل أهل هذا الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم! فغير أهله يدركونها ويخشونها، ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب! والآن نجيء إلى ختام السورة. ختامها بتلك الصورة الوضيئة التي يرسمها القرآن لواقع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك الثناء الكريم على تلك الجماعة الفريدة السعيدة التي رضي الله عنها، وبلغها رضاه فرداً فرداً: {محمد رسول الله. والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم رُكَّعاً سُجَّداً، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه، فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه، يعجب الزراع، ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما}. إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع. صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة، حالاتها الظاهرة والمضمرة. فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم: {تراهم ركعاً سجداً}.. ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً}.. ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}.. {ذلك مثلهم في التوراة}.. وهذه صفتهم فيها.. ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل.. {كزرع أخرج شطأه} {فآزره}.. {فاستغلظ} {فاستوى على سوقه}. {يعجب الزراع}..: {ليغظ بهم الكفار}.. وتبدأ الآية بإثبات صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - صفته التي أنكرها سهيل بن عمرو ومن وراءه من المشركين: {محمد رسول الله}.. ثم ترتسم تلك الصورة الوضيئة بذلك الأسلوب البديع. والمؤمنون لهم حالات شتى. ولكن اللقطات تتناول الحالات الثابتة في حياتهم، ونقط الارتكاز الأصيلة في هذه الحياة. وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة.. وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات، وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها. التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة. إرادة التكريم واضحة، وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم}.. أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم، ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعاً. رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين. فهي الشدة لله والرحمة لله. وهي الحمية للعقيدة، والسماحة للعقيدة. فليس لهم في أنفسهم شيء، ولا لأنفسهم فيهم شيء. وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها. يشتدون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها. قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله، والوشيجة التي تربطهم بالله. وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم، هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة: {تراهم ركعاً سجداً}.. والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم. ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة، وهي الحالة الأصيلة لهم في حقيقة نفوسهم؛ فعبر عنها تعبيراً يثبتها كذلك في زمانهم، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعاً سجداً. واللقطة الثالثة مثلها. ولكنها لقطة لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم: {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً}.. فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة. كل ما يشغل بالهم، وكل ما تتطلع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه. ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به. واللقطة الرابعة تثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم، ونضحها على سماتهم: {سيماهم في وجوهم من أثر السجود}.. سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف. وليست هذه السيما في النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله: {من أثر السجود}.. فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة. واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها. فهو أثر هذا الخشوع. أثره في ملامح الوجه، حيث تتوراى الخيلاء والكبرياء والفراهة. ويحل مكانها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلاً. وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه اللقطات ليست مستحدثة. إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر، ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة: {ذلك مثلهم في التوارة}.. وصفتهم التي عرفهم الله بها في كتاب موسى، وبشر الأرض بما قبل أن يجيئوا إليها. {ومثلهم في الإنجيل}.. وصفتهم في بشارته بمحمد ومن معه، أنهم: {كزرع أخرج شطأه}.. فهو زرع نام قوي، يخرج فرخه، من قوته وخصوبته. ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده. {فآزره}. أو أن العود آزر فرخه فشده. {فاستغلظ} الزرع وضخمت ساقه وامتلأت. {فاستوى على سوقه} لا معوجا ومحنيا. ولكن مستقيماً قوياً سوياً.. هذه صورته في ذاته. فأما وقعه في نفوس أهل الخبرة في الزرع، العارفين بالنامي منه والذابل. المثمر منه والبائر. فهو وقع البهجة والإعجاب: {يعجب الزراع}. وفي قراءة يعجب "الزارع".. وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب هذا الزرع النامي القوي المخصب البهيج.. وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس. فهو وقع الغيظ والكمد: {ليغيظ بهم الكفار}.. وتعمد إغاظة الكفار يوحي بأن هذه الزرعة هي زرعة الله. أو زرعة رسوله، وأنهم ستار للقدرة وأداة لإغاظة أعداء الله! وهذا المثل كذلك ليس مستحدثاً، فهو ثابت في صفحة القدر. ومن ثم ورد ذكره قبل أن يجيء محمد ومن معه إلى هذه الأرض. ثابت في الإنجيل في بشارته بمحمد ومن معه حين يجيئون. وهكذا يثبت الله في كتابه الخالد صفة هذه الجماعة المختارة.. صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فتثبت في صلب الوجود كله، وتتجاوب بها أرجاؤه، وهو يتسمع إليها من بارئ الوجود. وتبقى نموذجاً للأجيال، تحاول أن تحققها، لتحقق معنى الإيمان في أعلى الدرجات. وفوق هذا التكريم كله، وعد الله بالمغفرة والأجر العظيم: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً}.. وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة بعدما تقدم من صفتهم، التي تجعلهم أول الداخلين في هذه الصيغة العامة. مغفرة وأجر عظيم.. وذلك التكريم وحده حسبهم. وذلك الرضى وحده أجر عظيم. ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود، والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ. ومرة أخرى أحاول من وراء أربعة عشر قرناً أن أستشرف وجوه هؤلاء الرجال السعداء وقلوبهم. وهم يتلقون هذا الفيض الإلهي من الرضى والتكريم والوعد العظيم. وهم يرون أنفسهم هكذا في اعتبار الله، وفي ميزان الله، وفي كتاب الله. وأنظر إليهم وهم عائدون من الحديبية، وقد نزلت هذه السورة، وقد قرئت عليهم. وهم يعيشون فيها بأرواحهم وقلوبهم ومشاعرهم وسماتهم. وينظر بعضهم في وجوه بعض فيرى أثر النعمة التي يحسها هو في كيانه. وأحاول أن أعيش معهم لحظات في هذا المهرجان العلوي الذي عاشوا فيه.. ولكن أنى لبشر لم يحضر هذا المهرجان أن يتذوقه. إلا من بعيد؟! اللهم إلا من يكرمه الله إكرامهم: فيقرب له البعيد؟! فاللهم إنك تعلم أنني أتطلع لهذا الزاد الفريد!!!

ابن عاشور

تفسير : عود إلى تفصيل ما جازى الله به أصحاب بيعة الرضوان المتقدم إجماله في قوله: {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}تفسير : [الفتح: 10]، فإن كون بيعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر بيعة لله تعالى أوْمأ إلى أن لهم بتلك المبايعة مكانة رفيعة من خير الدنيا والآخرة، فلما قطع الاسترسال في ذلك بما كان تحذيراً من النكث وترغيباً في الوفاء، بمناسبة التضاد وذكر ما هو وسط بين الحالين وهو حال المخلَّفين، وإبطال اعتذارهم وكشف طويتهم، وإقصائهم عن الخير الذي أعده الله للمبايعين وأرجائهم إلى خير يسنح من بعدُ إن هم صدقوا التوبة وأخلصوا النية. فقد أنال الله المبايعين رضوانَه وهو أعظم خير في الدنيا والآخرة قال تعالى: {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72] والشهادة لهم بإخلاص النية، وإنزاله السكينة قلوبهم ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة. وفي قوله: {عن المؤمنين إذ يبايعونك} إيذان بأن من لم يبايع ممن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس حينئذٍ بمؤمن وهو تعريض بالجدّ بن قيس إذ كان يومئذٍ منافقاً ثم حَسن إسلامه. وقد دعيت هذه البيعة بيعةَ الرضوان من قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}. و {إذ يبايعونك} ظرف متعلّق بــ {رضي}، وفي تعليق هذا الظرف بفعل الرضى ما يفهم أن الرضى مسبب عن مفاد ذلك الظرف الخاص بما أضيف هو إليه، مع ما يعطيه توقيت الرضى بالظرف المذكور من تعجيل حصول الرضى بحدثان ذلك الوقت، ومع ما في جعل الجملة المضاف إليها الظرفُ فِعليةً مضارعيّةً من حصول الرضى قبل انقضاء الفعل بل في حال تجدده. فالمضارع في قوله {يبايعونك} مستعمل في الزمان الماضي لاستحضار حالة المبايعة الجليلة، وكون الرضى حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها، فقد علمت أن السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية. والتعريف في {الشجرة} تعريف العهد وهي: الشجرة التي عهدها أهل البيعة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلها، وهي شجرة من شجر السَّمُر (بفتح السين المهملة وضم الميم) وهو شجر الطلح. وقد تقدم أن البيعة كانت لما أُرجف بقتل عثمان بن عفان بمكة. فعن سلمة بن الأكوع وعبد الله بن عمر، يزيدُ أحدهما على الآخر «بينما نحن قائلون يوم الحديبية وقد تفرق الناس في ظلال الشجر إذ نادى عمر بن الخطاب: أيّها الناس البيعةَ البيعةَ، نَزَل روحُ القدُس فاخرُجوا على اسم الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي دعا الناس إلى البيعة فثار الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه كلهم إلا الجدَّ بن قيس». وعن جابر بن عبد الله بعدَ أن عمي "لو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة". وتواتر بين المسلمين علم مكان الشجرة بصلاة الناس عند مكانها. وعن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل (أي في عمرة القضية) نسيناها فلم نقدر عليها. وعن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسولُ الله بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم أفأنتم أعلم». والمراد بقول طارق: ما هذا المسجد: مكانُ السجود، أي الصلاة، وليس المراد البيت الذي يبني للصلاة لأن البناء على موضع الشجرة وقع بعد ذلك الزمن فهذه الشجرة كانت معروفة للمسلمين وكانوا إذا مروا بها يصلون عندها تيمنا بها إلى أن كانت خلافة عمر فأمر بقطعها خشية أن تكون كذاتِ أنواط التي كانت في الجاهلية، ولا معارضة بين ما فعله المسلمون وبين ما رواه سعيد بن المسيب عن أبيه أنه وبعض أصحابه نسوا مكانها لأن الناس متفاوتون في توسُّم الأمكنة واقتفاء الآثار. والمروي أن الذي بنى مسجداً على مكان الشجرة أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي ولكن في المسجد المذكور حجر مكتوب فيه «أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله ببناء هذا المسجد مسجد البيعة وأنه بني سنة أربع وأربعين ومائتين، وهي توافق مدة المتوكّل جعفر بن المعتصم وقد تخرب فجدده المستنصر العباسي سنة 629 ثم جدده السلطان محمود خان العثماني سنة 1254 وهو قائم إلى اليوم. وذكر {تحت الشجرة} لاستحضار تلك الصورة تنويهاً بالمكان فإن لذكر مواضع الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع تصوراً ولما في تلك الحوادث من ذكرى مثل مواقع الحروب والحوادث كقول عبد الله بن عباس «ويوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه» الحديث. ومواقع المصائب وأيامها. و {إذ} ظرف يتعلق بفعل {رضي}، أي رضي الله عنهم في ذلك الحين. وهذا رضى خاص، أي تعلّق رضى الله تعالى عنهم بتلك الحالة. والفاء في قوله: {فعلم ما في قلوبهم} ليست للتعقيب لأن علم الله بما في قلوبهم ليس عقب رضاه عنهم ولا عقب وقوع بيعتهم فتعين أن تكون فاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر بعدها. والتقدير: فلما بايعوك علم ما في قلوبهم من الكآبة، ويجوز أن تكون الفاء لتفريع الأخبار بأن الله علم ما في قلوبهم بعد الإخبار برضى الله عنهم لما في الإخبار بعلمه ما في قلوبهم من إظهار عنايته بهم. ويجوز أن يكون المقصود من التفريع قوله: {فأنزل السكينة عليهم} ويكون قوله: {فعلم ما في قلوبهم} توطئة له على وجه الاعتراض. والمعنى: لقد رضي الله عن المؤمنين من أجل مبايعتهم على نصرك فلما بايعوا وتحفزوا لقتال المشركين ووقع الصلح حصلت لهم كآبة في نفوسهم فأعلمهم الله أنه اطلع على ما في قلوبهم من تلك الكآبة، وهذا من علمه الأشياء بعد وقوعها وهو من تعلق علم الله بالحوادث بعد حدوثها، أي علمه بأنها وقعت وهو تعلق حادث مثل التعلقات التنجيزية. والمقصود بإخبارهم بأن الله علم ما حصل في قلوبهم الكآبة عن أنه قَدَر ذلك لهم وشكرهم على حبهم نصر النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل ولذلك رتب عليه قوله: {فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً}. والسكينة هنا هي: الطمأنينة والثقة بتحقيق ما وعدهم الله من الفتح والارتياض على ترقبه دون حسرة فترتب على علمه ما في قلوبهم إنزاله السكينة عليهم، أي على قلوبهم فعبر بضميرهم عوضاً عن ضمير {قلوبهم} لأن قلوبهم هي نفوسهم. وعطف {أثابهم} على فعل {رضي اللَّه}. ومعنى أثابهم: أعطاهم ثواباً، أي عوضاً، كما يقال في هبة الثواب، أي عوضهم عن المبايعة بفتح قريب. والمراد: أنه وعدهم بثواب هو فتح قريب ومغانم كثيرة، ففعل {أثابهم} مستعمل في المستقبل. وهذا الفتح هو فتح خيبر فإنه كان خاصاً بأهل الحديبية وكان قريباً من يوم البيعة بنحو شهر ونصف. والمغانم الكثيرة المذكورة هنا هي: مغانم أرض خيبر والأنعام والمتاع والحوائط فوصفت بــ {كثيرة} لتعدّد أنواعها وهي أول المغانم التي كانت فيها الحوائط. وفائدة وصف المغانم بجملة {يأخذونها} تحقيق حصول فائدة هذا الوعد لجميع أهل البيعة قبل أن يقع بالفعل ففيه زيادة تحقيق لكون الفتح قريباً وبشارةٌ لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل رؤية هذا الفتح. وجملة {وكان اللَّه عزيزاً حكيماً} معترضة، وهي مفيدة تذييل لجملة {وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها} لأن تيسير الفتح لهم وما حصل لهم فيه من المغانم الكثيرة من أثر عزة الله التي لا يتعاصى عليها شيء صعب، ومن أثر حكمته في ترتيب المسببات على أسبابها في حالة ليظن الرائي أنها لا تيسّر فيها أمثالها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لقد رضي الله عن المؤمنين: أي الراسخين في الإِيمان الأقوياء فيه وهم أهل بيعة الرضوان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ يبايعونك: أي بالحديبية أيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. تحت الشجرة: أي سمرة وهم ألف وأربعمائة بايعوا على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا. فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم: أي علم الله ما في قلوبهم من الصدق والوفاء فأنزل الطمأنينة والثبات على ما هم عليه. وأثابهم فتحاً قريبا: أي هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية في ذي الحجة. وفي آخر المحرم من سنة سبع غزوا خيبر ففتحها الله تعالى عليهم. ومغانم كثيرة يأخذونها: أي من خيبر. وكان الله عزيزا حكيما: أي كان وما زال تعالى عزيزا غالبا حكيما في تصريفه شؤون عباده. معنى الآيتين: قوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين هذا إخبار منه تعالى برضاه عن المؤمنين الكاملين في إيمانهم وهم ألف وأربعمائة الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم تحت شجرة سمرة إلاّ الجد بن قيس الأنصاري فإِنه لم يبايع حيث كان لاصقا بإِبط ناقته مختبئا عن أعين الأصحاب وكان منافقا ومات على ذلك لا قرت له عين. وسبب هذه البيعة كما ذكره غير واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أُمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له "وهو الاعتمار" وذلك حين نزل الحديبية. فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فرَقٌ من شتى القبائل يُقال لهم الأحابيش واحدهم أحبوش يقال لهم اليوم: اللفيف الأجنبي عبارة عن جيش أفراده من شتى البلاد والدول. فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليهم، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظّما لحرمته فراح عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته فحمله بين يديه ثم ردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان قتل. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم عندئذ لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، هذا معنى قوله تعالى {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي من الصدق والوفاء فأنزل السكينة أي الطمأنينة والثبات عليهم وأثابهم أي جزاهم على صدقهم ووفائهم فتحا قريبا هو صلح الحديبية وفتح خيبر، ومغانم كثيرة يأخذونها وهي غنائم خيبر، وكان الله عزيزا أي غالبا على أمره، حكيما في تدبيره لأوليائه. هداية الآيتين: من هداية الآيات: 1- بيان فضل أهل بيعة الرضوان وكرامة الله لهم برضاه عنهم. 2- ذكاء عمر وقوة فراسته إذ أمر بقطع الشجرة خشية أن تعبد، وكم عبدت من أشجار في أمة الإِسلام في غيبة العلماء وأهل القرآن. 3- مكافأة الله تعالى للصادقين الصابرين المجاهدين من عباده المؤمنين بخير الدنيا والآخرة.

القطان

تفسير : تحت الشجرة: وهي شجرة طلح كانت هناك، وهى المعروفة بالسَمُرة، بايع المؤمنون تحت ظلها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. السّكينة: الطمأنينة، والأمن وسكون النفس. فتحاً قريبا: فتح خيبر، وقد حصل بعد انصرافهم من الحديبية. مغانم كثيرة: مغانم خيبر. لتكون آية للمؤمنين: وذلك علامة صدق الرسول الكريم، وحياطة من الله لرسوله وللمؤمنين، وليوقنَ المؤمنون الذين سيأتون ان رعايته تعالى ستعمُّهم أيضاً ما داموا على التقوى والصلاح. وأخرى لم تقدروا عليها: هي ما فتح الله على المسلمين فيما بعد من دولتي فارس والروم. احاط الله بها: حفظها الله لكم. بعد ان بين الله حال المتخلفين فيما تقدم، عاد الى بيان حال المبايعين الذين ذكرهم بقوله تعالى في اول السورة: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10] فبيّن هنا رضاه عنهم من اجل تلك البيعة التي سميت "بيعة الرضوان" لما علم من صدق ايمانهم واخلاصهم في بيعتهم، وأنزل الله عليهم السَّكينة والأمن ورباطة الجأش، وجازاهم بالغنائم الكثيرة التي أخذوها من خيبر، وكانت ارضا ذات حقول وبساتين وعقار واموال قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المقاتلة فاعطى الفارس سهمين والراجل سهما. روى ابن جرير عن سلمة بن الأكوع قال: بينا نحن قائلون، اذ نادى منادي رسول الله، ايها الناس: البيعة البيعة، نزل روح القدس. فثرنا الى رسول الله وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه. فذلك قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...} فبايع النبي لعثمان باحدى يديه على الأخرى، وكانت قد انتشرت شائعة أن عثمان قد قُتل، فبايعوا رسول الله على الموت في سبيل الله. ثم بين الله ان ما آتاهم من الفتح والمغانم ليس هو الثواب وحده، بل سيأتيهم جزاء اكبر.. وانما عجّل لكم هذه لتكون آية على صدق رسوله الكريم وحياطته له، وحراسته للمؤمنين وليثبتكم على الاسلام، وليزيدكم بصيرة، وسيؤتيكم مغانم كثيرة فيما بعد من فارس والروم وغيرهما ما كنتم تقدرون عليها لولا الاسلام، وهذا معنى قوله تعالى: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}. ثم بين الله تعالى انه لو قاتلكم اهل مكة ولم يصالحوكم في الحديبية لانهزموا ولم يجدوا من ينصرهم او يدافع عنهم. {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تلك هي سنة الله من غلبة المؤمنين، وخذلان الكافرين. ثم ذكر منة الله على عباده المؤمنين بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} فصان كلا الفريقين عن الآخر، وأوجد صلحا فيه خيرة للمؤمنين، وعافية لهم في الدنيا والآخرة. قراءات: قرأ ابو عمرو: يعملون بصيرا، بالياء، والباقون: بما تعملون بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَثَابَهُمْ} (18) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم عَنْ رِضَاهُ عَلَى المُؤْمِنينَ الذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ تَحتَ الشَّجَرَةِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَكَانُوا ألفاً وأَرْبَعَمئةِ رَجُلٍ، وَقَدْ عَلِمَ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الصِّدقِ، وَالسَّمْعِ، والطَّاعَةِ، فَأَنْزَلَ عَلَيهِم الطُّمَأْنِينةَ، وَهُدُوءَ النَّفْسِ، وَأَعْطَاهُمْ جَزَاءَ مَا وُهِبُوهُ مِنَ الطَّاعَةِ فَتْحَ خَيْبَرَ عَقِبَ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ تَلا ذَلِكَ فَتْحُ مَكَّة. يُبَايِعُونَكَ - بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ. فَتْحاً قَرِيباً - هُوَ فَتْحُ خَيْبَرَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ..} [الفتح: 18] من الشوق لرؤية البيت وآداء العمرة {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ..} [الفتح: 18] السكون والطمأنينة لأنهم انصاعوا لأمر رسول الله. {وَأَثَابَهُمْ ..} [الفتح: 18] جازاهم {فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18] وهو صلح الحديبية الذي كان بمثابة التمهيد للفتح الأكبر فتح مكة {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً ..} [الفتح: 19] هي مغانم خيبر.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمَّا ذكر تعالى حال المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى حال المؤمنين المجاهدين الذين بايعوا الرسول "بيعة الرضوان" تسجيلاً لرضى الله تعالى عنهم، وتخليداً لمآثرهم الكريمة، وختم السورة الكريمة بالثناء على الصحابة الأبرار، بأبلغ ثناء وأكرم تمجيد. اللغَة: {أَظْفَرَكُمْ} أظهركم وأعلاكم، ظفر بالشيء غلب عليه، وأظفره غلبه {مَعْكُوفاً} محبوساً ومنه الاعتكاف {مَّعَرَّةٌ} المعرَّة: العيب والمشقة اللاصقة بالإِنسان من العُرِّ وهو الجرب {تَزَيَّلُواْ} تميَّزوا {ٱلْحَمِيَّةَ} الأنفة والغضب الشديد {سِيمَاهُمْ} علامتهم {شَطْأَهُ} الشطء: الفراخ قال الجوهري: شطءُ الزرع والنبات فراخُه والجمع أشطاء {آزَرَهُ} قوَّاه وأعانه وشدَّه. سَبَبُ النّزول: عن أنس رضي الله عنه أن ثمانين من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من التنعيم متسلحين يريدون الغدر به وبأصحابه فأخذناهم أسرى فأنزل الله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ...} الآية. التفسِير: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك يا محمد "بيعة الرضوان" تحت ظل الشجرة بالحديبية قال المفسرون: كان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية أرسل عثمان بن عفان إلى أهل مكة يخبرهم أنه إِنما جاء معتمراً، وأنه لا يريد حرباً، فلما ذهب عثمان حبسوه عندهم، وجاء الخبر إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إِلى البيعة على أن يدخلوا مكة حرباً، وبايعوه على الموت، فكانت بيعة الرضوان، فلما بلغ المشركين ذلك أخذهم الرعب وأطلقوا عثمان وطلبوا الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يأتي في العام القابل، ويدخلها ويقيم فيها ثلاثة أيام، وكانت هذه البيعة تحت شجرة سمرة بالحديبية وقد سميت "بيعة الرضوان" ولما رجع المسلمون يعلوهم الحزنُ والكآبة، أراد الله تسليتهم وإِذهاب الحزن عنهم فأنزل هذه السورة على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من الحديبية {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}تفسير : [الفتح: 1] وكان عدد الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاً وأربعمائة رجل، وفيهم نزلت الآية الكريمة {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} ولم يتخلف عن البيعة إلا "الجد ابن قيس" من المنافقين، وحضر هذه البيعة روح القدس جبريل الأمين، ولهذا سُطرت في الكتاب المبين {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي فعلم تعالى ما في قلوبهم من الصدق والوفاء، عند مبايعتهم لك على حرب الأعداء {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} أي رزقهم الطمأنينة وسكون النفس عند البيعة {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} أي وجازاهم على بيعة الرضوان بفتح خيبر، وما فيها من النصر والغنائم، زيادةً على ثواب الآخرة {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} أي وجعل لهم الغنائم الكثيرة التي غنموها من خيبر قال ابن كثير: هو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العامِّ بفتح خبير، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى {وَكَان ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي غالباً على أمره، حكيماً في تدبيره وصنعه، ولهذا نصركم عليهم وغنَّمكم أرضهم وديارهم وأموالهم {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} أي وعدكم الله معشر المؤمنين - على جهادكم وصبركم - الفتوحات الكثيرة، والغنائم الوفيرة تأخذونها من أعدائكم، قال ابن عباس: هي المغانم التي تكون إِلى يوم القيامة قال في البحر: ولقد اتَّسع نطاق الإِسلام، وفتح المسلمون فتوحاً لا تُحصى، وغنموا مغانم لا تُعدُّ وذلك في شرق البلاد وغربها، حتى في الهند والسودان - تصديقاً لوعده تعالى - وقدم علينا أحد ملوك غانة من بلاد التكرور، وقد فتح أكثر من خمسة وعشرين مملكة من بلاد السودان، وأسلموا معه وقدم علينا ببعض ملوكهم يحج معه {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} أي فعجَّل لكم غنائم خيبر بدون جهد وقتال {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} أي ومنع أيدي الناس أن تمتد إِليكم بسوء قال المفسرون: المراد أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرغب {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي ولتكون الغنائم، وفتح مكة، ودخول المسجد الحرام علامة واضحة تعرفون بها صدق الرسول فيما أخبركم به عن الله {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي ويهديكم تعالى إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم بجهادكم وإِخلاصكم قال الإِمام الفخر: والآية للإِشارة إِلى أنَّ ما أعطاهم من الفتح والمغانم، ليس هو كل الثواب، بل الجزاء أمامهم، وإِنما هي شيء عاجل عجَّله لهم لينتفعوا به، ولتكون آية لمن بعدهم من المؤمنين، تدل على صدق وعد الله في وصول ما وعدهم به كما وصل إِليكم {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} أي وغنيمةً أخرى يسَّرها لكم، لم تكونوا بقدرتكم تستطيعون عليها، ولكنَّ الله بفضله وكرمه فتحها لكم، والمراد بها فتح مكة {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} أي قد استولى الله عليها بقدرته ووهبها لكم، فهي كالشيء المحاط به من جوانبه محبوسٌ لكم لا يفوتكم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} أي قادراً على كل شيء، لا يعجزه شيء أبداً، فهو القادر على نصرة أوليائه، وهزم أعدائه قال ابن كثير: المعنى أي وغنيمةً أخرى وفتحاً آخر معيناً، لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسَّرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإِنه تعالى يرزق عباده المتقين من حيث لا يحتسبون والمرادُ بها في هذه الآية "فتح مكة" وهو اختيار الطبري {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ} تذكيرٌ لهم بنعمةٍ أخرى أي ولو قاتلكم أهل مكة ولم يقع الصلح بينكم وبينهم، لغلبوا وانهزموا أمامكم ولم يثبتوا {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي ثم لا يجدون من يتولّى أمرهم بالحفظ والرعاية، ولا من ينصرهم من عذاب الله {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} أي تلك طريقة الله وعادتُه التي سنَّها فيمن مضى من الأمم، من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين قال في البحر: أي سنَّ الله لأنبيائه ورسله سنة قديمة وهي قوله {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21] {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي وسنته تعالى لا تتبدَّل ولا تتغيَّر {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} أي وهو تعالى بقدرته وتدبيره صرف أيدي كفار مكة عنكم كما صرف عنهم أيديكم بالحديبية التي هي قريبة من البلد الحرام قال ابن كثير: هذا امتنانٌ من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كفَّ أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إِليهم منهم سوء، وكفَّ أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلاً من الفريقين وأوجد بينهم صلحاً، فيه خيرة للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} أي من بعد ما أخذتموهم أسارى وتمكنتم منهم قال الجلال: وذلك أن ثمانين من المشركين طافوا بعسكر المؤمنين ليصيبوا منهم، فأُخذوا وأُتي بهم إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح وقال في التسهيل: وروي في سببها أن جماعةً من فتيان قريش خرجوا إِلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إِليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعةٍ من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوماً، وساقوهم إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، فكفُّ أيدي الكفار هو هزيمتهم وأسرهم، وكفُّ أيدي المؤمنين عن الكفار هو إِطلاقهم من الأسر وسلامتهم من القتل {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} أي هو تعالى بصير بأعمالكم وأحوالكم، يعلم ما فيه مصلحة لكم، ولذلك حجزكم عن الكافرين رحمةً بكم، وحرمةً لبيته العتيق لئلا تسفك فيه الدماء.. ثم ذكر تعالى استحقاق المشركين للعذاب والدمار فقال {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي هم كفار قريش المعتدون الذين كفروا بالله والرسول، ومنعوا المؤمنين عن دخول المسجد الحرام لأداء مناسك العمرة عام الحديبية {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي وصدُّوا الهدي أيضاً - وهو ما يُهدى لبيت الله لفقراء الحرم - معكوفاً أي محبوساً عن أن يبلغ مكانه الذي يذبح فيه وهو الحرم قال القرطبي: يعني قريشاً منعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام عام الحديبية، حين أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالعمرة، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محله، وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنه حملتهم الأنفة ودعتهم الحمية الجاهلية على أن يفعلوا ما لا يعتقدونه ديناً، فوبخهم الله على ذلك وتوعَّدهم عليه، وأدخل الأنس على رسول الله ببيانه ووعده {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} أي ولولا أن في مكة رجالاً ونساءً من المؤمنين المستضعفين، الذين يخفون إِيمانهم خوفاً من المشركين {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} أي لا تعرفونهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين {أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي كراهة أن توقعوا بهم وتقتلوا منهم دون علم منكم بإِيمانهم، فينالكم بقتلهم إِثم وعيب وجواب "لولا" محذوفٌ تقديره: لأذن لكم في دخول مكة، ولسلَّطكم على المشركين قال الصاوي: والجواب محذوف قدَّره الجلال بقوله: لأذِنَ لكم في الفتح، ومعنى الآية: لولا كراهة أن تُهلكوا أناساً مؤمنين بين أظهر الكفار، حال كونكم جاهلين بهم فيصيبكم بإِهلاكهم مكروه لما كفَّ أيديكم عنهم، ولأذن لكم في فتح مكة {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي إِنما فعل ذلك ليخلّص المؤمنين من بين أظهر المشركين، وليرجع كثيرٌ منهم إِلى الإِسلام قال القرطبي: أي لم يأذن الله لكم في قتال المشركين، ليُسلم بعد الصلح من قضى أن يُسلم من أهل مكة، وكذلك كان، أسلم الكثير منهم وحسن إِسلامُه، ودخلوا في رحمته وجنته {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي لو تفرقوا وتميَّز بعضهم عن بعض، وانفصل المؤمنون عن الكفار، لعذبنا الكافرين منهم أشدَّ العذاب، بالقتل والسبي والتشريد من الأوطان {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ} أي حين دخل إِلى قلوب الكفار الأنفة والكبرياء بالباطل، فرفضوا أن يكتبوا في كتاب الصلح "بسم الله الرحمن الرحيم" ورفضوا أن يكتبوا "محمد رسولُ الله" وقولهم: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكنْ اكتبْ اسمك واسم أبيك {حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي أنفةً وغطرسةً وعصبيةً جاهلية {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي جعل الطمأنينة والوقار في قلب الرسول والمؤمنين، ولم تلحقهم العصبية الجاهلية كما لحقت المشركين {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} أي اختار لهم كلمة التقوى - إِلزام تكريم وتشريف - وهي كلمة التوحيد "لا إِله إِلا الله" هذا قول الجمهور، والظاهر: أن المراد بكلمة التقوى هي إِخلاصهم وطاعتهم لله ورسوله، وعدم شقّ عصا الطاعة عندما كُتبت بنود الصلح، وكانت مجحفةً بحقوق المسلمين في الظاهر، فثبَّت الله المؤمنين على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في هذا الصلح كل الخير للمسلمين {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} أي وكانوا أحقَّ بهذه الفضيلة من كفار مكة، لأن الله اختارهم لدينه وصحبة نبيه {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي عالما بمن هو أهل للفضل، فيخصه بمزيد من الخير والتكريم.. ثم أخبر تعالى عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام - وهي رؤيا حق - لأنها جزء من الوحي فقال {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ} اللام موطئة للقسم، و"قد" للتحقيق أي والله لقد جعل الله رؤيا رسوله صادقة محققة لم يدخلها الشيطان لأنها رؤيا حق قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه أنه دخل مكة هو وأصحابه وطافوا بالبيت، ثم حلق بعضهم وقصَّر بعضهم، فحدَّث بها أصحابه ففرحوا واستبشروا، فلما خرج إِلى الحديبية مع الصحابة، وصدَّه المشركون عن دخول مكة، ووقع ما وقع من قضية الصلح، ارتاب المنافقون وقالوا: واللهِ ما حلقنا ولا قصَّرنا ولا رأينا البيت، فأين هي الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء فنزلت الآية {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ} فأعلم تعالى أن رؤيا رسوله حقٌّ، وأنه لم يكذب فيما رأى، ولكنه ليس في الرؤيا أنه يدخلها عام ستٍ من الهجرة، وإِنما أراه مجرد صورة الدخول، وقد حقق الله له ذلك بعد عام فذلك قوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} أي لتدخلن يا محمد أنت وأصحابك المسجد الحرام بمشيئة الله {آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} أي تدخلونها آمنين من العدو، تؤدون مناسك العمرة ثم يحلق بعضكم رأسه، ويقصِّر بعض {لاَ تَخَافُونَ} أي غير خائفين، وليس فيه تكرارٌ لان المراد آمنين وقت دخولكم، وحال المكث، وحال الخروج {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} أي فعلم تعالى ما في الصلح من الحكمة والخير والمصلحة لكم ما لم تعلموه أنتم قال ابن جزي: يريد ما قدَّره تعالى من ظهور الإِسلام في تلك المدة، فإِنه لما انعقد الصلح وارتفعت الحرب، رغب الناس في الإِسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وأربعمائة، وغزا "غزوة الفتح" بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} أي فجعل قبل ذلك فتحاً عاجلاً لكم وهو "صلح الحديبية" وسُمي فتحاً لما ترتَّب عليه من الآثار الجليلة، والعواقب الحميدة، ولهذا روى البخاري حديث : عن البراء رضي الله عنه: "تعدُّون أنتم الفتح "فتح مكة" وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعدُّ الفتح "بيعة الرضوان" يوم الحديبية.."تفسير : الحديث {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} أي هو جلَّ وعلا الذي أرسل محمداً بالهداية التامة الشاملة الكاملة، والدين الحق المستقيم دين الإِسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي ليعليه على جميع الأديان، ويرفعه على سائر الشرائع السماوية {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي وكفى بالله شاهداً على أن محمداً رسوله .. ثم أثنى تعالى على أصحاب رسول الله بالثناء العاطر، وشهد لرسوله بصدق الرسالة فقال {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} أي هذا الرسول المسمَّى محمداً هو رسولُ الله حقاً لا كما يقول المشركون {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} أي وأصحابه الأبرار الأخيار غلاظٌ على الكفار متراحمون فيما بينهم كقوله تعالى {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 54] قال أبو السعود: أي يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة قال المفسرون: وذلك لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم {أية : وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}تفسير : [التوبة: 123] وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمسَّ أبدانهم، وكان الواحد منهم إِذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} أي تراهم أيها السامع راكعين ساجدين من كثرة صلاتهم وعبادتهم، رهبانٌ بالليل أسودٌ بالنهار {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي يطلبون بعبادتهم رحمة الله ورضوانه قال ابن كثير: وصفهم بكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإِخلاص لله عز وجل والاحتساب عنده بجزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ورضاه {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} أي علامتهم وسمتُهم كائنة في جباههم من كثرة السجود والصلاة قال القرطبي: لاحت في وجوههم علامات التهجد بالليل وأمارات السهر، قال ابن جريج: هو الوقار والبهاء، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع، قال منصور سألت مجاهداً عن قوله تعالى {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} أهو أثرٌ يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنه نورٌ في وجوههم من الخشوع {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} أي ذلك وصفهم في التوراة: الشدة على الكفار، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة الصلاة والسجود {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي ومثلهم في الإِنجيل كزرعٍ أخرج فراخه وفروعه {فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ} أي فقوَّاه حتى صار غليظاً {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} أي فقام الزرع واستقام على أصوله {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} أي يعجب هذا الزرع الزراع، بقوته وكثافته وحسن منظره، ليغتاظ بهم الكفار قال الضحّاك: هذا مثل في غاية البيان، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطءُ أصحابُه، كانوا قليلاً فكثروا، وضعفاء فقووا، وقال القرطبي: وهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعوة ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ نباته، وأفراخه، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} أي وعدهم تعالى بالآخرة بالمغفرة التامة والأجر العظيم والرزق الكريم في جنات النعيم، اللهم ارزقنا محبتهم يا رب العالمين. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {مَا تَقَدَّمَ.. وَمَا تَأَخَّرَ} وبين {وَمُبَشِّراً .. وَنَذِيراً} وبين {بُكْرَةً .. وَأَصِيلاً} وبين {نَّكَثَ .. و أَوْفَىٰ} وبين {أية : أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}تفسير : [الفتح: 11] وبين {يَغْفِرُ .. وَيُعَذِّبُ} وبين {مُحَلِّقِينَ .. وَمُقَصِّرِينَ} وبين {أَشِدَّآءُ .. و رُحَمَآءُ}. 2- المقابلة بين {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ..}تفسير : [الفتح: 5] الآية وبين {أية : وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} تفسير : [الفتح: 6] الآية. 3- الاستعارة التصريحية المكنية {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10] شبَّه المعاهدة على التضحية بالأنفس في سبيل الله طلباً لمرضاته بدفع السِّلع في نظير الأموال، واستعير اسم المشبَّه به للمشبه واشتق من البيع يبايعون بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل الله، والمكنية في قوله {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} شبَّه اطلاع الله على مبايعتهم ومجازاته على طاعتهم بملكٍ وضع يده على يد أميره ورعيته، وطوى ذكر المشبَّه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد على طريق الاستعارة المكنية، ففي الآية استعارتان. 4- الكناية {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ} كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يدير ظهره لعدوه للهرب. 5- التعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ..}. 6- الالتفات من ضمير الغائب إِلى الخطاب {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ} بعد قوله تعالى {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} وذلك لتشريف المؤمنين في مقام الامتنان. 7- الإِطناب بتكرار الحرج {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ}تفسير : [الفتح: 17] لتأكيد نفي الإِثم عن أصحاب الأعذار. 8- التشبيه التمثيلي {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ..} الآية لأن وجه الشبه منتزعٌ من متعدد. 9- مراعاة الفواصل في نهاية الآيات وهو من المحسنات البديعية.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} معناه فَتْحُ خَيبرٍ. ويقال: الفتوحُ التي تُفتحُ لَهُم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها "بيعة الرضوان" لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من الإيمان، { فَأَنزلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، { وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته. { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر. { وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } وهذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمين إلى يوم القيامة، { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } أي: غنيمة خيبر أي: فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها، { و } احمدوا الله إذ { كف أَيْدِي النَّاسِ } القادرين على قتالكم، الحريصين عليه { عَنْكُمْ } فهي نعمة، وتخفيف عنكم. { وَلِتَكُونَ } هذه الغنيمة { آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } يستدلون بها على خبر الله الصادق، ووعده الحق، وثوابه للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها، { وَيَهْدِيَكُمْ } بما يقيض لكم من الأسباب { صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } من العلم والإيمان والعمل. { وَأُخْرَى } أي: وعدكم أيضا غنيمة أخرى { لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا } وقت هذا الخطاب، { قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا } أي: هو قادر عليها، وتحت تدبيره وملكه، وقد وعدكموها، فلا بد من وقوع ما وعد به، لكمال اقتدار الله تعالى، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا }.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} [18] 526 - أنا عليُّ بن الحسين، نا أُميةُ، عن شعبة، عن عمرو بن مُرة، وحُصينٍ، عن سالم بن أبي الجعد، قال: سألتُ جابر بن عبد الله كم كُنتم يوم الشجرة؟ قال: ألفاً وخمسمائةٍ. 527 - أنا محمد بن منصورٍ، نا سفيان، عن عمرو، قال: سمعت جابراً يقول: حديث : كُنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائةٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم اليوم خير أهل الأرضِ ". تفسير : 528 - أنا قتيبةُ بن سعيدٍ، نا الليثُ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة ". تفسير : 529 - أنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، نا اللَّيث، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد اللهِ قال: كُنا يوم الحديبية/ ألفاً وأربعمائةٍ، فبايعناهُ، وعمرُ آخِذٌ بيده تحت الشجرةِ، وهي سمرةٌ، وقد بايعناهُ على أن لا نفرَّ، ولم نبايعهُ على الموت.

همام الصنعاني

تفسير : 2904- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ}: [الآية: 18]، قال: بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى أن لا يَفِرُّوا يومئذٍ، وهم ألف وأربع مائة، وبايعوه على أن لا يَفِرُّوا. 2905- قال معمر: في قوله: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}: [الآية: 18]، أن مقسماً أو قتادة أو كلاهما قالا: هو خَيْبَر.