٥١ - ٱلذَّارِيَات
51 - Adh-Dhariyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي تفسيره مباحث: الأول: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } قيل: الطرائق، وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد طرائق الكواكب وممراتها كما يقال في المحابك، ويحتمل أن يكون المراد ما في السماء من الأشكال بسبب النجوم، فإن في سمت كواكبها طريق التنين والعقرب والنسر الذي يقول به أصحاب الصور ومنطقة الجوزاء وغير ذلك كالطرائق، وعلى هذا فالمراد به السماء المزينة بزينة الكواكب، ومثله قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ } تفسير : [البروج: 1] وقيل: حبكها صفاقها يقال في الثوب الصفيق حسن الحبك وعلى هذا فهو كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } تفسير : [الطارق: 11] لشدتها وقوتها وهذا ما قيل فيه. البحث الثاني: في المقسم عليه وهو قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } وفي تفسيره أقوال مختلفة كلها محكمة. الأول: إنكم لفي قول مختلف، في حق محمد صلى الله عليه وسلم، تارة يقولون إنه أمين وأخرى إنه كاذب، وتارة تنسبونه إلى الجنون، وتارة تقولون إنه كاهن وشاعر وساحر، وهذا محتمل لكنه ضعيف إذ لا حاجة إلى اليمين على هذا، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار حتى يؤكد بيمين. الثاني: {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } أي غير ثابتين على أمر ومن لا يثبت على قول لا يكون متيقناً في اعتقاده فيكون كأنه قال تعالى، والسماء إنكم غير جازمين في اعتقادكم وإنما تظهرون الجزم لشدة عنادكم وعلى هذا القول فيه فائدة وهي أنهم لما قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم إنك تعلم أنك غير صادق في قولك، وإنما تجادل ونحن نعجز عن الجدل قال: {وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً } أي أنك صادق ولست معانداً، ثم قال تعالى: بل أنتم والله جازمون بأني صادق فعكس الأمر عليهم. الثالث: إنك لفي قول مختلف، أي متناقض، أما في الحشر فلأنكم تقولون لا حشر ولا حياة بعد الموت ثم تقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة، فإذا كان لا حياة بعد الموت ولا شعور للميت، فماذا يصيب آباءكم إذا خالفتموهم؟ وإنما يصح هذا ممن يقولون بأن بعد الموت عذاباً فلو علمنا شيئاً يكرهه الميت يبدي فلا معنى لقولكم إنا لا ننسب آباءنا بعد موتهم إلى الضلال، وكيف وأنتم تربطون الركائب على قبور الأكابر، وأما في التوحيد فتقولون خالق السمٰوات والأرض هو الله تعالى لا غيره ثم تقولون هو إلٰه الآلهة وترجعون إلى الشرك، وأما في قول النبـي صلى الله عليه وسلم فتقولون إنه مجنون ثم تقولون له إنك تغلبنا بقوة جدلك، والمجنون كيف يقدر على الكلام المنتظم المعجز، إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } قيل: المراد بالسماء هاهنا السُّحُب التي تظل الأرض. وقيل: السماء المرفوعة. ٱبن عمر: هي السماء السابعة؛ ذكره المهدوي والثعلبي والماوردي وغيرهم. وفي «الْحُبُكِ» أقوال سبعة: الأول ـ قال ٱبن عباس وقتادة ومجاهد والربيع: ذات الخَلق الحسن المستوي. وقاله عكرمة؛ قال: ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه؛ يقال منه حَبَك الثوبَ يَحبِكُه بالكسر حَبْكاً أي أجاد نسجه. قال ٱبن الأعرابي: كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد ٱحتبكته. والثاني ـ ذات الزينة؛ قاله الحسن وسعيد بن جبير، وعن الحسن أيضاً: ذات النجوم وهو الثالث. الرابع ـ قال الضحاك: ذات الطرائق؛ يقال لما تراه في الماء والرمل إذا أصابته الريح حُبُك. ونحوه قول الفراء؛ قال: الحُبُك تَكسُّر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به الريح، ودرع الحديد لها حُبُك، والشعرة الجَعْدة تكسّرها حُبُك. وفي حديث الدجَّال. إنّ شعره حُبُك. قال زهير:شعر : مُكَلَّلٌ بأصولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيقٌ لِضاحِي مائهِ حُبُكُ تفسير : ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها. الخامس ـ ذات الشدة، قاله ٱبن زيد، وقرأ {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}. والمحبوك الشديد الخَلْق من الفرس وغيره، قال ٱمرؤ القيس:شعر : قد غَدَا يَحْمِلُني في أنْفِهِ لاَحِقُ الإطْلَيْنِ مَحْبُوكٌ مُمَرْ تفسير : وقال آخر:شعر : مَرِجَ الدِّينَ فأَعددتُ لَهُ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوك الْكَتَدْ تفسير : وفي الحديث: أن عائشة رضي الله عنها كانت تحتبك تحت الدِّرْع في الصلاة؛ أي تشدّ الإزار وتحكمه. السادس ـ ذات الصفّاقة؛ قاله خَصِيف، ومنه ثوب صفِيق ووجه صفيق بين الصفاقة. السابع ـ أن المراد بالطرق المَجرّة التي في السماء؛ سميت بذلك لأنها كأثر المَجَرّ. و«الْحُبُك» جمع حِباك، قال الراجز:شعر : كأنّما جَلَّلها الْحُوَّاكُ طنفسة في وَشْيها حِبَاكُ تفسير : والحبَاك والحَبِيكة الطريقة في الرّمل ونحوه. وجمع الحِبَاك حُبُك وجمع الحَبِيكة حَبَائك، والْحَبَكَة مثل العَبَكة وهي الحبّة من السويق، عن الجوهري. وروي عن الحسن في قوله: «ذَاتِ الْحُبُكِ» «الْحُبْكِ» و«الحِبِكِ» و«الحِبْكِ». و«الحِبَك والحِبُك (وقرأ أيضاً «الْحُبُك») كالجماعة. وروي عن عِكْرمة وأبي مِجْلَز «الحُبك». و«الحُبُك» واحدتها حَبيكة؛ «والْحبُكْ» مخفّف منه. و«الحِبَك» واحدتها حِبْكة. ومن قرأ «الْحُبَكِ» فالواحدة حُبْكَة كبُرقة وبُرَق أو حُبُكة كظُلُمة وظُلَم. ومن قرأ «الحِبكِ» فهو كإبلِ وإِطِل و«الحِبْك» مخففة منه. ومن قرأ «الحِبُك» فهو شاذ إذ ليس في كلام العرب فِعُلٌ، وهو محمول على تداخل اللغات، كأنه كسر الحاء ليكسر الباء ثم تصوّر «الْحُبُك» فضم الباء. وقال جميعه المهدوي. قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} هذا جواب القسم الذي هو «والسَّمَاءِ» أي إنكم يا أهل مكة «فِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ» في محمد والقرآن فمن مصدّق ومكذّب. وقيل: نزلت في المقتسمين. وقيل: ٱختلافهم قولهم ساحر بل شاعر بل ٱفتراه بل هو مجنون بل هو كاهن بل هو أساطير الأوّلين. وقيل: ٱختلافهم أن منهم من نفى الحشر ومنهم من شك فيه. وقيل: المراد عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره. قوله تعالى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي يصرف عن الإيمان بمحمد والقرآن من صُرِف؛ عن الحسن وغيره. وقيل: المعنى يُصرَف عن الإيمان من أراده بقولهم هو سحر وكهانة وأساطير الأوّلين. وقيل: المعنى يُصرَف عن ذلك الاختلاف مَن عصمه الله. أَفَكَه يَأْفِكُه أَفْكاً أي قلبه وصرفه عن الشيء؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا}تفسير : [الأحقاف: 22]. وقال مجاهد: معنى «يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ» يُؤفَن عنه من أُفِن، والأَفْنَ فساد العقل. الزمخشري: وقرىء «يُؤْفَنُ عَنْهُ مَنْ أُفِنَ» أي يحرمه من حرم؛ من أَفَن الضَّرْعَ إذا أنكهه حَلْباً. وقال قُطْرُب: يُخدَع عنه من خُدِع. وقال اليزيدي: يُدفَع عنه من دُفِع. والمعنى واحد وكله راجع إلى معنى الصرف. قوله تعالى: {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} في التفسير: لُعِن الكذّابون. وقال ٱبن عباس: أي قُتِل المرتابون؛ يعني الكهنة. وقال الحسن: هم الذين يقولون لسنا نبعث. ومعنى «قُتِلَ» أي هؤلاء ممن يجب أن يدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين. وقال الفرّاء: معنى «قُتِلَ» لُعِن؛ قال: و«الْخَرَّاصُونَ» الكذابون الذين يتخرّصون بما لا يعلمون؛ فيقولون: إن محمداً مجنون كذّاب ساحر شاعر؛ وهذا دعاء عليهم؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. قال ٱبن الأنباري: علّمنا الدعاء عليهم؛ أي قولوا: {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} وهو جمع خارص والْخَرْص الكذب والْخَرَّاص الكذّاب، وقد خَرَص يَخْرُص بالضم خَرْصا أي كَذَب؛ يقال: خَرَص وٱخْتَرص، وخَلَقَ وٱختلقَ، وبَشَك وٱبْتَشك، وسَرَج وٱسْتَرج، ومان، بمعنى كذب، حكاه النحاس. والْخَرْص أيضاً حَزْر ما على النخل من الرطب تمراً. وقد خَرَصتُ النخلَ والاسم الخِرْص بالكسر؛ يقال: كم خِرْص نخلك والخرّاص الذي يخرصها فهو مشترك. وأصل الخُرْص القطع على ما تقدّم بيانه في «الأنعام» ومنه الْخَرِيص للخليج؛ لأنه ينقطع إليه الماء، والخُرِصُ حبّة القُرْط إذا كانت منفردة؛ لانقطاعها عن أخواتها، والخُرْص العود؛ لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته. والْخَرِص الذي به جوع وبَرْد لأنه ينقطع به، يقال: خَرِص الرجلُ بالكسر فهو خَرِص، أي جائع مقرور، ولا يقال للجوع بلا برد خَرَص. ويقال للبرد بلا جوع خَرَص. والْخُرْص بالضم والكسر الحلقة من الذهب أو الفضة والجمع الخِرْصان. ويدخل في الْخَرْص قول المنجمين وكل من يدّعي الحَدْس والتخمين. وقال ٱبن عباس: هم المقتسمون الذين ٱقتسموا أعقاب مكة، وٱقتسموا القول في نبيّ الله صلى الله عليه وسلم؛ ليصرفوا الناس عن الإيمان به. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } الغمرة ما ستر الشيء وغطّاه. ومنه نهر غَمْر أي يغْمُر من دخله، ومن غَمَرات الموت. «سَاهُونَ» أي لاهون غافلون عن أمر الآخرة. قوله تعالى: {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} أي متى يوم الحساب؛ يقولون ذلك ٱستهزاءً وشَكًّا في القيامة. {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} نصب «يَوْم» على تقدير الجزاء أي هذا الجزاء «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ» أي يُحرَقون، وهو من قولهم: فتنت الذهب أي أحرقته لتختبره؛ وأصل الفتنة الاختبار. وقيل: إنه مبنيّ بني لإضافته إلى غير متمكن، وموضعه نصب على التقدير المتقدّم، أو رفع على البدل من {يَوْمُ ٱلدِّينِ}. وقال الزجاج: يقول يعجبني يومُ أنت قائم ويومُ أنت تقوم، وإن شئت فتحت وهو في موضع رفع، فإنما ٱنتصب هذا وهو في المعنى رفع. وقال ٱبن عباس: {يُفْتَنُونَ } يُعذَّبون. ومنه قول الشاعر:شعر : كلُّ ٱمرِىءٍ من عبادِ اللَّهِ مُضطَهدٌ بِبطنِ مكةَ مقهورٌ ومفتونُ تفسير : قوله تعالى: {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} أي يقال لهم ذوقوا عذابكم؛ قاله ٱبن زيد. مجاهد: حريقكم. ٱبن عباس: أي تكذيبكم يعني جزاءكم. الفرّاء: أي عذابكم {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} في الدنيا. وقال: «هَذَا» ولم يقل هذه؛ لأن الفتنة هنا بمعنى العذاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلسَّمَاءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } جمع حبيكة كطريقة وطرق أي صاحبة الطرق في الخلقة كالطريق في الرمل.
ابن عبد السلام
تفسير : {والسَّمَآءِ} السحاب أو السماء المعروفة على المشهور قال ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ هي السماء السابعة {الْحُبُكِ} الاستواء "ع"، أو الشدة، أو الصفاقة، أو الطرائق من حباك الحمام طرائق على جناحه، أو الحسن والزينة، أو كحبك الماء إذا ضربته الريح، أو الريح، أو لأنها حبكت بالنجوم "ج".
ابن عادل
تفسير : ثم ابتدأ قسماً آخر وهو قوله: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} العامة على الحُبُك - بضمتين - قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذاتِ الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نَسَجَ الثَوْبَ فَأَجَاد: ما أحْسَنَ حَبْكهُ. وقال سعيد بن جبير: ذاتِ الزّينة أي المزينة بزينة الكواكب. قال الحسن: حُبِكَتْ بالنُّجوم. وقال مجاهد: هي المتقنة المبنيّات. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق كحَبْك الماء إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيح، وحَبْكِ الرَّمل والشّعر الجَعْد وهو آثار تَثَنِّيه وَتَكسُّرِهِ، قال زهير: شعر : 4519- مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ريحٌ خَريقٌ لضَاحي مَائهِ حُبُك تفسير : والحبك جمع يحتمل أن يكون مفرده حَبِيكَة، كطَرِيقةٍ وطُرُق أَو حِباك نحو: حِمَار وحُمُر قال: شعر : 4520- كَأَنَّمَا جَلَّلَها الحُوَّاكُ طِنْفسَةٌ فِي وَشْيِهَا حِبَاكُ تفسير : وأصل الحَبْك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدروع: مَحْبُوكة. وقيل: الحَبْكُ الشدّ والتَّوَثُّق، قال امرؤ القيس: شعر : 4521- قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ لاَحِقُ الإطْلَيْنِ مَحبُوكٌ مُمَرّ تفسير : وفي هذه اللفظة قراءات كثيرة، فعن الحسن - ( رضي الله عنه ) - ست قراءات، الحبك - بالضم - كالعُنُق، وبضم الحاء وسكون الباء وتروى عن ابن عباس، وأبي عمرو، وبكسر الحاء والباء، وبكسر الحاء وسكون الباء، وهو تخفيف المكسور، وكسر الحاء وفتح الباء، وكسر الحاء وضم الباء، وهذه أقلها لأن هذه الزنة مهملة في أبنية العرب. قال ابن عطية وغيره: هو من التداخل، يعني أن فيها لغتين الكسر في الحاء والباء والضم فيهما فأخذ هذا القارىء الكسرَ من لغةٍ، والضمّ من أُخْرَى. واستبعدها الناس؛ لأن التداخل إنما يكون في كلمتين. وخرجها أبو حيان على أن الحاء أتبعت لحركة التاء في ذات، قال: ولم يعتد باللام فاصلةً لأنها ساكنة فهي حاجز بَيِّنٌ حصين. وقد وافق الحسن على هذه القراءة أبو مالك الغِفَارّي. وقرأ عكرمة بالضم والفتح جمع حُبْكَة نحو: غُرْفَة وغُرَف، وابن عباس وأبو مالك الحَبَك بفتحتين، جمع حَبْكَة كعَقْبَة وعَقَب. وقوله: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} جواب القسم. فصل المعنى: إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - تارة تقولون: إنه أمين، وأخرى إنه كاذب، وتارة تنسبونه إلى الجنون، وتارة كاهن، وشاعر، وساحر، وهذا القول ضعيف؛ إذ لا حاجة إلى اليمين على هذا، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار حتى يؤيد باليمين. وقيل: يقولون: إنه مجنون ثم يقولون: غلبنا بقُوَّةِ جداله. وقيل: لفي قول مختلف في القرآن، يقولون فيه إنه سِحْرٌ وكَهَانَةٌ وأساطير الأولين. وقيل: قَوْلٌ مختلف أي مصدّق ومكذب. وقيل: غير ثابتين على أمر. وقيل: متناقض، تارة يقولون: لا حَشْرَ ولا حَيَاةَ بعد الموت، ثم يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ. قوله: "يُؤفك عنه" صفة لقول، والضمير في "عنه" للقرآن، أو الرسول، أو للدين، أو لما توعدون، أي يصرف عنه. وقيل: عن السبب. والمأفوك عنه محذوف، والضمير في "عنه" على هذا القول مختلف، أي يؤفك بسبب القول من أراد الإسلام بأن يقول: هو سحرٌ وكَهَانَةٌ. والعامة على بناء الفعلين للمفعول. وقتادة وابن جبير: يُؤْفَكُ عنه من أَفِكَ، الأول للمفعول، والثاني للفاعل، أي يُصْرَفُ عنه من صَرَفَ الناسَ عَنْهُ. وزيد بن علي: يَأْفِكُ مبنياً للفاعل من أُفِكَ مبنياً للمفعول عكس ما قبله، أي يَصْرِف الناسَ عَنْه مَنْ هو مَأْفُوكٌ في نَفْسِهِ. وعنه أيضاً: يُؤفّكُ عنه من أفَّكَ بالتشديد، أي من هو أَفَّاك في نفسه. وقرىء: يُؤْفَن عنه من أُفِن بالنون فيهما أي يُحْرَمُهُ من حُرِمَهُ من أَفَنَ الضَّرْعَ إذا نَهَكَهُ حَلْباً. فصل قيل في تفسير قوله: {يؤفك عنه من أفك} وجوه: أحدها: مدح المؤمنين، ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك القول، ويرشد إلى القول المستوي. وقيل: إنه ذم ومعناه يؤفك عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني من حرمه الله الإيمان بمحمد وبالقرآن. وقيل "عن" بمعنى "مِنْ أجل"، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف، أو بسببه عن الإيمان من صرف، وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان، فيقولون: إنه ساحر، وكاهن، ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، قاله مجاهد.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} قال ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ وعكرمةُ ذاتُ الخَلْقِ المُستوِي وقالَ سعيدُ بنُ جُبَـيرٍ ذاتُ الزينةِ وقالَ مجاهدٌ هيَ المتقنةُ البنيانِ وقالَ مقاتلٌ والكلبـيُّ والضَّحاكُ ذاتُ الطرائقِ والمرادُ إمَّا الطرائقُ المحسوسةُ التَّي هيَ مسيرُ الكواكبِ أوِ المعقولةُ التَّي يسلُكُها النظارُ أوِ النجومُ فإنَّ لهَا طرائقَ وعنِ الحسنِ حَبْكُها نُجُومُها حيثُ تزينُها كما تزينُ المُوشَّى طرائقُ الوَشْي. وهيَ إمَّا جمعُ حِبَاكٍ أو حَبِـيكةٍ كَمِثَالٍ ومُثُلٍ وطَريقةٍ وطُرُق وقُرِىءَ الحُبْكِ بوزنِ القُفْلِ والحِبْكِ بوزنِ السِّلْكِ والحَبَكِ كالجَبَلِ والحَبْكِ كالبَرقِ والحِبَكِ كالنِّعَمِ والحِبِكِ كالإِبِلِ. {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} أيْ متخالفٍ متناقضِ وهُوَ قولُهم في حقِّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تارةً شاعرٌ وأخْرى ساحرٌ وأخرى مجنونٌ وفي شأنِ القرآنِ الكريمِ تارةً شعرٌ وأُخْرى سحرٌ وأُخْرى أساطيرُ، وفي هَذا الجوابِ تأيـيدٌ لكونِ الحبكِ عبارةً عنْ الاستواءِ كَما يلوحُ بهِ ما نُقلَ عنِ الضَّحاكِ منْ أنَّ قولَ الكفرةِ لا يكونُ مستوياً إنَّما هُو متناقضٌ مختلفٌ، وقيلَ: النكتةُ في هذا القسمِ تشبـيهُ أقوالِهم في اختلافِها وتنافِي أغراضِها بطرائقِ السمواتِ في تباعدِها واختلافِ غاياتِها وليسَ بذاكَ. {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أيْ يُصرفُ عنِ القرآنِ أو الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منْ صُرفَ إذْ لا صرفَ أفظعُ منْهُ وأشدُّ وقيلَ: يَصرفُ عَنْهُ منْ صُرفَ في علمِ الله تعالَى وقضائِه ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ للقولِ المختلفِ عَلى مَعْنى يصدرُ إفكُ منْ أفكَ عنْ ذلكَ القولِ وقُرِىءَ مَنْ أفكَ أيْ مَنْ أفكَ الناسَ وهُم قريشٌ حيثُ كانُوا يصدونَ الناسَ عنِ الإيمانِ. {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} دعاءٌ عليهمْ كقولِه تعالَى: { أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ} تفسير : [سورة عبس، الآية 17] وأصلُه الدعاءُ بالقتلِ والهلاكِ ثمَّ جَرى مَجرى اللعنِ والخرَّاصُونَ الكذَّابُونَ المقدرونَ ما لا صحةَ لهُ وهُم أصحابُ القولِ المختلفِ كأنَّه قيلَ قُتِلَ هؤلاءِ الخرَّاصُونَ وَقُرِىءَ قَتَل الخَرَّاصينَ أيْ قتلَ الله {ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ} منَ الجهلِ والضَّلالِ {سَـٰهُونَ} غافلونَ عَمِّا أُمروا بهِ. {يَسْـئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ} أيْ مَتَى وقوعُ يومِ الجزاءِ لكنْ لا بطريقِ الاستعلامِ حقيقةً بلْ بطريقِ الاستعجالِ استهزاءً وقُرِىءَ إِيَّانَ بكسرِ الهمزةِ {يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} جوابٌ للسؤالِ أيْ يقعُ يوم هُم عَلى النارِ يحرقونَ ويعذبونَ ويجوزُ أنْ يكونَ يومَ خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ أيْ هُوَ يومَ هم الخ والفتحُ لإضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ ويؤيدُه أنَّه قُرِىءَ بالرفعِ.
القشيري
تفسير : {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} أي ذات الطرائق الحسنة - وهذا قَسَمٌ ثانٍ، وجوابه: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} يعني في أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم فأحدهم يقول: إنه ساحر، وآخر يقول: مجنون، وثالث يقول: شاعر... وغير ذلك. والإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان، وقمر المحبة، ونجوم القُرب... إنكم في باب هذه الطريقة لفي قولٍ مختلف؛ فَمِنْ مُنْكِرٍ يجحد الطريقة, ومِنْ مُعترِضٍ يعترض على أهلها يتوهَّم نقصانهم في القيام بحق الشريعة، ومن متعسِّفٍ لا يخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبراً عن تخصيص الحقِّ أولياءَه بالأحوال السنية، قال قائلهم: شعر : فد سَحبَ الناسُ أذيــال الظنــون بنا وفَرَّقَ الناسُ فينا قولهم فِرقَا فكاذبٌ قد رمى بالظــنِّ غَيْرتكــم وصادقٌ ليس يدري أنه صَدَقَا تفسير : قوله جل ذكره: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ}. أي يُصْرَفُ عنه مَنْ صُرِف، وذلك أنهم كانوا يصدُّون الناسَ عنه ويقولون: إنه لمجنون.
اسماعيل حقي
تفسير : {والسماء ذات الحبك} جمع حباك اوحبيكة كمثال ومثل وطريقة وطرق والمراد بالحبك الطرآئق اى الطرآئق المحسوسة التى هى مساير الكواكب او المعقولة التى يسلكها النظار ويتوصل بها الى المعارف كما قال الراغب الحبك هى الطرآئق فمن الناس من تصور منها الطرآئق المحسوسة بالنجوم والمجرة وهى بالفارسية كهكشان. وعن على رضى الله عنه ان السماء تنشق من المجرة يوم القيامة ومنهم من اعتبر بما فيه من الطرآئق المعقولة المدركة بالبصيرة والى هذا أشار بقوله {أية : ان فى خلق السموات والارض}تفسير : الى قوله {أية : ربنا ماخلقت هذا باطلا}تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما ذات الخلق الحسن المستوى. درتبيان از ابن عمر رضى الله عنهما نقل ميكندكه مراد آسمان هفتم است وحق تعالى بدوسوكند ياد كند
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والسماءِ ذات الحُبُكِ} ذات الطُرق الحسيّة، مثل ما يظهر على الماء والرمال من هبوب الرياح، وكذلك الطُرق التي في الأكسية من الحرير وغيره، يقال لها: حُبُك جمع حَبيكةٌ، كطريقة وطُرق، أو: جمع حِباك، قال الرَّاجز: شعر : كأنما جلاَّها الحوَّاكُ طِنْفَسَةً في وَشْيِها حِبَاكُ تفسير : والحوَّاك: صانع الحياكة، والمراد: إما الطريق المحسوسة، التي هي مسير الكواكب، أو: المعنوية، التي يسلكها النُظار في النجوم، فإن لها طرائق. قال البيضاوي: النكتة في هذا القَسَم، تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتباين أغراضها، بطرائق السماوات في تباعدها، واختلاف غاياتها، وقال ابن عباس وغيره: ذات الخَلْق المستوي، وعن الحسن: حبكها نجومها. وقال ابن زيد: ذات أشدة، لقوله تعالى:{أية : سَبْعاً شِدَاداًتفسير : } [النبأ: 12]. {إِنكم} يا أهل مكة {لفي قولٍ مختلف} متخالف متناقض، وهو قولهم في حقه صلى الله عليه وسلم تارة: شاعر، وأخرى ساحر، وفي شأن القرآن، تارة: شعر، وأخرى أساطير الأولين {يُؤفكُ عنه مَن أُفك} يُصرف عن القرآن، أو عن الرسول، مَن ثبت له الصرف الحقيقي، الذي لا صرف أفظع وأشد منه، فكأنّ لا صرف حقيقة إلا لهذا الصرف، أي: يُصرف عن الإيمان مَن صُرف عن كل سعادةٍ وخير، أو: يُصرف عن الإيمان مَن صُرف في سابق الأزل. قلت: والأظهر أن يرجع لما قبله، أي: يُصرف عن هذا القول المختلف مَن صُرف في علم الله تعالى، وسَبقت له العناية، يقول: أفكه عن كذا: صرفه عنه، وإن كان الغالب استعماله في الصرف عن الخير إلى الشر، لكنه عُرفي، لا لغوي. والله تعالى أعلم. {قُتل الخرَّاصُون} دعاء عليهم، كقوله:{أية : قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}تفسير : [عبس: 17] وأصله: الدعاء القتل والهلاك، ثم جرى مجرى "لُعِنَ"، والخرَّاصون: الكذّابون المُقدِّرون ما لا صحة له، وهم أصحاب القول المختلف، كأنه قيل: لُعن هؤلاء الخراصون {الذي هم في غمرةٍ} في جهل يغمرهم، {ساهون} غافلون عما أُمروا به {يسألون أيّان يومُ الدين} أي: متى وقوع يوم الجزاء، لكن لا بطريق الاستعلام حقيقة، بل بطريق الاستعجال، استهزاء، فإنَّ "إيّان" ظرف للوقوع المقدّر؛ لأن "أيّان" إنما يقع ظرفاً للحدثان. ثم أجابهم بقوله: {يومَ هم على النار يُفتنون} أي: يقع يوم هم على النار يُحرقون ويُعذّبون، ويجوز أن يكون خبراً عن مضمر، أي: هو يوم هم، وبُني لإضافته إلى مضمر، ويُؤيده أنه قُرئ بالرفع. {ذُوقوا فِتْنتكم} أي: وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا عذابكم وإحراقكم بالنار، {هذا الذي كنتم به تستعجلون} أي: هذا العذاب هو الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا، بقولكم:{أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}تفسير : [الأعراف: 70] فـ"هذا": مبتدأ، و"الذي..." الخ: خبر، ويجوز أن يكون "هذا" بدلاً من فتنتكم، و"الذي": صفته. الإشارة: أقسم الله تعالى بسماء الحقائق، وتُسمى سماء الأرواح؛ لأن أهل الحقائق روحانيون سماويون، ترقَّوا من أرض الأشباح إلى سماء الأرواح، حيث غلبت روحانيتهم، على بشريتهم، كما أن أهل الشرائع اليابسة أرضيين بشريين، حيث غلبت بشريتهم الطينية على روحانيتهم السماوية، ولكل واحدٍ طُرق، فطُرق سماء الحقائق هي المسالك التي تُوصل إليها، وهي قَطْع المقامات والمنازل، وخَرق الحُجب النفسانية، حتى يُفضوا إلى مقام العيان "في مقعد صدق عند مليك مقتدر" وطُرق أرض الشرائع هي المذاهب التي سلكها الأولون، واقتدى بهم الآخرون، يفضوا أهلها إلى رضا الله ونعيمه. وكان الشيخ الشاذلي رضي الله عنه يقول في تلميذه المرسي: إن أبا العباس أعرف بطُرق السماء منه بطُرق الأرض، أي: أعرف بمسالك الحقائق منه بمذاهب الشرائع، وهذا إشارة قوله: {ذات الحُبك} أي: الطُرق. إن أهل الجهل بالله لفي قولٍ مُختلفٍ مضطرب، لا تجد قلوبهم تأتلف على شيء، قلوبهم متشعبة، ونياتهم مختلفة، وهممهم دنية، وأقوالهم مضطربة، بخلاف أهل الحقائق العارفين بالله، قلوبهم مجتمعة على محبة واحدة، وقصدٍ واحد، وهو الله، بدايتهم في السلوك مختلفة، ونهايتهم متفقة، وهو الوصول إلى حضرة العيان، ولله در ابن البنا، حيث قال: شعر : مذاهبُ الناسِ على اختلاف ومذهبُ القوم على ائتلاف تفسير : وقال الشاعر: شعر : عباراتهم شتى وحُسْنُك واحدٌ وكُلٌّ إلى ذاك الجمال يُشير تفسير : يُؤفك عن هذا الاختلاف مَن صُرف في سابق العناية، أو مَن صُرف من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح. قُتل الخراصُون؛ المعتمدون على ظنهم وحدسهم، فعلومهم جُلها مظنونة، وإيمانهم غيبي، وتوحيدهم دليلي من وراء الحجاب، لا يَسلم من طوارق الاضطراب، الذين هم في غمرة؛ أي: في غفلة وجهل وضلالة - ساهون عما أُمروا به من جهاد النفوس، والسيرإلى حضرة القدوس، أو ساهون غائبون عن مراتب الرجال، لا يعرفون أين ساروا، وفي أيّ بحار سَبَحوا وغاصوا، كما قال شاعرهم: شعر : تركنا البحورَ الزاخراتِ وراءنا فمن أين يدري الناسُ أين توجهنا؟ تفسير : {يسألون أيّان يومُ الدين} ؛ لطول أملهم، أو يسألون أيَّان يوم الجزاء على المجاهدة. قال تعالى: هو {يوم هم} أي: أهل الغفلة - على نار القطيعة أو الشهوة يُفتنون بالدنيا وأهوالها، والعارفون منزَّهون في جنات المعارف. ويقال للغافلين: ذُوقوا وبال فتنتكم، وهو الحجاب وسوء الحساب، هذا الذي كنتم به تستعجلون، بإنكاركم على أهل الدعوة الربانيين، فتستعجلون الفتح من غير مفتاح، تطلبون مقام المشاهدة من غير مجاهدة، وهو محال في عالم الحكمة. وبالله التوفيق. ثم ذكر أضدادهم، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} اى ذات الطّرائق من مسير الكواكب او ذات الحسن والزّينة كما ورد عن امير المؤمنين (ع) فانّ الكواكب وطرائقها تزيّن السّماء كما يزيّن الموشّى الثّوب الوشّى بالطّرايق، او المراد بالطّرائق الادلّة الّتى يأخذها النّظّار منها الّتى يستدلّون بها على صانعها وعلمه وقدرته وارادته وحكمته. حديثٌ فى كيفيّة وضع الارض وطبقات السّماوات. وعن الحسين بن خالدٍ عن ابى الحسن الرّضا (ع) قال قلت له: اخبرنى عن قول الله تعالى والسّماء ذات الحبك، فقال: محبوكة الى الارض وشبّك بين اصابعه، فقلت: كيف تكون محبوكة الى الارض؟ - والله تعالى يقول رفع السّماء بغير عمدٍ، فقال: سبحان الله! اليس يقول بغير عمدٍ ترونها؟ - قلت: بلى، قال: فثمّ عمد ولكن لا ترى، فقلت: فكيف ذلك؟ - جعلنى الله فداك، قال: فبسط كفّه اليسرى ثمّ وضع اليمنى عليها، فقال: هذه ارض الدّنيا والسّماء الدّنيا فوقها قبّة، والارض الثّانية فوق السّماء الدّنيا، والسّماء الثّانية فوقها قبّة، والارض الثّالثة فوق السّماء الثّانية والسّماء الثّالثة فوقها قبّة، ثمّ هكذا الى الارض السّابعة فوق السّماء السّادسة والسّماء السّابعة فوقها قبّة، وعرش الرّحمن فوق السّماء السّابعة وهو قوله: {أية : خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}تفسير : [الطلاق:12]، وصاحب الامر هو النّبىّ (ص) والوصىّ علىّ (ع) بعده، وهو على وجه الارض وانّما يتنزّل الامر اليه من فوق السّماء بين السّماوات والارضين، قلت: فما تحتنا الاّ ارضٌ واحدةٌ، قال: وما تحتنا الاّ ارض واحدة وانّ السّتّ لفوقنا.
اطفيش
تفسير : {وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} ذات الطريق كحبك الرمل والماء اذا ضربته الريح وحبك أثار تثنية وتكسراً والدروع محبوكة لان حلقها مطرق طرائق ويقال ان خلق السماء كذلك لكن لا ترى كذلك لبعدها من الناس أو ذات طرق يسلكها النجوم أو طرق يسلكها النظار ويتوصل بها الى المعارف أو الملائكة وعن الحسن حبكها طرائقها وهي نجومها تزينها كما يزين الموشى طرائق الوشي وقيل ذات البيان وقيل حبكها احكامها المتقن. وقال ابن عباس: ذات الخلق الحسن المستوى جمع حباك كمثال ومثل أو جمع حبيكة كطريقة وطرق وقرئ الحبك بضم فاسكان والحبِكْ بكسر فاسكان والحبَك بفتحتين والحبِكَ بكسر ففتح والحبَك بفتح فاسكان والحبك بكسر فضم قاله ابن هشام وقال ابن جني قراءة أبي مالك الغفاري قال ابن هشام والمهمل من أوزان الثلاثى فعل بكسر الفاء وضم العين أي لكراهة الانتقال من الكسر الثقيل الى الضم الاثقل وأما قراءة أبي السمال فقيل لم تثبت وقيل اتبع الحاء للباء واللام ساكن حاجز غير حصين والاصل حبك بضمتين وقيل على تداخل اللغتين اذ يقال حبك وحبك بضمتين وبكسرتين فكسر الحاء من لغة الكسر وضم الباء من لغة الضم واعترض هذا بأن التداخل انما يكون بين حرفي كلمتين لا بين حرفي كلمة ووجهه بعض بعدم تسليم ان التداخل لا يكون في كلمة واحدة ووجهه الجار بردي بأنه تلفظ بالحاء المكسورة من لغة كسر الحاء والباء وغفل عنها وتلفظ بالباء المضمومة من لغة ضمها وقال ابن جني أراد القارئ أن يكسر الحاء والباء فبعد كسره الحاء قال القراءة المشهورة فضم الباء. قال ابن مالك هذا الوجه لو اعترف به من عزيت اليه هذه القراءة لدل على عدم الضبط ورداءة التلاوة ومن هذا شأنه لا يعتمد على ما سمع منه لا مكان عروض ذلك له واختار أبو حيان الاتباع للباء ورد بأن ال كلمة فهي حاجز حصين ومن ثم امتنع القراء من ضم الساكن في نحو ان الحكم الا لله وقل الروح وغلبت الروم ولم يلحقوها بنحو قل أنظر أو نحو أو أنقص وأجيب بأن هذا الاعتراض لا ينافي أحسنيه ذلك القول واعترض أيضاً بأنه لا يجري في غير الآية وأجيب بأنه لم يسمع في غير الآية فافهم
اطفيش
تفسير : {والسَّماءِ ذاتِ الحُبُك} أى الطرق جمع حبيكة كطريقة وطرق، أو جمع حباك كمثال، ومثل وذلك كحبك الماء الجارى القليل، أو الماء الماكث الذى تحركه الريح، والمراد الطرق المحسة التى تسير فيها الكواكب، أو المعقولة كوحدة الله تعالى وقدريته، وعلمه وحكمته، وسائر صفاته وايجاده الأشياء، وابقائه لها، واعدامها وسائر أفعاله، ومن أجاز الجمع بين الحقيقة والمجاز أجاز ارادة الطرق المحسنة والمعقولة، وعن ابن عباس: ذات الخلق المستوى الجيد، وقيل: المتقنة البنيان، وهما روايتان عن مجاهد وقيل: ذات الصفاقة يقال: حبكت الشىء، أحسنته وأتقنته، والحباكة الصفاقة. وعن الحسن: الحبك النجوم، وهو مجاز، وجهه أنها كالطرق فى التزين للسماء، كما يزين الثوب بوشيه، والسماء السماوات زينت بالنجوم، فى الفلك الأعلى وهن شفافات، أو السماء الدنيا زينت بالنجوم فيها أو تحتها، وعن على وابن عباس: السماء السابعة، وذلك قسم ثان أجابه بقوله: {إنَّكم لَفِي قَولٍ مُختلفٍ} اختلف بعضه مع بعض، أو مع الحق مثلى قولهم بتكذيبه صلى الله عليه وسلم، وقول المؤمنين بصدقه، على تعميم الخطاب، أو من الافتعال بمعنى التفاعل أى متخالف ينقض بعضه بعضا، فان كلا من قولهم: سحر وأساطير الأولين، وافتراء وتعليم بشر، وكلام مجنون، يخالف الآخر، ولا سيما أن المجنون لا يتعلم ولا يسحر، لأن السحر بالعقل وجودة الاحتيال، وقد يقولون ذلك من الجن على يد المجنون، لكن لا مميز ولو من الأطفال، يقولون انه صلى الله عليه وسلم مجنون، ومن اختلاف قولهم أنهم يقولون انه صلى الله عليه وسلم ساحر، وتارة يقولون مسحورة ذلك قول بعض، وأما شفاعة الأصنام لهم فالظاهر أنهم قالوا بها على فرض صحة البعث، لا على الجزم به، أو أثبتوها لأمر الدنيا، وعلى كل فى قولهم عور وشين وقبح، لا كحبك السماء، ويبعد ما قيل: ان أقوالهم شبيهة فى تخالفها بتخالف طرق السماء.
الالوسي
تفسير : أي الطرق جمع حبيكة كطريقة، أو حباك كمثال ومثل، ويقال: حبك الماء للتكسر الجاري فيه إذ مرت عليه الريح، وعليه قول زهير يصف غديراً: شعر : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك تفسير : وحبك الشعر لآثار تثنيه وتكسره، وتفسيرها بذلك مروي عن مقاتل والكلبـي والضحاك، والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة وهي ما تدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته جل شأنه إذا تأملها الناظر، وقال ابن عباس وقتادة وعكرمة ومجاهد والربيع: ذات الخلق المستوي الجيد، وفي رواية أخرى عن مجاهد المتقنة البنيان، وقيل: ذات الصفاقة وهي أقوال متقاربة وكأن الحبك عليها من قولهم: حبكت الشيء أحكمته وأحسنت عمله وحبكت العقدة أوثقتها، وفرس محبوك المعاقم ـ وهي المفاصل ـ أي محكمها. وفي «الكشف» أصل الحباكة الصفاقة وجودة الأثر، وعن الحسن حبكها نجومها. والظاهر أن إطلاق الحبك على النجوم مجاز لأنها تزين السماء كما يزين الثوب الموشى حبكه وطرائق وشيه فكأنه قيل: ذات النجوم التي هي كالحبك أي الطرائق في التزيين، واستظهر في السماء أنه جنس أريد به جميع السمٰوات وكون كل واحدة منها ذات حبك بمعنى مستوية الخلق جيدته، أو متقنة البنيان أو صفيقة، أو ذات طرق معقولة ظاهر، وأما كون كل منها كذلك بمعنى ذات طرق محسوسة فباعتبار أن الكواكب في أي سماء كانت تسير مسامتة لسائر السمٰوات، فممراتها باعتبار المسامتة طرق، وبمعنى ذات النجوم فباعتبار أن النجوم في أي سماء كانت تشاهد في سائر السمٰوات بناءاً على أن السمٰوات شفافة لا يحجب كل منها إدراك ما وراءه، وأخرج ابن منيع عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: هي السماء السابعة، وعن عبد الله بن عمرو مثله فتدبر ولا تغفل. وقرأ ابن عباس والحسن بخلاف عنه وأبو مالك الغفاري وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وأبو السمال / ونعيم عن أبـي عمرو ـ الحبك ـ بإسكان الباء على زنة القفل، وعكرمة بفتحها جمع حبكة مثل طرفة وطرف وبرقة وبرق، وأبو مالك الغفاري والحسن بخلاف عنه أيضاً بكسر الحاء والباء ـ كالإبل ـ وهو على ما ذكر الخفاجي اسم مفرد ورد على هذا الوزن شذوذاً وليس جمعاً، وأبو مالك والحسن وأبو حيوة أيضاً بكسر الحاء وإسكان الباء كالسلك ـ وهو تخفيف فعل مكسور الفاء والعين وهو اسم مفرد لا جمع لأن فعلاً ليس من أبنية الجموع ـ قاله في «البحر» ـ وابن عباس وأبو مالك أيضاً بفتحهما كالجبل، قال أبو الفضل الرازي: فهو جمع حبكة مثل عقبة وعقب، والحسن أيضاً بكسر الحاء وفتح الباء كالنعم، وأبو مالك أيضاً بكسر الحاء وضم الباء وذكرها ابن عطية عن الحسن أيضاً ثم قال: هي قراءة شاذة غير متوجهة وكأن بعد أن كسر الحاء توهم قراءة الجمهور فضم الباء وهذا من تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء أي لأن فيه الانتقال من خفة إلى ثقل على عكس ضرب مبنياً للمفعول، وقال صاحب «اللوامح»: هو عديم النظير في العربية في أبنيتها وأوزانها ولا أدري ما وراءه انتهى. وعلى التداخل تأول النحاة هذه القراءة، وقال أبو حيان: ((الأحسن عندي أن يكون ذلك مما أتبع فيه حركة الحاء لحركة تاء {ذات} في الكسر ولم يُعْتدَّ باللام الساكنة لأن الساكن حاجز غير حصين)).
ابن عاشور
تفسير : هذا قَسَم أيضاً لتحقيق اضطراب أقوالهم في الطعن في الدين وهو كالتذييل للذي قبله، لأن ما قبله خاص بإثبات الجزاء. وهذا يعم إبطال أقوالهم الضالّة فالقسم لتأكيد المقسم عليه لأنهم غير شاعرين بحالهم المقسمِ على وقوعه، ومُتَهالكون على الاستزادة منه، فهم منكرون لما في أقوالهم من اختلاف واضطراب جاهلون به جهلاً مركَّبا والجهل المركب إنكار للعلم الصحيح. والقول في القسم بــ {السماء} كالقول في القسم بــ {أية : الذاريات} تفسير : [الذاريات: 1]. ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حُبُك، أي طرائق لأن المقسم عليه: إن قولهم مختلف طرائق قِدداً ولذلك وصف المقسم به ليكون إيماء إلى نوع جواب القسم. والحُبك: بضمتين جمع حِباك ككِتاب وكُتب ومِثال ومُثُل، أو جمع حبيكة مثل طَريقة وطُرق، وهي مشتقة من الحَبْك بفتح فسكون وهو إجادة النسج وإتقانُ الصنع. فيجوز أن يكون المراد بحُبك السماء نُجوْمُها لأنها تشبه الطرائق الموشاة في الثوب المحبوك المتقن. وروي عن الحسن وسعيد بن جبير وقيل الحبك: طرائق المجرّة التي تبدو ليلاً في قبة الجو. وقيل: طرائق السحاب. وفسر الحبك بإتقان الخلق. روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة. وهذا يقتضي أنهم جعلوا الحبك مصدراً أو اسم مصدر، ولعله من النادر. وإجراء هذا الوصف على السماء إدماج أدمج به الاستدلال على قدرة الله تعالى مع الامتنان بحسن المرأى. واعلم أن رواية رويت عن الحسن البصري أنه قرأ {الحِبُك} بكسر الحاء وضم الباء وهي غير جارية على لغة من لغات العرب. وجعل بعض أيمة اللغة الحِبُك شاذاً فالظن أن راويها أخطأ لأن وزن فِعُل بكسر الفاء وضم العين وزن مهمل في لغة العرب كلّهم لشدة ثقل الانتقال من الكسر إلى الضم مما سلمت منه اللغة العربية. ووجهت هذه القراءة بأنها من تداخل اللغات وهو توجيه ضعيف لأن إعمال تداخل اللغتين إنما يقبل إذا لم يفض إلى زنة مهجورة لأنها إذا هجرت بالأصالة فهجرها في التداخل أجدر ووجهها أبو حيان باتباع حركة الحاء لحركة تاء {ذاتِ} وهو أضعف من توجيه تداخل اللغتين فلا جدوى في التكلف. والقول المختلف: المتناقض الذي يخالف بعضه بعضاً فيقتضي بعضه إبطال بعض الذي هم فيه هو جميع أقوالهم والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أقوالهم في دين الإشراك فإنها مختلفة مضطربة متناقضة فقالوا القرآنُ: سِحْرٌ وشعر، وقالوا {أية : أساطير الأولين اكتتبها} تفسير : [الفرقان: 5]، وقالوا {أية : إنْ هذا إلا اختلاق} تفسير : [ص: 7]، وقالوا {أية : لو نشاء لقلنا مثل هذا} تفسير : [الأنفال: 31] وقالوا: مرة {أية : في آذاننا وَقْر ومن بيننا وبينك حجاب } تفسير : [فصلت: 5] وغير ذلك، وقالوا: وحي الشياطين. وقالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم أقوالاً: شاعر، ساحر، مجنون، كاهن، يعلمه بشر، بعد أن كانوا يلقبونه الأمين. وقالوا في أصول شركهم بتعدد الآلهة مع اعترافهم بأن الله خالق كل شيء وقالوا: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } تفسير : [الزمر: 3]، {أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} تفسير : [الأعراف: 28]. و(في) للظرفية المجازية وهي شدة الملابسة الشبيهة بملابسة الظرف للمظروف مثل {أية : ويُمدهم في طغيانهم يعمهون} تفسير : [البقرة: 15]. والمقصود بقوله: {إنكم لفي قول مختلف} الكناية عن لازم الاختلاف وهو التردد في الاعتقاد، ويلزمُه بطلان قولهم وذلك مصبّ التأكيد بالقسم وحرف (إن) واللام. و{يؤفك}: يصرف. والأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء: الصرف. وأكثر ما يستعمل في الصرف عن أمر حسن، قاله مجاهد كما في «اللسان»، وهو ظاهر كلام أيمة اللغة والفراء وشمّر وذلك مدلوله في مواقعه من القرآن. وجملة {يؤفك عنه من أفك} يجوز أن تكون في محل صفة ثانية لــ{قولٍ مختلف}، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: {أية : وإن الدين لواقع} تفسير : [الذاريات: 6]، فتكون جملة {والسماء ذاتِ الحبك إنكم لفي قول مختلف} معترضة بين الجملة البيانية والجملة المبيَّن عنها. ثم إن لفظ {قول} يقتضي شيئاً مقولاً في شأنه فإذ لم يذكر بعد {قول} ما يدل على مقول صلَح لجميع أقوالهم التي اختلقوها في شأنه للقرآن ودعوة الإسلام كما تقدم. فلما جاء ضميرُ غيبة بعد لفظ {قول} احتمل أن يعود الضمير إلى {قولٍ} لأنه مذكور، وأن يعود إلى أحوال المقول في شأنه فقيل ضمير {عنه} عائد إلى {قول مختلف} وأن معنى {يؤفك عنه} يصرف بسببه، أي يصرف المصروفون عن الإيمان فتكون (عن) للتعليل كقوله تعالى: {أية : وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} تفسير : [هود: 53] وقوله تعالى: {أية : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إياه} تفسير : [التوبة: 114]، وقيل ضمير {عنه} عائد إلى {أية : ما توعدون} تفسير : [الذاريات: 22] أو عائد إلى {أية : الدين} تفسير : [الذاريات: 6]، أي الجزاء أن يؤفك عن الإيمان بالبعث والجزاء من أفك. وعن الحسن وقتادة: أنه عائد إلى القرآن أو إلى الدين، أي لأنهما مما جرى القول في شأنهما، وحرف (عن) للمجاوزة. وعلى كل فالمراد بقوله {من أفك} المشركون المصروفون عن التصديق. والمراد بالذي فعل الأفك المجهول المشركون الصارفون لقومهم عن الإيمان، وهما الفريقان اللذان تضمنهما قوله تعالى: {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والْغَوْا فيه لعلكم تغلِبُون} تفسير : [فصلت: 26]. وإنما حذف فاعل {يؤفك} وأبهم مفعوله بالموصولية للاستيعاب مع الإيجاز. وقد حمَّلهم الله بهاتين الجملتين تبعةَ أنفسهم وتبعة المغرورين بأقوالهم كما قال تعالى: {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } تفسير : [العنكبوت: 13].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ذَاتِ الْحُبُكِ} فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً، فذهب بعض أهل العلم، إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك، وعليه فالمعنى ذات الحبك أي ذات الطرائق، فما يبدو على سطح الماء الساكن أو الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح هو الحبك، وهو جمع حبيكة أو حباك، قالوا: ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك، ومن هذا المعنى قول زهير: شعر : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح خريق بضاحي مائة حبك تفسير : وقول الراجز: شعر : كأنما جللها الحواك طنفسة في وشيها حباك تفسير : وممن نقل عنه هذا القول الكلبي والضحاك. وقال بعض أهل العلم: ذات الحبك أي ذات الخلق الحسن المحكم، وممن قال به ابن عباس وعكرمة وقتادة. وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى: أية : {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}تفسير : [الملك: 3-4] إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول فالحبك مصدر، لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه، تقول فيه العرب: حبكه حبكاً بالفتح على القياس. والحبك بضمتين بمعناه. وقال بعض العلماء: ذات الحبك: أي الزينة. وممن روي عنه هذا سعيد بن جبير والحسن، وعلى هذا القول، فالآية كقوله:{أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}تفسير : [الملك: 5]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ق في الكلام على قوله {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا}تفسير : [ق: 6] الآية. وقال بعض العلماء: ذات الحبك أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله تعالى:{أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}تفسير : [النبأ: 12]. والعرب تسمى شدة الخلق حبكاً، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك. ومنه قول امرئ القيس. شعر : قد غدا يحملني في أنفه لاحق الأطلين محبوك ممر تفسير : والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق والمقسم عليه في هذه الآية هو قوله تعالى {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} [الذاريات: 8] أي إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وشأن القرآن، لأن بعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: سحر، وبعضهم يقول: كهانة، وبعضهم يقول: أساطير الأولين، وقول من قال في قول مختلف أي لأن بعضهم مصدق، وبعضهم مكذب خلاف التحقيق. ويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين. قوله تعالى في ق{أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ}تفسير : .[ق: 5] أي مختلط. وقال بعضهم: مختلف، والمعنى واحد. وقوله تعالى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] أظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري، أن لفظة عن في الآية سببية كقوله تعالى:{أية : وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ}تفسير : [هود: 53] أي بسبب قولك، ومن أجله، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول المختلف، والمعنى يؤفك أي يصرف عن الإيمان بالله ورسوله عنه، أي عن ذلك القول المختلف أي بسببه من أفك أي من سبقت له الشقاوة في الأزل، فحرم الهدى وأفك عنه، لأن هذا القول المختلف يكذب بعضه بعضاً ويناقضه. ومن أوضح الأدلة على كذب القول وبطلانه اختلافه وتناقضه كما لا يخفى، فهذا القول المختلف الذي يحاول كفار مكة أن يصدوا به الناس عن الإسلام، الذي يقول فيه بعضهم: إن الرسول ساحر، وبعضهم يقول شاعر، وبعضهم يققول: كذاب. ظاهر البطلان لتناقضه وتكذيب بعضه لبعض، فلا يصرف عن الإسلام بسببه إلا من صرف، أي صرفه الله عن الحق لشقاوته في الأزل فمن لم يكتب عليه في سابق علم الله الشقاوة والكفر لا يصرفه عن الحق قول ظاهر الكذب والبطلان لتناقضه. وهذا المعنى جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى:{أية : فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 161-163] ومعنى هذه الآية أن دين الكفار، الذي هو الشرك بالله وعبادة الأوثان، مع حرصهم على صد الناس عن دين الإسلام إليه ما هم بفاتنين، أي ليسا بمضلين عليه أحداً لظهور فساده وبطلانه إلا من هو صال الجحيم، أي إلا من قدر الله عليه الشقاوة وأنه من أهل النار في سابق علمه، هذا هو الظاهر لنا في معنى هذه الآية الكريمة. وأكثر المفسرين على أن الضمير في قوله: {يُؤْفَكُ عَنْهُ} راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، أي يصرف عن الإيمان بالنبي أو القرآن، من أفك أي صرف عن الحق، وحرم الهدي لشدة ظهور الحق في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن منزل من الله، وهذا خلاف ظاهر السياق كما ترى. وقول من قال: يؤفك عنه.أي يصرف عن القول المختلف الباطل من أفك، أي من صرف عن الباطل إلى الحق لا يخفى بعده وسقوطه. والذين قالوا: هذا القول يزعمون أن الإفك يطلق على الصرف عن الحق إلى الباطل، وعن الباطل إلى الحق، ويبعد هذا أن القرآن لم يرد فيه الإفك مراد به إلا الصرف عن الخير إلى الشر دون عكسه.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - وَيُقْسِمُ تَعَالى بالسَّماءِ ذَاتِ الاتِّسَاقِ وَالتَّرْكِيبِ المُحْكَمِ، كَاتِّسَاقِ الزَّرَدِ المُتَشَابِكِ المُتَدَاخِلِ الحَلَقَاتِ. ذَاتِ الحُبُكِ - ذَاتِ الجَمَالِ وَحُسْنِ التَّركيبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا قَسَم آخر يقسم الحق سبحانه بالسماء {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} [الذاريات: 7] من مادة (حَبَكَ) نقول مثلاً: هذا الشيء محبوك يعني: صُنع بدقة لا زيادةَ فيه ولا نقصان، وهكذا السماء نراها ملساء مستوية ليس فيها شقوق ولا فطور، لأنها خُلقتْ بدقة وإحكام، وقالوا: {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} [الذاريات: 7] أي: الطرق التي تسلكها الكواكب في سَيْرها. وجواب هذا القسم {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} [الذاريات: 8] والكلام عن كفار مكة المعاندين لرسول الله الذين اختلفت أقوالهم فيه كأنَّ الحق سبحانه يعطيهم إشارة إلى أن القول يجب أنْ يكون واحداً قصداً لا التواءَ فيه، كما في خَلْق السماء خَلْقاً محكماً لا اختلافَ فيه. كما قال: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 7-9] فالسماء استوت واستقامت لأنها خُلقت بميزان الحق، فإن أردتم أنْ تستقيم أموركم فأقيموها على وفق هذا الميزان، وإلا اختلفتم واختلفتْ أقوالكم. ومعنى {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] أي: يُصرف عنه أي عن رسول الله وعن الإيمان به {مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] صرفته الشياطين عن الإيمان، فمن مهمة الشيطان أنْ يصرف أهل الحق عن الحق، وأنْ يُزِّين لهم الباطل {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 121].
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عب الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} [الآية: 7]. قال: يعني استواءَها في حسنها. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: يعني المتقن البنيان [الآية: 7]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُؤْفَكُ عَنْهُ} [الآية: 9]. قال: يؤفن عنه. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} [الآية: 10]. أَي: لعن الكذابون الذين يخرصون الكذب. يقولون: لا نبعث ولا يوقنون بالبعث. وهي مثل قوله في عبس [الآية: 17] {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}تفسير : أَي لعن. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} [الآية: 11]. يقول: قلبه في مثل كنانة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الآية: 12]. قال: يقولون متى يوم الحساب؟ متى يوم الدين؟ أَيكون يوم الدين؟. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل {يُفْتَنُونَ} [الآية: 14]. يعني: يحرقون. أَي كما يفتن الذهب في النار {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} [الآية: 15]. يعني: حريقكم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن منصور، عن مجاهد في قوله: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الآية: 17]. قال يقول: كانوا قليلا من الليل ما ينامون. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن الحسن قال: يقول: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الآية: 17]. قال: ما ينامون. كانوا يمدون الصلاة إِلى الأَسحار، فاذا كان السحر أَخذوا في الاستغفار.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: معناه ذَاتُ الطَّرائِقِ. ويقال: ذاتُ الاستواءُ والحُسنُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: والسماء ذات الطرائق الحسنة، التي تشبه حبك الرمال، ومياه الغدران، حين يحركها النسيم. { إِنَّكُمْ } أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم، { لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ } منكم، من يقول ساحر، ومنكم من يقول كاهن، ومنكم من يقول: مجنون، إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة، الدالة على حيرتهم وشكهم، وأن ما هم عليه باطل. { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } أي: يصرف عنه من صرف عن الإيمان، وانصرف قلبه عن أدلة الله اليقينية وبراهينه، واختلاف قولهم، دليل على فساده وبطلانه، كما أن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، متفق [يصدق بعضه بعضًا]، لا تناقض فيه، ولا اختلاف، وذلك، دليل على صحته، وأنه من عند الله {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا }.
همام الصنعاني
تفسير : 2972- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ}: [الآية: 7]، قال: ذات الخلق الحسن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):