Verse. 4604 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

وَّاُخْرٰى لَمْ تَقْدِرُوْا عَلَيْہَا قَدْ اَحَاطَ اللہُ بِہَا۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرًا۝۲۱
Waokhra lam taqdiroo AAalayha qad ahata Allahu biha wakana Allahu AAala kulli shayin qadeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأخرى» صفة مغانم مقدرا مبتدأ «لم تقدروا عليها» هي من فارس والروم «قد أحاط الله بها» علم أنها ستكون لكم «وكان الله على كل شيء قديرا» أي لم يزل متصفا بذلك.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : قيل غنيمة هوازن، وقيل غنائم فارس والروم وذكر الزمخشري في أخرى ثلاثة أوجه أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره {قَدْ أَحَاطَ } و {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } صفة لأخرى كأنه يقول وغنيمة أخرى غير مقدورة {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } ثانيها: أن تكون مرفوعة، وخبرها {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } وحسن جعلها مبتدأ مع كونه نكرة لكونها موصوفة بلم تقدروا وثالثها: الجر بإضمار رب ويحتمل أن يقال منصوبة بالعطف على منصوب وفيه وجهان أحدهما: كأنه تعالى قال: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } وأخرى ما قدرتم عليها وهذا ضعيف لأن أخرى لم يعجل بها وثانيهما: على مغانم كثيرة تأخذونها، وأخرى أي وعدكم الله أخرى، وحينئذ كأنه قال: وعدكم الله مغانم تأخذونها ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين وعلى هذا تبين لقول الفرّاء حسن، وذلك لأنه فسر قوله تعالى: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } أي حفظها للمؤمنين لا يجري عليها هلاك إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحراس بالخزائن.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَأُخْرَىٰ} «أُخْرَى» معطوفة على «هذِهِ»؛ أي فعجّل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى. {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} قال ٱبن عباس: هي الفتوح التي فتحت على المسلمين؛ كأرض فارس والروم، وجميع ما فتحه المسلمون. وهو قول الحسن ومقاتل وٱبن أبي ليلى. وعن ٱبن عباس أيضاً والضحاك وٱبن زيد وٱبن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله نبيّه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وعن الحسن أيضاً وقتادة: هو فتح مكة. وقال عكرمة: حُنين؛ لأنه قال: «لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا». وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة؛ قاله القشيري. وقال مجاهد: هي ما يكون إلى يوم القيامة. ومعنى «قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا»: أي أعدّها لكم؛ فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: «أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا» علم أنها ستكون لكم؛ كما قال: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} تفسير : [الطلاق: 12]. وقيل: حفظها الله عليكم؛ ليكون فتحها لكم. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأُخْرَىٰ } صفة مغانم مقدّرا مبتدأ {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } هي فارس والروم {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } علم أنها ستكون لكم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيراً } أي لم يزل متصفاً بذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأُخْرَى} أرض فارس والروم وكل ما فتحه المسلمون، أو خيبر، أو مكة {أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} قدر عليها أو حفظها لكم لتفتحوها.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وأخرى لم تقدروا عليها} يعني وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها {قد أحاط الله بها} يعني حفظها لكم حتى تفتحوها ومنعها من غيركم حتى تأخذوها، وقال ابن عباس: علم الله أن يفتحها لكم واختلفوا فيها فقال ابن عباس: هي فارس والروم وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم بل كانوا خولاً لهم حتى أقدرهم الله عليها بشرف الإسلام وعزه. وقيل: هي خيبر وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها ففتحها الله لهم. وقيل: هي مكة. وقيل: هو كل فتح فتحه المسلمون أو يفتحونه إلى آخر الزمان {وكان الله على كل شيء قديراً} أي: من فتح القرى والبلدان لكم وغير ذلك {ولو قاتلكم الذين كفروا} أي أسد وغطفان وأهل خيبر {لَولّوا الأدبار} أي لانهزموا عنكم {ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً} يعني من تولى الله خلذلانه فلا ناصر له ولا مساعد {سنة الله التي قد خلت من قبل} يعني هذه سنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} قوله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} سبب نزول هذه الآية ما روي عن أنس بن مالك: "أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فأخذهم سبايا فاستحياهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أطفركم عليهم" انفرد بإخراجه مسلم حديث : وقال عبد الله بن مغفل المزني: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أماناً قالوا اللهم لا فخلى سبيلهم" ". تفسير : ومعنى الآية، أن الله تعالى ذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتلوا وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح وهو قوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم} يعني أيدي أهل مكة {وأيديكم عنهم} أي قضى بينهم وبينكم بالمكافة والمحاجرة {ببطن مكة} قيل: أراد به الحديبية. وقيل: التنعيم وقيل: وادي مكة {من بعد أن أظفركم عليهم} أي مكنكم منهم حتى ظفرتم بهم {وكان الله بما تعملون بصيراً} قوله عز وجل: {أية : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام}. تفسير : [الفتح: 25] (ذكر صلح الحديبية) روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عسفان أتى عتبة الخزاعي. وقال: إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن نجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون أن نؤم البيت لا نريد قتال أحد ولا حرباً فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما جئت عامداً لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حرباً فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: امضوا على اسم الله فنفذوا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حل حل. فألحت فقالوا خلأت القصواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم من خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضاً فلم يلبث الناس أن نزحوه. وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهماً من كنانته وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر فغرزه في جوفه. فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجىء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر. فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فيه فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشاً، فقال إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ؟ فلما ألحّوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها ودعوني آتية قالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوهاً وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر اللات أنحن نفرُّ عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي ولم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل السيف. وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون في وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيماً له فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله إن رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيماً له وقد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها فقال رجل من كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم: وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعث له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل إليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله قالوا له: اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك. فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاءه معظماً له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحبيش نفرة رجل واحد. فقالوا: مه كفَّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقال: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات أكتب بيننا وبينكم كتاباً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب باسمك اللهم. ثم قال له: اكتب هذا ما قضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال سهيل لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن هذا البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعلي أن يخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل: والله لأتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل وعلي أن لا يأتيك منا رجلاً وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين من جاء مسلماً. وروي عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امحِ رسول الله. قال: لا والله لا أمحوك أبداً قال: فأرنيه، فأراه إياه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وفي رواية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله قال البراء: على ثلاثة أشياء على أن من أتاه من المشركين رده إليهم ومن أتاه من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلباب السلاح السيف والقوس ونحوه. وروى ثابت عن أنس أن قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً. (رجعنا إلى حديث الزهري) قال بينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا: يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجره لي. قال: ما أنا بمجيره لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما لقيت، وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً، وفي الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك في المستضعفين فرجاً ومخرجاً إنَّا قد قعدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً وإنا لا نغدر، فوثب عمر إلى جنب أبي جندل وجعل يقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون ودم أحدهم دم كلب ويدني السيف منه. قال عمر: ورجوت أن يأخذ السيف فيضربه به فضن الرجل بأبيه وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك، دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون وزادهم أمر أبي جندل شرّاً إلى ما بهم. قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ قال الزهري في حديثه عن مروان والمسور وروى أبو وائل عن سهل بن حنيف قال عمر بن الخطاب فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلنا: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أولست كنت تحدثنا إنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرك أنه آتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، فلما فرغ من قضية الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. قالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم منهم أحداً كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ونحر بدنة ودعا حالقاً فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً قال ابن عمر وابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين والمقصرين قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. قال: لأنهم لم يشكوا. قال ابن عمر: وذلك أنه تربص قوم وقالوا: لعلنا نطوف بالبيت. قال ابن عباس: وأهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك. قال الزهري في حديثه: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} تفسير : [الممتحنه: 10]حتى بلغ {أية : بعصم الكوافر} تفسير : [الممتحنه: 10] فطلق عمر امرأتين يومئذ كانتا في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية قال: فنهاهم أن يردوا النساء وأمرهم أن يردوا الصداق. قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد رجل من قريش وهو مسلم؛ وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في طلبه رجلاً من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: العهد الذي جعلت لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح في ديننا الغدر وإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأخذه، منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويلك ما لك؟ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشح السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله تعالى منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد. فلما سمع ذلك، عرف أن يرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر وبلغ المسلمين الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد فخرج عصابة منهم إليه فانفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير حتى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسلت إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدموا إليه المدينة وأنزل الله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} حتى بلغ {حمية الجاهلية} وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين هذا البيت أخرجه البخاري بطوله سوى ألفاظ منه وهي مستثناة في الحديث. منها قوله: فنزع سهماً من كنانته، وأعطاه رجلاً من أصحابه، إلى قوله: فوالله ما زال يجيش لهم بالري ومنها قوله ثم بعثوا الحليس بن علقمة إلى قوله فقالوا كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به ومنها قوله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، إلى قوله: وعليّ أن يخلوا بيننا وبين البيت. ومنها قوله: وروي عن البراء قصة الصلح، إلى قوله: رجعنا إلى حديث الزهري. ومنها قوله: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل، إلى قوله: قال عمر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقاً؟ ومنها قوله: قال ابن عمر وابن عباس، إلى قوله: وقال الزهري في حديثه ثم جاء نسوة مؤمنات فهذه الألفاظ لم يخرجها البخاري في صحيحه. (شرح غريب ألفاظ الحديث) قوله: بضع عشرة، البضع: في العدد بالكسر وقد يفتح هو ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. قوله: وبعث عيناً له أي جاسوساً. قوله: وقد جمعوا لك الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً. وقيل: هم حلفاء قريش وهم بنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة تحالفوا تحت جبل يقال له: حبش فسموا بذلك. وقيل: هو اسم واد بأسفل مكة. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم. والتحبيش: التجمع. قوله: فإن قعدوا قعدوا موتورين، أي منقوصين. قوله: فنفذوا: أي مضوا وتخلصوا. قوله: إن خالد بن الوليد بالغميم، اسم موضع ومنه كراع الغميم. وقوله: طليعة الطليعة، الجماعة يبعثون بين يدي الجيش ليطلعوا على أخبار العدو. قوله: وقترة الجيش: هو الغبار الساطع معه سواد. قوله: يركض نذير، النذير: الذي يعلم القوم بالأمر الحادث. قوله: حلَ حل: هو زجر للناقة. قوله خلأت القصوا: يعني أنها لما توقفت عن المشي وتقهقرت ظنوا ذلك خللاً في خلقها وهو كالحران للفرس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت أي ليس ذلك من خلقها ولكن حبسها حابس الفيل، أي منعها عن المسير. والذي منع الفيل عن مكة هو الله تعالى والقصوا اسم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن قصوا وهو شق الأذن. قوله: خطة، أي حالة وقضية يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة وهي فروضه وما يجب القيام به يريد بذلك حرمة الحرم ونحوه. قوله: حتى نزل بأقصى الحديبية بتخفيف الياء وتشديدها، وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وبين الحديبية ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل. وقال ما لك: هي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها من الحل حكاه في المطالع. والثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. والتربض: أخذ الشيء قليلاً قليلاً. وقوله: فما زال يجيش بالري، يقال: جاشت البئر بالماء إذا ارتفعت وفاضت. والري ضد العطش، والصد الرجوع بعد الورود. وقوله: وكانت خزاعة عيبة، نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال فلان عيبة نصح فلان إذا كان موضع سره وثقته في ذلك. قوله: نزلوا على أعداد مياه الحديبية، الماء العد: الكثير الذي لا انقطاع له كالعيون وجمعه أعداد. قوله: ومعهم العوذ المطافيل، العوذ: جمع عائذ وهي الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى ولدها، وقيل: هي كل أنثى لها سبع ليال منذ وضعت. والمطافيل: جمع مطفل وهي الناقة معها فصيلها وهذه استعارة استعار ذلك للناس وأراد بهم أن معهم النساء والصبيان. قوله: وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب أي، أضرت بهم وأثَّرت فيهم. وقوله: ماددتهم أي جعلت بيني وبينهم مدة. قوله: وإلا فقد جموا، أي: استراحوا. والجمام: بالجيم الراحة بعد التعب. قوله: تنفرد سالفتي السالفة الصفحة والسالفتان صفحتا العنق. وقيل: السالفة حبل العنق وهو ما بينه وبين الكتف وهو كناية عن الموت لأنها لا تنفرد عنه إلا بالموت. قوله: إني استنفرت، يقال: استنفر القوم إذا دعاهم إلى قتال العدو، وعكاظ: اسم سوق كانت في الجاهلية معروفة. وقوله: بلحوا على فيه لغتان التخفيف والتشديد وأصل التبليح: الإعياء والفتور. والمراد: امتناعهم من إجابته وتقاعدهم عنه. قوله: استأصلت قومك. واجتاح: أصله من الاجتياح إيقاع المكروه بالإنسان ومنه الجائحة والاستئصال والاجتياح متقاربان في مبالغة الأذى. قوله: إني لأرى وجوهاً وأشواباً: الأشواب، مثل الأوباش وهم الأخلاط من الناس والرعاع. يقال: فلان خليق بذلك أي جدير لا يبعد ذلك من خلقه قوله امصص بظر اللات وهي اسم صنم لهم كانوا يعبدونه والبظر ما تقطعه الخافضة وهي الخاتنة من الهنة التي تكون في فرج المرأة وكان هذا اللفظ شتماً لهم يدور في ألسنتهم. قوله: لولا يدلك عندي اليد النعمة وما يمتن به الإنسان على غيره. قوله: أي غدر معدول عن غادر وهو للمبالغة. وقوله: قد عرض عليكم خطة رشد، يقال: خطة رشد وخطة غيّ. والرشد والرشاد خلاف الغي والمراد منه أنه قد طلب منكم طريقاً واضحاً في هدى واستقامة. قوله: وهو من قوم يعظمون البدن أي الإبل تُهدى إلى البيت في حج أو عمرة، وتقليدها: هو أن يجعل في رقابها شيء كالقلادة من لحاء الشجر أو نعل أو غيره ليعلم بذلك أنه هدى. والإشعار: هو أن يشق جانب السنام فيسيل دمه عليه وقوله لما رأى الهدى يسيل عليه أي يقبل عليه كالسيل من عرض الوادي أي جانبه. وقوله: هذا مكرز وهو رجل فاجر. الفجور: الميل عن الحق وكل انبعاث في شر فهو فجور. قوله: هذا ما قاضى عليه، أي فاعل من القضاء وهو إحكام الأمر وإمضاؤه وهو في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وإتمامه. قوله: ضغطة، هو كناية عن القهر والضيق. قوله: بجلباب السلاح، بضم الجيم وسكون اللام مع تخفيف الباء ويروى بضم اللام أيضاً مع التشديد وهو وعاء من أدم شبه الجراب يوضع فيه السيف مغموداً ويعلق في مؤخرة الرحل. يرسُف بضم السين وكسرها لغتان، وهو: مشي المقيد. قوله: فأجره لي. قال ابن الأثير: يجوز أن يكون بالزاي من الإجازة أي اجعله جائزاً غير ممنوع ولا محرم أو أطلقه لي وإن كان بالراء المهملة فهو من الإجارة والحماية والحفظ وكلاهما صالح في هذا الموضوع. قوله: فلم نعطى الدنية، أي القضية التي لا نرضى بها أي لم نرض بالأدون والأقل في ديننا؟ قوله: فاستمسك بغرزه الغرز لكور الناقة كالركاب لسرج الفرس والمعنى: فاستمسك به ولا تفارقه ساعة كما لا تفارق رجل الراكب غرز رحله فإنه على الحق الذي لا يجوز لأحد تركه. قوله: ويل أمه، هذه كلمة تقال للوافع فيما يكره ويتعجب بها أيضاً، ومسعر الحرب أي موقدها. يقال: سعرت النار وأسعرتها إذا أوقدتها. والمسعر: الخشب الذي توقد به النار وسيف البحر بكسر السين جانبه وساحله والله أعلم وأما تفسير الآية فقوله عز وجل: {هم الذين كفروا...}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد. وقوله: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها. * ت *: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس: علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد: هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى. وقوله سبحانه: {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} يعني: كفار قريش في تلك السنة {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيِّاً وَلاَ نَصِيراً}. وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ...} الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً؛ فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فَسِيقُوا إلى النبيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم؛ قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى. وقوله سبحانه: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: أهل مكة {وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي: منعوكم من العمرة، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ خرج من المدينة إلى الحديبية في ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، {وَٱلْهَدْيَ} معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، «ومعكوفاً» حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم؛ لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين؛ قال قتادة: فدفع اللَّه عن المشركين بأولئك المؤمنون، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره؛ ومنه قوله ـــ صلى الله عليه وسلم ــ «حديث : اللّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ»تفسير : قال أبو حيَّان: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ} جوابها محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق؛ مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، وٱخْتُلِفَ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ: وَحَكَاهُ الثعلبيُّ: هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم. * ت *: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ»: من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى. وقوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ؛ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ»، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حياةَ وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ...} الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالب ـــ رضي اللَّه عنه ـــ عن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ؛ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حُجَّةٍ، إذ لم يأت ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى»: قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وفي مصحف ابن مسعود: «حديث : وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» تفسير : والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النَّبِيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أَنَّهُ قَالَ: «حديث : إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التَّقْوَىٰ، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ»تفسير : رواه الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السِّلاَح». فقد بَيَّنَ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ؛ ففي صحيح مسلم: «حديث : ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» تفسير : الحديث، انتهى. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية؛ فيُرْوَى أَنَّهُ لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك؛ قال * ع *: ويقتضى ذلك أَنَّ النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عَشَرَةِ آلاف فارس ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ. * ت *: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أَظُنُّهُ يَصِحُّ فتأمله في كتب السيرة.

القشيري

تفسير : قيل: فتح الروم وفارس. وقيل: فتح مكة. وكان الله على كل شيءٍ قديراً: فلا تُعلِّقوا بغيره قلوبكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وأخرى} عطف على هذه اى فعجل لكم هذه المغانم ومغانم اخرى {لم تقدروا عليها} وهى مغانم هوازن فى غزوة حنين فانهم لم يقدروا عليها الى عام الحديبية وانما قدروا عليها عقيب فتح مكة ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة اى من تكرار الهزيمة والرجوع الى القتال قبل ذلك لزيادة ترغيبهم فيها يقال جال القوم جولة انكشفوا ثم كروا {قد أحاط الله بها} صفة اخرى لاخرى مفيدة لسهولة تأتيها بالنسبة الى قدرته تعالى بعد بيان صعوبة مثالها بالنظر الى قدرتهم اى قد قدر الله عليها واستولى واظهركم عليها وقيل حفظها عليكم لفتحكم ومنعها من غيركم يعنى جميع فتوح المسلمين قال ابن عباس رضى الله عنهما ومنه فتح قسطنطينية ورومية وعمورية ومدآئن فارس والروم والشام اما قسطنطينية فمشهورة وهى الآن دار السلطنة للسلاطين العثمانية واما رومية ويقال لها رومية الكبرى فمدينة عظيمة من مدن الروم مثل قسطنطينية واما عمورية بفتح العين المهملة وضم الميم المشددة وبالرآء فقد قال الامام اليافعى فى المرء آة هى التى يسميها اهل الروم انكورية هى مدنية كبيرة كانت مقر ملوكهم فتحها المعتصم بالله قال الراغب الاحاطة على وجهين احدهما فى الاجسام نحو احطت بمكان كذا وتستعمل فى الحفظ نحو كان الله بكل شئ محيطا اى حافظا له فى جميع جهاته وتستعمل فى المنع نحو الا ان يحاط بكم اى الا ان تمنعوا والثانى فى العلم نحو احاط بكل شئ علما فالاحاطة بالشئ علما هو ان يعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيته وغرضه المقصود به وبايجاده وما يكون به ومنه وذلك ليس يكون الا لله وقال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فنفى عنهم ذلك {وكان الله على كل شيء قديرا} لان قدرته تعالى ذاتية لا تختص بشئ دون شئ اى منتهية عنده غير متجاوزة عنه لان علتها لا تنتهى فتأمل، اعلم ان المغازى غزوة حنين وهو اسم موضع قريب من الطائف ويقال لها لغزوة حنين غزوة هوازن ويقال لها غزوة اوطاس باسم الموضع الذى كانت به الواقعة فى آخر الامر سببها انه لما فتح الله على رسوله مكة اطاعت له قبائل العرب الا هوازن وثقيفا فان اهلهما كانوا طغاة مردة فاجتمعوا الى حنين فلما وصل خبرهم الى رسول الله عليه السلام تبسم وقال "حديث : تلك غنيمة المسلمين غدا ان شاء الله تعالى"تفسير : فأجمع على السير الى هوازن وخرج فى اثنى عشر الفا فلما قربوا من محل العدو صفهم واعطى لواء المهاجرين عليا رضى الله عنه ولوآء الخزرج الحباب بن المنذر رضى الله عنه ولوآء الاوس اسيد بن حضير رضى الله عنه وركب عليه السلام بغلته الشهباء التى يقال لها فضة قد اهداها له صاحب البلقاء وقيل هى دلدل التى اهداها له المقوقس ولبس درعين والمغفر والدرعان هما ذات الفضول والسغدية بالسين المهملة والغين المعجمة وهى درع داود عليه السلام التى لبسها حين قتل جالوت فلما كان بحنين وذلك عند غبش الصبح اى ظلمته وانحدروا فى الوادى خرج عليهم القوم وكانوا كمنوا لهم فى شعاب الوادى ومضايقه فحملوا عليهم حملة رجل واحد ورموهم بالنبل وكانوا رماة لا يسقط لهم سهم فأخذ المسلمون راجعين منهزمين لا يلوى احد على احد وانحاز رسول الله ذات اليمين ومعه نفر قليل منهم ابو بكر وعمر وعلى والعباس وابنه الفضل فقال عليه السلام "حديث : يا عباس اصرخ يا معشر الانصار يا اصحاب السمرة"تفسير : يعنى الشجرة التى كانت تحتها بيعة الرضوان وكان صيحا يسمع صوته من ثمانية اميال فأجابوا لبيك لبيك حتى انتهى اليه جمع فاقتتلوا ثم قبض عليه السلام قبضة من تراب واستقبل بها وجوههم فقال "حديث : شاهت الوجوه حم لا ينصرون انهزموا ورب محمد"تفسير : ورماهم بالتراب فملئت اعينهم من التراب فولوا مدبرين فتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم ولما انهزم القوم عسكر بعضهم بأوطاس فبعث النبى عليه السلام فى آثارهم ابا عامر الاشعرى رضى الله عنه ورجع رسول الله الى معسكره يمشى فى المسلمين ويقول "حديث : من يدلنى على رجل خالد بن الوليد"تفسير : حتى دل عليه فوجده قد اسند الى مؤخرة رحله لانه اثقل بالجراحة فتفل عليه السلام فى جرحه فبرئى وامر عليه السلام بالسبى والغنائم ان تجمع فجمع ذلك كله واخذوه الى الجعرانة بالكسر والعين المهملة موضع بين مكة و الطائف سمى بريطة بنت سعد وكانت تلقب بالجعرانة وهى المرادة فى قوله تعالى {أية : ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها}تفسير : وكان بها الى ان انصرف رسول الله من غزوة الطائف ثم لما اتاها قسم تلك الغنائم وكان السبى ستة آلاف رأس والابل اربعة وعشرين الفا والغنم اكثر من اربعين الفا والفضة اربعة آلاف اوقية واحرم من الجعرانة بعمرة بعد ان اقام بها ثلث عشرة ليلة وقال "حديث : اعتمر منها سبعون نبيا"تفسير : وقد اعتمر عليه السلام بعد الحجرة اربع عمر اولاها عمرة الحديبية والثانية عمرة القضاء من العام المقبل والثالثة عمرة الجعرانة والرابعة عمرته عليه السلام مع حجة الوداع وباقى البيان فى غزوة حنين وما يتصل بها قد سبق فى اوآئل التوبة عند قوله {أية : لقد نصركم الله}تفسير : الخ.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو {بما يعملون بصيراً} بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب لما ذكر الله تعالى انه وعد المؤمنين مغانم كثيرة يأخذونها وانه عجل لهم هذه منها، يعني غنائم خيبر وعدهم بالغنائم الأخر، فقال {وأخرى لم تقدروا عليها} أي وغنيمة أخرى - عن ابن عباس والحسن - إنها فارس والروم. وقال قتادة: هي مكة {قد أحاط الله بها} أي قدر الله عليها واحاط بها علماً فجعلهم بمنزلة ما قد أدير حولهم بما يمنع ان يفلت احد منهم {وكان الله على كل شيء قديراً} أي ما يصح أن يكون مقدوراً له، فهو قادر عليه. ثم قال {ولو قاتلكم الذين كفروا} يعني من قريش يا معشر المؤمنين {لولوا الأدبار} منهزمين بخذلانه إياهم ونصرة الله إياكم، ومعونته لكم - فى قول قتادة - {ثم لا يجدون} يعني الكفار {ولياً} يواليهم {ولا نصيراً} يدفع عنهم. وقوله {سنة الله التي قد خلت من قبل} معناه سنة الله جارية فى خذلانه أهل الكفر ونصرة أهل الايمان في ما مضى من الامم السالفة، ونصره هو أمره بالقتال {ولن تجد} يا محمد {لسنة الله تبديلاً} أي لن تجد لسنة الله ما يدفعها فالسنة الطريقة المستمرة في معنى ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله "حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. ومن سن سنة سيئة فعليه اثمها واثم من عمل بها" تفسير : والتبديل رفع احد الشيئين وجعل الآخر مكانه، في ما حكم أن يستمر على ما هو به ولو رفع الله حكما يأتي بخلافه لم يكن تبديلا لحكمه لأنه لا يرفع شيئاً إلا في الوقت الذي تقتضي الحكمة رفعه، وقال ابن عباس: كان المشركون بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين، فأتى بهم رسول الله، فخلى سبيلهم، وهو المراد بقوله {وهو الذي كف أيديهم عنك} بالرعب {وأيديكم عنهم} بالنهي نزلت في أهل الحديبية واهل مكة، لا في أهل خيبر. وقيل لهم ينهوا عن قتالهم، لانهم لا يستحقون القتل بكفرهم وصدهم لكن للابقاء على المؤمنين الذين فى ايديهم {ببطن مكة من بعد أن اظفركم عليهم} يعني فتح مكة {وكان الله بما تعملون بصيراً} يدبركم بحسب ما تقتضيه مصالحكم وقوله {هم الذين كفروا} أي بوحدانية الله، وهم كفار قريش {وصدوكم عن المسجد الحرام} في الحديبية، وصدوكم أن تعتمروا وتطوفوا بالبيت {والهدي معكوفاً أن يبلغ محله} أي المحل الذي يحل نحره فيه. والمعكوف المحبوس أي منعوا الهدي ايضاً ليذبح بمكة، لأن هدي العمرة لا يذبح إلا بمكة كما لا يذبح هدي الحج إلا بمنى، ثم قال {ولولا رجال مؤمنون} بالله ومصدقون بالنبي {ونساء مؤمنات} مثل ذلك بمكة - في قول قتادة - {لم تعلموهم} أي لم تعلموا بايمانهم {أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} أي ينالكم أثم لاجلهم من غير علم منكم بذلك - في قول ابن زيد - وقال قوم: معناه عنت. وقال ابن اسحاق: هو غرم الدية في كفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة ومن لم يطق فصيام شهرين، وهو كفارة قتل الخطأ في الحرب. وجواب لولا محذوف، وتقديره ولولا المؤمنون الذين لم تعلموهم لوطئتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم. والمعكوف الممنوع من الذهاب فى جهة بالاقامة في مكانه، ومنه الاعتكاف، وهو الاقامة في المسجد للعبادة، وعكف على هذا الأمر يعكف عكوفاً إذا اقام عليه. وقوله {ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا} أي لو تميز المؤمنون منهم، وقيل لو تفرقوا والمعنى واحد {لعذبنا الذين كفروا منهم} يعني من أهل مكة {عذاباً أليماً} بالسيف والقتل والاليم المؤلم، وكان النبي صلى الله عليه وآله: ساق سبعين بدنة في عام الحديبية، ودخل في العام المقبل لعمرة القضاء في الشهر الذي صد فيه ونزل قوله {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }تفسير : ذكره قتادة.

الجنابذي

تفسير : {وَأُخْرَىٰ} اى ووعدكم مغانم اخرى او قرىً اخرى، او اخرى مفعول فعلٍ محذوفٍ معطوف على عجّل اى واعدّ الله لكم قرىً اخرى {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} وقيل: هى المغانم الّتى يزيدها الله للمسلمين الى يوم القيامة، او القرى الّتى يفتحها الله للمسلمين الى يوم القيامة، وقيل: هى غنائم مكّة وهوازن، او قرية مكّة، وقيل: المراد غنائم فارس والرّوم او ملكهما {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} فلا يخرج من يده حتّى يكون مستعجلاً مثلكم فكأنّه قال حفظها عليكم ومنعها من غيركم حتّى تفتحوها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} لا اختصاص لقدرته بفيء الغنائم وفتح البلاد ونصرة الانبياء وخذلان الكفّار.

الأعقم

تفسير : {ولو قاتلكم الذين كفروا} قيل: مشركوا مكة يوم الحديبية، وقيل: صالحوا أسد وغطفان وحنين {لولّوا الادبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً} {سنة الله} أي طريقته، وقيل: سنة الله أي نصره من أمره بالقتال من أنبيائه {التي قد خلت} مضت {من قبل} سنَّة نصر المؤمنين {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} {وهو الذي كف أيديهم} أي أهل مكة، أي قضى بينهم وبينكم بالمكافأة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة وذلك يوم الفتح، وقيل: كان ذلك في الحديبية، لما روي أن عكرمة ابن أبي جهل خرج في خمسمائة، فبعث الرسول من هزمه وأدخله حيطان مكة، وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت، وقيل: كفّ أيديهم عن المؤمنين بالرعب وأيدي المؤمنين عنهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: أقبل النبي معتمراً فأخذ أصحابه ناساً منهم من أهل الحرم غافلين فأرسلهم فذلك الإِظهار {ببطن مكة} {هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام} ودخوله وذلك يوم الحديبية {والهدي} وهو ما يهدى إلى الحرم، أي وصدوا الهدي {معكوفاً} أي محبوساً {أن يبلغ محلّه} وكان سبعون بدنة ساقها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الحديبية وأشعرها، وأحرم بالحديبية ومنعه المشركون وكان الصلح، وكتب الصلح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سهيل بن عمرو وكتبها علي بن أبي طالب (عليه السلام) على وضع الحرب عشرين سنة، وعلى أن يخلو له مكة عام القابل ليعتمر وهي عمرة القضاء، فلمَّا تمَّ الصلح نحروا البدن ورجعوا إلى المدينة، ثم خرج إلى خيبر ودخل مكة في العام القابل في ذلك الشهر فنزل قوله: {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام} تفسير : [البقرة: 194] ثم بيَّن تعالى المعنى وكف المؤمنين عن الكافرين فقال سبحانه: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} يعني أن الضعفاء من المؤمنين الذين كانوا بمكة، وقيل: لولا كراهة أن يهلكوا رجالاً مؤمنين وأنتم تعرفون {فتصيبكم منهم معرّة} بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كفَّ أيديكم عنهم، وحذف جواب لولا لدلالة الكلام عليه، قال جار الله: فإن قلتَ: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت: تصيبهم وجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز {ليدخل الله في رحمته من يشاء} لأنه جعل ذلك لأجل هذا الغرض {أية : ليدخل المؤمنين والمؤمنات}تفسير : [الفتح: 5]، قيل: في الإِسلام بلطفه من الكفار {لو تزيلوا} لو تميز الكفار من المؤمنين، وقيل: هم المؤمنون الذين في أصلاب الكفار لو تميزوا منهم {لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً}، قيل: بالسيف، وقيل: بالنار {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة} والمراد بحميَّة الذين كفروا وسكينة المؤمنين، والحميَّة الأنفة {فأنزل الله سكينته} السكينة الوقار، "حديث : يروى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزل بالمدينة بعث قريش سهيل بن عمرو القرشي وخويطب بن عبد العزى أن يعرضوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرجع من عامه ذلك على أن يخلي له قريش في العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك، فكتبوا كتاباً فقال (عليه السلام) لعلي: "اكتب بسم الله الرحمان الرحيم" فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم، قال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول لله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل مكة" فقالوا: لو كنا نعلم إنك رسول ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب ما صالح عليه محمد ابن عبد الله أهل مكة، فقال (عليه السلام): "اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله" فهمّ المسلمون يأبوا ذلك، فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا" تفسير : و{كلمة التقوى} بسم الله الرحمان الرحيم ومحمد رسول الله قد اختارها الله لنبيه والذين معه أهل الخير، وقيل: هي كلمة الشهادة، وعن الحسن: هي التقوى.

اطفيش

تفسير : {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا} العطف على (هذه) اي ومغانم أخرى ومبتدأ خبره {قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا} لوصفها (بلم تقدروا) ولكونه نعتا لمحذوف كما رأيت أو منصوبا على الاشتغال أي ضمن وقضى أخرى لكم دل عليه قد احاط.. الخ أو الواو واو رُبَّ واحاطة الله بها استيلاؤه عليها واظفاركم بها وقيل علمه بانها لكم وعليه ابن عباس وقيل حفظها حتى تاخذوها ومعنى {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} انكم لم تقدروا وستقدرون وهذا من خارج لا من (لم) قال ابن عباس هي فارس والروم وما كانت العرب تقدر على قتالهم بل يستخدمونهم حتى اقدرهم الله بعز الاسلام فعكس الامر وقال قتادة والحسن مكة واختاره بعض المتاخرين وقيل خيبر قبل ان يصيبوها وقال مجاهد كل فتح الى يوم القيامة وعن بعض منها غنائم هوازن في غزوة حنين وانه قال {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} لما كان فيها من الهزيمة فثم الرجوع ثم الهزيمة ثم الرجوع* {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ} من الفتح وغيره* {قَدِيراً} لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء

اطفيش

تفسير : {وأخْرى} عطف على هذه أى مغانم أخى، وهى مغانم هوازن فى غزوة حنين أى تكون لكم بعد ابن عباس فى رواية مولاه عكرمة، وعنه أيضا غنائم فارس والروم وغيرها مما فتحه المسلمون الى يوم القيامة، وهو غير ظاهر، وأيضا لم يعالجها صلى الله عليه وسلم والصحابة والآية فيما عالجوا، وعنه أيضا: غنائم خيبر، ويبحث بأنه لم يعالجها الا حال فتحها، وعنه: غنائم مكة، وقد عالجها يوم الحديبية، وفيه أنه لم يصح أنه غنم من مكة، وان أريد بغنائمها فتحها فهو خلاف الظاهر، وبهذا القول يقول الحسن وقتادة. وقيل: خيبر قبل ان يفتحها، ولم يكونوا يرجون فتحها، ومعنى التعجيل أن الله عز وجل كتبها مما لا يبطل فالمعجل متعدد شىء فشىء، أو مفعول لمحذوف أى وقضى أخرى، واعترض بأن القضاء قد ذكر بقوله: "وعدكم" والتأسيس أولى وانما الفائدة فى الأخبار بتعجيل الأخرى والتعجيل يحصل بالعطف علىهذه، وأجيب بأن المغانم الموعودة لم تعين فضلا عن أن تزاد عليها الأخرى، فبان أن المقصود تعجيل الأخرى، أو أخرى مبتدأ موصوف بما بعده، والخبر "قد أحاط الله بها" أو مبتدأ مجرور بعد واو رب خبره ما بعده أو ما بعده نعت، والخبر قد أحاط الله بها، ونعت أخرى بقوله: {لَم تَقْدروا عَليْها} بعد معالجتكم تحصيلها، وفى هذا ترغيب فى تحصيل انجاز ما عالجوه، ولم يقدروا عليه، وعلى أنه لم يعالجوها قبل يكون معنى لم تقدروا اعتقدتم أنكم لا تقدرون عليها {قَد أحَاط الله بها} نعت ثان أو حال من مجرور على، ومعنى احاطة الله عز وجل بها الاستيلاء عليها بقدرته، فهو يسهلها لكم بعد صعوبتها الاستيلاء، أو معنى احاطته بها حفظها لكم مجاز أفلا تفوتكم، لأن ضبط الشىء سبب لحفظه وقوله تعالى: {وكانَ الله عَلى كُل شيءٍ قَديراً} أنسب بتفسر الاحاطة بالاستيلاء.

الالوسي

تفسير : {وَأُخْرَىٰ } عطف على {هَـٰذِهِ } في {أية : فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } تفسير : [الفتح: 20] فكأنه قيل فعجل لكم هذه المغانم وعجل لكم مغانم أخرى وهي مغانم هوازن في غزوة حنين، والتعجيل بالنسبة إلى ما بعد فيجوز تعدد المعجل كالابتداء بشيئين، وقوله تعالى: {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } في موضع الصفة ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة قبل ذلك لزيادة ترغيبهم فيها، وقوله تعالى: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } في موضع صفة أخرى ـ لأخرى ـ مفيدة لسهولة تأتيها بالنسبة إلى قدرته عز وجل بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى قدرتهم. والإحاطة مجاز عن الاستيلاء التام أي قد قدر الله تعالى عليها واستولى فهي في قبض قدرته تعالى يظهر عليها من أراد، وقد أظهركم جل شأنه عليها وأظفركم بها، وقيل: مجاز عن الحفظ أي قد حفظها لكم ومنعها من غيركم. والتذييل بقوله سبحانه: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيراً } أوفق بالأول، وعموم قدرته تعالى لكونها مقتضى الذات فلا يمكن أن تتغير ولا أن تتخلف وتزول عن الذات بسبب ما كما تقرر في موضعه، فتكون نسبتها إلى جميع المقدورات على سواء من غير اختصاص ببعض منها دون بعض وإلا كانت متغايرة بل مختلفة. وجوز كون {أُخْرَىٰ } منصوبة بفعل يفسره {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} مثل قضى. وتعقب بأن الإخبار بقضاء الله تعالى بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعود بها بقوله تعالى: {أية : وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } تفسير : [الفتح: 20] ليس فيه مزيد فائدة وإنما الفائدة في بيان تعجيلها. وأورد عليه أن المغانم الكثيرة الموعودة ليست معينة ليدخل فيها الأخرى، ولو سلم فليس المقصود بالإفادة كونها مقضية بل ما بعده فتدبر. وجوز كونها مرفوعة بالابتداء والجملة بعدها صفة وجملة {قَدْ أَحَاطَ} الخ خبرها، واستظهر هذا الوجه أبو حيان، وقال بعض: الخبر محذوف تقديره ثمت أو نحوه، وجوز الزمخشري كونها مجرورة بإضمار رب كما في قوله:شعر : وليل كموج البحر أرخى سدوله تفسير : وتعقبه أبو حيان بأن فيه غرابة لأن رب لم تأت في القرآن العظيم جارة مع كثرة ورود ذلك في كلام العرب فكيف تضمر هنا، وأنت تعلم أن مثل هذه الغرابة لا تضر. هذا وتفسير الأخرى بمغانم هوازن قد أخرجه عبد بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس واختاره غير واحد، وقال قتادة والحسن: هي مكة وقد حاولوها عام الحديبية ولم يدركوها فأخبروا بأن الله تعالى سيظفرهم بها ويظهرهم عليها، وفي رواية أخرى عن ابن عباس والحسن، ورويت عن مقاتل أنها بلاد فارس والروم وما فتحه المسلمون، وهو غير ظاهر على تفسير المغانم الكثيرة الموعودة فيما سبق بما وعد الله تعالى به المسلمين من المغانم إلى يوم القيامة، وأيضاً تعقبه بعضهم بأن {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } يشعر بتقدم محاولة لتلك البلاد وفوات دركها المطلوب مع أنه لم تتقدم محاولة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هي خيبر، وروي ذلك عن الضحاك وإسحٰق وابن زيد أيضاً، وفيه خفاء فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : هذا من عطف الجملة على الجملة فقوله: {أخرى} مبتدأ موصوف بجملة {لم تقدروا عليها} والخبر قوله: {قد أحاط الله بها}. ومجموع الجملة عطف على جملة {أية : وعدكم اللَّه مغانم كثيرة}تفسير : [الفتح: 20] فلفظ {أخرى} صفة لموصوف محذوف دل عليه {مغانم} الذي في الجملة قبلها، أي هي نوع آخر من المغانم صعبة المنال، ومعنى المغانم يقتضي غانمين فعلم أنها لهم، أي غير التي وعدهم الله بها، أي هذه لم يعدهم الله بها، ولم نجعل {وأخرى} عطفا على قوله {أية : هذه}تفسير : [الفتح: 20] عطف المفرد على المفرد إذ ليس المراد غنيمة واحدة بل غنائم كثيرة. ومعنى {لم تقدروا عليها}: أنها موصوفة بعَدم قدرتكم عليها، فلما كانت جملة {لم تقدروا عليها} صفة لــ {أخرى} لم يقتض مدلول الجملة أنهم حاولوا الحصول عليها فلم يقدروا، وإنّما المعنى: أن صفتها عدم قدرتكم عليها فلم تتعلّق أطماعكم بأخذها. والإحاطة بالهمز: جعل الشيء حائطاً أي حافظاً، فأصل همزته للجعل وصار بالاستعمال قاصراً، ومعناه: احتوى عليه ولم يترك له منصرفاً فول على شدة القدرة عليه قال تعالى: {أية : لتأتنني به إلا أن يُحاط بكم}تفسير : [يوسف: 66] أي إلا أن تغلَبوا غلباً لا تستطيعون معه الإتيان به. فالمعنى: أن الله قدَر عليها، أي قدر عليها فجعلها لكم بقرينة قوله قبله {لم تقدروا عليها}. والمعنى: ومغانم أخرى لم تقدروا على نيلها قد قدر الله عليها، أي فأنا لكُمْ إيّاها. وإلا لم يكن لإعلامهم بأن الله قدر على ما لم يقدروا عليه جدوى لأنهم لا يجهلون ذلك، أي أحاط الله بها لأجلكم، وفي معنى الإحاطة إيماء إلى أنها كالشيء المحاط به من جوانبه فلا يفوتهم مكانه، جعلت كالمخبوء لهم. ولذلك ذُيل بقوله: {وكان اللَّه على كل شيء قديراً} إذ هو أمر مقرر في علمهم. فعلم أن الآية أشارت إلى ثلاثة أنواع من المغانم: نوع من مغانم موعودة لهم قريبة الحصول وهي مغانم خيبر، ونوع هو مغانم مرجوة كثيرة غير معين وقت حصولها، ومنها مغانم يوم حنين وما بعده من الغزوات، ونوع هو مغانم عظيمة لا يَخطر ببالهم نوالها قد أعدها الله للمسلمين ولعلها مغانم بلاد الروم وبلاد الفرس وبلاد البربر. وفي الآية إيماء إلى أن هذا النوع الأخير لا يناله جميع المخاطبين لأنه لم يأت في ذكره بضميرهم، وهو الذي تأوله عُمر في عدم قسمة سواد العراق وقرأ قوله تعالى: {أية : والذين جاءوا من بعدهم}تفسير : [الحشر: 10].

د. أسعد حومد

تفسير : (21) - وَوَعَدَكُمُ اللهُ فَتْحَ بِلادٍ أُخْرى لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَيها من قَبْلُ، وَلكِنَّ اللهَ أَقْدَرَكُم عَلَيها بِعِزِّ الإِسْلامِ، وَيَسَّرَ لَكُم فَتْحَهَا، وَاحْتِيَازَ مَغَانِمِها، وَكَانَ اللهُ قَدِيراً عَلى كُلِّ شَيءٍ، لاَ يَسْتَعْصِي عَلَيهِ أَمْرٌ. أَحَاطَ اللهُ بِهَا - أَعَدَّها اللهُ لَكُمْ أَوْ حَفَظَها لَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: مغانم أخرى، والمراد بها مغانم غزوة حنين يبشرهم الله بها في المستقبل، وقد جاءتْ بالفعل بعد الفتح.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} معناه فارسُ والرومُ.

همام الصنعاني

تفسير : 2907- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا}: [الآية: 21]، قال: بلغنا أنها مكة.