Verse. 4605 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

وَلَوْ قٰتَلَكُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَوَلَّوُا الْاَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُوْنَ وَلِيًّا وَّلَا نَصِيْرًا۝۲۲
Walaw qatalakumu allatheena kafaroo lawallawoo aladbara thumma la yajidoona waliyyan wala naseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو قاتلكم الذين كفروا» بالحديبية «لولّوا الأدبار ثم لا يجدون وليا» يحرسهم «ولا نصيرا».

22

Tafseer

الرازي

تفسير : وهو يصلح جواباً لمن يقول: كف الأيدي عنهم كان أمراً اتفاقياً، ولو اجتمع عليهم العرب كما عزموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها، فقال ليس كذلك، بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، والغلبة واقعة للمسلمين، فليس أمرهم أمراً اتفاقياً، بل هو إلٰهي محكوم به محتوم. وقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }. قد ذكرنا مراراً أن دفع الضرر عن الشخص إما أن يكون بولي ينفع باللطف، أو بنصير يدفع بالعنف، وليس للذين كفروا شيء من ذلك، وفي قوله تعالى: {ثُمَّ } لطيفة وهي أن من يولي دبره يطلب الخلاص من القتل بالالتحاق بما ينجيه، فقال وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون، بل بعد التولي الهلاك لاحق بهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ} قال قتادة: يعني كفار قريش في الحديبِية. وقيل: «وَلَوْ قَاتَلَكُمُ» غَطَفان وأسد والذين أرادوا نُصرة أهل خيبر؛ لكانت الدائرة عليهم. {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراًسُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} يعني طريقة الله وعاداته السالفة نصر أوليائه على أعدائه. وانتصب «سُنَّة» على المصدر. وقيل: «سُنَّةَ اللَّهِ» أي كسنة الله. والسنة الطريقة والسِّيرة. قال:شعر : فلا تَجزَعَن من سِيرة أنت سِرْتَها فأوّلُ راضٍ سُنَّةً من يَسيرها تفسير : والسُّنة أيضاً: ضرب من تمر المدينة. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ } بالحديبية {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَٰرَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحرسهم {وَلاَ نَصِيراً }.

البقاعي

تفسير : ولما قدم سبحانه أنه كف أيدي الناس عنكم أجمعين، ذكر حكمهم لو وقع قتال، فقال مقرراً لقدرته عاطفاً على نحو: فلو أراد لمكنكم من الاعتمار، مؤكداً لأجل استبعاد من يستبعد ذلك من الأعراب وغيرهم: {ولو قاتلكم} أي في هذا الوجه {الذين كفروا} أي أوقعوا هذا الوصف من الناس عموماً الراسخ فيه ومن دونه، وهم أهل مكة ومن لاقهم، وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع الغميم، ولم يكن أسلم بعد {لولوا} أي بغاية جهدهم {الأدبار} منهزمين. ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعداً أيضاً لما لهم من كثرة الإمداد وقوة الحمية، قال معبراً بأداة البعد: {ثم} أي بعد طول الزمان وكثرة الأعوان {لا يجدون} في وقت من الأوقات {ولياً} أي يفعل معهم فعل القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية {ولا نصيراً *}. ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم، وأن جندنا لهم الغالبون، قال تعالى: {سنة الله} أي سن المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطاً بالخلق في قديم الدهر، ولذلك قال: {التي قد خلت} أي سنة مؤكدة لا تتغير، وأكد الجار لأجل أن القتال ما وقع الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال: {من قبل} وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي المؤمنين {ولن تجد} أيها السامع {لسنة الله} الذي لا يخلف قولاً لأنه محيط بجميع صفات الكمال {تبديلاً *} أي تغيراً من مغير ما، يغيرها بما يكون بدلها. ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا، وكان ذلك من خوارق العادات مع كثرتهم دائماً وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعاً للعلم القطعي بأنه ما دبره إلا الواحد القهار القادر المختار، عطف عليه عجباً آخر وهو عدم تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة العزائم وشدة الشكائم، فقال عاطفاً على ما تقديره: هو الذي سن هذه السنة العامة: {وهو الذي كف} أي وحده من غير معين له على ذلك {أيديهم} أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، فإن الكل شرع واحد {عنكم وأيديكم} أيها المؤمنون {عنهم}. ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار دخلوا مكة قال: {ببطن مكة} أي كائناً كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالاً وأنت مآلاً، وعن القفال أنه قال: يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم - انتهى. وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية، فسبب لهم أسباب الاجتماع والتنقية من الذنوب - بما أشارت إليه آية العمرة حالاً وآيات الفتح مآلاً، ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس. ولما كان هذا ليس مستغرقاً لجميع الزمان الآتي، بل لا بد أن يبسط أيدي المؤمنين بها يوم الفتح، أدخل الجار فقال تعالى: {من بعد أن أظفركم} أي أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز {عليهم} وذلك فيما رواه أصحاب. السير قالوا: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي رضي الله عنه فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له فقال له التغلب: ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت قريش أربعين رجلاً منهم أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً فأخذوا أخذاً فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكره بالحجارة والنبل، ثم ذكروا إرساله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه إلى مكة ثم إرسال قريش لسهيل بن عمرو في الصلح، وروى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في أصلها فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في النبي صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا آل المهاجرين: قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثاً في يدي، ثم قلت والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمي عامر رضي الله عنه برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} الآية - انتهى. وروى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وفي رواية النسائي: قالوا: نأخذ محمداً - صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلماً فاستحياهم فأنزل الله عز وجل {وهو الذي كف أيديهم عنكم} الآية. ولما كان هذا ونحوه من عنف أهل مكة وغلظتهم وصلابتهم وشدتهم ورفق النبي صلى الله عليه وسلم ولينه لهم مما أحزن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال تعالى يسليهم: {وكان الله} أي المحيط بالجلال والإكرام "بما يعملون" أي الكفار - على قراءة أبي عمرو بالغيب، وأنتم - على قراءة الباقين بالخطاب في ذلك الوقت وفيما بعده كما كان قبله {بصيراً *} أي محيط العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره فهو يجريه في هذه الدار التي ربط فيها المسببات بأسبابها على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم وقسركم، وستعلمون ما دبره من دخولكم مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة القضاء صلحاً ثم في الفتح بجحفل جرار قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه، وعادت كؤوس الحمام طوعاً لبيض صفاحه، فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو الآن جاهد عليكم، ويصيرون أحب الناس فيكم يقدمون أنفسهم في جهاد الكفار دونكم، فيفتح الله بكم البلاد، ويظهركم - وهو أعظم المحامين عنكم - على سائر العباد. ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع الكفار، عينهم مبيناً لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار والنكال والدمار فقال: {هم} أي أهل مكة ومن لافهم {الذين كفروا} أي أوغلوا في هذا الوصف بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم {وصدوكم} زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية هذه {عن المسجد الحرام} أي مكة، ونفس المسجد الحرام، والكعبة، للإخلال بما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة {والهدي} أي وصدوا ما أهديتموه إلى مكة المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على الفقراء، ومنه أربعون، وفي رواية: سبعون بدنة، كان أهداها النبي صلى الله عليه وسلم {معكوفاً} أي حال كونه مجموعاً محبوساً مع رعيكم له وإصلاحه لما أهدى لأجله {أن يبلغ محله} أي الموضع الذي هو أولى المواضع لنحره، وهو الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه، وهو في العمرة المروة، ويجوز الذبح في الحج والعمرة في أي موضع كان من الحرم، فالموضع الذي نحر فيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرة عند الإحصار ليس محله المطلق. ولما كان التقدير: فلولا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم عليهم فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم، ثم عطف عليه أمراً أخص منه فقال: {ولولا رجال} أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة {مؤمنون} أي عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلاً للوصف بالرجولية {ونساء مؤمنات} أي كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة، على أن ذلك شامل لمن جبله الله على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت مشركاً {لم تعلموهم} أي لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز زمنهم بأنفسهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب، ثم أبدل من "الرجال والنساء" قوله: {أن تطؤهم} أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحوه من الوطء الذي هو الإيقاع بالحرب منه قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : آخر وطأة وطئها الله بوج"تفسير : يكون ذلك الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون أذى الدائس لمدوس وتضغطوهم وتأخذوهم أخذاً شديداً بقهر وغلبة تصيرون به لا تردون يد لامس ولا تقدرون على مدافعة {فتصيبكم} أي فيتسبب عن هذا الوطء أن يصيبكم {منهم} أي من جهتهم وبسببهم {معرة} أي مكروه وأذى هو كالحرب في انتشاره وأذاه، وإثم وخيانة بقتال دون إذن خاص، وبعدم الإمعان في البحث، وغرم وكفارة ودية وتأسف وتعيير ممن لا علم له، ثم علق بالوطء المسبب عنه إصابة المعرة إتماماً للمعنى قوله: {بغير علم} أي بأنهم من المؤمنين. ولما دل السياق على أن جواب "لولا" محذوف تقديره: لسلطكم عليهم وما كف أيديكم عنهم، ولكنه علم ذلك، وعلم أنه سيؤمن ناس من المشركين فمن عليكم بأن رفع حرج إصابتهم بغير علم عنكم، وسبب لكم أسباب الفتح الذي كان يتوقع بسبب تسليطكم عليهم بأمر سهل، وكف أيديكم ولم يسلطكم عليه {ليدخل الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {في رحمته} أي إكرامه وإنعامه {من يشاء} من المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على أرفق وجه، ولما كان ذلك، أنتج قوله تعالى: {لو تزيلوا} أي تفرقوا فزال أحد الفريقين عن الآخر زوالاً عظيماً بحيث لا يختلط صنف بغيره فيؤمن وطء المؤمنين له بغير علم {لعذبنا} أي بأيديكم بتسليطنا أبو بمجرد أيدنا من غير واسطة {الذين كفروا} أي أوقعوا ستر الإيمان. ولما كان هذا عاماً لجميع من اتصف بالكفر من أهل الأرض، صرح بما دل عليه السياق فقال: {منهم} أي الفريقين وهم الصادون {عذاباً أليماً *} أي شديد الإيجاع بأيديكم أو من عندنا لنوصلكم إلى قصدكم من الاعتمار والظهر على الكفار، ففيه اعتذار وتدريب على تأدب بعضهم مع بعض، وفي الإشارة إلى بيان سر من أسرار منع الله تعالى لهم من التسليط عليهم حث للعبد على أن لا يتهم الله في قضائه فربما عسر عليه أمراً يظهر له أن السعادة كانت فيه وفي باطنه سم قاتل، فيكون منع الله له منه رحمة في الباطن وإن كان نقمة في الظاهر، فألزم التسليم مع الاجتهاد في الخير والحرص عليه والندم على فواته وإياك والاعتراض، وفي الآية أيضاً أن الله تعالى قد يدفع عن الكافر لأجل المؤمن.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} أي أهلُ مكةَ ولم يُصالِحوكُم، وقيلَ: حلفاءُ خيبرَ {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ} مُنهزمينَ {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً} يحرسُهم {وَلاَ نَصِيراً} ينصرُهم {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} أي سنَّ الله غلبةَ أنبـيائِه سنةً قديمةً فيمَنْ مَضَى منَ الأممِ. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي تغيـيراً {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ} أي أيديَ كُفارِ مكةَ {عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} أي في داخلِها {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} وذلكَ (أنَّ عكرمةَ بنَ أبـي جهلٍ خرجَ في خمسائةٍ إلى الحديبـيةِ فبعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بنَ الوليدِ على جندٍ فهزَمَهُم حتى أدخلَهُم حيطانَ مكةَ ثم عادَ) وقيلَ: كانَ يومَ الفتحِ وبه استشهدَ أبو حنيفةَ على أنَّ مكةَ فتحتْ عنوةً لا صُلحاً. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من مقاتَلتهم وهزمِهم أولاً والكفِّ عنهم ثانياً لتعظيمِ بـيتِه الحرامِ. وقُرِىءَ بالياءِ. {بَصِيراً} فيجازيكُم بذلكَ أو يجازِيهم {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ} بالنصبِ عطفاً على الضميرِ المنصوبِ في صدُّوكم. وقُرِىءَ بالجرِّ عطفاً على المسجدِ بحذفِ المضافِ أي ونحرِ الهَدْي، وبالرفعِ على معنى وصُدَّ الهَدْيُ، وقولُه تعالَى {مَعْكُوفاً} حالٌ من الهَدْي أي محبوساً. وقولُه تعالَى: {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} بدلُ اشتمالٍ من الهَدْي أو منصوبٌ بنزعِ الخافضِ أي محبوساً من أنْ يبلغَ مكانَهُ الذي يحلُّ فيهِ نحرُه، وبه استدلَّ أبُو حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى على أنَّ المُحَصَر مَحِلُّ هديهِ الحرمُ، قالُوا بعضُ الحديبـيةِ منَ الحرمِ. ورَويَ أنَّ خيامَهُ صلى الله عليه وسلم كانت في الحلِّ ومصلاَّهُ في الحرمِ. وهناكَ نحرتْ هداياهُ صلى الله عليه وسلم والمرادُ صدُّها عن محلَّها المعهودِ الذي هُو مِنىً. {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} لم تعرفُوهم بأعيانِهم لاختلاطِهم وهو صفةٌ لرجالٌ ونساءٌ. وقولُه تعالى: {أَن تَطَئُوهُمْ} أي تُوقعوا بهم وتُهلِكوهُم بدلُ اشتمالٍ منهُم أو من الضميرِ المنصوبِ في تعلمُوهم {فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ} أي من جهتِهم{مَّعَرَّةٌ} أي مشقةٌ ومكروهٌ كوجوبِ الديةِ أو الكفارةِ بقتلِهم والتأسفِ عليهم وتعيـيرِ الكفارِ وسوءِ قالتِهم والإثمِ بالتقصيرِ في البحثِ عنهم وهي مَفْعَلةٌ من عَرَّهْ إذا عَرَاهُ ودَهَاهُ ما يكرهُهُ. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلقٌ بأنْ تطؤهم أي غيرَ عالمينَ بهم وجوابُ لَولا محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليهِ، والمَعْنى لولا كراهةُ أن تُهلكُوا ناساً مؤمنينَ بـين الكافرينَ غيرَ عالمينَ بهم فيصيبَكُم بذلكَ مكروهٌ لَمَا كفَّ أيديَكُم عنْهم. وقوله تعالى {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ} متعلقٌ بما يدلُّ عليهِ الجوابُ المحذوفُ كأنَّه قيل عَقِيبَهُ لكن كفَّها عنهُم ليُدخلَ بذلك الكفِّ المؤدِّي إلى الفتحِ بلا محذورٍ في رحمتِه الواسعةِ بقسميَها. {مَن يَشَآء} وهم المؤمنونَ فإنَّهم كانُوا خارحينَ من الرحمةِ الدنيويةِ التي منْ جُمْلتِها الأمنُ مستضعفينَ تحت أيدِي الكفرةِ، وأما الرحمةُ الأخرويةُ فهم وإن كانُوا غيرَ محرومينَ منها بالمرةِ لكنهم كانُوا قاصرينَ في إقامةِ مراسمِ العبادةِ كما ينبغي فتوفيقُهم لإقامتِها على الوجهِ الأتمِّ إدخالٌ لهم في الرحمةِ الأخرويةِ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ من يشاءُ عبارةً عمنْ رغبَ في الإسلامِ من المشركينَ ويأباهُ قولُه تعالَى {لَوْ تَزَيَّلُواْ} الخ فإن فرضَ التنزيلِ وترتيبَ التعذيبِ عليه يقتضي تحققَ المباينةِ بـين الفريقينِ بالإيمانِ والكفرِ قبلَ التزيلِ حتماً أي لو تفرقُوا وتميَّز بعضُهم من بعضٍ. وقُرىءَ لو تزايلُوا {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} بقتلِ مقاتِلِتهم وسبـيِ ذرارِيهم. والجملةُ مُستأنفةٌ مقررةٌ لما قبلَها.

القشيري

تفسير : يعني: خيبر وأسد وغطفان وغيرهم - لو قاتلوكم لانهزموا، ولا يجدون من دون الله ناصراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو قاتلكم الذين كفروا} اى اهل مكة ولم يصالحوكم وقيل حلفاء خيبر من بنى اسد وغطفان {لولوا الادبار} اى لانهزموا ولم يكن قتال وبالفارسية هر آينه بر كردانيدندى بشتهارا بكريز يعنى هزيمت كرديدى. فان تولية الادبار كناية عن الانهزام وكذا فى الفارسية كما قال. آن له من باشم كه روز جنك بيننى بشت من. و دبر الشئ خلاف القبل كالظهر والخلف {ثم لا يجدون وليا} يحرسهم {ولا نصيرا} ينصرهم

ابن عجيبة

تفسير : {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ...} يقول الحق جلّ جلاله: {ولو قاتلكم الذين كفروا} من أهل مكة ولم يُصالحوا، أو من خلفاء خيبر، الذين جاؤوا لنصرهم {لَوَلَّوا الأدبارَ} منهزمين {ثم لا يجدون وليّاً} يلي أمرهم، {ولا نصيراً} ينصرهم. {سُنَّةَ الله التي قد خَلَتْ من قبل} مصدر مؤكد، أي: سنَّ الله غلبة أنبيائه سنة ماضية، وهو قوله:{أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى}تفسير : [المجادلة: 21] {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} تغيُّراً. {وهو الذي كفَّ أيديَهم عنكم} أي: أيدي كفار أهل مكة {وأَيْدِيَكم عنهم} عن أهل مكة {ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} أي: أقدركم وسلَّطكم عليهم، يعني: قضى بينهم وبينكم المكافَّة والمحاجزة بعدما خوّلكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، يطلب غرة بالمسلمين، فبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بن الوليد على جند، فهزمهم، حتى أدخلهم حيطان مكة، ثم عاد ثانياً فهمزمه، ثم عاد فهزمه، هكذا نقله الثعلبي وغيره. فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعي: أن خالداً كان مع المشركين في الحديبية، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وكان في السنة الثامة، والحديبية في السادسة، والذي ذكر النسفي أنه عليه السلام بعث مَن هزمهم، ولم يسمه، وهزمُ خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح، لا في الحديبية، فلعل الراوي غلط. وقال أنس: إن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر، عام الحديبية، ليقاتلوا المسلمين، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سِلْماً، فأعتقهم، فنزلت الآية. ووجه المنّة في كفّ أيدي المؤمنين عن الكافرين: ما ذكر بعد من قوله: {ولولا رجال مؤمنون}... الآية، أو: ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه، فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح، وقال القشيري: بعد أن اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، أنزل الله هذه الآية يمنُّ عليهم، حيث كفّ أيديَ بعضهم عن بعض، عن قدرة من المسلمين، لا عن عجز، فأما الكفار فكفُّوا أيديهم رُعباً وخوفاً، وأما المسلمون فنهياً من قِبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين. هـ. {وكان الله بما تعملون} من مقاتلتهم وهزمهم أولاً، والكفّ عنهم ثانياً، لتعظيم بيته الحرام، وقرأ البصري بياء الغيب، أي: بما يعمل المشركون {بصيراً} فيجازي كُلاًّ بما يستحقه. {هم الذين كفروا وصدُّوكم عن المسجد الحرام} {و} صدُّوا {الهدْيَ} حال كونه {معكوفاً} أي: محبوساً عن {أن يبلغ مَحِلَّهُ} أي: مكانه الذي يحلّ به نحره، وهو منىً وكان صلى الله عليه وسلم ساق سبعين بدنة، فلما صُدّ، نَحَرَها بموضعه، وبه استدل مَن قال: إنّ المحصَر ينحر هداياه بموضعه، وروي أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاّه في الحرم، وهناك نحرت هداياه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يُقال لمَن سبقت لهم العناية، وحَفّت بهم الرعاية: لو قاتلكم الذين كفروا من النفس الأمّارة، والشيطان، والهوى، وسائر القواطع، لَوَلُّوا الأدبار، ثم لا يجدون تسلُّطاً عليكم أبداً، سُنَّة الله التي قد خلت فيمن توجه إليه بصدق الطلب، ودخل تحت تربية الرجال، فإن همتهم دائرة عليه، ولن تجد لسنَّة الله تبيدلاً. وهو الذي كفّ أيدي الأعداء من القواطع عنكم، وكَفّ أيديكم عنهم، من بعد أن أظفركم عليهم، فإنّ النفس إذا تعذّبت واطمأنت وجب الكفُّ عن مجاهدتها، ووجب البرور بها، وتصديقها فيما تحدثه، وكذا سائر القواطع تجب الغيبة عنها، وعدم الالتفات إليها غيبةً في الله واشتغالاً بشهوده. وقيل لبعضهم: متى ينتهي سير الطالبين؟ قال: "الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا". وأيضاً: لا تجتمع المجاهدة مع المشاهدة، فإذا تحققت المشاهدة فلا مجاهدة. هم الذين كفروا من النفوس المتمردة، والهوى، وصدُّوكم عن مسجد الحضرة، والهديَ معكوفاً، وحبسوكم عن التقرُّب إلى الله بالنفس والمال أن يبلغ محله، بأن تمنعكم من إعطائه، أو تُشِيبُه بما يُفسده من الرياء والعجب، لئلا تبلغ محل الإخلاص. ثم ذكر حكمة منعهم من دخول مكة عام الحديبية، فقال: {... وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} قلت: {أن تطؤوهم}: بدل اشتمال من رجال ونساء، ومن ضمير "تعلموهم" وبغير متعلق بتطؤوهم، وجواب "لولا" محذوف، أغنى عنه جواب "لو" أي: لما كفّ أيديكم عنهم. يقول الحق جلّ جلاله: {ولولا رجالٌ مؤمنون ونساء مؤمناتٌ} بمكة، ضَعُفوا عن الهجرة {لم تعلموهم} لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم مع المشركين، {أن تطأوهم بغير علمٍ} أي: غير عالِمين بهم {فتُصيبَكم منهم معرَّة} أي: مشقة ومكروه. وفي تفسير المحلي "المعرة" بالإثم نظر، مع فرض عدم العلم، إلا أن يُحمل على صورة الإثم، وهو الخطأ، وفيه الكفارة. والمعرة: مفعلة من: عراهُ: إذا دهاه ما يكرهه وشقّ عليه، وهو هنا الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء مقالة المشركين أنهم فعلو بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والإثم إذا قصد قتله. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة. والحاصل أنه كان بمكة قوم مسلمون مختلطون بالمشركين، غير متميّزين منهم، فقيل: ولولا كراهة أن تُهلكوا ناساً من المؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتُصيبكم بإهلاكهم مشقة ومكروه، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولسلطانكم عليهم. وكان ذلك الكفّ {ليُدخل اللّهُ في رحمته} أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة لمؤمنيهم، أو: ليدخلهم في الإسلام مَن رغب فيه من مشركيهم {مَن يشاء} زيادته أو هدايته، فاللام متعلقة بمحذوف، تعليل لما دلت عليه الآية، وسيقت له، من كفّ الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صوناً لما بين أظهرهم من المؤمنين. {لو تزيّلوا} أي: تفرّقوا وتميّز المسلمون من الكافرين، {لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} بقتل مقاتلهتم، وسبي ذراريهم. ويجوز أن يكون: "لو تزيّلوا" كالتكرير لـ"لولا.."؛ لمرجعهما لمعنى واحد ويكون {لعذَّبنا...} الخ، هو جواب "لولا" والتقدير: ولولا أن تطؤوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمناتٍ من غير علم، ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف. الإشارة: إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد، لا يعم البلاء المعدّ لأهل الانتقاد، ولو تزيّلوا لعذبنا المنكرين عذاباً أليماً، وكذلك إذا اختلط الفجّار مع الأبرار، وغلب جمع الأبرار، لا يعم البلاء، ويُصرف عن الجميع، فلو تزيّل الفجّار لعُذبوا عذاباً أليماً. قال القشيري: قد تكون في النفس أوصاف مستحسنة، تليق بالفيض الألهي، مع أوصاف مذمومة، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة، لفاتكم ما فيها من الأوصاف الحسنة، فتُصيبكم معرة، ليدخل الله في رحمته بالوصول إلى حضرته من يشاء من النفوس، بتصفية ما فيها من الرذائل. لو تزيّلوا تميز ما يصلح قلعه، كالكبر، والشر، والحرص والحقد، أو ما يصلح تبديله، كالبخل بالسخاء، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبن بالشجاعة، والشهوة بالعفة، لعذَّبنا النفوس المتمردة عذاباً أليماً، بإهلاكها بالكلية. بالمعنى. ثم وصف أهل الكفر المتقدمين الآن بالحَمية، فقال: {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} يوم الحديبيّة {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} يعنى سنّ الله نصرة الانبياء وهزيمة الكفّار لو قاتلوا الانبياء من قبل هذا الزّمان {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} بالرّعب فى قلوبهم والنّهى لكم عن مقاتلتهم والامر بالصّلح {بِبَطْنِ مَكَّةَ} يعنى الحديبيّة {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} اى من بعد ان جعلكم مشرفين على الظّفر عليهم او من بعد ان اظفركم عليهم ببدرٍ ويوم الخندق وفى اُحدٍ {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابُ سؤالٍ فى مقام التّعليل {وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً} محبوساً {أَن يَبْلُغَ} من ان يبلغ {مَحِلَّهُ} وهو محلّ النّحر يعنى مكّة فانّها محلّ نحر هدى العمرة {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} بيانٌ لعلّة منعهم عن دخول مكّة {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ} بدل من رجال او من مفعول لم تعلموهم او بتقدير فى ظرف لتعلموهم {فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} عيب يعيبكم به المشركون بان يقولوا: قتلوا اهل دينهم، او اثم وجناية اودية وكفّارة {بِغَيْرِ عِلْمٍ} وجواب لولا محذوف اى لاغريناكم بهم او لادخلناكم مكّة {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ} متعلّق بمحذوفٍ اى فمنعناكم عن الدّخول ليدخل الله {فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} من المؤمنين بسلامته من القتل والاذى ولحوق الكفّارة والدّية ومن الكافرين بدخوله فى الاسلام {لَوْ تَزَيَّلُواْ} اى لو تميّز المؤمنون والكافرون {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} من اهل مكّة {عَذَاباً أَلِيماً} فلحرمة اختلاط المؤمنين بالكافرين، ولحفظ نفوس المؤمنين الّذين كانوا بمكّة عن القتل والاذى، ولحفظ نفوس الّذين كانوا مع محمّدٍ (ص) عن لحوق المعرّة، ولحفظ نفوس المؤمنين الّذين كانوا فى اصلاب الكافرين لم يعذّبهم الله، وقيل: انّ صلح الحديبيّة كان اعظم فتح للاسلام حيث اختلط المؤمنون بالكافرين واظهروا دينهم من غير خوفٍ وتقيّةٍ فرغب فى دينهم كثير من الكافرين ودخلوا فيه من غير سيفٍ، وعن الصّادق (ع) انّه سئل: الم يكن علىٌّ (ع) قويّاً فى بدنه قويّاً فى امر الله؟ - فقال: بلى، قيل: فما منعه ان يدفع او يمتنع لها؟ - قال: فافهم الجواب، منع عليّاً (ع) من ذلك آية من كتاب الله تعالى، فقيل: واىّ آيةٍ؟ - فقرأ: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} (الآية) كان لله تعالى ودائع مؤمنون فى اصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علىّ (ع) ليقتل الآباء حتّى تخرج الودائع، فلمّا خرجت ظهر على من ظهر وقتله، وكذلك قائمنا اهل البيت لن يظهر ابداً حتّى يخرج ودائع الله فاذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله، وفى هذا المعنى اخبارٌ عديدةٌ، وقال (ع): لو اخرج الله ما فى اصلاب المؤمنين من الكافرين وما فى اصلاب الكافرين من المؤمنين لعذّبنا الّذين كفروا.

الهواري

تفسير : قال الله: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [في تلك الحال] {لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا} يمنعهم من ذلك القتل الذي يقتلهم المؤمنون {وَلاَ نَصِيرًا} ينتصر لهم. قال: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} أي: بقتل من أظهر الشرك، إذ أمر النبي عليه السلام بالقتال. قال: {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}. قال الله عزّ وجلّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}. قال الكلبي: كان هذا يوم الحديبية، وكان المشركون من أهل مكة قاتلوا نبي الله، وكان شيء من رمي نبل وحجارة من الفريقين جميعاً، ثم هزم الله المشركين وهم ببطن مكة، فهزموا حتى دخلوا مكة، ثم كفّ الله بعضهم عن بعض. قال الله: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}. قوله عز وجل: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} عن نافع عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدَّه المشركون عن المسجد الحرام وأنا معه فنحر [ونحر أصحابه] الهدي بالحديبية. قوله عز وجل: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا} أي: محبوساً {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي لئلا يبلغ محلّه. قال: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ} بمكة يدينون بالتقية {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ} فتقتلوهم {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ} أي: إثم {بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال الله تعالى: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} أي: في دينه الإِسلام فيُسلمون، وقد فعل الله ذلك. قال الله: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أي زال المسلمون من المشركين والمشركون من المسلمين فصار المشركون محضاً {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أي: لسلطناكم عليهم فقتلتموهم. قوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} هم المشركون صدوا نبي الله يوم الحديبية عن المسجد الحرام، وحبس الهدي أن يبلغ محله، وإنما حملهم على ذلك حمية الجاهلية والتمسك بها. {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ} تفسير الكلبي: السكينة الطمأنينة، وتفسير الحسن: الوقار {وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} وهي كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} أي وكانوا أهلها في الدنيا، وعليها الثواب مع الوفاء بالأعمال في الآخرة {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} أهل مكة ولم يصالحوا وقيل حلفاء أهل خيبر مع أهلها* {لَوَلَّوُاْ الأَدْبَارَ} لانهزموا* {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً} يحرسهم* {وَلاَ نَصِيراً} ينصرهم

اطفيش

تفسير : {ولو قاتلكم الذينَ كَفَروا} أهل مكة يوم الحديبية عند قتادة وأسد وغطفان عند بن جريج، ويضعف القول بأنهم اليهود {لَوَلَّوُا الأدبار} كناية عن الانهزام، وأصله أنهم تالون لتوجيه أدبارهم نحو من فروا عنه {ثمَّ لا يجدون وليّاً} يدفع عنهم المسلمين بلطف كحيلة وشفاعة، أو دافعا عنهم من قرابتهم، أو حارسا لهم {ولا نَصيراً} يدفع عنهم بعنف ولياً أو غير ولى.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ } أي من أهل مكة ولم يصالحوكم كما روي عن قتادة، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنهم حليفا أهل خيبر أسد وغطفان، وقيل: اليهود وليس بذاك {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ } أي لانهزموا فتولية الدبر كناية عن الهزيمة {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحرسهم، وذكر الخفاجي أن الحارس أحد معاني الولي، وتفسيره هنا بذلك لمناسبته للمنهزم، وقال الراغب: كل من ولي أمر آخر فهو وليه، وعليه فالحارس ولي لأنه يلي أمر المحروس، والتنكير للتعميم أي لا يجدون فرداً ما من الأولياء {وَلاَ نَصِيراً } ولا فرداً ما من الناصرين ينصرهم، وقال الإمام: أريد بالولي من ينفع باللطف وبالنصير / من ينفع بالعنف.

ابن عاشور

تفسير : هذا عطف على قوله: {أية : وكف أيدي الناس عنكم}تفسير : [الفتح: 20] على أن بعضه متعلق بالمعطوف عليه، وبعضه معطوف على المعطوف عليه فما بينهما ليس من الاعتراض. والمقصود من هذا العطف التنبيه على أن كف أيدي الناس عنهم نعمة على المسلمين باستبقاء قوتهم وعدتهم ونشاطهم. وليس الكف لدفع غلبة المشركين إياهم لأن الله قدَّر للمسلمين عاقبة النصر فلو قاتلهم الذين كفروا لهزمهم المسلمون ولم يجدوا نصيراً، أي لم ينتصروا بجمعهم ولا بمن يعينهم. والمراد بالذين كفروا ما أريد بالناس في قوله: {وكف أيدي الناس عنكم}. وكان مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الناس بأن يقال: ولو قاتلوكم، فعدل عنه إلى الاسم الظاهر لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أن الكفر هو سبب تولية الإدبار في قتالهم للمسلمين تمهيداً لقوله: {سنة اللَّه التي قد خلت من قبل}. و {الأدبار} منصوب على أنه مفعول ثان لِــ {وَلَّوا} ومفعوله الأول محذوف لدلالة ضمير {قاتلكم الذين كفروا} عليه. والتقدير: لولوكم الأدبار. و (أل) للعهد، أي أدبارهم، ولذلك يقول كثير من النحاة إن (أل) في مثله عوض عن المضاف إليه وهو تعويض معنوي. والتولية: جعل الشيء والياً، أي لجعلوا ظهورهم تَليكم، أي ارتدوا إلى ورائهم فصُرتم وراءهم. و {ثم} للتراخي الرتبي فإن عدم وجدان الولي والنصير أشد على المنهزم من انهزامه لأنه حين ينهزم قد يكون له أمل بأن يستنصر من ينجده فيكُرّ بِهِ على الذين هزموه فإذا لم يجد ولياً ولا نصيراً تحقق أنه غير منتصر وأصل الكلام لولوا الأدبار وما وجدوا ولياً ولا نصيراً. والولي: المُوالي والصديق، وهو أعم من النصير إذ قد يكون الوَلي غير قادر على إيواء وليه وإسعافه. والسنة: الطريقة والعادة. وانتصب {سنة اللَّه} نِيابة عن المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله لإفادة معنى تأكيد الفعل المحذوف. والمعنى: سن الله ذلك سُنة، أي جعله عادة له ينصر المؤمنين على الكافرين إذا كانت نية المؤمنين نصر دين الله كما قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}تفسير : [محمد: 7] وقال: {أية : ولينصرن الله من ينصره}تفسير : [الحج: 40]، أي أنّ الله ضمن النصر للمؤمنين بأن تكون عاقبة حروبهم نصراً وإن كانوا قد يُغلبون في بعض المواقع كما وقع يوم أحد وقد قال تعالى: {أية : والعاقبة للمتقين}تفسير : [القصص: 83] وقال: {أية : والعاقبة للتقوى}تفسير : [طه: 132]. وإنما يكون كمال النصر على حسب ضرورة المؤمنين وعلى حسب الإيمان والتقوى، ولذلك كان هذا الوعد غالباً للرسُول ومن معه فيكون النصر تاماً في حالة الخطر كما كان يوم بدر، ويكون سجالاً في حالة السعة كما في وقعة أحد وقد دل على ذلك حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر:"اللهم إن تَهلِك هذه العصابة لا تعبَد في الأرض" تفسير : وقال الله تعالى: {أية : قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}تفسير : [الأعراف: 128]، ويكون لمن بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من جيوش المسلمين على حسب تمسكهم بوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يأتي زمان يغزُو فآمٌ من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي؟ فيقال: نعم، فيفتحُ عليه، ثم يأتي زمان فيُقال: فيكم من صحب أصحاب النبي؟ فيقال: نعم فيفتح ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صَحِب من صَاحَبَ النبي؟ فيقال: نعم فيُفتحُ»تفسير : . ومعنى {خلت} مضت وسبقت من أقدم عصور اجتلاد الحق والباطل، والمضاف إليه {قبلُ} محذوف نُوِي معناه دون لفظه، أي ليس في الكلام دال على لفظه ولكن يدل عليه معنى الكلام، فلذلك بُني {قبلُ} على الضم. وفائدة هذا الوصف الدلالة على اطرادها وثباتها. والمعنى: أن ذلك سنة الله مع الرسل قال تعالى: {أية : كتب الله لأغلِبنّ أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}تفسير : [المجادلة: 21]. ولما وصف تلك السنة بأنها راسخة فيما مضى أعقب ذلك بوصفها بالتحقق في المستقبل تعميماً للأزمنة بقوله: {ولن تجد لسنة اللَّه تبديلاً} لأن اطراد ذلك النصر في مختلف الأمم والعصور وإخبارَ الله تعالى به على لسان رسله وأنبيائه يدل على أن الله أراد تأييد أحزابه فيعلم أنه لا يستطيع كائن أن يحول دون إرادة الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {قَاتَلَكُمُ} {ٱلأَدْبَارَ} (22) - يُبَشِّرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُم إِذا قَاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ لاَنْتَصَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيهِمْ، وَلاَنهَزَمَ جَيْشُ الكُفْرِ فَارّاً مُوَلِّياًَ الأَدْبَارَ، وَلاَ يَجِدُ وَليّاً يَتَوَلَّى رِعَايَتَهُ وَيَحْرُسُهُ، وَلا نَاصراً يَنْصُرُهُ وَيُسَاعِدُهُ، لأَنَّهُ يُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} يعني أسد، وغطفان، وأهل خيبر، وقال قتادة: يعني كفّار قريش {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * سُنَّةَ ٱللَّهِ} أي كسنّة الله {ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً * وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} وهو الحديبية {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} (الياء) أبو عمرو، وغيره (بالتاء)، واختلفوا فيهم، فقال أنس: إنّ ثمانين رجلاً من أهل مكّة هبطوا على رسول الله وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله سلماً، وأعتقهم، فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} ... الآية. عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله عام الحديبية ليصيبوا من أصحابه أحداً، وأُخذوا أخذاً، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وقد كانوا يرمون عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة، والنّبل فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} ... الآية. وقال عبد الله بن المغفل: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة وعلى ظهره غصنٌ من أغصان تلك الشجرة، فرفعته عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصُلح، وسهيل بن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابّاً عليهم السّلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا رسول الله (عليه السلام)، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فخلّى عنهم رسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مجاهد: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم معتمراً، وأخذ أصحابه ناساً من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فذلك الإظفار ببطن مكّة، حديث : وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ رجلاً من أصحاب رسول الله يقال له: زنيم اطّلع الثنية من الحديبيّة، فرماه المشركون بسهم، فقتلوه، فبعث رسول الله خيلاً، فأتوا باثني عشر فارساً من الكفّار، فقال لهم نبيّ الله: "هل لكم عليَّ عهد؟ هل لكم عليَّ ذمّة؟". قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : وقال ابن ايزي، والكلبي: هم أهل الحديبية، وذلك حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا خرج بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة، فقال له عمر رضي الله عنه: يا نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح، ولا كراع؟ قال: فبعث إلى المدينة، فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلاّ حمله، فلمّا دنا من مكّة منعوه أن يدخل، فسار حتّى أتى منى، فنزل منى، فأتاه عينه أنّ عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: "يا خالد هذا ابن عمّك قد أتاك في الخيل". فقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله، يا رسول الله، أرمِ بي حيث شئت، فيومئذ سمّي سيف الله، فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، ثمّ عادوا في الثانية، فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، ثمّ عاد في الثالثة فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} إلى قوله: {عَذَاباً أَلِيماً} فكفّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية، أن تطأهم الخيل بغير علمتفسير : ، وذلك قوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً} محبوساً. أي وصدّوا الهدي معكوفاً محبوساً. {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} منحره، وكان سبعين بدنة، روى الزهيري، عن عروة بن الزبير، عن المسوّر بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة نفر، فلمّا بلغ ذا الحليفة، تنامى إليه النّاس، فخرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، وكشف بين يديه عيناً من خزاعة يخبره عن قريش. وسار النبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى إذا كان بغدير الأشطاط، قريباً من عسفان أتاه عينه الخزاعي، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أشيروا عليَّ، أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الّذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وان نجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون أن نأمّ البيت، فمن صدّنا عنه قاتلناه". فقام أبو بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله إنّا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا، وبين البيت قاتلناه، فقال رسول الله (عليه السلام): "فروحوا إذاً" . حديث : وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من النبيّ صلى الله عليه وسلم فراحوا حتّى إذا كانوا بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له:يا رسول الله هذه قريش، قد سمعوا بسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود المنون، ونزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا يدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كراع العميم. وقد ذكرت قول من قال: إنّ خالد بن الوليد يومئذ كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً، فقال رسول الله (عليه السلام): "يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظنّ قريش، فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتّى يظهره الله، أو تنفرد هذه السّالفة". ثمّ قال: "مَن رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها"، فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فخرج على طريق وعر حزن بين شعاب، فلمّا خرجوا منه، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: "قولوا: نستغفر الله، ونتوب إليه". ففعلوا، فقال: "والله إنّها للحطّة التي عُرِضَت على بني إسرائيل، فلم يقولوها". ثمّ قال رسول الله للنّاس: "اسلكوا ذات اليمين" في طريق يخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكّة. فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش فترة قريش وأنّ رسول الله قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى إذا سلك ثنية المرار بركت به ناقته، فقال النّاس: حل حل. فقال: "ما حل؟" قالوا: حلأت الفضول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما حلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثمّ قال: "والّذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلاّ أعطيتهم إيّاها"، ثمّ قال للناس: "انزلوا" فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنّما يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث الناس أن ترجوه، فشكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فنزع سهماً من كنانته،وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له: ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله، فنزل في ذلك البئر، فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالريّ، حتّى صدروا عنه، ويقال: إنّ جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يمتح على الناس، فقالت: * يا أيّها الماتح دلوي دونكا * إنّي رأيت الناس يحمدونكا * * يثنون خيراً ويمجّدونكا * أرجوك للخير كما يرجونكا * فقال: * قد علمت جارية يمانية * أنّي أنا الماتح واسمي ناجية * * وطعنة ذات رشاش واهية * طعنتها عند صدور العادية * قال: فبينا هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا بعَداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "إنّا لم نأتِ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلاّ فقد حموا، فوالله لأُقاتلنّهم على أمري هذا، حتّى تنفرد سالفتي أو لينفذنّ الله أمره". فقال بديل: سنبلغهم ما تقول. فانطلق حتّى أتى قريشاً، فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤوهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا بشيء عنه، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا، وكذا.فحدّثهم بما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بال الوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: أفلستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ، فلمّا ألحّوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا الرجل، قد عرض عليكم خطة رُشد فاقبلوها ودعوني آئته، قالوا: آتيه. فأتاه، فجعل يكلِّم النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبي نحواً من مقالته لبديل، فقال عروة عند ذلك: يا محمّد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب استباح، وقيل اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأُخرى فوالله إنّي لأرى وجوهاً وأشواباً من الناس خُلقاً أن يفرّوا ويدعوك. فقال أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه: امصص بظر اللات واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون أنحن نفرّ وندعه؟ فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: أبو بكر. فقال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك، وجعل يكلِّم النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله، ومعه السيف وعلى رأسه المغفر، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخّر يدك عن لحيته، فرفع عروة رأسه، فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. قال: أي غدّار، أوَلستَ أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمّ جاء فأسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "أمّا الإسلام فقد قبلنا، وأمّا المال، فإنّه مال غدر لا حاجة لنا فيه". وإنّ عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله بعينه، فقال: والله لن يتنخم النبيّ صلى الله عليه وسلم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلكاً يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّداً، والله إن يتنجم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم أمراً ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر تعظيماً له، وإنّه قد عرض عليكم خطة رُشد فاقبلوها. فقال رجل من كنانة: دعوني آتيه. قالوا: أتيه. فلمّا أشرف على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي: "هذا فلان من قوم يعظّمون البُدن، فابعثوها له" فبعثت له، واستقبله قوم يلبّون، فلمّا رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، ثمّ بعثوا إليه الجليس بن علقمة بن ريان، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله قال صلى الله عليه وسلم "إنّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه". فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال: يا معشر قريش، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّه، الهدي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محلّه، فقالوا له: اجلس، فإنّما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب الجليس عند ذلك، فقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظِّماً له، والذي نفس الجليس بيده، لتخلنّ بين محمّد، وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: كفّ عنّا يا جليس حتّى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم "هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر"، فجعل يكلِّم النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهيل بن عمرو فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "قد سهل لكم أمركم، القوم يأتون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك يليّن قلوبهم" فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية، فجاءوا، فسألوا الصلح، وقال سهيل: هات نكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ح فقال له: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرّحمن فلا أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللَّهُم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرّحمن الرحيم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ: "اكتب باسمك اللَّهُم"، ثمّ قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني". ثمّ قال لعلي: "امح رسول الله"، فقال: والله لا أمحوك أبداً، فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب، فمحاه، ثمّ قال: «اكتب هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم من بعض، وعلى أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّاً أو معتمراً أو يبغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، وعلى إنّه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع رسول الله لم يردّوه عليه». فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله(عليه السلام): "من جاءهم منّا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجاً، وإنّ بيننا عيبة مكفوفة، وإنّه لا أسلال، ولا أغلال، وإنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد، وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه". فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمّد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "وعلى أن يخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به". فقال سهيل: ولا يتحدّث العرب إنّا أخذتنا ضغطة، ولكن لك ذلك من العام المقبل، فكتب: وعلى إنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكّة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثاً، ولا تدخلها بالسّلاح إلاّ السيوف في القراب، وسلاح الراكب، وعلى أنّ هذا الهدي حيث ما حبسناه محلّه، ولا تقدمه علينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "نحن نسوقه، وأنتم تردون وجوهه". قال: فبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، وإذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده، قد انفلت، وخرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فلمّا رأى سهيل أبا جندل، قام إليه، فضرب وجهه، وأخذ سلسلته، وقال: يا محمّد قد تمّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أوّل من أقاضيك عليه، أترده إلينا؟ ثمّ جعل يجرّه ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين، وقد جئت مسلماً لتنفرني عن ديني؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذِّب عذاباً شديداً في الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا جندل احتسب، فإنّ الله جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجاً، ومخرجاً، إنّا قد عقدنا بيننا، وبين القوم عقداً، وصُلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهداً، وإنّا لا نغدر". فوثب عمر بن الخطّاب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنّما هم المشركون وإنّما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ الرجل بأبيه. قالوا: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا، وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا رأوا ذلك دخل الناسَ أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل شرّاً إلى ما بهم، فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلى يومئذ، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست رسول الله؟ قال: "بلى". قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: "بلى". قلت: فَلِمَ نعطي الدّنية في ديننا إذاً؟ قال: "إنّي رسول الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري". قلت: ألستَ تحدّثنا أنّا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: "بلى". قال: "هل أخبرتك أنّا نأتيه العام؟". قلت: لا، قال: "فإنّك آتيه ومطوِّف به"، قال: ثمّ أتيت أبا بكر، وقلت: أليس هذا نبيّ الله حقّاً؟ قال: بلى. قلت: أفلسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قلت: فلِمَ يعطي الدّنية في ديننا إذاً؟ قال: أيّها الرجل إنّه رسول الله، وليس يعصي ربّه، فاستمسك بغرزه حتّى تموت، فوالله إنّه لعلى الحقّ. قلت: أوليس كان يحدِّث أنّا سنأتي البيت، ونطوّف به؟ قال: بلى. قال: أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه وتطوف به. قال عمر: فما زلت أصوم وأتصدّق، وأُصلّي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلّمت به. قالوا: فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد رجالاً على الصلح من المسلمين، ورجالاً من المشركين، أبا بكر، وعمر، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأحنف، وهو مشرك، وعلي بن أبي طالب، وكان هو كاتب الصحيفة. فلمّا فرغ رسول الله من قصّته سار مع الهدي، وسار الناس، فلمّا كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردوا وجوهه، فوقف النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث حبسوه، وهي الحديبية وقال لأصحابه: "قوموا، فانحروا، ثمّ احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل. حتّى قال ذلك ثلاث مرّات فلمّا لم يقم منهم أحد. قام فدخل على أُمّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أُمّ سلمة: يا نبيّ الله اخرج، ثمّ لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو حلاّقك فيحلقك. فقام فخرج، فلم يكلِّم أحداً منهم كلمة حتى نحر بدنته، ودعا حالقه، فحلقه، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أُمية بن الفضل الخزاعي، فأما يوم الحديبية فحلق رجال وقصّر آخرون، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يرحم الله المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: "يرحم الله المحلّقين"، قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قالوا: فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصّرين؟ . قال: "لأنّهم لم يشكّوا". قال ابن عمر: وذلك أنّه تربض القوم، قالوا: لعلّنا نطوف بالبيت. قال ابن عبّاس: وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه برة من فضّة، ليغيظ المشركين بذلك، ثمّ جاءه صلى الله عليه وسلم نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة: 10]... الآية، قال: فطلّق عمر امرأتين كانتا له في الشرك. قال: فنهاهم أن يردونهنّ وأمرهم أن ترد الصدُقات، حينئذ، قال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأُخرى صفوان بن أمية، ثمّ رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو نصير عتبة بن أسيد بن حارثة وهو مسلم، وكان ممّن جلس بمكّة، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف، والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا رجلاً من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابهما، وقالا: العهد الذي جعلت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإنّ الله تعالى جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرَجاً، ومخرجاً". ثمّ دفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتّى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو نصير لأحد الرجلين: والله إنّي لأرى سيفك هذا جيّداً، فاستلّه الآخر، فقال: أجل والله إنّه لجيد. قال: أرني أنظر إليه. فأخذه وعلا به أخا بني عامر حتّى قتله، وفرّ المولى وخرج سريعاً حتّى أتى رسول الله (عليه السلام)، وهو جالس في المسجد، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعاً قال: "إنّ هذا الرجل قد رأى فزعاً". فلمّا انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويلك مالكَ؟" قال: قَتل صاحبكم صاحبي. فوالله ما برح حتّى طلع أبو نصير متوشّحاً بالسيف، حتّى وقف على رسول الله، فقال: يا رسول الله وفت ذمّتك أسلمتني ورددتني وقيل: وذريتني إليهم ثمّ نجّاني الله منهم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "ويلُ أُمّه مستعر حرب لو كان معه رجال". فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم، فخرج أبو نصير حتّى أتى سيف البحر، ونزل بالغيّض من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر بطريق قريش، الذي كانوا يأخذون إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكّة قول رسول الله (عليه السلام) لأبي نصير: "ويل أُمّه مستعر حرب لو كان معه رجال". فخرج عصابة منهم إليه، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي نصير حتّى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً منهم، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلاّ اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، حتّى ضيّقوا على قريش، فأرسلت قريش إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) يناشدونه الله، والرحم، لمّا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا عليه المدينة . تفسير : قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ} بأن يقتلوهم {فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} قال ابن زيد: إثم، وقال ابن إسحاق: غرم الدّية. وقيل: الكفّارة؛ لأنّ الله تعالى إنّما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يعلم قاتله إيمانه الكفّارة دون الدّية، فقال جلّ ثناؤه: {أية : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [النساء: 92]. ولم يوجب على قاتل خطأ دية، وقيل: هو أنّ المشركين يعيبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. (والمعرّة) المشقّة، وأصلها من العرّ وهو الحرب لإذن ذلك في دخولها، ولكنّه حال بينكم، وبين ذلك {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} دينه الإسلام {مَن يَشَآءُ} من أهل مكّة قبل أن تدخلوها، هكذا نظم الآية وحكمها، فحذف جواب (لولا) استغناء بدلالة الكلام عليه، وقال بعض العلماء: قوله: (لعذّبنا) جواب لكلامين: أحدهما {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ}، والثاني: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} أي تميّزوا. ثمّ قال: {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} يعني المؤمنين، والمؤمنات {فِي رَحْمَتِهِ} لكن جنّته. قال قتادة: في هذه الآية إنّ الله يدفع بالمؤمنين عن الكفّار، كما يدفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكّة. أخبرنا أبو عبد الله بن منجويه الدينوري، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري، حدّثنا أبو الطيّب أحمد بن عبد الله بن بجلي الدارمي بإنطاكية، حدّثني أحمد بن يعقوب الدينوري، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن محمّد الأنصاري، حديث : حدّثني محمّد بن الحسن الجعفري، قال: سمعت جعفر ابن محمّد يحدِّث، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنّه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قول الله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} قال: "هم المشركون من أجداد النبيّ صلى الله عليه وسلم ممّن كان بعده في عصره، كان في أصلابهم المؤمنون، فلو تزيّل المؤمنون عن أصلاب الكفّار يعذب الله عذاباً أليماً"تفسير : . إذ من صلة قوله تعالى: {لَعَذَّبْنَا} {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} حين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، ولم يقرّوا ببسم الله الرّحمن الرَّحيم، ولا برسالة رسول الله، (والحميّة) فعيلة من قول القائل: حمي فلان أنفه، يحمي حميّة، وتحمية. قال المتلمس: ألا إنّني منهم وعرضي عرضهم كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشّما أي يمنع. {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} يعني الإخلاص، نظيرها قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} تفسير : [الحج: 37] وقوله: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27]. أخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن شاذان الرازي بقراءتي عليه، حدّثنا أبو عبد الله الحسين ابن علي بن أبي الربيع القطان، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن محمّد بن حنبل، وهيثم أو وهضيم ابن همام الآملي، وعلي بن الحسين بن الجنيد، قالوا: حدّثنا الحسن بن قزعة، حدّثنا سفيان بن حبيب، حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي ناجية، عن الطُفيل بن أُبي، عن أبيه، عن أُبي بن كعب أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في قول الله تعالى: حديث : {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: "لا إله إلاّ الله" . تفسير : وهو قول ابن عبّاس، وعمرو بن ميمون، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، وسلمة بن كهيل، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وطلحة بن مصرف، والربيع، والسّدي، وابن زيد، وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله. أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر بن حبيب، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن عيسى المزني، حدّثنا أبو نعيم، وأبو حذيفة، قالا: حدّثنا سفيان، عن سلمة ابن كهيل، عن عباية بن ربعي، عن عليّ رضي الله عنه {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: لا إله إلاّ الله والله أكبر. وهو قول ابن عمر، وقال عطاء بن رباح: هي لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير. أخبرنا أبو سعيد محمّد بن عبد الله بن حمدون، أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، حدّثنا أحمد بن منصور المروزي بنيشابور، حدّثنا سلمة بن سليم السلمي، حدّثنا عبد الله ابن المبارك عن معمر عن ابن شهاب الزهري {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً * لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ} محمّداً عليه السلام. {ٱلرُّءْيَا} التي أراها إيّاه في مخرجه إلى الحديبية، أنّه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام. {بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} كلّها {وَمُقَصِّرِينَ} بعض رؤوسكم {لاَ تَخَافُونَ} وقوله: {لَتَدْخُلُنَّ} يعني وقال: {لَتَدْخُلُنَّ} لأنّ عبارة (الرؤيا) قول، وقال ابن كيسان: قوله: {لَتَدْخُلُنَّ} من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله تعالى، عن رسوله أنّه قال ذلك، ولهذا استثنى تأدّباً بأدب الله تعالى حيث قال له: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23-24]، وقال أبو عبيدة: {إِن} بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله كقوله: {أية : إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 17] {أية : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}تفسير : [النور: 33]. وقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول لأنّ بين (الرؤيا) وتصديقها سنة، ومات منهم في السنة أُناس، فمجاز الآية لتدخلن المسجد الحرام كلّكم إن شاء الله آمنين. ويجوز أن يكون الاستثناء واقعاً على الخوف، والأمن لا على الدخول، لأنّ الدخول لم يكن فيه شك، لقوله صلى الله عليه وسلم عند دخول المقبرة: "حديث : وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون" تفسير : فالاستثناء واقع على اللحوق دون الموت. {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } أنّ الصلاح كان في الصلح، وهو قوله: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ} .. الآية. {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ} أي من دون دخولهما المسجد الحرام، وتحقيق رؤيا رسول الله {فَتْحاً قَرِيباً} وهو صلح الحديبية عن أكثر المفسِّرين، قال الزهري: ما فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، لأنّه إنّما كان القتال حيث التقى النّاس، فلمّا كانت الهدنة وضعت الحرب، وأمِنَ النّاس بعضهم بعضاً، فالتقوا فتفاوضوا في الحديث، والمناظرة، فلم يكلّم أحد بالإسلام بعقل شيئاً إلاّ دخل فيه في تينك السنتين في الإسلام، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر، وقال ابن زيد: هو فتح خيبر فتحها الله تعالى عليهم حين رجعوا من الحديبية، فقسّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحديبية كلّهم إلاّ رجلاً واحداً من الأنصار، وهو أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية، وغاب عن خيبر.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ..} [الفتح: 22] أي: فرُّوا وانهزموا {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [الفتح: 22] لا يجدون صديقاً ولا معيناً، وهذه {سُنَّةَ ٱللَّهِ ..} [الفتح: 23] أي: طريقته وعادته في خلقه أن ينصر أهل الحق ويخذل أهل الباطل {ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ..} [الفتح: 23] أي: مضتْ في الأمم السابقة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه بشارة من الله لعباده المؤمنين، بنصرهم على أعدائهم الكافرين، وأنهم لو قابلوهم وقاتلوهم { لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا } يتولى أمرهم، { وَلا نَصِيرًا } ينصرهم ويعينهم على قتالكم، بل هم مخذولون مغلوبون وهذه سنة الله في الأمم السابقة، أن جند الله هم الغالبون، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا }.