Verse. 4603 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

وَعَدَكُمُ اللہُ مَغَانِمَ كَثِيْرَۃً تَاْخُذُوْنَہَا فَعَجَّلَ لَكُمْ ہٰذِہٖ وَكَفَّ اَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ۝۰ۚ وَلِتَكُوْنَ اٰيَۃً لِّــلْمُؤْمِنِيْنَ وَيَہْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيْمًا۝۲۰ۙ
WaAAadakumu Allahu maghanima katheeratan takhuthoonaha faAAajjala lakum hathihi wakaffa aydiya alnnasi AAankum walitakoona ayatan lilmumineena wayahdiyakum siratan mustaqeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها» من الفتوحات «فعجَّل لكم هذه» غنيمة خيبر «وكفَّ أيدي الناس عنكم» في عيالكم لما خرجتم وهمت بهم اليهود فقذف الله في قلوبهم الرعب «ولتكون» أي المعجلة عطف على مقدر، أي لتشكروه «آية للمؤمنين» في نصرهم «ويهديكم صراطا مستقيما» أي طريق التوكل عليه وتفويض الأمر إليه تعالى.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أن ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب بل الجزاء قدامهم، وإنما هي لعاجلة عجل بها، وفي المغانم الموعود بها أقوال، أصحها أنه وعدهم مغانم كثيرة من غير تعيين وكل ما غنموه كان منها والله كان عالماً بها، وهذا كما يقول الملك الجواد لمن يخدمه: يكون لك مني على ما فعلته الجزاء إن شاء الله، ولا يريد شيئاً بعينه، ثم كل ما يأتي به ويؤتيه يكون داخلاً تحت ذلك الوعد، غير أن الملك لا يعلم تفاصيل ما يصل إليه وقت الوعد، والله عالم بها، وقوله تعالى: {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ } لإتمام المنة، كأنه قال رزقتكم غنيمة باردة من غير مس حر القتال ولو تعبتم فيه لقلتم هذا جزاء تعبنا، وقوله تعالى: {وَلِتَكُونَ ءَايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } عطف على مفهوم لأنه لما قال الله تعالى: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } واللام ينبىء عن النفع كما أن علي ينبىء عن الضر القائل لا علي ولا ليا بمعنى لا ما أتضرر به ولا ما أنتفع به ولا أضر به ولا أنفع، فكذلك قوله {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } لتنفعكم {وَلِتَكُونَ ءَايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } وفيه معنى لطيف وهو أن المغانم الموعود بها كل ما يأخذه المسلمون فقوله {وَلِتَكُونَ ءَايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } يعني لينفعكم بها وليجعلها لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله يصل إليهم كما وصل إليكم، أو نقول: معناه لتنفعكم في الظاهر وتنفعكم في الباطن حيث يزداد يقينكم إذا رأيتم صدق الرسول في إخباره عن الغيوب فتجمل أخباركم ويكمل اعتقادكم، وقوله {وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } وهو التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} قال ٱبن عباس ومجاهد. إنها المغانم التي تكون إلى يوم القيامة. وقال ٱبن زيد: هي مغانم خيبر. {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} أي خيبر؛ قاله مجاهد. وقال ٱبن عباس: عجّل لكم صلح الحديبية. {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} يعني أهل مكة؛ كفّهم عنكم بالصلح. وقال قتادة: كفّ أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وخيبر. وهو اختيار الطبري؛ لأن كف أيدي المشركين بالحديبية مذكور في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ}. وقال ٱبن عباس: في «كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» يعني عُيَيْنة بنِ حصْن الفَزَارِي وعوف بن مالك النَّضْريّ ومن كان معهما؛ إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر والنبي صلى الله عليه وسلم محاصر لهم؛ فألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وكَفّهم عن المسلمين {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي ولتكون هزيمتهم وسلامتكم آية للمؤمنين؛ فيعلموا أن الله يحرسهم في مشهدهم ومَغيبهم. وقيل: أي ولتكون كف أيدِيَهُمْ عنكم آية للمؤمنين. وقيل: أي ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها. والواو في «ولِتَكُونَ» مقحمة عند الكوفيين. وقال البصريون: عاطفة على مضمر؛ أي وكف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين. {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي يزيدكم هُدًى، أو يثبِّتكم على الهداية.

البيضاوي

تفسير : {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة. {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } يعني مقام خيبر. {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} أي أيدي أهل خيبر وخلفائهم من بني أسد وغطفان، أو أيدي قريش بالصلح. {وَلِتَكُونَ} هذه الكفة أو الغنيمة. {آيَةً لّلْمُؤْمِنِينَ} أمارة يعرفون بها أنهم من الله بمكان، أو صدق الرسول في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية، أو وعد المغانم أو عنواناً لفتح مكة والعطف على محذوف هو علة لـ {كَفَّ}، أو «عجل» مثل لتسلموا، أو لتأخذوا أو العلة لمحذوف مثل فعل ذلك. {وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} هو الثقة بفضل الله والتوكل عليه. {وَأُخْرَىٰ } ومغانم أخرى معطوفة على هذه، أو منصوبة بفعل يفسره {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} مثل قضى، ويحتمل رفعها بالابتداء لأنها موصوفة وجرها بإضمار رب. {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} بعد لما كان فيها من الجولة. {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } استولى فأظفركم بها وهي مغانم هوازن أو فارس. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيراً} لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء. {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ } من أهل مكة ولم يصالحوا. {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ} لانهزموا. {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً} يحرسهم. {وَلاَ نَصِيراً} ينصرهم. {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } أي سنَّ غُلَّبة أنبيائه سنة قديمة فيمن مضى من الأمم كما قال تعالى: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى }تفسير : [المجادله: 21] {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تغييراً. {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي أيدي كفار مكة. {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } في داخل مكة. {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أظهركم عليهم، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد. وقيل كان ذلك يوم الفتح واستشهد به على أن مكة فتحت عنوة وهو ضعيف إذ السورة نزلت قبله. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من مقاتلتهم أولاً طاعة لرسوله وكفهم ثانياً لتعظيم بيته، وقرأ أبو عمرو بالياء {بَصِيراً} فيجازيهم عليه. {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} يدل على أن ذلك كان عام الحديبية، والهدي ما يهدى إلى مكة. وقرىء {ٱلْهَدْيِ} وهو فعيل بمعنى مفعول، ومحله مكانه الذي يحل فيه نحره والمراد مكانه المعهود وهو منى لا مكانه الذي لا يجوز أن ينحر في غيره، وإلا لما نحره الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أحصر فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم. {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين. {أَن تطؤهم} أن توقعوا بهم وتبيدهم قال:شعر : وَوَطَئْتْنَا وَطْأْ عَلَى حَنَق وَطْءَ المُقَيَّدِ ثَابِت الهَرَمِ تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام «حديث : إن آخر وطأة وطئها الله بوج»تفسير : وهو وادٍ بالطائف كان آخر وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم بها، وأصله الدوس وهو بدل الاشتمال من {رِجَالٌ} {وَنِسَاء} أو من ضميرهم في {تَعْلَمُوهُمْ }. {فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ } من جهتهم. {مَّعَرَّةٌ} مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم وللتأسف عليهم، وتعيير الكفار بذلك والإِثم بالتقصير في البحث عنهم مفعلة عن عره إذا أعراه ما يكرهه. {بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق بـ {أَن تَطَؤُهُمْ} أي تطؤوهم غير عالمين بهم، وجواب {لَوْلاَ} محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى {لَوْلاَ } كراهة أن تهلكوا أناساً مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم يصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم. {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ} علة لما دل عليه كف الأيدي عن أهل مكة صوناً لمن فيها من المؤمنين، أي كان ذلك ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير أو للإِسلام. {مَن يَشَآء} من مؤمنيهم أو مشركيهم. {لَوْ تَزَيَّلُواْ} لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض، وقرىء «تزايلوا». {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } بالقتل والسبي. {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مقدر باذكر أو ظرف {لَعَذَّبْنَا } أو {صَدُّوكُمْ }. {فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ } الأنفة. {حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } التي تمنع إذعان الحق. {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فأنزل عليهم الثبات والوقار وذلك ما روي «أنه عليه الصلاة والسلام لما هم بقتالهم بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليسألوه أن يرجع من عامه على أن يخلي له قريش مكة من القابل ثلاثة أيام، فأجابهم وكتبوا بينهم كتاباً، فقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: «حديث : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال عليه الصلاة والسلام: اكتب ما يريدون»تفسير : فَهَمَّ المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا عليهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وتحملوا. {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } كلمة الشهادة أو بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول الله اختارها لهم، أو الثبات والوفاء بالعهد وإضافة الـ {كَلِمَةَ } إلى {ٱلتَّقْوَىٰ } لأنها سببها أو كلمة أهلها. {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم. {وَأَهْلُهَا } والمستأهلين لها. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } فيعلم أهل كل شيء وييسره له. {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا } رأى عليه الصلاة والسلام أنه وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أن ذلك يكون في عامهم، فلما تأخر قال بعضهم والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت فنزلت والمعنى صدقة في رؤياه. {بِٱلْحَقّ} ملتبساً به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل، ويجوز أن يكون {بِٱلْحَقّ } صفة مصدر محذوف أي صدقاً ملتبساً {بِٱلْحَقّ } وهو القصد إلى التمييز بين الثابت على الإِيمان والمتزلزل فيه، وأن يكون قسماً إما باسم الله تعالى أو بنقيض الباطل وقوله: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } جوابه وعلى الأولين جواب قسم محذوف. {إِن شَاءَ ٱللَّهُ} تعليق للعدة. بالمشيئة تعليماً للعباد، أو إشعاراً بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا، أو النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. {ءامِنِينَ } حال من الواو والشرط معترض. {مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ} أي محلقاً بعضكم ومقصراً آخرون. {لاَ تَخَـٰفُونَ } حال مؤكدة أو استئناف أي لا تخافون بعد ذلك. {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} من الحكمة في تأخير ذلك. {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ } من دون دخولكم المسجد أو فتح مكة. {فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الموعود. {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} ملتبساً به أو بسببه أو لأجله. {وَدِينِ ٱلْحَقّ } وبدين الإِسلام. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } ليغلبه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقاً وإظهار فساد ما كان باطلاً، أو بتسليط المسلمين على أهله إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، وفيه تأكيد لما وعده من الفتح. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على أن ما وعده كائن أو على نبوته بإظهار المعجزات. {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ } جملة مبينة للمشهود به، ويجوز أن يكون {رَسُولِ ٱللَّهِ} صفة و {مُحَمَّدٌ } خبر محذوف أو مبتدأ: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} معطوف عليه وخبرهما. {أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} و {أَشِدَّاء} جمع شديد و {رُحَمَاء} جمع رحيم، والمعنى أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [المائدة: 54] {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم. {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً } الثواب والرضا. {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، فعلى من سامه إذا أعلمه وقد قرئت ممدودة و {مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } بيانها أو حال من المستكن في الجار. {ذٰلِكَ } إشارة إلى الوصف المذكور. أو إشارة مبهمة يفسرها {كَزَرْعٍ }. {مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ } صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها. {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإنجِيلِ } عطف عليه أن ذلك مثلهم في الكتابين وقوله: {كَزَرْعٍ } تمثيل مستأنف أو تفسير أو مبتدأ و {كَزَرْعٍ} خبره. {أَخْرَجَ شَطْأَهُ } فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ، وقرأ ابن كثير وابن عامر برواية ابن ذكوان {شَطْأَهُ} بفتحات وهو لغة فيه، وقرىء «شطاه» بتخفيف الهمزة و «شطاءه» بالمد و «شطه» بنقل حركة الهمزة وحذفها و «شطوه» بقلبها واواً. {فَآزَرَهُ} فقواه من المؤازرة وهي المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان {فَأزَرَهُ} كأجره في آجره. {فَٱسْتَغْلَظَ } فصار من الدقة إلى الغلظ. {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } فاستقام على قصبه جمع ساق، وعن ابن كثير «سؤقه» بالهمزة. {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره، وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة قلوا في بدء الإِسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس. {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} علة لتشبيههم بالزرع في زكاته واستحكامه أو لقوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} فإن الكفار لما سمعوه غاظهم ذلك ومنهم للبيان. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد عليه الصلاة والسلام فتح مكة».

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد في قوله تعالى: {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} هي جميع المغانم إلى اليوم {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} يعني: فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} يعني: صلح الحديبية، {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} أي لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم {وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي يعتبرون بذلك؛ فإن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم، إنه العالم بعواقب الأمور، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر؛ كما قال عز وجل: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً} أي بسبب انقيادكم لأمره، واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله تبارك وتعالى: { وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} أي وغنيمة أخرى، وفتحاً آخر معيناً لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم، وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون، وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها، فقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي خيبر، وهذا على قوله عز وجل: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} أنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال قتادة: هي مكة، واختاره ابن جرير، وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك الحنفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم. وقوله تعالى: { وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} يقول عز وجل مبشراً لعباده المؤمنين، بأنه لو ناجزهم المشركون، لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارّاً مدبراً، لا يجدون ولياً ولا نصيراً؛ لأنهم محاربون لله ولرسوله، ولحزبه المؤمنين. ثم قال تبارك وتعالى: { سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل؛ كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وعددهم، وكثرة المشركين وعددهم. وقوله سبحانه وتعالى: { وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلاً من الفريقين، وأوجد بينهم صلحاً فيه خير للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه حين جاؤوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوقفوهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليهم فقال: «حديث : أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه»تفسير : . قال: وفي ذلك أنزل الله عز وجل: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة بالسلاح من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} ورواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما من طرق عن حماد بن سلمة به. وقال أحمد أيضاً: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «حديث : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : فأخذ سهيل بيده، وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف فقال: «حديث : اكتب: باسمك اللهم ــــ وكتب ــــ هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة» تفسير : فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: «حديث : اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» تفسير : فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل جئتم في عهد أحد؟ أو: هل جعل لكم أحد أماناً؟» تفسير : فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} الآية. رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا جعفر عن ابن أبزي قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة، قال له عمر رضي الله عنه: يا نبي الله، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع؟ قال: فبعث صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلا حمله، فلما دنا من مكة، منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى، فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد رضي الله عنه: «حديث : يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل» تفسير : فقال خالد رضي الله عنه: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، فقال: يا رسول الله ابعثني أين شئت، فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} إلى قوله تعالى: {عَذَاباً أَلِيماً} قال: فكف الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزي بنحوه، وهذا السياق فيه نظر فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية؛ لأن خالداً رضي الله عنه لم يكن أسلم بل قد كان طليعة للمشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح، ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء لأنهم قاضوه على أن يأتي في العام القابل فيعتمر، ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم صلى الله عليه وسلم لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه. فإذا قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هدياً، وإنما جاء محارباً مقاتلاً في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: إن قريشاً بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكررسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا من أصحابه أحداً، فأخذوا أخذاً، فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً يقال له: ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً، فأتوه باثني عشر فارساً من الكفار، فقال لهم: «حديث : هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟» تفسير : قالوا: لا. فأرسلهم، وأنزل الله تعالى في ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } من الفتوحات {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ } غنيمة خيبر {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ } في عيالكم لما خرجتم وهمت بهم اليهود فقذف الله في قلوبهم الرعب {وَلِتَكُونَ } أي المعجلة عطف على مقدّر، أي لتشكروه {ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } في نصرهم {وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } أي طريق التوكل عليه وتفويض الأمر إليه تعالى.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وََعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} فيه قولان: أحدهما: هي مغانم خيبر، قاله ابن زيد. الثاني: هو كل مغنم غنمه المسلمون، قاله مجاهد. {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} فيه قولان: أحدهما: مغانم خيبر، قاله مجاهد. الثاني: صلح الحديبية، قاله ابن عباس. {وَكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: اليهود كف أيديهم عن المدينة عند خروجهم إلى الحديبية. الثاني: قريش كف أيديهم عن المدينة عند خروجهم إلى الحديبية. الثالث: أسد وغطفان الحليفان عليهم عيينة بن حصن ومالك بن عوف جاءوا لينصروا أهل خيبر، فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. {وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: ليكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين. الثاني: ليكون فتح خيبر آية أي علامة لصدق الله تعالى في وعده وصدق رسوله في خبره. قيل لتكون البيعة آية لهم. قوله عز وجل: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أحَاطَ اللَّهُ بِهَا} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: هي أرض فارس والروم وجميع ما فتحه المسلمون، قاله ابن عباس. الثاني: هي مكة، قاله قتادة. الثالث: هي أرض خيبر، قاله الضحاك. في قوله: {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} وجهان: أحدهما: قدر الله عليها، قاله ابن بحر. الثاني: حفظها عليكم ليكون فتحها لكم. قوله عز وجل: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} يعني طريقة الله وعادته السالفة نصر رسله وأوليائه على أعدائه. وفي قوله: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} وجهان: أحدهما: ولن تتغير سنة الله وعادته في نصرك على أعدائك وأعدائه. الثاني: لن تجد لعادة الله في نصر رسله مانعاً من الظفر بأعدائه وهو محتمل. قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كف أيديهم عنكم بالرعب وأيديكم عنهم بالنهي. الثاني: كف أيديهم عنكم بالخذلان، وأيديكم عنهم بالاستبقاء لعلمه بحال من يسلم منهم. الثالث: كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم بالصلح عام الحديبية. {بِبَطْنِ مَكَّةَ} فيه قولان: أحدهما: يريد به مكة. الثاني: يريد به الحديبية لأن بعضها مضاف إلى الحرام. وفي قوله: {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ} ثلاثة أقاويل: أحدها: أظفركم عليهم بفتح مكة وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة، وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحاً لقوله {كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنهُم}. الثاني: أظفركم عليهم بقضاء العمرة التي صدوكم عنها. الثالث: أظفركم عليهم بما روي ثابت عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه من قبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوا من ظفروا به، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقهم، فأنزل الله هذه الآية، فكان هذا هو الظفر.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {وعدكم الله} الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره. وقوله: {فعجل لكم هذه} يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم الكثيرة: خيبر، و: {هذه} إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن عباس: وقوله {وكف أيدي الناس عنكم} يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء العرب ومن اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين وأموالهم، وهذه للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال: كف الله غطفان ومن معها عن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضاً عن بعضهم إنه أراد كف قريش. وقوله: {وأخرى لم تقدروا عليها} قال عبد الله بن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم. وقال الضحاك: الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه المعنى ويتأيد. وقوله: {قد أحاط الله بها} معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. وقوله: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} إشارة إلى قريش ومن والاها في تلك السنة، قاله قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض المفسرين: أراد الروم وفارس. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأحضر. وقوله: {سنة الله} إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء قديماً، ونصب {سنة} على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به. وقوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم} الآية، روي في سببها أن قريشاً جمعت جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً، فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها وذلك هو "بطن مكة". وقال قتادة: أسر النبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الجملة بالحديبية عند عسكره ومن عليهم، وذلك هو "بطن مكة". قال النقاش: الحرام كله {مكة}، والظفر عليهم هو أسر من أسر منهم، وباقي الآية تحريض على العمل الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه. وقرأ الجمهور من القراء: "بما تعملون" بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو وحده: "بما يعملون" بالياء على ذكر الكفار وتهددهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً} خيبر، أو كل مغنم غنمه المسلمون {لَكُمْ هَذِهِ} خيبر، أو صلح الحديبية {أَيْدِىَ النَّاسِ} اليهود كف أيديهم عن المدينة لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية، أو قريش بالحديبية أو الحليفان أسد وغطفان، جاءوا لنصرة أهل خيبر فألقى في قلوبهم الرعب فانهزموا {وَلِتَكُونَ} فتح خيبر، أو كف الأيدي {ءَايَةً} علامة لصدق وعد الله ـ تعالى ـ.

القشيري

تفسير : {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} ويدخل في ذلك جميعُ ما يغنمه المسلمون إلى القيامة فعجَّل لكم هذه - يعني خيبر، وقيل: الحديبية. {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} لما خرجوا من المدينة حرسهم اللَّهُ، وحفظ عيالهم، وحمى بَيْضَتهم حين هبَّ اليهود في المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم اللَّهُ عنهم. أو يقال: كفَّ أيدي الناس من أهل الحديبية. {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}. لتكون هذه آيةٌ للمؤمنون وعلامةٌ يَسْتدلُّون بها على حراسة الله لهم. {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}: في التوكل على الله والثقة به. ويقال: كفُّ أيدي الناس عن العبد هو أنْ يَرْزُقَه من حيث لا يحتسب، لئلا يحتاجَ إلى أن يتكفَّفَ الناس. ويقال: أنْ يَرْفَعَ عنه أيدي الظَّلَمة. ويقال: ألا تحمله المطالبةُ بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر بدينه؛ فيأخذ من الأشياء - برخصة التأويل - ما ليس بطيِّبٍ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعدكم الله مغانم كثيرة} هى ما يفيئه على المؤمنين الى يوم القيامة والافاءة مال كسى غنيمت كردن {تأخذونها} فى اوقاتها المقدرة لكل واحد منها {فعجل لكم هذه} اى غنائم خيبر {وكف ايدى الناس عنكم} اى ايدى اهل خيبر وهم سبعون ألفا وحلفاؤهم من بنى اسد وغطفان حيث جاؤا لنصرتهم فقذف الله فى قلوبهم الرعب فنكصوا والحلفاء بالحاء المهملة جمع حليف وهو المعاهد للنصر فان الحلف العهد بين القوم وقيل ايدى اهل مكة بالصلح وبالفارسية ودست مردمانرا از شما كوتاه كرد. وقال فى المفردات الكف كف الناس وهى ما بها يقبض ويبسط وكففته دفعته بالكف وتعورف الكف بالدفع على اى وجه كان بالكف وبغيرها حتى قيل رجل مكفوف لمن قبض بصره قال سعدى المفتى ان كان نزولها بعد فتح خيبر كما هو الظاهر لا تكون السورة بتمامها نازلة فى مرجعه عليه السلام من الحديبية وان كان قبله على انها من الاخبار عن الغيب فالاشارة بهذه تنزيل المغانم منزلة الحاضرة المشاهدة والتعبير بالمضى للتحق {ولتكون آية للمؤمنين} عطف على علة اخرى محذوفة من احد الفعلين اى فعجل لكم هذه او كف ايدى الناس عنكم لتغتنموها ولتكون ان رة للمؤمنين يعرفون بها صدق الرسول فى وعده اياهم عند رجوعه من الحديبية ما ذكر من الغنائم وفتح مكة و دخول المسجد الحرام ويجوز ان تكون الواو اعتراضية على أن تكون اللام متعلقة بمحذوف مؤخر اى ولتكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف {ويهديكم} بتلك الآية {صراطاً مستقيما} هو الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه فى كل ما تأتون وما تذرون وفى الآية اشارة الى ما وعد الله عباده من المغانم الكثيرة بقوله {أية : ادعونى استجب لكم}تفسير : فكل واحد يأخذها بحسب مطمح نظره وعلو همته فمن كانت همته الدنيا فهى له معجلة {أية : وماله فى الآخرة من خلاق}تفسير : ومن كانت همته الآخرة فله نصيب من حظ الدارين وربما يكف الله ايدى دواعى شهوات النفس عن المؤمنين ليكونوا من اهل الجنة كما قال تعالى {أية : ونهى النفس عن الهوا * فان الجنة هى المأوى}تفسير : ولو وكلهم الى انفسهم لاتبعوا الشهوات وهى دركات الجحيم اذ حفت النار بالشهوات وفى ترك الدنيا وشهوات النفس آية للمؤمنين حيث يهتدى بعضهم بهدى بعض ويصلون على هذا الصراط المستقيم الى حضرة ربوبية (قال الشيخ سعدى) شعر : بي نيك مردان ببايد شتافت هران كين سعادت طلب كرديافت وليكن تودنبال ديوخسى ندانم كه در صالحان كى رسى بيمبر كسى راشفاعت كرست كه بر جادة شرع بيغمبرست تفسير : ثم ان خيبر حصن معروف قرب المدينة على ما فى القاموس وقال فى انسان العيون هو على وزن جعفر سميت باسم رجل من العماليق نزلها يقال له خيبر وهو اخو يثرب الذي سميت باسمه المدينة وفى كلام بعض خيبر بلسان اليهود الحصن ومن ثم قيل لها خيابر لاشتمالها على الحصون وهى مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير بينها وبين المدينة الشريفة ثمانية برد والبريد اربعة فراسخ وكل فرسخ ثلاثة اميال، يقول الفقير وكل ميلين ساعة واحدة بالساعات النجومية لانه عد من المدينة الى قباميلان وهى ساعة واحدة فتكون الثمانية البرد ثمانى واربعين ساعة بتلك الساعات وفى القاموس البريد فرسخان واثنا عشر ميلا انتهى ولما رجع عليه السلام من الحديبية اقام شهرا اى بقية ذى الحجة وبعض المحرم من سنة سبع ثم خرج الى خيبر وقد استنفر من حوله ممن شهد الحديبية يغزون معه وجاءه المخلفون عنه فى غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة فقال عليه السلام "حديث : لا تخرجوا معى الا راغبين فى الجهاد"تفسير : اما الغنيمة فلا اى لا تعطون منها شيأثم امر مناديا ينادى بذلك فنادى به وامر ايضا انه لا يخرج الضعيف ولا من له مركب صعب حتى ان بعضهم خالف هذا الامر فنفر مركوبه فصرعه فاندقت فخذه فمات فأمر عليه السلام بلالا رضى الله عنه أن ينادى فى الناس الجنة لا تحل العاص ثلاثا وخرج معه عليه السلام من نسائه ام سلمة رضى الله عنها ولما اشرف على خيبر وكان وقت الصبح رأى عمالها وقد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم وهى القفف الكبيرة قالوا محمد والخميس اى الجيش العظيم معه قيل له الخميس لانه خمسة اقسام المقدمة والساقة والميمنة والميسرة وهما الجناحان والقلب وادبروا اى العمال هربا الى حصونهم وكانوا لا يظنون ان رسول الله يغزوهم وكان بها عشرة آلاف مقاتل فقال عليه السلام "حديث : الله اكبر خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين "تفسير : وانما قاله بالوحى كما نطق به قوله تعالى فعجل لكم هذه وابتدأ من حصونهم بحصون النطاة وامر بقطع نخلها فقطعوا اربعمائة نخلة ثم نهاهم عن القطع ومكث عليه السلام سبعة ايام يقاتل اهل حصون النطاة فلم يرجع من أعطى له الراية بفتح ثم قال حديث : لأعطين الراية غدا الى رجل يحب الله ورسوله ويحبانه يفتح الله على يديه تفسير : فتطاولها ابو بكر وعمر وبعض الصحابة من قريش فدعا عليه السلام عليا رضى الله عنه وبه رمد فتفل فى عينيه ثم أعطاه الراية وكانت بيضاء مكتوب فيها لا اله الا الله محمد رسول الله بالسواد فقال على علام اقاتلهم يا رسول الله قال حديث : أن يشهدوا ان لا اله الا الله وانى رسول الله فاذا فعلوا ذلك فقد حقنوا دماءهم واموالهم"تفسير : وألبسه عليه السلام درعه الحديد وشد سيفه ذا الفقار فى وسطه ووجهه الى الحصن وقال "حديث : لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم تفسير : اى من الابل النفيسة التى تصدق بها فى سبيل الله فخرج على رضى الله عنه بالراية يهرول حتى ركزها تحت الحصن الحارث اخو مرجب وكان معروفا بالشجاعة فتضاربا فقتله على وانهزم اليهود الى الحصن شعر : صعوه كريا عقاب سازدجنك دهد ازخون خودبرش رارنك تفسير : ثم خرج اليه مرجب سيد اليهود وهو يرتجز ويقول شعر : قد علمت خيبر انى مرحب شاكى السلاح البطل المجرب تفسير : اى تام السلاح معروف بالشجاعة وقهر الفرسان وارتجز على رضى الله عنه وقال شعر : انا الذى سمتنى امى حيدره ضرغام آجام وليث قسوره تفسير : وضرب عليا فطرح ترسه من يده فتناول على بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه فلم يزل فى يده يقاتل حتى قتل مرحبا وفتح الله عليه الحصن وهو حصن ناعم من حصون النطاة والقى الباب من يده ورآء ظهره ثمانين شبرا وذلك بالقوة القدسية وفيه بيان شجاعة على حيث قتل شجيعا بعد شجيع ونعم ما قيل شعر : كرجله شاطر بود خروس بجنك جهزند بيش بازروبين جنك كربه شيرست در كرفتن موش ليك موشست درمصاف بلنك تفسير : ثم انتقل عليه السلام من حصن ناعم الى حصن العصب من حصون النطاة فأقاموا على محاصرته يومين حتى فتحه الله وما بخيبر حصن اكثر طعاما منه كالشعير السمن والتمر والزيت والشحم والماشية والمتاع ثم انتقلوا الى حصن قلة وهو حصن بقلة وهو آخر حصون النطاة فقطعوا عنهم ماءهم ففتحه الله ثم سار المسلمون الى حصار الشق بفتح الشين المعجمة وهو اعرف عند اهل اللغة من الكسر ففتحو الحصن الاول من حصونه ثم حاصروا حصن البرآء وهو الحصن الثانى من حصنى الشق فقاتلوا قتالا شديدا حتى فتحه الله ثم حاصروا حصون الكثيبة وهى ثلاثة حصون القموص كصبور والوطيح وسلالم بضم السين المهملة وكان اعظم حصون خيبر القموص وكان منيعا حاصره المسلمون عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد على رضى الله عنه ومنه سبيت صفية رضى الله عنها وانتهت المسلمون الى حصار الوطيح بالحاء المهملة سمى باسم الوطيح بن مارن رجل من اليهود وسلالم آخر حصون خبر ومكثوا على حصارهما اربعة عشر يوما وهذان الحصنان فتحا صلحا لان اهلهما لما أيقنوا بالهلاك سألوا رسول الله عليه السلام الصلح على حقن دماء المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وارضها بذراريهم وان لا يصحب احدا منهم الاثوب واحد على ظهره فصالحهم عليه ووجدوا فى الحصنين المذكورين مائة درع واربعمائة سيف والف رمح وخمسمائة قوس عربية بجعابها واشياء آخر غالية القيمة وهى ما فى الخزانة ابى الحقيق مصغرا وارسل عليه السلام الى اهل فدك وهى محركة قرية بخيبر يدعوهم الى الاسلام ويخوفهم فتصالحوا معه عليه السلام على أن يحقن دماءهم ويخليهم ويخلون بينه وبين الاموال ففعل ذلك رسول الله وقيل تصالحوا معه على ان يكون لهم النصف فى الارض ولرسول الله النصف الآخر وكان فدك الاول لرسول الله وعلى الثانى كان له نصفها لانه لم تؤخذ بمقاتلة وكان عليه السلام ينفق منها ويعود منها على صغير بنى هاشم ويزوج منها ايمهم ولما مات عليه السلام وولى ابو بكر رضى الله عنه الخلافة سألته فاطمة رضى الله عنها ان يجعل فدك او نصفها لها فابى وروى لها انه عليه السلام قال "حديث : إنا معاشر الانبياء لا نورث"تفسير : اى لا نكون مورثين "حديث : ما تركناه صدقة"تفسير : اى على المسلمين ثم ان النبى عليى السلام امر بالغنائم التى غنمت قبل الصلح فجمعت واصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا منها صفية بنت ملكهم حيى بن اخطب من سبط هرون بن عمران اخى موسى عليهما السلام فهداها الله فأسلمت ثم اعتقها رسول الله وتزوجها وكانت رأت ان القمر وقع فى حجرها فكان ذلك رسول الله وجعل وليمتها حيسا فى نطع الحيس تمر واقط وسمن ودخل بها رسول الله فى منزل الصهباء فى العود والصهباء موضع قرب خيبر كما فى القاموس وبات تلك الليلة ابو ايوب الانصارى رضى الله عنه متوشحا سيفه يحرسه ويطوف حول قبته حتى اصبح رسول الله فرأى مكان ابى ايوب فقال حديث : مالك يا ابى ايوب تفسير : قال يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة قتلت اباها وزوجها وقومها وهى حديثة عهد بجاهلية فبت احفظك فقال عليه السلام حديث : اللهم احفظ ابا ايوب كما بات يحفظنى تفسير : قال السهيلى رحمه الله فحرس الله تعالى ابا ايوب بهذه الدعوة حتى ان الروم لتحرس قبره ويستسقون به فيسقون فانه غزا مع يزيد بن معاوية سنة خمسين فلما بلغوا القسطنطينية مات ابو ايوب هناك فأوصى يزيد ان يدفنه فى اقرب موضع من مدينة الروم فركب المسلمون ومشوا به حتى اذا لم يجدوا مساغا دفنوه فسألتهم الروم عن شأنهم فأخبروهم انه كبير من اكابر المسلمين الصحابة فقالت ليزيد ما احمقك واحمق من ارسلك امنت ان ننبشه بعدك فخرق عظامه فحلف لهم يزيد لئن فعلوا ذلك ليهدمن كل كنيسة بارض العرب وينبش قبورهم فحينئذ حلفوا له بنبيهم ليكرمن قبره وليحرسنه ما استطاعوا وقال صاحب روضة الاخبار مات ابو ايوب خالد بن زيد الانصارى رضى الله عنه بالقسطنطينية سنة احدى وخمسين مرابطا مع يزيد بن معاوية مرض فلما ثقل مرضه قال لاصحابه اذا انا مت فاحملونى فاذا صاففتم العدو فادفنونى تحت اقدامكم ففعلوا وقبره قريب من سورها معروف معظم وكان الروم يتعاهدون قبره ويستشفون به انتهى. يقول الفقير ثبت ان قبر ابى ايوب انما تعين باشارة الشيخ الشهير بآق شمس الدين قدس سره وقد كان مع الفاتح السلطان محمد العثمانى فى زمان الفتح وهذا يقتضى ان يكون محل قبره المنيف مندرسا بمرور الايام ولنعد الى تمام القصة ونهى النبى عليه السلام عن اتيان الحبالى حتى تضع وعن غير الحبالى حتى تستبرأ بحيضة ونهى عن اتيان المسجد لمن اكل الثؤم والبصل وعن بعضهم ما اكل نبى قط ثؤما ولا بصلا. يقول الفقير يدخل فيه الدخان الشائع شربه فى هذا الزمان بل رآئحته اكره من رآئحة الثؤم والبصل فاذا كان دخول المسجد ممنوعا مع رآئحتهما دفعا لاذى الناس والملائكة فمع رآئحة الدخان اولى وظاهر ان الثؤم والبصل من جنس الاغذية ولا كذلك الدخان ومحافظة المزاج بشربه انما عرفت بعد الادمان المولد للامراض الهائلة فليس لشاربه دليل فى ذلك اصلا فكما ان شرب الخمر ممنوع اولا وآخرا حتى لو تاب منها ومرض لا يجوز ان يشربها ولو مات من ذلك المرض يؤجر ولا ياثم فكذا شرب الدخان وليس استطابته الا من خباثة الطبع فان الطباع السليمة تستقذره لا محالة فتب الى الله وعد حتى لا يراك حيث نهاك ووقت عليه السلام قص الشارب وتقليم الاظفار واستعمال النورة بان لا يترك ذلك اربعين يوما وقدم عليه صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر ابن عمه جعفر بن ابى طالب من ارض الحبشة وقد كان هاجر اليها ومعه الاشعريون فقام عليه السلام الى جعفر وقبله بين عينيه واعتنقه وقال "حديث : والله ما ادرى بأيهما افرح بفتح خيبر ام بقدوم جعفر"تفسير : وليس حديث القيام معارضا لحديث من سره أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار لان هذا الوعيد انما توجه للمتكبرين ولمن يغضب ان لا يقام له وكان من جملة من قدم معهم من الحبشة ام حبيبة بنت ابى سفيان زوج النبى عليه السلام وذلك ان ام حبيبة كانت ممن هاجر الى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش فارتد عن الاسلام هناك وتنصر ومات على ذلك وبقيت هى على اسلامها ورأت فى المنام كأن قائلا يقول لها يا ام المؤمنين فعلمت بأن رسول الله يتزوجها فارسل عليه السلام فى المحرم افتتاح سنة سبع الى النجاشى بالتخفيف ملك الحبشة وكان مؤمنا ليزوجها منه عليه السلام فزوجها واصدقها اربعمائة دينار ولما قدم رسول الله خيبر كان الثمر اخضر فأكثر الصحابة من اكله فأصابتهم الحى فشكوا ذلك الى رسول الله فقال حديث : بر دوائها الماء فى الشنان"تفسير : اى فى القرب "حديث : ثم صبوا منه عليكم بين اذانى الفجر واذكروا اسم الله عليه تفسير : ففعلوا فذهبت عنهم وفى هذه الغزوة اراد عليه السلام ان يتبرز فأمر الى شجرتين متباعدتين حتى اجتمعتا فاستتر بهما ثم قام فانطلقت كل واحدة الى مكانها وفى خيبر كان اكله من الشاة المسمومة وذلك ان زينب ابنة الحارث اخى مرحب سمتها واكثرت فى الذراعين والكتف لما عرفت انه عليه السلام كان يحب الذراع والكتف لكونهما ابعد من الاذى واهدتها له عليه السلام وكان قد صلى المغرب بالناس فلما انتهش من الذراع وازدرد لقمة ازدرد بشر ما فى فيه ومات من اكل معه وهو بشر بن البرآء واحتجم رسول الله بين الكفتين فى ثلاثة مواضع وقال حديث : الحجامة فى الرأس هى المعينة امرنى بها جبرآئيل حين اكلت طعام اليهودية تفسير : وقد احتجم فى غير هذه الواقعة مرارا واحتجم وسط رأسه وكان يسميها منقذا وذلك انه لما سحره اليهودى ووصل المرض الى الذات المقدسة امر بالحجامة على قبة رأسه المباركة واستعمال الحجامة فى كل متضرر بالسحر غاية الحكمة ونهاية حسن المعالجة وفى الحديث حديث : الحجامة فى الرأس شفاء من سبع من الجنون والصداع والجذام والبرص والنعاس ووجع الضرس وظلمة يجدها فى عينيه تفسير : والحجامة فى البلاد الحارة انفع من الفصد والاولى ان تكون فى الربع الثالث من الشهر لانه وقت هيجان الدم وعن ابى هريرة مرفوعا حديث : من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة واحدى وعشرين كانت شفاء من كل داء والحجامة على الريق دواء وعلى الشبع داء ويكره فى الاربعاء والسبت تفسير : ثم ارسل رسول الله الى تلك اليهودية فقال حديث : أسممت هذه الشاة تفسير : فقالت من اخبرك قال حديث : اخبرتنى هذه التى فى يدى اى الذراع تفسير : قالت نعم قال حديث : ما حملك على ما صنعت تفسير : قالت قتلت ابى وعمى وزوجى ونلت من قومى ما نلت فقلت ان كان ملكا استرحنا منه وان كان نبيا فسيخبر فعفا عنها شعر : زخوان معجزا وكرنوالة طلبى حديث برة برياشنوكه ما حضرست تفسير : فلما مات بشر امر بها فقتلت وصلبت وفى الاحياء اطعم عليه السلام السم فمات الذى اكل معه وعاش هو عليه السلام بعده اربع سنين انتهى قال الشيخ الشهير بأفتاده قدس سره انما لم يؤثر السم فى عمر حين جاء من قيصر لانه رضى الله عنه انما شرب بحقيقته لا ببشريته وانما اثر فى النبى عليه السلام بعد تنزله الى حالة بشريته وذلك ارشاده عليه السلام وان كان فى عالم التنزل غير ان تنزله كان فى مرتبة الروح وهى اعدل المراتب فلم يؤثر فيه حتى مضى عليه اثنتا عشرة سنة فلما احتضر عليه السلام تنزل الى ادنى المراتب لان الموت انما يجرى على البشرية فلما تنزل الى تلك المرتبة اثر فيه انتهى فانتقل عليه السلام من الدنيا بالشهادة فأحرز جميع المراتب من النبوة والرسالة والصديقية والشهادة يقول الفقير قوله اثنتا عشرة سنة وهكذا قال صاحب المحمدية وهو مخالف لما سبق عن الاحياء والحق ما فى الاحياء لان قصة السم كانت فى خيبر وقصة خيبر فى السنة السابعة من الهجرة فغير هذا وجهه غير ظاهر كما لا يخفى ولما كان زمان خلافة عمر رضى الله عنه ظهر خيانة اهل خيبر فأجلى يهود فدك ونصارى نجران لانه عليه السلام قال "حديث : لا يبقى دينان فى جزيرة العرب"تفسير : وجزيرة العرب ما احاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات او ما بين عدن ابين الى اطراف الشام طولا ومن جدة الى ريف العراق عرضا كما فى القاموس

الجنابذي

تفسير : {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} هى ما يفئ الله على المؤمنين (ع) الى يوم القيامة او هى مغانم مكّة وهوازن {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ} اى ايدى قريش او ايدى الاعراب وغيرهم بقوّة الاسلام، او ايدى اهل خيبر وحلفائهم {عَنْكُمْ} ذكر فى المجمع عن العامّة انّه لمّا قدم رسول الله (ص) المدينة من الحديبيّة مكث بها عشرين ليلةً ثمّ خرج منها غازياً الى خيبر فحاصرهم حتّى اصابتهم مخمصة شديدة ثمّ انّ الله فتحها؛ وذلك انّ النّبىّ (ص) اعطى اللّواء عمر بن الخطّاب ونهض من نهض معه من النّاس فلقوا اهل خيبر فانكشف عمر واصحابه فرجعوا الى رسول الله (ص) يُجَبِّنّه اصحابه ويُجَبِّنّهم، فقال رسول الله (ص) بعد ما اخبروه بما فعل عمر واصحابه، "حديث : لاُعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّاراً غير فرّارٍ لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه، فلمّا اصبح النّاس غدوا على رسول الله (ص) كلّهم يرجون ان يعطيها، فقال (ص): اين علىّ بن ابى طالب (ع)؟ - فقالوا: هو تشتكى عينه، فأرسل اليه فأتى به فبصق فى عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجعٌ فأعطاه الرّاية، فقال (ص): انفذ على رِسْلِك حتّى تنزل بساحتهم ثمّ ادعهم الى الاسلام واخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فوالله لان يهدى الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من ان يكون لك حمر النّعم، فذهب الى خيبر فبرز اليه مرحب فضربه ففلق رأسه فقتله وكان الفتح على يده"تفسير : ، هكذا اورده مسلم فى الصّحيح، ونقل عن العامّة: انّ عليّاً (ع) لمّا دنا من الحصن خرج اليه اهله فقاتلهم فضربه رجلٌ من اليهود فطرح ترسه من يده فتناول علىٌّ (ع) باب الحصن فتترّس به عن نفسه فلم يزل فى يده وهو يقاتل حتّى فتح الله عليه ثمّ القاه من يده، فلقد رأيتنى فى نفرٍ معى سبعة نجهد على ان نقلب ذلك الباب فما استطعنا، ونقل عنهم انّ عليّاً (ع) حمل الباب يوم خيبر حتّى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وانّه حُرّك بعد ذلك فلم يحمله اربعون رجلاً، وروى من وجهٍ آخر انّه اجتمع عليه سبعون رجلاً فكان جهدهم ان اعادوا الباب، ورووا عن ابى ليلى قال: كان علىّ (ع) يلبس فى الحرّ والشّتاء القباء المحشوّ الثّخين وما يبالى الحرّ فاتانى اصحابى فحكوا ذلك لى فقالوا: هل سمعت فى ذلك شيئاً؟ - فقلت: لا، فقالوا: فسل لنا اباك عن ذلك، فانّه يسمر معه فسألته فقال: ما سمعت فى ذلك شيئاً فدخل على علىٍّ (ع) فسمر معه، ثمّ سأله عن ذلك، فقال: اوما - شهدت خيبر؟ - قلت: بلى، قال: فما رأيت رسول الله (ص) حين دعا ابا بكرٍ فعقد له ثمّ بعثه الى القوم فانطلق فلقى القوم ثمّ جاء بالنّاس وقد هزم؟ - فقال: بلى، قال: ثمّ بعث الى عمر فعقد له ثمّ بعثه الى القوم فانطلق فلقى القوم فقاتلهم ثمّ رجع وقد هزم، فقال رسول الله (ص): "حديث : لاُعطينّ الرّاية اليوم رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله يفتح الله على يده كرّاراً غير فرّارٍ، فدعانى فأعطانى الرّاية ثمّ قال: اللّهمّ اكفه الحرّ والبرد، فما وجدت بعد ذلك حرّاً ولا برداً"تفسير : ، وقال صاحب المجمع: هذا كلّه من كتاب دلائل النّبوّة للامام ابى بكر البيهقىّ، ثمّ لم يزل رسول الله (ص) يفتح الحصون حصناً حصناً حتّى انتهوا الى حصن الوطيخ والسّلالم وكان آخر حصون خيبر وحاصرهم رسول الله (ص) بضع عشرة ليلة، قال ابن اسحاق: ولمّا افتتح القموص حصن ابن ابى الحقيق اُتى رسول الله (ص) بصفيّة بنت حىّ بن اخطب وباُخرى معها فمرّ بهما بلال وهو الّذى جاء بهما على قتلى من قتلى يهود، فلمّا رأتهم الّتى معها صفيّة صاحت وصكّت وجهها وحثت التّراب على رأسها فلمّا رآها رسول الله (ص) قال "حديث : اعزبوا عنّى هذه الشّيطانة"تفسير : وامر بصفيّة فحُيّزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون انّه قد اصطفاها لنفسه، وقال لبلال: لمّا رأى من تلك اليهوديّة ما رأى انزعت منك الرّحمة يا بلال؟ - حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟ - وكانت صفيّة قد رأت فى المنام وهى عروس بكنانة بن الرّبيع بن ابى الحقيق انّ قمراً وقع فى حجرها فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا الاّ انّك تتمنّين ملك الحجاز محمّداً (ص) ولطم وجهها لطمة اخضرّت عينها منها، فأتى بها رسول الله (ص) وبها اثرٌ منها فسألها رسول الله (ص) منها فاخبرته وأرسل ابن ابى الحقيق الى رسول الله (ص) انزل فاكلّمك قال: نعم، وصالح رسول الله (ص) على حقن دماء من فى حصونهم من المقاتلة وترك الذّرّيّة لهم ويخرجون من خيبر وارضها بذراريهم ويخلّون بين رسول الله (ص) وبين ما كان لهم من مالٍ وارضٍ على الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البَزّ الاّ ثوب على ظهر انسان، وقال رسول الله (ص) "حديث : تبرّأت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله ان كتمتمونى شيئاً"تفسير : فصالحوه على ذلك، فلمّا سمع اهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا الى رسول الله (ص) ان يسيرهم ويحقن دماؤهم ويخلّون بينه وبين الاموال، ففعل وكان ممّن مشى بين رسول الله (ص) وبينهم فى ذلك محيصة بن مسعود فلمّا نزل اهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله (ص) ان يعاملهم الاموال على النّصف وقالوا: نحن اعلم بها منكم واعمر لها، فصالحهم رسول الله (ص) على النّصف على انّا اذا شئنا ان نخرجكم اخرجناكم، وصالحه اهل فدك على مثل ذلك فكان اموال خيبر فيئاً بين المسلمين وكانت فدك خالصةً لرسول الله (ص) لانّهم لم يوجفوا عليها بخيلٍ ولا ركابٍ، ولمّا اطمأنّ رسول الله (ص) اهدت له زينب بنت الحارث بن سلام وهى ابنة اخى مرحب شاةً مَصليّةً وقد سألت اىّ عضو من الشّاة احبّ الى رسول الله (ص) فقيل لها: الذّراع فأكثرت فيها السّمّ وسمّت سائر الشّاة ثمّ جاءت بها، فلمّا وضعتها بين يديه تناول الذّراع فأخذها فلاك منها مضغةً وانتهش منها ومعها بشر بن البراء بن معرور فتناول عظماً فانتهش منه، فقال رسول الله (ص): "حديث : ارفعوا ايديكم فانّ كتف هذه الشّاة تخبرنى انّها مسمومة"تفسير : ثمّ دعاها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ - فقالت: بلغت من قومى ما لم يخف عليك فقلت: ان كان نبيّاً فسيخبر وان كان ملكاً استرحت منه، فتجاوز عنها رسول الله (ص) ومات بشر بن البراء من أكلته الّتى اكل، ودخل امّ بشرٍ على رسول الله (ص) تعوده فى مرضه الّذى توفّى فيه، فقال: يا امّ بشرٍ ما زالت اكلة خيبر الّتى اكلت بخيبر مع ابنك تعازّنى فهذا او ان قطعت ابهرى وكان المسلمون يرون انّ رسول الله (ص) مات شهيداً مع ما اكرمه الله به من النّبوّة {وَلِتَكُونَ} يا محمّد (ص) او لتكون الغنيمة الّتى عجّلها لكم وهو عطف على محذوفٍ اى لتقوّى وتُرفع ولتكون او متعلّق بمحذوفٍ معطوفٍ على عجّل اى فعل ذلك لتكون {آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} يعنى الولاية او صراطاً مستقيماً واقعاً بين الافراط والتّفريط فى كلّ امرٍ.

الهواري

تفسير : قوله عزّ وجل: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} أيها المؤمنون {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} أي: خيبر {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} وهم أسد وغطفان إذ كانوا حِلْفاً وأهلَ خيبر. وكان الله وعد نبيّه خيبر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجّهوا راياتهم إذا أصبحوا إلى غطفان وأسد. فبلغهم ذلك. وألقى الله في قلوبهم الرعب, فهربوا من تحت ليلتهم، وهو قوله عزّ وجل: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ...} إلى آخر الآية. وهذا تفسير الكلبي. وقال الحسن: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}: غنيمة خيبر، {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا}. أي: يأخذها المؤمنون إلى يوم القيامة في تفسير الحسن ومجاهد قال: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} أي: غنيمة خيبر، {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ}. قال: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}؛ وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا قافلة من المشركين من أهل مكة، فأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألكم علينا عهد؟ قالوا: لا. قال: أليس دماؤكم حلالاً؟ قالوا: بلى، فتركهم. وقال الحسن: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} يعني مشركي أهل مكة. قال تعالى: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي: ما صنع النبي عليه السلام من تركه القوم الذين ترك. {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} أي: الإسلام، وهو الطريق المستقيم إلى الجنة. قال: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} بعدُ {قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} أي: علم أنكم ستظفرون بها وتفتحونها، يعني كل غنيمة يغنمها المسلمون إلى يوم القيامة. {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}.

اطفيش

تفسير : {وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} من الفتوحات الى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} غنيمة خيبر وهي في جنب ما وعد به من الغنائم قليل وفي ذلك اشارة الى كثرة الفتوحات وقال زيد بن اسلم وابنه وابن عباس المغانم الكثيرة خيبر وهذ لعجلة البيعة والتخلص من أمر قريش {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ} بالصلح وهم أهل خيبر وحلفاؤهم من بني أسد وغطفان وقريش ومن معهم من أهل مكة ومن حولها وقيل: المراد أهل مكة ومن حولها وقال قتادة (كف أيدي الناس) عن أهل المدينة في مغيبه صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين بعد ما أرادوا أن يغيروا على عيالهم في المدينة وقيل اليهود فقذف في قلوبهم الرعب* {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} العطف على محذوف هو علة لكف أو لعجل أي لتسلموا ولتكونوا ولتأخذوا ولتكونوا أو بنفعكم بها ولتكون واسم (تكون) عائد الى الكفة أو الغنيمة ويجوز التعليق بمحذوف معطوف أو مستأنف أي وفعل ذلك لتكون آية للمؤمنين والمراد بالآية آية تدل على صدقه صلى الله عليه وسلم في اخباره عن الغيوب فيزدادوا يقينا الى يقينهم اذا صدق وعده أو آية يعرفون بها أنهم من الله بمكان وانه ضامن نصرهم ومتوليه وضامن الفتح عليهم وقد صدق صلى الله عليه وسلم في وعدهم خيبرا في حين رجوعه من الحديبية ووعد المغانم والآية الأمارة والعنوان على فتح مكة قبل رؤياه صلى الله عليه وسلم فتح مكة في منامه ورؤياه الانبياء حق ووحي فتأخر ذلك الى السنة القابلة فجعل خيبر عنوانا لفتح مكة* {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} التوكل والثقة بالله وبصيرة أي يزيدكم ذلك وقيل يهديكم الى دين الاسلام ويثبتكم عليه ويزيدكم يقينا بصلح الحديبية وفتح خيبر* بيان فتح خيبر على ما ذكره الثعالبي في كتابه المسمى بالأنوار في آيات النبي المختار وغيره أتى خيبرا ليلا وكان اذا أتى قوما لم يقربهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت اليهود لخدمتهم بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله محمد والخميس أي الجيش فقال صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبرا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين وعن بعض وعده الله خيبرا وهو في الحديبية ونزل بواد يقال له الرجيع بين خيبر وعساكر غطفان وغيرهم لئلا يمدوا خيبر وقد جاءوا لمدهم وسمعوا حسا فخافوا أهلهم وأموالهم ورجعوا بعد ما ساروا مرحلة فاخذها صلى الله عليه وسلم حصنا حصنا وشكا اليه بعض أصحابه الجوع فقال اللهم قد علمت حالهم وانه لا قوت لهم وليس بيدي ما اعطيهم فافتح عليهم أعظم حصونها غنى واكثرها طعاما وورد فافتح عليهم حصن الصعب بن معاذ أكبر حصونها طعاماً وودكا وشعيرا وتمرا وسمنا وعسلا ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم كلوا واعلفوا ولا تحملوا الى بلادكم ووجدوا كثيرا من البز والآنية والغنم والبقر والحمر وآلات الحرب ظن اليهود أن الحصن يكون دهراً فعجل الله خزيهم قيل وجدوا من البز عشرين عكما محزومة من غليظ متاع اليمن وآلفا وخمسمائة قطيفة ما بقي مسلم الا أخذ قطيفة قدم بها الى أهله ووجدوا ما يملأ جلد الجمل أكثره أسورة الذهب ودمالجه وفرضته وخلال الذهب ونظم من جوهر وزمرد وخواتم الذهب ومن الكتيبة وحدها مائة درع وأربعمائة سيف والف رمح وخمسمائة قوس عربية بجعابها وحاصروا حصنا يقال له البراز فقاتلوه اشد القتال حتى أصاب النبل ثيابه صلى الله عليه وسلم وعلقت به فاخذه وجمعه وأخذ كفا من حصباء فحصب بها حصنهم فرجف وساخ في الأرض فاخذ أهله اخذا وآخر حصونهم فتحا الوطيخ حاصره بضع عشرة ليلة فخرج منه مرحب اليهودي وهو ملكهم راجزا* شعر : قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب اذا الحروب اقبلت تلهب أطعن احيانا وحينا أضرب تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة أنا والله قال فقم اليه اللهم اعنه فحمل عليه فضربه فاتقاه محمد بالدرقة فامسكت سيفه فقتله محمد ثم خرج أخوه ياسر قائلا هل من مبارز فخرج اليه الزبير بن العوام فقالت أمه صفية بنت عبدالمطلب يقتل ابني يا رسول الله قال بل ابنك يقتله ان شاء الله فقتله الزبير واخذته صلى الله عليه وسلم الشقيقة وبعث أبا بكر برايته الى حصن فقاتل ولم يكن فتح وقد جهد وبعث من الغد عمر وقاتل اشد ولم يفتح وقد جهد فقال صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه فدعا عليا وهو ارمد فتفل في عينيه فبرئ فخرج فركز الراية في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع اليه يهودي من الحصن فقال من أنت؟ قال علي بن ابي طالب فقال اليهودي (علوتم وما أنزل على موسى) وما رجع حتى فتح وضربه يهودي فطرح ترسه من يده فتناول بابا عند الحصن يترس به حتى فتح فألقاه قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد رأيتني في سبعة أنا ثامنهم نجهدن نقلب الباب فما قدرنا والذي بعثه صلى الله عليه وسلم الى علّي هو سلمة بن الأكوع الطويل ولما قال مرحب (قد علمت خيبر).. الخ أجابه علي: شعر : أنا الذي سمتني أمي حيدره أضرب بالسيف رقاب الكفره كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندرة تفسير : ولما قال صلى الله عليه وسلم لاعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه بات الناس يذكرون أيهم يعطيها فلما أصبحوا غدوا اليه رجاء لها قال لعلي "حديث : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم وادعهم الى الاسلام وما يجب عليهم من حق الله فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم"تفسير : وروي "حديث : خير من الدنيا وما فيها"تفسير : وروي "حديث : خير مما طلعت عليه الشمس"تفسير : وعن بعضهم أنه لما بعثه شكا اليه الحر والقراقلة لباسة فقال صلى الله عليه وسلم اللهم لا يشتكي حراً ولا قراً قال علّي فما وجدتهما الى الآن وعن الوافدي ان اليهود لما أيقنوا بالهلاك بعثوا ابن أبي الحقيق الى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالحهم على حقن دمائهم وترك الذرية لهم ويخرجوا من خيبر بذراريهم ويخلوا بينه صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البز الا ثوبا على ظهر انسان فقال صلى الله عليه وسلم وبرئت ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كتموني شيئا فصالحوه على ذلك وعن ابن عباس صالحهم على كل شيء الا أنفسهم وذراريهم وأتى بالربيع وكنانة ابني أبي الحقيق وأحدهما عروس بصفية فقال اين آنيتكما التي كانت تستعار في أعراس المدينة قالا أخرجناها فأنفقناها فقال لرجل اذهب الى نخل كذا كذا فانظر نخلة في رأسها رقعة فانزع الرقعة ففعل فاستخرج ما أخفياه وضربت اعناقهما وبينما النبي صلى الله عليه وسلم محاصرا لبعض حصون خيبر اذ أتاه الاسود الراعي واسمه أسلم ومعه غنم يرعاها بالأجرة ليهودي فقال يا رسول الله أعرض عليّ الاسلام فعرضه فأسلم فقال كيف أصنع بهذه الغنم قال اضرب وجوهها وقل ارجعي الى صاحبك فوالله لا أصحبك ففعل وخرجت مجتمعة كأَن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ثم تقدم الى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فاصابه حجر فقتله وما صلى صلاة قط فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه خلفه وسجي بشملة كانت عليه فالتفت اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعرض فقالوا أعرضت عنه يا رسول الله فقال ان معه الآن زوجتيه من الحور العين قال ابن اسحاق عن عبدالله بن ابي نجيح عن غيره ان الشهيد تنزل زوجتاه من الحور العين تنفضان التراب عن وجهه ويقولان ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك وقال له بنو فزارة ان لم تعطنا من مغانم خيبر قاتلناك فقال موعدكم خيفاء ماء من مياء فزارة فرجعوا هاربين واسلم واحد منهم واحسن وقال لما نفرنا الى أهلنا بخيفاء مع عيينة بن حصن عرسنا في موضع يقال له الخطام فقال عيينة ابشروا اني أعطيت ذا الرقيبة جبلا بخيبر وقد والله أخذت برقبة محمد قال فقدمنا خيبرا فوجدناه صلى الله عليه وسلم فتحها وغنمها فقال عيينة اعطني ما غنمت من طعام أبي فاني انصرفت عنك بأربعة آلاف مقاتل رغبة عن قتالك فقال كذبت ولكن الصباح سمعت انفرك الى أهلك قال اجزني قال لك ذو الرقيبة فقال ما هو قال الجبل الذي رأيت في المنام انك أخذته فانصرف عيينة الى أهله فجاءه ابن عوف رجل من قومه فقال ألم أقل لك إنك في غير شيء والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب يهود كانوا يخبروننا بهذا وقد سمعت ابا رافع سلام بن ابي الحقيق يقول انا نحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون وهو نبي مرسل ويهود لا تطاوعني على هذا ولنا منه ذبحان واحد بيثرب وآخر بخيبر ويملك الأرض جميعا قال نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب ان تعلم يهود بقولي فيه وعن انس كان صلى الله عليه وسلم اذا غزا قوما لم يغزينا حتى يصبح وينظر فان سمع إذانا كف والا اغار عليهم فخرجنا الى خيبر فلما انتهينا اليهم ليلا بات ولم يسمع اذانا في الصبح فركب وركبت خلف ابي طلحة وان قدمي تمس النبي صلى الله عليه وسلم ولما خرجنا جعل عمي عامر يرتجز. شعر : تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الاقدام ان لاقينا وانزلن سكينة علينا تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم من هذا؟ قال أنا عامر فقال غفر لك ربك وما خص أحدا بالاستغفار الا استشهد فنادى عمر رضي الله عنه على جمل لو متعتنا يا رسول الله بعامر فلما قدمنا خيبر مرحب يخطر بسيفه قائلاً: شعر : قد علمت خيبر اني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلتهب تفسير : وبرز له عامر قائلا: شعر : قد علمت خيبر اني عامر شاكي السلاح بطل معاقر تفسير : فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فمات قال سلمة فقال نفر بطل عمله لقتل نفسه فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت بطل عمل عمي فقال من قال ذلك قلت نفر من أصحابك قال كذب من قال ذلك بل له الأجر مرتين وروي أنه لما بعث علياً قال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله على يدك وضرب مرحبا على مغفره وهو من حجر فشقه حتى بلغ سيفه أسنان مرحب قال ابن اسحاق أول حصن فتحوه حصن ناعم وعنده قتل محمد بن مسلمة القت عليه اليهود حجرا ثم العموص حسن ابي الحقيق ومنه صفية بنت حيي بن اخطب جاء بها بلال وبأخرى معها فمر على قتلى اليهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحبت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أغربوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فجهزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرفوا انه اصطفاها لنفسه وقال لبلال أنزعت منكم الرحمة يا بلال جئت بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية زوجة لكنانة بن الربيع بن ابي الحقيق رأت أن قمراً وقع في حجرها فعبر ذلك بانها تتمنى ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها حتى اخضرت عيناها وبقي أثر في وجهها فسألها صلى الله عليه وسلم عنه فاخبرته بذلك ثم أتي بزوجها وعنده كنز بني النضير فجحده وأتي بيهودي قال رأيته يطوف في هذه الخربة كل غداة فقال صلى الله عليه وسلم أنقتلك ان وجدناه قال نعم فحفرت الخربة فوجد بعضه وسأله عن البقية فجحد فامر به الى الزبير يستأصل ما عنده فكان يقدح بزنده على صدره فأشرف على الموت ثم دفعه لأخي محمد بن مسلمة فقتله بأخيه وعن أنس صلينا بغلس صلاة الغداة فركب صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة وأتى رديفه فجرى صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وان ركبتي لتمس فخذه ثم كشف عن فخذه حتى بدأ بياضه وهو دليل من قال ليس الفخذ عورة أو كشفه عن غير عمد ولما دخل قال ثلاثا انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذربن فأصبناها عنوة فجمع السبي فقال لحية اعطني جارية من السبي يا رسول الله قال خذ فأخذ صفية فقيل لا تصلح الا لك يا رسول الله هي بنت سيد قريظة والنضير فقال ادعوه فنظر اليها فقال خذ غيرها فاعتقها صلى الله عليه وسلم وتزوجها قيل لأنس ما أصدقها قال نفسها اعتقها وتزوجها جهزتها له ام سلمة في الطريق فأهدتها اليه ليلا فأصبح عروساً فقال من كان عند شيء فليجئ به فبسط نطعا وهو الجلد وجعل الرجل يأتي بالتمر والآخر بالسمن والآخر بالسويق فتحاس حيسا فكان وليمته قلت: لا صداق واجب عليه وعن عبدالله بن أبيّ أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئا فقلنا انما نهى عنها لأنها لم تخمس وقال آخرون حرمها البتة وسالت سعيد بن جبير فقال حرمها البتة وعن جابر بن عبدالله نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل قالت عائشة لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر وروي انه جعل الناس يتبايعون غنائمهم فقال رجل يا رسول الله لقد ربحت اليوم ربحاً ما ربحه أحد من أهل هذا الوادي قال ويحك وما ربحت قال ما زلت أبيع وأشتري حتى ربحت ثلاثمائة أوقية فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أنبئك بخير ربح قال وما هو يا رسول الله قال ركعتان بعد الصلاة"تفسير : وأجلى عمر في امارته اليهود والنصارى الى تيهاء واريحياء لأنه صلى الله عليه وسلم لما أراد اجلاء يهود خيبر سألوه ان يقرهم ويعملوا ولهم نصف التمر فأقرهم على انه إذا شاء أخرجهم ولما سمع أهل فدك بإقراره لهم على النصف جاءه أهل فدك وطلبوا ذلك ففعل على أنه اذا شاء أخرجهم وقد بعثوا قبل اليه حين سمعوا فتح خيبر أن يحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل فكانت فدك له خاصة لأنهم لم يوجفوا عليها خيلا ولا ركابا ولما اطمأن صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة مشوية وروى أبو داود إنها عنز فسألت اليهود أي سم يقتل في الوقت فاشاروا لها وأكثرت منه في الذراع والكتف لأنها سألت أي الشاة أحب اليه أي اجزائها فقالوا الذراع والكتف فوضعته بين يديه وأيدي من حضر من أصحابه وفيهم بشر بن البراء بن معرور وقيل انها صنعت به ثريدا فتناول صلى الله عليه وسلم الذراع فانتهش منه فلم يبتلعه وناول بشر عظما فابتلعه ولفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يخبرني هذا العظم انه مسموم فقيل ان بشرا مات به في المرض الذي توفي فيه وقيل انه صلى الله عليه وسلم ابتلع فجئ بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها فقالت أردت قتلك فقال ما كان الله ليسلطك على ذلك قال عليّ: أنقتلها؟ قال لا وروي أنها قالت من اخبرك فقال اخبرتني هذه الذراع قالت صدقت قالت قلت ان كان ملكا استرحنا منه او نبيا لم يضره وروي أنه أكلت منها جماعة ماتوا كلهم بها فلما أخبرته الذراع قال ارفعوا أيديكم فان هذه الذراع تخبرني انها مسمومة وانه احتجم على كاهله من أجل أكله منها وانها لما قال ما حملك على هذا قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت ان كان نبيا لم يضره وان كان غيره استرحنا منه وقيل انه قال "حديث : اجمعوا لي من هنا من اليهود فجمعوا فسألهم عن أشياء منها من أبوكم قالوا فلان قال كذبتم أبوكم فلان قالوا صدقت وبررت وسألهم من أهل النار قالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا قال اخسأوا فيها والله لا نخلفكم أبدا وسألهم هل جعلتم في هذه الشاة سما قالوا نعم قال ما حملكم؟ قالوا ان كنت كذابا استرحنا منك أو نبيا لم يضرك وعفا عنها"تفسير : رواه أبو هريرة وقيل دفعها الى أولياء بشر فقتلوها قصاصا ولو صح انها اسلمت وانها قالت الآن استبان انك صادق أشهدك ومن حضر إني على دينك وإن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفهمنا إنها قتلت قصاصا رواية إنه دفعها لأولياء بشر فقتلوها وهذا مراد السهيلي ولولا ذلك لاحتمل إنه أمر بقتلها لنقض العهد ويدل له أنها أخرت حتى مات بشر ويضعف ادعاء أنه أخرها الى أن تحققت عظمة جنايتها فقتلها للنقض وروي انه صلبها ولا يرد على ادعاء ان القتل قصاص منها ولو بني على المماثلة لأن المماثلة للمولى وأما الامام فله فعل ما شاء فصلبها زجرا وتنكيلا والقتل بالسيف لا يوجب كون القتل للنقض لجوازه بدل القتل بالسم وعن عائشة كان يقول في مرض موته يا عائشة ما زال أجد الم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا وان وجدت انقطاع ابهري من ذلك السم وقال لام بشر ما زالت أكلة خيبر مع ابنك تعاودني فهذا وان قطعه ابهري فجمع الله له بين الشهادة والنبوة

اطفيش

تفسير : {وعَدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} فى أوقاتها المقدرة لها، وهى ما يكون من المغانم الى يوم القيامة، فالخطاب للأمة المؤمنين الحاضرين والغائبين، وغلب الحاضر بالخطاب أو الخطاب للحاضرين، لأنهم ومن بعدهم من المؤمنين كجماعة واحدة، وقال زيد بن أسلم: المغانم الكثير الموعودة مغانم خيبر، وهو رواية عن ابن عباس، والجمهور على ما مرّ أولا من أنها المغانم الى يوم القيامة، ولما خرجوا غنائم خيبر عند فتحها تبايع الناس فيها، وكانت كثيرة. و"حديث : جاء رجل فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ربحت اليوم ما لم يربحه أحد من أهل هذا الوادى، فقال: "ويحك ما هو؟" قال: ثلاثمائة أوقية فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أثبتك بأفضل منها؟" قال: وما هو يا رسول؟ قال: "ركعتان بعد الصلاة"" تفسير : {فعجَّل لكُم هَذه} غنائم خيبر، وقيل: غنائم هجر، وقيل: هذه هى البيعة، والتخلص من قريش والأحابيش بالصلح، ذكر بعض أن قوله تعالى: {فعجَّل لكم هذه} أن نزل بعد فتح خيبر كما هو الظاهر، فبعض السورة فى الطريق من الحديبية الى المدينة، وبعضها بعد وصول المدينة، وان كان قبل فتح خيبر فذلك اخبار بالغيب بأن نزل الغائب منزلة الحاضر المشاهد، فقال: "هذه" والمضى لتحقق الوقوع، واختير أنه نزل قبل فتح خيبر أكثر السورة فى الطريق، وظاهر الأخبار أن السورة كلها بين الحديبية والمدينة، فالمعجَّلة البيعة والتخلص من قريش ومن معهم. {وكفَّ أيْدي النَّاس عَنْكم} أيدى أهل خيبر وخلفائهم من أسد وغطفان، إذ جاءوا لنصرة أهل خيبر، فقذف فى قلوبهم الرعب، ورجعوا، وذلك قبل سفر الحديبية، وقال مجاهد: أيدى أهل مكة كفها بالصلح وهم أقوى منكم، وأكثر عددا، وفى بلدهم، مع أنكم ما جئتموهم بأهبة القتال، بل للعمرة، وقال ابن جرير: كف أيدى أهل خيبر وسائر اليهود عن المدينة بعد سفر الحديبية، وأيدى سائر اليهود عن المدينة، بعد الذهاب الى غزو خيبر، كما قيل: ان قبائل من أسد وغطفان همت أن تغير على العيال بالمدنية، اذ اشتغل صلى الله عليه وسلم بحصار خيبر. {ولتَكُون} أى الكف المعلوم من قوله تعالى: "كف أيدي الناس عنكم" وأنثه لتأنيث الخبر، أو لتكون الكفة وهى مرة من الكف، أو لتكون مغانم خيبر، واللام متعلق بمحذوف تقديره فعل ذلك لتكون، أو يقدر مؤخرا، أى ولتكون آية فعل ذلك، أو متعلق بمحذوف مع علة اخرى، أى فعل ذلك لتنتفعوا، ولتكون، أو كف أيديهم لتنتفعوا، ولتكون، وزعم الكوفيون فى هذه ومثلها أن الواو زائدة، واللام متعلق بما قبله وهو هنا كف، أو عجل وهو مردود، والأصل عدم الزيادة، ولا سيما زيادة حرف غير معتاد فى التأكيد. {آيةً} أمارة {للمُؤمنين} على أنَّهم عند الله الرحمن الرحيم مرضيون، أو على أن ما وعدهم صلى الله عليه وسلم به من فتح خيبر ومكة والغنائم، ودخول المسجد الحرام حق يقع، واخبار بالغيب، وان ذلك بالوحى من الله عز وجل، ولا بد {ويَهْديكم صِراطاً مُستقيماً} هو تقوية الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه وإدامتها، رجع صلى الله عليه وسلم من الحديبية بقية ذى الحجة، وخرج الى خيبر بقية المحرم سنة سبع، وقاتل عامر مرحبا اليهودى وهو ملكهم، فانقلب عامر على سيف نفسه فمات، وقالوا: قتل نفسه وبطل عمله، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كذب من قال ذلك بل له أجران" تفسير : وأرسل الى علي وهو أرمد فتفل فى عينيه فشفى، وحمل الراية وقتل مرحبا، فكان الفتح. وقيل: أخذ الراية الصديق ولم يفتح له، ثم عمر كذلك، وكان الفتح على يد علي، ضرب مرحبا على مقفر من حجر فشقه بالسيف الى أضراسه، وخرج أخوه ياسر وقتله الزبير، فكان الفتح، ثم فتح حصن ناعم، وفيه قتل محمود بن مسلمة بحجر ألقته اليهود عليه، ثم حصن القصوص، حصن ابن أبى الحقيق، ومنها صفية بنت حيى بن أخطب جاء بها بلال، واصطفاها صلى الله عليه وسلم وقد رأت قمرا فى حجرها فعبرها زوجها بأنها تتمنى ملك الحجاز، فلطمها لطمة بقى أثرها فى وجهها فأخبرته صلى الله عليه وسلم به بعد ما سألها عن سببه وأتى بزوجها كنانة بن الربيع لكنز بنى النظير عنده، وأنكر ووجد بعضه عنده، وعذب ليخبر بالباقى، وأبى فقتله محمد بن مسلمة بأخيه محمود. وروى أن دحية سأل جارية فقال: خذ ما شئت فشاء صفية فأعطاها قبل أن يأخذها صلى الله عليه وسلم، فقيل له: انت أحق بها، هى بنت سيد قريظة والنضير، فقال له: دعها وخذ غيرها، فجاءته يهودية بشاة مصلية مسمومة، وهى زينب بنت الحرث فأخذ منها لقمة ولم يبلعها، وأخبره اللحم الذى قطع منها أنه مسموم، وقد بلعها، وقيل قد بلعها فقال لها: "ما حملك على ذلك؟" قالت: ما فعلت برجالنا وأنك ان كنت نبيا لم يضرك أو يخبرك، وأكل منها بشر بن البراء بن معرور ومات بها، وأخبر صلى الله عليه وسلم عند موته أنه ما زالت تلك الأكلة تثور عليه، وأنه يموت بها.

الالوسي

تفسير : {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً } هي - على ما قال ابن عباس ومجاهد وجمهور المفسرين - ما وعد الله تعالى المؤمنين من المغانم إلى يوم القيامة {تَأْخُذُونَهَا } في أوقاتها المقدرة لكل واحدة منها {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } أي مغانم خيبر {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ } أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فنكصوا، وقال مجاهد: كف أيدي أهل مكة بالصلح، وقال الطبري: كف اليهود عن المدينة بعد خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وإلى خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة الموعودة مغانم خيبر والمعجلة البيعة والتخلص من أمر قريش بالصلح، والجمهور على ما قدمناه. والمناسبة لما مر من ذكر النبـي صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب وغيره بطريق الغيبة - كقوله تعالى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ } تفسير : [الفتح: 18] - تقتضي على ما نقل عن بعض الأفاضل أن هذا جار على نهج التغليب وإن احتمل تلوين الخطاب فيه، وذكر الجلبـي في قوله تعالى: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } الخ أنه إن كان نزولها بعد فتح خيبر كما هو الظاهر لا تكون السورة بتمامها نازلة في مرجعه صلى الله عليه وسلم من الحديبية وإن كان قبله على أنها من الإخبار عن الغيب فالإشارة بهذه لتنزيل المغانم منزلة الحاضرة المشاهدة والتعبير بالمضي للتحقق انتهى، واختير الشق الأولى، وقولهم: نزلت في مرجعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية باعتبار الأكثر أو على ظاهره لكن يجعل المرجع اسم زمان ممتد. وتعقب بأن ظاهر الأخبار يقتضي عدم الامتداد وأنها نزلت من أولها إلى آخرها بين مكة والمدينة فلعل الأولى اختيار الشق الثاني، والإشارة بِـ {هَـٰذِهِ} إلى المغانم التي أثابهم إياها المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } تفسير : [الفتح: 18-19] وهي مغانم خيبر، وإذا جعلت الإشارة إلى البيعة كما سمعت عن زيد وابنه وروي ذلك عن ابن عباس لم يحتج إلى تأويل نزولها في مرجعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية. {وَلِتَكُونَ ءايَةً لِلمُؤمنِينَ} الضمير المستتر قيل: للكف المفهوم من {كَفَّ } والتأنيث باعتبار الخبر، وقيل: للكفة فأمر التأنيث ظاهر. وجوز أن يكون لمغانم خيبر المشار إليها بهذه. والآية الأمارة أي ولتكون أمارة للمؤمنين يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان أو يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في وعده إياهم فتح خيبر وما ذكر من المغانم وفتح مكة ودخول المسجد الحرام. واللام متعلقة إما بمحذوف مؤخر أي ولتكون آية لهم فعل ما فعل أو بما تعلق به علة أخرى محذوفة من أحد الفعلين السابقين أي فعجل لكم هذه أو كف أيدي الناس عنكم لتنتفعوا بذلك ولتكون آية، فالواو ـ كما في «الإرشاد» ـ على الأول اعتراضية وعلى الثاني عاطفة، وعند الكوفيين الواو زائدة واللام متعلقة بكف أو بعجل. {وَيَهْدِيَكُمْ } بتلك الآية {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } هو الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تأتون وتذرون.

ابن عاشور

تفسير : {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه} هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً نشأ عن قوله: {أية : وأثابهم فتحاً قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها}تفسير : [الفتح: 18، 19] إذ علم أنهُ فتحُ خيبر، فحق لهم ولغيرهم أن يخطر ببالهم أن يترقبوا مغانم أخرى فكان هذا الكلام جواباً لهم، أي لكم مغانم أخرى لا يُحرم منها من تخلفوا عن الحديبية وهي المغانم التي حصلت في الفتوح المستقبلة. فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين تبعاً للخطاب الذي في قوله: {أية : إذ يبايعونك تحت الشجرة}تفسير : [الفتح: 18] وليس خاصاً بالذين بايعوا. والوعد بالمغانم الكثيرة واقع في ما سبق نزوله من القرآن وعلى لسان الرسول صلى الله عليه وسلم مما بلغه إلى المسلمين في مقامات دعوته للجهاد. ووصف {مغانم} بجملة {تأخذونها} لتحقيق الوعد. وبناء على ما اخترناه من أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة يكون فعل {فعجّل} مستعملاً في الزمن المستقبل مجازاً تنبيهاً على تحقيق وقوعه، أي سيعجل لكم هذه. وإنما جعل نوالهم غنائم خيبر تعجيلاً، لقرب حصوله من وقت والوعد به. ويحتمل أن يكون تأخّر نزول هذه الآية إلى ما بعد فتح خيبر على أنها تكملة لآية الوعد التي قبلها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضعها عقبها وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على أول هذه السورة ولكن هذا غير مروي. والإشارة في قوله: {هذه} إلى المغانم في قوله: {أية : ومغانم كثيرة يأخذونها}تفسير : [الفتح: 19] وأشير إليها على اختلاف الاعتبارين في استعمال فعل {فعجل لكم هذه}. {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عنكم}. امتنان عليهم بنعمة غفلوا عنها حين حزنوا لوقوع صلح الحديبية وهي نعمة السلم، أي كف أيدي المشركين عنهم فإنهم لو واجهوهم يوم الحديبية بالقتال دون المراجعة في سبب قدومهم لرجع المسلمون بعد القتال متعبين. ولَما تهيأ لهم فتح خيبر، وأنهم لو اقتتلوا مع أهل مكّة لدُحِض في ذلك مؤمنون ومؤمنات كانوا في مكة كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : ولولا رجال مؤمنون}تفسير : [الفتح: 25] الآية. فالمراد بــ{الناس}: أهل مكة جرياً على مصطلح القرآن في إطلاق هذا اللفظ غالباً. وقيل: المراد كف أيدي الأعراب المشركين من بني أسد وغطفان وكانوا أحلافاً ليهود خيبر وجاءوا لنصرتهم لما حاصر المسلمون خيبر فألقى الله في قلوبهم الرعب فنكصوا. وقيل: إن المشركين بعثوا أربعين رجلاً ليصيبوا من المسلمين في الحديبية فأسرهم المسلمون، وهو ما سيجيء في قوله: {أية : وأيْدِيَكم عنهم}تفسير : [الفتح: 24]. وقيل: كفّ أيدي اليهود عنكم، أي عن أهلكم وذراريكم إذ كانوا يستطيعون أن يهجموا على المدينة في مدة غيبة معظم أهلها في الحديبية، وهذا القول لا يناسبه إطلاق لفظ {الناس} في غالب مصطلح القرآن. والكف: منع الفاعل من فعل أراده أو شرع فيه، وهو مشتق من اسم الكف التي هي اليد لأن أصل المنع أن يكون دفعاً باليد، ويقال: كف يده عن كذا، إذا منعه من تناوله بيده. وأطلق الكف هنا مجازاً على الصرف، أي قدّر الله كف أيدي الناس عنكم بأن أوجد أسباب صرفهم عن أن يتناولوكم بضر سواء نووه أو لم ينووه، وإطلاق الفعل على تقديره كثير في القرآن حين لا يكون للتعبير عن المعاني الإلهية فعل مناسب له في كلام العرب، فإن اللغة بينت على متعارف الناس مخاطباتهم وطرأت معظم المعاني الإلهية بمجيء القرآن فتغير عن الشأن الإلهي بأقرب الأفعال إلى معناه. {وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَٰطاً مستقيماً}. الظاهر أن الواو عاطفة وأن ما بعد الواو علة كما تقتضي لام (كي) فتعين أنه تعليل لشيء مما ذكر قبله في اللفظ أو عطف على تعليل سبقه. فيجوز أن يكون معطوفاً على بعض التعليلات المتقدمة من قوله: {أية : ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}تفسير : [الفتح: 4] أو من قوله: {أية : ليُدخل المؤمنين والمؤمنات جنات}تفسير : [الفتح: 5] وما بينهما اعتراضاً وهو وإن طال فقد اقتضته التنقلات المتناسبات. والمعنى أن الله أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لمصالح لهم منها ازدياد إيمانهم واستحقاقهم الجنة وتكفير سيئاتهم واستحقاق المنافقين والمشركين العذابَ، ولتكون السكينة آية للمؤمنين، أي عبرة لهم واستدلالاً على لطف الله بهم وعلى أن وعده لا تأويل فيه. ومعنى كون السكينة آيةً أنها سبب آية لأنهم لما نزلت السكينة في قلوبهم اطمأنت نفوسهم فخلصت إلى التدبر والاستدلال فبانت لها آيات الله فتأنيث ضمير الفعل لأن معاده السكينة. ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل محذوف يُثَار من الكلام السابق، حذف لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن في تقديره توفيراً للمعنى. والتقدير: فعجّل لكم هذه لِغايات وحِكم ولتكون آية. فهو من ذكر الخاص بعد العام المقدر. فالتقدير مثلاً: ليحصل التعجيل لكم بنفع عوضاً عما ترقبتموه من منافع قتال المشركين، ولتكون هذه المغانم آية للمؤمنين منكم ومَن يعرِفون بها أنهم من الله بمكان عنايته وأنه مُوفٍ لهم ما وعدهم وضامن لهم نصرهم الموعود كما ضمن لهم المغانم القريبة والنصر القريب. وتلك الآية تزيد المؤمنين قوة إيمان. وضمير {لتكون} على هذه راجع إلى قوله: {هذه} على أنها المعللة. ويجوز أن يكون الضمير للخصال التي دل عليها مجموع قوله: {فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم} فيكون معنى قوله: {ولتكون آية للمؤمنين} لغايات جمة منها ما ذكر آنفاً ومنها سلامة المسلمين في وقت هم أحوج فيه إلى استبقاء قوتهم مِنْهم إلى قتال المشركين ادخاراً للمستقبل. وجعل صاحب «الكشاف» جملة {ولتكون آية للمؤمنين} معترضة، وعليه فالواو اعتراضية غير عاطفة وأن ضمير {لتكون} عائداً إلى المرة من فِعل كَف: أي الكَفة. وعطف عليه {ويهديكم صراطاً مستقيماً} وهو حكمة أخرى، أي ليزول بذلك ما خامركم من الكآبة والحزن فتتجرد نفوسكم لإدراك الخير المحض الذي في أمر الصلح وإحالتكم على الوعد فتوقنوا أن ذلك هو الحق فتزدادوا يقيناً. ويجوز أن يكون فعل {ويهديكم} مستعملاً في معنى الإدامة على الهدى وهو: الإيمان الحاصل لهم من قبل على حد قوله: {أية : يا أيها الذين آمَنواْ آمِنوا}تفسير : [النساء: 136] على أحد تأويلين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 20، 21- وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فى الوقت المقدَّر لها، فعجَّل لكم هذه - وهو ما وعدكم به من الغنائم - ومنع أذى الناس عنكم، ولتكون آية للمؤمنين على صدق وعد الله لهم. ويهديكم طريقا مستقيما بطاعته واتباع رسوله، ومغانم أخرى لم تقدروا عليها قد حفظها الله لكم فأظفركم بها، وكان الله على كل شئ تام القدرة. 22- ولو قاتلكم الذين كفروا من أهل مكة، ولم يعقدوا معكم صلحا، لفروا منهزمين رُعْبا منكم، ثم لا يجدون أى ولىٍّ يلى أمرهم، ولا أى نصير ينصرهم. 23- سَنَّ الله سُنَّة قد مضت من قبل فى خلقه أن تكون العاقبة لرسله وللمؤمنين، ولن تجد لسنة الله تغييراً. 24- وهو الله - وحده - الذى منع أيدى الكفار من إيذائكم وأيديكم من قتالهم بوسط مكة من بعد أن أقدركم عليهم، وكان الله بكل ما تعملون بصيرا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها: أي من الفتوحات الإِسلامية التي وصلت الأندلس غربا. فعجل لكم هذه: أي غنيمة خيبر. وكف أيدي الناس عنكم: أي أيدي اليهود حيث هموا بالغارة على بيوت الصحابة وفيها أزواجهم وأولادهم وأموالهم فصرفهم الله عنهم. ولتكون آية للمؤمنين: أي تلك الصرفة التي صرف اليهود المتآمرين عن الاعتداء على عيال الصحابة وهم غُيّب في الحديبية أو خيبر آية يستدلون بها على كلاءة الله وحمايته لهم في حضورهم ومغيبهم. ويهديكم صراطا مستقيما: أي طريقا في التوكل على الله والتفويض إليه في الحضور والغيبة لا اعوجاج فيه. وأخرى لم تقدروا عليها: أي ومغانم أخرى لم تقدروا عليها وهي غنائم فارس والروم. قد أحاط بها: أي فهي محروسة لكم إلى حين تغزون فارس والروم فتأخذونها. ولو قاتلكم الذين كفروا: أي المشركون في الحديبية. لولوا الأدبار: أي لانهزموا أمامكم وأعطوكم أدبارهم تضربونها. سنة الله التي قد خلت من قبل: أي هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين الصابرين سنة ماضية في كل زمان ومكان. وهو الذي كف أيديهم عنكم: حيث جاء ثمانون من المشركين يريدون رسول الله والمؤمنين ليصيبوهم بسوء. وأيديكم عنهم ببطن مكة: فأخذهم أصحاب رسول الله أسرى وأتوا بهم إلى رسول الله فعفا عنهم. من بعد أن أظفركم عليهم: وذلك بالحديبية التي هي بطن مكة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إفضال الله تعالى وإنعامه على المؤمنين المبايعين الله ورسوله على مناجزة المشركين وقتالهم وأن لا يفروا فقد ذكر أَنه أنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم خيبر الكثيرة فعطف على السابق خبراً عظيماً آخر فقال {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} أي غنيمة خيبر، {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} وذلك أن يهود المدينة تمالأوا مع يهود خيبر وبعض العرب على أن يغيروا على دور الأنصار والمهاجرين، بالمدينة ليقتلوا من بها وينهبوا ما فيها فكف تعالى أيديهم وصرفهم عما هموا به كرامة للمؤمنين، وقوله {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي تلك الصرفة التي صرف فيها قلوب من هموا بالغارة على عائلات وأسر الصحابة بالمدينة وهم غُيَّب بالحديبية آية تهديهم إلى زيادة التوكل على الله والتفويض إليه والاعتماد عليه. وقوله {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي ويسددكم طريقا واضحا لا اعوجاج فيه وهو أن تثقوا في أموركم كلها بربكم فتتوكلوا عليه في جميعها فيكفيكم عكل ما يهمكم، ويدفع عنكم ما يضركم في مغيبكم وحضوركم. وقوله تعالى {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} أي وغنائم أخرى لم تقدروا وهي غنائم الروم وفارس. وقد أحاط الله بها فلم يفلت منها شيء حتى تغزوا تلك البلاد وتأخذوها كاملة، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} ومن مظاهر قدرته أن يغنمكم وأنتم أقل عُددا وعددا غنائم أكبر دولتين في عالم ذلك الوقت فارس والروم. وقوله {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي ومن جملة إنعامه عليكم أنه لو قاتلكم أهل مكة وأنتم ببطنها لنصركم الله عليهم ولانهزموا أمامكم مولينكم ظهورهم ولا يجدون وليّاً يتولاهم بالدفاع عنهم ولا ناصراً ينصرهم لأنا سلطناكم عليهم. وقوله تعالى {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} أي في الأمم السابقة وهي لأنّ الله ينصر أولياءه على أعدائه لا بد فكان هذا كالسنن الكونية التي لا تتبدل، وهو معنى قوله {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}، وقوله تعالى في الآية الأخيرة من هذا السياق [24] {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} هذه منّة أخرى وكرامة عظيمة وهي أن قريشا بعثت بثمانين شابا إلى معسكر رسول الله في الحديبية لعلهم يصيبون غرة من الرسول وأصحابه فينالونهم بسوء فأوقعهم تعالى أسرى في أيدي المسلمين فمّن الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم بالعفو فكان سبب صلح الحديبية. وقوله {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} أي مطلعا عالما بكل ما يجري بينكم فهو معكم لولايته لكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- صدق وعد الله لأصحاب رسوله في الغنائم التي وُعِدوا بها فتحققت كلماته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غنائم فارس والروم. 2- كرامة الله للمؤمنين إذ حمى ظهورهم من خلفهم مرتين الأولى ما همَّ به اليهود من غارة على عائلات وأسر الصحابة بالمدينة النبويّة، والثانية ما همَّ به رجال من المشركين للفتك بالمؤمنين ليلا بالحديبية إذ مكَّن الله منهم رسوله والمؤمنين، ثم عفا عنهم رسول الله وأطلق سراحهم فكان ذلك مساعدا قويا على تحقيق صلح الحديبية. 3- بيان سنة الله في أنه ما تقاتل أولياء الله مع أعدائه في معركة إلا نصر الله أولياءه على أعدائه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةً} {صِرَاطاً} (20) - وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِين بِأَنَّهُمْ سَيَحْصَلُونَ عَلَى مَغَانِمَ كَثِيرةٍ في الأَيَّامِ القَادِمَةِ، مَا دَامَ فِي الدُّنيا مُسْلِمُونَ يُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ، وَعَجَّلَ لَهُم بِمَغْنَمِ خَيْبَرَ، وَكَفَّ أَيْدِيَ الكُفّارِ وَالمشْرِكينَ عَنِ المدِينةِ، وَعَنْ حرَمِ المُؤْمِنينَ وَعِيالِهم، وَأَصْحَابِ الأَعْذَارِ الذِينَ بَقُوا فِيها، في غِيَابِ الجَيْشِ الإِسلامِيّ في الحُدَيبيِة وَخَيبَر، لِيَكُونَ ذَلِكَ دليلاً لِلْمُؤْمِنينَ عَلَى أَنَّ اللهَ حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَلِيَهْدِيَهُمْ رَبُّهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً بِاتِّباعِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَالانْقِيَادِ لَهُمَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ ..} [الفتح: 20] أي: مغانم خيبر {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ ..} [الفتح: 20] كفَّ عنكم أيدي أعدائكم من اليهود وغيرهم ممَّنْ كانوا حول المدينة، حيث ألقى في قلوبهم الرعب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن وعد المغانم ونيل الغنائم بقوله تعالى: {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} [الفتح: 20]، يشير إلى ما وعد الله عباده من المغانم الكثيرة بقوله: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]، يأخذونها كل واحد بحسب مطرح نظره وعلو همته، فمن كانت همته الدنيا تعجل لكم هذه، ومن كانت همته الآخرة، {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} [الفتح: 20]؛ أي: أيدي دواعي شهوات النفس عنكم؛ لتكونوا من أهل الجنة لقوله: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40-41]، ولو وكلكم إلى أنفسكم لاتبعتم الشهوات؛ وهي: دركات الجحيم إذ حفت النار بالشهوات، {وَلِتَكُونَ} [الفتح: 20] في ترك الدنيا وشهوات النفس {آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 20]، يهتدون بهديكم، {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 20] إلى حضرة الربوبية. وذلك قوله: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} [الفتح: 21]؛ أي: أنتم تقدرون سلوك طريق الجنة على قدمي الإيمان والعمل الصالح، ولا يقدرون على سلوك طريق الوصول إلى الحضرة، {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} [الفتح: 21] بتجلي صفات جماله وجلاله، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [الفتح: 21] من أنواع التجلي بحسب استعداد كل طالب له، {قَدِيراً} [الفتح: 21] بأن يتجلى له، وهي المغانم الكثيرة على الحقيقة. {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} [الفتح: 22] من نفوسكم المتمردة {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ} [الفتح: 22]؛ لأني ناصركم على قتال نفوسكم، {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ} [الفتح: 22] من دوني {وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [الفتح: 22] ينصرهم. {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} [الفتح: 23]؛ يعني: في التقدير الأزلي {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح: 23] إلى الأبد، فإن المنصور من نصره الله وإن المقهور من قهره الله.

همام الصنعاني

تفسير : 2906- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ}: [الآية: 20]، قال: كفَّ أيدي الناسِ عن عيالِهِمْ بالمدينةِ، وقالَ: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} يقول ذلِكَ آية للمؤمنينَ {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ} عن عيالهم.