٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، وذلك لأنه تعالى لما بيّن الحشر بدلائله وقال: {أية : ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيراً } تفسير : [قۤ: 44] وقال: {أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } تفسير : [قۤ: 45] أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال: {والذارياتِ ذَرْواً... إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـادِقٌ } وأول هذه السورة وآخرها متناسبان حيث قال في أولها: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ } تفسير : [الذاريات: 5] وقال في آخرها: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } تفسير : [الذاريات: 60] وفي تفسير الآيات مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا الحكمة وهي في القسم من المسائل الشريفة والمطالب العظيمة في سورة والصافات، ونعيدها ههنا وفيها وجوه. الأول: أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبـي صلى الله عليه وسلم غالباً في إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله، وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة، يقول إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل وعجزي عن ذلك، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين، فيقول والله إن الأمر كما أقول، ولا أجادلك بالباطل، وذلك لأنه لو سلك طريقاً آخر من ذكر دليل آخر، فإذا تم الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالإيمان وترك إقامة البرهان. الثاني: هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار بلافع، ثم إن النبـي صلى الله عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتاً، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذباً، وإلا لأصابه شؤم الإيمان ولناله المكروه في بعض الأزمان. الثالث: وهو أن الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان مثاله قول القائل لمنعمه: وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك فيذكر النعم وهي سبب مفيد لدوام الشكر ويسلك مسلك القسم، كذلك هذه الأشياء كلها دليل على قدرة الله تعالى على الإعادة، فإن قيل فلم أخرجها مخرج الإيمان؟ نقول لأن المتكلم إذا شرع في أول كلامه بحلف بعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي إليه أكثر من أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف وأدرج الدليل في صورة اليمين حتى أقبل القوم على سماعه فخرج لهم البرهان المبين، والتبيان المتين في صورة اليمين، وقد استوفينا الكلام في سورة والصافات. المسألة الثانية: في جميع السور التي أقسم الله في ابتدائها بغير الحروف كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة وهي: الوحدانية والرسالة والحشر، وهي التي يتم بها الإيمان، ثم إنه تعالى لم يقسم لإثبات الوحدانية إلا في سورة واحدة من تلك السور وهي {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ } حيث قال فيها: {أية : إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } تفسير : [الصافات: 4] وذلك لأنهم وإن كانوا يقولون: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } تفسير : [صۤ: 5] على سبيل الإنكار، وكانوا يبالغون في الشرك، لكنهم في تضاعيف أقوالهم، وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد، وكانوا يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] وقال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 38] فلم يبالغوا في الحقيقة في إنكار المطلوب الأول، فاكتفى بالبرهان، ولم يكثر من الأيمان، وفي سورتين منها أقسم لإثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه رسولاً في إحداهما بأمر واحد، وهو قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ } تفسير : [النجم: 1، 2] وفي الثانية بأمرين وهو قوله تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } تفسير : [الضحى: 1 ـ 3] وذلك لأن القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف والقرآن، كما في قوله تعالى: {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يۤس: 1 ـ 3] وقد ذكرنا الحكم فيه أن معجزات النبـي صلى الله عليه وسلم القرآن، فأقسم به ليكون في القسم الإشارة واقعة إلى البرهان، وفي باقي السور كان المقسم عليه الحشر والجزاء وما يتعلق به لكون إنكارهم في ذلك خارجاً عن الحد، وعدم استيفاء ذلك في صورة القسم بالحروف. المسألة الثالثة: أقسم الله تعالى بجموع السلامة المؤنثة في سور خمس، ولم يقسم بجموع السلامة المذكورة في سورة أصلاً، فلم يقل: والصالحين من عبادي، ولا المقربين إلى غير ذلك، مع أن المذكر أشرف، وذلك لأن جموع السلام بالواو والنون في الأمر الغالب لمن يعقل، وقد ذكرنا أن القسم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا في صورة ظهور الأمر فيه، وحصول الاعتراف منهم به، ولا للرسالة لحصول ذلك في صور القسم بالحروف والقرآن. بقي أن يكون المقصود إثبات الحشر والجزاء، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح، وعذاب الصالح، ففائدة ذلك راجع إلى من يعقل، فكان الأمر يقتضي أن يكون القسم بغيرهم، والله أعلم. المسألة الرابعة: في السورة التي أقسم لإثبات الوحدانية، أقسم في أول الأمر بالساكنات حيث قال: {أية : وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ } تفسير : [الصافات: 1] وفي السور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات، فقال: {وَٱلذرِيَـٰتِ } وقال: {أية : وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ } تفسير : [المرسلات: 1] وقال: {أية : وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ } تفسير : [النازعات: 1] ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ... فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ } تفسير : [النازعات: 3، 4] وقال: {أية : وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ } تفسير : [العاديات: 1] وذلك لأن الحشر فيه جمع وتفريق، وذلك بالحركة أليق، أو أن نقول في جميع السور الأربع أقسم بالرياح على ما بين وهي التي تجمع وتفرق، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية والمرسلة، قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها بمشيئته تعالى. المسألة الخامسة: في الذاريات أقوال. الأول: هي الرياح تذرو التراب وغيره، كما قال تعالى: {أية : تَذْرُوهُ ٱلرّياحُ } تفسير : [الكهف: 45]. الثاني: هي الكواكب من ذرا يذرو إذا أسرع. الثالث: هي الملائكة. الرابع: رب الذاريات، والأول أصح. المسألة السادسة: الأمور الأربعة جاز أن تكون أموراً متباينة، وجاز أن تكون أمراً له أربع اعتبارات. والأول: هي ما روي عن علي عليه السلام، أن الذاريات هي الرياح والحاملات هي السحاب، والجاريات هي السفن، والمقسمات هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق. والثاني: وهو الأقرب أن هذه صفات أربع للرياح، فالذاريات هي الرياح التي تنشىء السحاب أولاً، والحاملات هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه التي إذا سحت جرت السيول العظيمة، وهي أوقار أثقل من جبال، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها، والمقسمات هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار، ويحتمل أن يقال هذه أمور أربعة مذكورة في مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة، وذلك لأن الأجزاء التي تفرقت بعضها في تخوم الأرضين، وبعضها في قعور البحور، وبعضها في جو الهواء، وهي الأجزاء اللطيفة البخارية التي تنفصل عن الأبدان، فقوله تعالى: {وَٱلذرِيَـٰتِ } يعني الجامع للذاريات من الأرض، على أن الذارية هي التي تذرو التراب عن وجه الأرض، وقوله تعالى: {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملاً، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملاً، بل تنقله من موضع، وترميه في موضع بخلاف السحاب، فإنه يحمله وينقله في الجو حملاً لا يقع منه شيء، وقوله: {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً } إشارة إلى الجامع من الماء، فإن من يجري السفن الثقيلة من تيار البحار إلى السواحل يقدر على نقل الأجزاء من البحر إلى البر، فإذا تبين أن الجمع من الأرض، وجو الهواء ووسط البحار ممكن، وإذا اجتمع يبقى نفخ الروح لكن الروح من أمر الله، كما قال تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] فقال: {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأمر الله، وإنما ذكرهم بالمقسمات، لأن الإنسان في الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفاً بيناً، فإن لكل أحد رأساً ورجلاً، والناس متقاربة في الأعداد والأقدار، لكن التفاوت الكثير في النفوس، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف، وتلك القسمة المتفاوتة تتقسم بمقسم مختار ومأمور مختار فقال: {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً }. المسألة السابعة: ما هذه المنصوبات من حيث النحو؟ فنقول أما {ذَرْواً } فلا شك في كونه منصوباً على أنه مصدر، وأما {وِقْراً } فهو مفعول به، كما يقال: حمل فلان عدلاً ثقيلاً، ويحتمل أن يكون اسماً أقيم مقام المصدر، كما يقال: ضربه سوطاً يؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو. وأما {يُسْراً } فهو أيضاً منصوب على أنه صفة مصدر، تقديره جرياً ذا يسر، وأما {المقسمات أمْراً } فهو إما مفعول به، كما يقال: فلان قسم الرزق أو المال وإما حال أتى على صورة المصدر، كما يقال: قتلته صبراً، أي مصبوراً كذلك ههنا {المقسمات أمْراً } أي مأمورة، فإن قيل: إن كان {وِقْراً } مفعوله به فلم لم يجمع، ومما قيل: والحاملات أوقاراً؟ نقول: لأن الحاملات على ما ذكرنا صفة الرياح، وهي تتوارد على وقر واحد، فإن ريحاً تهب وتسوق السحابة فتسبق السحاب، فتهب أخرى وتسوقها، وربما تتحول عنه يمنة ويسرة بسبب اختلاف الرياح، وكذلك القول في المقسمات أمراً، إذا قلنا هو مفعول به، لأن جماعة يكونون مأمورين تنقسم أمراً واحداً، أو نقول هو في تقدير التكرير كأنه قال: فالحاملات وقراً وقراً، والمقسمات أمراً أمراً. المسألة الثامنة: ما فائدة الفاء؟ نقول: إن قلنا إنها صفات الرياح فلبيان ترتيب الأمور في الوجود، فإن الذاريات تنشىء السحاب فتقسم الأمطار على الأمطار، وإن قلنا إنها أمور أربعة فالفاء للترتيب في القسم لا للترتيب في القسم لا للترتيب في المقسم به، كأنه يقول: أقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحب الحاملات ثم بالسفن الجاريات ثم بالملائكة المقسمات، وقوله: {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ } وقوله: {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ } إشارة إلى بيان ما في الرياح من الفوائد، أما في البر فإنشاء السحب، وأما في البحر فإجراء السفن، ثم المقسمات إشارة إلى ما يترتب على حمل السحب وجري السفن من الأرزاق، والأرياح التي تكون بقسمة الله تعالى فتجري سفن بعض الناس كما يشتهي ولا تربح وبعضهم تربح وهو غافل عنه، كما قال تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ } تفسير : [الزخرف: 32].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } قال أبو بكر الأنباري: حدّثنا عبد الله بن ناجية، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا مكي بن إبراهيم، حدّثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب ابن يزيد أن رجلاً قال لعمر رضي الله عنه: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن، فقال عمر: اللهم أمكني منه؛ فدخل الرجل على عمر يوماً وهو لابس ثياباً وعمامة وعمر يقرأ القرآن، فلما فرغ قام إليه الرجل فقال: يا أمير المؤمنين ما {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلِده، ثم قال: ألبسوه ثيابه وٱحملوه على قَتَب وأبلغوا به حَيَّه، ثم ليقم خطيباً فليقل: إن صَبِيغاً طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيداً فيهم. وعن عامر بن واثلة أن ٱبن الكوّاء سأل علياً رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين ما {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} (قال): ويلك سَلْ تَفَقُّهاً ولا تسأل تَعَنُّتاً {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } الرياح {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } السحاب {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً } السفن {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } الملائكة. وروى الحرث عن علي رضي الله عنه {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } قال: الرياح {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } قال: السحاب تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع الوقر {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً } قال: السفن موقرة {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } قال: الملائكة تأتي بأمر مختلف؛ جبريل بالغلظة، وميكائيل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت. وقال الفراء: وقيل تأتي بأمر مختلف من الخِصب والجَدْب والمطر والموت والحوادث. ويقال: ذَرَتِ الرِّيحُ الترابَ تَذْرُوه ذَرْواً وتَذْرِيهِ ذَرْياً. ثم قيل: «وَالذَّارِيَاتِ» وما بعده أقسام، وإذا أقسم الرب بشيء أثبت له شرفاً. وقيل: المعنى ورب الذارياتِ، والجواب {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} أي الذي توعدونه من الخير والشر والثواب والعقاب {لَصَادِقٌ } لا كذب فيه؛ ومعنى «لَصَادِقٌ» لصدق؛ وقع الاسم موقع المصدر. {وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} يعني: الجزاء نازل بكم. ثم ٱبتدأ قسماً آخر فقال: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } وقيل: إن الذاريات النساء الولودات لأن في ذرايتهنّ ذرو الخلق؛ لأنهنّ يذرين الأولاد فصرن ذاريات؛ وأقسم بهنّ لما في ترائبهنّ من خيرة عباده الصالحين. وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل واحد منهما ذارياً لأمرين: أحدهما لأنهن أوعية دون الرجال، فلاجتماع الذّروين فيهنّ خصصن بالذكر. الثاني ـ أن الذّرو فيهنّ أطول زماناً، وهنّ بالمباشرة أقرب عهداً. {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } السحابّ وقيل: الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل. والوِقر بكسر الواو ثقل الحمل على ظهر أو في بطن، يقال: جاء يحمل وِقره وقد أوقر بعيرَه. وأكثر ما يستعمل الوِقر في حمل البغل والحمار، والوَسْق في حمل البعير. وهذه ٱمرأة مُوقَرة بفتح القاف إذا حملت حملاً ثقيلاً. وأوقرت النخلة كثر حَمْلُها؛ يقال: نخلة مُوقِرة وموقِر ومُوقَرة، وحكي مُوقَر وهو على غير القياس، لأن الفعل للنخلة. وإنما قيل: مُوقِر بكسر القاف على قياس قولك ٱمرأة حامل، لأن حمل الشجر مشبه بحمل النساء؛ فأما مُوقَر بالفتح فشاذ، وقد روي في قول لبِيد يصف نخيلاًشعر : عَصَبٌ كَوارِعُ في خليج مُحَلِّمٍ حَمَلتْ فمنها موقَرٌ مَكْمُومُ تفسير : والجمع مواقِر. فأما الوَقْر بالفتح فهو ثقل الأذن، وقد وقرت أذنه تَوْقر وَقْراً أي صَمَّت، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين وقد تقدّم في «الأنعام» القول فيه. {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً} السفن تجري بالرياح يسراً إلى حيث سيرت. وقيل: السحاب؛ وفي جريها يسراً على هذا القول وجهان: أحدهما ـ إلى حيث يسيرها الله تعالى من البلاد والبقاع. الثاني ـ هو سهولة تسييرها؛ وذلك معروف عند العرب، كما قال الأعشى:شعر : كأنّ مِشْيَتَها مِنْ بيتِ جارتها مَشْيُ السَّحَابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ستون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلذَّارِيَـٰتِ ذَرْواً } يعني الرياح تذرو التراب وغيره، أو النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد، أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال. {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } فالسحب الحاملة للأمطار، أو الرياح الحاملة للسحاب، أو النساء الحوامل، أو أسباب ذلك. وقرىء «وِقْراً» على تسمية المحمول بالمصدر. {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً } فالسفن الجارية في البحر سهلاً، أو الرياح الجارية في مهابها، أو الكواكب التي تجري في منازلها. و {يُسْراً } صفة مصدر محذوف أي جرياً ذا يسر. {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة، أو الريح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب، فإن حملت على ذوات مختلفة بالفاء لترتيب الأقسام بها باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة، وإلا فالفاء لترتيب الأفعال إذ الرياح مثلاً تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحاباً، فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسم المطر. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ }. {وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ } جواب القسم كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث للجزاء الموعود، وما موصولة أو مصدرية و {ٱلدّينِ } الجزاء والواقع الحاصل. {وَٱلسَّمَاءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي يسلكها النظار وتتوصل بها إلى المعارف، أو النجوم فإن لها طرائق أو أنها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي. جمع حبيكة كطريقة وطرق أو حباك كمثال ومثل. وقرىء « ٱلْحُبُكِ» بالسكون و «ٱلْحُبُكِ » كالإِبل و« ٱلْحُبُكِ » كالسلك و «ٱلْحُبُكِ» كالجبل و « ٱلْحُبُكِ» كالنعم و« ٱلْحُبُكِ » كالبرق. {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } في الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قولهم تارة أنه {شَاعِرٌ } وتارة أنه {سَـٰحِرٌ } وتارة أنه {مَّجْنُونٍ }، أو في القرآن أو القيامة أو أمر الديانة، ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها واختلاف غاياتها. {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } يصرف عنه والضمير للرسول أو القرآن أو الإيمان، من صرف إذ لا صرف أشد منه فكأنه لا صرف بالنسة إليه، أو يصرف من صرف في علم الله وقضائه ويجوز أن يكون الضمير للـ {قَوْلَ } على معنى يصدر {أُفِكَ } من أفك عن القول المختلف وبسببه كقوله:شعر : ينهون عن أكل وعن شربتفسير : أي يصدر تناهيهم عنهما وسببهما وقرىء {أُفِكَ } بالفتح أي من أفك الناس وهم قريش كانوا يصدون الناس عن الإِيمان.
ابن كثير
تفسير : قال شعبة بن الحجاج عن سماك عن خالد بن عرعرة: أنه سمع علياً رضي الله عنه، وشعبة أيضاً عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل: أنه سمع علياً رضي الله عنه، وثبت أيضاً من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه صعد منبر الكوفة، فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا عن سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى: {وَٱلذَٰرِيَـٰتِ ذَرْواً}؟ قال علي رضي الله عنه: الريح، قال: { فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً} قال رضي الله عنه: السحاب، قال: { فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً} قال رضي الله عنه: السفن، قال: { فَٱلْمُقَسِّمَـٰتِ أَمْراً} قال رضي الله عنه: الملائكة. وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانىء، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الذاريات ذرواً، فقال رضي الله عنه: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ماقلته. قال: فأخبرني عن المقسمات أمراً، قال رضي الله عنه: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ماقلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسراً، قال رضي الله عنه: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ماقلته. ثم أمر بضربه فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ، دعا به فضربه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى رضي الله عنه، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فكتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس. قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث. قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر رضي الله عنه، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر رضي الله عنه، وإنما ضربه؛ لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتاً وعناداً، والله أعلم. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة، وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد، ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك، وقد قيل: إن المراد بالذاريات الريح كما تقدم،وبالحاملات وقراً السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء؛ كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : وأَسْلَمْتُ نَفْسي لِمَنْ أسلمَتْ لهُ المُزْنُ تحملُ عَذْباً زُلالا تفسير : فأما الجاريات يسراً، فالمشهور عن الجمهور كما تقدم أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جرياً سهلاً، وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسراً في أفلاكها؛ ليكون ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمراً الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية، وهذا قسم من الله عز وجل على وقوع المعاد، ولهذا قال تعالى: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ} أي لخبر صدق {وَإِنَّ ٱلدِّينَ} وهو الحساب {لَوَاقِعٌ} أي لكائن لا محالة. ثم قال تعالى: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم. وقال الضحاك والمنهال بن عمرو وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع، إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضاً طرائق طرائق، فذلك الحبك. قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حبك حبك» تفسير : يعني بالحبك: الجعودة. وعن أبي صالح: ذات الحبك: الشدة. وقال خصيف: ذات الحبك: ذات الصفاقة. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ذات الحبك: حبكت بالنجوم، وقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمرو البكالي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} يعني: السماء السابعة، وكأنه والله أعلم أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزهرات. وقوله تعالى: { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} أي إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع، وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف؛ ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به. {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه، ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال غمر لا فهم له؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 161 ــــ 163] قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي: { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} يضل عنه من ضل. وقال مجاهد: { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} يؤفن عنه من أفن، وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به. وقوله تعالى: { قُتِلَ ٱلْخَرَٰصُونَ} قال مجاهد: الكذابون، قال: وهي مثل التي في عبس {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17] والخراصون: الذين يقولون: لا نبعث، ولا يوقنون. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {قُتِلَ ٱلْخَرَٰصُونَ} أي لعن المرتابون. وهكذا كان معاذ رضي الله عنه يقول في خطبته: هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون: أهل الغرة والظنون. وقوله تبارك وتعالى: { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَـٰهُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون { يَسْـئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} وإنما يقولون هذا تكذيباً وعناداً وشكاً واستبعاداً، قال الله تعالى: { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد: يفتنون: يعذبون. قال مجاهد: كما يفتن الذهب على النار، وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضاً وعكرمة وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وسفيان الثوري: يفتنون: يحرقون {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} قال مجاهد: حريقكم، وقال غيره: عذابكم {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً وتصغيراً، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلذرِيَٰتِ } الرياح تذرو التراب وغيره {ذَرْواً } مصدر ويقال تذريه ذرياً: تَهُبُ به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً } يقال: ذرت الريح التراب تذروه ذرواً، وأذرته تذريه ذرياً، أقسم سبحانه بالرّياح التي تذري التراب، وانتصاب {ذرواً} على المصدرية، والعامل فيها اسم الفاعل، والمفعول محذوف. قرأ أبو عمرو، وحمزة بإدغام تاء الذاريات في ذال ذرواً. وقرأ الباقون بدون إدغام. وقيل: المقسم به مقدّر وهو ربّ الذاريات وما بعدها، والأوّل أولى {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } هي السحاب تحمل الماء، كما تحمل ذوات الأربع الوقر، وانتصاب {وقراً} على أنه مفعول به، كما يقال: حمل فلان عدلاً ثقيلاً. قرأ الجمهور: {وقراً} بكسر الواو اسم ما يوقر أي: يحمل، وقرىء بفتحها على أنه مصدر، والعامل فيه اسم الفاعل، أو على تسمية المحمول بالمصدر مبالغة {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً } هي السفن الجارية في البحر بالرّياح جرياً سهلاً، وانتصاب {يسراً} على المصدرية، أو صفة لمصدر محذوف، أو على الحال، أي: جرياً ذا يسر، وقيل: هي الرّياح، وقيل: السحاب، والأوّل أولى. واليسر: السهل في كل شيء {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } هي الملائكة التي تقسم الأمور. قال الفرّاء: تأتي بأمر مختلف: جبريل بالغلظة، وميكائيل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت، وقيل: تأتي بأمر مختلف من الجدب، والخصب، والمطر، والموت، والحوادث. وقيل: هي السحب التي يقسم الله بها أمر العباد، وقيل: إن المراد بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات: الرياح، فإنها توصف بجميع ذلك؛ لأنها تذرو التراب، وتحمل السحاب، وتجري في الهواء، وتقسم الأمطار، وهو ضعيف جدًّا. وانتصاب {أمراً} على المفعول به، وقيل: على الحال، أي: مأمورة، والأوّل أولى {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ } هذا جواب القسم، أي: إنما توعدون من الثواب والعقاب، لكائن لا محالة. و"مَا" يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية. ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها كونها أموراً بديعة مخالفة لمقتضى العادة، فمن قدر عليها، فهو قادر على البعث الموعود به. {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } قرأ الجمهور {الحبك} بضم الحاء والباء، وقرىء بضم الحاء وسكون الباء، وبكسر الحاء وفتح الباء، وبكسر الحاء وضم الباء. قال ابن عطية: هي لغات، والمراد بالسماء هنا: هي المعروفة، وقيل: المراد بها السحاب، والأوّل أولى. واختلف المفسرون في تفسير الحبك؛ فقال مجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم: المعنى ذات الخلق المستوي الحسن. قال ابن الأعرابي: كل شيء أحكمته وأحسنت عمله، فقد حبكته واحتبكته. وقال الحسن، وسعيد بن جبير: ذات الزينة. وروي عن الحسن أيضاً أنه قال: ذات النجوم. وقال الضحاك: ذات الطرائق، وبه قال الفرّاء، يقال لما تراه من الماء والرّمل إذا أصابته الريح: حبك. قال الفراء: الحبك بكسر: كل شيء كالرمل إذا مرّت به الريح الساكنة، والماء إذا مرّت به الرّيح، ويقال لدرع الحديد: حبك، ومنه قول الشاعر:شعر : كأنما جللها الحواك طنفسة في وشيها حباك تفسير : أي: طرق، وقيل: الحبك: الشدّة، والمعنى: والسماء ذات الشدّة، والمحبوك: الشديد الخلق من فرس أو غيره، ومنه قول الشاعر:شعر : قد غدا يحملني في أنفه لاحق الأطلين محبوك ممرّ تفسير : وقول الآخر: شعر : مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الكتد تفسير : قال الواحدي بعد حكاية القول الأوّل: هذا قول الأكثرين {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك أي: إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى الله عليه وسلم. بعضكم يقول: إنه شاعر. وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء، واستعمال الحبك في الطرائق هو الذي عليه أهل اللغة، وإن كان الأكثر من المفسرين على خلافه. على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا، وذلك بأن يقال: إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سبباً لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوّة لها. وقيل: إن المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ينفي الحشر، وبعضهم يشكّ فيه، وقيل: كونهم يقرّون أن الله خالقهم، ويعبدون الأصنام {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } أي: يصرف عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، أو عن الحقّ، وهو البعث والتوحيد من صرف. وقيل: يصرف عن ذلك الاختلاف من صرفه الله عنه بالعصمة والتوفيق، يقال: أفكه يأفكه إفكاً أي: قلبه عن الشيء وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى: {أية : قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا }تفسير : [الأحقاف: 22] وقال مجاهد: يؤفن عنه من أفن، والأفن: فساد العقل، وقيل: يحرمه من حرم. وقال قطرب: يجدع عنه من جدع. وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع. {قُتِلَ الخراصون} هذا دعاء عليهم. وحكى الواحدي عن المفسرين جميعاً أن المعنى: لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: والقتل إذا أخبر به عن الله كان بمعنى اللعن؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. قال الفرّاء: معنى {قتل}: لعن. والخرّاصون: الكذابون الذين يتخرّصون فيما لا يعلمون، فيقولون: إن محمداً مجنون كذاب شاعر ساحر. قال الزجاج: الخرّاصون: هم الكذابون، والخرص: حزر ما على النخل من الرّطب تمراً، والخرّاص: الذي يخرصها، وليس هو المراد هنا، ثم قال: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ سَـٰهُونَ } أي: في غفلة وعمى جهالة عن أمور الآخرة، ومعنى ساهون: لاهون غافلون، والسهو: الغفلة عن الشيء وذهابه عن القلب، وأصل الغمرة: ما ستر الشيء وغطاه، ومنها غمرات الموت {يَسْـئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ } أي: يقولون متى يوم الجزاء تكذيباً منهم واستهزاءً، ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم، فقال: {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } أي: يحرقون ويعذبون، يقال: فتنت الذهب: إذا أحرقته لتختبره، وأصل الفتنة: الاختبار. قال عكرمة: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل: فتن. وانتصاب {يوم} بمضمر، أي: الجزاء يوم هم على النار، ويجوز أن يكون بدلاً من {يوم الدين}، والفتح للبناء لكونه مضافاً إلى الجملة، وقيل: هو منصوب بتقدير أعني. وقرأ ابن أبي عبلة برفع: {يوم} على البدل من يوم الدين، وجملة: {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } هي بتقدير القول، أي: يقال لهم: ذوقوا عذابكم، قاله ابن زيد. وقال مجاهد: حريقكم، ورجح الأوّل الفرّاء، وجملة: {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } من جملة ما هو محكيّ بالقول، أي: هذا ما كنتم تطلبون تعجيله استهزاءً منكم، وقيل: هي بدل من فتنتكم. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } لما ذكر سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة، أي: هم في بستانين فيها عيون جارية لا يبلغ وصفها الواصفون {ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } أي: قابلين ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة. وجملة: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } تعليل لما قبلها، أي: لأنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم الصالحة من فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. ثم بين إحسانهم الذي وصفهم به، فقال: {كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } الهجوع: النوم بالليل دون النهار، والمعنى: كانوا قليلاً ما ينامون من الليل، و"ما" زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية، أو موصولة أي: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت:شعر : قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوماً غير تهجاع تفسير : والتهجاع: القليل من النوم، ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب.شعر : أمن ريحانة الداعي السميع يهيجني وأصحابي هجوع تفسير : وقيل: "ما" نافية، أي: ما كانوا ينامون قليلاً من الليل، فكيف بالكثير منه، وهذا ضعيف جدًّا. وهذا قول من قال: إن المعنى كان عددهم قليلاً. ثم ابتدأ فقال: {مَا يَهْجَعُونَ } وبه قال ابن الأنباري، وهو أضعف مما قبله. وقال قتادة في تفسير هذه الآية: كانوا يصلون بين العشاءين، وبه قال أبو العالية، وابن وهب. {وَبِٱلأسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي: يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى الأسحار. ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار. وقال الكلبي، ومقاتل، ومجاهد: هم بالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة. وقال الضحاك: هي صلاة الفجر. ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال: {وفي أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} أي: يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقاً للسائل والمحروم تقرّباً إلى الله عزّ وجلّ. وقال محمد بن سيرين، وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة، والأوّل أولى، فيحمل على صدقة النفل، وصلة الرحم، وقري الضيف؛ لأن السورة مكية، والزكاة لم تفرض إلاّ بالمدينة، وسيأتي في سورة {سأل سائل}: {أية : والذين فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }تفسير : [المعارج: 24، 25] بزيادة معلوم، والسائل هو: الذي يسأل الناس لفاقته. واختلف في تفسير المحروم، فقيل: هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنياً، فلا يتصدّقون عليه، وبه قال قتادة، والزهري. وقال الحسن، ومحمد ابن الحنفية: هو الذي لا سهم له في الغنيمة، ولا يجري عليه من الفيء شيء. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أصيب ثمره، أو زرعه، أو ماشيته. قال القرطبي: هو الذي أصابته الجائحة. وقيل: الذي لا يكتسب. وقيل: هو الذي لا يجد غنى يغنيه، وقيل: هو الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه. وقيل: هو المملوك. وقيل: الكلب. وقيل غير ذلك. قال الشعبي: لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم، فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ، والذي ينبغي التعويل عليه ما يدلّ عليه المعنى اللغوي، والمحروم في اللغة: الممنوع، من الحرمان وهو المنع، فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل، ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته، ومن حرم العطاء، ومن حرم الصدقة لتعففه. ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده، وصدق وعده ووعيده، فقال: {وَفِى ٱلأرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } أي: دلائل واضحة، وعلامات ظاهرة من الجبال والبرّ والبحر والأشجار والأنهار والثمار، وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة المكذّبة لما جاءت به رسل الله ودعتهم إليه، وخص الموقنين بالله لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه، فينتفعون به {وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } أي: وفي أنفسكم آيات تدلّ على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرّسل، فإنه خلقهم نطفة ثم علقة، ثم مضغة ثم عظماً، إلى أن ينفخ فيه الروح. ثم تختلف بعد ذلك صورهم، وألوانهم، وطبائعهم، وألسنتهم، ثم نفس خلقهم على هذه الصفة العجيبة الشأن من لحم ودم، وعظم وأعضاء، وحواسّ ومجاري ومنافس. ومعنى {أَفلاَ تُبْصِرُونَ }: أفلا تنظرون بعين البصيرة، فتستدلون بذلك على الخالق الرّازق المتفرّد بالألوهية، وأنه لا شريك له ولا ضدّ ولا ندّ، وأن وعده الحقّ، وقوله الحقّ، وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحقّ الذي لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه. وقيل: المراد بالأنفس: الأرواح، أي: وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات {وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ } أي: سبب رزقكم، وهو المطر، فإنه سبب الأرزاق. قال سعيد بن جبير، والضحاك: الرزق هنا: ما ينزل من السماء من مطر وثلج. وقيل: المراد بالسماء: السحاب، أي: وفي السحاب رزقكم، وقيل: المراد بالسماء: المطر، وسماه سماء؛ لأنه ينزل من جهتها، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : وقال ابن كيسان: يعني: وعلى رب السماء رزقكم، قال: ونظيره: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود: 6] وهو بعيد. وقال سفيان الثوري: أي: عند الله في السماء رزقكم. وقيل المعنى: وفي السماء تقدير رزقكم. قرأ الجمهور {رزقكم} بالإفراد، وقرأ يعقوب، وابن محيصن، ومجاهد (أرزاقكم) بالجمع {وَمَا تُوعَدُونَ } من الجنة والنار، قاله مجاهد. قال عطاء: من الثواب والعقاب، وقال الكلبي: من الخير والشرّ، قال ابن سيرين: ما توعدون من أمر الساعة، وبه قال الربيع. والأولى الحمل على ما هو أعمّ من هذه الأقوال، فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء، والقضاء والقدر ينزل منها، والجنة والنار فيها. ثم أقسم سبحانه بنفسه، فقال: {فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ } أي: ما أخبركم به في هذه الآيات. قال الزجاج: هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات. قال الكلبي: يعني: ما قصّ في الكتاب. وقال مقاتل: يعني: من أمر الساعة. وقيل: إن "مَا" في قوله: {وَمَا تُوعَدُونَ } مبتدأ، وخبره: {فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ }، فيكون الضمير لما. ثم قال سبحانه: {مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } قرأ الجمهور بنصب {مثل} على تقدير: كمثل نطقكم و"ما" زائدة، كذا قال بعض الكوفيون: إنه منصوب بنزع الخافض. وقال الزجاج، والفراء: يجوز أن ينتصب على التوكيد، أي: لحق حقاً مثل نطقكم. وقال المازني: إن «مثل» مع «ما» بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح. وقال سيبويه: هو مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والأعمش: (مثل) بالرفع على أنه صفة لحقّ لأن مثل نكرة وإن أضيفت، فهي لا تتعرّف بالإضافة كغير. ورجح قول المازني أبو عليّ الفارسي قال: ومثله قول حميد:شعر : وويحاً لمن لم يدر ما هنّ ويحما تفسير : فبني ويح مع ما ولم يلحقه التنوين، ومعنى الآية تشبيه: تحقيق ما أخبر الله عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده، وهذا كما تقول: إنه لحق كما أنك ها هنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والدارقطني في الأفراد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله: {وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً } قال: الرياح {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } قال: السحاب {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً } قال: السفن {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } قال: الملائكة. وأخرج البزار، والدارقطني في الإفراد، وابن مردويه، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب مثله، ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده أبو بكر بن سبرة، وهو لين الحديث، وسعيد بن سلام، وليس من أصحاب الحديث، كذا قال البزار. قال ابن كثير: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر. وأخرج الفريابي، وابن مردويه عن ابن عباس مثل قول عليّ. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } قال: حسنها واستواؤها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه في الآية قال: ذات البهاء والجمال، وإن بنيانها كالبرد المسلسل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: ذات الخلق الحسن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن منيع عن عليّ قال: هي السماء السابعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } قال: يضلّ عنه من ضلّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {قُتِلَ ٱلْخَرصُونَ } قال: لعن المرتابون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: هم الكهنة {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ سَـٰهُونَ } قال: في غفلة لاهون. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الغمرة: الكفر والشك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: في ضلالتهم يتمادون، وفي قوله: {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } قال: يعذبون. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً في قوله: {ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْ رَبُّهُمْ } قال: الفرائض {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } قال: قبل أن تنزل الفرائض يعملون. وأخرج هؤلاء أيضاً، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضاً {كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } قال: ما تأتي عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا إلاّ يصلون فيها. وأخرج ابن نصر، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً في الآية يقول: قليلاً ما كانوا ينامون. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أنس في الآية قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عمر {وَبِٱلأسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } قال: يصلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ } قال: سوى الزكاة يصل بها رحماً، أو يقري بها ضيفاً، أو يعين بها محروماً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: السائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له سهم من فيء المسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس، فأمر الله المؤمنين برفده. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في الآية قالت: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وأخرج الترمذي، والبيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس، أنها سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قال:«حديث : إن في المال حقاً سوى الزكاة»تفسير : ، وتلا هذه الآية {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } إلى قوله: {أية : وَفِي ٱلرّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَى ٱلزَّكَوٰةَ } تفسير : [البقرة: 177]. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن الزبير في قوله: {وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } قال: سبيل الغائط والبول.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} الذاريات: الرياح، واحدتها ذارية لأنها تذرو التراب والتبن أي تفرقه في الهواء، كما قال تعالى: {أية : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45].تفسير : وفي قوله {ذَرْواً} وجهان: أحدهما: مصدر. الثاني: أنه بمعنى ما ذرت، قاله الكلبي. فكأنما أقسم بالرياح وما ذرت الرياح. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الذاريات النساء الولودات لأن في ترائبهن ذرو الخلق، لأنهن يذرين الأولاد فصرن ذاريات، وأقسم بهن لما في ترائبهن من خيرة عباده الصالحين، وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل واحد منهما ذارياً لأمرين. أحدهما: لأنهن اوعية دون الرجال فلاجتماع الذروين خصصن بالذكر. الثاني: أن الذرو فيهن أطول زماناً وهن بالمباشرة أقرب عهداً. {فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً} فيها قولان: أحدهما: أنها السحب [يحملن] وِقْراً بالمطر. الثاني أنها الرياح [يحملن] وِقْراً بالسحاب، فتكون الريح الأولى مقدمة السحاب لأن أمام كل سحابة ريحاً، والريح الثانية حاملة السحاب. لأن السحاب لا يستقل ولا يسير إلا بريح. وتكون الريح الثانية تابعة للريح الأولى من غير توسط، قاله ابن بحر. ويجري فيه احتمال قول: ثالث: أنهن الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل، والوقر ثقل الحمل على ظهر أو في بطن، وبالفتح ثقل الأذن. {فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً} فيها قولان: أحدهما: السفن تجري بالريح يسراً إلى حيث سيرت. الثاني: أنه السحاب، وفي جريها يسراً على هذا القول وجهان: أحدهما: إلى حيث يسيرها الله تعالى من البقاع والبلاد. الثاني: هو سهولة تسييرها، وذلك معروف عند العرب كما قال الأعشى: شعر : كأن مشيتها من بيت جارتها مشي السحابة ولا ريث لا عجل تفسير : {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} فيه قولان: أحدهما: أنه السحاب يقسم الله به الحظوظ بين الناس. الثاني: الملائكة التي تقسم أمر الله في خلقه، قاله الكلبي. وهم: جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة، وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح، وعزرائيل وهو ملك الموت وقابض الأرواح، عليهم السلام. والواو التي فيها واو القسم، أقسم الله بها لما فيها من الآيات والمنافع. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} فيه وجهان: أحدهما: إن يوم القيامة لكائن، قاله مجاهد. الثاني: ما توعدون من الجزاء بالثواب والعقاب حق، وهذا جواب القسم. {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} فيه وجهان: أحدهما: إن الحساب لواجب، قاله مجاهد. الثاني: [أن] الدين الجزاء ومعناه أن جزاء أعمالكم بالثواب والعقاب لكائن، وهو معنى قول قتادة، ومنه قول لبيد. شعر : قوم يدينون بالنوعين مثلهما بالسوء سوء وبالإحسان إحسانا تفسير : {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} في السماء ها هنا وجهان: أحدهما: أنها السحاب الذي يظل الأرض. الثاني: وهو المشهور أنها السماء المرفوعة، قال عبد الله بن عمر: هي السماء السابعة. وفي {الْحُبُكِ} سبعة أقاويل: أحدها: أن الحبك الاستواء، وهو مروي عن ابن عباس على اختلاف. الثاني: أنها الشدة، وهو قول أبي صالح. الثالث: الصفاقة، قاله خصيف. الرابع: أنها الطرق، مأخوذ من حبك الحمام طرائق على جناحه، قاله الأخفش، وأبو عبيدة. الخامس: أنه الحسن والزينة، قاله علي وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير ومنه قول الراجز: شعر : كأنما جللها الحواك كنقشة في وشيها حباك تفسير : السادس: أنه مثل حبك الماء إذا ضربته الريح، قاله الضحاك. قال زهير: شعر : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الشمال لضاحي مائة حبك تفسير : السابع: لأنها حبكت بالنجوم، قاله الحسن. وهذا قسم ثان. {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني في أمر مختلف، فمطيع وعاص، ومؤمن وكافر، قاله السدي. الثاني: أنه القرآن فمصدق له ومكذب به، قاله قتادة. الثالث: انهم أهل الشرك مختلف عليهم بالباطل، قاله ابن جريج. ويحتمل رابعاً: أنهم عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره. وهذا جواب القسم الثاني. {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} فيه ستة تأويلات: أحدها: يضل عنه من ضل، قاله ابن عباس. الثاني: يصرف عنه من صرف، قاله الحسن. الثالث: يؤفن عنه من أفن، قاله مجاهد، والأفن فساد العقل. الرابع: يخدع عنه من خدع، قاله قطرب. الخامس: يكذب فيه من كذب، قاله مقاتل. السادس: يدفع عنه من دفع، قاله اليزيدي. {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لعن المرتابون، قاله ابن عباس. الثاني: لعن الكذابون، قاله الحسن. الثالث: أنهم أهل الظنون والفرية، قاله قتادة. الرابع: أنهم المنهمكون، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وقوله: {قُتِلَ} ها هنا، بمعنى لعن، والقتل اللعن. وأما الخراصون فهو جمع خارص. وفي الخرص ها هنا وجهان: أحدهما: أنه تعمد الكذب، قاله الأصم. الثاني: ظن الكذب، لأن الخرص حزر وظن، ومنه أخذ خرص الثمار. وفيما يخرصونه وجهان: أحدهما: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. الثاني: التكذيب بالبعث. وفي معنى الأربع تأويلات وقد تقدم ذكرها في أولها {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في غفلة لاهون، قاله ابن عباس. الثاني: في ضلالاتهم متمادون، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: في عمى وشبهة يترددون، قاله قتادة. ويحتمل رابعاً: الذين هم في مأثم المعاصي ساهون عن أداء الفرائض. {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} أي متى يوم الجزاء. وقيل: إن أيان كلمة مركبة من أي وآن. {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} في {يُفْتَنُونَ} ثلاثة أوجه: أحدها: أي يعذبون، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : كل امرىء من عباد الله مضطهد ببطن مكة مقهور مفتون تفسير : الثاني: يطبخون ويحرقون، كما يفتن الذهب بالنار، وهو معنى قول عكرمة والضحاك. الثالث: يكذبون توبيخاً وتقريعاً زيادة في عذابهم. {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} الآية. فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معنى فتنتكم أي عذابكم، قاله ابن زيد. الثاني: حريقكم، قاله مجاهد. الثالث: تكذبيكم، قاله ابن عباس.
ابن عطية
تفسير : أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات تنبيهاً عليها وتشريفاً لها ودلالة على الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله تعالى. {والذاريات} الرياح بإجماع من المتأولين، يقال: ذرت الريح وأذرت بمعنى: وفي الرياح معتبر من شدتها حيناً، ولينها حيناً وكونها مرة رحمة ومرة عذاباً إلى غير ذلك. و {ذرواً} نصب على المصدر. و: {الحاملات وقراً} قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي السحاب الموقرة بالماء. وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقرة بالناس وأمتاعهم. وقال جماعة من العلماء هي أيضاً مع هذا جميع الحيوان الحامل، وفي جميع ذلك معتبر. و: {وقراً} مفعول صريح، و: {الجاريات يسراً} قال علي بن أبي طالب وغيره: هي السفن في البحر وقال آخرون: هي السحاب بالريح وقال آخرون: هي الجواري من الكواكب، واللفظ يقتضي جميع هذا. و {يسراً} نعت لمصدر محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود أحوالاً. و:{يسراً} معناه: بسهولة وقلة تكلف، و: {المقسمات أمراً} الملائكة والأمر هنا اسم الجنس، فكأنه قال: والجماعات التي تقسم أمور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال وغير ذلك، لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، وأنث {المقسمات} من حيث أراد الجماعات. وقال أبو طفيل عامر بن واثلة كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنبر فقال: لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال: {الذاريات} الرياح. و {الحاملات} السحاب، و {الجاريات} السفن، و {المقسمات} الملائكة. ثم قال له سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وهذا القسم واقع على قوله: {إنما توعدون لصادق}، و {توعدون} يحتمل أن يكون من الإيعاد، ويحتمل أن يكون من الوعد، وأيها كان فالوصف له بالصدق صحيح و: {صادق} هنا موضوع بدل صدق، ووضع الاسم موضع المصدر. و: {الدين} الجزاء. وقال مجاهد الحساب، والأظهر في الآية أنها للكفار وأنها وعيد محض بيوم القيامة. ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر فقال: {والسماء ذات الحبك} فظاهر لفظة {السماء} أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هي السماء السابعة. و: {الحُبُك} بضم الحاء والباء: الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، فحبك الرمان والماء: الطرائق التي تصنع فيها الريح الهابة عليها، ومنه قول زهير: شعر : مكلل بعميم النبت تنسجه ريح خريف لضاحي مائه حبك تفسير : وحبك الدرع: الطرائق المتصلة في موضع اتصال الحلق بعضها ببعض، وفي بعض أجنحة الطير حبك على نحو هذا، ويقال لتكسر الشعر حبك، وفي الحديث: "حديث : أن من ورائكم الكذاب المضل، وأن من ورائه حبكاً حبكاً" تفسير : يعني جعودة شعره فهو يكسره، ويظهر في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك، ويقال نسج الثوب فأجاد حبكه، فهذه هي الحبك في اللغة. وقال منذر بن سعيد: إن في السماء في تألق جرمها هي هكذا لها حبك، وذلك لجودة خلقتها وإتقان صنعتها، ولذلك عبر ابن عباس في تفسير قوله {والسماء ذات الحبك} بأن قال: حبكها حسن خلقتها، وقال ابن جبير: {الحبك}: الزينة. وقال الحسن: حبكها كواكبها، وقال ابن زيد: {الحبك}: الشدة، وحبكت شدت، وقرأ {أية : سبعاً شداداً} تفسير : [النبأ: 12] وقال ابن جني: {الحبك} طرائق الغيم ونحو هذا، وواحد {الحبك}: حباك، ويقال للظفيرة التي يشد بها حظار القصب ونحوه، وهي مستطيلة تمنع في ترجيب الغرسات المصطفة حباك وقد يكون واحد {الحبك} حبيكة، وقال الراجز: [الوافر] شعر : كأنما جللها الحواك، طنفسة في وشيها حباك تفسير : وقرأ جمهور الناس: "الحُبُك" بضم الحاء والباء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو مالك الغفاري بضم الحاء وسكون الباء تخفيفاً، وهي لغة بني تميم كرسل في رسل، وهي قراءة أبي حيوة وأبي السمال. وقرأ الحسن أيضاً وأبو مالك الغفاري: "الحِبِك" بكسر الحاء والباء على أنها لغة كإبل وإطل. وقرأ الحسن أيضاً فيما روي عنه: "الحِبْك" بكسر الحاء وسكون الباء كما قالوا على جهة التخفيف: إبل وإطل بسكون الباء والطاء. وقرأ ابن عباس: "الحَبَك" بفتح الحاء والباء. وقرأ الحسن أيضاً فيما روي عنه "الحِبُك" بكسر الحاء وضم الباء وهي لغة شاذة غير متوجهة، وكأنه أراد كسرهما ثم توهم "الحِبُك" قراءة الضم بعد أن كسر الحاء فضم الباء، وهذا على تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء. وقرأ عكرمة "الحُبَك" بضم الحاء وفتح الباء جمع حبكة، وهذه كلها لغات والمعنى ما ذكرناه. والفرس المحبوك الشديد الخلقة الذي له حبك في مواضع من منابت شعره، وذلك دليل على حسن بنيته. وقوله تعالى: {إنكم لفي قول مختلف}، يحتمل أن يكون خطاباً لجميع الناس مؤمن وكافر، أي اختلفتم بأن قال فريق منكم: آمنا بمحمد وكتابه، وقال فريق آخر: كفرنا، وهذا قول قتادة. ويحتمل أن يكون خطاباً للكفرة فقط، أي: أنتم في جنس من الأقوال مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم: شاعر، وقوم: مجنون إلى غير ذلك، وهذا قول ابن زيد والضمير في: {عنه} قال الحسن وقتادة: هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه. و: {يؤفك} معناه: يصرف، فالمعنى: يصرف عن كتاب الله من صرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيراً، ويحتمل أن يعود الضمير على القول، أي: يصرف بسببه من أراد الإسلام، بأن يقال له هو سحر، هو كهانة؛ وهذا حكاه الزهراوي. ويحتمل أن يعود الضمير في {عنه} على القول، أي يصرف عنه بتوفيق الله إلى الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله: {إنكم لفي قول مختلف} للكفار فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه حسن لا يُخِلُّ به، إلا أن عُرْفَ الاستعمال في "أَفَكَ"، إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدْها أبداً في المصروفين المذمومين، وحكى أبو عمرو عن قتادة أنه قرأ "من أَفَكَ" بفتح الهمزة والفاء. وقوله تعالى: {قتل الخراصون} دعاء عليهم، كما تقول: قاتلك الله وقتلك الله، وعقرى حلقى ونحوه، وقال بعض المفسرين معناه: لعن الخراصون، وهذا تفسير لا تعطيه اللفظة. والخراص: المخمن القائل بظنه فتحته الكاهن والمرتاب وغيره ممن لا يقين له، والإشارة إلى مكذبي محمد على كل جهة من طروقهم. والغمرة: ما يغشى الإنسان ويغطيه كغمرة الماء، والمعنى في غمرة من الجهالة. و: {ساهون} معناه عن أنهم {في غمرة} وعن غير ذلك من وجوه النظر. وقوله تعالى: {يسألون أيان يوم الدين} معناه: يقولون متى يوم الدين؟ على معنى التكذيب، وجائز أن يقترن بذلك من بعضهم هزء وأن لا يقترن. وقرأ السلمي والأعمش: "إيَان" بكسر الهمزة وفتح الياء المخففة. وقوله تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} قال الزجاج: نصبوا {يوم} على الظرف من مقدر تقديره: هو كائن {يوم هم على النار} ونحو هذا، وقال الخليل وسيبويه: نصبه على البناء لما أضيف إلى غير متمكن. قال بعض النحاة: وهو في موضع رفع على البدل من {يوم الدين}. و: {يفتنون} معناه: يحرقون ويعذبون في النار، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والجميع، ومنه قيل للحرة: فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها. ومنه قول كعب بن مالك: شعر : معاطي تهوى إليها الحقو ق يحسبها من وراءها الفتينا تفسير : وفتنت الذهب أحرقته، ولما كان لا يحرق إلا لمعنى الاختبار قيل لكل اختبار فتنة، واستعملوا: فتن، بمعنى اختبر، وعلى هنا موصلة إلى معنى في، وفي قوله تعالى: {ذوقوا فتنتكم} معناه: يقال لهم ذوقوا حرقكم وعذابكم، قاله قتادة وغيره، والذوق: هنا استعارة، وهذا إشارة إلى حرقهم واستعجالهم: هو قولهم: {أيان يوم الدين} وغير ذلك من الآيات التي تقتضي استعجالهم على جهة التكذيب منهم. ولما ذكر تعالى حالة الكفرة وما يلقون من عذاب الله، عقب ذلك بذكر المتقين وما يلقون من النعيم ليبين الفرق ويتبع الناس طريق الهدى، والجنات والعيون معروف. والمتقي في الآية مطلق في اتقاء الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: {آخذين} نصب على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة: "آخذون" بواو. وقال ابن عباس المعنى: {آخذين} في دنياهم {ما آتاهم ربهم} من أوامره ونواهيه وفرائضه وشرعه، فالحال على هذا محكية وهي متقدمة في الزمان على كذبهم في جنات وعيون. وقال جماعة من المفسرين معنى قوله: {آخذين ما آتاهم ربهم} أي محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات. وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به. وقوله: {قبل ذلك} يريد في الدنيا محسنين بالطاعة والعمل الصالح.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالذَّارِيَاتِ} الرياح واحدتها ذارية لأنها تذرو التراب والتبن أي تفرقه في الهواء {ذَرْواً} مصدر، أو مَا ذَرَتْه أقسم بها وبما ذرته.
النسفي
تفسير : {وَٱلذرِيَـٰتِ } الرياح لأنها تذرو التراب وغيره، وبادغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو {ذَرْواً } مصدر والعامل فيه اسم الفاعل {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ } السحاب لأنها تحمل المطر {وِقْراً } مفعول الحاملات {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ } الفلك {يُسْراً } جرياً ذا يسر أي ذا سهولة {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك، أو تتولى تقسيم أمر العباد؛ فجبريل للغلظة، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ. ويجوز أن يراد الرياح لا غير لأنها تنشيء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجوّ جرياً سهلاً، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. ومعنى الفاء على الأول أنه أقسم بالرياح فبالسحاب التي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعها. وعلى الثاني أنها تبتديء في الهبوب فتذرو التراب والحصباء فتقل السحاب فتجري في الجوّ باسطة له فتقسم المطر {إِنَّمَا تُوعَدُونَ } جواب القسم و«ما» موصولة أو مصدرية والموعود البعث {لَصَـٰدِقٌ } وعد صادق كعيشة راضية أي ذات رضا {وَإِنَّ ٱلدّينَ } الجزاء على الأعمال {لَوَاقِعٌ } لكائن. {وَٱلسَّمَاء } هذا قسم آخر {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } الطرائق الحسنة مثل ما يظهر على الماء من هبوب الريح، وكذلك حبك الشعر آثار تثنيه وتكسره جمع حبيكة كطريقة وطرق. ويقال: إن خلقة السماء كذلك. وعن الحسن: حبكها نجومها جمع حباك {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } أي قولهم في الرسول ساحر وشاعر ومجنون وفي القرآن سحر وشعر وأساطير الأولين {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } الضمير للقرآن أو الرسول أي يصرف عنه من صرف، الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم، أو يصرف عنه من صرف في سابق علم الله أي علم فيما لم يزل أن مأفوك عن الحق لا يرعوي. ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين، أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه فمنهم شاك ومنهم جاحد، ثم قال: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو مأفوك {قُتِلَ} لعن وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم جرى مجرى لعن {ٱلْخَرَّٰصُونَ } الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة إليهم كأنه قيل: قتل هؤلاء الخراصون {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ } في جهل يغمرهم {سَـٰهُونَ } غافلون عما أمروا به. {يَسْـئَلُونَ } فيقولون {أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ } أي متى يوم الجزاء وتقديره: أيان وقوع يوم الدين لأنه إنما تقع الأحيان ظروفاً للحدثان. وانتصب اليوم الواقع في الجواب بفعل مضمر دل عليه السؤال أي يقع {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } ويجوز أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى غير متمكن وهو الجملة، ومحله نصب بالمضمر الذي هو يقع أو رفع على هو يوم هم على النار يفتنون يحرقون ويعذبون {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } أي تقول لهم خزنة النار ذوقوا عذابكم وإحراقكم بالنار {هَـٰذَا } مبتدأ خبره {ٱلَّذِى } أي هذا العذاب هو الذي {كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } في الدنيا بقولكم {أية : فأتنا بما تعدنا}تفسير : ثم ذكر حال المؤمنين فقال. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } أي وتكون العيون وهي الأنهار الجارية بحيث يرونها وتقع عليها أبصارهم لا أنهم فيها {ءاخِذِينَ مَآ ءَاتَٰهُم رَّبُّهُمْ } قابلين لكل ما أعطاهم من الثواب راضين به وآخذين حال من الضمير في الظرف وهو خبر إن {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ } قبل دخول الجنة في الدنيا {مُحْسِنِينَ } قد أحسنوا أعمالهم وتفسير إحسانهم ما بعده. {كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } ينامون. و«ما» مزيدة للتوكيد و{يَهْجَعُونَ } خبر {كَانَ } والمعنى كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل، أو مصدرية والتقدير: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم فيرتفع هجوعهم لكونه بدلاً من الواو في {كَانُواْ } لا بـ {قَلِيلاً } لأنه صار موصوفاً بقوله {مِّنَ ٱلَّيْلِ } خرج من شبه الفعل وعمله باعتبار المشابهة أي كان هجوعهم قليلاً من الليل، ولا يجوز أن تكون «ما» نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلاً ويحيونه كله لأن «ما» النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها لا تقول: زيداً ما ضربت {وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، والسحر السدس الأخير من الليل {وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ } لمن يسأل لحاجته {وَٱلْمَحْرُومِ } أي الذي يتعرض ولا يسأل حياء. {وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ } تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها وهي مجزأة؛ فمن سهل ومن جبل وصلبة ورخوة وعذاة وسبخة، وفيها عيون متفجرة ومعادن مفتنة ودواب منبثة مختلفة الصور والأشكال متباينة الهيئات والأفعال {لّلْمُوقِنِينَ } للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصّل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيقاناً على إيقانهم {وَفِى أَنفُسِكُمْ } في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها مع الأسماء والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل، فتبارك الله أحسن الخالقين. وما قيل إن التقدير أفلا تبصرون في أنفسكم ضعيف لأنه يفضي إلى تقديم ما في حيز الاستفهام على حرف الاستفهام {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } تنظرون نظر من يعتبر {وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ } أي المطر لأنه سبب الأقوات، وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم {وَمَا تُوعَدُونَ } الجنة فهي على ظهر السماء السابعة تحت العرش، أو أراد أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدونه في العقبى كله مقدور مكتوب في السماء.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والذاريات ذرواً} يعني الرياح التي تذر التراب {فالحاملات وقراً} يعني السحاب يحمل ثقلاً من الماء {فالجاريات يسراً} يعني السفن تجري في الماء جرياً سهلاً {فالمقسمات أمراً} يعني الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به وقيل: هم أربعة: جبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء الأمين عليه وصاحب الغلظة، وميكائيل صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل صاحب الصور واللوح، وعزرائيل صاحب قبض الأرواح. وقيل: هذه الأوصاف الأربعة في الرياح لأنها تنشئ السحاب وتسيره ثم تحمله وتقله ثم تجري به جرياً سهلاً ثم تقسم الأمطار بتصريف السحاب أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرف ذواتها ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته وقدرته. والمعنى: اقسم بالذاريات بهذه الأشياء، وقيل: فيه مضمر تقديره ورب الذاريات ثم ذكر جواب القسم فقال تعالى: {إن ما توعدون لواقع}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {والذاريات ذرواً} بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو {ومثل ما} بالضم: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. الباقون: {مثل} بالفتح على البناء لإضافته إلى غير متمكن، أو على أنه لحق حقاً مثل نطقكم {سلم} بكسر السين وسكون اللام: حمزة علي وخلف والمفضل {والصعقة} بسكون العين للمرة: علي {وقوم نوح} بالجر: أبو عمرو وعلي وخلف الوقوف: {ذرواً} ط {وقراً} ه لا {يسراً} ه لا {أمراً} ه ط {لصادق} ه لا {لواقع} ه {الحبك} ه لا {مختلف} ه لا {أفك} ه ط {الخراصون} ه لا {ساهون} ه لا لأن {يسألون} صلة بعد صلة، {الدين} ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا {يفتنون} ه {فتنتكم} ط {تستعجلون} ه {وعيون} ه لا {ربهم} ط {محسنين} ه ط {يهجعون} ه {يستغفرون} ه {والمحروم} ه {للموقنين} ه ط للعطف {أنفسكم} ط {تبصرون} ه {توعدون} ه {تنطقون} ه {المكرمين} ه م لأن عامل "إذ" محذوف وهو "اذكر" ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان {سلاماً} ط {سلام} ج {لحق} المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم {منكرون} ه {سمين} ه لا للعطف {تأكلون} ه للآية مع العطف {خيفة} ط {لا تخف} ه {عليم} ه {عقيم} ه {كذلك} لا للتعلق بما بعده {ربك} ط {العليم} ه {المرسلون} ه {مجرمين} ه {طين} ه {للمفسرين} ه {المؤمنين} ه ج للآية مع العطف بالفاء واتصال المعنى {المسلمين} ه ط كذلك {الأليم} ه لتناهي القصة وحكم العربية ولوصل للعطف على قوله {وفي الأرض آيات} {مبين} ه {مجنون} ه {مليم} ه كما مر {العقيم} ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته {كالرميم} ه {حين} ه {ينظرون} ه {منتصرين} ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف {قبل} ج {فاسقين} ه {لموسعون} ه {الماهدون} ه {تذكرون} ه {إلى الله} ط {مبين} ه للآية مع العطف {آخر} ط {مبين} ه {أو مجنون} ه {أتواصوا به} ج لأن " بل " للإضراب معنى مع العطف لفظاً {طاغون} ه {بملوم} ه لا للآية مع اتفاق الجملتين {المؤمنين} ه {ليعبدون} ه {يطعمون} ه {المتين} ه {يستعجلون} ه {يوعدون} ه. التفسير: لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار}تفسير : [ق: 45] لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح بذلك. عن علي كرم الله وجهه أنه قال علىالمنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي. فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟ قال: الرياح. وقد مر في الكهف في قوله {أية : تذروه الرياح}تفسير : [الآية: 45] قال: فالحاملات وقراً؟ قال رضي الله عنه: السحاب لأنها تحمل المطر. وإنما لم يقل أوقاراً باعتبار جنس المطر وهو واحد. قال: فالجاريات يسراً؟ قال رضي الله عنه: الفلك والمراد جريان اليسر. قال: فالمقسمات أمراً؟ قال رضي الله عنه: الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك فيكون مصدراً في موضع الحال. ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه تعالى أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر. ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر. وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذروا التراب وغيره أولاً، ثم تنشىء السحاب وتحمله. ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ثم تجري - أعني الرياح - في الجو جرياً سهلاً في نفسها أي لا يصعب عليها الجري أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب, وقد روعي في ذكر وهذه الأوصاف لطيفة فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز الريح بينهما بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر. وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح الخلائق على أجسادها بإذن الله تعالى. وقيل: المقسمات الكواكب السبعة. وجواب القسم {إن ما توعدون} و "ما" مصدرية أو موصولة {لصادق} في نفسه كما يقال "خبر صادق" أو "ذو صدق" كعيشة راضية. ثم صرح بالموعود قائلاً {وإن الدين} أي الجزاء {لواقع} أي حاصل. وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها كما تزين الموشيّ يكون بطرائق الوشي. وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال للثوب الصفيق "ما أحسن حبكه". وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضاً طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدّق ومكذب ومقر ومنكر. والضمير في {يؤفك عنه} للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ونهاية. ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل والعناد. وجوّز جار الله أن يرجع الضمير إلى {قول مختلف} ويكون "عن" كما قوله شعر : ينهون عن أكل وعن شرب تفسير : أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف. ثم دعا عليهم بقوله {قتل الخرّاصون} أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً. ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان. وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله {قتل الإنسان ما أكفره} والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به {أيان يوم الدين} أي متى وقوعه؟ ثم أجاب بقوله {يوم هم} أي يقع في ذلك اليوم. ومعنى {يفتنون} يحرقون ويعذبون. ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً {ذوقوا} إلى آخره. وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال {إن المتقين في جنات وعيون} أي في جنات فيه عيون حال كونهم {آخذين ما آتاهم ربهم} قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية. وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له. وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم. قال: إن فيض الله تعالى لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته. وقوله {ما آتاهم} على المضي لتحقق الإيتاء مثل {أية : ونادى} تفسير : [الأعراف: 38] {أية : وسيق} تفسير : [الزمر: 72] وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد. ثم فسر إحسانهم بقوله {كانوا قليلاً من الليل يهجعون} "ما" صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعاً قليلاً. وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة. وارتفع "ما" مع الفعل على أنه فاعل قليلاً من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه. وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول. ولا يجوز أن تكون "ما" نافية لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها. وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار. وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم. ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر. ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر. ويمكن أن يقال: إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله. ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده {في أموالهم حق} فيكون كقوله {أية : يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة}تفسير : [البقرة: 3] ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة. قال جار الله: في قوله {هم يستغفرون} إشارة إلى أنهم هو المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين. وقيل: إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلاً يستغفرون على قياس الفعل السابق. وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله. والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعاً وهو الزكاة قيل: إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا علم سقط عنه. وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعاً. والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة. ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقاً معلوماً وإن لم يوجبه الشرع. وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر. الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال صلى الله عليه وسلم " حديث : لكل كبد حرى أجر" تفسير : الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمرحوم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه " تفسير : وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث. وقيل: المحروم الذي لا يمنى له مال. وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب. ثم أكد وقوع الحشر والدلالة على قدرته بقوله {وفي الأرض آيات} كقوله {أية : ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة}تفسير : [فصلت: 39] إلى قوله {أية : إن الذي أحياها لمحي الموتى} تفسير : [فصلت: 39] ومن عجائب الأرض ما هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من فوقها كالمطر وغيره. وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات لم يزد يقينه بالصانع. ثم استدل بالأنفس فقال {وفي أنفسكم} آيات. وذلك أن الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مراراً. وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات. قال أهل النظم: هذه الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلاً، وهكذا من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه. {وما توعدون} هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش. وقيل: إن أرزاقكم في الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء. ثم أنتج من الأخبار السالفة من أول السورة إلى ههنا حقيقة القرآن أو النبي أو الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقياً من الأدنى وهي المربوبات كالذاريات وغيرها إلى الرب تعالى. و"ما" مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى وتسمع مثل ما أنك ههنا. قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال: من الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علي فتلوت {والذاريات} فلما بلغت قوله {وفي السماء رزقكم} فقال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى. فلام حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ثم قال: فهل غير هذا؟ فقرأت {فورب السماء والأرض إنه لحق} فصاح فقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقصة إبراهيم وغيرها قد مرت في "هود" و "الحجر" وفي قوله {هل أتاك} تفخيم لشأن الحديث. والضيف واحد. وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله {أية : بل عباد مكرمون}تفسير : [الأنبياء: 26] وجوز أن يكون نصب {إذا دخلوا} بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل. قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه {فراغ إلى أهله} فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة. وفي قوله {فقربه إليهم} دلالة على أن نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم. {قال ألا تأكلون} سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في "الصافات" وقد مر. والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه {فأوجس} فأضمر وقد تقدم سائر الأبحاث في "هود" وفي "الصافات". واعلم أنه سبحانه ذكر في "هود" أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال ههنا {سلام قوم منكرون} ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولاً بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في تلك السورة والآخر في هذه. قوله {فأقبلت امرأته في صرة} أي في صيحة ومنه صرير القلم. قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان {وقالت} أنا {عجوز} فأجابت الملائكة {كذلك} أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به {قال ربك} فلا تستبعدي. وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة. {قال فما خطبكم} شأنكم وطلبكم؟ فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل كما قصصنا في "هود". والضمير في قوله {فيها} للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه معلوم، قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد. وقال غيرهم: المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا كقوله القائل من في البيت من الناس؟ فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد غير زيد. فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد. وقوله {وتركنا فيها آية} كقوله في "العنكبوت" {أية : ولقد تركنا منها آية بينة}تفسير : [الآية: 35] أي علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء أسود. قوله {وفي موسى} قيل: الأقرب أن يكون معطوفاً على قوله {وتركنا فيها} أي وجعلنا في موسى آية. قال جار الله: هو كقوله من قال: شعر : علفتها تبنا وماء بارداً تفسير : ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضاً آية متروكة باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف. قوله {فتولى بركنه} كقوله {أية : ونأى بجانبه}تفسير : [الإسراء: 83] وقيل: الباء للمصاحبة. والركن القوم أي فازور وأعرض مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه. وقيل: ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي به صلى الله عليه وسلم كما مر في "الصافات" لا يوجب اشتراكهما في استحقاق الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف. فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر. والرميم ما رم وتفتت. قال في الكشاف: {تمتعوا حتى حين} تفسيره في قوله {أية : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}تفسير : [هود: 65] قلت: هذا سهو منه فإن قوله {فعتوا عن أمر ربهم} لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على هذا الأمر لحصوله قبله. وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه الآية هو الذي في قصة قوم يونس {أية : فآمنوا فمتعناهم إلى حين}تفسير : [الصافات: 148] فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعية والأمر أمر تكليف لا تكوين {فعتوا عن أمر ربهم} بالإصرار على كفرهم. فقيل: على سبيل التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة النازلة نفسها {وهم ينظرون } أي كانت نهاراً يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام {فما استطاعوا من قيام} عبارة عن جثومهم كما مر مراراً {وما كانوا منتصرين} ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر إعرابه في الوقوف. ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال {والسماء بنيناها بأيد} وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان. وفي قوله {بأيد} أي بقوة تأكيد لذلك. وفي قوله {وأنا لموسعون} مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر. وقيل: جعلنا بين السماء وبين الأرض سعة. وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى {ومن كل شيء} من الحيوان {خلقنا زوجين} ذكراً وأنثى. وعدد الحسن أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة. قال: كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا مثل له. وقد يدور في الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله تعالى فإنه مركب نوع تركيب لا أقل من الوجود والإمكان أوالجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال {لعلكم تذكرون} له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن المصنوع. وإذا عرفتم الله {ففروا إلى الله} أي التجؤا إليه ولا تعبدوا غيره أمر بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه. وكرر قوله {إني لكم منه نذير مبين} للتأكيد. وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله {كذلك} أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار الكفرة على الإنكار والسب. ثم فسر ما أجمله بقوله {ما أتى} إلى آخره وقوله {أتواصوا به} استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم. ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على جلية الحال قائلاً {بل هم قوم طاغون} يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان أشركهم في المعلول {فتول عنهم} فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة {فما أنت بملوم} على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك {وذكر} مع ذلك {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر. ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة. وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على أن أفعاله الله معللة بغرض. وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك فإن المعرفة أيضاً غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف مراراً أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللاً بها، وإذا لم يكن الفعل معللاً بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه. ثم ذكر أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم. والمتين الشديد القوة. ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله {فإن للذين ظلموا ذنوباً} أي نصيباً من العذاب {مثل ذنوب أصحابهم} المهلكين، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا دلو ولهذا دلو. واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً...} الآية، أقسم اللَّه عز وجل بهذه المخلوقات؛ تنبيهاً عليها، وتشريفاً لها، ودَلاَلَةً على الاعتبار فيها، حَتَّى يصيرَ الناظرُ فيها إلى توحيد اللَّه عز وجل، فقوله: {وَٱلذرِيَـٰتِ}: هي الرياح بإجماعٍ و{ذَرْواً} نُصِبَ على المصدر، و{فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً} قال عليٌّ: هي السحاب، وقال ابن عباس وغيره: هي السفن الموقورة بالناس وأمتعتهم، وقال جماعة من العلماء: هي أيضاً مع هذا جميع الحيوانِ الحامل، وفي جميع ذلك مُعْتَبَرٌ، و{فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً} قال عليٌّ وغيره: هي السفن في البحر، وقال آخرون: هي السحاب، وقال آخرون: هي الكواكب؛ قال * ع *: واللفظ يقتضي جميعَ هذا، و{يُسْراً} نعت لمصدر محذوف، وصفات [المصادر المحذوفة تعود أحوالاً]، و{يُسْراً} معناه: بسهولة و{فَٱلْمُقَسِّمَـٰتِ أَمْراً}: الملائكة، والأمر هنا: اسم جنس، فكأَنَّه قال: والجماعات التي تقسم أمورَ الملكوت، من الأرزاق، والآجال، والخلق في الأرحام، وأمر الرياح والجبال، وغير ذلك؛ لأَنَّ كُلَّ هذا إنَّما هو بملائكة تخدمه، وأَنَّثَ {فَٱلْمُقَسِّمَـٰتِ} من حيث أراد الجماعات، وهذا القَسَمُ واقع على قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ...} الآية، و{تُوعَدُونَ} يحتمل أنْ يكونَ من الوعد، ويحتمل أَنْ يكون من الإيعاد، وهو أَظهر، و{ٱلدِّينِ}: الجزاء، وقال مجاهد: الحساب. ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر، فقال: {وَٱلسَّمَاءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} والحُبُكُ: الطرائق التي هي على نظامٍ في الأجرام، ويقال لما تراه من الطرائق في الماء والرمال إذا أصابته الريحُ: حبك، ويقال لِتَكَسُّرِ الشعر: حُبُك، وكذلك في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائِقُ في موضع تداخل الخيوط هي حبك؛ وذلك لجودة خِلْقَةِ السماء؛ ولذلك فَسَّرَها ابن عباس وغيره بذات الخلق الحَسَنِ وقال الحسن: حُبُكُهَا كَوَاكِبُها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} أول هذه السورة مناسب لآخرها قبلها، لأنه تعالى لما بين الحشر بدلائله، وقال: {أية : ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} تفسير : [ق: 44] وقال: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} تفسير : [ق: 45] تُجْبِرهم على الإيمان، إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان، وتلاوة القرآن عليهم، لم يبق إلا اليمين فقال: {وَٱلذَّارِيَاتِ.. إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} وقال في آخرها {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات: 60]. فصل وفي الحكمة في القسم ههنا وجوه: أحدها: أن الكفار كانوا يَنْسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - للجدال، ومعرفة طرقه، وأنه عالم بفساد قولهم، وأنه يغلبهم بمعرفته بالجدال، وحينئذ لا يمكن أن يقابلهم بالأدلة، كما أن من أقام خَصْمُه عليه الدليل ولم يبق له حجة، يقول: إنه غلبني، لعلمه بالجدل وعجزي عن ذلك، وهو يعلم في نفسه أن الحق تبعي ولا يبقى للمتكلم المبرهن غير اليمين، ليقول: والله إن الأمر كما أقول ولا أجادلك بالباطل لأنه لو استدل بطريق آخر يقول خصمه فيه كقوله الأول، فلا يبقى إلا السكوت، أو التمسك بالأيمان، وترك إقامة البرهان. الثاني: أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تخرب المنازل، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر الإقسام، دلالة على أنه صادق ولذلك كان أمره يتزايد ويعلموا أنه لا يحلف بها كاذباً. الثالث: أن الأيمان التي أقسم بها كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان لينبّه بها على كمال القدرة، كقول القائل للمنعم: وحقِّ نِعْمَتِك الكثيرة إنّي لا أزال أَشْكُركَ. فذكر النعم التي هي سبب مفيد لدوام الشكر، وإنما أخرجها مُخْرج الأيمان، إيذاناً بأنه يريد أن يتكلم بكلامٍ عظيم فيصغي إليه السامع أكثر ما يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف. فصل أورد القسم على أمور منها الوحدانية، ولظهور أمرها واعترافهم بها حيث يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] وقولهم: {أية : مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25] لم يقسم عليها إلا في سورة الصافات ومنها الرسالة وهو في سورتين "وَالنَّجْمِ" "وَالضُّحَى"، وبالحروف في "يس" ومنها الحشر، والجزاء وما يتعلق به، فلكثرة إنكارهم له كرر القسم عليه. فصل أقسم الله بجمع السلامة المؤنث في سور خمس، ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورةٍ أصلاً، فلم يقل: والصَّالِحِينَ من عبادي، ولا المقربين إلى غير ذلك مع أن المذكر أشرف؛ لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل. فصل روي عن علي - (رضي الله عنه) - في قوله تعالى: {وَٱلذَّارِيَاتِ} قال هي الرياح التي تَذْرُو التُّراب يقال: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ وأَذْرَتْ "الحَامِلاَت وقْراً" يعني السحاب تحمل ثِقْلاً من الماء "فَالجَارِيَاتِ يُسْراً" هي السفن تجري في الماء جرياً سهلاً "فَالمُقَسِّماتِ أَمْراً" هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم بهذه الأشياء، لما فيها من الدلالة على صنعته وقدرته. قال ابن الخطيب: والأقرب أن هذه صفات للرياح، فالذاريات هي التي تُنْشىء السحاب أولاً، والحاملات هي التي تحمل السحب التي هي بحار المياه التي إذا سحّتْ جرت السيول العظيمة، وهي أوقارٌ أثقل من جبال. والجاريات هي التي تجري السحب عِنْدَ حَمْلِها، وَالمُقَسِّمَات هي الرياح التي تقسم الأمطار وتفرقها على الأقطار، ويحتمل أن يقال: هذه أمور أربعة ذكرت لأمور أربعة بها تتم الإعادة، لأن الأجزاء المتفرقة بعضها في تُخُوم الأرض، وبعضها في قَعْر البِحَار، وبعضها في جَوِّ الهواء، وفي الأجزاء البخارية اللطيفة المنفصلة عن الأبدان فالذاريات هي التي تجمع الذرات من الأرض، وتَذْرُو التُّراب من وجه الأرض والحاملات هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملاً، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملاً مستقلاًّ بل تنقله من موضع إلى موضع، بخلاف السحاب فإنه يحمله في الجو حملاً لا يقع منه شيء، والجاريات هي الجامعة من الماء، فإن من يُجْرِي السفنَ الثقيلة في تيّار البحار قادرٌ على نقل الأجزاء من البحر إلى البرّ، فإذن تبين أن الجمع من الأرض وجو الهواء ووسط البحار ممكن، وإذا اجتمع ذلك كله بَقِيَ نفخُ الروح، وهي من أمر الله، فقال: "فالمُقسِّمَاتِ أَمْراً" يعني الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأَمْر الله. قوله: "ذَرواً" منصوب على المصدر المؤكد العامل فيه فرعه وهو اسم الفاعل، والمفعول محذوف اختصاراً إذ لا نظير لما تذروه هنا. وأدغم أبو عمرو وحمزة تاء "الذاريات" في ذال "ذَرْواً" وأما "وِقْراً" فهو مفعول به بالحاملات، كما يقال: حَمَل فلانٌ عدْلاً ثَقِيلاً. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون اسماً أقِيمَ مُقَام المصدر، كقوله: ضَرَبَهُ سَوْطاً. ويؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو. والوِقْرُ - بالكسر - اسم ما يوقِر أي يَحُلُّ. وقرىء بالفتح، وذلك على تسمية المفعول بالمصدر. ويجوز أن يكون مصدراً على حاله والعامل فيه معنى الفعل قبله، لأن الحَمْل والوَقْر بمعنى واحد، وإن كان بينهما عموم وخصوص. قوله: "يُسْراً" يجوز أن يكون مصدراً من معنى ما قبله أي جَرْياً يُسْراً وأن يكون حالاً، أي ذات يُسْرٍ أو مَيْسَرة أو جعلت نفس اليُسْر مبالغةً. قوله: "أَمْراً" يجوز أن يكون مفعولاً به، وهو الظاهر، كقولك: فُلاَنٌ قَسَّمَ الرِّزْقَ أَوِ المَالَ، وأن تكون حالاً أي مأمورة. وعلى هذا فيحتاج إلى حذف مفعول "المُقَسِّمَات". وقد يقال: لا حاجة لتقديره كما في الذاريات. وهل هذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على بابها من عطف المتغايرات، والفاء للترتيب في القسم لا في المقسم به؟ قال الزمخشري: ويجوز أن يراد الرياح وحدها، لأنها تُنْشِىء السحاب وتُقِلُّه، وتَصْرِفُهُ، وتجري في الجو جرياً سَهْلاً وعلى هذا يكون من عطف الصفات، والمراد واحد، كقوله (- رحمه الله -): شعر : 4517- يا لَهْفَ زَيَّابَةِ لِلْحَارِثِ الصّابحِ فَالغَانِمِ فَالآيبِ تفسير : وقوله: شعر : 4518- إِلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ وَلَيْثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ تفسير : فتكون الفاء على هذا الترتيب الأمور في الوجود. فإن قيل: إن كان "وقراً" مَفْعولاً فلِمَ لَمْ يُجمع وما قيل: أوقاراً؟. فالجواب: لأن جماعةً مِنَ الرياح قد تحمل وقرا واحداً، وكذا القول في المقسّمات أمراً إذا قيل: إنه مفعول به، لأنه قد تجمع جماعة من الملائكة على أمر واحد. قوله: "إنَّمَا تُوعَدونَ" هذا جواب القسم، و "ما" يجوز أن تكون اسمية، وعائدها محذوف، أي تُوعَدُونَهُ وأن تكون مصدرية فلا عائدَ على المشهور، وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مَبْنِيًّا من الوعْد، وأن يكون مبنياً من الوَعِيد، لأنه يصلح أن يقال: أوْعَدْتُهُ فهو يُوعَدُ، وَوَعَدْتُهُ فهو يُوعَد لا يختلف، فالتقدير: إن وعدكم أو إن وعيدكم. ولا حاجة إلى قول من قال: إنه قوله: "لصادق" وقع فيه اسم الفاعل موقع المصدر أي لصدق لأن لفظ اسم الفاعل أبلغ إذا جعل الوعد أو الوعيد صادقاً مبالغة وإن كان الوصف إنما يقوم بمن يَعِدُ أو يُوعِدُ. قال ابن الخطيب: وبناؤه من "أوعد" هو الحق؛ لأن اليمين مع المنكر بِوَعِيدٍ لا بوَعْد، و "الصادق" معناه ذو صدق "كعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ"، ووصف به الفاعل كوصف الفاعل بالمصدر في إفادة المبالغة. قوله: {وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} أي الحشر والجزاء كائن.
البقاعي
تفسير : لما ختم سبحانه ق بالتذكير بالوعيد، افتتح هذه بالقسم البالغ على صدقه، فقال مناسباً بين القسم والمقسم عليه: {والذاريات} أي الرياح التي من شأنها الإطارة والرمي والتفريق والإذهاب، وأكد ذلك بقوله: {ذرواً *} أي بما تصرفها فيه الملائكة، قال الأصبهاني: الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش، فتهيج من ثم فتقع بعجلة الشمس ثم تهيج عن عجلة الشمس فتقع برؤوس الجبال، ثم من رؤوس الجبال تقع في البر، فأما الشمال فإنها تمر تحت عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على أرواح الصديقين، ثم تأخذ حدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، وتأتي الدبور حدها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، وتأتي الجنوب حدها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، وتأتي الصبا حدها من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش، فلا تدخل هذه في حد هذه ولا هذه في حد هذه. ولما كانت غاية الذرو التهيئة للحمل، قال مسبباً ومعقباً: {فالحاملات} أي من السحب التي فرقت الريح أصلها وهو الأبخرة، وأطارته في الجو في جهة العلو ثم جمعته، فانعقد سحاباً فبسطه مع الالتئام فحمله الله ما أوجد فيه من مراده من الماء والصواعق وغيرها {وقراً *} أي حملاً ثقيلاً، وقد كان قبل ذلك لا يرى شيء منه ولا من محموله، فتحققوا قدرة الله على كل ما يريد وإن لم تروا أسبابه، ولا يغرنكم بالله الغرور. ولما كان الحمل إنما هو الوضع في الأماكن التي يراد ضرها أو نفعها، وكان سير الغمام بعد الحمل في ساحة الجو وباحة الأفق من غير ممسك يرى أدل على القدرة، ولا سيما إذا كان مع الجري الذي يضرب به لسرعته المثل، وكذا جري السفن في باحة البحر بعد ثقلها بالوسق قال: {فالجاريات يسراً *} أي جرياً ذا سهولة. ولما كان في غاية الدلالة على تمام القدرة بغريق محمولها في الأراضي المجتاحة ولا سيما إن تباعدت أماكن صبه ومواطن سكبه، وكان ذلك التفريق هو غاية الجري المترتب على الحمل المترتب على الذرو، قال مسبباً معقباً مشيراً بالتفعيل، إلى غرابة فصلها لقطراتها وبداعة تفريقها لرحمتها من عذابها، وغير ذلك من أحوال الجاريات وتصريف الساريات: {فالمقسمات} أي من السحب بما تصرفها فيه الملائكة عليهم السلام، وكذا السفن بما يصرفها الله به من الرياح اللينة أو العاصفة من سلامة وعطب وسرعة وإبطاء، وكذا غيرهما من كل أمر تصرفه الملائكة بين العباد وتقسمه. ولما كان المحمول مختلفاً كما تقدم، قال جامعاً لذلك: {أمراً *} أي من الرحمة أو العذاب، قال الرازي في اللوامع: وهذه أقسام يقسم الله بها ولا يقسم بها الخلق لأن قسم الخلق استشهاد على صحة قولهم بمن يعلم السر كالعلانية وهو الله تعالى، وقسم الخالق إرادة تأكيد الخبر في نفوسهم فيقسم ببعض بدائع خلقه على وجه يوجب الاعتبار ويدل على توحيده، فالرياح بهبوبها وسكونها لتأليف السحاب وتذرية الطعام واختلاف الهواء وعصوفها مرة ولينها أخرى والسحاب بنحو وقوفها مثقلات بالماء من غير عماد وصرفها في وقت الغنى عنها بما لو دامت لأهلكت، ولو انقطعت لم يقدر أحد على قطرة منها، وبتفريق المطر وإلا هلك الحرث والنسل، والسفن بتسخير البحر لجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق، ولو ركد لأهلك، والملائكة تقسم الأمور بأمر ربها، كل ذلك دليل على وجود الصانع الحكيم، والفاطر العليم، القادر الماجد الكريم. ولما كانوا يكذبون بالوعيد، أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال: {إنما} أي الذي {توعدون} أي من الوعد للطائع والوعيد للعاصي، وإن لم تروا أسبابه، ولما كان ما توعدوا به لتحقق وقوعه وقربه كأنه موجود يخاطبهم عن نفسه، عبر عن المصدر باسم الفاعل فقال: {لصادق *} أي مطابق الإخبار به للواقع، وسترون مطابقته له إذا وقع، وتعلمون أن ذلك الواقع حق ثابت لا خيال لمطابقته للخبر، قال ابن برجان: واعلم أن الله عز وجل ما أقسم بقسم إلا مطابقاً معناه لمعان في المقسم من أجله بسراج منير يهدي به الله تعالى من يشاء، وإنما يعمي عن رؤية ذلك ظواهر إشخاص للمحسوسات، ويصم عن إسماع ندائها ضوضاء المشاهدات، ولولا ذلك لنودوا بها من مكان قريب، وقال البيضاوي: كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث. ولما كان أجل وعيدهم وما يتعلق بالجزاء يوم القيامة وكانوا ينكرونه، قال: {وإن الدين} أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم البعث، والشرع الذي أرسلت به هذا النبي الكريم {لواقع *} لا بد منه وإن أنكرتم ذلك، فيظهر دينه على الدين كله كما وعد بذلك، ثم نقيم الناس كلهم للحساب. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه المواعيد الأخروية في سورة ق وعظيم تلك الأحوال من لدن قوله {وجاءت سكرة الموت بالحق} إلى آخر السورة، أتبع سبحانه ذلك بالقسم على وقوعه وصدقه فقال: {والذاريات ذرواً} إلى قوله: {إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع} والدين الجزاء، أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم {فلا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً}. ولما أقسم الله على صدق وعده ووقوع الجزاء، عقب ذلك بتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال {يسألون أيان يوم الدين} ثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله: {وفي الأرض آيات للموقنين} فوبخ تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في العالم من العجائب، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم تكذيبهم، وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله: {ومن كل شيء خلقنا} بقوله: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} أي إن هذا دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاء بعضهم إلى بعض فقال تعالى: {أتواصوا به بل هم قوم طاغون} أي عجباً لهم في جريهم على التكذيب والفساد في مضمار واحد، ثم قال تعالى: {بل هم قوم طاغون} أي أن علة تكذيبهم هي التي اتحدت فاتحد معلولها، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق {ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها} ثم زاد نبيه عليه السلام أشياء مما ورد على طريقة تخييره عليه السلام في أمرهم من قوله تعالى: {فتول عنهم فما أنت بملوم} ثم أشار تعالى بقوله: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} إلى أن إحراز أجره عليه السلام إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى، ثم ينفع الله بذلك من سبقت له السعادة {إنما يستجيب الذين يسمعون} ثم أخبر نبيه عليه الصلاة والسلام بأن تكذيبه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم من ارتكب مرتكبهم، وسلك مسلكهم، فقال تعالى {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم} إلى آخر السورة - انتهى. ولما أخبر سبحانه عن ثبات خبره، أتبعه الإخبار عن وهي كلامهم، فقال مقسماً عليه لمبالغتهم في تأكيد مضامينه مع التناقض بفعله الجميل وصنعه الجليل، إشارة إلى أنهم لم يتخلقوا من أخلاقه الحسنى بقول ولا فعل: {والسماء ذات الحبك *} أي الآيات المحتبكة بطرائق النجوم المحكمة، الحسنة الصنعة، الجيدة الرصف والزينة، حتى كأنها منسوجة، الجميلة الصنعة الجليلة الآثار، الجامعة بين القطع والاختلاط والاتفاق والاختلاف، وأصل الحبك الإحكام في امتداد واطراد - قاله الرازي في اللوامع. {إنكم} يا معشر قريش {لفي قول} محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق {مختلف *} كاختلاف طرائق السماء التي لا تكاد تنتظم، ولا يعرف أولها من آخرها، واختلاف هذه الأشياء المقسم بها من أول السورة واختلاف غاياتها لكنه مع ذلك متدافع، وإن كنتم تجتهدون في تزيينه وتقريبه للأفهام وتحسينه فإنه لا يكاد إذا عرضه الناقد على الفكر النافذ ينضبط بضابط ولا يرتبط برابط، بل تارة تقولون: هذا شعر فيلزمكم وصفه بما تصفون به الشعر من الاتساق بالوزن المجرد والروي المتحد، والعذوبة والرشاقة، وتارة تقولون: هذا سحر فيلزمكم مع الإقرار بالعجز عنه أنه لا حقائق له والواقع أنه لا يتأمله ذو فهم إلا رأى حقائقه أثبت من الجبال، وتارة تقولون: أضغاث أحلام، فيلزمكم أنه لا ينضبط بضابط، ولا يكون له مفهوم يحصل، ولا يعجز أحد عن تلفيق مثله، فقد أبطلتم قولكم: إنه شعر وإنه سحر. وتارة تقولون: إنه كهانة فيلزمكم أن تعتقدوا منه ما تعتقدون في أقوال الكهان من الإخبار بالمغيبات وإظهار الخبء وفصل الحكم، فأبطلتم ما مضى من قولكم أضغاث أحلام وسحر وشعر، وتارة تقولون، إنه جنون، فقد نقضتم جميع أقوالكم الماضية وناديتم على أنفسكم بالمباهتة، تقولون في الآتي به: إنه شاعر وساحر ومجنون وكاهن وكاذب، وكل قول منها ينقض الآخر، وأنتم تدعون أنكم أصدق الناس وأبعدهم عن عار الكذب، وأنكم أعقل الناس وأنصفهم، فقد تباعد أولاً ما بين أقوالكم، ثم ما بينها وبين أفعالكم، فكان اختلاف طرائق النجوم دالاًّ على مانع مختار تام العلم كامل القدرة، وكذا اختلاف قولكم على هذا الوجه مع ما لكم من العقول دالّ على قاهر لكم على ذلك، فهما آيتان في الآفاق وفي أنفسكم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور والحارث بن أبي أسامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه البيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {والذاريات ذرواً} قال: الرياح {فالحاملات وقراً} قال: السحاب {فالجاريات يسراً} قال: السفن {فالمقسمات أمراً} قال: الملائكة. وأخرج البزار والدارقطني في الأفراد وابن مردويه وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن {والذاريات ذرواً} قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن {فالحاملات وقراً} قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن {فالجاريات يسراً} قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن {فالمقسمات أمراً} قال: هن الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت، فلما برأ دعاه، فضرب مائة أخرى، وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري إمنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا وقد صدق، فحل بينه وبين مجالسة الناس. وأخرج الفريابي عن الحسن قال: سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن {والذاريات ذرواً} وعن {والمرسلات عرفاً} وعن {والنازعات غرقاً} فقال عمر رضي الله عنه: إكشف رأسك فإذا له ضفيرتان، فقال: والله لو وجدتك محلوقاً لضربت عنقك. ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه. وأخرج الفريابي وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن {والذاريات ذرواً} فقال: الرياح {فالحاملات وقراً} قال: السحاب {فالجاريات يسراً} قال: السفن. وأخرج ابن جرير وابن نصر وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} يقول: قليلاً ما كانوا ينامون. وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه في قوله {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء وكذلك {أية : تتجافى جنوبهم} تفسير : [السجدة: 16]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية في قوله {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قال: لا ينامون عن العشاء الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن المنذر عن عطاء في قوله {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قال: ذلك إذ أمروا بقيام الليل، وكان أبو ذر يعتمد على العصا فمكثوا شهرين ثم نزلت الرخصة {أية : فاقرأوا ما تيسر منه}تفسير : [المزمل: 20]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كانوا قليلاً من الناس الذين يفعلون ذلك إذ ذاك. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في الآية، قال: المتقين هم القليل كانوا من الناس قليلاً. وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر عن الضحاك في قوله {كانوا قليلاً} يقول: المحسنون كانوا قليلاً، هذه مفصولة، ثم استأنف فقال: {من الليل ما يهجعون} الهجوع النوم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: كانوا لا ينامون الليل كله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة في قوله {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قال: كان الحسن يقول: كانوا قليلاً من الليل ما ينامون، وكان مطرف بن عبد الله يقول: كانوا قلّ ليلة لا يصيبون منها، وكان محمد بن علي يقول: لا ينامون حتى يصلوا العتمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه من طريق الحسن عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه في قوله {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} قال: هجعوا قليلاً ثم مدوها إلى السحر. وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن آخر الليل في التهجد أحب إليَّ من أوّله، لأن الله يقول {وبالأسحار هم يستغفرون} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وبالأسحار هم يستغفرون} قال: يصلون ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: صلوا فلما كان السحر استغفروا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وفي أموالهم حق} قال: سوى الزكاة يصل بها رحماً أو يقري بها ضيفاً أو يعين بها محروماً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وفي أموالهم حق} قال: سوى الزكاة. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أموالهم حقاً سوى الزكاة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن السائل والمحروم قال: السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له سهم في المسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعد ما فرغوا فنزلت {وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس فأمر الله المؤمنين برفده. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المحروم في هذه الآية فقالت: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المحروم المحارف الذي ليس له في الإِسلام سهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: المحروم الذي ليس له في الغنيمة شيء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم مثله. وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة قال: كان رجل باليمامة فجاء السيل فذهبت بماله، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا المحروم فأعطوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المتعفف. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: المحروم المحارف. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: المحروم المحارف الذي لا يثبت له مال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: المحروم الذي لا ينمو له مال في قضاء الله. وأخرج عبد بن حميد عن عامر قال: هو المحارف، وتلا هذه الآية {أية : إنا لمغرمون بل نحن محرومون} تفسير : [الواقعة: 66 - 67] قال: هلكت ثماركم وحرموا بركة أرضهم. وأخرج عبد بن حميد عن قزعة أن رجلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن قوله {وفي أموالهم حق معلوم} قال: هي الزكاة وفي سوى ذلك حقوق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {للسائل والمحروم} قال: السائل الذي يسأل بكفه، والمحروم المحارف. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: أعياني أعلم ما المحروم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن المحروم فلم يقل فيه شيئاً، وسألت عطاء فقال: هو المحدود، وزعم أن المحدود المحارف. وأخرج ابن جرير وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا الأكلة والأكلتان، قالوا: فمن المسكين؟ قال: الذي ليس له ما يغنيه ولا يُعْلم مكانه فَيُتَصَدَّقَ عليه فذلك المحروم ". تفسير : وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه حديث : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أنس ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول: وعزتي وجلالي لأقربنكم ولأباعدنهم، قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}" . تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {وفي أموالهم حق معلوم} قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية {ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى قوله {وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة} والله سبحانه وتعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : مكية، وآيُها ستون {وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً} أيِ الرياحِ التي تذرُو الترابَ وغيره وقرىء بإدغام التاء في الذال {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً} أيِ السحبِ الحاملةِ للمطرِ أو الرياحِ الحاملةِ للسحابِ وقُرِىءَ وَقْرا عَلى تسميةِ المحمولِ بالمصدرِ {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً} أيِ السفن الجاريةِ في البحرِ أو الرياحِ الجاريةِ في مهابِّها أوِ السحبِ الجاريةِ في الجوِّ بسوقِ الرياحِ أوِ الكواكبِ الجاريةِ فِي مجارِيها ومنازِلِها ويُسْراً صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أيْ جرياً ذَا يُسْرٍ {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً} أي الملائكةِ الَّتيِ تقسّمُ الأمورَ منَ الأمطارِ والأرزاقِ وغيرِها أو السحبِ التَّي يقسمُ الله تعالَى بَها أرزاقَ العبادِ وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يرادَ بالكُلِّ الرياحُ تنزيلاً لاختلافِ العنوانِ منزلةِ اختلافِ الذاتِ فإنَّها كما تذرُو ما تذرُوه تثيرُ السحابَ وتحملُه وتجْري في الجوِّ جرياً سهلاً وتقسمُ الأمطارَ بتصريفِ السحابِ في الأقطارِ، فإنْ حُملت الأمورُ المقسمُ بها على ذواتٍ مختلفةٍ فالفاءُ لترتيبِ الإقسامِ باعتبارِ ما بـينها من التفاوت في الدلالة على كمالِ القدرةِ وإلاَّ فهيَ لترتيبِ ما صدرَ عن الريحِ مِنَ الأفاعليلِ فإنَّها تذْرو الأبخرةَ إلى الجوِّ حتَّى تنعقدَ سحاباً فتجريَ بهِ باسطةً لهُ إلى ما أمرتْ بهِ فتقسمُ المطرَ وقولُه تعالى: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ} جوابٌ للقسمِ، وفي تخصيصِ الأمورِ المذكورةِ بالإقسامِ بَها رمزٌ إلى شهادتِها بتحققِ مضمونِ الجملةِ المقسمِ عليهَا منْ حيثُ إنَّها أمورٌ بديعةٌ مخالفةٌ لمقتضَى الطبـيعةِ فمَنْ قدرَ عَلَيها فهُو قادرٌ عَلى البعثِ الموعودِ، ومَا مَوْصُولةٌ أوْ مَصدريةٌ ووصفُ الوعدِ بالصدقِ كوصفِ العيشةِ بالرِّضَا وَالدِّينُ الجزاءُ ووقوعُه حصولُه.
القشيري
تفسير : والذارياتُ: أي الرياح الحاملات {وِقْراً} أي السحاب {فَٱلْجَارِيَاتِ} أي السفن. {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} أي الملائكة... بربِّ هذه الأشياء وبقدرته عليها. وجواب القسم: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ...} والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح. الرياح الصيحية تحمل أنينَ المشتاقين إلى ساحات العزَّةِ فيأتي نسيمُ القربةِ إلى مَشَامِّ أسرارِ أهل المحبة... فعندئذٍ يجدون راحةً من غَلَبَات اللوعة، وفي معناه أنشدوا: شعر : وإني لأستهــدي الريــاحَ نسيمكم إذا أقبـلَتْ من أرضـكم بهبـوب وأسألُها حمْلَ السلام إليكـــمو فإنْ هي يـــوماً بَلَّغـــتْ.. فأجيبــــي تفسير : ومن السحاب ما يُمطر بعتاب الغيبة، ويُؤْذن بهواجم النَّوى والفُرْقة. فإذا عَنَّ لهم من ذلك شيء أبصروا ذلك بنور بصائرهم، فيأخذون في الابتهال، والتضرُّع في السؤال استعاذةً منها... كما قالوا: شعر : أقول - وقد رأيتُ لها سحابــاً من الهجــــران مقبـــلة إلينــا وقد سحَّت عزاليهــا بِبَيْــــنٍ حوالينــا الصــدودُ ولا علينــا تفسير : وكما قد يَحْملُ الملاَّحُ بعضَ الفقراء بلا أجرة طمعاً في سلامة السفينة - فهؤلاء يرْجُون أن يُحمَلُوا في فُلْكِ العناية في بحار القدرة عند تلاطم الأمواج حول السفينة. ومِنَ الملائكةِ مَنْ يتنزَّلُ لتفقد أهل الوصلة، أو لتعزية أهل المصيبة، أو لأنواعٍ من الأمور تتصل بأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم: هل عندهم خيرٌ ـ عن فراقهم ووصالهم - كما قالوا: شعر : بربِّكما يا صـــاحبيَّ قِفَـــا بيـــا أسائلـــكم عن حالــهم وآسألانيـــــا تفسير : {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ}: الحقُّ - سبحانه - وَعَدَ المطيعين بالجنة، والتائبين بالرحمة، والأولياءَ بالقربة، والعارفين بالوصلة، ووَعَدَ أرباب المصائب بقوله: {أية : أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}تفسير : [البقرة: 157]، وهم يتصدون لاستبطاء حُسْنِ الميعاد - واللَّهُ رؤوفٌ بالعباد.
البقلي
تفسير : {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} اقسم الله سبحانه بعواصف تجلى عظمته وكواشف الانوار كبريائه التى تفرق اسرار العارفين فى هواء القدم والبقاء حتى لا يبقى من وجودها من صولة ظهور القيومية فى سماء الهوية اثر لغلبة القدم على الحدث وبشمال جماله الذى ياتى بتسيم الوصلة الى قلوب المحبين وينشق طيب نسائهم الدنوا ارواح الشائقين ومحمل انين العاشقين الى بساتين المكلوت وطيبها بطيب الجبروت شعر : وانى لاستهدى الريح نسيمكم اذا قبلت من ارضكم بهبوب واسألها حمل السّلام اليكم فان هى يوما بلغت فاجيب تفسير : واقسم بحسائب ظلال عنايته القديمة التى تحمل ويل المعرفة من بحر الصفات فتمطر على ارض القلوب العارفين فينبت به ازهار المحبة وورود الالفة وياسمين المودة ونور الحكمة ورياحين العلوم الدنية فيا لها من برد تلك الظلال ويا لها من تسنيم ذلك الشمال ويا لها من حسن ذلك الجمال وايضا والذاريات ذرو اقسم برياح انفاس المشتاقين الى جماله التى تصعد الى الملكوت وتنشر طيب نفخات العشق فى بساتين الجبروت فيطيب بتسيمها اهل الملأ الا على وصفائح الادنى {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} سحائب الارواح العارفين التى تحمل اوقار مياه علوم الغيب من بحار الصفات فتمطر على صحارى الصدور فتنبت فيها اشجار الحقائق وانوار الدقائق {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} سنن اسرار الربانين التى تجرى فى بحر الذات القديم يسمونها شمال العناية ويحرسها من الفناء شرف الكفاية {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } عقول المتمكنين فى مقام الصدق والاستقام التى تقسم امور الالهام فى مواضع العبودية لنظام الطريقة و الشريعة اقسم الله بهذه العجائب بما فيها من لطائف الغرائب والدلالة على صفاته وذاته ومحبة اوليائيه وقمع اعداءه ان مواعيد وصفائه وكشف جماله لصادقة وان ساعات القربات والمادناة لواقعة فهناك ايام المواصلة وهناك ازمان المكاشفة والمشاهدة الى الابد قال الاستاذ فى قوله والذاريات ذرواً ان من حملة الرياح الصحية تحمل انين المشتاقين الى ساعات العزة ثم تاتى بنسيم القربة الى مشام اهل المحبة فيجدون راحة غلبات اللوعة فى السحاب ما يمطر بعتاب الغيبة ويوزن بهواجم النوى والفرقة فاذا عن لهم شئ من ذلك ابصروا ذلك بنور بصائرهم فياخذون فى الابتهال والتضرع فى السوال استعاندة منهم كما قالوا شعر : اقول وقد رايت لها سحابا من الهجران مقبلة الينا وقد سحت عن ألتها ببين حوالينا الصدورد ولا علينا تفسير : وقال فى قوله انما توعدون لصادق وعد الله المطيعين بالجنة والتائبين الرحمة والاولياء بالقربة والعارفين بالوصلة ثم أقسم بسماء قلوب الموحدين التى شمسها العرفان وقمرها الايقان ونجمها الايمان وصفاؤها البيان وسحابها البرهان ومطرها الغفران ورياحها القربان وجكها لمعان العيان بقوله {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} قال الاستاذ الاشارة الى سماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان وقمر المحبة ونجوم القربة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذاريات ذروا} الواو للقسم والذاريات وما بعدها صفات حذفت موصوفاتها واقيمت هى مقامها والتقدير والرياح الذاريات وذروا مصدر عامله الذاريات يقال ذرت الريح الشىء ذروا وأذرته أطارته وأذهبته قال فى تاج المصادر الذرى داميدن. والمراد الرياح التى تذرو التراب وغيره ودانه را ازكاه جدا كنند كما فى تفسير الكاشفى روى عن كعب الاحبار قال لو حبس الله الريح عن الارض ثلاثة ايام مابقى على الارض شىء الانتن وعن العوام بن حوشب قال تخرج الجنوب من الجنة فتمر على جهنم فغمها منها وبركتها من الجنة وتخرج الشمال من جهنم فتمر على الجنة فروحها من الجنة وشرها من النار وقيل الشمال تمر بجنة عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على ارواح الصديقين وعن عبدالله بن شداد قال ان الريح من روح الله فاذا رأيتموها فاسألوا الله خيرها وتعوذوا من شرها وعن جابر رضى الله عنه قال هاجت ريح كادت تدفن الراكب من شدتها فقال عليه السلام "حديث : هذه ريح أرسلت لموت منافق"تفسير : فقدمنا المدينة فاذا رأس من رؤوس المنافقين قد مات (وروى) عن على رضى الله عنه ان مساكين الريح تحت اجنحة الكروبيين حملة الكرسى فتهيج من ثمة فتقع بعجلة الشمس ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع برؤوس الجبال فتقع فى البر فتأخذ الشمال وحدها من كرسى بنات النعش الى مغرب الشمس والنعش اربعة كواكب على شكل مربع مستطيل وخلفها ثلاثة كواكب تسمى البنات وتأتى الدبور وحدها من مغرب الشمس الى مطلع سهيل وتأتى الجنوب وحدها من مطلع سهيل الى مطلع الشمس وتأتى الصبا وحدها من مطلع الشمس الى كرسى بنات النعش فلا تدخل هذه فى حد هذه ولاهذه فى حد هذه قال ابن عمر الرياح ثمان اربع منها عذاب واربع منها رحمة اما الرحمة فالناشرات والمبشرات والذاريات والمرسلات واما العذاب فالعاصفات والقاصف والصرصر والعقيم وأراد ابن عمر مافى القرءآن من الفاظ الرياح وعن ابى امامة رضى الله عنه قال قال رسول الله عليه السلام "حديث : ليبيتن قوم من امتى على اكل وشرب ولهو ولعب ثم ليمسخن قردة وخنازير وليصيبن اقواما من متى خسف وقذف باتخاذهم القيان وشربهم الخمور وضربهم بالدف ولبسهم الحرير ولتنسفن احياء من امتى الريح كما نسفت عادا"تفسير : كما فى كتاب الامتاع فى احكام السماع والنسف بركندن بناء وكياه وداميدن جيزى. وفى الآية اشارة الى الرياح الصبحية بحمل انين المشتاقين المتعرضين لنفحات الالطاف الى ساحات العزة ثم تأتى بتنسيم نفحات الحق الى مشام اسرار المحبة فيجدون راحة من غلبات اللوعة وفى معناه انشدوا شعر : وانى لأستهدى الرياح نسيمكم اذا أقبلت من ارضكم بهبوب واسألها حمل السلام اليكمو فان هى يوما بلغت فأجيبى تفسير : (قال المولى الجامى) شعر : نسيم الصبح زرمنى ربى نجدو قبلها كه بودى دوست مى آيد ازان باكيزه منزلها تفسير : (وقال الكمال الخجندى) شعر : صبا زدوست بيامى بسوى مااورد بهمد مان كهن دوستى بجا آورد براى جشم ضعيف رمد كرفته ما زخاك مقدم محبوب توتيا آورد تفسير : وقال بعضهم المراد بالذاريات النساء الولود فانهن يذرين وهو بضم الياء بمعنى يذرون. يقول الفقير من لطف هذا المعنى مجاورته للفظ الحاملات والجاريات على ان من وجوه الحاملات النساء الحوامل وفيه بيان لفضل الولود على العقيم وكما قال عليه السلام "حديث : سوداء ولود خير من حسناء عقيم"تفسير : ودل لفظ السودآء على سيادة الولود كسواد الحجر الاسود فانه من السيادة وذلك أن الولود مظهر الآثار ومطلع الانوار وكذلك ولود الانسان وهو الانسان الكامل وهو كالمصدر للافعال والجامد وهو الانسان الناقص لايصلح الا لان يكون آية يستدل بها كسائر الآيات التكوينية ومثاله لفظ انما فانه للتأكيد والحصر لاغير وذلك باعتبار الكف عن العمل فافهم الاشارة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والذاريات} الرياح الذاريات؛ لأنها تذرو التراب والحشيش وغير ذلك، يُقال: ذرت الرياحُ تذرو ذرواً، وأذرت تذري، و {ذرواً}: مصدر، والعامل فيه اسم الفاعل. {فالحاملات وِقْراً} أي: السحاب الحاملة للأمطار، أو: الرياح الحاملة للسحاب الموقورة بالماء. وقال ابن عباس: السفن الموقورة بالناس، فـ"وِقراً" مفعول بالحاملات، {فالجاريات يُسراً} أي: السفن الجارية في البحر والرياح الجارية في مهابها، أو السحاب الجارية في الجو تسوق الرياحَ، او: الكواكب السيارة الجارية في مجاريها ومنازلها بسهولة، {يسراً}: نعت لمصدر محذوف، أي: جرياً ذا يسر. {فالمُقسَّمات أمراً} أي: الملائكة التي تقسم الأمور الغيبية من الأمطار والأرزاق والآجال، والخَلْق في الأرحام، وأمر الرياح، وغير ذلك؛ لأن هذا كله إنما هو بملائكة تخدمه، فـ"أمراً" هنا جنس، وأنَّثَ "المقسّمات" لأن المراد الجماعات، ويجوز أن يُراد الرياح في الكل، فإنها تنشئ السحاب، وتُقلّه، وتُصرّفه، وتجري به في الجو جرياً سهلاً، وتقسّم الأمطار بتصريف السحاب في الأقطار. ومعنى الفاء على الأول: أنه تعالى أقسم بالرياح، فبالسحاب التي تسوقه، فبالفلك الجارية بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق، وعلى الثاني: أنها تبتدئ بالهبوب، فتذروا التراب والحصباء، فتُقل السحاب، فتجري في الجو باسطةً له، فتقسّم المطر. وقال أبو السعود: فإن حملت الأمور المقْسم بها على ذوات مختلفة، فالفاء لترتيب الإقسام باعتبار ما بينها في التفاوت في الدلالة على كمال القوة، وإلا فهي لترتيب ما صدر عن الريح من الأفاعيل، فإنها تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحاباً، فتجري به بساطة له إلى ما أمرت به، فتقسم المطر. هـ. والمقسّم عليه قوله: {إِنَّ ما تُوعدون} من البعث والجزاء، {لصادقٌ} لوعد صادق، {وإِنَّ الدين} أي: الجزاء على الأعمال {لواقعٌ} لكائن لا محالة. وتخصيص الأمور المذكورة بالإقسام بها رمزاً إلى شهادتها بتحقيق مضمون الجلمة المُقْسَم عليها، من حيث إنها أمور بديعة، مخالفة لمقتضى الطبيعة، فمَن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود، و"ما" موصولة، أو مصدرية، ووصف الوعد بالصدق كوصف العيشة بالرضا. والله تعالى أعلم. الإشارة: {والذاريات}: رياح الواردات الإلهية، التي ترد على القلوب، فتذرو منها الأمراض والشكوك والأوهام والخواطر؛ لأنها تأتي من حضرة قهّار، لا تُصادم شيئاً إلا دفعته، {فالحاملات وِقراً} فالأنفس المطهرة، الحاملة للعلوم والحِكم والمواهب، وِقراً: حِملاً لا حدّ له، {فالجاريات يُسراً}: فالأفكار الجارية في بحار الأحدية، من الجبروت إلى الملكوت، ثم تنزل على عالَم المُلك، تتفنن في علوم الحكمة، في جرياً يُسراً شيئاً فشيئاً، {فالمُقَسِّمات أمراً}: فالأرواح والأسرار الكاملة، التي تقسم الأرزاق المعنوية والحسية، حيث جعل الله لها ذلك بفضله عند كمالها، وهذه أرواح أهل التصرُّف من الأولياء. إنما تُوعدون من الوصول إلينا لَصادِقٌ لمَن صدق في الطلب، وإنَّ الجزاء على المجاهدة بالمشاهدة لواقع. قال القشيري: إن الله تعالى وعد المطيعين بالجنة، والتائبين بالمحبة، والأولياء بالقُربة، والعارفين بالوصلة، والطالبين بالوجدان. ولعلّ مراده بالأولياء عموم الصالحين. ثم جَدّد قَسَماً آخر، فقال: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ}.
الطوسي
تفسير : روى عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وابن عباس (رحمة الله عليه) ومجاهد ان {الذاريات} الرياح يقال: ذرت الريح التراب تذروه ذرواً، وهي ذارية إذا طيرته وأذرت تذري إذراء بمعنى واحد وسأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب على المنبر ما {الذاريات ذرواً} قال: الرياح، قال ما {الحاملات وقراً} فقال السحاب. فقال ما {الجاريات يسراً} قال السفن. والمعنى إنها تجري سهلا، فقال ما {المقسمات أمراً} قال الملائكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن، وهذا قسم من الله تعالى بهذه الأشياء. وقال قوم: التقدير القسم برب هذه الاشياء لأنه لا يجوز القسم إلا بالله. وقد روي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام أنه لا يجوز القسم إلا بالله. والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه. وقيل: الوجه فى القسم بالذاريات تعظيم ما فيها من العبرة فى هبوبها تارة وسكونها اخرى، وذلك يقتضي مسكناً لها ومحركاً لا يشبه الاجسام، وفي مجيئها وقت الحاجة لتنشئة السحاب وتذرية الطعام ما يقتضي مصرفاً لها قادراً عليها، وما في عصوفها تارة ولينها أخرى ما يقتضي قاهراً لها ولكل شيء سواها. والوجه في القسم بالحاملات وقراً، ما فيه من الآيات الدلالة على محمل حملها الماء وأمسكه من غير عماد واغاث بمطره العباد واحيي البلاد وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصاروا إلى الهلاك، ولو انقطع اصلا، لاضربهم جميعاً. والوجه في القسم بالجاريات يسراً ما فيها من الدلائل وبتسخير البحر الملح والعذب بجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق ولو ركد لأهلك، وبما فى هداية النفوس إلى تدبير مصالحها وما في عظم النفع بها في ما ينقل من بلد إلى بلد بها. والوجه في القسم بالملائكة ما فيها من اللطف وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الأمور بأمر الله تعالى من دفع الآفة عن ذا واسلام ذاك ومن كتب حسنات ذا وسيئات ذاك، ومن قبض روح ذا وتأخير ذاك. ومن الدعاء للمؤمنين ولعن الكافرين، ومن استدعائهم إلى طريق الهدى وطلب ما هو أولى بصد داعي الشيطان والهوى عدو الانسان. وقوله {إن ما توعدون لصادق} جواب القسم. ومعناه إن الذي وعدتم به من الثواب والعقاب والجنة والنار وعد صدق لا بد من كونه {وإن الدين لواقع} معناه إن الجزاء لكائن يوم القيامة، وهذا يفيد ان من استحق عقاباً، فانه يجازى به ويدخل في ذلك كل مستحق للعقاب، كأنه قال: إن جميع الجزاء واقع بأهله يوم القيامة في الآخرة. ثم استأنف قسماً آخر فقال {والسماء ذات الحبك} فالحبك الطرائق التي تجري على الشيء كالطرائق التي ترى في السماء. وترى في الماء الصافي إذا مرت عليه الريح، وهو تكسر جار فيه. ويقال للشعر الجعد حبك والواحد حبيك وحبيكة، والحبك أثر الصنعة في الشيء واستوائه، حبكه يحبكه ويحبكه حبكاً {والسماء ذات الحبك} أي ذات حسن الطرائق، وحبك الماء طرائقه قال زهير: شعر : مكلل باصول النجم تنسجه ريح خريق لصافي مائه حبك تفسير : وتحبكت المرأة بنطاقها إذا شدته في وسطها، وذلك زينة لها، وحبك السيف إذا قطع اللحم دون العظم وقال الحسن وسعيد بن جبير: ذات الحبك ذات الزينة بالنجوم والصنعة وللطرائق الحسنة. وقيل: الحبك النسج الحسن، يقال: ثوب محبوك. وقوله {إنكم لفي قول مختلف} معناه إنكم في الحق لفي قول مختلف، لا يصح إلا واحد منه، وهو أمر النبي صلى الله عليه وآله وما دعا اليه، وهو تكذيب فريق به وتصديق فريق. ودليل الحق ظاهر، وفائدته أن احد الفريقين في هذا الاختلاف مبطل، لانه اختلاف تناقض فاطلبوا الحق منه بدليله وإلا هلكتم. وقوله {يؤفك عنه من أفك} معناه يصرف عنه من صرف، ومنه قوله {أية : أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا} تفسير : أي لتصرفنا، وتصدنا. وإنما قيل {يؤفك} عن الحق لأنه يمكن فيه ذلك من غيره، ولا يمكن من نفسه، لان الحق يدعو إلى نفسه ولا يصرف عنها إلى خلافه. وقوله {قتل الخراصون} معناه لعن الكذابون، ومثله {أية : قتل الإنسان ما أكفره} تفسير : والخراص الكذاب. وأصله الخرص وهو القطع من قولهم: خرص فلان كلامه واخترصه إذا افتراه، لانه اقتطعه من غير أصل. والخرص جريد يشقق ويتخذ منه الحصر قال الشاعر: شعر : ترى قصد المران فيهم كأنه تذرع خرصان بأيدي شواطب تفسير : والخرص حلقة القرط المنقطعة عن ملاصقة الاذن، والخريص الخليج من من البحر، والخرص الخرز من العدد والكيل، ومنه خارص النخل، وهو خارزه وجمعه خراص. وقوله {الذين هم في غمرة ساهون} صفة للخراصين وموضعه رفع وتقديره في غمرة ساهون عن الحق كقوله {أية : طبع الله على قلوبهم} تفسير : والغمرة المرة من علو الشيء على ما هو فائض فيه، غمره الماء يغمره غمراً وغمرة، فهو غامر له، والانسان مغمور، ويقال: غمره الشغل وغمره الموت وغمره الحياء وغمره الجهل وأصل الغمرة من الغمر وهو السيد الكثير العطاء، لانه يغمر بعطائه، والغمر الفرس الكثير الجري، لانه يغمر بحريه، والغمر الذي لم يجرب الأمور والغمر الحقد والغمرة رائحة الزهومة في اليد، وغمار الناس مجتمعهم، وغمرة المرأة ما تطلى به من الطيب وغيره مما يحسن اللون. والغمر القدح الصغير، والغمر النبت الصغار، لانه تغمره الكبار والمعنى ان هؤلاء الكفار لجهلهم بما يجب عليهم معرفته ساهون عما يلزمهم العلم به أي غافلون عن الحق متعامون عنه {يسألون أيان يوم الدين} يعني يسأل هؤلاء الكفار الذين وصفهم بالجهل والغمرة: متى يوم الجزاء؟! على وجه الانكار لذلك لا على وجه الاستفادة لمعرفته، فاجيبوا بما يسوءهم من الحق الذي لا محالة انه نازل بهم فقيل {يوم هم على النار يفتنون} أي يحرقون بالنار ويعذبون فيها وأصل الفتنة تخليص الذهب باحراق الغش الذى فيه، فهؤلاء يفتنون بالاحراق كما يفتن الذهب. ومنه قوله {أية : وفتناك فتوناً} تفسير : أى أخلصناك للحق، ورجل مفتون بالمرءة أى مخلص بحبها، وهي صفة ذم، {وفتناهم} أى اختبرناهم بما يطلب به خلاصهم للحق. وقيل: يفتنون أى يحرقون، كما يفتن الذهب في النار - في قول مجاهد والضحاك - وقوله {يوم هم} يصلح أن يكون في موضع رفع، لانك أضفته إلى شيئين، ويصلح فيه النصب على الظرف والبناء، وكله على جواب {أيان} وقوله {ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون} معناه انه يقال للكفار الذين يعذبون بها هذا الذي كنتم به تستعجلون فى دار التكليف إستبعاداً له، فقد حصلتم الآن فيه وعرفتم صحته.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} ذرت الرّياح التّراب والهشيم واذرت وذرّت بالتّشديد اطارته، والمراد الرّياح او النّساء الّتى تذرو الاولاد، او الاسباب الّتى تذرو الخلائق من الملائكة وغيرهم.
الأعقم
تفسير : {والذاريات} وهي جمع ذارية وهي ذرت التراب إذا طيرته، وهو الريح الوسط فإذا زادت فهي عاصف، سُئِل أمير المؤمنين وهو يخطب على المنبر ما {الذاريات ذرواً}؟ قال: "الرياح" {فالحاملات وقراً} قال: "السحاب" {فالجاريات يسراً} قال: "السفن" {فالمقسمات أمراً} قال: "الملائكة"، وقيل: الذاريات الرياح تحمل السحاب التي قد أوقرها بثقله من بلد إلى بلد، {والجاريات يسراً} قيل: السحاب تجري بما يسّر الله لها، {فالمقسمات أمراً} الملائكة يقسمون ما كلفها الله تعر من أرزاق العباد، وقيل: المقسمات أيضاً الرياح تقسم المطر فيصيب قوماً دون قوم وبلداً دون بلد {إنَّما توعدون} من الثواب والعقاب {لصادق} أي بصدق {وإن الدين} قيل: الجزاء، وقيل: الحساب {لواقع} كائن لا محالة {والسماء ذات الحبك} قيل: اقسم بنفس السماء لما فيها من الدلائل على صانع قادر عالم وما فيها من عجائب الصنعة، وقيل: القسم برب السماء ذات الحبك، قيل: ذات الخلق الحسن المستوي، وقيل: ذات الزينة، وقيل: ذات الطرائق {إنكم لفي قول مختلف} في الدين، وقيل: في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون: شاعر ساحر كذّاب مجنون، وقيل: في البعث، وقيل: في القرآن {يؤفك عنه من أفك} يصرف عن الحق من أفك وقيل: الصارف علماء السوء وأئمة الضلال ورؤساء البدع لأن القوم تبع لهم {قتل الخرّاصون} لُعِنَ الكذابون، وقيل: المرتابون، وقيل: الكهنة {الذين هم في غمرة ساهون} {يسألون أيان يوم الدين} يعني متى يوم الدين وهو وقت الجزاء إنكارٌ واستهزاء فقال تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} أي يعذبون ويحرقون وتقول لهم الخزنة: {ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون}.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الذاريات، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} أي: الرياح. قال الله عز وجل: (أية : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) تفسير : [الكهف:45]. وذروها جريها. قال عز وجل: (أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ) تفسير : [سورة ص:36]. قوله عز وجل: {فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا} أي السحاب [تحمل الوقر من الماء] قال: (أية : حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً) تفسير : [الأعراف:57] أي: التي فيها الماء. قوله عز وجل: {فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا} أي: السفن تجري بتيسير الله. كقوله: (أية : حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) تفسير : [يونس:22] وكقوله: (أية : حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) تفسير : [الحاقة:11]. قوله عز وجل: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا}، أي الملائكة. ذكر بعضهم قال: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً}: الرياح، {فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً}: السحاب، {فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً}: السفن، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}: الملائكة. وهذا قسم، أقسم بهذا كله.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالذَّارِيَاتِ} أي والرياح التى تذر التراب وغيره* {ذَرْواً} أي تهب به قال تذروه الرياح ويقال أيضاً تذريه ذرياً أقسم بالرياح تشريفاً لها وتنبيهاً عليها ودلالة على الاعتبار بها فيتوصل الى التوحيد ويحتمل أن يريد النساء اللاتي يلدن فانهن يذرين الأولاد والأشياء التى تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم وعن بعضهم ان الذاريات الرياح اجماعاً وبه أجاب عليّ نصرانياً سأل عنها وسكن أبو عمرو وحمزة التاء وأدغماها في الذال بعدها بعد قلبها ذالاً
اطفيش
تفسير : أقسم الله عز وجل بالرياح تذرو التراب وغيره، كما قال الله سبحانه وتعالى، {أية : تذروه الرياح} تفسير : [الكهف: 45] أى تحمله وتفرقه، وذلك باعلال اللام فى الذاريات، وتعليقها فى ذرواً، كما يقال: ذرت الريح التراب مثلا بالتضعيف، وتصحيح اللام أى حملته وفرقته.
الالوسي
تفسير : أي الرياح التي تذرو التراب وغيره من ذرا المعتل بمعنى فرق وبدد ما رفعه عن مكانه. {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } أي حملاً وهي السحب الحاملة للمطر. {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً } أي جرياً سهلاً إلى حيث سيرت وهي السفن. {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً} هي الملائكة الذين يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به. وتفسير كل بما فسر به قد صح روايته من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه، وفي بعض الروايات أن ابن الكواء سأله عن ذلك وهو رضي الله تعالى عنه يخطب على المنبر فأجاب بما ذكر، وفي بعض الأخبار ما يدل على أنه تفسير مأثور عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. أخرج البزار والدارقطني في «الأفراد» وابن مردويه وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: «جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: أخبرني عن {وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً} قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن {ٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} قال: هي السحاب ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن {ٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} قال: هي السفن ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن {ٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} قال: هي الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله ما قلته ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبـي موسى الأشعري امنع الناس من مجالسته فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئاً فكتب إلى عمر رضي الله تعالى عنه ما إخاله إلا قد صدق فخلى بينه وبين مجالسة الناس». ويدل هذا أن الرجل لم يكن سليم القلب وأن سؤاله لم يكن طلباً للعلم وإلا لم يصنع به عمر رضي الله تعالى عنه ما صنع. وفي رواية عن ابن عباس أن الحاملات هي السفن الموقرة بالناس وأمتعتهم، وقيل: هي الحوامل من جميع الحيوانات، وقيل: الجاريات السحب تجري وتسير إلى حيث شاء الله عز وجل، وقيل: هي الكواكب / التي تجري في منازلها وكلها لها حركة وإن اختلفت سرعةً وبطأً كما بين في موضعه، وقيل: هي الكواكب السبعة الشهيرة وتسمى السيارة. وقيل: {ٱلذَّارِيَاتِ} النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد كأنه شَبَّه تتابع الأولاد بما يتطاير من الرياح، وباقي المتعاطفات على ما سمعت أولاً، وقيل: {ٱلذَّارِيَاتِ} هي الأسباب التي تذري الخلائق على تشبيه الأسباب المعدة للبروز من العدم بالرياح المفرقة للحبوب ونحوها، وقيل: الحاملات الرياح الحاملة للسحاب، وقيل: هي الأسباب الحاملة لمسبباتها مجازاً، وقيل: الجاريات الرياح تجري في مهابها، وقيل: المقسمات السحب يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد. وقيل: هي الكواكب السبعة السيارة وقول باطل لا يقول به إلا من زعم أنها مدبرة لعالم الكون والفساد، وفي «صحيح البخاري» عن قتادة « حديث : خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأوّل فيها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا يعلم » تفسير : وزاد رزين « حديث : وما لا علم له به وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة » تفسير : وعن الربيع مثله وزاد « حديث : والله ما جعل الله تعالى في نجم حياة أحد ولا رزقه ولا موته وإنما يفترون على الله تعالى الكذب ويتعللون بالنجوم » تفسير : ذكره صاحب «جامع الأصول»، وقد مر الكلام في إبطال ما قاله المنجمون مفصلاً فتذكر، ولعله سيأتي إن شاء الله تعالى شيء من ذلك. وجوز أن يراد بالجميع الرياح فإنها كما تذر وما تذروه تثير السحاب وتحمله، وتجري في الجوّ جرياً سهلاً وتقسم الأمطار بتصريف السحاب في الأقطار، والمعول عليه ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه سامعاً له من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه على المنبر، وإليه كما نقل عن الزجاج ذهب جميع المفسرين أي المعتبرين، وقول الإمام بعد نقله له عن الأمير: الأقرب أن تحمل هذه الصفات الأربع على الرياح جسارة عظيمة على ما لا يسلم له، وجهل منه بما رواه ابن المسيب من الخبر الدال على أن ذلك تفسير النبـي صلى الله عليه وسلم فأين منه الإمام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقول صاحب «الكشف»: إنه شديد الطباق للمقام ولذا آثره الإمام لا أسلمه له أيضاً إذا صح الحديث ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات كما في المعول عليه فالفاء للترتيب في الأقسام ذكراً ورتبة باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على كمال قدرته عز وجل، وهذا التفاوت إما على الترقي أو التنزل لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه وأدنى من آخر إذا نظر لها ذو نظر صحيح، وقيل: الترتيب بالنظر إلى الأقرب فالأقرب منا، وإن حملت على واحد وهو الرياح فهي لترتيب الأفعال والصفات إذ الريح تذر الأبخرة إلى الجو أولاً حتى تنعقد سحاباً فتحمله ثانياً وتجري به ثالثاً ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله تعالى ثم تقسم أمطاره، وقيل: إذا حملت الذاريات والحاملات على النساء، فالظاهر أنها للتفاوت في الدلالة على كمال القدرة فتدبر. ونصب {ذَرْواً} على أنه مفعول مطلق، و{وِقْراً} على أنه مفعول به، وجوز الإمام أن يكون من باب ضربته سوطاً، و {يُسْراً} على أنه صفة مصدر محذوف بتقدير مضاف أي جرياً ذا يسر، أو على أنه حال أي ميسرة كما نقل عن سيبويه، و {أمْراً} على أنه مفعول به وهو واحد الأمور، وقد أريد به الجمع ولم يعبر به لأن الفرد أنسب برؤوس الآي مع ظهور الأمر، وقيل: على أنه حال أي مأمورة، والمفعول به محذوف أو الوصف منزل منزلة اللازم أي تفعل التقسيم مأمورة. وقرأ أبو عمرو وحمزة {وَٱلذٰرِيَـٰتِ ذَرْواً} بإدغام التاء في الذال، وقرىء {وَقْراً} بفتح الواو على أنه مصدر وقره إذا حمله كما أفاده كلام الزمخشري وناهيك / به إماماً في اللغة، وعلى هذا هو منصوب على أنه مفعول به أيضاً على تسمية المحمول بالمصدر أو على أنه مفعول مطلق ـ لحاملات ـ من معناها كأنه قيل: فالحاملات حملاً. وقوله تعالى شأنه: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ}
سيد قطب
تفسير : هذه السورة ذات جو خاص. فهي تبدأ بذكر قوى أربعة.. من أمر الله.. في لفظ مبهم الدلالة، يوقع في الحس لأول وهلة أنه أمام أمور ذات سر. يقسم الله - تعالى على أمر: {والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا. إن ما توعدون لصادق. وإن الدين لواقع}.. والذاريات. والحاملات. والجاريات. والمقسمات.. مدلولاتها ليست متعارفة، وهي غامضة تحتاج إلى السؤال والاستفسار، كما أنها بذاتها تلقي في الحس ذلك الظل. ولعله هو المقصود الأول منها في جو هذه السورة. وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء: {والسماء ذات الحبك}.. يقسم بها الله تعالى. على أمر: {إنكم لفي قول مختلف}.. لا استقرار له ولا تناسق فيه، قائم على التخرصات والظنون، لا على العلم واليقين.. هذه السورة: بافتتاحها على هذا النحو، ثم بسياقها كله، تستهدف أمراً واضحاً في سياقها كله.. ربط القلب البشري بالسماء؛ وتعليقه بغيب الله المكنون؛ وتخليصه من أوهاق الأرض، وإطلاقه من كل عائق يحول بينه وبين التجرد لعبادة الله، والانطلاق إليه جملة، والفرار إليه كلية، استجابة لقوله في السورة: {ففروا إلى الله}.. وتحقيقاً لإرادته في عباده: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.. ولما كان الانشغال بالرزق وما يخبئه القدر عنه هو أكثف تلك العوائق وأشدها فقط عني في هذه السورة بإطلاق الحس من إساره، وتطمين النفس من جهته، وتعليق القلب بالسماء في شأنه، لا بالأرض وأسبابها القريبة. وتكررت الإشارة إلى هذا الأمر في السورة في مواضع متفرقة منها. إما مباشرة كقوله: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}.. {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}.. وإما تعريضاً كقوله يصور حال عباده المتقين مع المال: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}.. ووصفه لجود إبراهيم وسخائه وهو يقري ضيوفه القلائل - أو من حسبهم ضيوفه من الملائكة - بعجل سمين، يسارع به إليهم عقب وفودهم إليه، وبمجرد إلقاء السلام عليه، وهو لم يعرفهم إلا منذ لحظة! فتخليص القلب من أوهاق الأرض، وإطلاقه من إسار الرزق، وتعليقه بالسماء، ترف أشواقه حولها، ويتطلع إلى خالقها في علاه، بلا عائق يحول بينه وبين الانطلاق، ويعوقه عن الفرار إلى الله. هو محور السورة بكل موضوعاتها وقضاياها التي تطرقها. ومن ثم كان هذا الافتتاح، وكان ذلك الإيقاع الغامض في أولها، وكان القسم بعده بالسماء، وكان تكرار الإشارة إلى السماء أيضاً.. وفي هذا كانت صورة المتقين التي يرسمها في مطلع السورة: {إن المتقين في جنات وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}.. فهي صورة التطلع إلى الله، والتجرد له، والقيام في عبادته بالليل، والتوجه إليه في الأسحار. ومع إرخاص المال، والتخلص من ضغطه، وجعل نصيب السائل والمحروم حقاً فيه. وفي هذا كان التوجيه إلى آيات الله في الأرض وفي الأنفس مع تعليق القلوب بالسماء في شأن الرزق، لا بالأرض وما فيها من أسبابه القريبة: {وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون. وفي السماء رزقكم وما توعدون}.. وفي هذا كانت الإشارة إلى بناء الله للسماء على سعة، وتمهيده للأرض في يسر، وخلقه ما فيها من أزواج، والتعقيب على هذا كله بالفرار إلى الله: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون. ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين}.. وفي هذا كان الإيقاع الأخير البارز في السورة، عن إرادة الله سبحانه في خلق الجن والإنس، ووظيفتهما الرئيسية الأولى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}.. فهو إيقاع واحد مطرد. ذو نغمات متعددة. ولكنها كلها تؤلف ذلك الإيقاع، وتطلق ذلك الحداء. الحداء بالقلب البشري إلى السماء! وقد وردت إشارات سريعة إلى حلقة من قصة إبراهيم ولوط، وقصة موسى، وقصة عاد، وقصة ثمود، وقصة قوم نوح، وفي الإشارة إلى قصة إبراهيم تلك اللمحة عن المال؛ كما أن فيها لمحة عن الغيب المكنون في تبشيره بغلام عليم، ورزقه هو وامرأته به على غير ما توقع ولا انتظار. وفي بقية القصص إشارة إلى تصديق وعد الله الذي أقسم عليه في أول السورة: {إن ما توعدون لصادق} والذي أشار إليه في ختامها إنذاراً للمشركين: {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون}.. بعد ما ذكر أن أجيال المكذبين كأنما تواصت على التكذيب: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون. أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون!}.. فالقصص في السورة - على هذا النحو - مرتبط بموضوعها الأصيل. وهو تجريد القلب لعبادة الله، وتخليصه من جميع العوائق، ووصله بالسماء. بالإيمان أولاً واليقين. ثم برفع الحواجز والشواغل دون الرفرفة والانطلاق إلى ذلك الأفق الكريم. {والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا.. إن ما توعدون لصادق، وإن الدين لواقع}.. هذه الإيقاعات القصيرة السريعة، بتلك العبارات الغامضة الدلالة، تلقي في الحس - كما تقدم - إيحاء خاصاً، وتلقي ظلاً معيناً، يعلق القلب بأمر ذي بال، وشأن يستحق الانتباه. وقد احتاج غير واحد في العهد الأول أن يستفسر عن مدلول الذاريات، والحاملات، والجاريات، والمقسمات.. قال ابن كثير في التفسير: قال شعبة بن الحجاج، عن سماك بن خالد بن عرعرة، أنه سمع علياً - رضي الله عنه - وشعبة أيضاً عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، أنه سمع علياً - رضي الله عنه - وثبت أيضاً من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا عن سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنبأتكم بذلك. فقام ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى: {والذاريات ذروا}؟ قال علي - رضي الله عنه: الريح. قال: {فالحاملات وقرا}؟ قال - رضي الله عنه -: السحاب. قال: {فالجاريات يسرا}؟ قال - رضي الله عنه -: السفن. قال: {فالمقسمات أمرا}؟ قال - رضي الله عنه -: الملائكة. وجاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فسأله عنها فأجابه بمثل ما روي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وقد أحس عمر - رضي الله عنه - أنه يسأل عنها تعنتاً وعناداً فعاقبه ومنعه من مجالسة الناس حتى تاب وحلف بالأيمان المغلظة: ما يجد في نفسه مما يجد شيئاً.. وهذه الرواية تشي كذلك بأن غموض مدلولات هذه التعبيرات هو الذي جعل المتعنتين يستترون وراءها ويسألون عنها! وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد؛ ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك (كما قال ابن كثير). أقسم الله - سبحانه - بالرياح التي تذرو ما تذروه من غبار وحبوب لقاح وسحب وغيرها مما يعلم الإنسان وما يجهل. وبالسحاب الحاملات وقراً من الماء يسوقها الله به إلى حيث يشاء. وبالسفن الجاريات في يسر على سطح الماء بقدرته وبما أودع الماء وأودع السفن وأودع الكون كله من خصائص تسمح بهذا الجريان اليسير. ثم بالملائكة المقسمات أمراً، تحمل أوامر الله وتوزعها وفق مشيئته، فتفصل في الشؤون المختصة بها، وتقسم الأمور في الكون بحسبها. والريح والسحاب والسفن والملائكة خلق من خلق الله، يتخذها أداة لقدرته، وستاراً لمشيئته، ويتحقق عن طريقها قدر الله في كونه وفي عباده. وهو يقسم بها - سبحانه - للتعظيم من شأنها، وتوجيه القلوب إليها، لتدبر ما وراءها من دلالة؛ ولرؤية يد الله وهي تنشئها وتصرفها وتحقق بها قدر الله المرسوم. وذكرها على هذه الصورة بصفة خاصة يوجه القلب إلى أسرارها المكنونة؛ ويعلقه بمبدع هذه الخلائق من وراء ذكرها هذا الذكر الموحي. ثم لعل لها كذلك صلة من ناحية أخرى بموضوع الرزق، الذي يعنى سياق هذه السورة بتحرير القلب من أوهاقه، وإعفائه من أثقاله. فالرياح والسحب والسفن ظاهرة الصلة بالرزق ووسائله وأسبابه. أما الملائكة وتقسيمها للأمر، فإن الرزق أحد هذه القسم. ومن ثم تتضح الصلة بين هذا الافتتاح وموضوع بارز تعالجه السورة في مواضع شتى. يقسم الله - سبحانه - بهذه الخلائق الأربع على: {إن ما توعدون لصادق. وإن الدين لواقع}.. وقد وعد الله الناس: أنه مجازيهم بالإحسان إحساناً، ومجازيهم بالسوء سوءاً. وأنه إذا أمهلهم الحساب في الأرض، فليس بمهمل حسابهم في الآخرة فالحساب لا بد منه هناك! {وإن الدين لواقع}.. فالوعد صادق حتماً إما هنا وإما هناك.. ومما وعدهم كذلك الرزق وكفالته لهم مبسوطاً أو مقدراً - وفق مشيئته ـ ووعده حق في هذا كما هو حق في كل شأن. ولا بد أن يتحقق ما وعد الله به الناس في الصورة التي يريدها، وفي الوقت الذي يريده، وما يحتاج الأمر إلى قسم منه - سبحانه - إنما يقسم بخلائقه تلك لتوجيه القلب إليها - كما تقدم - وتدبر ما وراءها من إبداع وقدرة وتدبير يوحي للقلب بأن وعد الله - بارئ هذه الخلائق بهذا النظام وهذا التقدير - لا بد صادق؛ وأن حسابه على الخير والشر والصلاح والفساد لا بد واقع. فإن طبيعة هذه الخلائق توحي بأن الأمر ليس عبثاً ولا مصادفة ولا جزافاً.. وهكذا تصبح تلك الخلائق آيات وبراهين ذات دلالة إيحائية قوية بفضل هذا القسم الذي يلفت القلب إليها لفتاً، ويوجه الحس إليها توجيهاً. فهي طريقة من طرق الإيحاء والتربية. ومخاطبة الفطرة بلغة الكون خطاباً مباشراً! والقسم الثاني كذلك.. {والسماء ذات الحبك، إنكم لفي قول مختلف، يؤفك عنه من أفك}.. يقسم بالسماء المنسقة المحكمة التركيب. كتنسيق الزرد المتشابك المتداخل الحلقات.. وقد تكون هذه إحدى هيئات السحب في السماء حين تكون موشاة كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح. وقد يكون هذا وضعاً دائماً لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة. يقسم بالسماء المنسقة المحبوكة على أنهم في قول مختلف، مضطرب لا قوام له ولا قرار، ولا ثبات له ولا استقرار، يصرف عنه من صرف ويبقى عليه من بقي، فلا استقرار عليه ولا توافق ولا ثبات. بل الحيرة دائمة والقلق لا يزال. وكذلك الباطل دائماً أرض مرجرجة مهتزة؛ وتيه لا معالم فيه ولا نور؛ وهو يتأرجح ولا يفيء إلى أصل ثابت، ولا ميزان دقيق. ولا يجتمع عليه أهله إلا لينصرفوا ويتفرقوا بعد حين؛ ويدب الخلاف بينهم والشقاق.. ويتضح اضطرابهم واختلافهم وما هم فيه من الأمر المريج: حين يعرض في ظل السماء ذات الحبك المنسقة التركيب. ثم يستطرد فيقرر أنهم يعيشون في أوهام وظنون في أمر الآخرة، لا يستندون فيها إلى حق أو يقين. فهم في قول مختلف في هذا الحق المبين. ثم يصور لهم ذلك اليوم في مشهد حي تتملاه العيون: {قتل الخراصون. الذين هم في غمرة ساهون. يسألون: أيان يوم الدين؟ يوم هم على النار يفتنون. ذوقوا فتنتكم، هذا الذي كنتم به تستعجلون}.. والخرص: الظن والتقدير الجزاف الذي لا يقوم على ميزان دقيق. والله - سبحانه - يدعو عليهم بالقتل. فيا للهول! ودعوة الله عليهم بالقتل قضاء بالقتل! {قتل الخراصون} ويزيد أمرهم وضوحاً: {الذين هم في غمرة ساهون} فهم مغمورون بالأضاليل والأوهام لا يفيقون ولا يستيقظون. والتعبير يلقي ظلاً خاصاً، يصور القوم مغمورين ساهين لا يشعرون بشيء مما حولهم ولا يتبينون. كأنهم سكارى مذهولون! ذلك أنهم لا يتبينون الأمر الواضح، الذي يراه ويوقن به كل واع غير مذهول؛ فهم {يسألون: أيان يوم الدين}؟ يسألون هكذا، لا طلباً للعلم والمعرفة، ولكن استنكاراً وتكذيباً، واستعباداً لمجيئه، يعبر عنه لفظ {أيان} المقصود! ومن ثم يعاجلهم بمشهدهم في هذا اليوم الذي يستبعدونه ويستنكرونه؛ وهم يحرقون بالنار كحرق المعدن لتمييز حقيقته: {يوم هم على النار يفتنون}! ومعه التبكيت المؤلم في الموقف العصيب: {ذوقوا فتنتكم. هذا الذي كنتم به تستعجلون}.. فهذه المعاجلة هي الجواب اللائق بهذا التساؤل. وهذا العنف في المشهد هو المقابل للذهول والسهوة التي يعيش فيها الخراصون. وهو مصداق دعوة الله عليهم بالقتل في أشد صوره وأعنفها: يوم هم على النار يفتنون! وعلى الضفة الأخرى وفي الصفحة المقابلة يرتسم مشهد آخر، لفريق آخر، فريق مستيقن لا يخرص؛ تقي لا يتبجح؛ مستيقظ يعبد ويستغفر، ولا يقضي العمر في غمرة وذهول: {إن المتقين في جنات وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}.. فهذا الفريق. فريق المتقين. الأيقاظ. الشديدي الحساسية برقابة الله لهم، ورقابتهم هم لأنفسهم. هؤلاء {في جنات وعيون}.. {آخذين ما آتاهم ربهم} من فضله وإنعامه، جزاء ما أسلفوا في الحياة الدنيا من عبادة لله كأنهم يرونه، ويقين منهم بأنه يراهم: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين}.. ويصور إحسانهم صورة خاشعة، رفافة حساسة: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون}.. فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام، المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلاً، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا. يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام! قال الحسن البصري: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون}.. كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر،حتى كان الاستغفار بسحر. وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون}.. كانوا لا ينامون إلا قليلاً. ثم يقول: لست من أهل هذه الآية! وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول عرضت عملي على عمل أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بوناً بعيداً، إذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله مكذبون بكتاب الله وبرسل الله مكذبون بالبعث بعد الموت. فقد وجدت من خيرنا منزلة قوماً خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا. ذكر الله تعالى قوماً فقال: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون}. ونحن والله قليلاً من الليل ما نقوم! فقال له أبي - رضي الله عنه -: طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ. فهي حال يتطلع إليها رجال من التابعين - ذوي المكانة في الإيمان واليقين - ويجدون أنفسهم دونها. اختص بها ناس ممن اختارهم الله، ووفقهم إلى القيام بحقها. وكتبهم بها عنده من المحسنين. وهذه حالهم مع ربهم، فأما حالهم مع الناس، وحالهم مع المال، فهو مما يليق بالمحسنين: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}.. فهم يجعلون نصيب السائل الذي يسأل فيعطى، ونصيب المحروم الذي يسكت ويستحي فيحرم. يجعلون نصيب هذا وهذا حقاً مفروضاً في أموالهم. وهم متطوعون بفرض هذا الحق غير المحدود. وهذه الإشارة تتناسق مع علاج السورة لموضوع الرزق والمال، لتخليص القلب من أوهاق الشح وأثقال البخل وعوائق الانشغال بالرزق. وتمهد للمقطع التالي في السورة، في الوقت الذي تكمل سمة المتقين وصورة المحسنين. {وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟ وفي السماء رزقكم وما توعدون. فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون}.. وهي لفتة إلى آيات الله في الأرض وفي الأنفس؛ وتوجيه إلى السماء في شأن الرزق المكتوب والحظ المقدور. تختم بقسم عظيم. قسم الله - سبحانه - بذاته بوصفه: {رب السماء والأرض} اللتين ورد ذكرهما في هذا المقطع. على أن هذا القول الذي جاءهم من عنده حق يقين.. {وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون}؟.. هذا الكوكب الذي نعيش عليه معرض هائل لآيات الله وعجائب صنعته. معرض لم نستجل منه حتى اللحظة إلا القليل من بدائعه. ونحن نكشف في كل يوم جديداً منه، ونطّلع منه على جديد.. ومثل هذا المعرض، معرض آخر مكنون فينا نحن.. النفس الإنسانية.. الخفية الأسرار، التي تنطوي فيها أسرار هذا الوجود كله، لا أسرار الكوكب الأرضي وحده! وإلى هذين المعرضين الهائلين تشير الآيتان تلك الإشارة المختصرة، التي تفتح هذين المعرضين على مصاريعهما لمن يريد أن يبصر، ولمن يريد أن يستيقن، ولمن يريد أن يملأ حياته حتى تفيض بالمتعة والمسرة، وبالعبرة الحية، وبالرصيد القيم من المعرفة الحقة، التي ترفع القلوب وتضاعف الأعمار! والنصوص القرآنية معدة للعمل في جميع الأوساط والبيئات والظروف والأحوال. قادرة على إعطاء رصيد معين لكل نفس ولكل عقل ولكل إدراك. كل بقدر ما يتقبل منها وما يطيق. وكلما ارتقى الإنسان في المعرفة، واتسعت مداركه، وزادت معلوماته، وكثرت تجاربه، واطلع على أسرار الكون وأسرار النفس.. ارتقى نصيبه، وتضخم رصيده، وتنوع زاده الذي يتلقاه من نصوص القرآن.. هذا الكتاب الذي "لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد" كما يقول عنه النبي الذي تلقاه واستوعب أسراره، وعاش بها. يقول عن تجربة حية وجدها في نفسه فعبر عنها ذلك التعبير - صلوات الله وسلامه عليه -. ولقد وجد الذين سمعوا هذا القرآن أول مرة من آيات الله في الأرض وآياته في النفس، نصيبهم، وتسلموا رصيدهم، وفق معارفهم وتجاربهم وإشراقات نفوسهم. ووجد كذلك كل جيل أتى بعدهم نصيباً يناسب ما تفتح له من أنواع العلوم والمعارف والتجارب. ونجد نحن نصيبنا وفق ما اتسع لنا من رقعة العلم والمعرفة والتجريب، وما تكشف لنا من أسرار لا تنفد في هذا الكون الكبير. وستجد الأجيال بعدنا نصيبها مدخراً لها من الآيات التي لم تكشف لنا بعد في الأرض والنفس. ويبقى هذان المعرضان الإلهيان الهائلان حافلين بكل عجيب وجديد إلى آخر الزمان. هذه الأرض. هذا الكوكب المعد للحياة، المجهز لاستقبالها وحضانتها بكل خصائصه، على نحو يكاد يكون فريداً في المعروف لنا في محيط هذا الكون الهائل، الحافل بالنجوم الثوابت والكواكب السيارة. التي يبلغ عدد المعروف منها فقط - والمعروف نسبة لا تكاد تذكر في حقيقة الكون - مئات الملايين من المجرات التي تحوي الواحدة منها مئات الملايين من النجوم. والكواكب هي توابع هذه النجوم! ومع هذه الأعداد التي لا تحصى فإن الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته. ولو اختلت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكثيرة جداً لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها.. لو تغير حجمها صغراً أو كبراً، لو تغير وضعها من الشمس قرباً أو بعداً. لو تغير حجم الشمس ودرجة حرارتها. لو تغير ميل الأرض على محورها هنا أو هنا. لو تغيرت حركتها حول نفسها أو حول الشمس سرعة أو بطأ. لو تغير حجم القمر - تابعها - أو بعده عنها. لو تغيرت نسبة الماء واليابس فيها زيادة أو نقصاً... لو. لو. لو... إلى آلاف الموافقات المعروفة والمجهولة التي تتحكم في صلاحيتها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته. أليست هذه آية أو آيات معروضة في هذا المعرض الإلهي؟ ثم. هذه الأقوات المذخورة في الأرض للأحياء التي تسكنها. تسكن سطحها، أو تسبح في أجوائها، أو تمخر ماءها، أو تختبئ في مغاورها وكهوفها، أو تختفي في مساربها وأجوافها.. هذه الأقوات الجاهزة المركبة والبسيطة والقابلة للوجود في شتى الأشكال والأنواع لتلبي حاجة هذه الأحياء التي لا تحصى، ولا تحصى أنواع غذائها أيضاً.. هذه الأقوات الكامنة في جوفها، والساربة في مجاريها، والسابحة في هوائها، والنابتة على سطحها، والقادمة إليها من الشمس ومن عوالم أخرى بعضها معروف وبعضها مجهول، ولكنها تتدفق وفق تدبير المشيئة المدبرة التي خلقت هذا المحضن لهذا النوع من الحياة، وجهزته بكل ما يلزم للأنواع الكثيرة التي لا تحصى. وتنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها، حيثما امتد الطرف، وحيثما تنقلت القدم. وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد: من وهاد وبطاح، ووديان وجبال؛ وبحار وبحيرات، وأنهار وغدران. وقطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان.. وكل مشهد من هذه المشاهد تتناوله يد الإبداع والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير. ويمر به الإنسان وهو ممحل فإذا هو مشهد، ويمر به وهو ممرع فإذا هو مشهد آخر. ويراه وهو نبت خضر فإذا هو مشهد، ويراه إبان الحصاد حين يهيج ويصفر فإذا هو مشهد آخر. وهو هو لم ينتقل باعاً ولا ذراعاً في المكان! والخلائق التي تعمر هذه الأرض من الأحياء. نباتاً وحيواناً. وطيراً وسمكاً، وزواحف وحشرات.. بله الإنسان فالقرآن يفرده بنص خاص.. هذه الخلائق التي لم يعرف عدد أنواعها وأجناسها بعد - فضلاً على إحصاء أعدادها وأفرادها وهو مستحيل - وكل خليقة منها أمة! وكل فرد منها عجيبة. كل حيوان. كل طائر. كل زاحفة. كل حشرة. كل دودة. كل نبتة: لا بل كل جناح في يرقة، وكل ورقة في زهرة، وكل قصبة في ورقة! في ذلك المعرض الإلهي العجيب الذي لا تنقضي عجائبه. ولو مضى الإنسان - بل لو مضى الأناسي جميعاً - يتأملون هكذا ويشيرون مجرد إشارة إلى ما في الأرض من عجائب، وإلى ما تشير إليه هذه العجائب من آيات، ما انتهى لهم قول ولا إشارة. والنص القرآني ما يزيد على أن يوقظ القلب البشري للتأمل والتدبر، واستجلاء العجائب في هذا المعرض الهائل، طوال الرحلة على هذا الكوكب؛ والمتعة بما في هذا الاستجلاء من مسرة طوال الرحلة. غير أنه لا يدرك هذه العجائب، ولا يستمتع بالرحلة هذا المتاع، إلا القلب العامر باليقين.{وفي الأرض آيات للموقنين}.. فلمسة اليقين هي التي تحيي القلب فيرى ويدرك؛ وتحيي مشاهد الأرض فتنطق للقلب بأسرارها المكنونة، وتحدثه عما وراءها من تدبير وإبداع. وبدون هذه اللمسة تظل تلك المشاهد ميتة جامدة جوفاء؛ لا تنطق للقلب بشيء؛ ولا تتجاوب معه بشيء. وكثيرون يمرون بالمعرض الإلهي المفتوح مغمضي العيون والقلوب. لا يحسون فيه حياة، ولا يفقهون له لغة؛ لأن لمسة اليقين لم تحي قلوبهم، ولم تبث الحياة فيما حولهم! وقد يكون منهم علماء. {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}. أما حقيقتها فتظل محجوبة عن قلوبهم، فالقلوب لا تفتح لحقيقة الوجود إلا بمفتاح الإيمان، ولا تراها إلا بنور اليقين.. وصدق الله العظيم. ثم العجيبة الأخرى التي تدب على هذه الأرض: {وفي أنفسكم، أفلا تبصرون؟}.. وهذا المخلوق الإنساني هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض. ولكنه يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن الإيمان وحين يحرم نعمة اليقين. إنه عجيبة في تكوينه الجسماني: في أسرار هذا الجسد. عجيبة في تكوينه الروحي: في أسرار هذه النفس. وهو عجيبة في ظاهره وعجيبة في باطنه. وهو يمثل عناصر هذا الكون وأسراره وخفاياه: شعر : وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير. تكوين أعضائه وتوزيعها. وظائفها وطريقة أدائها لهذه الوظائف. عملية الهضم والامتصاص. عملية التنفس والاحتراق. دورة الدم في القلب والعروق. الجهاز العصبي وتركيبه وإدارته للجسم. الغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسد ونشاطه وانتظامه. تناسق هذه الأجهزة كلها وتعاونها، وتجاوبها الكامل الدقيق. وكل عجيبة من هذه تنطوي تحتها عجائب. وفي كل عضو وكل جزء من عضو خارقة تحير الألباب. وأسرار روحه وطاقاتها المعلومة والمجهولة.. إدراكه للمدركات وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها. هذه المعلومات والصور المختزنة. أين؟ وكيف؟ هذه الصور والرؤى والمشاهد كيف انطبعت؟ وأين؟ وكيف تُستدعى فتجيء.. وذلك في الجانب المعلوم من هذه القوى. فأما المجهول منها فهو أكبر وأكثر. تظهر آثاره بين الحين والحين في لمسات وإشراقات تدل على ما وراء الظاهر من المغيب المجهول. ثم أسرار هذا الجنس في توالده وتوارثه. خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص؛ وتحمل معها خصائص الأبوين والأجداد القريبين. فأين تكمن هذه الخصائص في تلك الخلية الصغيرة؟ وكيف تهتدي بذاتها إلى طريقها التاريخي الطويل، فتمثله أدق تمثيل، وتنتهي إلى إعادة هذا الكائن الإنساني العجيب؟! وإن وقفه أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته على الأرض، وهو ينفصل عن أمه ويعتمد على نفسه، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة. إن وقفة أمام هذه اللحظة وأمام هذه الحركة لتدهش العقول وتحير الألباب، وتغمر النفس بفيض من الدهش وفيض من الإيمان، لا يقف له قلب ولا يتماسك له وجدان! وإن وقفة أخرى أمام اللحظة التي يتحرك فيها لسان الوليد لينطق بهذه الحروف والمقاطع والكلمات ثم بالعبارات. بل أمام النطق ذاته. نطق هذا اللسان. وتصويت تلك الحنجرة. إنها عجيبة. عجيبة تفقد وقعها لأنها تمر بنا كثيراً. ولكن الوقوف أمامها لحظة في تدبر يجدد وقعها. إنها خارقة. خارقة مذهلة تنبئ عن القدرة التي لا تكون إلا لله. وكل جزئية في حياة هذا المخلوق تقفنا أمام خارقة من الخوارق، لا ينقضي منها العجب؛ {وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟}.. وكل فرد من هذا الجنس عالم وحده. ومرآة ينعكس من خلالها هذا الوجود كله في صورة خاصة لا تتكرر أبداً على مدار الدهور. ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعاً لا في شكله وملامحه، ولا في عقله ومداركه، ولا في روحه ومشاعره. ولا في صورة الكون كما هي في حسه وتصوره. ففي هذا المتحف الإلهي العجيب الذي يضم ملايين الملايين، كل فرد نموذج خاص، وطبعة فريدة لا تتكرر. يمر من خلالها الوجود كله في صورة كذلك لا تتكرر. كما لا توجد بصمة أصابع مماثلة لبصمة أصابع أخرى في هذه الأرض في جميع العصور! وكثير من عجائب الجنس البشري مكشوفة للبصر، تراه العيون: {وفي أنفسكم. أفلا تبصرون؟}: وما تراه العيون من عجائبه يشير إلى المغيب المكنون. وهذه العجائب لا يحصرها كتاب. فالمعلوم المكشوف منها يحتاج تفصيله إلى مجلدات. والمجهول منها ما يزال أكثر من المعلوم، والقرآن لا يحصيها ولا يحصرها. ولكنه يلمس القلب هذه اللمسة ليستيقظ لهذا المتحف الإلهي المعروض للأبصار والبصائر. وليقضي رحلته على هذا الكوكب في ملاحظة وتدبر، وفي متاع رفيع بتأمل هذا الخلق العجيب، الكامن في ذات نفسه وهو عنه غافل مشغول. وإنها للحظات ممتعة حقاً تلك التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم وعاداتهم، بعين العابد السائح الذي يجول في متحف من إبداع أحسن الخالقين. فكيف بمن يقضي عمره كله في هذا المتاع الرفيع؟ إن القرآن بمثل هذه اللمسة يخلق الإنسان خلقاً جديداً، بحس جديد؛ ويمتعه بحياة جديدة، ويهبه متاعاً لا نظير له في كل ما يتصوره في الأرض من متاع. وعلى هذا النحو الرفيع من التأمل والإدراك يريد القرآن الناس. والإيمان هو الذي يمنح القلب البشري هذا الزاد، وهو الذي يهيئ له هذا المتاع العلوي. وهو بعد في الأرض في عالم الطين! وبعد فقد كانت اللفتة الأولى إلى معرض الأرض؛ وكانت اللفتة الثانية إلى معرض النفس. ثم تلتهما في السورة لفتة إلى معرض الغيب العلوي المطوي، حيث الرزق المقسوم والحظ المرسوم: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}.. وهي لفتة عجيبة. فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض، حيث يكد فيها الإنسان ويجهد، وينتظر من ورائها الرزق والنصيب. فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء. إلى الغيب. إلى الله. ليتطلع هنالك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم. أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة، فهي آيات للموقنين. آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله؛ ويتخلص من أثقال الأرض وأوهاق الحرص، والأسباب الظاهرة للرزق، فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب. والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها؛ ويفهمها على وضعها؛ ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها. فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها. إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها، وألا يغفل عن الله في عمارتها. ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء. وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه، فرزقه مقدر في السماء، وما وعده الله لا بد أن يكون. بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض؛ بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات. حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش موصولاً قلبه بالسماء. وقدماه ثابتتان على الأرض. فهكذا يريد الله لهذا الإنسان. هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من طين ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضل على كثير من العالمين. والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته. لأنه يكون حينئذ. في الحالة التي أنشأه الله لها. فطرة الله التي فطر الناس عليها. قبل أن يتناولها الفساد والانحراف.. وبعد هذه اللمسات الثلاث في الأرض والنفس والسماء. يقسم الله سبحانه بذاته العلية على صدق هذا الحديث كله: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون}.. وكونهم ينطقون، حقيقة بين أيديهم، لا يجادلون فيها ولا يمارون، ولا يرتابون فيها ولا يخرصون.. وكذلك هذا الحديث كله. والله أصدق القائلين. وقد روى الأصمعي نادرة ذكرها الزمخشري في الكشاف، ونسوقها نحن لطرافتها - في تحفظ من جانب الرواية! - قال: "أقبلت من جامع البصرة، فطلع أعرابي على قعود له. فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل عليّ. فتلوت: {والذاريات}.. فلما بلغت قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} قال: حسبك! فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر؛ وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى! فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف؛ فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق. فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر. فسلم عليَّ واستقرأ السورة. فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: {فورب السماء والأرض إنه لحق}.. فصاح قال: يا سبحان الله. من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين! قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه".. وهي نادرة تصح أو لا تصح. ولكنها تذكرنا بجلال هذا القسم من الله سبحانه. القسم بذاته. بصفته: رب السماء والأرض. مما يزيد الحقيقة المقسم عليها جلالاً. وهي حقيقة بلا قسم ولا يمين. ذلك كان القطاع الأول في السورة. أما القطاع الثاني فيشمل تلك الإشارات إلى قصص إبراهيم، ولوط، وموسى، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوم نوح.. وهو مرتبط بما قبله، ومرتبط كذلك بما بعده في سياق السورة. {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين؟ إذ دخلوا عليه، فقالوا: سلاماً. قال: سلام قوم منكرون. فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين. فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؛ فأوجس منهم خيفة. قالوا: لا تخف، وبشروه بغلام عليم. فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها، وقالت: عجوز عقيم. قالوا: كذلك قال ربك، إنه هو الحكيم العليم. قال: فما خطبكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، لنرسل عليهم حجارة من طين. مسومة عند ربك للمسرفين. فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين. وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم}.. إنها آية أو آيات في تاريخ الرسالات. كتلك الآيات التي أشار إليها في الأرض وفي الأنفس. وإنه وعد أو وعود تتحقق من تلك الوعود التي أشار إلى تحققها في القطاع السابق. ويبدأ الحديث عن إبراهيم بالسؤال: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين؟}.. تنويهاً بهذا الحديث، وتهيئة للأذهان. مع وصف ضيف إبراهيم بالمكرمين؛ إما لأنهم كذلك عند الله؛ وإما إشارة إلى إكرام إبراهيم لهم كما ورد في القصة. ويبدو كرم إبراهيم وسخاؤه وإرخاصه للمال واضحاً. فما يكاد ضيفه يدخلون عليه ويقولون: سلاماً. ويرد عليهم السلام، وهو ينكرهم ولا يعرفهم. ما يكاد يتلقى السلام ويرده حتى يذهب إلى أهله - أي زوجه - مسارعاً ليهيئ لهم الطعام. ويجيء به طعاماً وفيراً يكفي عشرات: {فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين}.. وهم كانوا ثلاثة فيما يقال.. تكفيهم كتف من هذا العجل السمين! {فقربه إليهم. قال: ألا تأكلون؟}.. وجاء هذا السؤال بعد أن رأى أيديهم لا تصل إليه، ولا يبدو عليهم أنهم سيأكلون طعامه. {فأوجس منهم خيفة}.. إما لأن الطارئ الذي لا يأكل طعام مضيفه ينبئ عن نية شر وخيانة. وإما لأنه لمح أن فيهم شيئاً غريباً! عندئذ كشفوا له عن حقيقتهم أو طمأنوه وبشروه: {قالوا: لا تخف. وبشروه بغلام عليم}.. وهي البشارة بإسحاق من زوجه العقيم. {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها. وقالت: عجوز عقيم}.. وقد سمعت البشرى، فبغتت وفوجئت، فندت منها صيحة الدهش، وعلى عادة النساء ضربت خديها بكفيها.. وقالت عجوز عقيم. تنبئ عن دهشتها لهذه البشرى وهي عجوز. وقد كانت من الأصل عقيماً. وقد أخذتها المفاجأة العنيفة التي لم تكن تتوقعها أبداً، فنسيت أن البشرى تحملها الملائكة! عندئذ ردها المرسلون إلى الحقيقة الأولى. حقيقة القدرة التي لا يقيدها شيء، والتي تدبر كل أمر بحكمة وعلم: {قالوا: كذلك قال ربك، إنه هو الحكيم العليم}.. وكل شيء يكون إذا قيل له: كن. وقد قال الله. فماذا بعد قوله؟ إن الألفة والعادة تقيدان الإدراك البشري، وتحدان من تصوراته. فيدهش إذ يرى ما يخالف المألوف له؛ ويعجب كيف يكون؛ وقد يتبجح فينكر أن يكون! والمشيئة المطلقة ماضية في طريقها لا تتقيد بمألوف البشر الصغير المحدود؛ تبدع ما تشاء، بغير ما حدود أو قيود! عند ذلك راح إبراهيم يسأل وقد عرف حقيقة ضيفه عن شأنهم الذي أرسلوا فيه: {قال: فما خطبكم أيها المرسلون؟}.. {قالوا: انا أرسلنا إلى قوم مجرمين}.. هم قوم لوط. كما ورد في سور أخرى. {لنرسل عليهم حجارة من طين، مسومة عند ربك للمسرفين}.. وهذه الحجارة الطينية المعلمة أو المعدة المجهزة عند الله للمسرفين المتجاوزين الحق - وقوم لوط كانوا مسرفين في تجاوزهم للفطرة والحق والدين - لا يمتنع أن تكون حجارة بركان ثائر يقذف بالحمم الطيني من جوف الأرض. فهي {عند ربك} بهذا الاعتبار مسلطة - وفق إرادته ونواميسه - على من يريد من المسرفين. مقدرة بزمانها ومكانها وفق علمه وتدبيره القديم. وأن يتولى إرسالها - في إطار إرادته ونواميسه - ملائكته. وهل ندري نحن حقيقة ملائكته؟ وهل ندري حقيقة علاقتهم بهذا الكون ومن فيه وما فيه؟ وهل ندري حقيقة القوى الكونية التي نسميها من عندنا أسماء بحسب ظواهرها التي تتكشف لنا بين الحين والحين؟ وما لنا نعترض على خبر الله لنا أنه سلط بعض هذه القوى في وقت ما، لترسل بعض هذه القوى في صورة ما، على قوم ما، في أرض ما، ما لنا نعترض على خبر الله لنا، ونحن ما نزال كل ذخيرتنا من المعرفة فروض ونظريات وتأويلات لظواهر تلك القوى. أما حقيقتها فهي عنا بعيدة؟! فلتكن حجارة بركانية أو لتكن حجارة أخرى فهذه كتلك في يد الله، ومن صنعه، وسرها غيب عنده يكشفه حين يشاء! {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين}.. لإنجائهم وحمايتهم.. {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين}: هم بيت النبي لوط. كما ورد في مواضع أخرى. فكانوا هم الناجين إلا امرأته كانت من المهلكين. {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم}.. فالذين يخافون هم الذين يرون الآية ويدركونها وينتفعون بها. أما الآخرون فمطموسون لا يرون آيات الله. لا في الأرض ولا في أنفسهم ولا في أحداث التاريخ! وآية أخرى في قصة موسى، يشير إليها إشارة سريعة في معرض الآيات في تاريخ المرسلين: {وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين. فتولى بركنه وقال: ساحر أو مجنون. فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، وهو مليم}.. والسلطان المبين الذي أرسل الله به موسى إلى فرعون، هو الحجة القوية، والبرهان القاطع، وهو الهيبة الجليلة التي خلعها عليه. وهو معهما يسمع ويرى. ولكن فرعون تولى بركنه، وازور بجانبه عن الحق الواضح والبرهان القاطع؛ وقال عن موسى النبي الذي كشف له عن آيات الله الخوارق: {ساحر أو مجنون}.. مما يقطع بأن الآيات والخوارق لا تهدي قلباً لم يتأهب للهدى؛ ولا تقطع لساناً يصر على الباطل ويفتري. ولا يطيل السياق هنا في عرض تفصيلات القصة؛ فيمضي إلى نهايتها التي تتجلى فيها الآية الباقية المذكورة في التاريخ: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم}.. أي مستحقاً للوم على ما كان منه من طغيان ومن تكذيب. وواضح في التعبير فعل الله المباشر في أخذه هو وقومه، وفي نبذهم في اليم. وهو الإيقاع المقصود لإبراز آية الله في موسى. في معرض آياته في الأرض والأنفس وتاريخ الرسالات والمرسلين. وآية أخرى في عاد: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم. ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم}.. وسميت الريح التي أرسلت على عاد عقيماً لأنها لم تكن تحمل ماء ولا حياة كما توقعوا. إنما تحمل الموت والدمار. وتترك كل شيء تأتي عليه كالميت الذي رمّ وتحول إلى فتات! والريح قوة من قوى هذا الكون. وجند من جند الله. وما يعلم جنود ربك إلا هو. يرسلها - في إطار مشيئته وناموسه - في صورة ما من صورها، وفي الوقت المقدر، على من يريد، بالهلاك والدمار، أو بالحيا والحياة. ولا مكان في مثل هذه المواضع للاعتراض السطحي الساذج، بالقول بأن الريح تجري وفق نظام كوني؛ وتهب هنا أو هناك تبعاً لعوامل طبيعية. فالذي يجريها وفق ذلك النظام وتبع هذه العوامل هو الذي يسلطها على من يشاء عندما يشاء وفق تقديره وتدبيره. وهو قادر على أن يسلطها كما يريد في إطار النظام الذي قدره والعوامل التي جعلها. ولا مخالفة ولا شبهة ولا اعتراض! وآية ثالثة في ثمود: {وفي ثمود إذ قيل لهم: تمتعوا حتى حين. فعتوا عن أمر ربهم، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين}.. والإشارة في قوله: {إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين}.. قد تعني إمهالهم ثلاثة أيام بعد قتل الناقة. وهو ما ورد في الآية: {فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}.. وقد تعني ما قدر لهم من المتاع منذ الرسالة إلى أن قتلوا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، فحق عليهم الهلاك. وما يقال في الحجارة التي أرسلت على قوم لوط، وفي الريح التي أرسلت على عاد، يقال في الصاعقة التي أرسلت على ثمود. فكلها قوى كونية مدبرة بأمر الله، مسخرة بمشيئته وبنواميسه. يسلطها على من يشاء في إطار تلك النواميس. فتؤدي دورها الذي يكلفها الله. كأي جند من جند الله. وآية رابعة في قوم نوح: {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. وهي إشارة سريعة تلمس القصة لمسة واحدة بدون إيضاح. كأنما ليقال: واذكر قوم نوح. وقد وردت "قومَ" منصوبة وبدون لفظ "في" بتقدير كلمة "اذكر" قبلها. وتلتها {والسماء بنيناها..} معطوفة عليها.. وهذه آية كونية، وتلك آية تاريخية. يربطهما السياق معاً، ويربط بهما هذا القطاع بالقطاع الثالث في السورة.. {والسمآء بنيناها بأيد، وإنا لموسعون، والأرض فرشناها فنعم الماهدون، ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين. ولا تجعلوا مع الله إلـها آخر، إني لكم منه نذير مبين}.. إنها عودة إلى المعرض الكوني الذي افتتحت به السورة، في صورة من صوره الكثيرة التي يجلوها القرآن للقلوب. واستطراد في الإشارة إلى آيات الله هنا وهناك، يصل آية نوح بآية السماء وآية الأرض وآية الخلائق. ثم يخلص به إلى ذلك الهتاف بالبشر ليفروا إلى الله موحدين متجردين. {والسمآء بنيناها بأيد، وإنا لموسعون}.. والأيد: القوة. والقوة أوضح ما ينبئ عنه بناء السماء الهائل المتماسك المتناسق. بأي مدلول من مدلولات كلمة السماء. سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب. أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة وتحوي مئات الملايين من النجوم. أم تعني طبقة من طبقات هذا الفضاء الذي تتناثر فيه النجوم والكواكب.. أم غير هذا من مدلولات كلمة السماء. والسعة كذلك ظاهرة فهذه النجوم ذات الأحجام الهائلة والتي تعد بالملايين، لا تعدو أن تكون ذرات متناثرة في هذا الفضاء الرحيب. ولعل في الإشارة إلى السعة إيحاء آخر إلى مخازن الأرزاق التي قال من قبل: إنها في السماء ولو أن السماء هناك مجرد رمز إلى ما عند الله. ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالاً معينة، يبدو أنها مقصودة في التعبير، لخطاب المشاعر البشرية خطاباً موحياً. ومثلها الإشارة الأخرى إلى الأرض الممهودة المفروشة: {والأرض فرشناها. فنعم الماهدون}.. فقد أعد الله هذه الأرض لتكون مهداً للحياة كما أسلفنا. والفرش يوحي باليسر والراحة والعناية. وقد هيئت الأرض لتكون محضناً ميسراً ممهداً، كل شيء فيه مقدر بدقة لتيسير الحياة وكفالتها: {فنعم الماهدون}.. {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}.. وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض - وربما في هذا الكون. إذ أن التعبير لا يخصص الأرض - قاعدة الزوجية في الخلق. وهي ظاهرة في الأحياء. ولكن كلمة {شيء} تشمل غير الأحياء أيضاً. والتعبير يقرر أن الأشياء كالأحياء مخلوقة على أساس الزوجية. وحين نتذكر أن هذا النص عرفه البشر منذ أربعة عشر قرناً. وأن فكرة عموم الزوجية - حتى في الأحياء - لم تكن معروفة حينذاك. فضلاً على عموم الزوجية في كل شيء.. حين نتذكر هذا نجدنا أمام أمر عجيب عظيم.. وهو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكرة كل التبكير! كما أن هذا النص يجعلنا نرجح أن البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة. وهي تكاد تقرر أن بناء الكون كله يرجع إلى الذرة. وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء: موجب وسالب! فقد تكون تلك البحوث إذن على طريق الحقيقة في ضوء هذا النص العجيب. وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهائلة المدى: في أجواز السماء، وفي آماد الأرض، وفي أعماق الخلائق. يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق، متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها؛ موحدين الله الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك. {ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين. ولا تجعلوا مع الله إلـهاً آخر، إني لكم منه نذير مبين}.. والتعبير بلفظ الفرار عجيب حقاً. وهو يوحي بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق، التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها عن الانطلاق، وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال. وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود. ومن ثم يجيء الهتاف قوياً للانطلاق والتملص والفرار إلى الله من هذه الأثقال والقيود! الفرار إلى الله وحده منزهاً عن كل شريك. وتذكير الناس بانقطاع الحجة وسقوط العذر: {إني لكم منه نذير مبين}.. وتكرار هذا التنبيه في آيتين متجاورتين، زيادة في التنبيه والتحذير! وكأنما كانت هذه الإشارة إلى آية السماء وآية الأرض وآية الخليقة استطراداً مع آيات الرسالات والرسل. فلما انتهت جاء التعقيب على قصص الرسل التي سلفت في السياق: {كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون. أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون. فتول عنهم فمآ أنت بملوم. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.. فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين؛ وهو استقبال واحد للحق والرسل يستقبلهم به المنحرفون: {كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون}.. كما يقول هؤلاء المشركون! كأنما تواصوا بهذا الاستقبال على مدار القرون! وما تواصوا بشيء إنما هي طبيعة الطغيان وتجاوز الحق والقصد تجمع بين الغابرين واللاحقين! والنتيجة الطبيعية التي تترتب على هذا الموقف المكرور، الذي كأنما تواصى به الطاغون على مدار القرون، ألا يحفل الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكذيب المشركين. فهو غير ملوم على ضلالهم، ولا مقصر في هدايتهم: {فتول عنهم فمآ أنت بملوم}.. إنما هو مذكر، فعليه أن يذكر، وأن يمضي في التذكير، مهما أعرض المعرضون وكذب المكذبون: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.. ولا تنفع غيرهم من الجاحدين. والتذكير هو وظيفة الرسل. والهدى والضلال خارجان عن هذه الوظيفة، والأمر فيهما إلى الله وحده. الذي خلق الناس لأمر يريده. هنا يجيء الإيقاع الأخير في السورة. ويتضح معنى الفرار إلى الله، والتخلص من الأوهاق والأثقال، لأداء الوظيفة التي خلق الله العباد لها، ومنحهم وجودهم ليؤدوها: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}.. وإن هذا النص الصغير ليحتوي حقيقة ضخمة هائلة، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر في الأرض بدون إدراكها واستيقانها. سواء كانت حياة فرد أم جماعة. أم حياة الإنسانية كلها في جميع أدوارها وأعصارها. وإنه ليفتح جوانب وزوايا متعددة من المعاني والمرامي، تندرج كلها تحت هذه الحقيقة الضخمة، التي تعد حجر الأساس الذي تقوم عليه الحياة. وأول جانب من جوانب هذه الحقيقة أن هنالك غاية معينة لوجود الجن والإنس. تتمثل في وظيفة من قام بها وأداها فقد حقق غاية وجوده؛ ومن قصر فيها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجوده؛ وأصبح بلا وظيفة، وباتت حياته فارغة من القصد، خاوية من معناها الأصيل، الذي تستمد منه قيمتها الأولى. فقد انفلت من الناموس الذي خرج به إلى الوجود، وانتهى إلى الضياع المطلق، الذي يصيب كل كائن ينفلت من ناموس الوجود، الذي يربطه ويحفظه ويكفل له البقاء. هذه الوظيفة المعينة التي تربط الجن والإنس بناموس الوجود. هي العبادة لله. أو هي العبودية لله.. أن يكون هناك عبد ورب. عبد يَعبد، ورب يُعبد. وأن تستقيم حياة العبد كلها على أساس هذا الاعتبار. ومن ثم يبرز الجانب الآخر لتلك الحقيقة الضخمة، ويتبين أن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر. فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر؛ والله لا يكلفهم هذا. وهو يكلفهم ألواناً أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم. وقد لا نعرف نحن ألوان النشاط التي يكلفها الجن؛ ولكننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان. نعرفها من القرآن من قول الله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : فهي الخلافة في الأرض إذن عمل هذا الكائن الإنساني. وهي تقتضي ألواناً من النشاط الحيوي في عمارة الأرض، والتعرف إلى قواها وطاقاتها، وذخائرها ومكنوناتها، وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها. كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام. ومن ثم يتجلى أن معنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى، أوسع وأشمل من مجرد الشعائر؛ وأن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعاً. وأن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين: الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس. أي استقرار الشعور على أن هناك عبداً ورباً. عبداً يَعبد، ورباًّ يُعبد. وأن ليس وراء ذلك شيء؛ وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار. ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود؛ وإلا رب واحد والكل له عبيد. والثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة. التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر، ومن كل معنى غير معنى التعبد لله. بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة؛ ويصبح العمل كالشعائر، والشعائر كعمارة الأرض، وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله كالصبر على الشدائد والرضى بقدر الله.. كلها عبادة؛ وكلها تحقيق للوظيفة الأولى التي خلق الله الجن والإنس لها؛ وكلها خضوع للناموس العام الذي يتمثل في عبودية كل شيء لله دون سواه. عندئذ يعيش الإنسان في هذه الأرض شاعراً أنه هنا للقيام بوظيفة من قبل الله تعالى، جاء لينهض بها فترة، طاعة لله وعبادة له لا أرب له هو فيها، ولا غاية له من ورائها، إلا الطاعة، وجزاؤها الذي يجده في نفسه من طمأنينة ورضى عن وضعه وعمله، ومن أنس برضى الله عنه، ورعايته له. ثم يجده في الآخرة تكريماً ونعيماً وفضلاً عظيماً. وعندئذ يكون قد فر إلى الله حقاً. يكون قد فر من أوهاق هذه الأرض وجواذبها المعوقة ومغرياتها الملفتة. ويكون قد تحرر بهذا الفرار. تحرر حقيقة من الأوهاق والأثقال. وخلص لله، واستقر في الوضع الكوني الأصيل: عبداً لله. خلقه الله لعبادته. وقام بما خلق له. وحقق غاية وجوده. فمن مقتضيات استقرار معنى العبادة أن يقوم بالخلافة في الأرض، وينهض بتكاليفها، ويحقق أقصى ثمراتها؛ وهو في الوقت ذاته نافض يديه منها؛ خالص القلب من جواذبها ومغرياتها. ذلك أنه لم ينهض بالخلافة ويحقق ثمراتها لذاته هو ولا لذاتها. ولكن لتحقيق معنى العبادة فيها، ثم الفرار إلى الله منها! ومن مقتضياته كذلك أن تصبح قيمة الأعمال في النفس مستمدة من بواعثها لا من نتائجها. فلتكن النتائج ما تكون. فالإنسان غير معلق بهذه النتائج. إنما هو معلق بأداء العبادة في القيام بهذه الأعمال؛ ولأن جزاءه ليس في نتائجها، إنما جزاؤه في العبادة التي أداها.. ومن ثم يتغير موقف الإنسان تغيراً كاملاً تجاه الواجبات والتكاليف والأعمال. فينظر فيها كلها إلى معنى العبادة الكامن فيها. ومتى حقق هذا المعنى انتهت مهمته وتحققت غايته. ولتكن النتائج ما تكون بعد ذلك. فهذه النتائج ليست داخلة في واجبه ولا في حسابه، وليست من شأنه. إنما هو قدر الله ومشيئته. وهو وجهده ونيته وعمله جانب من قدر الله ومشيئته: ومتى نفض الإنسان قلبه من نتائج العمل والجهد، وشعر أنه أخذ نصيبه، وضمن جزاءه، بمجرد تحقق معنى العبادة في الباعث على العمل والجهد، فلن تبقى في قلبه حينئذ بقية من الأطماع التي تدعوا إلى التكالب والخصام على أعراض هذه الحياة. فهو من جانب يبذل أقصى ما يملك من الجهد والطاقة في الخلافة والنهوض بالتكاليف. ومن جانب ينفض يده وقلبه من التعلق بأعراض هذه الأرض، وثمرات هذا النشاط. فقد حقق هذه الثمرات ليحقق معنى العبادة فيها لا ليحصل عليها ويحتجزها لذاته. والقرآن يغذي هذا الإحساس ويقويه. بإطلاق مشاعر الإنسان من الانشغال بهمّ الرزق ومن شح النفس. فالرزق في ذاته مكفول. تكفل به الله تعالى لعباده. وهو لا يطلب إليهم بطبيعة الحال أن يطعموه - سبحانه - أو يرزقوه. حين يكلفهم إنفاق هذا المال لمحتاجيه، والقيام بحق المحرومين فيه: {مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}.. وإذن لا يكون حافز المؤمن للعمل وبذل الجهد في الخلافة هو الحرص على تحصيل الرزق. بل يكون الحافز هو تحقيق معنى العبادة، الذي يتحقق ببذل أقصى الجهد والطاقة. ومن ثم يصبح قلب الإنسان معلقاً بتحقيق معنى العبادة في الجهد، طليقاً من التعلق بنتائج الجهد.. وهي مشاعر كريمة لا تنشأ إلا في ظل هذا التصور الكريم. وإذا كانت البشرية لا تدرك هذه المشاعر ولا تتذوقها، فذلك لأنها لم تعش - كما عاش جيل المسلمين الأول - في ظلال هذا القرآن. ولم تستمد قواعد حياتها من ذلك الدستور العظيم. وحين يرتفع الإنسان إلى هذا الأفق. أفق العبادة. أو أفق العبودية. ويستقر عليه، فإن نفسه تأنف حتماً من اتخاذ وسيلة خسيسة لتحقيق غاية كريمة. ولو كانت هذه الغاية هي نصر دعوة الله وجعل كلمته هي العليا. فالوسيلة الخسيسة من جهة تحطم معنى العبادة النظيف الكريم. ومن جهة أخرى فهو لا يعني نفسه ببلوغ الغايات، إنما يعني نفسه بأداء الواجبات، تحقيقاً لمعنى العبادة في الأداء. أما الغايات فموكولة لله، يأتي بها وفق قدره الذي يريده. ولا داعي لاعتساف الوسائل والطرق للوصول إلى غاية أمرها إلى الله، وليست داخلة في حساب المؤمن العابد لله. ثم يستمتع العبد العابد براحة الضمير، وطمأنينة النفس، وصلاح البال، في جميع الأحوال. سواء رأى ثمرة عمله أم لم يرها. تحققت كما قدرها أم على عكس ما قدرها. فهو قد أنهى عمله، وضمن جزاءه، عند تحقق معنى العبادة. واستراح. وما يقع بعد ذلك خارج عن حدود وظيفته.. وقد علم هو أنه عبد، فلم يعد يتجاوز بمشاعره ولا بمطالبه حدود العبد. وعلم أن الله رب، فلم يعد يقتحم فيما هو من شؤون الرب. واستقرت مشاعره عند هذا الحد، ورضي الله عنه، ورضي هو عن الله. وهكذا تتجلى جوانب من تلك الحقيقة الضخمة الهائلة، التي تقررها آية واحدة قصيرة: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.. وهي حقيقة كفيلة بأن تغير وجه الحياة كلها عندما تستقر حقاً في الضمير.. وفي ضوء هذه الحقيقة الكبيرة ينذر الذين ظلموا فلم يؤمنوا؛ واستعجلوا وعد الله، وكذبوا. وتختم السورة بهذا الإنذار الأخير: {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم. فلا يستعجلون. فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون}..
ابن عاشور
تفسير : القَسَم المفتتح به مراد منه تحقيق المقسم عليه وتأكيد وقوعه وقد أقسم الله بعظيم من مخلوقاته وهو في المعنى قسم بقدرته وحكمته ومتضمن تشريف تلك المخلوقات بما في أحوالها من نعم ودلالةٍ على الهدى والصلاح، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله فيما أوجد فيها. والمُقْسَم بها الصفات تقتضي موصفاتها، فآل إلى القَسَم بالموصوفات لأجل تلك الصفات العظيمة. وفي ذلك إيجاز دقيق، على أن في طي ذكر الموصوفات توفيراً لما تؤذن به الصفات من موصوفات صالحة بها لتذهب أفهام السامعين في تقديرها كل مذهب ممكن. وعطف تلك الصفات بالفاء يقتضي تناسبها وتجانسها، فيجوز أن تكون صفات لجنس واحد وهو الغالب في عطف الصفات بالفاء، كقول ابن زيَّابة: شعر : يا لهف زَيابَةَ للحارث الصَـــ ـابح فالغانم فالآيب تفسير : ويجوز أن تكون مختلفة الموصوفات إلا أن موصوفاتها متقاربة متجانسة كقول امرىء القيس: شعر : بسِقط اللِوى بين الدَّخول فَحَوْمَل فتوضح فالمقراة....... تفسير : وقول لبيد: شعر : بمشارق الجبلين أو بمُحجر فتَضَّمنتْها فَردة فرُخَامها فصَوائق إن أيمنت.......... .............. البيـــت تفسير : ويكثر ذلك في عطف البقاع المتجاورة، وقد تقدم ذلك في سورة الصافات. واختلف أيمة السلف في محمل هذه الأوصاف وموصوفاتها. وأشهر ما رُوي عنهم في ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد أن {الذاريات} الرياح لأنها تذرو التراب، و{الحاملات وِقْراً}: السحاب، و{الجاريات}: السفن، و{المُقسِّمات أمراً} الملائكة، وهو يقتضي اختلاف الأجناس المقسم بها. وتأويله أن كل معطوفٍ عليه يُسبب ذكر المعطوف لالتقائهما في الجامع الخيالي، فالرياح تذكِّر بالسحاب، وحمل السحاب وِقْرَ الماء يذكر بحمل السفن، والكل يذكر بالملائكة. ومن المفسرين من جعل هذه الصفات الأربع وصفاً للرياح قاله في «الكشاف» ونقل بعضه عن الحسن واستحسنه الفخر، وهو الأنسب لعطف الصفات بالفاء. فالأحسن أن يُحمل الذرو على نشر قطع السحاب نَشراً يشبه الذرو. وحقيقة الذرو رَمي أشياء مجتمعة تُرمى في الهواء لتقع على الأرض مثل الحَب عند الزرع ومثل الصوف وأصله ذرو الرياح التراب فشبه به دفع الريح قطع السحاب حتى تجتمع فتصير سحاباً كاملاً فالذاريات تنشر السحاب ابتداء كما قال تعالى: {أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء } تفسير : [الروم: 48]. والذرو وإن كان من صفة الرياح فإنّ كون المذرو سحاباً يؤول إلى أنه من أحوال السحاب وقيل ذروها التراب وذلك قبل نَشرها السحب وهو مقدمة لنشر السحاب. ونُصب {ذَرْواً} على المفعول المطلق لإرادة تفخيمه بالتنوين، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى المفعول، أي المَذْرو، ويكون نصبه على المفعول به. و{الحاملات وقراً} هي الرياح حين تجمع السحاب وقد ثَقُل بالماء، شبه جمعها إياه بالحَمل لأن شأن الشيء الثقيل أن يحمله الحامل، وهذا في معنى قوله تعالى: {أية : ويَجْعَلُه كِسَفاً فترى الودقَ يخرج من خلاله } تفسير : [الروم: 48] الآية. وقوله: {أية : وينشىء السحاب الثِّقال } تفسير : [الرعد: 12] وقوله: {أية : ألم تر أن الله يُزْجي سحاباً ثم يُؤَلّف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله } تفسير : [النور: 43]. والوِقر بكسر الواو: الشيء الثقيل. ويجوز أن تكون الحاملات الأسحبة التي ملئت ببخار الماء الذي يصير مطراً، عطفت بالفاء على الذاريات بمعنى الرياح لأنها ناشئة عنها فكأنها هي. و{الجاريات يُسْراً}: الرياح تجري بالسحاب بعد تراكمه وقد صار ثقيلاً بماء المطر، فالتقدير: فالجاري بذلك الوقر يُسراً. ومعنى اليسر: اللِين والهُون، أي الجاريات جرياً ليّناً هيّناً شأن السير بالثقل، كما قال الأعشى: شعر : كأنّ مِشيتها من بيت جارتها مَشيُ السحابة لا رَيثٌ ولا عَجَل تفسير : فــ{يُسراً} وصف لمصدر محذوف نصب على النيابة عن المفعول المطلق. و{المقسمات أمراً} الرياح التي تنتهي بالسحاب إلى الموضع الذي يبلغ عنده نزول ما في السحاب من الماء أو هي السحب التي تُنزل ما فيها من المطر على مواضع مختلفة. وإسناد التقسيم إليها على المعنيين مجاز بالمشابهة. وروي عن الحسن {المقسمات} السحب بقَسم الله بها أرزاق العباد» اهــ. يريد قوله تعالى: {أية : ونزلنا من السماء ماء مباركاً} تفسير : في سورة ق (9) إلى قوله: {أية : رِزقاً للعباد} تفسير : في سورة ق (11). ومن رشاقة هذا التفسير أن فيه مناسبة بين المُقْسَم به والمقسم عليه وهو قوله: {إنما توعدون لصادِق وإن الدين لواقع} فإن أحوال الرياح المذكورة هنا مبدؤها: نفخ، فتكوين، فإحياء، وكذلك البعث مبدؤه: نفخ في الصور، فالتئام أجساد الناس التي كانت معدومة أو متفرقة، فبثُّ الأرواح فيها فإذا هم قيام ينظرون. وقد يكون قوله تعالى: {أمراً} إشارة إلى ما يقابله في المثال من أسباب الحياة وهو الروح لقوله: {أية : قل الروح من أمر ربي } تفسير : [الإسراء: 85]. و(مَا) من قوله: {إنما توعدون} موصولة، أي إن الذي توعدونه لصادق. والخطاب في {تُوعدون} للمشركين كما هو مقتضى التأكيد بالقسم وكما يقتضيه تعقيبه بقوله: {أية : إنكم لفي قول مختلف} تفسير : [الذاريات: 8]. فيتعين أن يكون {توعدون} مشتقاً من الوعيد الذي ماضيه (أوعد)، وهو يبنى للمجهول فأصل {توعدون} تُؤَوْعَدون بهمزة مفتوحة بعد تاء المضارعة وواوٍ بعد الهمزة هي عين فعل (أوعد) وبفتح العين لأجل البناء المجهول فحذفت الهمزة على ما هو المطّرد من حذف همزة أفْعَل في المضارع مثل تُكرمون، وسكنت الواو سكوناً مَيتاً لأجل وقوع الضمة قبلها بعد أن كان سكونها حَيّاً فصار {تُوعَدون} ووزنه تافعلون. والذي أوُعِدوه عذاب الآخرة وعذاب الدنيا مثل الجوع في سني القحط السبع الذي هو دَعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بقوله: (حديث : اللهمّ اجعلها عليهم سنيناً كسنينِ يوسف) تفسير : وهو الذي أشار إليه قوله تعالى: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} تفسير : الآية في سورة الدخان (10، 11). ومثل عذاب السيف والأسر يوم بدر الذي توعدهم الله به في قوله: {أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} تفسير : [الدخان: 16]. ويجوز أن يكون توعدون من الوعد، أي الإخبار بشيء يقع في المستقبل مثل قوله: {أية : إن وعد الله حق } تفسير : [لقمان: 33] فوزنه تُفْعَلُون. والمراد بالوعد الوعد بالبعث. ووصف {لصادق} مجاز عقلي إذ الصادق هو المُوعد به على نحو {أية : فهو في عيشة راضية} تفسير : [الجاثية: 21]. والدين: الجزاء. والمراد إثبات البعث الذي أنكروه. ومعنى {لواقع} واقع في المستقبل بقرينة جعله مرتباً في الذكر على ما يوعدون وإنما يكون حصول الموعود به في الزمن المستقبل وفي ذكر الجزاء زيادة على الكناية به عن إثبات البعث تعريض بالوعيد على إنكار البعث. وكتب في المصاحف {إنما} متصلةً وهو على غير قياس الرسم المصطلح عليه من بعد لأنهما كلمتان لم تَصيرا كلمة واحدة، بخلاف {إنما} التي هي للقصر. ولم يكن الرسم في زمن كتابة المصاحف في أيام الخليفة عثمان قد بلغ تمام ضبطه.
الشنقيطي
تفسير : أكثر أهل العلم، على أن المراد بالذاريات الرياح. وهو الحق إن شاء الله، ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح. ومنه قوله تعالى {أية : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ}تفسير : [الكهف: 45]، ومعنى تذروه: ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة: شعر : ومنهل آجن قفر محاضره تذرو الرياح على جماته البعرا تفسير : ولا يخفى سقوط قول من قال: إن الذاريات النساء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} أكثر أهل العلم على أن المراد بالحاملات وقراً: السحاب. أي المزن تحمل وقراً ثقلاً من الماء. ويدل لهذا القول تصريح الله جل وعلا بوصف السحاب بالثقال، وهو جمع ثقيلة، وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله كقوله تعالى {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}تفسير : [الرعد: 12]، وهو جمع سحابة ثقيلة، وقوله تعالى{أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}تفسير : [الأعراف: 57]. وقال بعضهم: المراد بالحاملات وقراً: السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم، ولو قال قائل: إن الحاملات وقراً الرياح أيضاً كان وجهه ظاهراً. ودلالة بعض الآيات عليه واضحة، لأن الله تعالى صرح بأن الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء الله، فنسبه حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح، وذلك في قوله تعالى {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}تفسير : [الأعراف: 57] الآية. فقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً}: أي حتى إذا حملت الرياح سحاباً ثقالاً، فالإقلال الحمل، وهو مستند إلى الريح. ودلالة هذا على أن الحاملات وقراً هي الرياح ظاهرة كما ترى، ويصح شمول الآية لجميع ذلك. وقد قدمنا مراراً أنه هو الأجود في مثل ذلك، وبينا كلام أهل الأصول فيه، وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه، في أول سورة النور وغيرها. والقول بأن الحاملات وقراً: هي حوامل الأجنة من الإناث، ظاهر السقوط، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} [الذاريات: 3] أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسراً: السفن تجري في البحر يسراً أي جرياً ذا يسر أي سهولة. والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدمنا نحوه مراراً: أي فالجاريات في حال كونها ميسرة مسخراً لها البحر، ويدل لهذا القول كثرة إطلاق الوصف بالجري على السفن كقوله تعالى:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ}تفسير : [الشورى: 32]. الآية، وقوله: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 11]، وقوله تعالى {أية : وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}تفسير : [الحج: 65] وقوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ}تفسير : .[الجاثية: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وقيل الجاريات الرياح. وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}: هي الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلفة، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى:{أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}تفسير : [النازعات: 5]، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم، كما وقع لقوم صالح. والتحقيق أن قوله: أمراً مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع. وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم، وفي كلام العرب من تنكير المفرد كما هنا، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى:{أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}تفسير : [الحج: 5]، والمقسم عليه بهذه الأقسام هو قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 5-6] والموجب لهذا التوكيد هو شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء. وقوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} ما، فيه موصولة والعائد إلى الصلة محذوف، والوصف بمعنى المصدر أي إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق لا كذب فيه. وقال بعض العلماء: ما، مصدرية، أي إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق. وقال بعضهم: إن صيغة اسم الفاعل في لصادق بمعنى اسم المفعول. أي إن الوعد أو الموعود به لمصدوق فيه لا مكذوب به، ونظير ذلك قوله تعالى:{أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 21] أي مرضية. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}تفسير : [آل عمران: 9]. وقوله: {أية : إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ }تفسير : [الأنعام: 134]. وقوله تعالى:{أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}تفسير : [الواقعة: 2] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. والمراد بالدين هنا الجزاء، أي وإن الجزاء يوم القيامة لواقع لا محالة كما قال تعالى{أية : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ}تفسير : [النور: 25] أي جزاءهم بالعدل والإنصاف، وكقوله تعالى:{أية : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ}تفسير : [النجم: 40-41]. وقد نزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء، وبين أن ذلك ظن الكفار، وهددهم على ذلك الظن السىء بالويل من النار، قال تعالى منكراً على من ظن عدم البعث والجزاء، ومنزهاً نفسه عن أنه خلقهم. عبثاً لا لبعث وجزاء:{أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ}تفسير : [المؤمنون: 115-116]. وقال تعالى:{أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص: 27]، في قوله في آية في ص هذه: باطلاً أي عبثاً لا لبعث وجزاء.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2، 3، 4- أقسم بالرياح المثيرات للسحاب، تدفعها دفعاً، فالحاملات منها ثقلاً عظيماً من الماء، فالجاريات به مُيَسرة بتسخير الله، فالمقسمات رزقاً يسوقه الله إلى من يشاء. 5، 6- إن الذى تُوعدونه من البعث وغيره لمحقق الوقوع، وإن الجزاء على أعمالكم لحاصل لا محالة. 7، 8- أُقسم بالسماء ذات الطرائق المحكمة: إنكم إذ تقولون - ما تقولون - لفى قول مضطرب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والذاريات ذروا: أي الرياح تذروا التراب وغيره ذروا. فالحاملات وقرا: أي السحب تحمل الماء. فالجاريات يُسراً: أي السفن تجري على سطح الماء بسهولة. فالمقسمات أمرا: أي الملائكة تقسم بأمر ربها الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد. إن ما توعدون لصادق: أي إن ما وعدكم به ربكم لصادق سواء كان خيراً أو شراً. وإن الدين لواقع: أي وأن الجزاء بعد الحساب لواقع لا محالة. والسماء ذات الحبك: أي ذات الطرق كالطرق التي تكون على الرمل والحبك جمعُ حبيكة. إنكم لفي قول مختلف: أي يا أهل مكة لفي قول مختلف أي في شأن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من يقول القرآن سحر وشعر وكهانة ومنهم من يقول النبي كاذب أو ساحر أو شاعر. يؤفك عنه من أفك: أي يصرف عن النبي والقرآن من صُرف. قتل الخراصون: أي لعن الكذابون الذين يقولون بالخرص والكذب. الذين هم في غمرة ساهون: أي في غمرة جهل تغمرهم ساهون أي غافلون عن أمر الآخرة. يسألون أيان يوم الدين: أي يسألون النبي صلى الله عليه وسلم سؤال استهزاء متى يوم القيامة؟ وجوابهم يوم هم على النار يفتنون أي يعذبون فيها. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلذَّارِيَاتِ} هذا شروع في قسم ضخم أقسم الله تعالى به وهو الذاريات ذروا أي الرياح تذروا التراب وغيره من الأشياء الخفيفة {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} أي السحب تحمل الماء {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} أي السفن تجري على سطح الماء {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} أي الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بأمر بها كل هذا قسم أقسم الله به وجوابه {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} أيها الناس من البعث والجزاء بالنعيم المقيم أو بعذاب الجحيم لصادق وإن الدين أي الجزاء العادل لواقع أي كائن لا محالة. وقوله {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} هذا قسم آخر أي ذات الطرق كالتي على الرمل جمع حبيكة بمعنى طريقة {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} هذا جواب القسم فمنكم من يقول محمد ساحر ومنكم من يقول كاذب أو كاهن. ومنكم من يقول في القرآن سحر وشعر كهانة وقوله تعالى {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي يصرف عن القرآن ومن نزل عليه من أفك أي صرف بقضاء الله وقدره. وقوله تعالى: {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} أي لعن الكذابون الذين يقولون بالخرص والكذب والظن الذين هم في غمرة جهل تغمرهم ساهون أي غافلون عن أمر الآخرة وما لهم فيه من عذاب لو شاهدوه ما ذاقوا طعاماً ولا شراباً لذيذاً. وقوله تعالى يسألون أيّان يوم الدين أي متى قيام الساعة ومجيئها وهم في هذا مستهزئون ساخرون وجوابهم في قوله تعالى يوم هم على النار يفتنون أي يعذبون ويقال لهم ذوقوا فتنكم أي عذابكم هذا الذي كنتم به تستعجلون أي تطالبون به رسولنا بتعجيله لكم استخفافا وتكذيبا منكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء حيث أقسم تعالى على ذلك. 2- تقرير عقيدة القضاء والقدر في قوله يؤفك عنه من أفك. 3- لعن الله الخراصين الذين يقولون بالخرص والكذب ويسألون استهزاء وسخرية لا طلبا للعلم والمعرفة للعمل.
القطان
تفسير : الذاريات: الرياح تذرو الترابَ وغيره، وهي تحمل معها الحياة لأنها تسوق السحاب، كما تحمل الدمار احيانا. فالحاملات وقرا: الوقر هو السحاب، تحمله الرياح موقَرة بالغيث يسوقها الله الى حيث يشاء. فالجاريات يُسرا: السفن تجري في يسر على سطح الماء. فالمقسّمات أمرا: الملائكة التي تحمل أوامرَ الله لتبليغها الى رسُله. انما توعَدون: هو البعث وهو صدق، والدين: هنا الحساب والجزاء. والسماءِ ذات الحبك: السماء ذات الطرق المحكمة النظام. إنكم لفي قول مختلف: مضطرِب متناقض. يؤفكُ عنه مَن أُفك: يُصرف عنه من صرف عن الايمان. الخرّاصون: الكذابون. في غمرة: في جهل يغمرهم. ساهون: غافلون عما أُمروا به. أيان يوم الدين: متى يوم الجزاء. يفتنون: يحرقون. فتنتكم: عذابكم العدّ لكم. أقسَم الله تعالى بهذه الأشياء: بالرياح المثيراتِ للتراب وغيره، وبحملها للسُحب فالحاملات منها ثقلاً عظيما من الماء، وبالسفن الجارية تمخرُ البحار، وبالملائكة تقسِم أوامرَ الله وتبلّغُها إلى رسله الكرام - أنّ البعث لحقٌّ صادق، وان الدّين (وهو الجزاء على اعمالكم) لحاصِل. واقسم الله تعالى بالسماء ذاتِ الجمال والبهاء، المحكَمةِ البنيانِ والنظام، أنكم أيّها المشرِكون المكذِّبون للرسولِ لَفي قولٍ متناقضٍ مضطرب {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي يُصرف عن الدين والحق، من صرَفَه عنه جهلُه وهواه. {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} هلك الكذّابون القائلون في شأن القيامة بالظنّ، الذين هم مغمورون في الجَهل، غافِلون عما أُمروا به. وهم يسألون استهزاءً فيقولون: متى يومُ الجزاء؟ قل لهم يا محمد إن يومَ الدّين {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} أيْ في جهنمَ يُحرقون، ويُقال لهم: {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} ذوقوا هذا العذاب الذي كنتم تظنون انه غير كائن وتستعجلون وقوعه مستهزئين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلذَّارِيَاتِ} (1) - يُقسِمُ اللهُ تَعَالى بِالرِّياحِ التي تَذْرُو التُّرَابَ ذَرْواً. الذَّرْوُ - التَّفْرِيقُ وَالبَعْثَرَةُ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} الرياح التي تذرو التراب ذرواً، يقال: ذرت الريح التراب وأذرته. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن بن أيوب، قال: حدّثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدّثنا سيار بن حاتم قال: حدّثنا أيوب بن خَوط قال: حدّثنا عمر الأعرج قال: بلغنا أنّ مساكن الرياح تحت أجنحة الكروبيّين حملة الكرسي، فتهيج من ثمّ فتقع بعجلة الشمس، ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع برؤوس الجبال، ثم تهيج من رؤوس الجبال فتقع في البر. فأمّا الشمال فإنّها تمرّ بجنّة عدن، فتأخذ من عرق طيبها فتمرّ على أرواح الصدّيقين، ثّم تأخذ حدّها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، ويأتي الدبور حدّها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، ويأتي الجنوب حدّها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، ويأتي الصبا حدّها من مطلع الشمس إلى كرسيّ بنات نعش، فلا تدخل هذه في حدّ هذه، ولا هذه في حدّ هذه. أخبرني الحسن قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، قال: حدّثنا الحكم سليمان، قال: حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي رضي الله عنه {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً}، قال: «الرياح». {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} قال: «السحاب». {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} قال: «السفن». {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}، قال: «الملائكة». {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} من الخير والشر والثواب والعقاب {لَصَادِقٌ * وَإِنَّ ٱلدِّينَ} الحساب والجزاء {لَوَاقِعٌ} لنازل كائن. [ثم] ابتدأ قَسَماً آخر فقال عزّ وجلّ: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} قال ابن عباس وقتادة والربيع: ذات الخلق الحسن المستوي، وإليه ذهب عكرمة، قال: ألم ترَ إلى النّسّاج إذا نسج الثوب فأجادَ نسجه، قيل: ما أحسن حبكه وقال سعيد بن جبير: ذات الزينة، وقال الحسن: حبكت النجوم. مجاهد: هو المتقَن البنيان، الضحاك: ذات الطرائق، ولكنّها بعيد من العباد فلا يرونها، قال: ومنه حَبكَ الرمل والماء إذا ضربهما الريح، وحبك الشعر الجعد والدرع، وهو جمع حباك وحبيكة، قال الراجز: شعر : كأنما جلّلها الحوّاك طنفسة في وشيها حباك تفسير : ومنه الحديث في صفة الجبال: «راسية حبك حبك» يعني الجعودة، وقال ابن زيد: ذات الشدّة، وقرأ قول الله سبحانه: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} تفسير : [النبأ: 12]، وقال عبد الله بن عمرو: هي السماء السابعة. {إِنَّكُمْ} يا أهل مكة {لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} في القرآن ومحمد عليه السلام، فمن مصدّق ومكذّب، ومقرّ ومنكر، وقيل: نزلت في المقتسمين. {يُؤْفَكُ} يصرف {عَنْهُ} أي عن الإيمان بهما {مَنْ أُفِكَ} صرف فنجويه، وقيل: يصرف عن هذا القول، أي من أجله وسببه عن الإيمان من صرف، وذلك أنهّم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون له: إنّه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول مجاهد. وقد يكون (عن) بمعنى (أجل). أنشد العبسي: شعر : عن ذات أولية أُساودُ ربّها وكأن لون الملح فوق شفارها تفسير : أي من أجل ناقة ذات أولية. {قُتِلَ} لعن {ٱلْخَرَّاصُونَ} الكذابون. وقال ابن عباس: المرتابون، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عقاب الله، واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال مجاهد: الكهنة. {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ}: شبهة وغفلة {سَاهُونَ}: لاهون. {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} متى يوم القيامة استهزاءً منهم بذلك وتكذيباً. قال الله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ هُمْ} أي يكون هذا الجزاء في يوم هم {عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} يُعذّبون ويُحرقون ويُنضَجون بالنار كما يفتن الذهب بالنار.ومجازه بكلمة (على) ههنا: أنهم موقوفون على النار، وقيل: هو بمعنى الباء. ويقول لهم الخزنة: {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا} ولم يقل هذه؛ لأنّ الفتنة هاهنا بمعنى العذاب، فردّ الإشارة إلى المعنى {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} من الثواب وأنواع الكرامات. وقال سعيد بن جبير: تعني آخذين بما أمرهم ربّهم، عاملين بالفرائض التي أوجبها عليهم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} قبل دخولهم الجنة {مُحْسِنِينَ} في الدنيا، وقيل: قبل نزول الفرائض محسنين في أعمالهم. {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} اختلف العلماء في حكم (ما)، فجعله بعضهم جحداً، وقال: تمام الكلام عند قوله: {كَانُواْ قَلِيلاً} أي كانوا قليلا من الناس، ثم ابتدأ {مَا يَهْجَعُونَ} أي لا ينامون بالليل، بل يقومون للصلاة والعبادة، وجعله بعضهم بمعنى (الذي)، والكلام متّصل بعضه ببعض، ومعناه: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعون، أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم؛ لأنّ (ما) إذا اتصل به الفعل، صار في تأويل المصدر كقوله: {أية : بِمَا ظَلَمُوۤاْ} تفسير : [النمل: 52] أي بظلمهم، وجعله بعضهم صلة، أي كانوا قليلا من الليل يهجعون. قال محمد بن علي: «كانوا لا ينامون حتى يصلّوا العتمة»، وقال أنس بن مالك: يصلّون ما بين المغرب والعشاء، وقال مطرف: قلّ ليلة تأتي عليهم لا يصلّون فيها لله سبحانه، إما من أوّلها، وإما من أوسطها، وقال الحسن: لا ينامون من الليل إلاّ أقلّة، وربما نشطوا فمدّوا إلى السحر. {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}، قال ابن عباس وسعيد بن المسيب: السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم. وقال قتادة والزهري: السائل الذي يسألك، والمحروم: المتعفف الذي لا يسألك، وقال إبراهيم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة، يدلّ عليه ما روى سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسين بن محمد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريّة فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية، وقال عكرمة: المحروم: الذي لا ينمي له مال، وقال زيد بن أسلم: هو المصاب بثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. أخبرني الحسن بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا الحسن بن علي الفارسي قال: حدّثنا عمرو بن محمد الناقد قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن مسلم الطائفي عن أيوب بن موسى عن محمد بن كعب القرظي: المحروم صاحب الحاجة، ثم قرأ: {أية : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} تفسير : [الواقعة: 67]، ونظيره في قصة ضروان {أية : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} تفسير : [القلم: 27]، وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا عبد [...] عن شعبة عن عاصم يعني الأحول عن أبي قلابة، قال: كان رجل من أهل اليمامة له مال، فجاء سيل فذهب بماله، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا المحروم فاقسموا له. وقال الشعبي: أعناني أن أعلم ما المحروم، لقد سألت عن المحروم منذ سبعين سنة، فما أنا اليوم بأعلم مني من يومئذ. وأصله في اللغة الممنوع، من الحرمان، وهو المنع. أخبرنا أبو سهيل بن حبيب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن موسى قال: حدّثنا أبو بكر بن محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا علي بن عثمان النفيلي الحراني، قال: حدّثنا علي بن عباس الحمصي، قال: حدّثنا سعيد بن عمارة بن صفوان الكلاعي عن الحرث بن النعمان ابن أُخت سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا أنس ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: يا ربّ ظلمونا حقوقنا التي فرضتها عليهم. قال: فيقول: وعزّتي وجلالي لأقربنّكم ولأُبعدنّهم ". تفسير : قال: فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه هذه الآية: {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الواو هنا واو القسم، فهذه أقسام يقسم بها الحق سبحانه، ونحن لا نقسم إلا بالله لأنه لا توجد عند المؤمن عظمة فوق عظمة الله، أما الحق سبحانه فيقسم بما يشاء من مخلوقاته لأنه سبحانه أعلم بأوجه العظمة فيها ومواطن الحكمة في كل قسم منها. فمثلاً يقسم سبحانه فيقول {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-2] فلماذا أقسم سبحانه بالضحى والليل إذا سجى بالذات، ولم يقسم بشيء آخر؟ جاء هذا القسَم رداً على كُفار مكة عندما فتر الوحي عن رسول الله فرحوا وقالو: إن رب محمد قد قلاه. فالقسم هنا له مغزى ومناسبة، فالضحى محلُّ الحركة والعمل، والليل محل الراحة والسكون، وكل منهما لا يستغني عن الآخر. فهنا إشارة إلى الحكمة من فتور الوحي، كأنه يقول لهم: تأملوا في الزمن الذي يشملكم، وكيف أنه ليل للراحة ونهار للعمل، وكلٌّ منهما يكمل الآخر. كذلك مسألة الوحي لما نزل على رسول الله بداية الأمر كان شاقاً عليه مُرهقاً له صلى الله عليه وسلم، وقد وصف رسول الله هذه المشقة فقال عن المَلك "حديث : "ضمَّني حتى بلغ منِّي الجهد" ولما عاد إلى بيته قال: "زمِّلوني زمِّلوني" "دثروني دثروني" ". تفسير : فكان فتور الوحي عن رسول الله فرصة يستريح فيها من العناء، ويشتاق فيها لمباشرة الملَك من جديد، فشبَّه نزول الوحي أولاًَ بالنهار وفتوره بالليل. هنا الحق سبحانه يقسم بالذاريات، وهي الرياح، والرياح قوة وطاقة ضرورية للحياة في هذا الكون {ذَرْواً} [الذاريات: 1] أي: تذرو الأشياء وتحركها، والذاريات هي التي تحمل بخار الماء إلى مواطن تكوّن السحاب. فقال بعدها {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} [الذاريات: 2] وهي السُّحب تحمل الماء وتتجمع حتى تصير ثقيلة، كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ..}تفسير : [النور: 43]. والوقر: الحِمْل الثقيل، يقول سبحانه: {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}تفسير : [الرعد: 12] ثم إن هذه السُّحب بعد أنْ تتكوَّن لا تقف في مكانها إنما تحركها الرياح. {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} [الذاريات: 3] أي: السُّحب تجري جرياً خفيفاً، وتسبح في الفضاء في خفَّة ونعومة. وقوله: {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} [الذاريات: 4] أي: التي تقسِّم هذه السحب، وتسُوقها إلى مواطن سقوطها، كما قال سبحانه: {أية : فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ..}تفسير : [النور: 43] ثم يأتي جواب هذه الأقسام الأربعة: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} [الآية: 1]. قال: الرياح. {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} [الآية: 2]. قال السحاب يحمل المطر. {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} [الآية: 3]. قال: السفن. {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} [الآية: 4]. قال: الملائكة ينزلها على من يشاءُ. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} [الآية: 5]. يقول: إن [يَوْمَ] القيامة لكائن. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الآية: 6]. قال: إِن الحساب لكائن.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلْحُبُكِ} الطرائق جمع حبيكة كطريقة وزناً ومعنى قال الزجاج: الحُبك الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة ما أُجيد عمله وقال ابن الأَعرابي: كلُّ شيءٍ أحكمته وأحسنت عمله فقد حبكته {ٱلْخَرَّاصُونَ} جمع خرَّاص وهو الكذَّاب {غَمْرَةٍ} الغمرة ما ستر الشيء وغطَّاه ومنه نهر غمر {يَهْجَعُونَ} ينامون والهجوع النومُ ليلاً {أَوْجَسَ} أحسَّ وشعر {صَرَّةٍ} صيحة وضجة {مُّسَوَّمَةً} معلَّمة. التفسِير: {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} هذا قسمٌ أقسم تعالى به أي أُقسم بالرياح التي تذرو التراب فتفرّقه، وتحمل الرمال من مكان إِلى مكان {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} أي وأقسم بالسحب التي تحمل أثقال الأمطار، وهي محمَّلة بالماء الذي فيه حياة البشر {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} أي وأقسم بالسفن التي تجري على وجه الماء جرياً سهلاً بيسر وهي تحمل ذرية بني آدم {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} أي وأقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق والأَمطار بين العباد، وكل ملك مخصَّص بأمر، فجبريل صاحب الوحي إِلى الأنبياء، وميكائيل صاحب الرزق والرحمة، وإِسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل صاحب قبض الأرواح قال المفسرون: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرفها ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعه وقدرته، ثم ذكر جواب القسم فقال {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} أي إِن الذي توعدونه من الثواب والعقاب، والحشر والنشر، لأمرٌ صدقٌ محقَّق لا كذب فيه {وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} أي وإِنَّ الجزاء لكائنٌ لا محالة، ثم ذكر تعالى قسماً آخر فقال {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} أي وأقسم بالسماء ذات الطرائق المحكمة والبنيان المتقن قال ابن عباس: ذات الخلق الحسن المستوي {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} جواب القسم أي إِنكم أيها الكفار لفي قول مضطرب في أمر محمد، فمنكم من يقول إِنه ساحر، ومنكم من يقول إِنه شاعر، وبعضكم يقول إِنه مجنون إِلى غير ما هنالك من أقوال مختلفة {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي يُصرف عن الإِيمان بالقرآن وبمحمد عليه السلام، من صُرِف عن الهداية في علم الله تعالى وحُرم السعادة {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} أي لُعن الكذابون الذين قالوا إِن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب وشاعر قال ابن الأنباري: والقتلُ إِذا أُخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} أي الذين هم غافلون لاهون عن أمر الآخرة {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} أي يقولون تكذيباً واستهزاءً: متى يوم الحساب والجزاء؟ قال تعالى رداً عليهم {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} أي هذا الجزاء كائن يوم يدخلون جهنم ويُحرقون بها {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} أي تقول لهم خزنة النار: ذوقوا تعذيبكم وجزاءكم {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} أي هذا الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاءً.. ولما ذكر حال الكفار ذكر المؤمنين الأبرار فقال {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي هم في بساتين فيها عيون جاريةٌ، تجري فيها على نهاية ما يُتنزه به {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي راضين بما أعطاهم ربهم من الكرامة والنعيم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي كانوا في دار الدنيا محسنين في الأعمال، ثم ذكر طرفاً من إِحسانهم فقال {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي كانوا ينامون قليلاً من الليل ويصلُّون أكثره قال الحسن: كابدوا قيام الليل لا ينامون من إلا قليلاً {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي وفي أواخر الليل يسغفرون الله من تقصيرهم، فهم مع إِحسانهم يعدُّون أنفسهم مذنبين، ولذلك يكثرون الاستغفار بالأسحار قال أبو السعود: أي هم مع قلة نومهم وكثرة تهجدهم يداومون على الاستغفار بالأسحار، كأنهم أسلفوا ليلهم باقتراف الجرائم، وهو مدح ثانٍ للمحسنين {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} مدحٌ ثالث أي وفي أموالهم نصيب معلوم قد أوجبوه على أنفسهم بمقتضى الكرم للسائل المحتاج، وللمتعفف الذي لا يسأل لتعففه {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} أي وفي الأرض دلائل واضحة على قدرة الله سبحانه ووحدانيته للموقنين بالله وعظمته، الذين يعرفونه بصنعه قال ابن كثير: أي وفي الأرض من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما فيها من صنوف النباتات والحيوانات، والجبال والقفار، والبحار، والأنهار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الخلق البديع، ولهذا قال بعده {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} أي وفي أنفسكم آياتٌ وعبرٌ من مبدأ خلقكم إِلى منتهاه، أفلا تبصرون قدرة الله في خلقكم لتعرفوا قدرته على البعث؟ قال ابن عباس: يريد اختلاف الصور، والألسنة، والألوان، والطبائع، والسمع والبصر والعقل إِلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم وقال قتادة: من تفكَّر في خلق نفسه عرف أنه إِنما خُلق ولُيّنت مفاصله للعبادة {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} أي وفي السماء أسباب رزقكم ومعاشكم وهو المطر الذي به حياة البلاد والعباد، وما توعدون به من الثواب والعقاب مكتوب كذلك في السماء قال الصاوي: والآيةُ قُصد بها الامتنان والوعد والوعيد {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} أي أٌقسم بربِّ السماءِ والأرض إِن ما توعدون به من الرزق والبعث والنشور لحقٌّ كائن لا محالة مثل نطقكم، فكما لا تشكون في نطقكم حين تنطقون فكذلك يجب ألا تشكوا في الرزق والبعث قال المفسرون: وهذا على سبيل التشبيه والتمثيل أي رزقكم مقسوم في السماء كنطقكم فلا تشكوا في ذلك، وهذا كقول القائل: هذا حق كما أنك هٰهنا، وهذا حقٌ كما أنك ترى وتسمع، فالرزق مثل النطق لا يفارق الشخص في حالٍ من الأحوال وفي الحديث "حديث : لو أن أحدكم فرَّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت"تفسير : .. ثم ذكر تعالى قصة ضيف إِبراهيم تسلية لقلب النبي الكريم فقال {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ}؟ الاستفهام للتشويق ولتفخيم شأن تلك القصة كما يقول القائل: هل بلغك الخير الفلاني؟ يريد تشويقه إِلى استماعه والمعنى هل وصل إِلى سمعك يا محمد خبر ضيوف إِبراهيم المعظَّمين؟ قال ابن عباس: يريد جبريل وميكائيل وإِسرافيل عليهم السلام، سُمُّوا مكرمين لكرامتهم عند الله عز وجل {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً} أي حين دخلوا على إِبراهيم فقالوا: نسلِّم عليك سلاماً {قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي قال عليكم سلامٌ أنتم قومٌ غرباء لا نعرفكم فمن أنتم؟ قال ابن كثير: وإِنما أنكرهم لأنهم قدموا عليه في صورة شبانٍ حسانٍ عليهم مهابة عظيمة ولهذا أنكرهم وقال أبو حيان: والذي يناسب حال إِبراهيم عليه السلام أنه لا يخاطبهم بذلك، إِذْ فيه من عدم الإِنس ما لا يخفى، وإِنما قال ذلك في نفسه، أو لمن كان معه من أتباعه وغلمانه، بحيث لا يسمع ذلك الأضياف {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي فمضى إِلى أهله في سرعة وخفية عن ضيفه، لأن من أدب المضيف أن يبادر بإِحضار الضيافة من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يمنعه الضيف، أو يُثقل عليه في التأخير قال ابن قتيبة: عدل إِليهم في خفية ولا يكون الرَّواغُ إِلا أن تُخفي ذهابك ومجيئك {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي فجاءهم بعجل سمينٍ مشوي، والعجلُ ولدُ البقرة وكان عامة ما له البقر، واختاره لهم سميناً زيادة في إكرامهم {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} أي فأدناه منهم ووضعه بين أيديهم فلم يأكلوا فقال لهم في تلطف وبشاشة: ألا تأكلون هذا الطعام؟ قال ابن كثير: وفي الآية تلطف في العبارة وعرض حسن، وقد انتظمت الآية آداب الضيافة، فإِنه جاء بطعامٍ من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتنَّ عليهم أولاً فقال نأتيكم بطعام بل جاء به بسرعةٍ وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتيٌّ سمين مشوي، فقربه إِليهم ولم يضعه وقال اقتربوا بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمراً يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: ألا تأكلون؟ على سبيل العرض والتلطف كما يقول القائل: إِن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي فأضمر في نفسه الخوف منهم لما رأى إِعراضهم عن الطعام {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} أي قالوا له لا تخف إِنا رسل ربك {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ} أي وبشروه بولدٍ يولد له من زوجته سارة يكون عالماً عند بلوغه قال أبو حيان: وفيه تبشيرٌ بحياته حتى يكون من العلماء، والجمهور على أن المبشر به هو إِسحاق لقوله تعالى في سورة هود {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71] {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي فأقبلت سارة نحوهم حين سمعت البشارة في صيحةٍ وضجة قال المفسرون: لما سمعت بالبشارة وكانت في زاوية من زوايا البيت جاءت نحوهم في صيحة عظيمة تريد أن تستفسر الخبر {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي فلطمت وجهها على عادة النساء عند التعجب قال ابن عباس: لطمت وجهها تعجباً كما تتعجب النساء من الأمر الغريب {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أي قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ والعقيم هي التي لم تلد قطّ لانقطاع حبلها قبل الإِمام الجلال: كان عمرها تسعاً وتسعين سنة، وعمر إِبراهيم مائة وعشرين {قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ} أي الأمر كما أخبرناك هكذا حكم وقضى ربك من الأزل فلا تعجبي ولا تشكّي فيه {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} أي الحكيم في صنعه، العليم بمصالح خلقه {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} أي ما شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم أيها الملائكة الأبرار؟ قال البيضاوي: لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون مجتمعين إِلا لأمرٍ عظيم سأل عنه {قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي قالوا إِن الله أرسلنا لإِهلاك قوم لوط الذين ارتكبوا أفحش الجرائم "اللواط" وكانوا ذوي جرائم متعددة، وهي كبار المعاصي من كفر وعصيان {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} أي لنهلكهم بحجارةٍ من طين متحجر مطبوخ بالنار وهو السجيل قال أبو حيان: والسجيلُ طينٌ يطبخ كما يطبخ الآجر حتى يصبح في صلابة الحجارة {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ} أي معلَّمة من عند الله بعلامة، على كل واحدةٍ منها اسم صاحبها الذي يهلك بها {لِلْمُسْرِفِينَ} أي المجاوزين الحدَّ في الفجور قال الصاوي: كان في قرى لوط ستمائة ألف فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض فاقتلع قراهم، ورفعها حتى سمع أهل السماء أصواتهم ثم قلبها، ثم أرسل الحجارة على من كان خارجاً عنها {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي فأخرجنا من كان في قرى أهل لوط من المؤمنين لئلا يهلكوا {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي فما كان فيها بعد البحث والتفتيش غير أهل بيت واحد من المسلمين قال مجاهد: هم لوطٌ وابنتاه، والغرضُ من الآية بيان قلة المؤمنين الناجين من العذاب، وكثرة الكافرين المستحقين للهلاك قال الإِمام الجلال: وصفوا بالإِيمان والإِسلام أي هم مصدقون بقلوبهم، عاملون بجوارحهم الطاعات {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} أي أبقينا في تلك القرى المهلكة بعد إِهلاك الظالمين علامةً على هلاكهم بجعل عاليها سافلها {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أي للذين يخافون عذاب الله فإِنهم المعتبرون به قال ابن كثير: ومعنى الآية {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً} أي جعلناها عبرةً بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال، وجعلنا محلتهم بحيرةً منتنة خبيثة ففي ذلك عبرةٌ للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم. تنبيه: قال الإِمام الرازي: في قصة ضيف إِبراهيم تسلية لقلب النبي الكريم صلى لله عليه وسلم ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله، واختار تعالى إِبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي صلى الله عليه وسلم على سنته في بعض الأشياء، وفيها إِنذار لقومه بما جرى من الضيف ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} معناهُ الرِّياحُ {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} معناه السَّحابُ {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} معناه السّفنُ {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} يعني الملائكة.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} الآية هذه السورة مكية ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد وقال: أول هذه بعد القسم أن ما توعدون لصادق وأن الدين لواقع والذاريات الرياح والحاملات السحاب والجاريات الفلك والمقسمات الملائكة هذا تفسير علي كرّم الله وجهه على المنبر وقد سأله ابن الكوا وقاله ابن عباس والظاهر أن الآية في الكفار وأنه وعيد محض. {وَإِنَّ ٱلدِّينَ} الجزاء. {لَوَٰقِعٌ} أي صادر حقيقة على المكلفين من الإِنس والجن والظاهر في والسماء أنه جنس أريد به جميع السماوات. {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} أي ذات الخلق المستوى الجيد وقيل ذات الطرائق يعني المجرة التي في السماء وجواب القسم انكم لفي قول مختلف والظاهر أنه خطاب عام للمسلم والكافر كما أنه جواب القسم السابق يشملهما واختلافهم كونهم مؤمناً بالرسول وكتابه وكافراً به. {يُؤْفَكُ} أي يصرف. {عَنْهُ} أي عن القرآن أو الرسول. {مَنْ أُفِكَ} أي من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم. {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} دعاء عليهم وهم أصحاب القول المختلف مكذبوا الرسول عليه السلام. {فِي غَمْرَةٍ} في جهل يغمرهم. {سَاهُونَ} غافلون عما أمروا به. {أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} أي متى وقت الجزاء سؤال تكذيب واستهزاء. {يَوْمَ هُمْ} خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أي الجزاء. {يُفْتَنُونَ} أي يعذبون في النار. {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} أي يقال لهم ذوقوا. {هَـٰذَا ٱلَّذِي} مبتدأ وخبر واستعجالهم قولهم أيان يوم الدين ولما ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين وانتصب. {آخِذِينَ} على الحال أي قابليه راضين به وذلك في الجنة والظاهر أن. {قَلِيلاً} ظرف وهو في الأصل صفة أي كانوا في قليل. {مِّن ٱللَّيْلِ} ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف تقديره كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً وما زائدة في كلا الاعرابين. {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فيه ظهور على أن تهجدهم يتصل بالأسحار فيأخذون في الاستغفار مما يمكن أن يقع فيه تقصير والأسحار فطنة الاستغفار والحق هنا هو الزكاة المفروضة والسائل الذي يستعطي والمحروم الممنوع من الشىء. {وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ} تدل على الصانع وقدرته وتدبيره من حيث هي كالبساط لما فوقها وفيها الفجاج للسلاك وهي متجزئة من سهل ووعر وبحر وبر وقطع متجاورات من صلبة ورخوة ومنبتة وسبخة وتلقح بأنواع النبات وفيها العيون والمعادن والدواب المنبتة في بحرها وبرها المختلفة الأشكال. {لِّلْمُوقِنِينَ} وهم الذين نظروا النظر الصحيح وأداهم ذلك إلى إيقان ما جاءت الرسل فأيقنوا به ولم يدخلهم في ذلك ريب. {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ} في حال ابتدائها وانتقالها من حال إلى حال وما أودع في شكل الإِنسان من لطائف الحواس وما ترتب على العقل الذي أوتيه من بدائع العلوم وغرائب الصنائع وغير ذلك مما لا ينحصر. {وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} وهو المطر والثلج لأنه سبب الأقوات وكل عين دائمة هي من الثلج. {وَمَا تُوعَدُونَ} هي الجنة والضمير في أنه عائد على الأخبار السابق من الله تعالى فيما تقدم في هذه السورة من صدق الموعود ووقوع الجزاء وكونهم في قول مختلف وقتل الخراصين وكينونة المتقين في الجنة على ما وصف وذكر أوصافهم وما ذكر بعد ذلك ولذلك شبهه في الحقيقة بما يصدر من نطق الإِنسان بجامع ما اشتركا فيه من الكلام. وقرىء مثل بالرفع صفة للحق وقرىء بالفتح هي حركة بتاء لما أضيق إلى مبنى بني وينسبك ما بعده مصدر تقديره مثل نطقكم أي لحق مثل حق نطقكم. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} الآية، هل أتاك تقرير لتجتمع نفس المخاطب كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره هل سمع ذلك فكأنك تقتضي أن يقول لا ويستطعمك الحديث وبدأ بقصة إبراهيم عليه السلام وإن كانت متأخرة عن قصة عاد هذا للعرب إذ كان أباهم الأعلى ولكون الرسل الذين وفدوا عليه جاؤوا بإِهلاك قوم لوط إذ كذبوه ففيه ووعيد للعرب وتهديد واتعاظ وتسلية للرسول عليه السلام عما يجري عليه من قومه ووصفهم بالمكرمين لكرامتهم عند الله تعالى وتقدم ذكر عددهم في سورة هود وإذ معمولة لقوله: حديث وضيف الجماعة والواحد فيه سواء والظاهر أنهم دخلوا عليه بغير استئذان منه لهم وانتصب سلاماً على إضمار فعل تقديره سلمنا سلاماً وفي ذلك دليل على أن الوارد على قوم يبدأهم بالسلام ويردون عليه وارتفع سلام على إضمار تقديره عليكم سلام. {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} الذي يناسب حال إبراهيم عليه السلام أنه لا يخاطبهم بذلك إذ فيه من عدم الإِنس ما لا يخفى بل يظهر أنه يكون التقدير هؤلاء قوم منكرون وقال ذلك مع نفسه أو لمن كان من اتباعه وعلمائه بحيث لا يسمع ذلك الأضياف والظاهر ان أنتم خطاب للضيف والمعنى انكم قوم لم يتقدم لنا علم بكم فأخبروه أنهم رسل الله. {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي مضى إلى أهله فجاء بعجل سمين فيه دليل على المبادرة لإِكرام الضيف وتقديم أحسن ما يقدم للضيف. {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} فيه أدب للضيف من تقريب القرا لمن يأكل وفيه العرض على الأكل فإِن في ذلك تأنيساً للآكل وثم صفة محذوفة تقديره سمين محنوذ أي مشوي. {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي فلما استمروا على الامتناع من الأكل أوجس منهم خيفة وذلك أن أكل الضيف أمنه ودليل على انبساط نفسه وللطعام حرمة وذمام والامتناع منه وحشة فخشي إبراهيم عليه السلام أن يكون امتناعهم من أكل طعامه إنما هو لشر يريدونه. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} وعرفوه أنهم ملائكة الله تعالى. {وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ} وقعت البشارة بعد التأنيس والجلوس وكانت البشارة بذكر لأنه أسر للنفس وأبهج ووصفه بعليم لأنها الصفة التي يختص بها الإِنسان الكامل وفيه تبشير بحياته حتى يكون من العلماء. {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم وتسمع كلامهم والصرة الصيحة وقيل الجماعة من النسوة. {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي لطمته وهو فعل النساء إذا تعجبن من شىء. {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أي أنا قد اجتمع في أني عجوز وذلك مانع من الولادة وإني عقيم لم ألد قط فكيف ألد تعجبت. {قَالُواْ كَذَلِكِ} أي مثل ذلك القول الذي أخبرناك به. {قَالَ رَبُّكِ} وهو القادر على إيجاد ما يستعبد ولما علم إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بإِذن الله رسلاً. {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ} والخطب الأمر الذي فيه غرابة وفي قوله: {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} دليل على أنه عرفهم أنهم رسل الله تعالى جاؤوا بأمر عظيم. {إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} أي ذوي جرائم وهي كبار المعاصي من كفر وغيره وأتى بقوم نكرة وقد صرح في آية أخرى إنا أرسلنا إلى قوم لوط. {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} أي لنهلكهم بها وهو السجيل طين يطبخ كما يطبخ الآجر حتى يصير في صلابة الحجر. {مُّسَوَّمَةً} معلمة على كل حجر منها إسم صاحبه. {لِلْمُسْرِفِينَ} وهم المجاوزون الحد في الكفر وغيره. {فَأَخْرَجْنَا} هو من كلام الله تعالى. {مَن كَانَ فِيهَا} أي في القربة التي حل العذاب بأهلها. {غَيْرَ بَيْتٍ} هو بيت لوط وهو لوط عليه السلام وابنتاه فقط وقيل ثلاثة عشر نفساً. {وَتَرَكْنَا فِيهَآ} أي في القرية. {آيَةً} علامة قال ابن جريج: حجراً كبيراً جداً منضوداً وقيل ماء أسود منتن ويجوز أن يكون فيها عائداً على الأهلاكة التي أهلكوها فإِنها من أعاجيب الاهلاك بجعل أعالي القرية أسافل وإمطار الحجارة والظاهر أن قوله في موسى معطوف على وتركنا فيها أي وفي قصة موسى. قال الزمخشري وابن عطية: يكون عطفاً على وفي الأرض آيات للموقنين وفي موسى وهذا بعيد جداً ينزه القرآن عن مثله.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلذَّارِيَاتِ} يعني: وحق النسمات الروحانية من النفسات الرحمانية على وفق العناية الأزلية؛ بحيث تذرو والبعث النفوس الخيرة الموفقة المجبولة على نشأة التوحيد {ذَرْواً} [الذاريات: 1] نوعاً من الذرو والبعث على سبيل الشوق، والتحنن نحو المبدأ الحقيقي المنشأ الأصلي. {فَٱلْحَامِلاَتِ} من القوى، والآلات الحاملة كل واحد منها {وِقْراً} [الذاريات: 2] حملاً ثقيلاً خطيراً من أعباء الوحي، والإلهامات الإلهية من العلوم اللدنية والإدراكات الكشفية، المنشعبة من حضرة العلم ولوح القضاء، المتعلقة بالمعارف والحقائق الإلهية. {فَٱلْجَارِيَاتِ} أي: سفن النفوس المشتملة على أنواع المدارك، والمشاعر الجارية في بحر الوجود {يُسْراً} [الذاريات: 3] سهلاً بلا تثاقل وتكاسل. {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ} من الأسماء والصفات الإلهية، والموسومات بالملائكة، المقسمة لقوابل المظاهر {أَمْراً} [الذاريات: 4] أي: أمور أرزاقهم، ومطلق حظوظهم وأبصارهم من الفيوضات والفتوحات الصورية والمعنوية، الموهوبة لهم من قبل الحق حسب استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية. {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} أنتم أيها المكلفون، المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان من البعث والحشر والحساب والجزاء، وغير ذلك من المعتقدات الأخروية، المترتبة على العالم المحيط الإلهي، وقدرته الغالبة وإرادته الشاملة {لَصَادِقٌ} [الذاريات: 5] ثابت محقق وقوعه بلا شك وشبهة. {وَإِنَّ ٱلدِّينَ} والجزاء الموعود لكم في النشأة الأخرى، والمتفرع على أعمالكم وأفعاكم في النشأة الأولى {لَوَٰقِعٌ} [الذاريات: 6] محقق وقوعه، كائن إتيانه ألبتة، بلا تردد وارتياب. ثمل لما أقسم سبحانه بما يتعلق بعالم الأمر، أراد أن يقسم بما يتعلق بعالم الخلق تتميماً للتأكيد والمبالغة بالقسم باعتبار كلا العالمين، فقال: {وَٱلسَّمَآءِ} أي: وحق السماء الرفيعة، البديعة النظم، العجيبة التركيب {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} [الذاريات: 7] أي: الحسن والزينة، وكمال الصفاء، والبهجة والبهاء؛ لاشتمالها على الكواكب المشيرة إلى الطرق الموصلة إلى قدرة الصانع القديم، ومتانة حكمة الحكيم العليم. إن اليوم الموعود لبعثكم وجزائكم لآت ألبتة {إِنَّكُمْ} أيها الشاكون في شأنه، وشأن من أخبر به بمقتضى الوحي والإلهام والإلهي، وشأن ما أنزل لبيانه من الكتاب المبين لإعداد الزاد له، وطريق النجاة عن أهواله وأفزاعه {لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} [الذاريات: 8] تنكرون له، وتكذبون المخبر الصادق، وتنسبون له وإلى الكتاب المبين المعجز من المفتريات الباطلة؛ حيث تقولون تارة: إنه سحر، أو من أساطير الأولين أو كهانة اختلقها الشاعر، أو كلام المجانين يتكلم به هذا المجنون. وبالجملة: {يُؤْفَكُ} ويصرف {عَنْهُ} وعن دينه وكتابه {مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] وصرف عن الحق وقبوله، ومال إلى الباطل، وسعى نحوه. وبسبب إفكهم، وذبِّهم عن طريق الحق والامتثال به {قُتِلَ} أي: طرد ولعن على ألسنة عموم أهل الحق {ٱلْخَرَّاصُونَ} [الذاريات: 10] المنكرون الكاذبون، المكذبون من أصحاب القول المختلق، وهم: {ٱلَّذِينَ هُمْ} من شدة انصرافهم عن الحق وأهله {فِي غَمْرَةٍ} وغفلة عظيمة، وجهل متناهٍ {سَاهُونَ} [الذاريات: 11] غافلون عن الله وقدر ألوهيته وحقوق ربوبيته. ومن كمال غفلتهم، وشدة عمههم في سكرتهم {يَسْأَلُونَ} على سبيل التهكم والاستهزاء: {أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الذاريات: 12] أي: يقولون: متى يوم الجزاء والقيامة يامحمد؟! وفي أي آن يأتينا عذاب الساعة وأهوالها؟! قال تعالى في جوابهم: {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] أي: يوم يقع عليه الجزاء والعقاب والعذاب، وهم يحرقون فيه في النار، ويطرحون عليها صاغرين مهانين. ويقول لهم الموكلون حين طرحهم فيها توبيخاً وتقريعاً: {ذُوقُواْ} أيها المجرمون المسرفون {فِتْنَتَكُمْ} التي أنتم تستعجلون بها في دار الدنيا على سبل الاستهزاء والمراء، وبالجملة: {هَـٰذَا ٱلَّذِي} وقعتم فيه، وحبستم عليه الآن من العذاب {كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 14] في سالف الزمان على سبيل الإنكار والاستكبار. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} الممتثلين لأوامر الله، المجتنبين عن نواهيه الموردة في كتبه الجارية على ألسنة رسله، الحافظين لنفوسهم عن الإفراط في الرخص والمباحات، فيكف عن تفريط المحظورات والمحرمات! متلذذون باللذات الروحانية {فِي جَنَّاتٍ} أي: منتزهات العلم والعين والحق {وَعُيُونٍ} [الذاريات: 15] جاريات من الحكم، والمعارف اللدنية المستخرجة من ينابيع قلوبهم، المترشحة إليها من بحر الوجود على مقتضى الحفظ الإلهي، حسب استعداداتهم واستفاضتهم بمقتضاها. {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ} وأعطاهم {رَبُّهُمْ} تفضلاً عليهم، وتكريماً على وجه الرضاء بجميع ما جرى عليهم من مقتضيات قضائه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} الفضل واللطف من النشأة الأولى {مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16] الأدب مع الله ورسله، وخُلَّص عباده العاكفين ببابهز ومن جملة إحسانهم: إنهم {كَانُواْ} في دار الابتلاء {قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] أي: يرقدون قليلاً من ساعات الليل، وذلك أيضاً بسبب ألا يعرضهم الكلال العائق من المواظبة على الطاعات. {وَ} هم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم وخشوعهم {بِٱلأَسْحَارِ} المعدة للتوجه والاستغفار {هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] دائماً، كأنهم يرون أنفسهم قاصرة عن رعاية حقوق العبودية على ما ينبغي، لذلك يبالغون في الإنابة والاستغفار. {وَ} كان {فِيۤ أَمْوَالِهِمْ} وأرزاقهم المسروقة إليهم من قبل الحق {حَقٌّ} حظ ونصيب مفروض مقدر، يستوجبونه على أنفسهم {لَّلسَّآئِلِ} السائر في سبيل الله، المتعرض للسؤال مقدار ما يحتاج إليه {وَٱلْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] المتعفف عن ذلِّ السؤال، المتمكن في زايوة التوكل والتفويض. ثم أشار سبحانه إلى حيطة وحدته الذاتية، وشمولها على عموم ما ظهر وبطن في الآفاق والأنفس بالاستقلال والانفراد، وسر سريان هويته الذاتية على ذرائر الكائنات، تنبيهاً للمريد المستبصر، وإيقاضاً لهم عن سنة الغفلة ونعاس النسيان، فقال: {وَفِي ٱلأَرْضِ} أي: عالم المسببات، والاستعدادات المعبرة بالآفاق المعدة لظهور آثار القدرة الكاملة الإلهية من العجائب والغرائب، المتفرعة على كمال العلم، ووفور الحكمة المتقنة آيَاتٌ دلائل واضحات وشواهد لائحات دالة على قدرة الصانع الحكيم، ووحدة ذاته، واختياره في مطلق تصرفاته، واستقلاله في حكمه ومصالحه {لِّلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] المنكشفين باليقين العلمي والعيني والحق. بل {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ} أيضاً أيها المستبصرون، المستكشفون عن سرائر الألوهية وأسرار الربوبية شواهد ظاهرة تشهد على حقية الحق، وتوحده في ظهوره ووجوده {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] أيها المجبولون على فطرة الكشف والشهود. {وَ} كذا {فِي ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأسماء، والأسباب المعبرة عنها بالأعيان الثابتة {رِزْقُكُمْ} أي: أرزاقكم الصورية والمعنوية، المبقية لأشباحكم وأرواحكم {وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] من الآجال المقدرة، والجزاء المترتب على الأعمال والأفعال الصادرة عن هوياتهم الباطلة في نشأتكم الأولى، وحالاتكم الواقعة فيها. ثم أقسم سبحانه تأكيداً لما أومأ، فقال: {فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: وحق موجدهما، ومربيهما على هذا النمط البديع والنظم الغريب {إِنَّهُ} أي: ما يستدل بإيجادهما، وإظهارهما على وجوده سبحانه وكمال قدرته، ووفور حكمته، ومتانة حكمه {لَحَقٌّ} ثابت محقق حقيق بالحقية، وحيد بالقيومية، فريد بالديمومية، لا يعرضها زمان، ولا يعتريها كلال. وهو في حقيته وتحققه {مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 23] أي: كمال لا شبهة لكم في تنطقكم، وتلفظكم بالكمالات المنطوقة، كذلك لا شبهة في حقية الحق وظهوره، بل هو أظهر من كل شيء ظاهر، وأجلى من كل جلي، بل الكل إنما يظهر به وبظهوره، إلا إنكم بغيوم تعيناتكم الباطلة وظلام هوياتكم العاطلة، تسترون شمس الحق الظاهر في الآفاق بكمال الكرامة والاستحقاق. ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم الخليل، المتحقق بمقام الكشف والشهود، النازلة من عنده سبحانه من كمال المحبة والإخلاص والخلة والاختصاص مع ضيفه من الملائكة المكرمين، فقال مستفهماً لحبيبه صلى الله عليه وسلم على سبيل العبرة والتذكير {هَلْ أَتَاكَ} وصل إليكم يا أكمل الرسل {حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} وقصة إلمام الملائكة نزولهم عنده على صورة الأضياف {ٱلْمُكْرَمِينَ} [الذاريات: 24] لكرامتهم، وحسن صورتهم وسيرتهم. ومن كمال كرامتهم ونجابتهم: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ} وحضروا عند بلا استئذان {فَقَالُواْ} ترحيباً وتكريماً: {سَلاَماً} أي: نسلم سلاماً عليك {قَالَ} إبراهيم عليه السلام في جوابهم ظهاراً، وإن أنكر عليهم خفية بدخولهم بلا استئذان: {سَلاَمٌ} عليكم، عدل إلى الرفع لقصد الدوام والثبات؛ ليكون رده أكمل من تسليمهم، وهو عليه السلام، وإن بادر إلى رد تسليمهم، إلا أنه أضمر في نفسه الإنكار عليهم، فقال في سره: هؤلاء {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} [الذاريات: 25] لا أعرف نفوسهم ولا أمرهم. {فَرَاغَ} أي: عدل، مال عنهم فجأة خفية منهم {إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات: 26] إذ كان أغلب مواشيه البقر، فذبحه وطبخه {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} نزلاً، فأبوا عن أكله، فعرض عليهم، وحثهم على الأكل كما هو عادة أرباب الضيافة؛ حيث {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ} [الذاريات: 27] منه، فلم يأكلوا بعد العرض والإذن أيضاً. ثم لما رأى منهم ما رأى من الامتناع عن طعامه {فَأَوْجَسَ} وأضمر الخليل في نفسه {مِنْهُمْ خِيفَةً} خوفاً ورعباً منه، ظناً منه أنه إنما امتنعوا من طعامه، ليقصدوا له سوءاً، ثم لما تحسسوا منه ما تحسسوا من الرعب المفرط {قَالُواْ} له إزالةً لرعبه: {لاَ تَخَفْ} منَّا، ولا تحزن عن امتناعنا من الأكل، إنا لسنا ببشر، بل نحن ملائكة منزهون عن الأكل، مرسلون من عند ركم لأمر عظيم. قيل: مسح جبريل العجل المشوي فحيي، فقام يدرج ويدب حتى لحق بأمه، وبعدما رأى منهم إبراهيم ما رأى، وسمع ما سمع، أمن منهم {وَ} بعدما أمنوه وأزالوا رعبه {بَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ} إذ لم يكن له ابن يخلف عنه، وكانت امرأته عجوز عقيمة {عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] في كمال الرشد والفطنة، وهو إسحاق عليه السلام. وبعدما سمع إبراهيم منهم البشرى أخبر به امرأته، ثم لما سمعت ما سمعت استحالت واستبعدت {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ} سارة إليهم {فِي صَرَّةٍ} صرير وضجة {فَصَكَّتْ} ولطمت {وَجْهَهَا} بأطراف أصابعها {وَقَالَتْ} مشتبكة: أنا {عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 29] عاقر، كيف ألد ابناً سيما بعد انقضاء أوانه وانصرام زمانه؟! ثم لما شاهدوا منها ما شاهدوا {قَالُواْ} لها: {كَذَلِكِ} أي: مثل ذلك الذي نخبرك ونبشرك {قَالَ رَبُّكِ} وما علينا إلا البلاغ، والأمر بيد الله {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ} في عموم أفعاله وآثاره {ٱلْعَلِيمُ} [الذاريات: 30] بمطلق تدابيره وتقاديره.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} [الذاريات: 1]، يشير إلى الرياح [السحابية] بحمل أنين المشتاقين المتعرضين لنفحات الألطاف إلى ساحات العزة، ثم تأتي بنسيم نفحات الحق إلى مشام أسرار أهل المحبة، فيجدون راحة من غلبات اللوعة، وفي معناه أنشدوا: شعر : وَإِنّي لأَستَهدي الرِياحَ سَلامَكُم إِذا أَقبَلَت مِن نَحوِكُم بِهُبوبِ وَأَسأَلُها حَملَ السَلامِ إِلَيكُمُ فَإِن هِيَ يَوماً بَلَّغَت فَأَجيبي تفسير : بقوله: {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} [الذاريات: 2]، يشير إلى سحاب ألطاف الربوبية بحمل أمطار مراحم الألوهية، فيمطر على قلوب الصديقين. وبقوله: {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً} [الذاريات: 3]، يشير إلى سفن وجود المحبين المحبوبين شراعها مرفوعة إلى مهب رياح العناية؛ فتجري بها في بحر التوحيد على أيسر حال. وبقوله: {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} [الذاريات: 4]، يشير إلى من ينزل من الملائكة المقربين؛ لتفقد أهل الوصلة وللقيام بأنواع من الأمور لأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم هل عندهم خبر من فراقهم ووصالهم، ويقولون: شعر : بربكما يا صاحبي قفا ليا أسائلكم عن حالكم فسألانيا تفسير : {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 5]، أيها الطالبون الصادقون في خطاب: "حديث : ألا من طلبني وجدني"تفسير : {لَصَادِقٌ} [الذاريات: 5]، {وَإِنَّ ٱلدِّينَ} [الذاريات: 6]؛ أي: حقيقة الدين {لَوَٱقِعٌ} [الذاريات: 6] في جدر قلوب المجاهدين فينا وأسرار المجتهدين لنا، أن الله تعالى وعد المطيعين بالجنة، والتائبين بالمحبة، والأولياء بالقربة، والعارفين بالوصلة، والطالبين بالوجدان. ثم جدد القسم فقال: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} [الذاريات: 7]، أشار إلى سماء القلب ذات الطرائق إلى الله عز وجل، {إِنَّكُمْ} [الذاريات: 8] أيها الطالبون الصادقون {لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} [الذاريات: 8] في الطلب؛ فمنكم من يطلب منا ما عندنا من كمالات القربات، ومنكم من يطلب منا بالدنيا من العلوم والمعارف، ومنكم من يطلبنا بجميع صفاتنا، فمن استقام على الطريقة وثبت ملازماً في طلبه لبلغ كل قاصد مقصده. وبقوله: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9]، يشير إلى أن في قطاع الطريق على أرباب الطلب للكثرة، فمن يصرفه طلبه قاطع من القطاع من النفس والهوى والدنيا وزينتها وشهواتها وجاهها ونعيمها فَصُرِف؛ فقد حرم عن متمناه وأهلكه هواه، كما قيل نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وينادي عليه منادي العزة: وكم مثلها فارقتها وهي تصغر. وبقوله: {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} [الذاريات: 10-11]، يشير إلى مدعي هذا الحدث الكذابين الذين هم في غمرة الحسبان والغرور لاهون، ومن استبطاء حصول المرام {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الذاريات: 12]؟ وهم في ضلالة ظلمة ليل الدنيا يستعجلون في استصباح نهار الدين، فأجابتهم عزة الجبروت عن تنق الكبرياء والعظموت، {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} [الذاريات: 13]؛ أي: على نار الشهوات {يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]؛ أي: بعذاب البعد والقطيعة يعذبون. {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ}؛ أي: عذاب فتنتكم التي قطعت عليكم طريق الطلب، {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ} [الذاريات: 14] تملون عن الطلب، {تَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 14] الظفر بالمقصود. ثم أخبر عن المتقين التائبين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الذاريات: 15]، يشير إلى أنهم في جنات قلوبهم، وعيون الحكمة في عاجلهم، بل في جنات الوصل وفي أجلهم في جنات الفضل، فغداً نجاة ودرجات واليوم مناجاة وقربات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا قسم من الله الصادق في قيله، بهذه المخلوقات العظيمة التي جعل الله فيها من المصالح والمنافع، ما جعل على أن وعده صدق، وأن الدين الذي هو يوم الجزاء والمحاسبة على الأعمال، لواقع لا محالة، ما له من دافع، فإذا أخبر به الصادق العظيم وأقسم عليه، وأقام الأدلة والبراهين عليه، فلم يكذب به المكذبون، ويعرض عن العمل له العاملون. والمراد بالذاريات: هي الرياح التي تذروا، في هبوبها { ذَرْوًا } بلينها، ولطفها، ولطفها وقوتها، وإزعاجها. { فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا } السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به البلاد والعباد. { فالْجَارِيَاتِ يُسْرًا } النجوم، التي تجري على وجه اليسر والسهولة، فتتزين بها السماوات، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وينتفع بالاعتبار بها. { فالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا } الملائكة التي تقسم الأمر وتدبره بإذن الله، فكل منهم، قد جعله الله على تدبير أمر من أمور الدنيا وأمور الآخرة، لا يتعدى ما قدر له وما حد ورسم، ولا ينقص منه.
همام الصنعاني
تفسير : 2970- عبد الرزاق، عن معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل، قال: شهدت عَلِيّاً وهو يخطب، وهو يقُولُ: سَلُونِي، فوالله لا تَسألوني عن شيء يكون إلى يوْمِ القيامة إلاَّ حدثتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آيةٍ إلاَّ وأنا أَعْلَمُ بلَيْلٍ نَزَلَتْ أم بنهَارٍ، أم في سَهْلٍ أم في جبلٍ، فقال إليه ابن الكواء واأنا بينه وبين علي - وهُوَ خلفي - قال: ما {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً * فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} [الذاريات: 1-2-3-4]، فقال علي، ويلك سَلْ تَفَقُّهاً وَلاَ تَسْأَلْ تَعَنُّتاً، {وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً}: الرّياح {فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً}: قال: السحاب،، {فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً}: السُّفُن، {فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً}. قال: الملائكة. قال: أفرأيت السَّوَاد الذي في القمر، ما هو؟ قال: أعمى سأل عن عمياء، أما سمعت الله يقولُ {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً}تفسير : : [الإسراء: 12] فذلك محوه السَّوَاد الذي فيه. أفرأيت ذا القرنين؟ آَنَبِيّاً كانَ أَمْ مَلَكاً! قال: ولا وَاحِد منهما، ولكن كان عبداً صالحاً أَحَبَّ الله فأحبه الله؛ وناصَحَ الله فَنَاصَحَهُ، دَعَا قومه إلى الهُدَى فضربوه على قرنه فمكث مَا شَاءَ الله، ثم دعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر ولم يكن له قرنان كقرني الثور. قال: أفرأيت (هذا القوس) ما هِيَ؟ قال: علامة كانت بين نوح وبين رَبّه وأما من الغَرَق. قال: أفرأيت البيت المعمور، ما هو؟ قال: ذَلِكَ (الصُّراحُ) في سبع سماوات تحت العرش يدخل كلّ يومٍ سبعون ألف مَلَك لاَ يَعُودُونَ إليه يَوْمِ القيامة. قال: فمن {أية : ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم: 28] قال: الأفْجران من قريش: بنو أمية، وبنو مخزوم، كُفِيتَهُم يَوْمَ بَدْرٍ. قال: فَمنْ {أية : ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : : [الكهف: 104]! قال: كانت أهل حروراء منهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):